Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
الأسئلة
стр. 2732
الفتور وأسبابه وعلاجه
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! أنا شاب هداني الله لطريق الالتزام منذ عشر سنوات، ولكن خلال هذه الأيام الأخيرة أحسست بالتقصير في مجال الطاعات مثل صيام التطوع، والسنن الرواتب، وصار الأمر إلى التقصير عن الصلوات المكتوبات.
فما هي نصيحتكم حفظكم الله لي ولأمثالي وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أخي الحبيب! الفتور الذي تتكلم عنه يشكوا منه كثير من الصالحين.
وما أظن ذلك إلا لأسباب أهمها: ضعف التواصل، واللقاء، لما كان الشباب حريصين على التواصل واللقاء والعمل الدعوي الذي يكفل لهم جواً إيمانياً وصلة مستمرة وتعاوناً على البر والتقوى كانت الهمم عالية والنفوس متألقة، فلما ضعف التواصل فيما بينهم، وكثرة القالة، وغلب بعض الشباب سوء الظن بإخوانه، وغاب الإعذار، ولم يعد أحد يلتمس لأخيه عذراً في أي كلمة سمعت عنه؛ أو قيلت عنه امتلأت القلوب بهذا المرض، فانعكس قسوة ظهرت آثارها على الجوارح بالطاعة والعبادة.
والواجب على الشباب أن يصلحوا أحوالهم، إننا ندعو الطيبين والمتدينين وغيرهم أن يلتفتوا لأنفسهم، لأن أمراضاً أهمها مرض القالة والقيل والقال وسوء الظن وغيبة الأعراض وقطع اللحوم وفاكهة الذوات هي التي أحدثت هذه القسوة.
ويا أخي الحبيب! اسأل نفسك ما الذي اقترفته؟ إما أنك تساهلت بإدمان أو بالتساهل في مجالسة عصاة يجتمعون على معصية الله واستمرأت هذا، أو أنك هجرت إخوانك الصالحين وقلة مجالستك لهم، تلك المجالس التي لو قيل لأحدهم بعدها أوتر بأحد عشرة ركعة لأوتر غير متردد، أما لو جلس في مجلس فسق ولهو ثم عاد إلى البيت يريد أن يوتر بركعة واحدة يعجز ويصارع نفسه ويغالبها، وذلك من عاجل دلائل بركات حلق الذكر ومجالس الخير، ومن دلائل عاجل شؤم مجالس اللهو والغفلة.
وإني أقولها وأدعو الشباب أن يجمعوا إخوانهم الذين تشردوا ليس في الخارج لا، تشردوا عن دائرة المحبة والأخوة لسبب أو لرأي أو لموقف أو لحدث أو لقضية، حتى ولو كان هذا الشاب يوماً من الأيام قال قولة أنكرناها ولم نقبلها فإن من واجبنا أن نتلطف به، ألسنا لو جاء الآن بين أيدينا شاب وقلنا: هذا أخونا الآن خرج من سجن انفرادي، زنزانة المخدرات والترويج وتعاطي الهروين.
أقول يا إخوان: الله الله عليه بالرفق واللين واللطف، لا بد أن نحتويه، لا بد أن نبين له المحبة والمودة، ولا بد أن نغض الطرف عن بعض الأمور، وأن نذكره بمناقبه ومحاسنه، وأن نذكره أن أمة الإسلام بحاجة إليه، وأن نخوفه بالله، ونذكره بقلبه الذي فيه لا إله إلا الله.
أخونا المتدين الذي قضى زمناً في التدين والاستقامة ثم زل زلة، أو أخطأ خطأً، أو ارتكب أمراً، خلاص تغسل منه اليدين بالصابون وما عاد فيه أمل يرجع ولا يمكن، حتى إن بعض الشباب لأن فلاناً يرى ذلك الرأي لا يسلم عليه ولا يقابله ولا يستضيفه ولا يقبله ولا يطيقه أبداً، هذا ضيق عطن، وضيق أفق، وعدم فهم لما تحتاجه الدعوة من سعة العلاقة بالخلق أجمعين، وتوظيف طاقتهم لنشر دين رب العالمين.
стр. 2733
نصيحة لمتابعي برامج تشكك في مسلّمات الشرع
السؤال
أرجو توجيه نصيحة إلى بعض الشباب الذين يعيشون على متابعة البرامج الفضائية المتعلقة بالرأي والرأي الآخر وفي القضايا الشرعية المسلَّم بها للنقاش والحوار كتحريم شرب الخمر وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الذي ينبغي للجميع أن يحفظ سمعه وبصره وعقله ولبه وفؤاده، وإن كان قد تابع أو يتابع شيئاً من ذلك لمصلحة ظاهرة راجحة، فعليه ألا يحضر مجلسه من يسمع الشبهة فتستقر في قلبه ولا يفهم الرد عليها، وربما يكون من مقاصد أصحاب البرامج هذه أن يتفننوا في عرض الشبهات وأن يتقصدوا العجز في إيراد الأجوبة، إما باختيار الطرف العاجز في المقابل، أو بعدم إتاحة الفرصة الكاملة له أن يجيب.
وإني رأيت كثيرا ً من العقلاء وإن كان بعضهم من قبل كان يتحمس بقوة في قضايا الرأي والرأي الآخر والاتجاه المعاكس وإلى غير ذلك، أصبح الكثير منهم يقول: والله ما عدت أخالها أو أظنها إلا دسيسة يهودية.
أساساً يا أخوة الـ (بي بي سي البريطانية) لمن؟ هي يهودية في الأصل، ثم كانت لها مشكلة معينة في بث عربي وفوراً احتووا الموقف وجاءوا بهذه الطريقة عبر قناة من القنوات.
فلا تظن أخي الحبيب أن كل ما يطرح هو لصالحك، ولا تتحمس، قد تسمع حواراً فيه جزئية بسيطة تنتشي طرباً حينما تسمعها لكن لا يسرك أن تجد أحداً ينتصر لجارك وهو في المقابل يريد أن يهدم دارك، فالمسألة فيها كيد ومكر كبار، وهذا مخطط رهيب لاحتواء فكري وجعل الأمة في قوقعة فكرية في ظل خيارات وهمية، كلها خيارات لا تخرج عن الإطار المرسوم في ظل هذه الحوارات.
فكثير من الشباب لا يستطيع أن يستقل برأيه يقول أحدهم: ماذا تشجع في حلبة المصارعة هذا أو هذا، ما بوسعك أن تقول، تقول: أسأل الله أن يهلكهم جميعاً، تستطيع أن تقول هذا الكلام، ليست ملزماً أن تقول: أسأل الله أن ينتصر هذا على هذا، فكذلك في بعض القضايا لست ملزماً أن تؤيد هذا أو تؤيد هذا، لكن هم يجعلونك في جو اختيار ورأي حر، ثم تظن أنك قد اخترت الرأي، وفي كلا الحالين أنت لم تخرج عنه.
مثل الأب البخيل الذي يدخل عياله في محل كل شيء بخمسة ريال يقول: ماذا تريدون يا عيالي اختاروا، أساساً كل شيء بخمسة ريال أين الخيار؟
стр. 2734
حكم قراءة التوراة والإنجيل بهدف الاطلاع
السؤال
ما حكم قراءة كتب الإنجيل والتوراة بهدف الاطلاع؟
الجواب
ينبغي ألا يطلع عليها إلا من تدعوه دراسته وتخصصه لذلك، أما من باب الاطلاع وغير ذلك فيكفيك حكماً على هذه الكتب ما جاء في كتاب الله، الوقت الذي تصرفه في قراءة الإنجيل أو صحف التوراة اصرفه لقراءة القرآن تزداد يقيناً وثقة واعتقاداً بالله وكتابه ورسله وأنبيائه.
стр. 2735
حكم الدخول على النساء الأجنبيات
السؤال
يتساهل كثير من الناس في الدخول على النساء الأجنبيات، مثل أن يدخل الرجل على زوجة أخيه، بل إنها تكشف وجهها عنده.
فهل من نصيحة لهؤلاء؟
الجواب
نصيحتنا أن يتجنبوا مخالفة أمر النبي ﷺ ، فقد قال ﷺ : (إياكم والدخول على النساء، قيل: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال الحمو الموت) هذا ليس اتهاماً للحمو، لكن لمظنة ما يتساهل به الناس في دعوى الثقة التي تعقب الخلوة، وطول السهاد، وقرب الوساد، وكثرة الإمساس وفقد الإحساس ثم وقوع المشكلة، فلا ينبغي أن يتساهل في ذلك.
إن ديننا الذي علمنا حتى دخول الخلاء ودورة المياه أرشدنا إلى ضوابط في معاملات الناس فلا نظن أن الدين تركنا سدى ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] إن نتمسك بهذا الدين فنحن على خير وهداية بإذن الله .
стр. 2736
الاستمرار على التوبة ولو تكررت المعصية
السؤال
شاب يعصي الله ثم يتوب، ولكنه يعود ويعصي، ثم يتوب ثم يعود ويعصي.
فما هي نصيحتكم له؟
الجواب
نصيحتي لهذا الأخ الحبيب أن يتوب إلى الله، ولو فعل ثانية أن يتوب ويندم ويفعل الأعمال الصالحة ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ولو فعل ثالثاً يتوب ويرجع ويحرص ألا يجاهر: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) ويحرص ألا يهتك ستر الله عليه، قيل: (من المجاهر؟ قال: من يبيت يستره الله ثم يصبح يهتك ستر الله عليه) أذنبت ذنباً وستر الله عيك اسكت واستر، لا تتحدث تب إلى الله ، وكما ارتكبت هذا الذنب سراً فاجتهد في عبادات في السر تكون كفارة مع الحرص على العبادات والشعائر الظاهرة، واحرص على أن تجعل نفسك مع الصالحين الذين ترى بقاءك معهم بإذن الله أمان لك من الانزلاق المرات تلو المرات.
стр. 2737
السفر إلى الخارج للدراسة
السؤال
كثير من الإخوة يرحبون بك في ربوع الإحساء ويتمنون تكرار هذه الزيارة ومنهم هذا الأخ الذي يقول: هو طالب متفوق، ووجد بعثة دراسية إلى أمريكا لعدة سنوات، علماً بأنه يستطيع إتمام دارسته في هذا الوطن، لكن من حوله يشيرون عليه بالذهاب لأنه سوف تكون له مكانة في الوظيفة مستقبلاً فما هي نصيحتكم له؟
الجواب
أخي الحبيب إذا كنت على يقين بأن دراستك هنا تغني وتكفي وتفي بالمصلحة والغرض والحاجة فعليك أن تدرس هنا، أما إذا كانت دراستك هناك سوف تغطي مصلحة وغرضاً وحاجة يحتاج إليها المسلمون أو تحتاجها هذه البلاد وأبناؤها فإنك على خير وذهابك للمصلحة، ولكن نوصيك أن ترتب علاقتك قبل أن تذهب، وأن تعرف ما هي المدينة، وما أقرب مركز إسلامي، ومع من ستعمل، وكيف ستكون برامجك الدعوية وأعمالك الخيرية حتى تشغل نفسك بطاعة الله ودراستك، وما سوى ذلك لا وقت للضياع أو للفراغ أو للتسيب.
إذا كان في ذهابك مصلحة ظاهرة راجحة وشيء لا تجده فنعم.
أما لو كان الأمران سيان لا يختلفان فبقاؤك هنا أولى كما جاء في سنن أبي داود قال ﷺ : (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، لا ترآى نارهما) فالمكث بين الكفار فتنة، وأمريكا كما يقال هي البلاد التي ينسى فيها الغريب أهله، فتنة وغربة، أول ما يغترب فيها الإنسان لا يستطيع العودة منها، إلا من كان هم العودة والنفع والمصلحة الجادة للعود إلى بلاده ونفع أمته حاضراً بين عينيه، فلقد رأينا كثيراً ممن تساهلوا بذلك فضل أحدهم بعد أن عجز أن يجد عملاً هناك سحر عجيب وغريب، وإني كلما لقيت بعض الشباب أسألهم ما هي أسباب ذلك؟ فأسمع من الأجوبة الغرائب والأعاجيب.
стр. 2738
حكم مشاهدة ما يسمى بالمسلسلات الدينية
السؤال
ما حكم مشاهدة المسلسلات التي تسمى دينية والتي تعرض الأحداث التاريخية المهمة، لكن نرى في هذه المسلسلات بعض الموسيقى وغير ذلك من المحرمات؟
الجواب
أخي الحبيب: اختلط الحابل بالنابل وكلاً يدعي وصلاً بليلى، والنصوص التاريخية التي تحول إلى سيناريو وحوار ونص ومسرحية وتمثيلية وغير ذلك ما يعلم الإنسان مدى صدقها وعدم ذلك، لكن لا شك أن هناك بعض الشر أهون من بعض، هذا وارد، لكن هل نطمئن إلى ذلك؟ هل هي مصدر موثوق؟
الجواب
فيه نظر، ولا بد أن ينتبه الإنسان، فمن استطاع أن يملأ وقته وكل ما حوله بما ينفعه نفعاً صرفاً لا شك فيه فهو على خير، لكن إن قال: أنا لا خيار لي ولا حجة ولا سبيل إلا أن أخفف من الشر بمثل هذا، فنقول: إن تخفيف المنكر خير، لكن خير من ذلك بل الحق أن تنصرف النفوس إلى الوحي المعصوم من كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
السؤال
ما رأيكم يا فضيلة الشيخ! إذا كان في المسلسلات تبرج النساء والتميع في الكلام مع الموسيقى؟ الجواب: منهي عن ذلك، والنهي واضح وجلي، فالسلامة لا يعدلها شيء.
стр. 2739
أثر الغيرة في التربية
السؤال
فضيلة الشيخ: لقد تحدثتم بالغيرة لأن كثيراً من الأولياء قليل الغيرة على نسائه بحجة الثقة فيهن؟
الجواب
يخلط كثير من الناس بين التجسس والشك والغيرة.
التجسس افتراض السوء، وسوء الظن، والتربص لانتظار الوقيعة، وأما الغيرة فهي تصرف احتياطي يحول دون سوء الظن، ويمنع الوقوع في الشر، وهو الأمر المطلوب، والنبي ﷺ لما رأى عجل الصحابة، لما قال سعد: [لئن وجدت رجلاً يعمل كذا لأخترطن سيفي وأضرب بين رجليه] قال ﷺ : (أتعجبون من غيرة سعد والله إني لأغير منه، وإن الله لأغير مني، وإن غيرة الله أن يزني عبده أو تزني أمته).
قضايا الأعراض والقرب والدخول على النساء والاختلاط بالنساء، للأسف يا إخوان هناك ألوان من البلاء وداوهم من المصائب، أصبح بعض الشباب وبعض الرجال وبعض النساء يجلسن جلسات مختلطة وما فيها شيء، من قال لك: أننا نجتمع على زنا، وتدار الشربات والأكلات والمزاح والضحك وإلى غير ذلك، ولا تظن أن أحداً يسلك هذا النفق الخطر المظلم إلا ولا بد أن يناش من عرضه ما يناش بكلام وبنظرات وبغمز وبلمز إلى غير ذلك.
فالعقلاء يحفظون هذه الأعراض.
