Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
أسباب التهرب من المسئولية
إن كثيراً من أحبابنا يتهربون من هذه المسئولية لأسباب عديدة:
стр. 2767
الخوف سبب للتهرب من مسئولية الدعوة
أولها: الخوف، وكأني ببعضكم في هذا المسجد يقول: ولماذا لا أقدم شيئاً للإسلام؟ لماذا لا أقدم ولو برنامجاً؟ يا أخي الكريم أعطيك مثالاً بسيطاً: عمال النظافة في المساجد، هل فكر أحد أن يربط بهم علاقة، فيعلمهم اللغة العربية، ويحفظهم التوحيد، ويعلمهم بعض الآيات، فإذا عادوا إلى سيلان وسيرلانكا والهند وبنجلادش كانوا أئمة هناك، هل أحد يتحمل هذه المسئولية؟ هل هناك من يقول أنا لها؟ هذا كأبسط مثال! والله في الحقيقة لم نجد إلا النادر، وكما قال ﷺ (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) تدخل حوشاً فيه مائة ناقة، لكن هذه جرباء، وهذه ضلعاء، وهذه مريضة، وهذه عرجاء، وهذه وهذه، لا تكاد تجد ناقة واحدة بين مائة ناقة، واليوم بكل أسى والله لو وجدنا من كل مائةٍ ملتزماً واحداً صاحب همة دعوية، وحركة عملية، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، والله لوجدنا الخير الكثير.
أنتم تجدون واحداً مثلاً في جدة، أو في الشرقية أو في الغربية، أو في أي مكان حينما ينفع الله به، يكون له أثر عظيم، فما بالك لو كان من بين المئات أفراد وآحاد يقومون بمثل هذا الدور، والبقية أيادي مساندة ومعاونة لنشر الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أقول: قد يقول بعض الحاضرين، من الآن من الساعة سنبدأ بإذن الله، لماذا الناس تقدر وأنا أعجز؟ الناس تعلم وأنا أجهل؟ الناس تستطيع وأنا لا أستطيع؟ باسم الله، فإذا أراد أن يبدأ بخطوة أولى، جاءه ذلك القرين، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة:٢٦٨].
جاءه الشيطان قال: يا مجنون! وأنت من يضمن لك أن عملك هذا تسلم من مغبته وتبعاته؟ من يضمن لك أنك لا تراقب؟ من يضمن لك أنك أنك؟ وهذه من الحيل النفسية، والأوهام والخيوط العنكبوتية التي يقوم الواحد فيقدم يديه للشيطان ويقول: كبلها بخيوط وهمك، ويقدم رجليه ويقول: اجعل عليها قيوداً من حبال توهيمك فلا تجعلني أتحرك، هل يمنعك أحد أن تعلم عمالاً القرآن الكريم؟ هل يمنعك أحد أن تدعو إلى الله جل وعلا؟ لقد انصرفنا -أيها الإخوة- إلى أساليب الدعوة الجماعية وضيعنا الدعوة الفردية، الحضور الآن بالمئات، ولو أن كل واحد يركز على شخص واحد، سواء كان قريباً في أسرته، أو زميلاً في عمله، أو جاراً في حيه، فأخذه وقال: لن أدعه ولن أبرح عاكفاً على متابعته وزيارته، وأخذه والذهاب به، والإياب معه والعمرة به، والحج معه وزيارة العلماء به، وإهدائه الشريط ودعوته إلى الطعام، حتى لا يحول حولٌ إلا ويكون ممن شقوا طريقهم في طلب العلم، وحفظ القرآن والسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لوجدتم أن هذا الخير يتنامى في المجتمع، وتصلح الأمة صلاحاً ذاتياً، يتنامى ويتسارع تسارعاً يقهر أعداءها، لكن دائماً نربط أنفسنا بمشاريع الدعوة الجماعية، كأننا إذا منعنا أو أوقفنا عن سبيل من سبل الدعوة التي فيها نهج أو نوع طريقة جماعية كأن الدعوة أوقفت وانتهت، لا يا أخي الكريم! هذه من الحيل التي تنسجها أنت أو يكبلك الشيطان بها، فتقول: وماذا نفعل!! الشريط الفلاني موقوف، والمحاضرات في المكان الفلاني ممنوعة، إذاً ماذا نعمل؟!! لا يا أخي الكريم! والله لئن كانت مجالات الدعوة مائة، فمنع منها عشرة مثلاً، فعندك تسعين مجالاً مفتوحاً، لكن من أراد أن يعمل فسوف يعمل، وأما الذين يتعللون ويحبون من الإسلام والالتزام: أحبك في الله، أهلاً يا أخي في الله، لا تنسنا من دعواتك، لا تنسنا من الدعاء في الركعة الثالثة عشرة، من هذه الكلمات خذ ما شاء الله، أما أن تريد رجالاً يعملون؛ فما أقل أن نجد هذا! ومصيبة الصحوة أن أبناءها باتوا عالة عليها، بل لا تعجب أن ترى القيل والقال، والزيادة والنقص، وفلان وعلان، وروي وذكر، حتى بات فريق من الشباب لا هم لهم إلا أن ينقلوا منك إلى أخيك بما يكره، وينقلوا من أخيك إليك بما تكره، ولا أستبعد أن تكون هذه الصفوف الطيبة الخيرة يخطط أعداؤها لها، وأن يندس فيها من يزرع العداوة والبغضاء بين دعاتها، ويزرع الشحناء والقطيعة بين رجالها، ويحاول أن يقسمها أقساماً وأحزاباً وجماعات شتى، ولأجل هذا نقولها في الخطب وفي الندوات والمحاضرات: لا مكان للحزبية هنا، لا حلف في الإسلام، لا مكان للتجمع على حزب معين، نعم، تتجمع طائفة للعناية بالضعفاء، بالسجناء، بالمساكين، بالأيتام، بالأرامل، بالمعدمين، بالمعوزين؛ هذه معقولة.
أما حزب معين وما سواه فلا مكان له، فلا، أبداً نحن أمة واحدة فينا الظالم لنفسه بالمعصية، وفينا المقتصد، وفينا السابق بالخيرات، وهذا إطار الأمة أجمع، وإذا قلنا: إن مجموعة فلان وفلان والشباب الفلانيين هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة فماذا نسمي شباب الأرصفة! من الجهمية؟ ماذا نقول لبعض العصاة الذين عندهم منكرات في بيوتهم أهم من المعتزلة؟ ماذا نقول لبعض أهل التقصير؟ من الماتريدية.
ماذا نقول وماذا نقول؟ أيها الإخوة! تقسيم الأمة مصيبة، ثم إن الحكم على الأمة باللوازم أمر أخطر من ذلك، الأمة أمة واحدة، ويدخل في عداد هذه الأمة من جهل أمراً، أي أن تبديع الأمة بالعربي الفصيح الصريح لا يتم إلا إذا عرفنا من رجل بدعةً أعلنها ثم نوصح بها، وأصر على قوله وقال: أقصد كذا، وما قصدت ذاك وأعني ما تخطؤنني فيه، وأراه منهجاً لي؛ فذاك المبتدع الذي تحاربه الأمة.
أما أن نقسم الأمة وننقسم نحن أهل الخير إلى جماعات وأحزاب، فذلك شرٌ نحذركم وأنفسنا منه، ومن أراد أن يخدم هذا الإسلام؛ فليجنب نفسه الحزبية والعصبية، افتح بابك ونفسك وفؤادك وقلبك وجهدك وقدراتك لكل من أراد أن يعمل لهذا الدين؟ أيها الأحبة: كما قلت: من أسباب التهرب من المسئولية الخوف؛ أنا أخشى أن أراقب، أنا أخشى أن ألاحق، ما شاء الله عليك يا زعيم المافيا والألوية الحمراء، ماذا عندك؟! شريط صدر من وزارة الإعلام بالفسح تاريخ رقم، كتاب صدر بالإذن من الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية، وفسح أيضاً من وزارة الإعلام، يعني يفسح وتخشى أن توزعه، يفسح وتخشى أن تدعو به؟! أحد منعك وقال: يُسمح لك أن تأخذ عشرة من الناس فتلعب معهم كرة، وتدور أنت وإياهم في الأسواق والشوارع، ولكن ممنوع أن تأخذ ثلاثة أو أربعة من إخوانك فتزورون عالماً أو تعتمر أو تحج أو تسافر أو تقدم أمراً في سبيل الله؟! لكنها أوهام الشيطان.
لذلك تجد الواحد وهو متكئ إذا فكر أن يدعو؛ رسم منهجاً دعوياً، جاء الشيطان وأنزل عليه جبلاً كـ جبل ثور، ثم جعل يضغط بهذا الجبل من الخوف والوهم والفقر ودنو الأجل؛ حتى يجعل رأسه ينطبق على فخذه، فإذا قال إنسان: مالي وللدعوة، مالي وللأمر، مالي وللمسئولية، تنفس الصعداء ونسف غترته جنباً إلى جنب، وقال: يا أخي! الحياة حلوة وسعيدة وممتازة، لما فكر أن يدعو؛ انطبق رأسه على فخذه من الثقل في جبل حمله من الوهم الذي نزل به الشيطان، ولما فكر أن يلقي الدعوة والعمل والمسئولية، وأن يرمي بها عرض الحائط، أصبح الأمر سهلاً ميسوراً بالنسبة له.
стр. 2768
التشاؤم والتهرب من المسئولية
مصيبة أخرى تجعل كثيراً من الشباب لا يتحملون المسئولية ويتهربون منها، بعضهم يقول: وماذا تنتظر؟ الأمة ضائعة منحرفة، الأمة تائهة، الأمة في الطوفان، الوحل، الحريق، النار، الغرق، ولا تجد الرجل يرى إلا بعين التشاؤم.
أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلا
هذا مثل الذي يصيح ولم يدقوه بعد ولا دقوه، تجد الإنسان قبل أن يرى مصيبة يصيح ويولول، ويفزع ويهرول ويدعو بالويل والثبور، إذا كان هذا صياحك وولولتك قبل نزول المصيبة، فإذا نزلت المصيبة؛ ماذا ستفعل؟ يا أخي! كن جميلاً ترى الوجود جميلاً، تفاءل، انظر بخير.
لما قدم النبي ﷺ يفاوض في صلح الحديبية، القضية في ظاهرها هزيمة للمسلمين.
الرسول وصحابته الكرام ﷺ ورضوان الله عليهم، يقدمون إلى بيت الله الحرام فيصدون، وتفاوض قريش بعنجهية وكبرياء وخيلاء وعناد، فيقول النبي ﷺ : من الذي قدم؟ قالوا: جاء سهيل بن عمرو قال: (سهل لكم من أمركم) انظر التفاءل.
ثم أيضاً أعط نفسك تصوراً معقولاً في حجم إنتاجك وعملك، تريد أن تلقي كلمة بعد صلاة العشاء أو المغرب في مسجد من المساجد، ضع في حسبانك وأنت تلقي الكلمة أنه سوف يسمع لك فقط خمسة عشر مصلياً، ضع هذا في ذهنك، فإذا قمت ووجدت عشرين مصلياً أمامك، فالحمد لله، الأمة مقبلة على خير، وجد والله شيئاً كثيراً، ووجدت فوق ما تصورت، لكن البعض حينما يريد أن يقوم فيلقي كلمة، فيذهب نصف المسجد، يقول: أهذه أمة فيها خير؟ أنا أقوم وألقي كلمة فيخرج نصفهم.
وإذا ذهب نصفهم ماذا في ذلك؟ سبحان الله العلي العظيم! يا أخي! إذا كان هناك أنبياء يقدمون على الله يوم القيامة، أيدوا بالمعجزات وبالوحي وهم أفضل خلق الله، يأتي النبي منهم يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد، فأنت تريد أن يفتح لك من القبول كما فتح لـ أحمد بن حنبل أو كما فتح لأئمة الإسلام العظام، وتريد هذا بين يوم وليلة.
منذ أيام كنت في مدينة الرياض في أحد المساجد، وكنت مشغولاً، يعني المشغول يصلي ثم يصلي الراتبة مثلاً أو يصليها في بيته وينصرف يمشي، فقام رجل جزاه الله خيراً يلقي كلمة، فلما قام؛ قام العدد الطبيعي من الذين في المسجد عمال، وناس لهم حاجات، وأصحاب أشغال وأعذار، وناس يمكن نساؤهم في السيارات، قال: الحمد لله يقول الله جل وعلا على لسان نبيه موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فموسى يعجل إلى ربه ليرضى الله عنه، ولكن الذين خرجوا يعجلون إلى ماذا؟ إلى منكر يرونه، ومنكر يسمعونه، ومعصية يجلسون عندها.
لماذا هذا الأسلوب يا أخي؟ لماذا تبدأ نفسك بهذه الهزيمة؟ هذا إعلان للهزيمة من البداية، ابدأ بقولك أيها الأحبة في الله! كلمة لمدة خمس دقائق، لمدة عشر دقائق، من كان مشغولاً فلا حرج أن ينصرف، جزاه الله خير الجزاء على حضوره صلاة الجماعة.
إن وجود هؤلاء يحضرون ويصلون معك الصلاة مع الجماعة خير عظيم، أي: إياك أن تنهار أو يصيبك الإحباط والانهيار عند أدنى إنسان يقوم، يا أخي افرض أن أحدهم ذهب يقضي حاجته، تقول: والله أنا إنسان فاشل، وما يضيرك أنك فشلت اليوم والشهر القادم والسنة القادمة، ثم بعد ذلك أصبت الصواب ولله الحمد والمنة.
الحاصل أننا لا نريد أن نهزم نفسياً فلا نُرى إلا بالتشاؤم.
أنا أعجب من بعض الشباب يوم أن تجلس معه يخبرك أن الإسلام محارب.
نعم يا أخي، المسلمون في بعض البلاد يذبحون، المسلمون يقتلون، والمسلمون يصيبهم ما يصيبهم، لكن إلى متى ونحن نردد: ذبحونا قتلونا ضربونا جلدونا، وبعد ذلك!! ألا نوقد شمعة في الظلام، ألا نقدم عملاً إيجابياً، ألا نبدأ بإغاثة جريح، أو إسعاف مريض، لا نعرف إلا أن نجتر المصائب والآلام، ونعتبرها هي قضيتنا الأولى والأخيرة، طبعاً أنا لا أقول: إن الإنسان ينظر إلى مصائب المسلمين نظرة باردة كما يقول الشيخ عائض القرني حفظه الله، يقول: بعضهم حينما تقول له: ما رأيك بما فعل بالمسلمين في حماة؟ أو ما فعل بالمسلمين في البوسنة والهرسك؟ يقول: بعضهم يظن من الاعتدال أن تقول: هذا لا ينبغي والأولى تركه، طبعاً ما نريد هذا البرود في قضايا المسلمين، لكن لا يعني ذلك أنك يوم أن تجد مصيبة قائمة للمسلمين، أنك لن تستطيع أن تفعل شيئاً بل إن مزيداً من الدماء تدعوك إلى مزيد من العمل، ومزيداً من الجراح تدعوك إلى مزيد من السعي ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠].
العمل مطلوب، لا نجعل هذه المصائب سبباً نتهرب به من هذه المسئولية.
стр. 2769
وجود الخلاف في الساحة
أكبر دليل على أن كثيراً من الشباب يتخوف من هذه المسئولية ولا يرغب أن يتحملها، أن تجد كثيراً من الشباب الآن يقول: والله الآن نرى واقعاً مختلفاً، وهنا الساحة عليها خلاف، ونحن في حيرة من هذا الخلاف، لأجل ذلك لأن تعض بأصل شجرة خيرٌ لك.
لماذا يا أخي الكريم، إذا كان الخلاف في قضايا جزئية.
شريعة الإسلام دينٌ جاء به محمد ﷺ ، ومكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة في مكة، وعشرة أعوام في المدينة ولا تنظر إلى هذا الدين إلا في القضايا الخلافية فقط.
وأما القضايا المتفق والمجمع عليها لا تعمل بها، من الناس من يقول: نريد أن نعمل لكن حيرونا الآن في الاختلاف الذي في الساحة وهل الخلاف يدعوك أن تترك العمل؟ نقول لك: لا تقتحم ولا تلج مسائل الخلاف، واعمل بالمسائل المتفق عليها، هل أحد يقول: إن تعليم الجاهل للقرآن الكريم مسألة فيها خلاف؟ هل يقول: إن تعليم الذين لا يحسنون الصلاة من المسلمين وما أكثرهم، من مسائل الخلاف؟ يقول أحد: إن تعليم بعض الذين يقدمون إلى هذه البلاد وهم مسلمون على مسمى الإسلام ولا يعرفون من العقيدة شيئاً من مسائل الخلاف؟ لماذا لا تعمل بهذا المضمار، وفي هذا المجال؟ يعني لا تجعل الخلاف الذي تراه سبباً يدعوك إلى ترك المسئولية وعدم تحملها.
стр. 2770
دعوى ""ليس من اختصاصي ""
بعض الشباب يتهرب من المسئولية، بدعوى (ليس من اختصاصي) كما يقال: إن رجلاً من البادية نزل على أحد إخواننا المصريين الطيبين، فقال له: يا أخي الكيك أو الحلاوة الجميلة التي أعطيتنا، كيف صنعتها؟ قال: لا، هذا من اختصاصي، قال: دع أختك صاصي تعلم أختي كيف تصلحها، لا، نحن لا نقصد الأخت صاصي، وإنما نقصد مسئوليتك أنت يا أخي الكريم، اختصاصك مسئوليتك لا بد أن تتحملها، والله هذا جاهل ما هو من اختصاصي، وهذا منكر ما هو من اختصاصي، وهذه مصيبة ما هي من أختك صاصي! ماذا تتحمل أنت وأختك صاصي؟!! مصيبة والله، فلا بد أن تحدد المسئولية، وانظر في أولويات قدراتك وطاقتك ومواهبك وكفاءاتك, فستجد أنك بإذن الله تجيد شيئاً تعمله للإسلام، وكن صريحاً مع نفسك في البداية قل: لقد كنت فيما مضى كسولاً، كنت فيما مضى رُقدة، كنت فيما مضى جثمة، كنت فيما مضى أحب الراحة، كنت فيما مضى أرمي بالمسئولية على الآخرين.
стр. 2771
دعوى ""لم يحن الوقت بعد ""
من السبل التي يتهرب بها كثير من الشباب عن تحمل مسئولياتهم، يقول بعضهم: لم يحن الوقت بعد، حتى الآن لم يأتِ الوقت المناسب حتى أتحرك، ومتى يحين الوقت المناسب حتى تتحرك أطال الله عمرك؟ مثلما قال:
حرب حزيران انتهت
وكل حرب بعدها ونحن طيبون
حتى تغلل اليهود في بلادنا ونحن راجعون
صاروا على مترين من أبوابنا ونحن عائدون
ناموا على فرشنا ونحن راجعون
لم يحن الوقت بعد
كل يوم مصيبة ولم يحن الوقت بعد! مصائب المسلمين تترى ولم يحن الوقت بعد! متى يحين الوقت إذاً؟
قيل انتظار نضوج الكرم ما انتظروا نضج العناقيد لكن قبلها التهبوا
واليوم تسعون بليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب
جاء المنجمون أيام عمورية وقالوا للقائد: انتظر حتى يكن الكوكب الغربي في الذنب وحتى يقطف العنب، وحينئذٍ يكون طالعك السعد حينما تغزو، فقال المعتصم: لا ننتظر عنباً ولا ذنباً، نغزو وننصر تلك المرأة التي قالت: وامعتصماه.