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد
стр. 2740
الدعاء ودوره في مواجهة الأعداء
السؤال
أرجو التنبيه إلى أهمية الدعاء لإخواننا المسلمين في الداخل والخارج، والتأكيد على عدم الاستهانة بفائدة الدعاء؛ لأني لاحظت كثيراً منا يكتفي غالباً بترديد ما يسمعه من الإمام، ولكنه لا يعود بالدعاء لنفسه ولا لإخوانه بدون تفكير إلا نادراً، مع أنه ربما يقبل الله دعوة رجل في لحظة ما وتكون سبباً في قصف ظالم والله قادر على كل شيء.
الجواب
جزاك الله خيراً أنت نبهت وأوصيت، وفيما قلت الكفاية والتمام، ولكن أود أن أنبه أن المؤمن داعٍ، أي: أنه حينما يدعو الإمام في القنوت أو أحد ويؤمّن السامع فإن السامع الذي يقول: آمين هو أيضاً في نفس الوقت داعٍ، ولذلك قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩] مع أن الذي كان يدعو موسى، والمؤمّن هارون، ومع ذلك قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩] فسمى كل واحد منهما داعياً مع أن موسى هو الذي يدعو وهارون هو الذي يؤمن.
فالتأمين على الدعاء دعاء، مع الحرص على ما ذكر السائل في أهمية الدعاء: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧].
يوجد حسابان في شركة الراجحي المصرفية، حساب ٢٢ للزكاة، وحساب ٣٣ للصدقات.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وجزاكم الله خيراً.
стр. 2741
الشباب بين فقه الطيور والجهاد
الشباب أمل الأمة الإسلامية المتوقد في نهضتها ورفعتها وتقدمها في جميع الميادين، ومن هنا كان لا بد من التربية على الجهاد والتضحية والفداء لهذا الدين، والاعتماد على النفس بعد التوكل على الله ، كما ينبغي ترك سفاسف الأمور والترفع عنها والتطلع إلى المعالي، ولا يتحقق هذا إلا بالعزيمة وقوة الإرادة وضبط النفس، وقد جاءت هذه المادة لتعالج مرضاً يعاني منه الكثير من شبابنا، فاقرأ تعرف.
стр. 2742
تأثير الجلساء والأصحاب على الفرد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة الشباب أحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولا أود أن أطيل في المقدمة ولكن سأبدأ بثلاثة أسئلة نريد أن نستنتج منها أموراً بسيطة ميسرة.
حينما ترون شاباً يهتم كثيراً بأمور الحمام والدجاج والطيور والأرانب والإوز، وتجدونه ذاهباً آيباً لأجل البيض، وعلى رأسه كرتون مقفص عن اليمين واليسار، هذا الشاب كيف اهتم بالحمام والطيور ونحوها؟ هل هو مولود في صندقة؟ لا.
وتجدون هذا الشاب يعتبر من فقهاء الطيور، أي: فقيه، وأكبر دليل على ذلك، أنني أعرف بعض الشباب ممن يبيعون ويشترون الحمام ضاع وقته مع الحمام ومع التحويم وهلم جرا، فأسأله أقول له: ما هي أنواع الحمام؟ يقول: والله هذا نوع (قطيفي) وهذا نوع كويتي، وهذا نوع (رقيص)، وهذا نوع (مقنبر) وهذا نوع بلجيكي وهذا مصراوي.
فتجده يفقهها فقهاً عجيباً، ولو احتجت أن أدرس دراسة حتى أعرف مستوى معرفته في الطيور ما عرفت سبحان الله! ويزيدك يقول: (القطيفي) في حالات يقلب في السماء ويهوز أحياناً، وأحياناً بعضهم من شدة جودته يقلب في الصندقة، ويقلب في الخيط ثلاث أربع مرات بكل سهولة.
وإذا كان الطير عزيزاً عليك وغالياً، ولا تحب أن يفوت أو يضيع، فيلزمك شيء مهم وهو أنك تضع في الماء الذي يشرب سكر حتى إذا بعته يرجع إليك، طبعاً لا تصنعوا في الماء سكراً.
المهم -يا شباب- أنا أعجب من هذا الشاب، فلديه طاقة وموهبة عقلية، فليس بغبي، ولا تظنون هؤلاء الشباب الذين يذهبون ويرجعون أغبياء! فعندهم عقول، لكن هذا العقل تسخر في ما يتعلق بفقه الحمام والطيور، فأنا أعجب من هذا الشاب كيف اكتسب هذه المعرفة وهذه القدرة؟! هل هو مولود في صندقة أو في قفص؟ إنه مولود في بيته أو في المستشفى بقسم الولادة، شيء طبيعي، لكن من أين اكتسب هذه المعلومات؟ اكتسب هذه المعلومات بالصحبة الذين يخالطهم ويذهب معهم ويأتي معهم، كان اهتمام أصدقائه وأصحابه كله موجه إلى الطيور والحمام وأنواعها وأشكالها وطريقة (الطبة) وما (الطبة) والبيع، وكيف تولد وكيف تبيض، وهلم جرا.
تأتي إلى شاب آخر، فتجد عند هذا الشاب أحكاماً عجيبة جداً جداً في مسألة الكرة، فالكرة فيها كذلك قوانين رياضية معروفة، كم حجم الهواء الموجود في الكرة، كم وزن الكرة، وكم عدد الفريق، ومتى ينزل الاحتياطي ومتى لا ينزل، ومتى يأخذ كرتاً أصفر ومتى يأخذ كرتاً أحمر، ومتى يطرد من الملعب، ومتى يصير فاولاً، ومتى يكون تسللاً، ومتى تكون ضربة جزاء، وما حكم الوقت الضائع، وما عقوبة الغلط على الحكم، وهلم جرا، وتجد هذا الشاب عنده معلومات دقيقة جداً، فقد أجلس بجانبه وكلنا يشاهد مباراة، فهو يعرف أن هذا الهدف تسلل وأنا ما أعلم ما معنى التسلل.
حينما نجد شاباً يهتم بالحمام أو نجد شاباً يهتم بالكرة، فهذا ليس شاباً غبياً، إن هذا عنده عقل، لكن هذا الشاب الذي تفقه في أمور الرياضة وأحكام الرياضيين وما يتعلق بها، هل هو مولود في الملعب أو تربى في الملعب أو بيتهم في البوابة؟ طبعاً لا، وإنما جالس وخالط شباباً كان جل اهتمامهم الكرة والرياضة ولا اهتمام لهم سواها.
وهكذا تجد صنفاً ثالثاً من الشباب، جل اهتمامه في السيارات، فتجده يعرف كل ما يخص بالسيارات، حتى أنك لو أتيته تشكو إليه مشكلة في سيارتك قال: الأمر سهل يا أخي! ودلك على الخلل وكيف يمكن تصليحه، الشاب فقيه جداً في أمور السيارات، فهل هذا مولود في ورشة؟ طبعاً لا، إنما الذي جعله فقيهاً دقيقاً في مسألة السيارات وأصنافها ونحو ذلك أن لديه مجموعة شباب كانت اهتماماتهم الموديلات، والفرق بين الموديل الفلاني والآخر وغير هذا من أمر السيارات.
إذاً أريد أن أخلص من هذا بنتيجة: أن الذي يحدد اهتمامك واتجاهك هم صحبتك وجلساؤك وأصدقاؤك، فإذا كان جلساؤك أهل حمام فأبشر، ستحط على رأسك كرتوناً وقفصاً بجانبه، وإن كان جلساؤك وصحبتك أهل اهتمامات رياضية فستكون من فقهاء الرياضة، وإذا كانت اهتماماتك اهتمامات خاصة بالورش الصناعية فستجد نفس القضية، فإذاً ينبغي أن نعرف: المسألة الأولى: أن شبابنا في المرحلة الثانوية أو المتوسطة أو ما بعدها، أو حتى الشباب الذين يدورون في الأسواق والله ما هم بأغبياء، والله فيهم ذكاء لا يخطر على بالكم، ولكن بدلاً من أن يكون ذكاء الشاب يتعلق بمجالات عديدة، بدلاً من أن ينطلق في الاتجاهات الأربع حصرناه في اتجاه واحد ألا وهو اتجاه الكرة أو الحمام أو الرياضة كمثل من الأمثلة.
هذه مسألة.
المسألة الثانية: قلنا إن الشباب أذكياء، وليس عندهم قلة ذكاء أو قلة عقول، ولكن الصحبة المحيطة بهم بدلاً من أن تجعل عقولهم تنتشر في شتى المجالات، جعلت عقولهم تنحصر في مجال قد لا يكون جديراً بالاهتمام أو لا يكون جديراً بالاهتمام إلى الدرجة والقدر الذي بلغ به أولئك.
стр. 2743
احتقار الشباب للذات
أيها الشباب! إن الإنسان من هؤلاء السابق ذكرهم تجد مصيبته في أحد أمرين: إما أن يكون متكبراً متغطرساً مغروراً، وإما أن يكون محتقراً لنفسه.
أي أن عندهم مشكلتين والوسط بينهما فضيلة: إما الغرور وإما احتقار الذات، إما أن يكون مغروراً، ولا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر، وإما أن يكون محتقراً ذاته، والذي أود أن أركز عليه مسألة احتقار الذات.
شبابنا فيهم خير كثير، المرحلة الثانوية في مختلف أنحاء المملكة مليئة بالمواهب والعقول الطيبة، ولكن المصيبة أن كثيراً منهم يحتقر نفسه، وربما لو قلت لأحدهم: ما رأيك أن تأتي تدرس برمجة كمبيوتر؟ يقول: أنا لا أنفع في هذه الأمور.
ومن قال لك: إنك لا تنفع؟ ما الذي جعل الطفل الأوروبي أو الأمريكي منذ الصغر وهو يتعلم لغة البيسك والكوبول والبرمجة وما يتعلق بذلك، وأنت بهذا العقل وبهذا الحجم وبهذا المستوى تُحجم وتقول: أنا ما أنفع ولا أصلح لشيء؟ ربما أن التربية التي تلقيناها يوماً ما من بعض الآباء أو الأمهات أو الأقارب جعلتنا نحتقر أنفسنا، تجد الإنسان مثلاً يدخل عند أبيه -وأبوه عنده ضيف- يقول: هذا ولدك فلان؟ يقول: إيه يا رجل! هذا لا ينفع لا في شاردة ولا واردة، هذا ليس بكفء في أي شيء إلخ، فالمصيبة -أيها الإخوة- أن بعض الشباب ربما تلقى إهانات واحتقاراً منذ الصغر إلى درجة أن والده لا يثق به أن يشتري عنزاً، حيث تقول لأبيك: أعطني أربعمائة ريال أشتري خروفاً فلا تجد عنده استعداداً أن يثق في ولده في شراء خروف.
ويقول: أخاف أن يضحكوا عليه؛ لكن هل يعطونه بطة ويقولون له: هذا خروف؟ طبعاً لا.
وليكن أنك أخطأت أو زللت في المرة الأولى وباعوك شيئاً فيه عيب أو مرض أو نقص، فليست بمشكلة، في المرة الثانية تكون أفضل لكن مشكلة بعض الشباب إما أن يتكون لديه عقدة مبكرة في أول فعل أو أول تصرف أو سلوك كان بينه وبين والده؛ فأصبح يعتقد أنه لا يصلح لشيء، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً.
جاء إليَّ شاب يوشك أن يبكي، قلت له: تعال يا أخي! توضأ، فجلسنا في المسجد وصلى معي، قلت له: ما هي قصتك؟ قال: أبي يحتقرني، ما يراني بحجم المسئولية، لست بكفء، لدرجة أني لو أخرج من البيت؛ يخاف علي ويحسبني بنتاً لا يثق بي ولا في قدرتي الرجولية على نفسي، ولا حتى في ثقته بي أني أشتري شيئاً أو أقدم شيئاً أو أقضي حاجة للبيت.
وما زلت مع هذا الشاب في الحديث معه حتى قلت له: انظر، أول مسألة: أريدك أن تفرض لنفسك برنامجاً ونظاماً في البيت، فيعرف أهلك أن لديك نظاماً معيناً تمشي عليه.
قال كيف:؟ قلت: دعهم يعرفون عنك، أنه متى أذن المؤذن، فإنك ولو كنت جالساً تشرب معهم، ستتوضأ وتخرج تصلي.
الأمر الثاني: عودهم على برنامج معين، مثلاً: أنك بعد العصر تجلس معهم نصف ساعة أو أربعين دقيقة أو خمس وأربعين دقيقة، وبعد ذلك تنظر في ساعتك تقول: والله، انتهى الوقت أنا الآن أذهب إلى غرفتي وأبدأ أذاكر دروسي، أي أنك احترمت وقتك وشخصيتك، فحينئذ هم يحترمونك.
مسألة ثالثة: إذا جاءك زملاؤك، فليس كل من ضرب لك (البوري) قمت أخذت (الغترة) وخرجت معه.
لا، اجعل وقتاً معيناً مخصصاً للزملاء، وما سوى ذلك اجعله لقراءتك، لاطلاعك، ولثقافتك ولدروسك، ولمراجعاتك، وأخبر أهلك قائلاً: من هذا الوقت إلى هذا الوقت كل من جاءني، فقولوا له: أنا مشغول.
وكلمة مشغول يستطيع أن يقولها أي واحد منكم كما يقولها مدير دائرة أو مدير قسم.
إلا في حاجة والديك، فلا يجوز أن تعتذر بأي شغل عن حاجتهما.
المهم: حينما تفرض نظاماً، وأهلك يعرفون أنك احترمت نظامك هذا، ثق كل الثقة أنهم سيجعلون منك رجلاً آخر.
والله يا شباب من شهرين تقريباً لما طبق هذا الأمر، وأصبح أهله يرون فيه القدرة والرجولة، وأصبح يدير نفسه إدارة جيدة، تزوج من مدة شهرين، فبلغت منهم الثقة برجولته بعد أن كان كالبنت عندهم، لا يدعونه يخرج لحاله، ويخافون عليه، ولا يدعونه يشتري شيئاً، ولا يثقون به في قضاء حاجة، مجرد أن الرجل فرض إرادته وفرض شخصيته الرجولية، ولم يفرض إرادته في الإتيان بعشرة أفلام فيديو ثم جلس يتفرج عليها، ويا شغالة هات شاي، ويا سواق هات لي (فصفص) لا، إنما فرض رجولته في أعمال وتصرفات وسلوك الرجال.
منذ شهرين عرض عليه أبوه قال: تزوج يا ولدي.
طبعاً هو يريد أن يتزوج، فعمره حوالي ثماني عشرة سنة أو تسع عشرة سنة، طبعاً ضحك واستحى.
المهم أن هذا الشاب جاء إلي وأخبرني قال: الوالد عرض علي الزواج.
ما رأيك؟ قلت: رأيي أن توافق.
قال: لكن من أين أصرف عليها وماذا أعطيها؟ قلت: أنت عندك رغبة في الزواج أو لا؟ أنت رجل أو لست رجلاً، فحل أو لست فحلاً؟ قال: بلى.
أنا رجل وأريد أن أتزوج.
قلنا: إذاً وافق على الزواج وربي يطيل في عمر والدك على طاعته، وتسكن مع والدك في هذا البيت، والآن -ما شاء الله- هو في الثانوية ويخرج لدراسته، ويعود إلى زوجته، ويسلك سلوك الرجال في معاملته.
إذاً هل يفرض علينا فرضاً -يا شباب- ألا نبدأ حياة الرجولة إلا من بعد الثلاثين عاماً وما قبل الثلاثين حياة اللف والدوران ومضيعة الوقت واحتقار الذات وهوان الشخصية؟ لا، نريد أن نعرف أن لنا قدراً منذ أن نبلغ، ولذلك الإسلام جعل حد المعاملة وحد التكليف في البلوغ.
الشاب إذا بلغ عمره خمس عشرة سنة أو ست عشة سنة إذا قتل فإنه يقتل، وما جعل الإسلام حد التكليف بالحصول على الشهادة الجامعية، أو حد التكليف أن الإنسان إذا أثبت نفسه يعتبر مكلفاً.
لا، الإسلام جعل البلوغ هو دليل الرجولة، فما دمت قد بلغت، فلتعرف أنك قد صرت رجلاً مؤاخذاً ومحاسباً، فلو قتلت إنساناً ستقتل به، لا تقل: لا، ما دام أنك أصبحت بالغاً؛ فإنك تقتل لو قتلت، ولو سرقت لقطعت يدك، ولو زنيت -والعياذ بالله- فإنك تجلد.
هذه المنزلة التي جعلها الإسلام للرجل أو للشاب منذ حد البلوغ دليل على أن الإسلام يريد أن ينهض بنا وبكم من وقت مبكر، وإلا أين أعمارنا منذ أن بلغنا؟ أين ضاعت الأعمار؟ يا شباب! والله إننا نعجب أن شباب البعث الذي ينتمون إلى حزب البعث في العراق، والذين ينتمون إلى الأحزاب الاشتراكية في بعض الدول، في عمر الست عشرة سنة يعرف الرجل كيف ينتمي، ويشعر أن له انتماءً عقدياً، تجده يقول عن نفسه: أنا بعثي، وأعرف أن أفكار البعث تقوم على الوحدة والحرية والاشتراكية القومية والمساواة والعلمانية.
تجده يعرف هذه الأفكار ويدرسها منذ المراحل الثانوية، بل ويتدرب حتى على التربية العسكرية في وقت مبكر.
لماذا هذا الشاب البعثي أو الشاب الاشتراكي أو الشاب الشيعي أو الشاب أياً كان اتجاهه يعترف ويعتز بعقيدته في وقت مبكر، ونحن يا شباب الإسلام لا نعتز إلا بقصة الأسد وربطة (رامبو) و (بريك دانس) وهلم جرا؟ تصوروا في ثانويات العراق لا يدخلون الفصول بعد الطابور إلا بعد أن يمسك كل واحد الرشاش ويطلق كذا طلقة في الهواء ثم يدخلون؟ رجولة مبكرة، والآن لو نطلق طلقة كلنا انبطاح على الأرض، يتوقع المسألة فيها حرب.
إننا نريد أن نعترف برجولتنا من وقت مبكر
ويا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا!
والله يا شباب إن فيكم خيراً كثيراً، ولكن هل بحثتم عن منابع هذا الخير؟ هل حاولتم أن تكتشفوا الطاقات؟ انظروا! عندما تأتي ممثلة ساخرة سافرة، أو يأتي ممثل خليع ماجن، ويعملون معه مقابلة في أي برنامج، أول ما يبدءون معه: يا سعادة الممثل! متى بدأت تكتشف مواهبك؟ يقول: والله كان المرحوم بليغ حمدي هو الذي اكتشفني، أو كان محمد عبد الوهاب أو الموسيقار فلان هو الذي اكتشفني.
إذاً ستجد أن هذا الشاب كان طاقة، وجاء من ينقب عن مواهبه حتى اكتشف من بينها أمراً أخرجه وميزه.
فأنتم يا شباب! من تنتظرون أن يكتشفكم؟ نبيل شعيل؟ أو عبد الله الرويشد؟ من يأتي يكتشف مواهبنا يا شباب؟ إذا نحن لم نبحث ونفكر ما هي الجوانب الإيجابية في نفوسنا؟ هل عندنا حب للقتال؟ هل فينا حب للعسكرية؟ هل عندنا جوانب فكرية؟ هل عندنا رغبة في المعادلات والرياضيات المعقدة التي تجعل الإنسان ربما يصل يوماً ما إلى تطوير قانون أو حساب نظرية جديدة؟ أم تبلغ الأعمار خمس عشرة سنة، تسع عشرة، أو خمساً وعشرين، والشاب لا مواهب له ولا اتجاه ولا قدرة؟ أنت إما تكون وإما أن لا تكون، إما أن توجد ويكون لك شأن وتكون لبنة في بناء المجتمع وإما أن تكون تراباً.
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
أي: تكون من بين هذا التراب ولا أحد يعرفك، وربما يدس على رأسك وأنت لا تدري، وإما أن يقال: رحم الله فلاناً منذ صغره.
للأسف تجد من الشباب من يقول: أنا! أنا! أنا! لست بكفء في أي شيء.
حتى وإن جئت تتهمه يقول لك: لا، أنا رجل، لكن بينه وبين نفسه يقطع في أصابعه، أنا لا أصلح لشيء، بعض الشباب الذين انقطعوا عن الدراسة في وسط الثانوية ولا عمل لهم الآن عندما أجلس مع بعضهم، أقول له: يا أخي! لماذا لا تذهب إلى المعهد الملكي؟ يقول: أنا سمكري! لماذا لا تدرس في المعهد المهني؟ لماذا لا تواصل دراستك؟ لماذا لا تدخل دورة كمبيوتر؟ ادخل لك دورة معينة مهنية أو تدريبية.
تجده عنده قاعدة أنه فاشل لا يفهم ولا يعرف شيئاً.
اقتناعك بأنك فاشل، لا يفتح أمامك مجالاً للنجاح والبروز والنبوغ يوماً ما.
بادئ ذي بدء، حتى ولو لم تكن تعرف (أب ت ث ج) و (١+١) قبل أن تعرف هذه، أريد كل واحد منكم أن يعتقد وأن يقتنع أنه شيء ويستطيع أن يحقق شيئاً، وبدون هذا -أيها الشباب- والله لن نستطيع أن نثبت أنفسنا في خضم هذا الواقع، وبدون هذه القناعة بأننا رجال وأننا أكفاء ونقدر على أن نفعل شيئاً، بدون هذا لن نستطيع أن نغير في واقعنا أو نغير في أنفسنا حتى أي شيء.
стр. 2744
من سير شباب الإسلام
стр. 2745
شاب تأكله الطيور والسباع بعد استشهاده
قال أحد قادة الإسلام: دعوت الناس إلى الجهاد في صلاة الجمعة ذات يوم -من القرون المتقدمة- فجاءت امرأة وطرقت علي الباب في الليل وقالت: أيها الأمير! دعوت الناس إلى الجهاد ولا مال عندي أتصدق به، فلم أجد إلا ظفيرتي هذه، فحلقت شعري، أريد أن تجعل منها لجاماً لفرسك في سبيل الله.
انظروا! يوم أن كانت الأمة أمة، كانت المرأة تعتقد أنها تصنع شيئاً، فما بالك بالشباب والرجال؟! قال القائد: فدعوت لها وأخذت ظفيرتها وجعلتها لجاماً لفرسي، قال: فلما نزلت المعركة إذ بي أجد فتىً حدثاً يافعاً قال: ووجدت معه قوساً ونبلاً، وما شد وتر القوس إلا سقط النبل في واحد من الروم، يقول: عجبت من هذا الشاب الذي يحسن الرماية وهو في هذا العمر.
ماذا حصل؟ قال: فأشغل الروم أمر هذا الفتى، فقد تسلط عليهم بالسهام وأصبح يقتلهم واحداً بعد الآخر، قال: فلعلهم اجتهدوا في تحديد موقعه أو مكمنه، ثم رموه بسهم سقط في قلبه، فخر الفتى ميتاً، قال: فأهمني أمره وترجلت عن فرسي، وجئت إليه ونزعت السهم من قلبه، ثم حملته شهيداً في المعركة، وتوجهت به ودفنته.
قال: ثم حملته على فرسي وكررت نحو القوم، وعدت متحيزاً -الفارس لا يجوز له أن يهرب، لكن يجوز له أن يتحيز ويلف يميناً ويساراً، ويتقهقر ويتقدم، كر وفر، هذا يجوز- يقول: فعدت متحيزاً، وإذ بي أجد الفتى قد لفظته الأرض -خرج من الأرض- قال: فعجبت لشأنه! قلت: لعلي لم أحسن دفنه أو أن شيئاً من السباع جرت ثيابه، فعدت وحفرت له قبراً مرة أخرى أعمق من الذي قبل ودفنته، قال: ثم حملت على العدو وعدت متحيزاً، فإذ بي أجد الفتى قد لفظته الأرض -خرج مرة أخرى- فقلت: أدفنه مرة ثالثة ولا أعود لدفنه مرة أخرى، المعركة أمامي ولا أستطيع أن أنشغل به أكثر من هذا.
دفنه المرة الثالثة فلما حمل على العدو، وجاء متحيزاً أو كاراً مرة أخرى إذا به يجد السباع والطيور تأكل من لحمه وعظمه وما بقي منها شيء، قال: فعجبت من شأنه، ومعي مزادته وما بقي من قوسه ونباله، يقول القائد: فلما انتهت المعركة أويت إلى داري وسألت الجند: من يعرف هذا الفتى وأين بيته؛ لكي أرسل ما بقي من متاعه ومزادته إلى أهله؟ فدلوني على بيته، وطرقت الباب فإذا بامرأة ترد علي، صوتها صوت تلك المرأة التي جاءت بظفيرتها وجعلتها لجاماً لفرسي، قلت لها: أهذا ولدك؟ قالت: نعم، أسألك بالله هل تقبله الله شهيداً؟ قال: إي والله.
قالت الأم: وهل دفنته أيها الأمير؟ قال: دفنته ولكن لفظته الأرض.
قالت: ثم دفنته؟ قال: ولفظته الأرض.
قالت: ثم دفنته؟ قال: فأكلته السباع والطير، قالت: الحمد لله الذي استجاب دعوته.
ولما همت بالانصراف قال: أسألك بالله يا أمة الله! ما شأن هذا الفتى فقد أعجبني أمره وشغلني شأنه؟ قالت: والله أيها الأمير! إن شأن هذا الفتى عجيب! كان في النهار لا ينفك عن رمي بنبل وسهم، وإذا جن الليل أحسن وضوءه، واجتهد في محرابه وهو يصلي ويقول: اللهم اقتلني شهيداً في سبيلك، واحشرني في حواصل الطير وبطون السباع، اللهم اقتلني شهيداً في سبيلك واحشرني يوم القيامة في حواصل الطير وبطون السباع.
فتلك دعوته، قال: لقد أجاب الله دعوته ورأيت السباع والطير كلٌّ قد نال من لحمه شيئاً.
طبعاً الشهيد لا ينال من آلام الموت كما ينال أحدكم من ألم القرصة حينما يذوقها.
стр. 2746
أمنية لربيعة بن كعب
انظروا إلى أمنية أخرى من أمنيات شباب الإسلام: فتىً يقال له ربيعة بن كعب، كان يخدم النبي ﷺ ، فأحبه النبي وأعجب به، فقال له النبي: (يا ربيعة! اسألني حاجتك) أي: ماذا تطلب؟ الآن لو سألت أحدهم: ما حاجتك؟ تجد آماله معلقة بالسيارات وغير ذلك، فالنبي يقول لهذا الشاب: (يا ربيعة! اسألني حاجتك) فأطرق ربيعة ملياً، هل يطلب ناقة أو يطلب جملاً أو يطلب شيئاً من الماعز.
قال: (يا رسول الله! وتعطيني ما أسأل؟ قال: أعطيك يا ربيعة.
قال: حاجتي أريد مرافقتك في الجنة يا رسول الله) انظروا إلى الأماني: شاب صغير يفكر في الجنة، وليس في أي منزلة، يريد الجنة مع رسول الله ﷺ ، أريد مرافقتك في الجنة.
فقال النبي ﷺ : (أوغير هذا يا ربيعة؟) قال: (هو ذاك يا رسول الله، لا أريد إلا مرافقتك في الجنة.
فقال النبي ﷺ : إذاً أعني على نفسك بكثرة السجود) لأن منزلة النبي في الجنة عالية، فتحتاج إلى كثرة السجود؛ لأنك ما سجدت لله سجدة إلا رفعك الله بها منزلة، ومنازل الأنبياء تحتاج إلى هذه العبادة وإلى مثلها مما يتقبله الله جل وعلا.
الحاصل -أيها الشباب- نريد أن نتذكر أسلافنا وأن نرتبط بهم.
تجد بعض الشباب في سيارته صورة أربعة مطربين، وبعض الشباب تجد في حجرته صورة أربعة نجوم من نجوم الكرة أو من نجوم السينما، هاتوا لنا فريقاً يرد فلسطين؟ فلسطين كم لها من سنة؟ ستين عاماً وفلسطين تحت أيدي اليهود، الاتحاد الدولي لكرة القدم هل يستطيع أن يرجع فلسطين؟ أجمعية الفنانين يرجعون فلسطين؟ أجمعية نجوم السينما يرجعون فلسطين؟ أبطال الأوبرا، رجال الأوسكار، كرنفال جنيف كل هؤلاء لا يرجعون من أرض المسلمين شبراً واحداً.
من هو الذي يرجع فلسطين؟
شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا
وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا
هؤلاء الشباب هم العملة النادرة التي تبحث عنها الأمة.
стр. 2747
شخصية محمد بن القاسم
يا شباب! لعلكم أن تكونوا منهم، يا شباب! ليكن كل واحد منكم محمد بن القاسم:
إن المروءة والسماحة والندى لـ محمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشر حجة
أي: وعمره سبع عشر سنة يقود الجيوش ويفتح السند والهند، وأخيراً يأتي محرفوا التاريخ مثل جورج زيدان وقسطنطين زريق وجورج حبش وغيرهم يقول لك: إن محمد بن القاسم كان يموت في هوى سيتا بنت الملك، ويطلع في بعض الأفلام والمسلسلات -كما ترون- قائد من قادة الإسلام، الله أكبر في المعركة.
وأخيراً هذا القائد الذي كان قبل قليل يصول ويجول، يرجع في المشهد الأخير لكي يتبادل كلمات الغرام مع عشيقته أو مع محبوبته، وهي تقول له: حفظك الله، وتصيح عليه وتخاف عليه أنه يموت وما تتزوجه! هذا من سمت رجال الإسلام؟ يا أحبابنا، يا رجالنا، يا شبابنا! تاريخكم محرف، افهموا جيداً واعرفوا أن فيكم من البطولات والرجولة ما لا يعلمه إلا الله.
стр. 2748
شباب من أفغانستان
في أفغانستان قابلت شاباً اسمه خالد باشا -من أبناء وشباب الطائف - والله يا شباب إنني رأيته، فرأيت في وجهه الشهادة في سبيل الله، وكان معي أحد المشايخ قلت: يا شيخ! هذا الشاب أظنه يقتل شهيداً في سبيل الله.
وشاب آخر اسمه أبو زيد القمري من الشباب الأحداث، كان في منطقة مكشوفة ليس فيها تلال ولا سهول، أريد أن أبرهن لكم أن فيكم قوة وقدرة وأنتم ما نزلتم إلى ميدان الرجولة وإثبات الذات وتحقيق الشخصية؛ لأنك تعتقد أنك لا تصلح لشيء ولا تنفع في شيء، أمنياتك سيارة أو حاجة بسيطة، أريد أن تكون أمانيكم عالية:
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
أبو زيد القمري، هذا شاب من الشباب، والله يا إخواني يقف في منطقة مكشوفة أمام العدو -أمام الشيوعيين والروس في أفغانستان - تصوروا كيف كان يعمل؛ هل كان يختبئ وراء جبل ويضرب الدبابات؟ هل كان يطلق على الراجمات البعيدة سكربيت سكرشل -صقر عشرين وصقر ثلاثين- عشرين كيلو ثلاثين كيلو.