اليوم صبرنا، وعصر الزيتون والعنب وصار مخللاً وما تحرك ذلك الذي يقول: لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد، وبالذات أعاتب شباب الجامعات والمدرسين وطلبة المعاهد العليمة وطلبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالذات، والجامعات الإسلامية أمة القرى وجامعة الملك عبد العزيز، والجامعة الإسلامية بـ المدينة، عندكم علم لو عرضتموه على واقع المسلمين لوجدتم أنكم قمة بالنسبة لهم، فماذا قدمتم؟ قوارير عطر مغلقة، نعم يوجد داخل الزجاجة عطر، لكن واحداً لن يشم أريجاً ولو لحظةً واحدة، والسبب مجموعة معلومات وعدم نفع، وعدم نشر، وعدم سعي بهذا العلم، فيا أخي الكريم! بلّغ وانفع من علمك بما أتاك الله .
الذي يقول: لم يحن الوقت بعد.
إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتاء
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى
متى تبدأ بالعلم والدعوة إذا كان هذا حر، وهذا برد، وهذا يمين وهذا يسار؟!! والله جل وعلا بين أن من شأن أولئك المنافقين، الذين قالوا: لا تنفروا في الحر، الوقت غير مناسب: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾ [التوبة:٨١ - ٨٢] قضية التسويف والتأجيل ولم يحن الوقت بعد، والله ما أظن أن وقتاً الأمة الإسلامية بأمس الحاجة إلى أموال أبنائها وجهد أبنائها وفكر أبنائها، وسعي أبنائها ورجالها ونسائها مجتمعين في مثل هذا الزمن الذي باتت العداوة فيه صراحة منكشفة علنية ضد الإسلام وفي مواجهة الإسلام، ولا نحتاج إلى أن نبرهن على هذا كله.
وبعض الشباب يقول: الظرف الآن لا يناسب أو لم يحن الوقت بعد، وكل ظرف بعده ظرف لا يناسب.
وإني أقول لكم: انظر إلى ظرف يوسف ﵇ وهو أنه في السجن، وما جعل رأسه بين رجليه، ويديه على خديه، وقال: واحسترك يا يوسف! لقد جُعلت عبداً وأنت حر، وألقيت في غيابة الجب وأنت بريء وأنت الحبيب إلى أبيك فصرت قصياً؟ لا، لما دخل السجن التفت يمنة ويسرة؛ فبدأ بالدعوة: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] أي: لا يوجد هناك وقت اسمه وقت دعوة ووقت جلوس عن الدعوة، نعم قد يكون من مصلحة الدعوة عدم طرح بعض المواضيع في فترة معينة، وترك بعض المواضيع قاطبة لفئة من علماء الأمة الكبار، قد يكون هذا من مصلحة الدعوة؛ لكن لا يعني ذلك التوقف عن الدعوة أبداً، ويعقوب ﵇ والموت يدنو وقد بات وشيكاً منه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٣٣] هذا وقت تنازع فيه الروح، سكرات الموت ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣] سبحان الله العلي العظيم! ما قال: والله هذا وقت غرغرة، ما أنا فارغ لأولادي بل قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٣] إلى آخر ما قالوا.
والنبي ﷺ في اللحظات الأخيرة من سكرات الموت، ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت) ولما حانت اللحظة الأخيرة قال: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) أمة لا تعرف التوقف عن الدعوة في أي حال من الأحوال.
وأما صاحبنا الحبيب الذي نقول له: تحرك، ادع، اعمل لهذا الدين، تحمل مسئوليتك، فيقول: الوقت غير مناسب، لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد.
ابن تيمية مؤلفات كثيرة ألفها في السجن، ما قال: والله هذا مكان لا يناسب فيه التأليف أو الدعوة، لما انقطع به السبيل عن الدعوة باللسان؛ سخر القلم للدعوة إلى الله جل وعلا في السجن، وكذلك الإمام أحمد وغيره.
وبعض أحبابنا تجد له زلة أو زلتين أو هنة أو هنتين، ويقول: إني إذا ذكرت فعلتي تلك لا أستطيع أن أدعو إلى الله، إني إذا ذكرت غلطتي تلك لا أستطيع أن أتحمل مسئولية، وكيف أتحمل مسئولية وأنا قبل ليلة فعلت واجترحت! يا أخي الكريم! لا تجمع مع الذنب ذنباً بترك العمل، وإهمال المسئولية، بل كفِّر ذنوبك بتحمل المسئولية والبذل لأجلها، إن أبا محجن ﵁ مع أنه كان مدمناً للخمر، ما قال: إني مدمن للخمر ولا حاجة ولا داعي أن أخرج للقتال مع سعد بن أبي وقاص في القادسية، وإنما خرج ومن شدة ولعه بالخمر شربها هناك، فكانت عقوبته أن يمنع أن يشهد ساحة المعركة، فيربط في القيد، ولما سمع الصهيل والصليل أخذ يردد أبياته المشهورة:
كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وغلقت مصارع دوني قد تصم المناديا
وأخذ ينادي سلمى زوجة سعد بن أبي وقاص، ويقول: يا سلمى! فكي قيدي، والله لك علي إن عدت حياً أن أضع نفسي في القيد، ما قال: والله أنا شارب خمر وما فكر بالشهادة في سبيل الله، قال: يا سلمى فكي هذا القيد، يريد أن يقاتل، فتعطيه سلمى البلقاء فرس سعد، وينزل أبو محجن وسعد بن أبي وقاص كان مريضاً، وشهد المعركة عن بعد من المعمعة، لكنه لم يكن في وسط المعركة، ومع ذلك يلام على ذلك وقيل فيه ما قيل:
فعدنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم
أي: سعد بعيد عن المعركة، ما تتأيم واحدة من نسائه، ومع هذا كله ينظر سعد إلى ذلك الفارس الذي يفلق هام الكفار فيقول: [الكر كر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، ولكن أبا محجن في الحبس والبلقاء في القيد]، فيعود وتخبره سلمى وتقول: بلى هي البلقاء وذاك هو أبو محجن، فيعود بعد ذلك ويقول: [والله لا جلدتك بعدها] ثم يقول أبو محجن: [والله لا شربتها بعد اليوم] كنت أشربها حين أطهر منها، أما الآن فو الله لا أشربها أبداً.
стр. 2772
تحمل المسئولية والعمل للإسلام
أيها الأحبة! نحن إذاً بحاجة أن نتحمل المسئولية وأن نعمل للإسلام، وأنا أعلم يا إخوان أن واقعنا اليوم صير التلميذ أستاذاً، وصير الأستاذ شيخاً، وصير الشيخ علامة، ولكن أيها الأحبة! هذا واقعنا، وزكاة المال من المال، والقوم يؤمهم أمثلهم، فإذا كان أبناؤنا وأحبابنا من جيل الصحوة هم أمثل جيلنا، فلماذا لا يتحمل مسئولياتهم؟! هل ننتظر شركة كورية توجه للدعوة والإصلاح، هل ننتظر عقداً نبرمه مع شركة كندية أو استرالية تقوم بواقعنا الذي عجزنا أن ننهض به، هي مسئولياتنا، وذاك مجتمعنا، وهذا واجبنا فلنقم به كل على قدر ما يستطيع.
أيها الأحبة! إننا نستطيع أن نقدم للدين أموراً كثيرةً جداً، وأقل ذلك أن يوجد الهم والاهتمام للإسلام، أعني إياك أن يستوي عندك أن ترى تسجيلات إسلامية وتسجيلات غنائية، أن يستوي عندك مشروع خيري ومحل فيديو، أن يستوي عندك نصرة للمسلمين ومصيبة على المسلمين.
إن من الناس من أخذ يقتات ويجتر قضايا المسلمين للاستمتاع والأخبار، بل وبعضهم يقول: نحن رأينا في الـ mbc أن المسلمين في كذا صار لهم كذا وكذا، لا يقول هذا الكلام من أجل أن يبين أن المسلمين قد حصل لهم شيء، لكن انظروا عندنا دش.
مصيبة أن الواحد أصبح يفتخر بنقل الأخبار عن المسلمين فقط، وفي نفس الوقت يفتخر بما يسلطه على بيته ونفسه، لا أن يجعل ذلك سبباً في نصرة أو دعم أو عمل أو تأييد، يقول سفيان: إني لأرى المنكر، فلا أستطيع أن أغيره فأبول دماً من شدة المعاناة.
نريد ولو معاناة نفسية، نريد دعوة بظهر الغيب، نريد أن تكف ألسنة الذين يقولون في المجالس ما يقولون، نريد أن تذب عن أعراض إخوانك، نريد أن تدعو لهم بظهر الغيب.
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعف النطق إن لم تسعف الحال
كلمة طيبة، صدقة تنفعك ولا تضرنا يا أخي الكريم، كذلك كما قلت: احذر أن توزع الشريط الممنوع والكتاب الممنوع، بعض الناس في المكتبة الإسلامية يقول: بموجب فهرس تسجيلات التقوى، فإن رقم هذا الشريط (٩٩٩٩) يتكلم على الانتخابات في بعض الدول العربية، ومع ذلك تضيق (٩٩٩٩) فلا يجد فيها شريطاً واحداً يصلح للتوزيع والدعوة، ولا يحلو له إلا أن يوزع شريطاً ممنوعاً، لماذا يا أخي تعرض الدعوة وتعرض نفسك للمهاترات؟ وتعرض المنهج والطريق والعمل لمثل هذه الاختناقات التي لا داعي لها، الأمر يومئذٍ لله، شريط مُنع، الخير في غيره إن شاء الله.
هل الأمة هلكت، ضاقت، غرقت، ماتت إن لم تسمع هذا الشريط؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، البعض لا يجد أمامه إلا مثل هذا، فأحذر أقول: وزع واعمل في شريط وكتاب مفسوح حتى إذا قال لك واحد: تعال يا مطوع ما عندك؟ أنت عندك منشورات وأنت عندك أشرطة، فتقول: تعال يا حبيبي هذا الشريط مفسوح برقم وتاريخ من وزارة الإعلام.
قبل مدة في أحد الأحياء قام مدير فرع أحد البنوك يوزع دعوة للمساهمة والعمل في فرع البنك الذي افتتح في الحي في كل البيوت، وما تجد إلا النادر أو أندر النادر من يقول: لماذا تدخل دعاية للبنك الربوي تحت بيوتنا؟ وتعطي لأطفالنا أو تسلم للغادين والرائحين في حينا، لماذا لم يقل أحد هذا الكلام؟ لكن لو وجدت إنساناً يوزع على جيرانه بعض الأشرطة في أحكام الحج والعمرة، قرب موسم الحج، وقرب موعد الامتحانات التحذير من المخدرات، التحذير من جلساء السوء، التحذير من التبرج والسفور، والله هذا المجتمع غريب فيه أشياء غريبة، لا يا أخي الحبيب! يوم وزعت دعاية عن بنك تهز رأسك، ولما وزع شريط يدفع البلاء والهلاك تعترض قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧].
يا أخي الكريم! نحن وإياك بهذا العمل نسعى لدفع الهلاك عن الأمة وذلك بإصلاحها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل عمل تستطيع أن تقدمه، وإذا أهمك الشيء، استطعت أن توجد لنفسك مجالاً تدعو فيه إلى الله، وتتحمل فيه مسئولية.
стр. 2773
دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ودعوة السجناء
من المجالات الحساسة والخطيرة دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
لو وظفنا جميع الحاضرين في هذا المسجد في هذا العمل فإنهم لا يكفون لهذه المهمة، المشكلة أنك تدعو رجلاً كافراً إلى الإسلام فيسلم، يرجع إلى الشركة التي كان يعمل فيها، فيختلط مع المشركين والكفار، فيفتنونه ويغرونه، ويستهزئون به، يرهبونه ويرغبونه، الحل كما قال أحد الدعاة جزاه الله خيراً، قال: الحل في طريقة النبي ﷺ في المؤاخاة، كان إذا أسلم أحد المشركين جعله أخاً لواحد من الصحابة، فلو دخل في الدين مسلم جديد؛ قال أحد الشباب: أنا له، أعطوني إياه، رجلي في رجله، أذهب أنا وإياه، أعلمه الفاتحة، أعلمه كيف يصلي، أعلمه الوضوء، أعلمه شيئاً من الكلمات العربية، لن أدعه حتى أجعله يقف على قدميه بإذن الله، حينئذٍ نجد في الأمر إمكانية ونجد في الأمر قدرة.
أيضاً من المواضيع المهمة التي يستطيع الإخوة أن يتحملوا فيها مسئولية وينفعوا بها إخوانهم المسلمين: دعوة السجناء، وهم قد اجتمعوا لك، ولا يستطيعون أن يهربوا من عندك، والجهات الرسمية تشجع وتعين، وربما تعطي مكافئة لمن أرادها في هذا المضمار وهذا المجال، إذاً فإني أدعو كل واحد من إخواننا أن يتحمل جزءاً من المسئولية في مجال يستطيع أن يقدم فيه قليلاً أو كثيراً.
стр. 2774
عواقب إهمال المسئولية
وختاماً أيها الأحبة! ما الذي يترتب على إهمال المسئولية؟ يترتب على إهمال المسئولية شر مستطير وخطر كبير، قال ﷺ : (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة -أي: ضربوا القرعة على سفينة- فكان لبعضهم أعلاها، وكان لبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفل السفينة، إذا أردوا الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أسفلها: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن هم أخذوا على أيدهم؛ نجوا ونجوا جميعاً).
إن ترك المسئولية وتعليق المسئولية يمنة ويسرة، وتهربنا من المسئولية من نذر الهلاك في المجتمع، الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧].
فإذا أردنا صلاحاً وبقاءً ونعماً تترى متتابعة على مجتمعنا وفي بلادنا وأمتنا، فعلينا أن نتحمل مسئولياتنا وأدوارنا، أما أن يضيع كلٌ دوره، ويريد أن تمتلئ المخازن بالأغذية، والأسواق بالأطعمة، والبواخر بالنعم، وخيرات البلاد تجبى إلينا من كل جانب وهو يرى منكراً لا ينكر، أو معروفاً يضيع ولا يقوم بواجبه، وغاية ما عنده أن يهز رأسه ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا بد أن تتحمل مسئوليتك، وأن تقوم بدورك، واسمع قول النبي ﷺ أيضاً: (لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعذاب ثم يدعو خياركم، فلا يستجاب لهم).
أيها الأحبة: انظروا إلى أولئك الفجرة، والحداثيين والعلمانيين والشيوعيين والفسقة وأهل الضلالة، كل منهم قد طوق نفسه، وتوج نفسه تتويج الضلالة لا الهداية بمسئولية تحملها، فتجد ضالاً ضليلاً ينبري لزاوية أدبية، لا يبرحها ولا يدعها قيد أنملة، وتجد آخراً يمسك بجانب، فلا يفتر قائماً عليه أبداً، وتجد الآخر يمسك بقضية معينة، فيوالي فيها العمل والجهد والبذل.
أما مشكلة الكثير من أبنائنا الملتزمين اليوم التذويق، ذواقين يوم نعمل في الجاليات، ويوم نعمل في السجن، ويوم نعمل في الفقراء، ويوم نعمل مع المعوقين، ويوم نعمل نعم هذا عمل خير، ولكن التخصص والصبر والجلد على مجال معين، يعطي الإنتاج فيه بإذن الله تعالى، أخي الكريم انظر إلى همة ذلك الشاعر الذي يقول:
أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر
وأشجع مني كل يوم سلامتي وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر
تمرست في الأهوال حتى تركتها تقول أمات الموت أو ذعر الذعر
وأقدمت إقدام الأبي كأن لي سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر
فتىً لا يضم القلب همة قلبه ولو ضمها قلب لما ضمه صدر
نريد واحداً يحمل هماً من هموم الأمة، ويتحمل مسئوليةً وينبري لها، ويقول: أنا لها، وقبل ذلك يسأل الله أن يكون سعيه خالصاً لوجه الله الكريم: (القصد القصد تبلغوا، من سار أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا وإن سلعة الله غالية، ألا وإن سلعة الله الجنة).
فيا أحبابنا إذا أردنا أن نمضي على طريق الأنبياء والصالحين من بعدهم والذين اهتدوا بهديهم وساروا على طريقتهم، فالعمل العمل لهذا الدين، مسئوليتنا جميعاً، ولا تجعل العمل وتحمل المسئوليات في المناسبات، منذ الليلة إن كنت جاداً تحسب على هذه الصحوة، فأسأل نفسك أي مسئولية تتحملها، إن شاء الله لو تعلم عامل النظافة الذي في المسجد القرآن وشيئاً من اللغة العربية والعقيدة الصحيحة، تأخذ لك خمسة عمال تكون مسئولاً عنهم، تذهب بهم إلى صلاة الجمعة، تردهم إلى بيوتهم، تعتمر وإياهم، تتفقد أحوالهم، تحل مشاكلهم مع العميل، شاب من جيرانك أو أقاربك تنذر نفسك له في كل الأوقات المناسبة عندك، أن تذهب به وتئوب وتعود معه، تعطيه الكتاب والنصيحة وتزوره، تأكل معه شيئاً، تشرب معه شيئاً، تقضي حاجته، تعينه، حتى بعد مدة تراه في عداد المهتدين، هكذا العمل الذي نريده.
أما الحماس والعواطف، والناس كإبل مائة كما نرى واقعنا اليوم لا نكاد نجد من يتحمل المسئولية، فهذا عيب، وهذا عار علينا، وعيب على أمة الإسلام التي بلغت الآن الألف مليون وستمائة مليون، وهي تجثم على ثروات وخيرات في أفضل المواقع، ومع ذلك ما تجد لهذه الأمة أثراً، لأن الأمة مجموعة أفراد، وكل فرد ضيع مسئوليته.
أحبابنا: نموذج على تحمل المسئولية في العمل، إذا رأيت الشاب المسلم أول من يدخل الدوام وآخر من ينصرف؛ فإنه جدير بالمسئولية، أما لأنك ملتزم تريد أن نعفو عنك، لأنك جئت متأخراً، ولأنك ملتزم؛ تريد أن نسمح بأخطائك في العمل، ولأنك ملتزم تريد أن نغفر خطاياك في واجباتك، لا، يا أخي الكريم! التزامك يحملك مسئولية أضعاف أضعاف ما يتحمل زملاؤك، لا تجعل التزامك وتدينك حجة أو ذريعة لكي ينظر الناس إليك نظرة مميزة مع تقصيرك وتفريطك في واجباتك، ومصيبة الأمة أن ينظر من يتصيد أخطاءها إلى الملتزمين من أبنائها في مواقع التقصير والإخلال بالمسئولية، ومنها جانب العمل، فهذا نموذج أو مجال من مجالات التحدي.
هل تثبت أنك جدير بتحمل المسئولية، حدد ساعة من يوم، ويوماً من أسبوع، وأياماً من شهر، لخدمة هذا الدين في برنامج محدد ومعين، وستنفع بإذن الله جل وعلا، وما سوى ذلك كما يقول القائل:
وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع
لو يقال إن شاباً ملتزماً في مستشفى الثغر يحتاج إلى دم، لذهب كل واحد يتبرع بدمه، لو قيل: إن فلاناً يحتاج إلى كلية، لبحثنا له عن كلية من يمين أو يسار، أي: لما مرض فجعنا به وبذلنا له، لكن لما كان صحيحاً ماذا قدم للإسلام؟ للأسف هذه مصيبة عظيمة.