لا، كان يقف على طريق الدبابة، يصنع خندقاً برميلياً عبارة عن حفرة في الأرض بقدر عمق البرميل ويسقط فيها ومعه الآر بي جي -الآر بي جي: سلاح جيد لضرب الدبابات يحمل على الكتف- وقذيفته معه فينزل في هذا الخندق، وبعد يقرأ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١] وما إن يرى الدبابة: باسم الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] أخذ القذيفة وربطها على الآر بي جي وبسم الله، حتى إذا قربت الدبابة؛ خرج من الخندق يقول له الشباب: يا أبا زيد! اجلس في الخندق واضرب وأنت جالس.
قال: لا، الموت ساعة لا تتقدم ولا تتأخر، إن كتب الله أن أموت مت ولو وسط الخندق، وإن كتب الله الحياة في الخندق أو خارج الخندق.
فيقوم فإذا مرت الدبابة؛ صوب القذيفة إلى برج الدبابة.
أحسن ضربة للدبابات في البرج -أعلى الدبابة- وخاصية قذيفة الآر بي جي أن درجة الحرارة فيها قوية جداً، وتدخل في عمق فولاذ الدبابة حوالي ١٥ سم ثم تنفجر بعد دخولها، وتسبب انشطاراً قوياً وتحرق الدبابة ومن فيها.
تصوروا يا شباب كم أهلك هذا الفتى من الدبابات! وفي يوم من الأيام صعد هذا الشاب وإذ بدبابتين وراء بعض، ضرب الأولى، وهو يحتاج وقت حتى يأخذ القذيفة الثانية ويركبها ويضرب بها، لا يوجد وقت، الدبابة أسرع، فتوجهت الدبابة بالفوهة نحوه ووقف أمامها ووقفت أمامه، والرجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ضربت الدبابة تلك الضربة التي لا يشك أحد أنها ستمزق أشلاءه، فإذ بها تمر بجانبه برداً وسلاماً بعيداً عن المكان! وماذا بعد ذلك يا شباب؟ ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] باسم الله والله أكبر، ويضرب الدبابة الثانية ويفجرها.
يا شباب أنتم فيكم قدرة لا تخطر على بال.
شاب من أهل اليمن أعرفه جيداً، والله يا إخوان كان يعمل هنا كهربائياً، وهذا ليس بعيب، لكن انظروا كيف صنع الجهاد رجالاً، فتح الله عليه، وأحب أن ينال أعالي الأمور وذروة سنام الدين، فذهب إلى أفغانستان، ويالله ذهب إلى منطقة كابول جحيم المعمعة، في منطقة اسمها بغمان وهي منطقة مرتفعة تطل على كابول، وكان مساعداً للقائد العام الحاج شير علم، قائد عام منطقة بغمان.
الذي حصل يا شباب أنه بخبرته في الكهرباء صار متخصصاً في تسليك الصواريخ -صواريخ سكربين، صقر عشرين، صقر ثلاثين- توجه وبميل منحني يحدد مواقع معينة لضربها.
هو بنفسه زارني في البيت يقول: والله ضربنا ذات يوم خمسين صاروخاً صقر ثلاثين وصقر عشرين على كابول إلى درجة أن نجيب قائد الحكومة الشيوعية أرسل لنا رسالة يقول فيها: يا حاج شير علم! عندنا ضيوف والأفغان لا يفعلون هكذا بضيوفهم، نرجو أن تكف عن ضرب العاصمة.
فيرسل له الحاج شير علم ذلك مع أعرابي -يعني: راعي غنم- يرسل له وريقة فيها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٨ - ٣٩] يا نجيب أسلم تسلم وإلا فانتظرني بالذبح.
ويرسل له الرسالة! انظروا العزة عادت.
أيام كان هارون الرشيد يقول: من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم يهدده ويخوفه، الآن شاب يمني وآخر أفغاني يهددون حاكم دولة اسمه نجيب.
إذاً هؤلاء الشباب قدرة وقوة، لكن لجأ أعداؤنا في تسليط الغزو الفكري حتى أصبحت قدراتنا وأفكارنا موجهة إلى آخر موضة، آخر موديل، آخر مسلسل، آخر أغنية، آخر شريط، آخر مباراة، آخر تقليعة وهلم جرا، شغلنا بهذه الأمور يا شباب، وإلا لو كانت اهتماماتنا اهتمامات الرجال منذ الصغر كان يترجم لكم التاريخ، فلان بن فلان درس في ثانوية الرياض، شهد معركة كذا، دعا إلى الله في كذا، قام بالخطابة في مسجد كذا، فالتاريخ يحفظ أعمالكم وأفعالكم إذا الواحد منكم يقدر ويقرر أن يكون شيئاً.
يا شباب! المجتمع مليء بالبشر لكن من الذي يذكر من البشر؟ خمسة:
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتىً كثير الجود محل فإن بقاءه خصب ونعمه
وموت الفارس الضرغام هدم فكم شهدت له بالنصر عزمه
وموت العابد القوام ليلاً ينادي ربه في كل ظلمه
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
هل أنتم من الخمسة أم ممن يكونون تخفيف ورحمة إذا ماتوا؟
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
يا شباب الإسلام: أنتم قوة، شاب فلسطيني قابلته منذ أيام في فندق المنهل كان قادماً مع الشيخ/ جلال الدين حقاني اسمه أبو الأهوال، طبعاً له اسم آخر لكن اللقب أبو الأهوال، سمي أبو الأهوال لأنه لا يعرف يتفاهم مع روسي أو شيوعي، أربع قنابل، عشر قاذفات، شاجورين، رشاش، ويمشي وكأنه لغم يتحرك.
يا إخوان! هذا الشاب فيه قدرات عجيبة، لاحظوا أن شارع التفحيط أو شارع الموت الذي وراء جنادرين يدل على وجود طاقات ومهارات، ما ظنكم لو أن الشباب هؤلاء نزلوا أفغانستان أو نزلوا إلى الساحة للحرب مع العراق؟ والله يا إخوان الشباب لديهم قدرة وهناك استعداد للتضحيات ولكن كيف ضاعت التضحيات؟ كيف ضاع الاستعداد؟ أين ضاعت الهمم؟ كيف راحت اهتماماتنا في (جيمس البكار) وصارت اهتماماتنا في أشياء بسيطة، بسبب الأفلام والمسلسلات.
لو آتي لأفسق شاباً، وأضع في يديه (كلبشات) الحديد وأضع في رجليه الحديد وأقول: اسمع ممنوع الصلاة هذا اليوم.
ولو كان أفجر شاب، ولو كان لا يصلي، والله يا إخواني يقول: أنت تمنعني من الصلاة، ويبدأ يلعن ويسب ويشتم في أبي وفي خامس جد، ويقطع هذا الحديد ويذهب يصلي عناداً؛ لأنني واجهته، هو يعتقد وجوب الصلاة لكني منعته وقيدته، فعاندني وقطع القيد، وفك هذه الأغلال وذهب ليصلي.
لكن إذا كان هذا الشاب نفسه بجوراه مسجد وفيه بابان، ثم زيدت للمسجد أربعة أبواب، وجعلت ما بينه وبين المسجد إلا خطوات، وكبرت الميكرفونات -مكبرات صوت المسجد- وقلنا له: انظر يا أخي هذا المسجد الآن زدنا أبوابه وكبرنا ميكرفوناته لكي تسمع الأذان والإقامة.
لكن هذا شريط جديد فيلم هندي تحب تنظر فيه، تفضل، فتجد هذا الشاب يضع الشريط في الفيديو، ثم يستمع إليه ولا يجيب منادياً حتى تنتهي صلاة المغرب ثم العشاء، فتذهب صلاة المغرب وصلاة العشاء وهو لا يزال ساهراً، يريد أن يرى نهاية هذا الفيلم: الفيل يلق أمه أو لا.
انظروا إلى الأساليب الفكرية، لا يأتي أعداء الإسلام إليكم يقولون: لا تصلوا.
يقولون: بالعكس.
هذه المساجد، وسعوا الأبواب، لكن تفضل هذه الأفلام، يصدرونها لكم من هوليود ومن جميع الولايات المختلفة، من أجل أن تشغلوا أوقاتكم بها.
فتلاحظ أن الشاب لو أعطيناه كفاً وقلنا له: لا تصل.
لأعطانا كفين وذهب يصلي، لكن لو نعطيه شريطاً، فهو مستعد أن يترك صلاة المغرب وصلاة العشاء من أجل مشاهدة نهاية هذا الفيلم الهندي.
فيا شباب خذوا مثلاً آخر: المرأة المسلمة، لو أن أحداً يأتي إلى فتاة مسلمة متحجبة وينزع الحجاب من رأسها، ويمزق عباءتها.
ماذا تفعل؟ ستعود متسترة ومتحجبة، وتبقى قوية على حجابها، لكن حين تخرج لها دعاية شعر، سليفكرين وواحدة تدور برأسها كذا، وواحدة تدور برأسها كذا.
ما الذي يحصل؟ تقول: الله! ما معنى أن هذه الفتاة شعرها ناعم وأنا شعري ليس بناعم؟ لماذا لا أطلع للتلفزيون مثلها؟ أو دعاية أخرى: فتاة معها ملف وتشتغل سكرتيرة في باريس تجدها تقول: انظر الأناقة! وأنا جالسة هنا أسحب هذا (البشت) وهذه هناك متطورة ومتقدمة! إذاً الأسلوب الجديد في غزو عقولكم وأفكاركم وأفكار بناتكم ونسائكم ليس هو أسلوب سب وشتيمة.
بل أسلوب العرض، لاحظ مثلاً: في المسلسل تجد فتاة في أسرة تلاقي صديقها -مثلاً- في الجامعة: كيف أنت يا فهد؟ أين أنت؟ هيانذهب لنشرب في المكان الفلاني قهوة ونجلس وكذا، لماذا لم تأتِ
стр. 2749
السبيل إلى إثبات وجود النفس
كيف الطريق أن نوجد أنفسنا بعد هذا الكلام؟ ما هو الدليل؟ أريد أن نثبت وجودنا: أولاً: بأن نشعر أننا ننتمي إلى الإسلام بالدرجة الأولى، وحينما نشعر بهذا الانتماء الذي منح الرجال قديماً وحديثاً القوة والقدرة، فلنعرف ماذا يريد منا هذا الإسلام، يريد منا الصلاة مع الجماعة، يريد منا حسن الخلق، يريد منا الدعوة إلى الله، يريد منا أن نكون مدركين ماذا يدبر أعداؤنا لنا.
يا شباب ينبغي أن ندرك أن الأعداء من الكفار أياً كانت مذاهبهم لا يفرقون بين سعودي وسعودي، لا يفرقون بين يمني وفلسطيني أو مصري وغيره، أعداء الإسلام يمزقون العلاقات بين الشعوب عن طريق الحكومات، لاحظوا هذا الأمر الخطير، مثلاً نسمع في الإذاعات: والله مشكلتنا مع اليمن، ومشكلتنا مع الأردن، ومشكلتنا مع العراق، طيب حينما أجد مسلماً يمنياً أو أردنياً أو فلسطينياً أو غيره هل كون النظام الذي وقع في بعض الجرائم يبرر أن أكون عدواً لأخي اليمني أو أخي الفلسطيني أو أخي الأردني؟ لا، افهموا هذه جيداً، نحن كلنا أمة مسلمة، والعداوة على الإسلام جميعاً لا تفرق بين جنس ولون، الذين دبروا مذابح المسلمين في فلسطين هم الذين دبروا مذابح الكويتيين، لا شك في ذلك، إلا أن الوجه تارة يكون صهيونياً وتارة يكون الوجه بعثياً وهكذا، لكن هل يعني هذا أن علاقتي الإسلامية بأخي المسلم ضائعة؟ لا.
الأمر الآخر: نريد أن نثبت وجودنا، ولا سبيل إلى إثبات الوجود إلا بالالتزام بما يمليه وما يقرره هذا الدين الحنيف، حسن التعاون، السلوك، إشغال الوقت بالأمور النافعة بدلاً من أن يضيع وقتك في سماع عشرين شريطاً لـ شعيل أو الرويشد، اسمع عشر محاضرات، وستجد أن عقلك امتلأ أفكاراً ومعلومات، بدلاً من أن يضيع وقتك في مشاهدة مسلسلات أو مشاهدة أفلام، احضر محاضرات وافهم ماذا يدور، هذا القرآن من ألف وأربعمائة سنة إلى الآن ما تغير وما نقص فيه حرف وما زاد حرفاً، ما سر الإعجاز؟ الكنيسة حرَّفت في الإنجيل الكثير، فما بالكم يا شبابنا بهذا القرآن الذي من ألف وأربعمائة سنة ما تغير! نريد أن ندرك سر هذا الدين، سر العظمة في هذا الدين، سر الإعجاز في هذا الدين، ونكون رجالاً نحمله ونفتخر به، فعوداً إلى الرجولة وعوداً إلى تحقيق الذات.
أسأل الله أن ينصر بكم دينه، وأسأل الله أن يعلي بكم كلمته، وأن يحبب إليكم شرعه، وأن يبغض إلى نفوسكم المعاصي والمحرمات، وأن يبارك لكم في المباحات.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2750
الأسئلة
стр. 2751
ضوابط قوة الإرادة
السؤال
إلى فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فسؤالي هو: قوة الإرادة وضبط النفس لها شروط وأمور معينة نحو عقيدتنا الإسلامية السمحاء فما هي؟ أفيدونا وجزاكم الله خيراً.
الجواب
لاشك أن الإرادة مطلوبة، والقوة في الإرادة مطلوبة، فمن الناس من إرادته لا تستطيع أن تقاوم الوسادة، يسمع المؤذن يؤذن، عنده إرادة أن يصلي، لكن الوسادة الناعمة تهزمه، وإرادته أحقر وأضعف وأقل من أن ينتصر على وسادته، فتجده يفوت الصلاة مع الجماعة.
من الناس من عنده إرادة ألا يقع في منكر أو معصية، أنا أعرف كل واحد منكم الآن، وفيكم خير كثير على ما يحصل من الأخطاء والأغلاط، لكن قد يفكر يقول: توبة وعودة إلى الله، لا أعود أسمع هذا الغناء وهذا اللهو، أريد أن أكون رجلاً، أن يكون غاية اهتمامي الرجولة وما يحفظه التاريخ وتسجله الأمم، فتجد معه شريط محاضرة، ولكن ما زال في الدرج شريط أغاني، وتبدأ الإرادة في اضطراب: أضع هذا الشريط أو لا، أضع هذا الشريط أو لا.
عنده إرادة، لكن هناك شريط ربما هذا الشريط يغلب إرادته، ولذلك يا شباب يقول الله جل وعلا: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٩٣] في تأديب لنفسك وفي توجيه نفسك نحو الخير لا بد أن تكون إرادتك قوية.
أما أن تكون إرادة ضعيفة فهذا أمر تهزم فيه عند أول مواجهة.