ثم أحبابنا أختم بخاتمة مهمة ألا وهي أنه ينبغي أن ننظر إلى ما نحن فيه من النعم والخيرات، إن ذكرنا لسيئات مجتمعنا، وأخطاء واقعنا، وزلات ما نحن فيه، لا تجعلنا نغض النظر عن حسنات نرفل فيها ونتربع عليها، فمن واجبنا كما ننكر هذه السيئات أن نلتفت إلى هذه الحسنات، فنثني عليها ونثني على من دعا إليها، ومن قام بها، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، وبهذا نسوق ونقود دفة أمتنا إلى خير في معروف ننميه، ومنكر ننكره.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2775
الأسئلة
стр. 2776
بطاقة الشيخ/ سعد البريك الشخصية
السؤال
البطاقة الشخصية؟
الجواب
لا يهمكم كثيراً هذا، إنما أنا الفقير إلى الله سعد بن عبد الله البريك، محاضر في كلية المعلمين قسم الدراسات الإسلامية، وإمام وخطيب جامع الأمير خالد بن سعود في البديعة ﵀، ونتعاون مع أحبابنا في مكتب الجاليات التعاوني لدعوة غير المسلمين في منطقة البديعة، أسأل الله جل وعلا ألا يجعل أعمالنا وإياكم هباءً منثوراً.
стр. 2777
المناصحة بين الشباب
السؤال
ذكرتم المسئولية ومسئولية كل شاب منا، فما رأيك في أولئك الملتزمين الذين يقولون من الواجب ومن المفروض ومن ومن فماذا قدموا هم للإسلام؟
الجواب
الذي يقول: يجب وينبغي ويلزم نقول له: ماذا قدمت أنت أيضاً؟ نحن لا نقول: تقول لنا يجب، من الواجب أن نتناصح، ولك أن توجب علينا ما أوجبه الله علينا، وأن تلزمنا بما ألزمه ربنا ونبينا ﷺ ، نقول:
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
من السهل استعراض جهود داعية من الدعاة وتشريحه؛ أخطأ زاد نقص، نعم.
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
وعلى الداعية حين ينبه إلى خطأ أن يقول: نعم أخطأت، وأستغفر الله، والذي يقول: أنا لا أخطئ؛ يوشك أن يدعي العصمة، وهذا لا يجوز أبداً، لكن لا نريد أن نحاسب الداعية على فهمنا، ومثال ذلك أنا قلت كلمة أو أحد الإخوان قال كلمة، فيأتي أحدهم يقول: إن كلمة فلان في محاضرة الشباب والمسئولية تعني كذا وكذا، وإذا كنت أنا أعني بها غير ما عنيته أنت، فليس حكمك عليّ بما فهمته من كلامي، لكن بما ذهبت إليه أنا صاحب الكلام، وفي الفقه: أن المقر إذا أقر بإقرار مبهم، فإن المقر أولى الناس بتفسير إقراره، فنحن محاسبون على ما قلنا وعانينا، لا ما على فهمه الآخرون منا.
стр. 2778
شباب لا يعرفون قيمة أنفسهم
السؤال
بعض الشباب لا يعرف قيمة نفسه كمسلم، ولا يدرك أهمية شبابه فما نصيحتك لهؤلاء؟
الجواب
كثير من الشباب يبالغ في احتقار نفسه احتقاراً عظيماً حتى يظن أن البهيمة أفضل منه، وبعضهم ربما أصابه الغرور حتى يقع في العجب وحبوط العمل ولا حول ولا قوة إلا بالله، فنحن نقول: يا أخي الكريم! إياك أن يصيبك الغرور والعجب، وكما قال ابن الجوزي ﵀ في صيد الخاطر: اعلم أن الناس إذا أعجبوا بك، فإنما أعجبوا بجميل ستر الله عليك.
الله الذي جملنا بالستر، ولولا الستر ما اجتمعنا في هذا المسجد، كم في أنفسنا كمتحدثين وسامعين من الذنوب والخطايا، ونستغفر الله ونتوب إليه، ولكن من نعم الله أن سترنا وجملنا بالستر.
أذكر ذات يوم أني أخذت ولدي عبد الله إلى المستشفى لعمل أشعة بالأمواج الصوتية في قلبه -نسأل الله له الشفاء ولأبنائكم جميعاً- فدخلت مع الطبيب، ووضع الأجهزة على قلب الطفل، فظهر في الجهاز البطين والأذين والصمام إلى آخره، قلت: سبحان الله! هذه الأجهزة الدقيقة تكشف كل شيء، ولكنها لا تكشف الخير والشر في النفوس.
الله الذي ستر عباده، وجمّلهم بالستر.
أخي الحبيب! إياك أن تحتقر نفسك، أنت فيك خيرٌ عظيم، وكما قلت يا أخي: والله لن تعجز أن تؤثر في أقاربك أو جيرانك أو أصدقائك أو زملائك، حتى العمال المساكين الذين تراهم حولك بحاجة إلى علمك ومعونتك ومساعدتك، فما أظن أن واحداً يقول: إني لا أصلح لشيء، فتجده يتهرب من المسئولية، أي: يتفنن في التهرب من المسئولية، وهذه مصيبة الأمة أن كل واحد يرمي بالكرة على صاحبه حتى لا تقع في مرماه.
стр. 2779
دور الشابات
السؤال
قد تكلمت عن دور الشباب فما هو دور الشابات؟
الجواب
الخطاب للرجال والنساء على حد سواء إلا ما يستثني الرجال بخصوصهم والنساء بخصوصهن، أعني أن الفتاة المسلمة أيضاً مسئولة، تجد فتاة مسلمة تقول: التبرج والأسواق والفساد والمجلات الخليعة والموضات وو إلى آخره، أنتِ أيتها الأخت ماذا فعلت؟ هل دعوت صويحباتك إلى البيت مرة في كل أسبوع؟ هل أقمت درساً في المدرسة؟ هل تعاونت مع مدرسة المواد الشرعية؟ هل كان لكِ دور في مناسبات تحضرينها من زواج وحفلات، هل كان لكِ دور في لقاءات عائلية وأسرية؟ إن الواحدة تستطيع أن تقدم خيراً، في الرياض دار تحفيظ قرآن، تخرج منها حافظات للقرآن، بجهود امرأة بعد فضل الله جل وعلا ثم بمساعدة زوجها أيضاً.
من أراد أن يعمل -يا إخوان- سيجد أساليب العمل، لكن الذي يريد الأعذار سيجد ألف عذر وعذر بالكذب والتحايل، والتخلص والتملص من المسئولية، فعلى المرأة مسئولية كما هي على الرجل، ومن أعظم مسئوليات المرأة تجاه زوجها، فإن كثيراً من النساء تتسبب في أن ينظر زوجها في الغاديات والرائحات؛ لأنها ما أعطته حاجته من نفسها وهي آثمة بهذا.
إن كثيراً من النساء لا تتجمل لزوجها، فيكون قلبه شغوفاً بصور المتبرجات، وهي مهملة للتجمل له وحسن التبعل له.
إن كثيراً من النساء عودت أولادها وبناتها على لبس القصير، وعلى الخروج إلى السوق، والكلمات السوقية من الشارع، لإهمالها وعدم تحملها لمسئولية المحافظة على البيت.
كثير من النساء أهملت الأطفال الصغار، فلا تبالي أن تكشف عورته؛ لأن الخادمة خلت به مرات، فوضأته وغسلته وجعلته يستحم، وهي التي تغير ملابسه، ولم تنتبه لحياء ذلك الطفل أو حياء تلك البُنية.
إن على النساء مسئولية عظيمة جداً جداً.
стр. 2780
السبيل إلى زيادة الإيمان في القلب وترقيقه
السؤال
ما هو السبيل إلى زيادة الإيمان في القلب وترقيق القلوب، لأنه كما نعلم إن زيادة الإيمان من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان كفؤاً للمسئولية، وحبذا يا فضيلة الشيخ لو أسمعتنا أبيات ابن القيم في سلعة الرحمن؟
الجواب
من معتقد أهل السنة والجماعة رضوان الله عليهم ورحمة الله عليهم أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فالطاعات من وسائل زيادة الإيمان، والذي يجد قسوة في قلبه، ولا يحضره خشوعه في صلاته، فعليه أن يكثر من الاستغفار والصلاة والأعمال الصالحة عامة؛ فإنها بإذن الله جل وعلا تعينه وتكون سبباً في سعادته.
وأما كلام ابن القيم في النونية المسماة بـ الكافية الشافية، فإننا للأسف -أيها الأحبة- نصف الجنة ولا نتحمس لدخولها، ونعرف وصف النار ولا نأخذ الأهبة والحيطة للبعد والنجاة منها، فالله المستعان برحمته أن ينجينا من عذابه، وأن يدخلنا برحمته في جنته:
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنتِ غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
يا سعلة الرحمن كيف تصبَّر الخطاب عنك وهم ذوو إيمان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد فلقد عرضت بأيسر الأثمان
حور تزف إلى ضرير مقعد يا محنة الحسناء بالعميان
وروى أبو داود في سنن له ورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئ للعاملين بسنة العدناني
ما ذاك إلا أن تابعهم هم الغرباء ليست غربة الأوطان
إن التمسك بالسنة في زمن الغربة له أجر عظيم بإذن الله جل وعلا.
أحبابنا إن من الأمور التي أغرقنا فيها وتعمقنا فيها ما يسمى بديناميكية الدعوة وميكانيكية الدعوة، حتى أصبح الإنسان يفكر بالدعوة تفكيراً ديناميكياً آلياً بحتاً، وفعلاً غابت عنا الرقائق وغاب عنا التشويق والتخويف، ولذلك تجد رمضان يدنو منا -أسأل الله أن يبارك لنا في شعبان وأن يبلغنا وإياكم رمضان- فتجد الآيات العظمية التي تهد الجبال ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩].
آيات كثيرة فيها تهديد ووعيد، وتجد الواحد يفتح عينيه، فتطير في السماء، وحينما يأتي القنوت آه آه، قلبك غافل يوم كان كلام الله يتلى، ويوم جاء القنوت أخذت تتصنع البكاء وتتباكى أكثر من اللازم بتكلف؛ أين البكاء والخشية من كلام الله جل وعلا؟ نحن نحتاج أن نراجع النفوس، هل سيكون الدعاء المصفصف والمنمق من قبل أحد الأئمة أدعى إلى بكائك من كلام الله جل وعلا؟ في قلوبنا مرض.
كذلك الآيات التي فيها الكلام عن الجنة: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أدنى أهل الجنة منزلة من يملك كملك أهل الأرض عشر مرات، ولكن أيها الأحبة إننا نعلم يقيناً إن كل واحد منا يتيقن أن الجنة والنار حق، ونعيم الجنة حق، وعذاب النار حق، لكن للأسف نحن غير مهتمين، والسبب: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] معصية ونظرة، وكلمة، وغيبة ونميمة وغفلة، وهمز ولمز، فتكون هذه حجب تمنع من التفاعل مع الآيات والأحاديث التي فيها الوعد والوعيد، لذا يا إخواني! وقد قدمنا على الشهر الكريم؛ أحذركم من فوازير رمضان، ومسلسلات بعد العصر في التلفاز.
هذا أحد الشباب يقول: والله ذاك اليوم الذي أحجب بصري عن التلفاز، إنني أخشع مع الإمام، وأتلذذ لذة عظيمة في صلاة التراويح، وأما ذلك اليوم الذي أتساهل فيه؛ فأنظر إلى المسلسل والنكت السخيفة أو الطريفة أو غيرها بعد العصر، والفوازير بعد المغرب، وأدخل إلى الصلاة وكأني أصب ماء على صفوان صلب -حجر يابس- لا يمكن أن تجد فيه أي نعومة أو ليونة، نعم.
إذا أردت الخشوع؛ فتهيأ للخشوع؛ إذا أردت لذة الصلاة؛ فتهيأ لها، وأعظم لذة كما قال ابن المبارك: اترك فضول النظر؛ توفق إلى الخشوع، واترك فضول السماع؛ توفق إلى التلذذ بكلام الله وكلام رسوله ﷺ .
كان الصحابة والسلف ومن قريب الآباء والأجداد، تجد الواحد منهم قد احدودب ظهره، بلغ المائة أو جاوزها، يصلي ويتهجد، وإذا ذكرت الجنة قام يبكي وله نشيج، أحد كبار السن يحدث عن زمن ليس بعيد، وكان قد سمى فلاناً من الأئمة أظنه الشيخ العجيلي ﵀ قال: يقرأ ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] وكان وراءه رجل كبير في السن، وأخذ يبكي ويقول: أسأل الله أن يعيننا على جهيزهن، أي على العمل الصالح، الله أكبر! حينما تذكر الجنة يتخيل الجنة، ويتخيل برحمة الله أنه سيرى رسول الله ﷺ .
يا أخي! أريدك أن تحلق بخيالك ثم بحقيقة فكرك وقلبك ولبك، تخيل أنك في الجنة، بجوار رسول الله ﷺ ، أما تشتهي قبلة على جبين الحبيب ﷺ ؟! أما تشتهي جلسة مع أبي بكر الصديق؟! أما تشتهي حديثاً من الروح مع عمر بن الخطاب؟! أما تشتهي أن يحدثك الصحابة عن بسالتهم في الجهاد في سبيل الله؟! أما تشتهي الأخت المسلمة أن تجلس مع خديجة وكيف كانت تثبت رسول الله ﷺ وتقول: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؟ أما تشتهي أمي وأمك، وأختي وأختك، وزوجتي وزوجتك أن تسمع حديث زوجات النبي ﷺ ؟! للأسف أصبحنا نتكلم عن قضايا الواقع، ومخططات أعداء الإسلام، حلقنا فيها كثيراً كثيراً، ولم تعد الأحاديث عن الجنة تهزنا أو تحدر دمعة من مآقينا على خدودنا.
إن بعض الشباب يقول: فلان ليس عنده إلا المواعظ والترغيب والترهيب، والله جل وعلا قد أثنى على خيرة خلقه أنبيائه ورسله، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] فهل أنت تسارع في الخيرات؟ ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] يرغبون في الجنة ﴿وَرَهَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] خوفاً من النار ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
الذي ما يطمع في الجنة ويخشى من النار؛ فيه حب الصوفية المسمى بالعشق الإلهي، يقولون: عبدتك لا خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك.
أعوذ بالله.
فيا أحبابنا تشوقوا وعلقوا أنفسكم بالجنة ونعيم الجنة.
الذي عنده زوجة دوخته، ينظر في الحور العين التي ترضيه وتهنيه ويسعدها وتسعده، الذي يشكو مرضاً يعلق نفسه بالجنة: (يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً).
لا طيب للعيش مادامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
حياتنا حتى وإن متعنا فيها لا تساوي أول ليلة ينزل فيها الواحد إلى القبر، أنعم أهل الأرض يغمس في النار غمسة فيقال: يا عبدي! هل مر بك نعيم قط؟ يقول: لا يا رب.
إنسان منذ أن وضعته أمه إلى أن مات وهو في نعيم؛ في حرير، في ملذات، في مآكل، في مشارب، في أقل من اللحظة غمسة خفيفة في النار يصرخ منها ويقول: والله ما مر بي نعيم قط ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨].
قال ﷺ : (مثل الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة كمثل ما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع).
الآخرة ذلك البحر المتلاطم، والدنيا تلك القطرة التي تعلق بأنملتك حينما تغمس أنملتك في البحر، فمن ذا الذي يبيع هذه الآخرة الغالية بهذه الدنيا التافهة الفانية، نسأل الله جل وعلا أن يعيذنا وإياكم من الغفلات: ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥].
الحذر من الغفلة، فليتذكر الإنسان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف:٢٠١] تذكر يا أخي وقرب نفسك دائماً مع الأخيار والأبرار: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨].
لا تغرك المراكب ولا المساكن؛ إذا رأيت نعيماً فاذكر أن في الجنة أفضل منه، وإذا رأيت مصيبة؛ فتذكر أن في النار شراً منها، ففي كل الأحوال ترتبط بالآخرة.
стр. 2781
نصائح إلى شباب تابوا قريباً
السؤال
هؤلاء مجموعة من الشباب يقولون: الحمد لله هدانا الله وكنا من قبل نستعمل المخدرات وغيرها، فما هي النصائح التي توجهها لنا، ولنا أسبوع في التوبة؟
الجواب
والله يا أحبابي اسمحوا لي أن أقول: ما أكثر التائبين وما أقل الثابتين! فأحذركم من الحور بعد الكور، ومن الزلل بعد الاستقامة، ومن الانحراف بعد الهداية، ومن الضلالة بعد الهدى، وإني واثق أن الشيطان لن يدعكم، ولن يدعكم شياطين الإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، فإذا كنتم حمدتم الله على نعمة الهداية والاستقامة، فلا تتساهل بلحظة، لحظة لو يطرق عليك صاحبك القديم صاحب المخدرات يقول: يا فلان أجلس معك جلسة قبل أن تأخذ بالهداية سنة، فلا تفتح له الباب ولا ير وجهك وجهه، فكم اهتدى كثير من الشباب بالذات من قضية المخدرات، فما كان من جلساء السوء وأولياء الشيطان الذين وسوس بعضهم لبعض، وزخرفوا ذلك الباطل لهم من جديد، قالوا: نجلس معك جلسة نريد أن نعرف كيف اهتديت فنهتدي مثلك، وما كانوا صادقين، ولو كانوا صادقين لزاروه أو لاجتمعوا به عند عالم أو طالب علم أو واعظ أو داعية، ولكن أرادوه على انفراد بدعوى أنهم يريدون أن يتوبوا كما تاب، فما كان منهم إلا أن أخرجوا له ذلك المسحوق الأبيض الذي يتلألأ أو قطعة من المرفين أو الهروين.
أنسيت ذلك الخيال التي ترى فيه أبراج إيفل في باريس، وناطحات السحاب في نيويورك، ومياه النيل وأنت في مكانك.
فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
يسكر الواحد أو يحشش في هذه المخدرات والعياذ بالله، فيظن أنه قد حلق، بعضهم يظن أنه يدفع العمود هكذا فيسقط، وإذا صحا وجد أن العمود ضرب رأسه مائة ضربة، لكنه لا يدري.
فيا أخواني الذين اهتدوا نسأل الله لكم الهداية، وما يدريكم أنها خاتمة حسنة، والشيء بالشيء يذكر؛ منذ أسابيع ليست طويلة دخلت المسجد؛ فإذا بجنازة أمامي، فوجئت بها في الحقيقة، وفعلاً هزني ذلك الموقف أن تدخل المسجد وفي ذهنك موضوع الخطبة، فتفتح الباب وإذا بالجنازة أمامك، يوشك أن تسقط عليها فتهتز.
فانتهينا من الخطبة والصلاة وصلينا على ذلك الشاب، وكان أخوه أحد الشباب الصالحين في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسألته عن أخيه، قال: هذا أخي ليس له في التزامه إلا ثلاثة أشهر تقريباً، وكان يعمل في البحرية، وقد مر بمجاهدة أعانه الله في نهايتها على الاستقامة، وكان حوله ممن يريدون به الغواية والضلالة من خططوا له ودبروا، ولكن الله أعانه وثبته.
انظروا إلى خاتمته كان حارساً على السفن والزوارق الحربية في مدينة الدمام، في المنطقة الشرقية، فكان يحرس في رباط وقت الفجر، فلما حان وقت الفجر؛ قام وأذن على ظهر السفينة، ثم نزل من السفينة إلى قارب آخر ومعه ماء وتوضأ، ثم عاد من القارب الصغير إلى السفينة، يريد أن ينادي إخوانه، ليصلوا، فزلت به القدم، وضربته حديدة في جبينه، فسقط في البحر، وأخذ ينزف، وفقدوه اليوم الأول، وفي اليوم الثاني وجدوا مجموعة من الأسماك مجتمعة حول منطقة، فجاء الغواصون ووجدوه على تلك الحال، يقول أخوه: والله إني كنت في فزع وفاجعة من الحادثة التي حصلت له، ولكني لما رأيته يغسل وعلى وجهه ابتسامة وخير؛ حمدت الله أن الله توفاه على هذه الحالة.
فالعبرة بالخواتيم، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، ولا يلزم أن تكون التوبة على قصة انقلاب سيارة أو غرق أو هدم أو حريق بعض الناس ينتظر أن تأتي شعلة من النار في فراشه فيقوم تائباً، أو يصفعه أحد بمرزبة على رأسه ثم يقوم تائباً، لا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٨].
الواحد مدعو إلى التوبة سواء حصلت له حادثة تحركه وتوقظه من غفلته، أو لم يحصل له، فيكفيه ما يسمع من المواعظ والزواجر والعبر وغيرها.
стр. 2782
نصيحة فتاة تحب التلفاز
السؤال
إنني فتاة قائمة بحمد الله بجميع واجباتي نحو خالقي، ولكني أحب متابعة التلفاز، وأرى أنه يعرفني ببعض الأعمال السيئة مثل الغيبة والنميمة، وفي يوم من الأيام جاءتني إحدى الأخوات الطيبات، ونصحتني بعدم مشاهدة الأفلام والمسلسلات فلم أستجب لها، فما نصيحتك لي؟ ثم ما نصيحتك لنا جميعاً وشهر رمضان المبارك على الأبواب، ولو وضعت برنامجاً للشباب جزاك الله خيراً؟
الجواب
الله جل وعلا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] من ذا الذي قام بحقوقه وواجباته تجاه ربه، ليس فينا ذلك الرجل إطلاقاً، بل كلنا ذلك المقصر مهما بلغنا من العمل، ويكفي من التقصير أن تجد الواحدة تمعن النظر إلى التلفاز، وأما معرفة الأحكام في بعض العادات السيئة كالغيبة والنميمة من التلفاز، فنعم قد يوجد في التلفاز بعض البرامج النافعة، فالله جل وعلا ذكر أن في الخمر منافع، ولكن إثمها أكبر من نفعها، واليوم يا أخواني! لو لم يكن في التلفاز بالنسبة للمرأة كيف تنظر إلى المصارعة والرجال عراة لكفى، هذه مصيبة يا إخوان، وكثير من الإخوان يدعي أنه يتحكم، أين التحكم والمرأة تنظر إلى المصارعة، وتنظر إلى الأفلام، وفي كل فلم وحلقة وتمثيلية رسائل متتالية متتابعة، هذه فتاة تكلم خطيبها، وهذه تخرج مع صديقها في الجامعة، هل هذا مجتمعنا؟ لا، هل هذا واقعنا؟ لا، هل هذه الأفلام تحل مشاكلنا؟ لا، هل هذه المسلسلات تحاكي مجتمعاتنا؟ لا.
إذاً لماذا نستورد مشاكل فوق مشاكلنا، ونتعلم منها ما يضرنا ولا ينفعنا؟ فحسبك من شر سماعه، وما بالك برؤيته، وإني أنصح أختي إذا كانت جادة في معرفة أحكام العادات وغيرها أن تأخذها من الكتب النافعة، كتب الحديث من كلام الله جل وعلا، كتب التفسير من الأشرطة النافعة، من الدروس العلمية المسجلة للشيخ ابن عثيمين ولسماحة الشيخ ابن باز، وللشيخ ابن جبرين، علماء أجلاء كبار، الشيخ ابن باز كثيراً ما يوصي بسماع إذاعة القرآن الكريم وفيها خير كثير وبرامج نافعة فعلاً.
أما التلفاز فمشاكله أكثر من منافعه، وإذا قدر أننا نشارك فيه، فنحن نشارك فيه من أجل المزاحمة ولو ساعة، حتى تكون خيراً بلا شر، أي: لا يحتج أحد ويقول: والله إن فلاناً شارك فيه، هذه مشاركة بدلاً من أن يكون بث فيه خطر أو فيه شر لمدة عشر ساعات، تزاحم بساعة، فتكون ساعة خير وتسع ساعات خطأ.
في رمضان أعمال صالحة كثيرة، أحد الفضلاء الذين جئت اليوم بمعيته، ولولا هيبته -وهو من الشعراء- لقلت في أهل جدة قصيدة، مع أني لست بشاعر، لكن أتسور جدار الشعر، لكن لما حضر خشيت أن ينتقدني، فكنت أقول له: يا أخي أنا ألاحظ أن كثيراً منا لا يشكو قلة الحسنات، لكنا نشكو كثرة السيئات، كثرة السيئات مصيبة عظيمة جداً، وفوق هذا أن يفسر ويؤصل بعضنا لبعض الخطيئة، فتجد واحداً يغتاب الآخر يقول: نعم هذا من مصلحة الدعوة تفضل شرح عرض فلان، الله لا يهينك لأنه لمصلحة الدعوة.
اتق الله يا أخي الكريم! ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ورمضان شهر عبادة وقرآن، فاشغل نفسك بقراءة القرآن وحفظه، هيئ نفسك أن تستعد لصلاة القيام خالياً من صورٍ تراها، أو كلمات تكدر عليك صفو خشوعك، ولا تجعل رمضان شهر النوم كما يجعله البعض، خذ برنامجاً، فقد يحوجك شيء من الجوع إلى شيء من الراحة، لا بأس ولا حرج، لكن إياك أن تفسد صيامك، إنسان صائم وعينه مفطرة على النظر إلى الحرام، أي صيام هذا؟! امرأة ساقها وفخذها ظاهر، نحرها عارٍ والرجل صائم! اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت، تضع الفوازير، أهذا تفطر عليه؟ استحي يا أخي الكريم! ما يليق أبداً، وإن العمل الصالح يبنى على التوبة، نظف ساحة نفسك هذه الأيام من الذنوب والمعاصي، وتخلص من عادات قبيحة، وذنوب تصر عليها وتتساهل بها، وتعد أنها من الصغائر، اتركها وتب إلى الله منها، حتى تبني العمل الصالح على قاعدة نظيفة، ما رأينا رجلاً بنى بيتاً أو قصراً على أرض مليئة بالأوساخ والأتربة وكل ما على الأرض من دون تنظيف لها، بل تجده ينظف ويزيل حتى يجد قاعدة صلبة وصخراً مكيناً متيناً فيبني عليه.
إذاً نريدك أن تبني الصيام والقيام والاستغفار وتلاوة القرآن، لذلك اقرأ القرآن، فإذا تعبت من القراءة؛ استرخِ قليلاً، واجعل ذكرك الاستغفار تلك العبادة اللذيذة، من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].
استغفر الله يا أخي! أكثر من الاستغفار (إن من خير ما يجد العبد في صحيفته يوم القيامة الاستغفار) أكثروا من هذا يا أخي الكريم.
стр. 2783
نصائح للخطباء
السؤال
ما هو دور خطباء المساجد وخصوصاً في الأحياء التي يكثر فيها الجهل؟ وكيف يكون الخطيب ناجحاً؟ وما هي المراجع التي ينتفع بها؟
الجواب
يا أخي الحبيب! اليوم قد سهل الله للخطباء كثيراً من مسئولياتهم، فما عليهم إلا أن يأخذوا الأمر بعزم وجدية وقوة، إذا لم يستطع الخطيب أن يحضّر مواضيع جديدة، فعليه أن يأتي إلى التسجيلات الإسلامية ويقول: ماذا عندك من الخطب؟ يعطيه صاحب التسجيلات قائمة بأسماء الخطب، فينظر إلى الخطيب الذي يرتاح لخطبته ويستوعب كلامه وعباراته وأفكاره.
اسمع كثيراً، ولا بأس أن تنسخ الخطبة كما هي، ولا بأس أن تختصر من الخطبة أو تنقل منها وتلقيها.
حدثني أحد الإخوة يقول: في إحدى المدن عندنا خطيب منذ أن جاءنا إلى اليوم وهو يتكلم عن حقوق الجار، قلت: يمكن أنكم ما قمتم بحقوقه، ولذلك يذكركم وما تجدي الآيات والنذر في قوم لا يؤمنون.
ماذا فعلتم له؟ فينبغي للخطيب أن ينوع، وأن يتابع قضايا الساحة وبالذات التوحيد والعقيدة، والترغيب والترهيب والرقائق، وفي هذا خير عظيم وليست مسئولية الخطيب على المنبر، فجيرانك في الحي إذا لم يكن للخطيب هيبة، إذا صارت مشكلة في الحي يُرجع إلى الخطيب.
يا خطيب! أنت يوم الجمعة تتحدث إلى أربعة آلاف أو خمسة آلاف خاطباً فيهم، عندنا رجل مؤذٍ في الحي، إذا لم تتحمل مسئوليته من يتحمله، يأخذ الخطيب مشهد توقيعات من الجيران، يذهب إلى الأمين، يسلم عليه، يقابله، سلمك الله وأمد في عمرك على طاعته، هذا أحد جيراننا نصحناه وقلنا له وقلنا له، وما زال يفحط ويعاكس ويُؤذي، نرجو اتخاذ اللازم، يكون الخطيب له دور، أما خطيب: إن الحمد لله أقول قولي هذا ويكفي، لا يا أخي الكريم! فينبغي أن يتحمل الخطيب مسئوليته كما ينبغي، وأن يوجه وبالذات في المناسبات، فيعطيها حقوقها فهذا أمر واجب.
стр. 2784
محاربة العادة السرية
السؤال
كثر السؤال عن العادة السرية وعن التوبة ثم الرجوع إلى الذنب فما نصيحتك للشباب؟
الجواب
مثل هذه العادات الباعث عليها لا شك ثورة الشهوة لدى كثير من الشباب، ولكن يدفع لذلك الخيال، كثير من الشباب تجده دائماً يغمض عينه ثم يسرح في خيال امرأة أو جسم أنثى، ثم بعد ذلك يقول: كيف أحارب العادة السرية.
اشغل نفسك بقراءة وسماع وفكرٍ، وجاهد خيالك وخطراتك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فلو زلت منك اليد إلى هذه الفعلة، فاستغفر الله.
من الشباب من يظن أنه يوم أن فعل العادة السرية؛ إذاً لن يقبل الله منه عدلاً ولا صرفاً، ويوم القيامة يؤتي بحسناتك وسيئاتك، وإذا فعلت هذه الفعلة فأعقبها بحسنات ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، اصبر عن المعصية، ففي هذا أجر عظيم والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
انتبه لهذا أخي الحبيب، ومن أوشك على الوقوع في فاحشة الزنا؛ فإن ارتكاب أدنى المفسدتين دفعاً لأعلاهما أمر مشروع أسأل الله أن يرزقنا وإياكم حفظ أبصارنا وأسماعنا وخيالنا وخطراتنا وأفكارنا، وأنصح الشباب بالمبادرة إلى الزواج، حتى وإن لم يصلك دورك في المشروع الخيري للزواج، تسلف من هنا ومن هنا ومن هنا ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢].
تزوجنا ونحن فقراء، فأصبحنا أغنياء بفضل الله جل وعلا، ما نقيس أنفسنا اليوم كاليوم الذي تزوجنا فيه، وكثير من الشباب كنا نعرفهم ربما تحل له الصدقة قبل أن يتزوج، فلما تزوج أصبح من المتصدقين.
стр. 2785
توبة عجيبة
السؤال
هذا شاب يقول: أخي وحبيبي في الله، إني شاب تبت إلى الله، ولكن ما زلت مع امرأة، فهل يجوز لي أن أستمر معها بعد التوبة على اتصال تلفوني أو عبر خطابات؟
الجواب
والله هذه التوبة العرجاء، ما شاء الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨].
تب إلى الله جل وعلا، نعم لا نقول: إنسان عنده أربعة ذنوب واقع فيها، تاب من ثلاثة وبقي الرابع، نقول: لا إما أن تتوب من الرابع وإلا فارجع الثلاثة التي ذهبت، هذا خطأ، لكن نقول: تب إلى الله جل وعلا، وبالذات مثل هذه الذنوب والخطايا المتعلقة بمصائب النساء؛ فإن عواقبها وخيمة.
أسأل الله أن يستر علينا وعليك، وبادر بمجاهدة النفس بالقطيعة، اقطع هذه المكالمة والمراسلة، تزوج حتى تيئس منك، ولعل الله أن يصرفها عنك ويصرفك عنها، وألح على الله، واسأل الله أن يصرفها عن نفسك، فإن من ألح على الله ولو في شأن دنياه أجابه، فما بالك بمن يلح على الله بشأن دينه وطاعته لله.
стр. 2786
دروس الشيخ في جدة غير موجودة
السؤال
لم تجب على موضوع الدرس الأسبوعي أو الشهري في جدة؟
الجواب
هذا ما ينسى، والله يا أخي الكريم لست أهلاً أن ألقي درساً أسبوعياً أو شهرياً، رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، أي: أنا أعطي الدروس والمحاضرات الأسبوعية في الكلية، وإن كان عندي من مقدرة فلأصحاب الحي عندنا في السيرة، وليس بوسعي ولا بمقدوري أن أعطي درساً أسبوعياً في جدة أو شهرياً.
أكرر مرة أخرى لإخواني طلبة جامعة أم القرى في الكليات الشرعية وجامعة الملك عبد العزيز والجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد: يا إخوان! قرى المملكة وأطرفها وحدودها بأمس الحاجة، فيا أحبابنا المناطق التي فيها خير وفيها دعوة وفيها عمل ينبغي أن ينفر أبناؤها ورجالها للدعوة إلى تلك المواطن، أي: مثلاً لو أن أهل جدة أو الإخوان الذين في جامعة أم القرى ركزوا على المناطق الغربية وما وراء الغربية، فيكون في هذا خير عظيم، قرى كثيرة جداً بعضها لم يأتهم شيخ، وبعضهم ما سمع بمحاضرة، وبعضهم لم يقام عنده درس، وأيضاً إذا زرتموهم هناك فلا تكفي الزيارة أو إلقاء كلمة، انظر أمثلهم طريقة ورتب معه أن يقيم درساً للقرآن أسبوعياً، انظر أحد المدرسين في المدرسة ممن ترى فيه الخير، قل له: لماذا لا تقيم درساً؟ مادة التوحيد التي تدرسها في المتوسطة والثانوية درسها للعوام بعد صلاة المغرب يوماً من الأسبوع، الناس بحاجة ما عندك وفي هذا خير بإذن الله .
ملحوظة: أود في هذه الفترة أن أنبه الشباب إلى أمر مهم، وهو أننا بحاجة إلى العقل والهدوء والاتزان، ولا تعني النصيحة بهذا أن الشباب مجانين أو شياطين معاذ الله، لكني أقول: ينبغي أن ننظر في واقعنا نظراً جيداً، وأن ننظر ما نحن بحاجة إليه من الهدوء ومن الاتزان ومن إصلاح الأمور خطوة خطوة.
وفوق هذا كله ينبغي أن نعلم جيداً أننا نحن والعلماء والحكام في سفينة واحدة، فغرق السفينة يغرق الجميع، والخلل في السفينة خلل على الجميع، والخطر في السفينة خطر على الجميع، ليس الخطر على فئة دون فئة.
لأجل هذا أدعو أن نستشعر المسئولية الجماعية، وأن ننظر إلى إصلاح واقعنا نظرة عامة شاملة، وإن الرجل اللبيب الذي عنده شيء من اللب حينما يريد أن يصلح جداراً من الطين مثلاً ما تجده يهدم الجدار بالكامل ثم يأتي ليبني لا، مثلاً عندنا بيت من الطين أحد جدرانه قد لعبت به الدود، أصبح نخراً، أصبح طيناً، لو أردنا أن نصلح هذا الجدار، فإننا لو أزلنا الجدار كله؛ سقط الدور الذي فوقه وسقط البيت كله، فإصلاح الجدار يكون على طريقة القدماء يأتون إلى الجدار الطين، فيأخذون خمس بلوكات فقط من الجدار وبقية الجدار الطيني الضعيف قائم، فيصلحونها ثم يأخذون خمس أخرى فيصلحونها، ثم خمس أخرى فيصلحونها وهكذا.
اللبيب بالإشارة يفهم ونحن بأمس الحاجة إلى الإصلاح الهادئ، وأن نضع أيدينا في يد كل غيور ومخلص وناصح، من عالمٍ أو حاكمٍ أو ولي أمرٍ أو داعيةٍ أو مسئول، وأن نمد جسور الصلة على ما نرى، وفوق ما نرى، وفي مواجهة ما نرى، حتى نفوت الفرصة على من يثير الفتنة يبن فئة هذا المجتمع، حتى يقضي على الجميع صغاراً وكباراً.
أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.
стр. 2787
المرأة المسلمة والتحديات المعاصرة
إن التحديات التي تواجه المرأة المسلمة في عصرنا تنقسم إلى قسمين: تحديات داخلية وتحديات خارجية، وهذه التحديات لم تكن لتجد لها مكاناً بين المسلمين إلا يوم أن وجدت من بذر لها بذر القبول.
وهنا معالجة لما تواجه المرأة من فتن ومغريات، وتوجيهات مفيدة في هذا المجال.
стр. 2788
انقسام الناس في النظر إلى المرأة إلى فريقين
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلى هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة: الحديث عن التحديات التي تواجه المرأة وهي في واقعنا المعاصر كثيرة جداً، ولا أخال أنني سأحيط بها أو سأسردها عليكم فضلاً عن التفصيل فيها، ولكن قبل الولوج في صميمها أود أن أعرض مسائل: الأولى: إن كثيراً ينفرون من الحديث عن التحدي والتحديات، ولا يحبون أن يسمعوا نقداً للمجتمع أو الواقع، وهذا أمرٌ لا ينبغي أن يكون؛ لأننا حينما نتكلم عن التحدي في مجالاته أو في ظروفه وصوره فإننا لا نحب ولا نحسن ولا نتسلط بمجتمع ولا نعرض، ولكن الحديث يكون مستحضره خطرٌ داهم أو شرٌ قائم، أو لأخذ العبرة والعظة من مصيبة حلت لإهمالٍ أو تفريطٍ وقع منا، أو لأجل الدعوة إلى الإصلاح كلٌ بقدر واستطاعته.
التحديات التي تواجه المرأة كثيرةٌ جداً، وهي تحديات من الداخل وتحديات من الخارج.
لا يبلغ الأعداء من جاهلٍ ما يبلغ الجاهل من نفسه
ما كان لتلك التحديات أن تجد بين الصفوف مكانة، أو تجد بين البرادع مخيماً، إلا يوم أن وجدت لها بذرة القبول ودعا لها دعوة المحبة، وهيأ في النفوس لها موقعاً ومنزلاً، وحسبكم قول الله جل وعلا في شأن أولئك الأعداء الكفرة الذين يتمنون بالمجتمع كل مصيبة، ويتربصون بهم دوائر التفكك والانقسام، والهزيمة والتبعية، يقول الله جل وعلا: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] وتأملوا هذه الآية: هل تظنون أن الذين يتمنون أن نكفر كما كفروا -إن كانوا يروننا دونهم- أنهم يتمنون أن نكون مثلهم، فنكون سواء فنرتفع من الحضيض إلى علو منزلتهم التي هم فيها كما يظنون؟! وإذا رأوا أننا أعلى منهم منزلة فيتمنون كفرنا حتى نكون سواء، فننزل من علو مقامنا إلى حضيض مقامهم، وهذا هو الظاهر البين.