ثانياً: هناك شاب ملتزم ومستقيم وصالح وطيب، ولكن عنده إرادة قوية أكبر من كذا، يعني: هل إرادتك القوية في التزامك وإصلاح نفسك؟ وعندك إرادة -أيضاً- في إصلاح المجتمع، هل يعقل أن تقول: والله أنا ملتزم وعندي إرادة قوية؟ هل أقول: بإرادتي هذه أذهب وأكسر لوحة محل فيديو أو أكسر زجاج فيديو وأقول هذه إرادة؟ لا، أنا من واجبي أن أسعى حتى يزال هذا المحل من المجتمع؛ لأن هذا محل يبيع أفخاذ النساء، صور العاريات، الرقص، مصارعة نساء، وهلم جرا.
طيب هل هذه الأفلام تخرج مجاهدين؟ هل تخرج كمندوز أو مظليين أو برمائيين أو ضفادع بشرية أو كاشفي ألغام؟ لا تخرج شيئاً أبداً، إذاً من واجبي إذا كان عندي إرادة أن أعرف أن هذا المحل محل خطر على المجتمع، لكن هل إرادتي أن أكسره؟ لا، إرادتي أترجمها بعقل، العاطفة حينما توضع في العقل تنتج الحكمة، وحينما توضع العاطفة في الأرجل والجوارح عامة تنتج التهور، فلابد أن أجعل هذه العاطفة في العقل وأجعل الجوارح تطبق الحكمة.
عاطفتي وإرادتي أن أذهب إلى صاحب المحل: أخي العزيز أنت مسلم، وفيك خير عظيم مهما وقعت في المعاصي، وما أظنك ترضى أنك تأتي يوم القيامة وتحمل أوزار الناس جميعاً: (من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به، ومن دعا إلى وزر أو ضلالة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها) أي أنه لو كان عندي محل فيديو وقد بعت عشرة أفلام، وضل بسببها عشرة من الشباب، فأنا يوم القيامة محاسب على هذا الحرام الذي بعته، وأحاسب على الذين ضلوا بسببي؛ لأنني أنا الذي وصلت لهم الشريط وبعته لهم.
فأناقشه بالعقل وأقول له: يا أخي الكريم المجتمع الآن بحاجة إلى صناعات أو بحاجة إلى أفلام؟ المجتمع بحاجة إلى أمور تعين التنمية، وتجعل التنمية تمشي خطوات إلى الأمام أو بحاجة إلى شباب لا يعرفون إلا النوم والكسل والجلوس عند الأفلام؟ فهذه الإرادة تكون منضبطة.
стр. 2752
حكم الاستهزاء بالدين
السؤال
هذه بعض الأسئلة تسأل عن الاستهزاء بالدين، وبعضها يقول: إنه شاب ملتزم ولله الحمد، ويسعى للسنن كتقصير الثياب وغير ذلك، ولكن بعض الناس يسخرون مني كما رأيت ذلك بنفسي، فما تنصحون من استهزأ بي؟
الجواب
يا شباب! ينبغي أن نعرف أننا جميعاً سواءً من كان منا ثوبه طويل ومسبل -والإسبال لا يجوز (ما أسفل من الكعبين ففي النار) (ثلاثة لا ينظر الله إليهم -وذكر منهم- من جر ثوبه خيلاء) لكن هل يعني أنني حينما أقع في ذنب أن أستهزئ بالملتزم الذي استجاب لأمر الله ورسوله؟ يعني: أنا حينما أخالف أمر الله ورسوله هل يعني أن استهزئ بأمر الله ورسوله؟ لا يجوز، بل ثبت في الأدلة أن الاستهزاء بالدين كفر يخرج من الملة، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] قد أكون مقصراً، لكن هل خطأي أتمادى فيه إلى درجة الاستهزاء بدلاً من أن أقول: أسأل الله الذي هداه أن يهديني، أسأل الله الذي منَّ عليه أن يمنَّ علي، بدلاً من هذا أبدأ أقول غير هذا؟ لا.
فاعلموا أن الاستهزاء كفر، وواجبك أيها الشاب -أيضاً- أن تكون بمنتهى الحكمة والاتزان، وتبتسم، وتتواضع، وتخفض جناحك، وتلين جانبك، وتقابل إخوانك الشباب والزملاء بمنتهى الرفق والرقة والعذوبة واللين، تهديه شريطاً، تهديه كتيباً، تهديه سبحة، تهديه قلماً، المهم تتودد إلى قلبه، فإذا لان قلبه تجاهك؛ تعطيه شيئاً ينفعه، تنصحه نصيحة؛ فيتقبل منك.
يقول لي أحد الشباب التائبين: كان لنا جار أتمنى أن يهديه الله، وكان مولعاً بالملابس الرياضية: البدلة الرياضية، و (الترنك) و (البوتي) وما يتعلق بها.
المهم يقول: احترت كيف أدعو هذا الشاب إلى الله، أنا أريده أن يهتدي، ويلتزم، لا أريده أن يبقى في سخرية أو في استهزاء لأهل الخير.
ماذا فعل؟ يقول: جئت طرقت عليه -يقول: جارنا هو- قلت له: لو تكرمت أنا لي صديق جسمه قريب من جسمك، وأحب أن أذهب أنا وإياك؛ فأنت تعرف الملابس الرياضية، نذهب إلى أي محل نشتري بدلة محترمة جيدة بحكم أنك تعرفه بكذا.
قال: خذ لك ساعة، تفضل.
فذهبوا واشتروا بدلة جيدة بسبعمائة ريال، يقول: اشترينا بدلة محترمة.
يقول: لما جئنا إلى بيت هذا الشاب قال: والله إن الشاب الذي أحبه وأحرص على هدايته وأتمنى أن يكون معنا في المسجد كل يوم هو أنت وهذه الهدية لك.
يقول: ما مصدق! سبعمائة ريال هدية بدلة! يقول: قبلها وشكرني، وبعد ذلك أصبح رفيقي في المحاضرات والخطب والندوات وسماع الأمور الطيبة والنافعة، وترك كثيراً من المعاصي.
فأيضاً من واجبنا أن نتحمل إخواننا، وأن نصبر عليهم قليلاً؛ حتى يهديهم الله جل وعلا.
المهم ألا نكون من جنود الشيطان، فنقع في الهاويه.
стр. 2753
أريد أن أتوب ولكن !
السؤال
بعض الأسئلة تقول: أريد أن أتوب وألتزم وحاولت كثيراً، ولكن لم أستطع، فكيف أبدأ ذلك يا فضيلة الشيخ؟
الجواب
يا إخوان! أنتم تعرفون أن هناك أمراضاً معدية، فحينما آتي برجل يتماثل إلى الشفاء وأجعله في وسط معد ناقل للجراثيم والميكروبات وغيرها، لا يمكن أن هذا يصلح:
لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجرب
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
يعني: الذي يريد أن يلتزم ويتوب، لا يقول: أنا أريد أن ألتزم ويبقى في وسط جلساء السوء! تريد أن تلتزم، اخرج من هذا الوسط الذي فيه جلساء السوء، واصحب أقواماً كراماً طيبين صالحين؛ سواءًَ بالنشاط المدرسي، بالمكتبة الخيرية، بالمركز الصيفي، في جماعة المسجد، المهم أن يكون لك صحبة طيبة.
أما إذا كان جليسك فاسقاً فكيف تريد أن تصلح؟ فالعقول والطباع تتأثر، الصقور لا تأكل الحب والشعير، لا تأكل إلا اللحم، فالصقر دائماً عيونه في السماء، فإذا رأى طيراً، انقض عليه وأمسك به، ونزل يأكل من لحمه، لكن انظروا إلى الصقر! لو جعلناه يتربى مع دجاج، بعد أيام يصبح ينقر كالدجاج ويأكل الشعير، فما دامت البهائم العجماوات تتأثر بمخالطة بعضها بعضاً وإن كانت اختلفت أصنافها، فما بالك برجل مع رجل؟ شاب مع شاب تريد ألا يتأثر به، فإذا جلس مع الصالحين تأثر واستفاد، وإن جلس مع الطالحين اهتم بالذين يهتمون به كالذي يهتم بالرياضة أو بالطيور والحمام أو بالسيارات وهلم جرا؛ لأن المصاحبة والمخالطة هي التي تؤثر.
أسأل الله لي ولكم التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2754
الشباب والمسئولية [٢،١]
إن المسئولية الملقاة على عاتق المسلم كبيرة جداً، وأهمها مسئولية الفرد عن نفسه في سمعه وبصره وفكره.
وفي هذا الدرس أماط الشيخ اللثام عن إجابات كثيرة تتعلق بالمسئولية أبرزها: صور المسئولية الجماعية أسباب الهروب من المسئولية ملامح أهل المسئولية وسماتهم عواقب إهمال المسئولية.
стр. 2755
عظم قدر المسئولية
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة وهو الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، الحمد لله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله جل وعلا في مستهل هذا اللقاء أن يكتب خطواتكم وأن يجعلها في موازين أعمالكم، فوالله لأنا أعلم بنفسي من الذين اجتمعوا إلي، وكما قال سفيان ﵀:
خلت الديار فساد غير مسود ومن الشقاء تفرد بالسؤدد
والله لو أن على الساحة ساداتها ورجالها؛ لما اجتمع الإخوة في هذا المقام كما ترون، ولكنا نسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
أيها الأحبة حديثنا اليوم عن المسئولية.
الشباب والمسئولية موضوع ذو شجون، متعدد المباحث والمسائل، له جوانب شتى.
المسئول هو الذي يطرح عليه السؤال، وينتظر منه الجواب، ويجازى ويعاتب على تفريطه، ويلام على إهماله وتركه ثغرته ومكانه.
وحينما نتكلم عن المسئولية فالحديث أولاً وبادئ ذي بدء يوجه إلى أجدر الذين يحملونها ويقومون بها، وهم الشباب:
شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا
الشباب الذي كان فيهم من قاد الجيش وهو ابن سبع عشرة سنة، والذين فيهم من تولى مسئولية الأمة، والذين انتصبوا للتعليم والإفتاء، الشباب الذين ضربوا أروع الأمثلة في صلاح السيرة والسريرة، واستقامة الظاهر والباطن والسر والعلانية.
واسمحوا لي أن ألج إلى موضوعنا عبر بوابة شريفة، وهي قول النبي ﷺ فيما ثبت عنه واتفق عليه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته).
أحبابنا: الأصل أن الإنسان مسئول ومحاسب ومجازى، وأن البعث بعد الموت، وأن نشر الصحف ونصب الموازين والجنة والنار ما هي إلا نتيجة هذه المسئولية، وجزاء من تحمل أمانة فقام بها، فجزاه الله الجزاء الأوفى وضاعف له أعماله، والنار لمن أعرض عن دين الله، وتكبر عن طاعة الله، وجعل كتاب الله وراءه ظهرياً ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
حتى المسئولية في الذرات وفي الخردلة يقول تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] فمسئولية الذرة والخردلة ترى نتيجتها في موازين الحسنات أو في كفة السيئات، وتعالى الله جل وعلا أن يخلق خلقاً ثم يتركهم هملاً، أو يدعهم سداً ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] لا يليق بالله، وينزه الله، ويسبح الله، ويقدس الله أن يخلق الخلق ثم يدعهم هملاً ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] يتنزه الله عن ذلك ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٦ - ١١٧].
ويقول جل وعلا: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٣٩].
أبعد هذا التطور في مراحل الخلق والتكوين، وأن يخلق على أحسن صورة وأجمل هيئة، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] ويكرم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠].
أفيكون هذا كله وليس بعده جزاء أو حساب أو لوم أو عتاب؟ لا والله، بل في آيات أخرى -والآيات في هذا المقام كثيرة- يبين الله جل وعلا أن الإنسان يسأل ويحاسب، فليس الصحيح يحمل من المسئولية كما يتحمل السقيم، وليس الفقير يتحمل من المسئولية كما يتحمل الغني، وليس صاحب الجاه والسلطان يتحمل من المسئولية كما يتحمل من لا جاه له ولا سلطان، وليس القوي أو من ولاه الله أمراً يتحمل من المسئولية كمن لم يتول أمراً، شتان بين هذا وهذا، فكلٌ يحاسب ويسأل ويعاتب بقدر ما أوتي، وبقدر ما بسط الله له، وسخر له بين يديه، لينظر في فعله وسعيه ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٩ - ٤١].
стр. 2756
مسئولية الإنسان الفردية
أيها الأحبة! إن هذه المسئولية بادئ ذي بدء لا نتحدث فيها عن مسئولية الحكام عن الشعوب، أو مسئولية العلماء عن الأمة، أو مسئولية المعلمين عن التلاميذ، أو مسئولية الأم عن أهل بيتها، نعم تلك مسئوليات عظام جسام، ولن تزول قدما عبدٍ حتى يسأل عنها، ولكن في الدرجة الأولى تكون المسئولية الفردية التي أخاطب بها كل واحد منكم، فهو يتحمل مسئولية فردية تجاه نفسه ولن يتحملها غيره، وأخطاؤك لن يتحملها من سواك: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:٣٨] لا تحمل نفس إثم نفس أخرى، بل كل نفس تحمل أوزار نفسها، وتحمل آثامها وخطاياها، ولا يلقي أحدٌ اللوم والعتاب على غيره، نعم قد يحاسب من يحاسب بما ولي، فمثال على ذلك يوم أن نرى أسرة من الأسر بسبب فسادٍ في جريدة أو مجلة أو شاشة أو عرض أو فلم أو نحو ذلك، فإن من تسبب في نشر هذا ويسره بين المسلمين، محاسب عند الله جل وعلا بسببه، إذا قدر أن يكف الشر عن المسلمين، ولكن هذا لا يعني أن من تولى مسئولية أسرته وبيته يلقي اللائمة على الإعلام مثلاً، نعم من ولي الإعلام يحاسب يوم القيامة، بما قدم من خير بخير، وما قدم من شر بما يعلم الله جل وعلا، ولكن حساب من تولى ذلك لا يعفيك أنت عن المسئولية يا من توليت مسئولية أهلك وبيتك، وإن لم نفعل ذلك ونفهمه تمام الفهم؛ فإننا سوف نهمل أولادنا، ونقول: الإعلام ومن قام عليه يحاسب عليه يوم القيامة، ونهمل العلم في أبنائنا ونقول: يحاسب المعلمون، ونهمل بناتنا، ونقول: يحاسب من سمح بالتبرج أو الاختلاط ونحو ذلك.
أيها الأحبة! المسئولية تبدأ بمسئولية الإنسان تجاه نفسه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم:٦] ابدأ بنفسك، قِ نفسك، مسئوليتك تتحملها تجاه نفسك بادئ ذي بدء يقول ﷺ : (كلكم يغدو) والغدو هو الخروج في الصباح:
وقد أغتدي والطير في وكناتها
(كلكم يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها) الناس تغدو وأنت ترى هذه الخطوط وهذه الطرق تزدحم بآلاف البشر، فمنهم من يغدو إلى هلكة نفسه، ومنهم من يغدو إلى عتق نفسه، وقريباً يحصد الزارعون ما زرعوا.
وهناك مسئولية فردية يوم العبور على الصراط: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه).
أيها الإخوة! خذوها صريحة أقر بها على نفسي، واعترفوا بها من أنفسكم: إننا نتفنن في عرض مسئوليات الآخرين تجاه ما تحتهم، ولكننا نحسن ونتقن التهرب من مواجهة أنفسنا بما تحملنا من المسئوليات، ما ألذ الحديث يوم أن نتكلم عن تفريط فلان وعلان، فلان ولي الأمر الفلاني ففرط فيه، وفلان قام بالأمر الفلاني فأهمله وضيعه، وهكذا.
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
نحسن ونخرج أمثال الذر من الأخطاء بالمكبرات وغيرها، يوم أن ننظر في أخطاء الآخرين، لكن لو دعونا كل واحد أن يقف في مواجهة نفسه، وأن يكون صادقاً، وأصدق الصدق مع النفس أن تصارح نفسك وأنت أدرى بنفسك، وإن مدحك الناس الليل والنهار، وأنت أدرى بفضلك، وإن ذمك الناس الليل والنهار، قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤].
أنت أدرى يا أخي بعيوب نفسك، وتقصيرك وتفريطك، وزلاتك وهناتك.
والمصيبة -أيها الأحبة- أننا يوم أن نتبصر مسئولياتنا تجاه أنفسنا وننظر ما قدمنا؛ لنعتق هذه النفس من نارٍ وقودها الناس والحجارة، إننا يوم أن نتفكر في صلاتنا لعلنا بعد رحمة الله نرجو بها النجاة، نتذكر صلاةً نقدم إليها متأخرين، وفيها من الوساوس والهواجس ما الله به عليم، ونتذكر صياماً أغلب ساعته في النوم، وقد اختلط بشيء من النظر والسماع، ونتذكر أعمالاً ربما -ونحن أدرى بأنفسنا- داخلها ما داخلها من الشهوة أو الرياء أو السمعة أو حب الثناء، ولكن يوم أن نتذكر السيئات؛ فإن الواحد منا يبصر ذنوبه ويتذكر سيئاته، كما ترون هذه الإضاءة التي تلمع فوق رءوسكم ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤].
إن الذي يدخل الامتحان، قبل أن تقدم له ورقه الأسئلة يقول وهو يصارح نفسه بكلام لا يسمعه إلا هو، وتنبس الشفاه، وتتمتم بألغاز وحروف لا يفقهها إلا صاحبها، ويقول: لو نجوت من الموضوع الفلاني، وسلمت من المادة الفلانية، وسلمت من السؤال الفلاني، فأنا ناجح لا محالة، وكل واحدٍ منا -والله ثم والله- أدرى بنفسه ويقول لنفسه: لو سلمت من تلك، وعوفيت من هاتيك، وعافاني الله من تلك، وغفرت وسترت هاتيك، فأنا بخير.
إذاً أما السيئات فنراها براقة لامعة ونحن أدرى بها، وأما الحسنات فنسأل الله أن يتقبل، وأن يكمل من أعمالنا ما نقص بتفريطنا وتهاوننا.
стр. 2757
مسئولية الإنسان عن عينه
أيها الأحبة! مسئوليتك مسئولية كل واحد منا تجاه نفسه، فهو مسئول عن عينه التي ركبت في أدق تركيب، بحدقة وشبكة وقرنية، وعروق وعصب بصري وجهاز حساس، فهي ما ركبت في هذا المكان عبثاً، وما أحيطت بعظام تحفظها عبثاً، وما جعل لها جفن يمسحها من الغبار، وما جعل لها دمع ينظفها في كل لحظة من أجل أن تنظر إلى صورة نهى الله أن ينظر إليها، أو من أجل أن تقلب النظر في أمر لا يجوز إليه، وإنما خلقها الله لتنظر في مصير الأولين والآخرين، ولكي تتدبر في خلق الله جل وعلا.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩] ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢١].
هذه العين قد أشغلناها بالتوافه، فاشتغلت بهذه التوافه عن العظائم، والواحد ينظر إلى السماء تمد مد الأديم فلا يتفكر فيها ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ [الأنبياء:٣٢] ورفعت بغير عمد، ولا يتفكر الواحد في خلقها، وبين كل سماء وسماء ما يعلم الله جل وعلا، وفي سماء من خلق الله سبعون ألف ملك، البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، قد ملئت السماوات والأرض والمخلوقات بالعجائب التي تدعو أصحاب النظر إلى التفكر فيها.
ولكن أعجب إلى شاب يقول: انظر إلى قدم اللاعب الفلاني، كيف حرك رجله بحركة رشيقة خفيفة دقيقة، فأصاب الهدف في زاوية مربعة على حين غرة من حارس، انظر إلى تلك العين كيف تبعت الحذاء، وكيف تبعت القدم وتفكرت في بالون منفوخ، وتلاحق أقدام اللاعبين، ولم تبصر ولم ترتفع لتنظر ما خلق الله في ملكوت السماوات، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ [فصلت:٥٣].
الآفاق هي السماوات الطباق، والنفس البشرية فيها من العجائب ما الله به عليم، لكن مسئولياتنا تجاه أبصارنا قد ضيعت بالتافه، ويقول علماء الأصول والقواعد الفقهية: "الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود" حينما تشغل البصر بالتافه، اشتغلت بالتافه عن العظيم الجليل الذي يليق.
стр. 2758
مسئولية الإنسان عن سمعه
ولا تسل عما أشغلنا به الأسماع من أخبار لا تهمنا، وأمور لا نقدم فيها كثيراً، وأعجب من هذا! أولئك الذين يشترون الفساد ويجرونه إلى بيوتهم عبر ما يسمى بأجهزة الاستقبال والبث المباشر، أو ما يسمونه بالدش، وإذا سألت أحدهم وهو مسئول عن ذريته ورعيته في بيته، ومسئول عن نفسه: ماذا يصنع وماذا يبصر؟ يقول: إني أسمع الأخبار.
وأي أخبار تقدم فيها أو تؤخر يا مسكين؟ هأنت قد سمعت أن المسلمين ذبحوا في طاجكستان وقتلوا وشردوا، فماذا فعلت يا صاحب الأخبار؟ وهأنت علمت أن فيدير راموس حاكم الفليبين حشر على المسلمين في منديناو خمسين ألف جندي صليبي لحرب إبادة، نسأل الله أن يكفي المسلمين شرها، وهأنت تعلم ماذا حل بإخوانك في فلسطين، وهأنت تعلم ما يدور في أفغانستان، وهأنت تعلم ما يدور في إريتريا وفي مورو وفي البوسنة والهرسك وفي الأنجوش وفي مواطن كثيرة، فماذا قدمت يا صاحب الأخبار؟ قدمت مزيداً من الأوزار تتحملها بعلم تعلمه.
ولا يقابل العلم تحمل مسئولية أولئك الذين أهملوا مسئولية الأسماع، وأشغلوها بغير المقصود، فأعرضت عن المقصود، والله جل وعلا قد حذرنا من أن نهمل وسائل العلم والمعرفة، أو أن نشغلها في أمر لا يليق، وبين في كتابه أن طائفة اعترفت بأنها تصطلي بالنار؛ لأنها ضيعت أسماعها وأبصارها، ولم تتحمل مسئولية السمع والبصر: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠].
إنهم يعقلون ولكن يعقلون حجج الباطل، ويعقلون ما يدحضون به الحق وما هم بقادرين عليه، ويسمعون الأقاويل في الدعوة والدعاة والحق والهدى والنور المبين، ومع هذا كله ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك:١٠ - ١١] فعد إهمالهم لأسماعهم وأبصارهم ذنباً ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١].
وأعود أيضاً إلى موضوع إهمال مسئولية الإنسان لسمعه (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيراً أو ليصمت) (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة:٩] لا يتناجى اثنان دون الثالث: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً﴾ [المجادلة:١٠] ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤].
أحاديث المجالس التي اشتغل الناس فيها بالقيل والقال، وأكثر ما يكون من القيل والقال ربما وجده في صحيفة سيئاته، وكما في مسند الإمام أحمد وعند البزار وأبي نعيم قال ﷺ : (طوبى لعبدٍ وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) هذا هو الذي ينفعك.
وأما إهمال مسئولية السمع واللسان والبصر وتضييعها وإطلاقها ومتابعة ما قيل وقال، وكان أو يكون، وروي وزعم وذُكر وحُدث، وروى لنا من نثق به، وإذا فتشت عن ثقة، فلا ثقة؛ تلك والله مصيبة إلا ما كان في خير, إلا ما كان في ذكر، إلا ما كان في دعوة، إلا ما كان في أمرٍ بمعروف ونهي عن منكر، أو مكافحة بدعة أو أمر بحق يرضي الله جل وعلا.
أيها الأحبة! الكلام عن المسئولية لا نريد أن نشطح به لنحاسب كل مسئول عما تحته من إدارة أو وزارة، فكل مسئول مسئول ومجزي، والناس شهود له أو عليه، وملائكته شاهدة عليه، ويوم القيامة لن يجوز الصراط حتى يرى ما قدم، ولكن نريد أن نسأل أنفسنا، نريدك أنت أيها الإنسان.
دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وما تبصر
وتحسب أنك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
ربما الواحد يقول: وأي مسئولية اتحملها وأي مسئولية أتولاها وأنا ليس في نفسي، وليس بيدي شيء؟ بيدك جوارحك، بين جنباتك حواس وجوارح وقدرات أنت مسئول عنها، فأخبرنا بالله عليك ماذا قدمت لها؟ وماذا سلكت بها؟ وماذا نفعت المسلمين فيها؟
стр. 2759
مسئولية الإنسان عن فكره وعقله
من مسئولياتك مسئوليتك تجاه فكرك، هل جعلت عقلك زبالة ليضع فيها الآخرون ما أرادوا؟ أم جعلت عقلك إناءً للإيجار لتسمع ما قيل ويقال، وتعجز أن تحقق الأمر بنفسك، ولو بحثت عن الدليل، وسألت عن الحجة لبان لك الطريق، واتضحت عندك المحجة.
ما هي مسئوليتك تجاه بناء منهجك الفكري؟ من واجبنا أن نكون صرحاء في بناء النفس قبل أن نلتفت إلى بناء المجتمع، فإن الكثير بل الآلاف في متابعة جادة للشريط الإسلامي، وهذا جميل جداً، وأصبح الواحد يمتلك في بيته خمسة من الأشرطة، كل شريط ينتظر دوره للسماع، وعلى سيارته عشرات الأشرطة تنتظر السماع، وفي مكتبه أشرطة، وفي ذهابه وإيابه أشرطة، وإذا سألت هل خصصت ساعات لطلب العلم؟ هل خصصت ساعات لكي تبني القرار والرؤيا والفكر بناءً على ما لديك من قناعات ومعلومات.
ربما نعذر طائفةً من الذين لا يستطيعون تصور الأمور كما هي أو يحتاجون إلى السماع، ولكني لا أريد من شبابنا جميعاً أن يبني الواحد أفكاره ومنهجه وطريقته في الدعوة بناء على كل شريط يسمعه، أياً كان صاحب الشريط، فلعلمائنا ودعاتنا مكانة طيبة راقية في نفوسنا، ومع ذلك ما قال واحد من العلماء والدعاة: اطرحوا عقولكم جانباً حين سماع أشرطتنا، وعطلوا أفكاركم يوم أن تسمعوا كلامنا، ما قيل هذا أبداً، لكننا نجد كثيراً من الشباب لو ناقشته في قضية وهو من القادرين على بناء فكره، مستأنساً بالدليل من كلام الله، وكلام رسوله وما تيسر له من سماع بعض الأشرطة، لكني أقول: إن البعض تجده يحاجك: قال فلان في الشريط الفلاني، وقال فلان في الشريط الفلاني، وقال فلان في الشريط الفلاني، وهل تعبدك الله بأشرطة فلان؟!! وماذا عندك من العلم وماذا عندك من الدليل؟ وماذا عندك من الفقه؟ وماذا عندك من الوعي؟ نعم نعذر من لا يستطيع أن يدرك الأمور على حقائقها أو يتصور الأمور على ما هي عليه، نعذره وقد يحال إلى شريط ليفهم منه ما يحتاج إليه، لكن أن تكون الأمة عن بكرة أبيها، لا تبني الفكر إلا عبر الشريط، هذا ضحالة، وهذا تخلف، ولو انقطع الشريط ماذا نفعل؟ إذا كان كل واحد من شبابنا على سبيل المثال يريد أن يجعل رأيه وقوله وحكمه وورده أو مورده ومصدره ناجماً عن هذا الشريط، فإذا انقطع الشريط؛ فمن أين ستبني رأيك؟ ومن أين تستنتج فكرك؟ ومن أين تحكم بحكم أنت تريد الحق فيه؟! إذاً عطلنا العقول، ولأجل ذلك فإني أدعو إخواني وأحبابي حينما يسمعوا شريطاً أن يدعوا لصاحبه، وأن يشكروا الله جل وعلا على أن في الأمة من يبصر ويرشد وينفع، لكن لا يعني هذا أن تسلم العقل أوله وآخره بدون مناقشة، بدون فهم، بدون استيعاب، فإذا أدرت عقلك وفكرت فيما سمعت في هذا الشريط، فوجدته صواباً؛ فصواب على صواب، وأما إذا أدرت العقل والرأي وحركت الفكر، فوجدت أن الأمر فيه زيادة أو نقص، فعفا الله عن صاحبه، وما قال صاحب الشريط: إن كلامه وحيٌ يُوحى وليس فيه من الخطأ شيئاً وإنما قال: هذا ما عندي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمن نفسي، واستغفر الله.
أيها الأحبة! الذي أردته من هذا ألا يظن البعض أنني أحذر من الأشرطة، أو أقول دعوها، أو أهون من دور الشريط الإسلامي.
إن بقاعاً شتى عجزنا أن نصل إليها، وربما لم نستطع أو يستطيع كثير من الدعاة بلوغها فوصلها الشريط بفضل الله جل وعلا، فللشريط مكانة ودور، لكننا نريد أن يتحمل كل واحد مسئولية فكره، مسئولية عقله، مسئولية فؤاده ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
стр. 2760
الحذر من تفريط الإنسان في مسئوليته تجاه نفسه
أيها الأحبة! الحذر الحذر من تفريط الإنسان في مسئوليته تجاه نفسه! وإن الذين يفرطون ثم يعرضون، ثم يَضِلون ويُضلون عن سبيل الله لربما كانوا على خطر عظيم، والله حذرنا من شأن أولئك الذين عطلوا مسئولياتهم فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] فبين سبحانه أولئك: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
لا نعطل هذه الحواس، ونتهاون بمسئولياتنا تجاه أنفسنا، وكما يقول القائل: هذا العقل نعتبره كالدور الثاني نؤجره إلى فلان، حتى يضع فيه ما يريد، مع حبي وتقديري وشكري وثنائي لأي فلان كان، ووالله إني لا أقصد أحداً بعينه، إني أعلم أننا في هذه الفترة من فترات الدعوة العصيبة ابتلينا بقول القائلين: يقصد كذا ويريد كذا، فمعاذ الله أن يرمي بعضنا بعضاً بأمر لم نرده، ولكني أحذر أن نعطل هذه المنافذ والحواس، وأن نهمل مسئولياتنا تجاهها.
стр. 2761
صور المسئولية الجماعية
أيها الأحبة! الشباب والمسئولية بعد أن قدمنا مسئولية كل واحد تجاه نفسه، ربما البعض يقول: وهل كل أمر فيّ أنا مسئول وحدي عنه؟ نقول: المسئولية بادئ ذي بدء تنصب عليك تجاهك:
نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإقداما
إن الجبان لن يضع المسئولية على الجبناء من حوله الذين لم يعلموه الشجاعة.
إن البخيل لا يضع المسئولية على من حوله الذين لم يعلموه الكرم.