إذاً: فالأعداء مهما بلغوا من الاكتشافات والاختراعات، ومهما هيئوا ألوان الترف وسبل الرفاهية ونافسوا في التمدن فإنهم لا يزالون يرون المسلمين أعلى منهم قدراً.
والسبب في رؤيتهم للمسلمين أنهم أعلى منهم قدراً أنهم يرون الأمة المسلمة لا تزال تتمسك بوحي رباني معصومٍ من الزيادة والتحريف والنقصان، فلا بد أن ينزلوا هذه الأمة المتمسكة بهذا الوحي إلى حضيض مساواتها بالكافرين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإطلاق سهام التفكك والبغضاء، والزهد في الوحي الذي أنزله الله جل وعلا، فالتحديات كثيرة من الداخل والخارج، وعذراً وعفواً من ذا يجمع بحر الكون في قطرة، ومن ذا يختزل حروف العداوة في ذرة، ولكن ما قل وكفى خيرٌ مما كثر وألهى.
يكفي اللبيب إشارة مرموزة وسواه يدعى بالنداء العالي
وأرغب -أيها الأحبة- أن يكون الحديث عن المرأة، الذي هو عن أمي وأمك، وأختي وأختك، وزوجتي وزوجتك، وابنتي وابنتك حتى نتحدث عن موضوع نتعايش معه، ونتكلم عن خطر يهدد كل واحدٍ منا، ونشمر لكي نذب عن أعراضنا وأنفسنا ومجتمعنا وأمتنا؛ لأن بعض المسلمين وفقهم الله حينما يسمعون حديثاً كهذا يظنون أن المعنيين بهذا قومٌ في الزهرة أو في زحل أو في المريخ أو عطارد، ونحن إنما نصلي على الميت الحاضر، ونتحدث عن واقعنا، وعن مجتمعنا، وعمن يعايشوننا ويساكنوننا ويخالطوننا، فحديثنا عنا وعمن حولنا، وفي البداية يخص هذا الحديث وسطٌ بين فريقين: فريقٌ يرى أن المرأة في مجتمعنا قد أدبرت وولت، وذابت وانحرفت، وسقطت وانتهت، ولا أمل في إصلاحها، والبقية الباقية في طريقها إلى الفساد، والبعض ربما يحمل نفساً متشائمة، ويغلق منافذ الأمل أو نوافذ العمل، ويصاب بالإحباط تجاه كل حركة تسعى إلى الإصلاح والتغيير.
وفريقٌ آخر يرى أن واقعنا أفضل واقعٍ يمكن أن يخطر على بال رجلٍ في هذه البشرية المعاصرة، وليس ذاك بصحيح، وليس هذا بحق (فمن قال: هلك الناس فهو أهلكُهم أو أهلكَهم) ومن قال: لا يمكن أن يوجد واقعٌ أفضل من هذا فذاك عين المداهنة والنفاق، إن في واقعنا من الخير الكثير الكثير، وفي واقعنا من الشر ما لا يعلمه إلا الله، وذاك ميزان العدل عرفناه من كلام نبينا ﷺ ، فقد كان يقول في صدر خطبته ومستهلها: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا).
فأخبر الحبيب المصطفى ﷺ أن للنفس شروراً، وأن في الأعمال سيئات، وذاك في زمنه فضلاً عن القرون التي تلت وجاءت عقب أو بعد القرون المفضلة، بل إن ما نحبه فيه الخير والشر، المال والولد من ذا يكرههما أو يبغضهما ومع ذلك يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤].
إذاً: فليس الخير في النفوس فضلاً عن المجتمعات والدول والأنظمة والمؤسسات والأجهزة، ليس الخير على إطلاقه وليس الشر على إطلاقه، فكل نفسٍ، وكل أسرة، وكل مجتمع، وكل نظام، وكل أمة، وكل دولة فيها خير وشر، بل قال ﷺ فيما جاء في السنة أن الرجل إذا دنا بامرأة وضع يده على ناصيتها وقال: (اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه) فدل أن في الزوجة شراً كما أن فيها خيراً، فالمال فيه خيرٌ وشر، والزوجة فيها خير وشر، والولد فيه خيرٌ وشر، والنفس فيها خيرٌ وشر، فكذلك المجتمعات فيها خير وشر، فلنتأمل هذا جيداً.
أيها الأحبة: وإن التحديات التي تحيط بالمرأة المسلمة في واقعنا المعاصر هي جزءٌ من التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، تحدي المرأة والتحدي بالمرأة، ذلك محور من محاور التحدي الكبير الخطير الذي تواجه به أمة الإسلام في وقتٍ نعجب فيه من جلد الفساق والكفرة وضعف الثقات والأمناء، ذلك هو جزءٌ من التحدي العام في السياسة وفي الاقتصاد وفي التربية والإعلام وفي التعليم وفي مجالات شتى، فليس الحديث عن التحديات التي تواجه المرأة بمعزلٍ عن جملة التحديات التي تحاك وتدبر للأمة من قبل أعدائها في الخارج، أو المنافقين الذين يتربصون بها في الداخل.
وهذه التحديات تظهر في صور شتى، وتلبس لكل زمن لبوساً، ولكل حادثة ما يناسبها، وتنشط تارة، وتظهر تارة، وتصرح تارة، وتلمح تارة، وتقوى تارة، وتضعف تارات.
стр. 2789
الإعلام وصور من تحدياته
إذا أردت أن تنظر إلى محورٍ أو جانبٍ من الجوانب التي عرضت ألوان هذا التحدي، فتأمل الإعلام بجميع مجالاته وأضربه من جريدة أو مجلة أو شاشة أو إذاعة أو كتابٍ أو نشرة أو دورية أو مطوية، فإنك سترى فيها ألوان التحدي على أوسع نطاقٍ وأوسع صعيد، لذا نحصر حديثنا عن هذه التحديات في التحدي الإعلامي، وذلك لتنوع أساليب دخوله في المجتمعات، فالبيت الذي قد لا يوجد فيه جهازٌ يستخدم البث قد لا يعدم من تلفاز، والبيت الذي يعدم التلفاز لا يخلو من الإذاعة، ولا يخلو من مجلة أو جريدة، ولهذا نختار الحديث عن التحدي الإعلامي؛ لأنه ندر أن يخلو منه بيتٌ من البيوت، بل قال أحد الدعاة في كلمة سمعتها له: إن الذي يذهب إلى الخباز صباحاً ويشتري خبزاً حاراً ربما أعطي جريدة ليضع عليها الخبز فكان في الجريدة مقطوعة أو مقالاً يدخل به التحدي إلى هذا البيت من حيث يشعر أو لا يشعر، ويسوق هذا على سبيل الفكاهة.
ثانياً: إن تحدي الإعلام يخاطب جميع الفئات والطبقات، بل وجميع أفراد الأسرة، فأنت تلاحظ -مثلاً- أن الإعلام يخاطب الطفل والمرأة والأم والزوجة والمراهقة، والشاب والرجل، والكهل والكبير والصغير؛ لأجل ذلك كان هذا التحدي بشمول اتصاله لسائر طبقات المجتمع أخطر من غيره، ويجمع جميع ألوان التحدي ويعرضها في أساليب براقة قشيبة خادعة.
ثالثاً: إننا نلاحظ قوة فاعلية التأثير في هذا الإعلام أكثر من غيره، فإن التحدي الإعلامي أقوى من التحدي الاقتصادي، وأقوى من التحدي الاجتماعي أو غيره من ألوان التحديات، وإن كان التحدي الإعلامي قد يكون وليداً أو -إلى حدٍ ما- له ارتباطٌ قوي بالتحدي الاقتصادي أو غيره، على أية حال لا تظنوا أن ما سنذكره من تحدٍ بات الناس ذات ليلة آمنين مطمئنين فأصبحوا وقد خندقت الفتن حولهم وحاصرت دورهم، وأطلقت سهامها في بيوتهم، وإنما كان ذاك نتيجة مكرٍ وكيدٍ ونفسٍ طويل كما يقال: سياسة الخطوة خطوة ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص:٦].
إننا نعجب من طول نفس العلمنة والعلمانيين الذين ما فتئوا يضربون أسواطاً ويقطعون أشواطاً، ويضربون آمالاً وأبعاداً، يتمنون أن يصلوا فيها إلى أمورٍ عديدة، ولو سمعتم بعض كبار العلمانيين يقول بعضهم لبعض: أبعد هذا المشوار الطويل لا نظهر في هذا المجتمع إلا بأمورٍ لا نجزم أنها في حقنا أو في صالحنا، كان العلمانيون ينتظرون قبل هذه السنوات التي نعيشها أن تسن القوانين التي تنزع وتخلع ولاية الرجل عن المرأة، وكانوا ينتظرون أن تصرع النظم التي لا تجعل للمرأة مكاناً تحت سيطرة الرجل أو قوامته، وكانوا ينتظرون أن يكون لها ما تريده وتشتهيه مما وصل إليه الغرب من ألوان الفساد والانحراف، وإذ بهم يفاجئون أنهم حتى هذه الساعة لا يجدون أنظمة تحميهم، فكل سعيهم إنما هو نشاطٌ واجتهادٌ وافق غفلة أو شهوة أو ضعفاً من الأخيار أو بعض الأبرار.
أيها الأحبة: واعلموا أن لهذه التحديات ظروفها وأسبابها، وربما كانت بعض الأسباب باختلافٍ أورثت غيرها فكانت سبباً ومشكلة في آن واحد، فالرفاهية -مثلاً- والترف الذي حصل لكثيرٍ من البيوت، والعمالة الوافدة من الخدم والمربيات أنتج فراغاً خطراً واستعداداً نفسياً لقبول هذا التحدي وأورث ضعفاً في مواجهته.
ثم تكلم الرويبضة، وتحدث في شأن القوم من لا علاقة له بهم، وأصبح أمر الدين فيما يتعلق بالمرأة حمىً مباحاً، يفتي فيه من يفتي، ويتكلم فيه من تكلم؛ حتى بتنا نرى أن مجلة ساقطة كمجلة " سيدتي " يظهر فيها من يفتي ويقول: لا بأس بقليلٍ من الغناء ولا بأس بالخروج مع الرجل، ولا بأس ولا بأس أي فتوى مرت على حين غفلة من عقول كثيرٍ من الغيورين والمسلمين، ناهيك عن سيلٍ جارف وجد أبواباً مشرعة، فأنت حينما تدخل الآن ما يسمى بالسوبر ماركت أو التموينات أو محلات التسوق تمكث ساعة لتجد مجلة المجتمع، أو الدعوة أو أنصار السنة، أو مجلة الإغاثة أو مجلة إسلامية في خضم عشرات، بل تبلغ المئات في بعض المحلات الكبيرة من المجلات التي كلها صورٌ عارية تثير الغرائز، وتشحن الفتنة، وتدعو إلى الرذيلة، وتهيئ للإجرام والفساد.
ثم وافق ذلك -أيها الأحبة- جهلاً منا بأصول التربية الصحيحة، فمنا من يرى جهلاً أو تأثراً أن فتح الأبواب على مصاريعها للأولاد والبنات أن نجعلهم يمارسون تحقيق الذات كما هي النظرية الغربية في التربية، إن أعلى صور التربية تحقيق الذات، وتحقيق الذات يعني: ألا تقول للطفل: لا.
وألا تنهره، وألا تزجره عن همٍّ همَّ به أو فعلٍ أراده، وآخرون لا يضعون العصا عن عواتقهم، دون استعمالٍ لتدريجٍ يجعلون شيئاً من العصيات أو الضربات الخفيفة هي نهاية المطاف في بعض ألوان الأدب أو بعض ألوان التربية.
يا آباء شغلوا وأمهات لهون!
ليس اليتيم من انتهى أبواه من همِّ الحياة وخلفاه وحيداً
إن اليتيم من تخلت عنه أمه، وشغل عنه أبوه.
زد على ذلك شيطانٌ يوسوس في النفس ويجري من ابن آدم مجرى الدم، وشهوة متسلطة، ومراهقة مسعورة عند البنات وعند الشباب إلى حدٍ كبير؛ مع بعض المثقفين المنهزمين الذين عاشوا في الغرب ودرسوا سنين طويلة، فما عادوا لنا بشراع وما عادوا لنا باتجاه، وما عادوا بنظرياتٍ نافعة صالحة في توظيف القوى العاطلة في المجتمع، أو تطوير أساليب الإنتاج أو تشغيل عوامل الإنتاج، أو إيجاد معادلات لإصلاح المجتمع وتطوير النزهة إلى معادلات جميع أفراد المجتمع، بل عاد إلينا أقوامٌ لم يعرفوا بعد سفرهم وبعد عيشهم في الخارج إلا أن عادوا ينتقدون كل قديم، وأن بعضهم يجعل فيه الدين، ويجعل فيه التقاليد والعادات، ويعطف بعضها على بعضٍ كأنها مترابطاتٍ، وفرقٌ عظيم بين أمور المعتقد وأمور الدين والتشريع من جانب، وبين السير والعادات والتقاليد التي ربما تغير بعضها تبعاً لتغير الأزمان والأمكنة.
إذاً: الهجمة عامة، والمرأة محورٌ واضحٌ جليٌ في هذه الهجمة، وهذه الهجمة كما قلت تدور حول فتاتنا وأمنا وبنتنا وزوجتنا وأختنا، وهم في ذلك -أيضاً- يحرصون على تغيير البرنامج الذي تفكر به المرأة، ليس فقط عرضاً للمعصية أو الرذيلة عرضاً مباشراً، بل هناك سَبْقٌ وتقدم في المعركة فإنهم حاولوا أن يصلوا إلى طريقة التفكير التي تفكر بها الفتاة ليطلبوا فيها أسلوب التفكير وأسلوب النظر، وأسلوب القناعة والمعالجة.
تلاحظ -مثلاً- ما أكرم به الإسلام المرأة من تشريع المحرم لها في سفرٍ وألا يختلى بها، وألا تخضع في صوتها، وألا تخالط وألا تسأل متاعاً إلا من وراء حجاب، وألا تضرب برجليها حتى لا يسمع ما تخفي من زينتها، يسميه الأعداء تجسساً وسوء ظن ومراقبة، في الوقت الذي يرى الإسلام أن المرأة شخصاً مهماً لا بد له من الحراسة، أرأيتم كيف يحرس الزعماء! أرأيتم كيف يحرس الملوك! أرأيتم كيف يحرس القادة؟ إن الإسلام يجعل المرأة زعيماً وقائداً ورجلاً مهماً خطيراً، لا يمكن أن يمشي وحده بل لا بد أن يعتنى بحراسته، خاصة في السفر ومواقع الخطر.
كذلك -أيها الأحبة- والشيء بالشيء يذكر، يوم أن تمنع المرأة من القيادة، دفعاً لأضربٍ ولألوان كثيرة من الفساد، وسداً لذرائع المعصية والمنكر، ما ذلك إلا لإكرامها ولخدمتها ولحشمتها، فما يقولون: إن هذا الدين عظيم، يجعل المرأة أكرم من أن تقود السيارة التي ربما تعطلت فتعطل أمر المرأة، وتعرضت أن تمال أو تقف في قارعة الطريق لتنظر من يسعفها، الإسلام جعلها في مقام من يخدم، أرأيت من يحتاج إلى العناية به كعاجزٍ يحتاج إلى من يقود به السيارة، أو شخص مهم لا يتفرغ لقيادة سيارته، أو سمِ من شئت فإن الإسلام يقول للمرأة: أنتِ من هؤلاء المهمين الذين تقاد بهم السيارة، وليست هي التي تقود أو تتعرض لمشكلات أو مواقف مفاجئة لها خطرٌ على نفسها، أو فؤادها، لكنهم لا يسمون هذا احتراماً، وإنما يبرمجون -إن صحت العبارة- أو يقولون: إن هذا الدين بما فيه من قيم بالية وتقاليده مهترئة تمنع المرأة أن تمارس حريتها حتى ولو في أبسط الأمور أن تمسك بقطار سيارتها فتقوده بضعة كيلو مترات.
стр. 2790
إلغاء التخصص وخلط الوظائف
يحرص أولئك على إلغاء التخصص وخلط الوظائف، أنتم تعلمون أن المرأة لها وظيفة لو اجتمع الرجال ليقوموا بها ما استطاعوا، فوظيفة الحمل لا يطيقها الرجال، وكذلك الولادة ومعاناة الحيض والنفاس المرتبطة بإنجاب الذرية، وتربية الأطفال والحدب عليهم، والسهر على شئونهم وأحوالهم.
إن طفلاً صغيراً لو بكى الليل فأودعته عند أربعة رجال لملوا من التناول على هدهدته وتسكيته، كلٌ يدفعه إلى الآخر، وكلٌ يمل من تسكيته ولو بضع دقائق، لكنك تعجب كل العجب يوم أن ترى أماً ترضع وقد تكون حبلى في نفس الوقت، ولديها طفلٌ أكبر من هذا الرضيع فتقوم في وسط الليل وربما لم تفتح عينيها، ولكنها تهيأت لذلك، ومضت وسارت على الفطرة التي خلقت لها، فتجد الطفل يصرخ فتقوم لتسقيه الماء، والآخر يبكي فتلتفت إليه لتغيير ملابسه، والرضيع يصيح فتحضنه إلى صدرها وتلقمه الثدي وتسهر طول الليل ثم تنسى هذا كله في ابتسامة مشرقة يوم أن تراها بادية على محيَّا هذا الطفل الرضيع، أو على ذلك الطفل يوم أن يصبح وهو يضمها أو يلتف حولها أو يرمي برأسه عند رجليها، فتنسى الدنيا وما فيها فضلاً عما لقيت من العناء والتعب والمشقة في العناية بهذا الطفل، هل يطيق الرجال هذا؟ هل يستطيع الرجال هذا؟ لا والله لا يطيقونه ولا يستطيعونه ولله الحكمة؛ لأنهم لا أعدوا له بأي حالٍ من الأحوال.
أولئك الذين يتربصون بالمجتمع الدوائر، ويسعون إلى إخراج المرأة من عفافها وطهرها وحيائها، يريدون للرجل أن يمارس هذا الدور، ويريدون للمرأة أن تمارس الدور الآخر، أن تخرج هي فتخالط من شاءت وتتهيأ وتتزين لمن شاءت، وتعمل في أي مجالٍ شاءت، وما اختارت المرأة لنفسها إلا سعادة لكنهم أفسدوا فطرتها، وخدشوا جبلتها وطبيعتها
ومن يك ذا فم مر مرير يجد مراً به الماء الزلالا
فجر الرجال إلى وظائف النساء، وجرت النساء إلى وظائف الرجال، وصار هناك خلطٌ في الوظائف والمسئوليات، وإني عجبت ذات يوم، يوم أن اتصلت بصديقٍ فقلت له: ماذا تفعل في البيت هل تقرأ أم تكتب؟ فقال: لا.
لكن زوجتي ذهبت إلى السوق وبقيت أحرس الأطفال، فقلت: الحمد لله، تسرح العنز ويجلس التيس، نعم.
هذا من العجائب والغرائب، نحن لا نقول هذا لكي يتأذى الرجال أو ينفروا عن المكوث مع الأطفال بعض الساعات حينما تدخل المرأة مع أخيها أو محرمها أو مع عدد من النسوة لقضاء حاجاتهن المعتادة في أوقاتٍ محددة من غير كثرة خروجٍ أو جعل الخروج من المنزل سمة وسجية، لكن نقول هذا إذا كانت سمة الرجال البقاء في البيوت، وحراسة الأطفال، وسمة النساء السبت في حديقة الحيوان، والأحد في الحي الدبلوماسي، والإثنين في الفندق الفلاني للحفلة الفلانية، والثلاثاء في الزفاف الفلاني، والأربعاء في المكان الفلاني، وتجد الرجل قد قام بمهمة الحراسة على خير وجهٍ بارك الله فيه وسلمه، وجزاه الله خير الجزاء، لا يعاب رجلٌ أن يمكث عند أطفاله فيربيهم ويعلمهم وينصحهم ويوجههم، لكن أين المرأة؟ ولماذا تركت الأطفال؟ ولماذا غفلت عن دورها؟ ولماذا استقلت واستهانت بمسئوليتها؟
стр. 2791
الدعوة إلى إهمال المسئولية الحقيقية
أيضاً من صور هذا التحدي: الدعوات السافرة إلى إهمال المسئولية الحقيقة وهي: مسئولية الزوج، والاستعداد للزوج، وتربية الأولاد والبنات -كما قلت- أصبحت عبئاً ثقيلاً على كثيرٍ من بناتنا، بل حتى على بعض المتدينات والملتزمات، ويا للأسف يوم أن تقول لامرأة: يا أمة الله! قري في بيتك، وأعدي وأصلحي وهيئي وعطري ونظفي هذا البيت، واجعليه جنة لا يمل الرجل شم جنباتها، ولا يمل من التقلب في أروقتها وغرفها، اعتني بهؤلاء الأطفال بكل لبسٍ جميلٍ رائع، اجعلي والدهم ينظر إليهم دائماً في أبهى حلة وأجمل زينة، إن تزيين الأطفال ليس لكي يراهم الأجانب فيقولوا: ما أبرق وأجمل هؤلاء الأطفال، بل إن الرجل ليسعد كثيراً يوم أن يرى ولده وفلذة كبده في أبهى حلة وأجمل صورة من النظافة واللبس الرائع الجميل.
في المقابل نجد كثيراً من الفتيات لا تريد أن تلتفت لهذا، بل تشترط على الزوج أن يأتي بالخادمة، وفرض على الخادمة أن تتولى حتى الطبخ والإعداد والطهي، وتهيئة الملابس، والاهتمام بالأطفال والبنات، وإنها لمسألة خطيرة تحز في النفس أن يتعود الأطفال امرأة أجنبية تحسر عن عوراتهم، وتقلب عوراتهم في تغسيلٍ أو ملابسٍ ما بين طفلٍ ذكرٍ أو طفلة أنثى.
إذاً: فهناك هجمة دعت إلى إلغاء التخصص وخلط الوظائف، وإهمال المسئولية، وتضييع البيت، والانشغال بغير الزوج، وإسناد مسئولية التربية إلى موظفٍ آخر هو المربي أو المربية، وعموماً فإن المحور الإعلامي يجمع لنا صوراً وألواناً ومشاهد من هذه التحديات نراها في أشكالٍ متعددة، من ذلك ما نراه من صور النساء العاريات الكاسيات على أغلفة ألوانٍ عديدة من المجلات، صور المتبرجات في ثنايا هذه المجلة وإبرازهن وإظهارهن بأنهن سيدات المجتمع االأُول، وأنهن الرائدات في مجال العلم أو التعليم أو التربية أو العمل الاجتماعي أو غير ذلك دعوة إلى الموسيقى والعزف المحرم، ودعوة إلى نبذ كثيرٍ من الأخلاق، بل وإشادة بامرأة وهي تمسك سيجارة في يدها؛ لأنها رجلة أعمال.
كل جار ولى منتبطاً غير جيران بني جبلة
مزقوا ثوب فتاتهم لم يراع حرمة الرجلة
سموها رجلة الأعمال، أو امرأة الأعمال أو سيدة الأعمال وهي تمسك بسيجارتها ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تقليدٌ للغرب وانطلاقٌ من الأصالة، وكل هذا سيأتي في صور ومقاطع سأعرضها عليكم الآن.
رفض ونبذ لقوامة الرجل الحديد -مسئولية الرجل تجاه المرأة تسمى القوامة الحديدية- نبذٌ لما أمر به الله وشرعه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] يقول تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] ذلك أمر ينبذ في هذا التحدي المعاصر.
دعوة إلى الحرية والتفلت من الأحكام والقيم الشرعية، وتشجيع التمرد من قبل البنات على الأهل والأولياء، دعوة إلى الاختلاط السافر.
стр. 2792
التحدي بالتعليم
ثم بعد ذلك لا حظ جانباً خطراً من الجوانب التي قل أن يفهم منها بيت، وذاك هو التحدي بالتعليم.
إن الإصرار على أن تتعلم المرأة كل ما يتعلمه الرجل، يعني: الإصرار على اعتبار طبيعة ودور وتكوين المرأة هي طبيعة ودور وتكوين الرجل ذلك، وإني لأعجب ولعل ذلك مما يلتفت إليه المسئولون -وفقهم الله ومنَّ الله علينا وعليهم بالهداية والعناية- إلى مناهج تعليم النساء، ألا يتعلم النساء نفس مناهج الرجال، ليس بالضرورة أن تدرس الفتاة الجيولوجيا كما يدرسه الفتى، أو تدرس الأحياء كما يدرسه الفتى، أو تدرس الفيزياء كما يدرسه الفتى، نعم.
إذا كان ثمة مجال يحتاج فيه إلى عمل المرأة وذاك العمل يتطلب مقرراتٍ ومناهج، وتخص بحالة أولئك النساء اللائي نحتاج إليهن، أما أن يتعلم كل البنات هذا، بل إنك تعجب يوم أن ترى الفتاة المراهقة تدرس في كتاب الأحياء -مثلاً- أجهزة الرجل التناسلية بعينها وربما تقف دراستها عند المرحلة الثانوية أو عند حد معين، ما الحاجة أن تدرس المرأة ما يدرسه الرجل، أو أن يدرس الفتى ما تدرسه الفتاة، بل لا بد أن نعلم أنها تختلف عن طبيعة الرجل، وتكوينها العضوي والنفسي يختلف عن التكوين العضوي والنفسي للرجل، إذاً: لا بد أن تكون مناهج تعليمها تختلف عن مناهج تعليم غيرها.
حاجة المرأة ماسة إلى علومٍ تحفظ حياءها، وتشعرها بعظم دورها وعظيم منزلتها، أما ما يحصل الآن فإنك ترى عبر هذه المجلات الوافدة التي تصور دور المرأة التخريبي هو الدور الذي من أجله خلقت، أما الدور الأول وهو دور الأمومة والزوجية والتربية والرعاية وسكن الزوج؛ هذا هو دور تقليدي قديم متخلف أكل عليه الدهر وشرب، يمكن أن تكون كل هذه الأدوار التقليدية في نظرهم أصيلة، وفي نظر الشرع يمكن أن تسند إلى مربيات وخادمات، أما الأدوار التي يمكن أن تسند إلى الرجال ولا حاجة إلى النساء فيها فتخرج المرأة وتؤز إليها أزاً وتدفع إليها دفعاً، وأنتم ترون هذا الواقع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إذاً: لا بد أن تتعلم المرأة، وأن يوجد لها المنهج الذي يهيئها لإدارة المنزل، ويجعلها تتفنن بالترغيب لزوجها في البيت، وأن تعرف علم نفس الزوج.
إن علماء النفس ومن ألفوا في هذا المضمار، تكلموا عن علم الأجنة وعلم نفس الأطفال، وعلم نفس الرجال والنساء، وعلم نفس المراهقين، لماذا لا تدرس المرأة نفسية الزوج وما يحتاجه بدلاً من أن تدرس ألواناً وأضرباً من أمورٍ لا تحتاج إليها، كيفية التعامل مع الأطفال، علم سلوك الأطفال، نفسية الأطفال هذه من أهم وأبرز الدراسة التي أرى وأقترح أن تكون فرض عين على كل فتاةٍ من المراحل المتوسطة إلى المراحل الثانوية، كيفية التربية، ودراسة مشكلات الأطفال، وأساليب التوجيه والتأثير على الطفل، ليست أساليب التسمين والتجميل، وأنت تلاحظ أن كثيراً من المجلات تعتني بالأكل والملابس والأطفال.
أما كيفية التأثير على الطفل تأثيراً إيجابياً نافعاً فما أندر أن تجده -حتى لا نكون متشائمين فلا نقول: إنه لا يوجد- وأكثر ما ترى تهدئة الطفل بالموسيقى، هدهدة الطفل بأمورٍ أو بأشياء لا تناسبه، ناهيك عن الاهتمام الأول والأخير بتجميل الأطفال وتسمينهم كأننا أفضل صورة نستطيع النظر بها أمام المجتمع المتحضر بأسرة رائعة مناسبة متمثلة في هذا الواقع.
أيضاً كما أن هناك تحدياً في المجال التعليمي فهناك تحدٍ في المجال الإعلامي، وأكرر أننا لا نهجم هجمة حتى لا تنقل نقلاً خاطئاً، نحن لا نهجم هجمة على تعليم البنات في مجتمعنا، فإننا لا نرى صورة رائعة تصلح نموذجاً يحتذى في كثيرٍ من البلدان ولكن نقول: نريد مواجهة التحدي الذي تواجه به الفتاة في مجالاتٍ شتى، أو دعوة إلى أن تتعلم الفتاة أموراً لا تناسبها ولا تحتاج إليها.
стр. 2793
التحدي في المجال الوظيفي
أيضاً من صور التحدي: التحدي في المجال الوظيفي -التعليم للعمل- الفتاة تتعلم لا للتربية، ولا لخدمة بيت زوجها، ولا لطاعة زوجها وإنما التعليم للوظيفة، ولو قيل للفتاة: إنك بعد هذا المشوار الدراسي لن تجدي رائحة الوظيفة ولن تشمي هذه الوظيفة، قالت: لا حاجة لنا إذاً إلى التعليم، من الذي غرس في ذهن الفتاة أن التعليم لا بد أن يكون للوظيفة، وهل من شرط علم المرأة أن تختمه بالوظيفة أو بالمرتبة الإدارية؟ ذاك جهلٌ عظيم، وتجييرٌ وتضييق لآفاق العلم الواسعة في مجال غيره، إن العلم آفاقٌ عديدة، وأعظم آفاقه أن تنفذ المرأة وتطبق ما شرع لها في حياتها التي خلقت لأجلها وما فيها، فتحجيم التعليم بالوظيفة فيه احتيالٌ أو فيه استهتارٌ وازدراء بعقل الفتاة وعقل المرأة.
إن التعليم -كما قلنا- لرفع الجهل، وتعلم العبادة، ونفع بنات جنسها لا أن يكون لذات الوظيفة، وإنك لتعجب يوم أن تسمع شكاوى كثير من البنات اللائي لا حاجة لهن بالوظيفة، يتأففن منذ خمس سنوات ويقلن: نحن متخرجات ما وجدنا وظيفة، منذ سنتين ما وجدنا وظيفة، تخصصنا اجتماعيات ولم نجد فيه وظيفة، ومن الذي قال: تعلمن من أجل الوظائف؟ تعلمن حتى تعلمن ما ينفعكن في دينكن، وحتى تعلمن ما ينفعكن في أمور حياتكن وأزواجكن، أما التعليم للوظيفة فهذا أمرٌ في منتهى الحماقة وفي منتهى الجهل.
نعم.
إذا احتاج المجتمع إلى المرأة في مجالٍ من المجالات كالطب والتمريض غير المختلط، فحيّ إذاً على هذه الوظيفة التي بها نستغني عن الكافرات، وبها نستغني عن الرجال في أمورٍ لا يصلح أن يطلع عليها إلا النساء، أوليس قلب الواحد منا يتمزق يوم أن تبلغ زوجته حال الولادة وتبدأ آلام الطَّلْقِ والمخاض، تلك الزوجة التي ربيت عفيفة شريفة دينة خيرة ما رأى أحدٌ منها ظفراً ولا يداً ولا أنملة ولا قدماً ولا ساقاً، ثم في حالة الولادة لا نجد خياراً إلا أن نترك المجال للدكتور أن يشرحها ذات اليمين وذات اليسار لينظر إلى أخس عورتها وسوءتها رجلٌ ليس زوجها!! وأخبث من ذلك أن يطلع عليها كافر.
إنه لا يفرح القلب أن تجد استشارياً في أمراض النساء والولادة ويباشر التوليد وهو كافر، أو هندوسي، أو طبيبة هندوسية وهذا من الواقع، ونسوق هذا دعوة لكم أنتم، ودعوة لكل من له قدرة على أن يعين ويشجع الاستغناء عن الكفار، وإحلال المسلمين محلهم، قياماً بالفرض والواجب وليس هذا من باب الأولى.
نجري وراء مسألة الوظيفة رغبة في الوظيفة أياً كان الثمن، وبعد الوظيفة إضاعة للمال في مجالاتٍ لا تنفع أبداً، يا ليت وظيفتها كانت -كما قلت- تمريضاً لبنات جنسها، أو تطبيباً لأخواتها المسلمات وإنما كانت وظيفةً ربما جرتها يوماً من الأيام إلى الاختلاط بالرجال:
كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
ثم إذا أمسكت الفتاة بوظيفة كأنها أمسكت بسر الحياة الذي لو فارقته فارقت روحها وحياتها، إن كثيراً من البيوت أغلقت، وكثير من الأسر كسرت وهدمت، وكثيرٌ من الأطفال ضاعوا بين الآباء والأمهات بعد انفصام عقد الزوجية وحدوث الطلاق والفراق لأجل الوظيفة.
شابٌ تزوج معلمة وعنده من الدخل ما يكفي، وليس بمحتاجٍ إلى وظيفة زوجته فقال: يا أمة الله! أنا أنفق عليك بما يكفيك بالمعروف وزيادة فلا حاجة للوظيفة، وتفرغي لطفلي وطفلتي، فماذا تقول؟ لا وألف لا، لا للبيت نعم للوظيفة، لا للبقاء في المنزل نعم للذهاب صباحاً مع السائق إلى الوظيفة، ثم يشتد العراك ويبعث حكمٌ من أهله وحكم من أهلها لعلهما أن يصلحا بينهما بعد إرادة التوفيق والإصلاح فيعجزان؛ لأنها ذهبت مشرقة وذهب مغرباً وشتان بين مشرقٍ ومغرب، فليس ثمة أنصاف حلول بين الرجل والمرأة في مثل هذه المشكلة، هي تريد الوظيفة وهو يريد أن تتفرغ للبيت، وإني لأعلم علم اليقين وتعلمون أن بيوتاً أغلقت وأسراً تفرقت، وأطفال ضيعوا بسبب هذا المعنى، إنه كان نتيجة لذلك التحدي السافر الذي كانت المرأة محوراً من محاوره.
ثم نقول لكل مسئول عن عمل المرأة وتعليمها: ما الذي يمنع أن يكون التعليم تخصصاتٍ بحدود معينة، فلو كانت ترغب أن تواصل دراستها في التمريض وفي الطب، وفي كل مجال يخدم حالة المرأة فلا حرج أن يستمر السلم التعليمي بها إلى درجاتٍ عالية وفوق العالية، لكن المرأة تريد أن تتعلم حظاً معيناً من العلم، فما الحاجة أن نجرها إلى عشرين سنة في دراسة، ما الحاجة أن تعرف تاريخ الرومان وتاريخ الإغريق القديم وتاريخ أوروبا المعاصر؟ ما الحاجة أن تعرف وأن تعرف وأن تعرف علماً لا ينفع، في الوقت الذي تجهل فيه كثيراً من أحكام حيضها ونفاسها، وصلاتها وصيامها، وحجابها وكلامها وخطابها، وأحكام اختلاطها بغيرها، علمت كل ما لا تحتاج إليه وجهلت كثيراً مما تحتاج إليه، وما ذاك إلا نتيجة ذلك التحدي الخطر.
ما الذي يمنع أن تكون الخدمة المدنية للمرأة -بدلاً من السنوات المعدودة- أن تكون نصف الخدمة، يعني: أهناك فرض يمنع أن تكون الخدمة المدنية عشر سنوات للمرأة؟ اثنا عشر سنة للمرأة؟ لا.
ليس هناك ما يمنع ذلك، أما أن تكون الخدمة المدنية للمرأة مقاربة للخدمة المدنية للرجل كأننا ننظر إليها بنفس النظرة إلى الرجل، ثم ما الذي يلزمنا أن نجعلها في مسئوليات التعليم خاصة بنفس مسئوليات الرجل، أربعة وعشرون درساً أو أربعة وعشرون حصة أو عشرون أو أقل من ذلك، ما الذي يمنع أن تعمل السبت والأحد وبعضهن الأحد والإثنين، وبعضهن الثلاثاء والأربعاء، يعني: أن تعمل الفتاة في التعليم -مثلاً- يومين في الأسبوع بنصف المرتب، ولا غضاضة في ذلك ولا حرج، ففي هذا تفريغ للمرأة ذاتها حينما تعمل لأحوال أولادها فلا تنشغل عن زوجها وأولادها، وفي نفس الوقت فتح مجالٍ للمحتاجات والراغبات في هذا العمل، وتكون مشاركة المرأة مشاركة حينما نحتاج إليها لا تشغلها عن مهماتها الأصلية.
لقد صاح كثيرٌ من دعاة التحرير أو من يسمون بالتقدميين: إن المرأة ذلك الجزء المعطل من المجتمع، تلك الرئة المعطلة، ذلك العنصر الجامد الذي لا يشارك الرجل في مسئولياته ذلك ذلك إلى آخر ما قيل عنها من أجل إقناعها بأنها مظلومة، وإقناعها بأنها مهدرة القيمة، مهدرة القوى والثروة، فحينئذ تخلق لها قضية وليس ثمة قضية، قضية بلا مضمون، امرأة تريد أن تعمل وتريد أن تتحرر وتريد أن تتفلت -أن تقف أمام الرجل الذي وقف لها عند عتبة بيتها يمنعها من تحقيق ذاتها وممارسة شخصيتها- إلى آخر ما يقولون ويسمون.
وأخطر من هذا كله يوم أن يتحدث أولئك الذين يتحدون المرأة بهذا المضمار حينما يتحدثون عن وظيفتها يقولون: ليس الكلام فقط عن الوظائف التقليدية، وإنما البحث عن آفاق أرحب ومجالات أوسع، وميادين أكثر تجديداً للمرأة، إن عمل المرأة فيما يخدم بنات جنسها بات عملاً تقليدياً، وصدق القائل: إنهم لا يريدون حرية المرأة بل الحاجة عندهم ماسة إلى حرية الوصول إلى المرأة، مهما فتح للمرأة من مجالاتٍ جديدة لاستيعاب تخصصاتها أو أعمالها عند الحاجة إليها فستكون تقليدية وتبقى تقليدية إلى أن تقوم الساعة، حتى يكون المجال في العمل يسمح بالاتصال بين الرجل والمرأة، ويبيح الاختلاط بين الرجل والمرأة، فحينئذٍ ينكسر الطوق التقليدي، وتظهر الحالة الحضارية للعمل.