إن الكذوب المفتري الذي ينقل الكلام والقيل والقال، لا يحمل المسئولية الصادقين أو من حوله؛ لأنهم سامحوه في كذبه أو لم يعلموه الصدق، فهو مسئول عن نفسه في الدرجة الأولى كما قلت، فلا نحمل مسئولياتنا عالماً أو حاكماً أو صحفياً أو طالب علم أو رجلاً أو امرأة، كل منا يتحمل مسئوليته بالدرجة الأولى تجاه نفسه، ثم بعد ذلك يتحمل كلٌ بحسب ما ولاه الله من مسئولية، وحينما تحين ساعة الموت، وتبلغ الروح التراقي، وتظن بيقين وتعلم بصدق أنه الفراق، وتلتف الساق بالساق؛ حينئذٍ يتمنى من ولي أمراً أنه ما ولي، ومن قام مقاماً في أمر لم يمحض الإخلاص فيه أنه لم يقمه، وكل من جازف بنفسه في أمر يتمنى في تلك الساعة أنه لم يقترب منه ولم يدن، إلا من محض وأخلص وصدق الأمر لله جل وعلا، فالمسئولية فردية والمسئولية أيضاً جماعية.
فمن صور المسئولية الجماعية، قول الله جل وعلا على سبيل المثال في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران:١٠٤] هذه أمة أو جماعة أو مجموعة أو طائفة مسئولة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤].
لكن هل مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية لجماعة مخصوصة؟ لا أيضاً.
نحن كأفراد أو بصفتنا أفراداً نتحمل مسئولية عظيمةً جسيمة في هذا الباب قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١].
فمهما رأيت من المنكرات لا تعلق الأمر على صغير أو كبير أو هيئة أو مسئول، ولكن اسأل نفسك بادئ ذي بدء هل وقفت ساعةً من ليل أو نهار فنصحت؟ والله أيها الأحبة ما أسهل أن نجلس مجلساً فنقول: لقد انتشرت محلات الفيديو في مجتمعنا، علب الرذيلة ومحلات تصدير الفساد، والدعارة الموجودة بين أظهرنا ما أكثرها، ما أقبحها وما أشينها! ونقول فيها ما نقول، ولكن هذا المسجد كم فيه الآن من هذه الرءوس التي تسمع وتبصر؟ كم عدد الذين وقفوا بأنفسهم على محلات الفيديو وقدموا نصيحة من منطلق المسئولية الفردية كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١]؟ كما قلت: نحن نتقن أن نحمل الآخرين مسئوليات عديدة.
أما أن تقول للواحد: يا أخي الكريم! أين دورك تجاه هذه القضية؟ تجده إما أن يتذرع بأشغاله أو أعماله أو عجزه أو ضعفه، وسيأتي الكلام عن سبل وأنواع وحيل الإنسان على نفسه في تهربه من المسئولية.
إن من علم آية دعي إلى بلاغها وبيانها: (نضر الله امرءاً، سمع منا مقالة فوعاها، فبلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع) وقبل أن نبلغ مسئولياتنا في التطبيق التي لو طبقنا في كل ما نسمع من خير وحق ثابت متفق فيه، لوجدنا أننا نظفر كما قال الله بفوائد جمة، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء:٦٦] لو أننا طبقنا وحولنا المحاضرات إلى برامج عملية، والخطب إلى مشاريع دعوية، والكلام إلى إنتاج تنفيذي عملي هل رأيتم مجلس إدارة شركة من الشركات، يجلس فيه رئيس مجلس الإدارة وجميع الأفراد ثم يجتمعون كل سبت أو إثنين ويخططون وينظمون، ثم يتفرقون ولا يطبقون شيئاً، أي: شركة من الشركات أو مؤسسة من المؤسسات يوم أن يجتمع رئيس مجلس الإدارة فيها مع أعضائه يحددون هدفاً ثم يختارون الأساليب، ثم يوزعون المسئوليات، ثم يكلفون الطاقات العاملة التي تطبق هذا كله، لكن الذي بُلي به جيلنا هذا اليوم الاجتماعات الدورية المتتالية في كثير من المحاضرات والندوات، ولكن لا يعقبها تطبيق ولا تنفيذ، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [النساء:٦٦] الخير جاء نكرة يعم أنواع الخير: ﴿لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦].
فمن أسباب الثبات على الإسلام، أن نطبق ما علمناه ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨].
لو أننا فعلاً نعقب هذه الاجتماعات واللقاءات بمشاريع تنفيذية وعملية.
الآية الواحدة حينما تصوغها هدفاً ومشروعاً وبرنامجاً ثم تطبقها وتنفذها يكون في هذا خير عظيم، والأمة أيضاً تتحمل مسئولية -كما قلت- كل بحسب علمه.
إن الله جل وعلا قد حمل العلماء مسئولية البلاغ، وحمل الولاة والحكام مسئولية التنفيذ والقيام على شرع الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] وإلا ما الفائدة من حمل الكتاب بدون تبيين؟! ما فائدة العلم بالحق بدون أن يبين للناس ويدعى إليه؟! إن الله ذم الذين حملوا العلم ولم يعملوا به، أو أنكروه وجانبوه فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥].
لكن الله جل وعلا يبين أن الذين أوتوا الكتاب عليهم ميثاق البيان فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧].
من تحمل العلم ولم يقم بحقه؛ فعليه من الله إثم عظيم.
والعلم إن كان أقوالاً بلا عمل فليت صاحبه بالجهل منغمر
ويقول الآخر:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
فلم أجن حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لي سلما
أأشقى به جمعاً وأجنيه ذلة إذاً فاتباع الجهل أولى وأحزما
стр. 2762
ملامح وسمات أهل المسئولية
أيها الأحبة! الذين يتحملون المسئولية هم نوادر، وأنتم أيها الصالحون ندرة بين الفساق، الأبرار ندرة بين الفجار، الأخيار ندرة بين الأشرار، أهل العلم ندرة بين الجهلة، أهل الإصلاح ندرة بين المفسدين، فما هي ملامح أولئك الذين هم أهل المسئولية وأهل التحمل، لهذا أسأل الله أن نكون وإياكم منهم.
стр. 2763
احترام الوقت
من ملامح وسمات الرجل الذي تراه كفؤاً لتحمل المسئولية تجاه نفسه وتجاه أمته أن تجده يحترم الزمن، يحترم الوقت، لا تجده يجود بوقته في أي رصيف أو في أي مجلس، أو في أي غدوة، أو في أي روحة، أو في أي طريق، أو في أي مكان أبداً، وإنما يسأل نفسه: إلى أين؟ ومن أجل من؟ وما هي النتيجة والثمرة؟ فإذا رأيت الرجل يحترم وقته ويحترم عمره؛ فاعلم أنه رجل جدير بالمسئولية.
أما الذين يضيعون أوقاتهم، فأولئك ما قاموا بمسئوليات أنفسهم تجاه أنفسهم فضلاً أن يتحملوا مسئولية إصلاح الأمة، وفاقد الشيء لا يعطيه.
стр. 2764
الحزم في الأمور
الأمر الآخر من ملامح وسمات الذين هم ذوو جدارة أن يتحملوا المسئولية تجاه أنفسهم وأمتهم، أولئك الذين يأخذون الأمور بحزم وجد، والنبي ﷺ في دعائه لما سأل ربه، قال: (أسألك العزيمة على الرشد) لم يسأل الله الرشد فقط، وإنما سأل ربه العزيمة على الرشد: (والغنيمة في البر) فكل يعرف الرشد؛ لكن من الذي يأخذ الرشد بعزيمة ويقوم به؟ والله جل وعلا قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ * خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٢ - ٦٣] ما أكثر الذين سمعوا وحضروا وجلسوا، ولكن منتهى الأمر أن نبيت على الفرش، وقلَّ أن تجد من يقول: ماذا قدمت؟ ماذا أنتجت؟ وماذا قدمت وماذا أخرت؟ الأقل من القليل.
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
стр. 2765
الناس كإبل مائة
أيها الأحبة: قال ﷺ في الحديث الصحيح: (الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) واسمحوا لي أن أكون صريحاً معاشر الأحباب! معاشر الأبرار من هذه الأمة! إننا كمثل قوم واسمحوا لي أن أكون قاسياً في المثال يا إخوة! دعونا أنفسنا أيضاً إلى بر ورشد، فوقفنا عند حد معين، الكثير الكثير من أبناء الصحوة المباركة غاية ما عنده أنه يذكر ساعة كان فيها منحرفاً فتاب إلى الله، فأطلق لحيته وقصر ثوبه، ومن نام على الدرب وصل.
نام عند هذه النقطة وما قدم شيئاً أبداً، هل تبنيت برنامجاً في أسرتك، في بيتك، في مجتمعك، في التعليم، في الإرشاد، في الوعي، في التوجيه، في جانب من جوانب الدعوة؟! (الناس كإبل مائة) ولذلك لو تقف عند باب المسجد، وتعد كل مائة على جنب، وأخرجت منهم واحداً.
هل فيكم أيتها المائة من قام بأمر أو مشروع طبقه واستمر به؟ أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، ينفع الله به الأمة، الخير يتوسع، وكما قيل: الوجود الطبيعي له نمو طبيعي، إذا كان هذا المجتمع كما يقول علماؤنا: الأصل في مجتمعنا الخير، والشر طارئ، الأصل السنة، والبدعة طارئة، الأصل الأخذ بالإسلام بجميع جوانبه، والتفريق بين ذلك طارئ، الأصل التوحيد والبدع والوثنية والشركيات -معاذ الله أن تكون لو كانت- طارئة.
يقول العلماء: الوجود الطبيعي له نمو طبيعي، فكون الصحوة مجودة ونشيطة ومتنامية في هذا المجتمع؛ هذا أمر طبيعي جداً جداً، نعم قد نعجب حينما توجد صحوة في اتجاه صحيح نحو التوحيد في بعض البلدان الإسلامية، مع الحماس للإسلام والرغبة والتشجيع نقول: الحمد لله هذا شيء جيد، عليهم أن يتجهوا للتوحيد وأن ينتبهوا للتوحيد، لكن هنا وجود التوحيد أمر طبيعي.
فالشيء الذي له وجود طبيعي، يكون نموه طبيعياً، رجل وزوجته في أسرة بعد خمس سنوات وجدنا عندهم أربعة أولاد هل يعتبر نمو هذه الأسرة من رجل وزوجة إلى وجود أربعة من الذرية امتداداً بدعياً أو يعتبر هذا نمواً طبيعياً؟ في الواقع أن رجلاً وزوجته بعد خمس سنوات عندهم أربعة أطفال هذا نمو طبيعي، فالواقع يفترض عليك أن يكون التزامك طبيعياً، أو أن ظاهرة التزامك أو حقيقة التزامك التي نراها اليوم ونعتبرها أمراً طبيعياً لا بد أن يكون لها -يا أخي الكريم- امتداد طبيعي، بمعنى أن يكون لك دور في أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
وأعجب من هذا وأخطر أن تجد الواحد جبّاراً في الجاهلية خواراً في الإسلام؛ كثير من أبناء الصحوة المباركة أيام فساده لا تسأل عن دهائه ومكره وتخطيطه وفهلوته وألاعيبه وكل أسلوب يطبقه، فإذا التزم أصبح ظبياً جفولاً، وحملاً وديعاً، وحمامة سلام في منقارها غصن الزيتون، أين تلك القوة؟ (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام) لا نقول: يوم أن كنت تدمر قبل التزامك، نريدك بعد الالتزام تأخذ لك (ساكتون) وترمي الدش -كما يظن البعض- بطريقة خاطئة فاشلة جاهلة من أولها إلى آخرها، ولا نريدك أن تمد يدك في إنكار منكر أو تغير المنكر بالقوة وباليد، لا، لكن نريد الصبر والعمل والثبات، ولن تبلغ الغاية إلا بطول نفس واستعانة بالله، وكثرة ذكر يعينك على الثبات على ذلك.
والله إني أعجب من شاب يوم أن تسمع عن أخباره إبان انحرافه أو قبل استقامته تجد العجب العجاب! ولما استقام؛ لم يتجاوز خطوات من بيته إلى مسجده، جزاك الله خيراً على هذه الاستقامة، ونحن لا نقول: كل الأمة تفتر، المطلوب شيء والواقع شيء آخر، ولا نقول: إن الأمة من أولها إلى آخرها ما لم يكونوا كلهم دعاة، وكلهم أهل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ فإنها أمة فاشلة، لكن الذين يمثلون صفوة المجتمع، وخيار الأمة في المجتمع يفترض أن يكونوا دعاة وهداة وأهل طاقة حركية، وأهل إنتاج وأهل تفجر، وأهل خير ونور يصل أقصى أماكن الظلام حتى يملأها، ويهزم جحافل الظلام فيها، مجالات الدعوة وتحمل المسئولية كثيرة، فهل نجد من يقول: أنا لها؟
стр. 2766
أسباب التهرب من المسئولية
إن كثيراً من أحبابنا يتهربون من هذه المسئولية لأسباب عديدة:
стр. 2767
الخوف سبب للتهرب من مسئولية الدعوة
أولها: الخوف، وكأني ببعضكم في هذا المسجد يقول: ولماذا لا أقدم شيئاً للإسلام؟ لماذا لا أقدم ولو برنامجاً؟ يا أخي الكريم أعطيك مثالاً بسيطاً: عمال النظافة في المساجد، هل فكر أحد أن يربط بهم علاقة، فيعلمهم اللغة العربية، ويحفظهم التوحيد، ويعلمهم بعض الآيات، فإذا عادوا إلى سيلان وسيرلانكا والهند وبنجلادش كانوا أئمة هناك، هل أحد يتحمل هذه المسئولية؟ هل هناك من يقول أنا لها؟ هذا كأبسط مثال! والله في الحقيقة لم نجد إلا النادر، وكما قال ﷺ (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) تدخل حوشاً فيه مائة ناقة، لكن هذه جرباء، وهذه ضلعاء، وهذه مريضة، وهذه عرجاء، وهذه وهذه، لا تكاد تجد ناقة واحدة بين مائة ناقة، واليوم بكل أسى والله لو وجدنا من كل مائةٍ ملتزماً واحداً صاحب همة دعوية، وحركة عملية، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، والله لوجدنا الخير الكثير.
أنتم تجدون واحداً مثلاً في جدة، أو في الشرقية أو في الغربية، أو في أي مكان حينما ينفع الله به، يكون له أثر عظيم، فما بالك لو كان من بين المئات أفراد وآحاد يقومون بمثل هذا الدور، والبقية أيادي مساندة ومعاونة لنشر الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أقول: قد يقول بعض الحاضرين، من الآن من الساعة سنبدأ بإذن الله، لماذا الناس تقدر وأنا أعجز؟ الناس تعلم وأنا أجهل؟ الناس تستطيع وأنا لا أستطيع؟ باسم الله، فإذا أراد أن يبدأ بخطوة أولى، جاءه ذلك القرين، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة:٢٦٨].