إذاً: كل عملٍ مهما راعينا فيه احتياجات الأمة والمجتمع فسيظل تقليدياً إلا يوم أن يكون العمل فيه اختلاط سافر واضح صريح، يسمح للرجل أن يكلم المرأة وأن يخالطها، وأن يخلو بها وأن يسرح بها، وأن يذهب بها في أي وقتٍ شاء.
أيها الأحبة: إن عمل المرأة ذلك المجال الذي هو واحدٌ من مجالات التحدي ربما قنع البعض أن في مجتمعنا خاصة من يعدون بنسبة كبيرة أو يمثلون شريحة عريضة يرغبون في هذا، وليس هذا بصحيح، لكن شرذمة قليلة وأقلية مستبدة تتفرد في الزوايا الصحفية وبعض المنابر في المجلات والجرائد لتنشر ما تريد ولا تسمح للآخرين بالمشاركة والمناقشة أو الاعتراض أو التحليل، يظهرون أن كل المجتمع ساخطٌ على هذا الوضع، وأن كل الأسر لا يريدون هذا الوضع الحالي.
وكما يقال: الماء يكذب الغطاس، والتجربة أكبر برهان، أجريت دراسة على أربعمائة أسرة سعودية فكانت نتائج الدراسة الإحصائية بعد جمع البيانات وتحليلها أن (٧٢%) لا يؤيدون عمل المرأة خارج المنزل، (٩٥%) لا يؤيدون عمل المرأة إذا كان دخل الزوج كافياً، إذاً من الذي يطالب بعمل المرأة؟ هم الرجال، أما النساء فلم يرفعن راية يصحن فيها للعمل، والنساء اللائي طالبن بهذا العمل هن أقلية أقل من قليلة، وأندر من نادرة، وأخف من شرذمة، هي التي تدعو إلى عمل المرأة في كل مجالٍ وكل قطاعٍ وفي كل مناسبة، وتقول التجارب: إن الأطفال الذين يعيشون في الأسر يتمتعون بتأثرٍ واستجابةٍ عميقة في هذه الأسر أكثر من غيرهم الذين يعيشون تحت تربية الخادمات والمربيات.
وتقول التجارب أيضاً: إن الطفل لا يخضع لسلطان جماعته كخضوعه لسلطان أسرته.
وتقول التجارب أيضاً: كل طفلٍ يعيش في أسرة منظمة مرتبة فإن هذا الطفل من السهل تشكيله ومن السهل تربيته وإقناعه.
وإنكم لتجدون مصداق هذا أيها الأحبة، إن بعض المجتمعات أو بعض الدول لها منهجها التعليمي، ومن فئات هذا المجتمع فئات تخالف المنهج العام في معتقدها وفي تعليمها وأفكارها وفي توجهها وآمالها، ومع ذلك تجد أن الطفل من تلك الأسرة المخالفة للمجتمع كله يدرس في المدارس والمؤسسات التعليمية في المجتمع فلا يتغير عنده ذرة من أفكاره وثوابته، لماذا؟ لأنه يعيش في أسرة كل صباح تعطيه درساً في معتقده، وكل مساء تغسل دماغه عما تعلم، إذاً: فالأسرة أخطر مؤسسة سواء كانت تعليمية أو اجتماعية أو تربوية أو غيرها، فلا تصدق ما يقول أولئك: إنه بالإمكان تشغيل الخادمة أو الاستفادة منها، وإسناد المهمات التقليدية كالتعليم أو التربية إليها.
стр. 2794
مجلة (سيدتي) مقالات وآراء مخالفة للشرع
ولننتقل -أيها الأحبة- إلى مقاطع وصور من هذا الفساد والتحدي والتخريب عبر مجلةٍ من المجلات التي أخذت على عاتقها لواء إفساد المجتمع السعودي والأسرة السعودية، تلكم مجلة " سيدتي " إني لا أقول هذا إلا بعد رصدٍ لأكثر من أعداد تزيد على المائة جمعها عدد من الشباب جزاهم الله خيراً، في العدد الفلاني كذا في العدد الفلاني كذا في العدد الفلاني كذا وخذوا واسمعوا شيئاً من هذه العجائب: هذه المجلة تتكلم باسم المرأة السعودية، وهذه المجلة تدعو إلى أن تكون المرأة السعودية المنتظرة القادمة الواهبة الصاعدة هي التي سوف تتسلم قيادة المرأة أو سيدة العالم كما يقال.
في العدد (٨٦) إباحة الحب بين الشباب والشابات في الجامعة، وأنه لا مانع من الزواج بينهما سراً إذا ما اتفقا على ذلك، ولو رفض والد الزواج، بل في العدد نفسه يسوق تحدي البنت لأبيها إذا رفض الأب -وليها- زواجها ممن تحب، يقول المحرر وساق تجربة فتاة في الواقع، يقول: نشوب حب بين شاب وشابةٍ في الجامعة تعاهدا على الزواج، وعندما رفض والد الفتاة هذا الزواج عقدا زواجهما سراً، ولدى إعلان الزواج رفض والد الفتاة تسليم الفتاة لزوجها فتدخلت الشرطة وسلمت الفتاة لزوجها.
ثانياً: زميلان في العمل غاب الاثنان واتفقا على الزواج، وأمام رفض الأب هذا الزواج بالفارق الاجتماعي بين الأسر هددت المرأة والدها برفض الزواج من غير ذلك، ولكنها عقدت زواجها سراً وخرجت مع زوجها.
في عددٍ -أيضاً- شبهت المرأة الكويتية التي تقر في بيتها وتتجنب الاختلاط وليس الكلام عن كل امرأة كويتية ففي كل بلادٍ برٍ وفاجر، في الكويت طاهراتٍ وصالحاتٍ وتقيات نقيات كما في كل مجتمعٍ نحسبهن ولا نزكي على الله أحداً، ولكن في بعض المجتمعات يكثر هذا النوع من الفساد، تشبه الفتاة التي تمنع الاختلاط أو تمانع منه بالسجاجيد العجمية، وتدعو الكاتبة إلى تمرد النساء على الرجال حيث قالت: هذا النوع من النساء لا يستطيع أن يقول: لا.
لا يستطيع أن يتعدى عقلية من هو أكبر منه، وتقول: المرأة لا مكان لها إلا خلف الرومانسية السياسية أو العاطفية، ويجب أن ترمس الرومانسية.
في العدد (١٧١) الدعوة إلى إباحة خروج الخاطب مع مخطوبته من المنزل أو أحد الأماكن العامة، تقول: بعد الخطبة بإمكان العريس أن يصطحب خطيبته إلى منزله وإلى الأماكن العامة.
في نفس العدد إشاعة السفاح بين الفتيات القاصرات ولزومهن إلى التخلص السريع من الحمل تفادياً للفضيحة.
المحرر يبحث في حوار صحفي مع امرأة ويقول: ماذا يكون موقفك فيما لو رغبت إحدى الفتيات المتزوجات التخلص من الجنين أو عرض هذا لقاء مبلغ من المال؟
الجواب
هذا النوع من الفتيات يكون قاصراً في أغلب الأحيان، وحملهن غالباً لا يعرف به الأهل، لذلك يلجأن إلى التخلص السريع منه تفادياً للفضيحة، ولا أعتقد أن إحداهن ترغب الاحتفاظ بجنينها مهما كانت المغريات.
في العدد (٤٣٣) فكرة إلى عمل الدعوة واختلاطها في الأعمال العامة، تقول هذه المرأة: وأنا أشاركك الرأي؛ لأن تواجد المرأة في الحياة العملية الوظيفية ما زال أقل بمستوى تواجدها الأكاديمي، ولعل مرد ذلك إلى كون دور المرأة المهم والأساسي في المجتمع ما زال يدور حول إنجاب الأطفال وتربيتهم، وقيام المرأة بهذا الدور يكون على طبيعة الحال على حساب مشاركتها في الحياة العملية خارج البيت.
في العدد نفسه إصرار الفتاة العربية على العمل كممرضة والدعوة إلى التمريض بدون ضوابط، ثم تهجم هذه المرأة وتقول: ولماذا الاستسلام لأفكار لا تساعدنا على النمو.
في العدد (١٠٣) الدعوة إلى ترسيخ مبدأ عمل المرأة عند الطفل، وتغيير صورة المرأة في ذهن الطفل: أي: ينبغي أن يقال للطفل قولاً يغير صورة ارتباطه بالمرأة سواءً كانت أماً أو وليةً إذا لم تكن الأم موجودة، ينبغي أن يقال للطفل: لا تنتظر من أمك أن تصبحك أو تذكر الله في وجهك، أو تعلمك شيئاً من الأدب أو أو إلى آخره، ينبغي أن يغير موقف ونظر الطفل إلى المرأة.
في العدد (١٧٢) تحت عنوان الإذاعة والمرأة: دعوة إلى عمل المرأة في الإذاعة وفيها: المرأة أقدر على الرجل من العمل الوظيفي.
تقول الإذاعة: عمل المرأة والراديو بستانه، ويدخل كل بيت ولا بد أن يكون فيه شيءٌ من الرقة والتسلية تذاب فيه الثقافة، والمرأة أقرب إلى العمل كمذيعة للأسباب التي ذكرناها.
في العدد (١٧٢) استهتار بشهر الصيام واستخفاف به، ودعوة للتمثيل، واستحلال سماع الأغاني الرخيصة، فتقول إحداهن: رمضان بالنسبة لي فزورة، وفي رمضان كنت أحرص على تقديم المسلسلات، وأمضيت شهراً أقنع عبد الوهاب بالتمثيل حتى وافق على الاشتراك في مسلسل (شيء من العذاب).
في العدد (١٠٥) دعوة إلى العمل العام المختلط والتمرد على الزوج وعصيانه، تقول الدكتورة: نوال السعداوي -وهذه إن كان في العلمانيين من تشد إليه آباط الإبل فتشد إليها- قالت: أنا تزوجت مرتين، وزواجي الأول فشل؛ لأنه كان المطلوب مني أن تقتصر حياتي على المنزل والمطبخ فقط، وأنا عندي أشياء أخرى، قالت: أما زواجي الثاني فتميز بعلاقة ودية وربينا أولادنا على حرية التفكير، ولي ابنة وولدٌ وسيصبح مخرجاً سينمائياً.
لا تلد الحية إلا حية.
في العدد (٤٤٣) دعوة وتشجيع الحب المتبادل بين المريض والطبيب الذي يعالج -وتراه المرأة- ويعتبر هذا أمراً عادياً تقول الكاتبة: لم يكن لأحدٍ الحق بأن يلومني، فلم يكن الأمر بيدي إذ كنت قد أحببت طبيبي الذي عالجني، فلست أول واحدة تحب طبيبها، وليس هو أول طبيبٍ يحب مريضته.
في العدد (٨٩) الحث على تربية جيل فاقد للعاطفة، تقول: بقيت ابنتي معي حتى اليوم، وهذا نوع من القوة أمارسه كأم، أنا لم أضع أولادي في حضني ولكني وفرت لهم جواً ثقافياً، كان من الممكن أن أجوع سنة حتى أوفر لهم ثمن تذكرة سفر، نحن أسرة مختلفة تماماً، أنا وزوجي إنسانان على قدر واحد من المساواة، وبيننا نوع من المشاركة الفكرية النادرة بصرف النظر عن كونه رجلاً وكوني امرأة، وآخر ما نتذكره أننا زوجٌ وزوجة، وهذه العلاقة تنطبق -أيضاً- على ولدي فهم يعيشان في منتهى الحرية والاستقلال، تقول: ابنتي عاشت في لندن لوحدها وهي تدرس الاقتصاد وتكتب القصة والشعر، وابني سافر وهو في الحادية عشرة من عمره إلى الخارج واستطاع أن يعتمد على نفسه وحده.
دعوة إلى تمرد أو تحرر الزوجة من حقوق الزوج والواجبات تقول: امتلاك زوجتك امتلاك جسدها يعني: أن تقتلها وامتلاك عقلها يعني: أن المرأة تحدو حدوك وهذا مرفوض.
تشجيع الزواج من الأجنبيات المشركات، يقول: ابتعثت إلى بريطانيا لدراسة الطب ودرست هناك ثمان سنوات، ولم تستطع والدتي العثور على زوجة، ومنذ ستة أشهر وجدت ضالتي، فتاة من الجنوب الأسباني فيها كل ما أحلم به في الفتاة.
تربية الناشئة على الإلحاد، يقول المحرر في باب ما نقول لأطفالنا إذا سألوا عن الله، يقول: الأفضل أن نوضح للطفل كيف أن الحياة تمضي تتطلب ميلاد أطفال وهم زهور جديدة، وتتطلب الحياة حيوانات ووجود أشجار، وكذلك فإن الموت هو نهاية كل إنسان وكل نبات وكل حيوان، وإن الموت هو ذهاب الإنسان إلى عالم آخر لا نعرفه نحن أبداً.
هذا خطر داهم حتى في أمور العقيدة والأمور الغيبية، تشويه العقيدة لدى الأطفال يقول المحرر: وهنا نستطيع أن نصل إلى فكرة جديدة هي أن الطفل أو أي إنسان إذا رغب في التعرف على الله أكثر من الاقتراب منه أو الإحساس به، فما عليه إلا أن يتتبع كل ما هو خير؛ لأن الله هو في كل الخير.
تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً؛ وما هكذا يعبر عن الذات الإلهية أو يتكلم عن الله.
في أحد الأعداد تحريض على عمل المرأة في جهاز الشرطة، إذ صورت المجلة صورة النقيب عواطف الفلانية رئيسة الشرطة النسائية في البحرين، وهي تلبس لباس ضابط.
تقول: الشرطة النسائية خير من يتعامل مع قضايا الأحداث والمرأة، والبحرين أول دولة عربية ترحب بالمرأة في مجال الشرطة، ولقد حذت حذوها مصر وإيران -الحمد لله!! دعوة إلى الصداقة غير المشروعة بين الرجال والنساء: صورة لشابة وكتب تحت الصورة: متى أدخل المعهد برفقة محمد؟ دعوة إلى استغناء المرأة عن الرجل ولو كان زوجاً: تقول المرأة: نتربى في وهمٍ غريب -أو تتربى وهي في وهمٍ غريب- تحتاج للرجل لكي يحميها، هي إنسانة يجب أن تنمي قوتها الذاتية لحماية نفسها، يجب أن تعتمد المرأة على نفسها لا تعتمد على الرجل، ولكن عهود التخلف والفترات المظلمة، وانحسار مدة الحضارة العربية والإسلامية أنجبت تراجعاً كبيراً في القيم الإنسانية وفي علاقة المرأة بالرجل.
في العدد (١٧٣) تحت عنوان: المراهقات الخليجيات، دعوة إلى إباحة الرسم، والشعر، والموسيقى، والتمثيل كعلاج لمشاكل المراهقة والتكيف مع المجتمع، تقول الدكتورة سمية فهمي أستاذة علم النفس: والتكيف مع المجتمع هو خير طريقة لوقاية المراهقات، وذلك بتهيئة الفرص لهن للتعبير عن وجدانهن وانفعالاتهن بالرسم والشعر والموسيقى والتمثيل.
في العدد (١٧٣) دعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة وبدون فروق: تقول سحر: إن الشاب مثل الفتاة لا فرق بينهما، وأعتقد أنهما متساويان في كل شيء، النظرة القديمة للفتاة زالت مع التطور العقلي.
وأخرى تقول: لقد تعلمت في صفوف المدرسة أن الولد أخٌ وزميلٌ يخضع لنفس برامج الدراسة، ومن هنا لا أتصور الولد فارساً مقداماً.
في نفس العدد التلاعب بالنصوص وتحريف الآيات القرآنية، إذ تقول المحررة فوزية سلامة: هذه الآية الكريمة هي أقوى دليل على أن الله سبحانه احترم رأي المرأة وجعل لها حرية المجادلة والمحاورة فيما ترى أنه حق، والدليل قول الله: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]-نسأل الله العافية-.
تشويه الحرية الحقيقة ووصف الحرية الحقيقة بأن تتصرف الفتاة كما ترى مع إشاعة صحة اختلاط الشبان بالشابات دون قيود من دين
стр. 2795
رسالة خاصة إلى الفتاة المسلمة
ختاماً: إنني أقول: إن عدد المنحرفات في المجتمع قلائل، وندرة يسيرة جداً، والفتاة مهما وقع منها من الأخطاء أو الزلات أو حصل منها من الهفوات فلن تبلغ بعد الحد الذي تستنتج أن تكون فيه قائمة بعبوديتها لله أو بحقوقٍ شرعها الله جل وعلا، وجعلها واجباً عليها تجاه أبنائها وزوجها، هذه المجلات التي صبت جام غضبها على المرأة هل أنتجت مواطناً مخلصاً؟ أو رجلاً أميناً؟ أو عالماً عاملاً؟ أو جندياً أو طياراً؟ إنها أنتجت العاطلين والعاطلات والمسعورين والمسعورات والذئاب المتربصين الذين يريدون أن يتلقفوا كل من اغترت بهذه الحبائل، فرسالة إلى كل مسلم أياً كان دوره أو مسئوليته أن يتقي الله جل وعلا فيما تحت يده، فإن الرسول ﷺ قال: (من سن سنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
تذكري قول الله جل وعلا: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣] وتذكري قول الله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] وتذكري قول الله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] فأين الكتابة؟ وأين المشاركة؟ وأين الرد؟ وأين الاعتراض؟ وأين تكذيب هذا الباطل؟ إن عدداً من الأخوات قد كتبن في بعض المجلات والجرائد فكان لكتاباتهن أثر بل بات كثير من الكتاب الذين يغزون هذا المجتمع من خلال المنابر والجرائد والمجلات بات لديهم قناعة أن بضاعتهم كاسدة في مجتمعنا هذا.
فالله الله نحن نريد أن نثني هذا الحديث بخطواتٍ عملية، لا نريد أن نقول: أوسعتهم شتماً وأودوا بالإبل، ليس مجرد استعراض تجاوزات بعض المجلات على الفتاة السعودية، وإنما هدفنا أن نقول: ينبغي أن نقاطع هذه المجلات وأن نناصح المكتبات والتموينات التي تبيع هذه المجلات، وهذه خطبة للشيخ ابن عثيمين أخطار المجلات وفتن المجلات قال: يحرم شراؤها ويحرم بيعها، ويحرم إهداؤها، ويحرم قبولها، نريد مقاطعة جادة فإن المقاطعة من أقوى الأسلحة الفتاكة.
كذلك التحذير في كل مناسبة، دور الفتاة أن تلقي الكلمة والكلمات في الزواج وفي أي مناسبةٍ تجمعها بأخواتها، ودور المدرسات أن يجمعن الفتيات ويحذرن من هذه المجلات، فإن التحذير ينفع، ونشر الوعي بالكتاب والشريط والتواصي بالوقوف تجاه هذه الحملة المسعورة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2796
الأسئلة
стр. 2797
طرق نصيحة المرأة
السؤال
السؤال الذي لم أجد له جواباً هو: كيف الوصول إلى المرأة ونحن ندرك أن التحديات تحاصرها من كل جانب، وإقامة درسٍ أو محاضرة في المسجد في نظري لا يؤدي أكثر من فعالية خمسين في المائة، المرأة في المدرسة وفي الكلية وفي العمل وفي السوق كيف الوصول إليها، والمرأة هي هدف الأعداء علمانيين أو غيرهم مستخدمين كل الوسائل الإعلامية بجميع أساليبها، فالبنت في أمس الحاجة إلى مثل هذه الدروس وهذه الأجراس التي تحذرها، كيف يمكن ذلك وما هي أحسن الطرق أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا نتوسع في نهاية المحاضرة -أخي الحبيب- هو من سبل الوصول إلى المرأة وتحريرها قبل أن تكون كما قال القائل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
إننا نستطيع أن ننشر الكتيب النافع في موضوعه، ولقد اطلعت على كتابٍ من أروع وأجمل الكتب، هو كتاب تحملات حول عمل المرأة أو حول هذا العنوان لفضيلة الشيخ عبد الله آل الشيخ، هذا الكتاب رائع جداً جداً، فبوسع كل أحد أن يشتري منه مئات النسخ ويوزع على جميع قريباته، يؤسفنا أن نجعل الاحتفالات موسم تبادل للنصائح، بيوت الأفراح والزواجات ما الذي يمنع أن يوجد فينا نحن الغيورين من يغتنم اجتماع الناس في مثل هذه المناسبات في توزيع الشريط والكتاب، ثم إن المكتبة الإسلامية غنية بالشريط المسموع والكتاب النافع، إذاً لك أن توزع هذا الكتاب بمئات النسخ.