جاءه الشيطان قال: يا مجنون! وأنت من يضمن لك أن عملك هذا تسلم من مغبته وتبعاته؟ من يضمن لك أنك لا تراقب؟ من يضمن لك أنك أنك؟ وهذه من الحيل النفسية، والأوهام والخيوط العنكبوتية التي يقوم الواحد فيقدم يديه للشيطان ويقول: كبلها بخيوط وهمك، ويقدم رجليه ويقول: اجعل عليها قيوداً من حبال توهيمك فلا تجعلني أتحرك، هل يمنعك أحد أن تعلم عمالاً القرآن الكريم؟ هل يمنعك أحد أن تدعو إلى الله جل وعلا؟ لقد انصرفنا -أيها الإخوة- إلى أساليب الدعوة الجماعية وضيعنا الدعوة الفردية، الحضور الآن بالمئات، ولو أن كل واحد يركز على شخص واحد، سواء كان قريباً في أسرته، أو زميلاً في عمله، أو جاراً في حيه، فأخذه وقال: لن أدعه ولن أبرح عاكفاً على متابعته وزيارته، وأخذه والذهاب به، والإياب معه والعمرة به، والحج معه وزيارة العلماء به، وإهدائه الشريط ودعوته إلى الطعام، حتى لا يحول حولٌ إلا ويكون ممن شقوا طريقهم في طلب العلم، وحفظ القرآن والسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لوجدتم أن هذا الخير يتنامى في المجتمع، وتصلح الأمة صلاحاً ذاتياً، يتنامى ويتسارع تسارعاً يقهر أعداءها، لكن دائماً نربط أنفسنا بمشاريع الدعوة الجماعية، كأننا إذا منعنا أو أوقفنا عن سبيل من سبل الدعوة التي فيها نهج أو نوع طريقة جماعية كأن الدعوة أوقفت وانتهت، لا يا أخي الكريم! هذه من الحيل التي تنسجها أنت أو يكبلك الشيطان بها، فتقول: وماذا نفعل!! الشريط الفلاني موقوف، والمحاضرات في المكان الفلاني ممنوعة، إذاً ماذا نعمل؟!! لا يا أخي الكريم! والله لئن كانت مجالات الدعوة مائة، فمنع منها عشرة مثلاً، فعندك تسعين مجالاً مفتوحاً، لكن من أراد أن يعمل فسوف يعمل، وأما الذين يتعللون ويحبون من الإسلام والالتزام: أحبك في الله، أهلاً يا أخي في الله، لا تنسنا من دعواتك، لا تنسنا من الدعاء في الركعة الثالثة عشرة، من هذه الكلمات خذ ما شاء الله، أما أن تريد رجالاً يعملون؛ فما أقل أن نجد هذا! ومصيبة الصحوة أن أبناءها باتوا عالة عليها، بل لا تعجب أن ترى القيل والقال، والزيادة والنقص، وفلان وعلان، وروي وذكر، حتى بات فريق من الشباب لا هم لهم إلا أن ينقلوا منك إلى أخيك بما يكره، وينقلوا من أخيك إليك بما تكره، ولا أستبعد أن تكون هذه الصفوف الطيبة الخيرة يخطط أعداؤها لها، وأن يندس فيها من يزرع العداوة والبغضاء بين دعاتها، ويزرع الشحناء والقطيعة بين رجالها، ويحاول أن يقسمها أقساماً وأحزاباً وجماعات شتى، ولأجل هذا نقولها في الخطب وفي الندوات والمحاضرات: لا مكان للحزبية هنا، لا حلف في الإسلام، لا مكان للتجمع على حزب معين، نعم، تتجمع طائفة للعناية بالضعفاء، بالسجناء، بالمساكين، بالأيتام، بالأرامل، بالمعدمين، بالمعوزين؛ هذه معقولة.
أما حزب معين وما سواه فلا مكان له، فلا، أبداً نحن أمة واحدة فينا الظالم لنفسه بالمعصية، وفينا المقتصد، وفينا السابق بالخيرات، وهذا إطار الأمة أجمع، وإذا قلنا: إن مجموعة فلان وفلان والشباب الفلانيين هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة فماذا نسمي شباب الأرصفة! من الجهمية؟ ماذا نقول لبعض العصاة الذين عندهم منكرات في بيوتهم أهم من المعتزلة؟ ماذا نقول لبعض أهل التقصير؟ من الماتريدية.
ماذا نقول وماذا نقول؟ أيها الإخوة! تقسيم الأمة مصيبة، ثم إن الحكم على الأمة باللوازم أمر أخطر من ذلك، الأمة أمة واحدة، ويدخل في عداد هذه الأمة من جهل أمراً، أي أن تبديع الأمة بالعربي الفصيح الصريح لا يتم إلا إذا عرفنا من رجل بدعةً أعلنها ثم نوصح بها، وأصر على قوله وقال: أقصد كذا، وما قصدت ذاك وأعني ما تخطؤنني فيه، وأراه منهجاً لي؛ فذاك المبتدع الذي تحاربه الأمة.
أما أن نقسم الأمة وننقسم نحن أهل الخير إلى جماعات وأحزاب، فذلك شرٌ نحذركم وأنفسنا منه، ومن أراد أن يخدم هذا الإسلام؛ فليجنب نفسه الحزبية والعصبية، افتح بابك ونفسك وفؤادك وقلبك وجهدك وقدراتك لكل من أراد أن يعمل لهذا الدين؟ أيها الأحبة: كما قلت: من أسباب التهرب من المسئولية الخوف؛ أنا أخشى أن أراقب، أنا أخشى أن ألاحق، ما شاء الله عليك يا زعيم المافيا والألوية الحمراء، ماذا عندك؟! شريط صدر من وزارة الإعلام بالفسح تاريخ رقم، كتاب صدر بالإذن من الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية، وفسح أيضاً من وزارة الإعلام، يعني يفسح وتخشى أن توزعه، يفسح وتخشى أن تدعو به؟! أحد منعك وقال: يُسمح لك أن تأخذ عشرة من الناس فتلعب معهم كرة، وتدور أنت وإياهم في الأسواق والشوارع، ولكن ممنوع أن تأخذ ثلاثة أو أربعة من إخوانك فتزورون عالماً أو تعتمر أو تحج أو تسافر أو تقدم أمراً في سبيل الله؟! لكنها أوهام الشيطان.
لذلك تجد الواحد وهو متكئ إذا فكر أن يدعو؛ رسم منهجاً دعوياً، جاء الشيطان وأنزل عليه جبلاً كـ جبل ثور، ثم جعل يضغط بهذا الجبل من الخوف والوهم والفقر ودنو الأجل؛ حتى يجعل رأسه ينطبق على فخذه، فإذا قال إنسان: مالي وللدعوة، مالي وللأمر، مالي وللمسئولية، تنفس الصعداء ونسف غترته جنباً إلى جنب، وقال: يا أخي! الحياة حلوة وسعيدة وممتازة، لما فكر أن يدعو؛ انطبق رأسه على فخذه من الثقل في جبل حمله من الوهم الذي نزل به الشيطان، ولما فكر أن يلقي الدعوة والعمل والمسئولية، وأن يرمي بها عرض الحائط، أصبح الأمر سهلاً ميسوراً بالنسبة له.
стр. 2768
التشاؤم والتهرب من المسئولية
مصيبة أخرى تجعل كثيراً من الشباب لا يتحملون المسئولية ويتهربون منها، بعضهم يقول: وماذا تنتظر؟ الأمة ضائعة منحرفة، الأمة تائهة، الأمة في الطوفان، الوحل، الحريق، النار، الغرق، ولا تجد الرجل يرى إلا بعين التشاؤم.
أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلا
هذا مثل الذي يصيح ولم يدقوه بعد ولا دقوه، تجد الإنسان قبل أن يرى مصيبة يصيح ويولول، ويفزع ويهرول ويدعو بالويل والثبور، إذا كان هذا صياحك وولولتك قبل نزول المصيبة، فإذا نزلت المصيبة؛ ماذا ستفعل؟ يا أخي! كن جميلاً ترى الوجود جميلاً، تفاءل، انظر بخير.
لما قدم النبي ﷺ يفاوض في صلح الحديبية، القضية في ظاهرها هزيمة للمسلمين.
الرسول وصحابته الكرام ﷺ ورضوان الله عليهم، يقدمون إلى بيت الله الحرام فيصدون، وتفاوض قريش بعنجهية وكبرياء وخيلاء وعناد، فيقول النبي ﷺ : من الذي قدم؟ قالوا: جاء سهيل بن عمرو قال: (سهل لكم من أمركم) انظر التفاءل.
ثم أيضاً أعط نفسك تصوراً معقولاً في حجم إنتاجك وعملك، تريد أن تلقي كلمة بعد صلاة العشاء أو المغرب في مسجد من المساجد، ضع في حسبانك وأنت تلقي الكلمة أنه سوف يسمع لك فقط خمسة عشر مصلياً، ضع هذا في ذهنك، فإذا قمت ووجدت عشرين مصلياً أمامك، فالحمد لله، الأمة مقبلة على خير، وجد والله شيئاً كثيراً، ووجدت فوق ما تصورت، لكن البعض حينما يريد أن يقوم فيلقي كلمة، فيذهب نصف المسجد، يقول: أهذه أمة فيها خير؟ أنا أقوم وألقي كلمة فيخرج نصفهم.
وإذا ذهب نصفهم ماذا في ذلك؟ سبحان الله العلي العظيم! يا أخي! إذا كان هناك أنبياء يقدمون على الله يوم القيامة، أيدوا بالمعجزات وبالوحي وهم أفضل خلق الله، يأتي النبي منهم يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد، فأنت تريد أن يفتح لك من القبول كما فتح لـ أحمد بن حنبل أو كما فتح لأئمة الإسلام العظام، وتريد هذا بين يوم وليلة.
منذ أيام كنت في مدينة الرياض في أحد المساجد، وكنت مشغولاً، يعني المشغول يصلي ثم يصلي الراتبة مثلاً أو يصليها في بيته وينصرف يمشي، فقام رجل جزاه الله خيراً يلقي كلمة، فلما قام؛ قام العدد الطبيعي من الذين في المسجد عمال، وناس لهم حاجات، وأصحاب أشغال وأعذار، وناس يمكن نساؤهم في السيارات، قال: الحمد لله يقول الله جل وعلا على لسان نبيه موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فموسى يعجل إلى ربه ليرضى الله عنه، ولكن الذين خرجوا يعجلون إلى ماذا؟ إلى منكر يرونه، ومنكر يسمعونه، ومعصية يجلسون عندها.
لماذا هذا الأسلوب يا أخي؟ لماذا تبدأ نفسك بهذه الهزيمة؟ هذا إعلان للهزيمة من البداية، ابدأ بقولك أيها الأحبة في الله! كلمة لمدة خمس دقائق، لمدة عشر دقائق، من كان مشغولاً فلا حرج أن ينصرف، جزاه الله خير الجزاء على حضوره صلاة الجماعة.
إن وجود هؤلاء يحضرون ويصلون معك الصلاة مع الجماعة خير عظيم، أي: إياك أن تنهار أو يصيبك الإحباط والانهيار عند أدنى إنسان يقوم، يا أخي افرض أن أحدهم ذهب يقضي حاجته، تقول: والله أنا إنسان فاشل، وما يضيرك أنك فشلت اليوم والشهر القادم والسنة القادمة، ثم بعد ذلك أصبت الصواب ولله الحمد والمنة.
الحاصل أننا لا نريد أن نهزم نفسياً فلا نُرى إلا بالتشاؤم.
أنا أعجب من بعض الشباب يوم أن تجلس معه يخبرك أن الإسلام محارب.
نعم يا أخي، المسلمون في بعض البلاد يذبحون، المسلمون يقتلون، والمسلمون يصيبهم ما يصيبهم، لكن إلى متى ونحن نردد: ذبحونا قتلونا ضربونا جلدونا، وبعد ذلك!! ألا نوقد شمعة في الظلام، ألا نقدم عملاً إيجابياً، ألا نبدأ بإغاثة جريح، أو إسعاف مريض، لا نعرف إلا أن نجتر المصائب والآلام، ونعتبرها هي قضيتنا الأولى والأخيرة، طبعاً أنا لا أقول: إن الإنسان ينظر إلى مصائب المسلمين نظرة باردة كما يقول الشيخ عائض القرني حفظه الله، يقول: بعضهم حينما تقول له: ما رأيك بما فعل بالمسلمين في حماة؟ أو ما فعل بالمسلمين في البوسنة والهرسك؟ يقول: بعضهم يظن من الاعتدال أن تقول: هذا لا ينبغي والأولى تركه، طبعاً ما نريد هذا البرود في قضايا المسلمين، لكن لا يعني ذلك أنك يوم أن تجد مصيبة قائمة للمسلمين، أنك لن تستطيع أن تفعل شيئاً بل إن مزيداً من الدماء تدعوك إلى مزيد من العمل، ومزيداً من الجراح تدعوك إلى مزيد من السعي ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠].
العمل مطلوب، لا نجعل هذه المصائب سبباً نتهرب به من هذه المسئولية.
стр. 2769
وجود الخلاف في الساحة
أكبر دليل على أن كثيراً من الشباب يتخوف من هذه المسئولية ولا يرغب أن يتحملها، أن تجد كثيراً من الشباب الآن يقول: والله الآن نرى واقعاً مختلفاً، وهنا الساحة عليها خلاف، ونحن في حيرة من هذا الخلاف، لأجل ذلك لأن تعض بأصل شجرة خيرٌ لك.
لماذا يا أخي الكريم، إذا كان الخلاف في قضايا جزئية.
شريعة الإسلام دينٌ جاء به محمد ﷺ ، ومكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة في مكة، وعشرة أعوام في المدينة ولا تنظر إلى هذا الدين إلا في القضايا الخلافية فقط.
وأما القضايا المتفق والمجمع عليها لا تعمل بها، من الناس من يقول: نريد أن نعمل لكن حيرونا الآن في الاختلاف الذي في الساحة وهل الخلاف يدعوك أن تترك العمل؟ نقول لك: لا تقتحم ولا تلج مسائل الخلاف، واعمل بالمسائل المتفق عليها، هل أحد يقول: إن تعليم الجاهل للقرآن الكريم مسألة فيها خلاف؟ هل يقول: إن تعليم الذين لا يحسنون الصلاة من المسلمين وما أكثرهم، من مسائل الخلاف؟ يقول أحد: إن تعليم بعض الذين يقدمون إلى هذه البلاد وهم مسلمون على مسمى الإسلام ولا يعرفون من العقيدة شيئاً من مسائل الخلاف؟ لماذا لا تعمل بهذا المضمار، وفي هذا المجال؟ يعني لا تجعل الخلاف الذي تراه سبباً يدعوك إلى ترك المسئولية وعدم تحملها.
стр. 2770
دعوى ""ليس من اختصاصي ""
بعض الشباب يتهرب من المسئولية، بدعوى (ليس من اختصاصي) كما يقال: إن رجلاً من البادية نزل على أحد إخواننا المصريين الطيبين، فقال له: يا أخي الكيك أو الحلاوة الجميلة التي أعطيتنا، كيف صنعتها؟ قال: لا، هذا من اختصاصي، قال: دع أختك صاصي تعلم أختي كيف تصلحها، لا، نحن لا نقصد الأخت صاصي، وإنما نقصد مسئوليتك أنت يا أخي الكريم، اختصاصك مسئوليتك لا بد أن تتحملها، والله هذا جاهل ما هو من اختصاصي، وهذا منكر ما هو من اختصاصي، وهذه مصيبة ما هي من أختك صاصي! ماذا تتحمل أنت وأختك صاصي؟!! مصيبة والله، فلا بد أن تحدد المسئولية، وانظر في أولويات قدراتك وطاقتك ومواهبك وكفاءاتك, فستجد أنك بإذن الله تجيد شيئاً تعمله للإسلام، وكن صريحاً مع نفسك في البداية قل: لقد كنت فيما مضى كسولاً، كنت فيما مضى رُقدة، كنت فيما مضى جثمة، كنت فيما مضى أحب الراحة، كنت فيما مضى أرمي بالمسئولية على الآخرين.
следующие страницы →