كذلك المعلمة تحرص مع الطيبات من المعلمات على التحذير، وهنا بالمناسبة محور مهم: إن العناية بالفتيات في المرحلة الابتدائية والمتوسطة، يجعلنا نوفر كثيراً من الجهود والنفقات في مواجهة الخطر الذي يحدق بالفتاة في المرحلة الثانوية والجامعة، يعني: وقاية بدرهم خيرٌ من علاج بقنطار، فذاك أمرٌ ميسور، وكل من استطاع أن يصل إلى منبر إعلامي مجلة أو شاشة أو إذاعة وأظن أننا نستطيع أن نحقق خيراً كثيراً.
وأذكرك -يا أخي الكريم- أن المدارس الثانوية والمتوسطة بل وحتى الجامعات، فيها صحوة وخيرٌ واهتمام بالالتزام والوعي والتدين والاستقامة بفضل الله ثم بفضل هذه الجهود، وإن كانت محدودة أو يسيرة أو قليلة، المهم أنا وجدنا في ذلك خيراً كثيراً.
стр. 2798
النكاح آدابه وأحكامه
إن الله قد شرع لنا النكاح رحمة بنا وصيانة لأعراضنا، وحماية من الوقوع في الفاحشة والرذيلة، وحفظاً للأنساب والذرية، وقد جعل له آداباً وشروطاً وأركاناً وآثاراً يجب العلم بها لمن أراد النكاح، وفي هذه المادة تنتفع بمعرفة شيء من ذلك.
стр. 2799
مأساة كوسوفا المسلمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، لم يعلم سبيل خير إلا دل أمته عليه، وما علم من سبيل شر إلا وحذر أمته منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله بمنه وكرمه، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، أن يجعلنا وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وأن يكتب لنا ولكم شهادة الملائكة المقربين، أننا اجتمعنا في بيت من بيوته لا نريد إلا وجهه، نثني عليه الخير كله، نعبده وحده لا شريك له ولا نكفره، ونخلع ونترك من يكفره، ونرجو رحمته ونخشى عذابه، إن عذابه الجد بالكفار ملحق.
أيها الأحبة! لئن تعددت وتنوعت وسائل إبلاغ المعلومات والفوائد، ولئن تيسر لكثير منا أن يستدرك ما فات من الخطب والمحاضرات والندوات من خلال الإذاعات والأشرطة والتسجيلات، فإن فضلاً لا يوجد إلا في هذه المساجد، وإن ثواباً لا يتحقق إلا بالاجتماع في هذه الرياض، وإن درجات ونعيماً لا يدركه إلا أنتم وأمثالكم ممن يسعون ليرتعوا في رياض الجنة، ولتحلق أرواحهم في طلب الرحمة، وتسبيح الخالق في هذه المساجد، لأن فضل حلق الذكر مرتبطٌ بالاجتماع في بيوت الله ، ولئن تيسر -كما قلت- أن يستدرك العبد ما فات من معلومات إلا أن فضل حلق الذكر يبقى، تختص وتتميز به بيوت الله ، لذا فإني أوصي نفسي وأحبابي والسامعين أجمعين مهما تباينت مراتبهم في العلم، واختلفت درجاتهم في المعرفة، ألا يحرموا أنفسهم ثواب حلق الذكر، ورياض الجنة؛ حيث تشهد لهم الملائكة، وتتنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، ويذكرهم الله في ملئه الأعلى.
أحبتنا في الله! ولئن كان الحديث في سلسة المحاضرات التي نوه عنها فضيلة المقدم جزاه الله خيراً موصولاً بالكلام عن الأسرة المسلمة، إلا أن حديثنا اليوم وإن كان متعلقاً على وجه الخصوص بالحديث عن (النكاح وآدابه وأحكامه) أو بشيء وطرف من ذلك، إذ المقام لا يستوعب أحكام ذلك كله، ولكن هذا أحسبه وأرجو ألا يشغلنا وإياكم عما لا تزال الفاجعة في قلوبنا بسببه، وهي كارثة لم يسبق لها مثيل حلت بالمسلمين الألبان في كوسوفا نستذكرها، ونحمد الله على ما من به علينا من النعم، ونسأل الله بمنه وكرمه أن يرفع الكربة عن إخواننا، هذه الفاجعة التي ليس لها من دون الله كاشفة، قرابة المليون مسلم من أصل ألباني يهجرون على يد الصرب:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجمِ
أعراض تنتهك، وأشلاء تتناثر، ودماء بغير حق تسفك، وشعوب تشرد، ونساء ترمل، وأطفال يصبحون يتامى، ونساءٌ يشكين الثكل وفقد الزوج والمعين، والحال لا يصفها لسان، ولا يخطها قلم، فنسأل الله بمنه وكرمه أن يرفع الكربة عن المسلمين هناك، وعن المسلمين أجمعين.
أيها الأحبة! يقول تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦] كم مرة تحدثنا وصرخنا ورفعنا أصواتنا، وقلنا: قد فعل الأعداء بنا ما فعلوا، وكم مرة أخذنا نندب الماضي، ونخشى المستقبل، ونخاف من الواقع، ونحن كما قال الأول:
حرب حزيران انتهت وكل حرب بعدها ونحن طيبون
تغلغل اليهود في بلادنا ونحن راجعون
صاروا على مترين من أبوابنا ونحن عائدون
وصوت فيروز من الفردوس يأتي عائدون
وكل ما نملكه إنا إلى الله لراجعون
حرب حزيران انتهت جرائد الصباح ما تغيرت
والصور العارية النكراء ما تغيرت
هذا يقوله القائل وليس من أهل القول؛ ولكنه يبكي على ما حصل في (١٩٦٧م)، نكبة (٦٧) التي دمر اليهود فيها قوات عربية لا يخفى تاريخها عليه، وكما قال الذي يحاكي أبا تمام:
وأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب
أيها الأحبة! ليست القضية هي ما ينظر إليه بعض المسلمين من جانب الحرب بين الصرب الأرثوذكس، والدوما والكتلة الروسية من جهة، وحلف الناتو من جهة أخرى، الذي يقض مضاجعنا، والذي يؤلمنا غاية الألم، هو حال المسلمين، أما ما سواهم فنسأل الله أن يهلك الظالمين بالظالمين، وأن يخرج أمة محمد من بينهم سالمين، نحن يسرنا ما نراه من ضربات موجعة في الصرب، ولكننا نعلم أن حفنة من الملايين أو قل: مليارات من الدولارات كفيلة بأن تعيد المنشئات الصربية والقواعد العسكرية، وليس هذا من باب التعاطف مع الصرب، بل نسأل الله أن يضاعف عليهم البلاء، وأن يزيد التسلط عليهم، ولكن من الذي يرد المسلمين الذين شردوا؟ إذا هاجر قرابة مليون مسلم، وتقاسمتهم قرابة عشرين دولة أوروبية، ولكل دولة منهم جزءٌ مقسوم، وكل دولة تفرق هؤلاء في مدن شتى، وكل مدينة تشتت المسلمين في أحياء متباينة، ثم اسأل وتعرف بعد خمس سنوات، أو بعد عشر سنوات، هل ترى من المسلمين أحداً؟ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً بعد هذا الانتشار وهذا التناثر، وبعد هذا التطاير؟ هذه هي القضية الكبرى؛ لأن الكفار ليس لهم وزن في ميزان الشرع، ودماؤهم كما علمنا في ديننا ليست بأمر ذي بال، أما دماء المسلمين فلأن تزول السماوات والأرض أهون عند الله من أن يراق دم مسلم.
المسألة في غاية الخطر، وإن الذي يتابع ما يعرض وينشر من لقاءات وحوارات ومناظرات وتحليلات وكتابات ليعجب من تباين بعض المسلمين في نظراتهم، فهذا لا يزال يؤيد الصرب، وهذا لا يزال يرى أن المسلمين الآن في منتهى النصر والنشوة، أي نشوة وأي نصر لأناس يتفرقون ويشتتون؟! وكما قال الرندي حينما بكى الأندلس:
يا رب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواحٌ وأبدانُ
وطفلة ما رأتها الشمس إذ بزغت كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ
يقودها العلج للمكروه مكرهةً والعين باكية والقلب حيرانُ
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلام وإيمانُ
стр. 2800
واجبنا نحو المسلمين في كوسوفا
أيها الأحبة! لا نملك إلا أمرين:
стр. 2801
واجب الدعاء لهم
الأول: الدعاء: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] وسلاح الدعاء معطل، وحسبك أن المسلمين إلا من رحم الله لا تجد أنه يجري على ألسنتهم ذكر للمسلمين المشردين في كوسوفا، لا دعاء في السجود، ولا في الوتر، ولا في القنوت، ولا في الصلاة، وربما سأل ربه مئات المرات سيارة فارهة أو زوجة حسناء، أما شعب يشرد فلم يتذكر أن يدعو لهم، وتلك من الغفلة وضعف الولاء الذي ذكر الله شأنه بين الكفار فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال:٧٣] إن لم تفعلوا ولاء كولاء الكفار بعضهم بعض: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] والولاء بين الكفار واضح، عملة (اليورو) صورة من صور الولاء الاقتصادي للكفار مع بعضهم، السوق الأوروبية المشتركة صورة من صور الولاء بين الكفار، حلف الناتو صورة من صور الولاء، وأشياء كثيرة جداً، أشياء كثيرة تدل على عمق الولاء بين الكفار، فهل بلغ المسلمون ولاء كهذا الذي بلغه الكفار، سواء على المستوى المدني أو المستوى الاقتصادي أو المستوى العسكري، نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين.
стр. 2802
واجب البذل والعطاء والإنفاق
الأمر الثاني: مسألة البذل والإنفاق والعطاء، لا تملوا، أو يقول قائل: لقد سئمنا من هذه الصيحات والنداءات: أغيثونا! أعطونا! ساعدونا! إلى غير ذلك، نقول: إن هذا ابتلاء من الله لأولئك الذين يصابون، وهو في ذات الوقت ابتلاء لنا، ما الذي نفعله إزاء هذه المصيبة؟ وهل نبخل حتى بحفنة من حطام المال ولا نبذلها سخية بها نفوسنا؟ لئن ابتلي أولئك بجريان الدماء، وتطاير الأشلاء، وانتهاك الأعراض فإننا نبتلى بتكرار ما يقع على المسلمين من المصائب، وبعض المسلمين مسحة طبية صالحة للاستعمال لمرة واحدة فقط، لا يمكن إلا أن يبذل مرة واحدة، ولا يمكن أن يكفل إلا مرة واحدة، ولا يمكن أن يتعاطف إلا مرة واحدة، أما أن يظل الحماس والولاء والشعور والبذل والعطاء بسخاء للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفي شتى قضاياهم فذلك أمر عسير، بل إن بعضهم الآن إذا قيل له: أنفق وابذل وأعط لإخوانك المشردين الآن على حدود كوسوفا، في ألبانيا، ومقدونيا، وفي جهات شتى قال: لقد أعطينا ما يكفي في البوسنة، أو لقد أعطينا ما يكفي في أفغانستان، أو لقد تصدقنا بما يكفي في الصومال، وكأنه لا يجب عليه أن يغيث المسلمين في العمر إلا مرة، وكأن الولاء والنخوة والإعانة كالحج لا تجب في العمر إلا مرة، فهو يرى أنه إذا كفل في حياته مرة واحدة يتيماً واحداً اكتفى بذلك، أو إذا بذل أو أعطى مرة واحدة فإن ذلك كاف.
أيها الأحبة! إن من الواجب أن نشارك كل المسلمين في فلسطين وكوسوفا والشيشان وفي كل البقاع بكل ما نستطيعه، ولا أقل من أن يخصص القادرون من دخلهم ولو حفنة يسيرة من المال، دخلك ألف ريال لو خصصت من هذا الدخل ولو عشرة في المائة يعني مائة ريال أو أقل أو أكثر بقدر ما تستطيع فإنك ستجد فضل ذلك في الدنيا والآخرة، والصدقة تقي مصارع السوء، وتطفئ غضب الرب، وتدفع أبواباً من البلاء لا تحصى.
أيها الأحبة! إننا نمشي في حياتنا على ألوانٍ من النكد والكبد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] وربما صار البعض على ألغام وشيكة الانفجار قد يطؤها فلا تنفجر بسبب صدقة تصدقها وهو لا يدري، فأخي الحبيب! لا تتبرم، ولا تتسخط ولا تتضجر يوم أن تدعى إلى النداء: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
стр. 2803
دلالات انقضاء الأعوام والأعمار
المسألة الثانية: العام الهجري الجديد وما أدراك ما العمر الذي انقضى والعمر الذي بقي:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجلِ
ربما فرح البعض بدنو زواجه في العطلة، وربما فرح البعض بقرب ترقيته في السنة الهجرية الجديدة، وربما فرح البعض برتبة يعلقها بعد دورة عسكرية، ولكن نسينا جميعاً إلا من رحم الله أننا دنونا من المقابر أشهراً وأياماً، أو طوينا صفحة سنة كاملة شاهدة بما عملنا فيها من الحسنات والسيئات، ولكننا في هذا الدين العظيم قد أكرمنا الله بالخلاص من عقد النصارى الذين يظلون يبكون عقد الماضي، فإن النبي ﷺ قال: (استعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا) يعني دع ما مضى وأتبع السيئة الحسنة تمحها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
أما أن يظل البعض يندب الماضي، ويخاف من المستقبل، ويضيع الحاضر فليس هذا من دين الله في شيء:
فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسانٍ وأنت حميدُ
إذاً أيها الأحبة لا بد أن نتأمل هذا العام الذي انقضى، ونعلم أن انقضاء العام دال على انقضاء كل شيء: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] إن انقضاء العام دليل على انقضاء الأعمار، وانقضاء الممالك، وانقضاء الملذات، وتبدل الأحوال، اليوم يبدأ ثم ينقضي، والساعة تبدأ ثم تنقضي، واللقاء يبدأ ثم ينقضي، والرحلة تبدأ ثم تنقضي، والحياة تبدأ ثم تنقضي، لكن تمر الحياة على أهل الرخاء والسعادة والنعيم والحبور في لذة، كأنما تصبح الأيام ساعات، والساعات دقائق، وتمر الأيام والحياة على أهل الشقاء والبلاء الساعة كاليوم، واليوم كأسبوع، الأسبوع كشهر، والشهر كسنة:
مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيامُ
ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوامُ
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم:٩٨] إن من يقرأ كتاب الله، ويتأمل ما ذكره الله في شأن الأمم التي ملكت وسادت، ثم أهلكها الله وبادت: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣].
أين الملوك ذوي التيجان من يمنٍ وأين منهم أكيال وتيجان
وأين ما ساده شداد في إرمٍ وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ
أتى على القوم أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
هكذا انقضت السنة، وقطعنا من عمرنا ورقة شاملة كما تقطع ورقة من التقويم، وقد ولت مدبرة ولا تعلم ما الذي كتب لك فيها، ولكن ما الأحسن في الخاتمة؟! فإنه حري أن يستدرك ما فات لأن الله قال في شأن التائبين: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠] وبين أيدينا وبالتحديد الإثنين القادم يوم عاشوراء من نعم الله؛ أننا نختم العام بعبادة تكفر ذنوب العام ونبدؤه بعبادة تكفر ذنوب العام، لما سئل ﷺ عن صيام عاشوراء فقال: (يكفر السنة الماضية) نعمة عظيمة أن الله شرع لنا في بداية أعوامنا وفي نهايتها وفي أواسطها، وفي أيامنا وأسابيعنا من الفرص الكفيلة بأن تغسل الخطايا، وترفع الحوب والرزايا، وذلك من عظيم فضل الله ورحمته بعباده، إنه جواد غفور حليم رحيم كريم.
стр. 2804
تعريف النكاح وأهميته
أيها الأحبة! وأعود إلى موضوع هذه المحاضرة ضمن سلسلة الأسرة المسلمة والحديث عن النكاح وآدابه وأحكامه.
النكاح في اللغة يكون بمعنى: عقد التزويج، ويكون بمعنى: وطء الزوجة، فأما ما يدل على أن النكاح يطلق، ويراد به العقد فقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] فهنا قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩] ثم أتبعها بقوله ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فسمى العقد نكاحاً، ويسمى الوطء نكاحاً حيث دل عليه قول الله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] فمعنى تنكح هنا: يعني حتى تعقد عقداً صحيحاً على زوج آخر ثم يدخل بها ويخلو بها ويجامعها ويطؤها، هذا هو المقصود.
دل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة ﵂: (أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي ﷺ فذكرت له أنها تريد أن ترجع إليه بعد أن طلقها رفاعة ثلاث طلقات، وتزوجت بـ عبد الرحمن بن الزبير فقال ﷺ : لا.
حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) يعني: أن يطأها وأن يجامعها، فهنا فائدة أن في النكاح يطلق ويراد به العقد، ويراد به الوطء وهذا جلي واضح.
يقول أبو علي القالي: فرقت العرب فرقاً لطيفاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح بنت فلان فإنهم يريدون عقد الزواج، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته فإنهم لا يريدون إلا الجماع والوطء.
ومعنى النكاح في الشرع: تعاقد بين رجل وامرأة يقصد به استمتاع كل منهما بالآخر، مع القيام بما يترتب على ذلك من الحقوق والواجبات بينهما.
стр. 2805
الترغيب والحث على النكاح في الشرع
ومن هنا نعلم أن مقاصد النكاح عديدة، وليست محصورة فقط في الاستمتاع، بل هناك مسئوليات الرعاية، والقوامة، والنفقة والذرية، والتربية وغير ذلك، ومعلوم لدى الجميع أن الشرع الحكيم قد رغب فيه فإن الله قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] ويقول الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] الأيامى جمع أيم، والأيم هو: من لا زوج له ذكراً كان أو أنثى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
وجاء في السنة الحث على الزواج فقد جاء عن النبي ﷺ فيما رواه عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) رواه البخاري ومسلم.
وهذا أمر وتوجيه صريح بالمبادرة إلى الزواج، بل إنه من سنن المرسلين كما أخبر بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] فعلمنا أن المرسلين كانوا يتزوجون، وأن الزواج من سنن المرسلين، والنبي ﷺ قد قال في معرض رده على أولئك الذين أرادوا التبتل وكأنهم لما سألوا عن عبادة النبي ﷺ تقالوها، فقال أحدهم: (أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الثالث: وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام، فقال ﷺ : أما أنا فآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) إذاً فبإجماع أهل العلم أن الزواج مشروع استناداً إلى هذه النصوص الواضحة.
следующие страницы →