Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
واجب الدعاء لهم
الأول: الدعاء: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] وسلاح الدعاء معطل، وحسبك أن المسلمين إلا من رحم الله لا تجد أنه يجري على ألسنتهم ذكر للمسلمين المشردين في كوسوفا، لا دعاء في السجود، ولا في الوتر، ولا في القنوت، ولا في الصلاة، وربما سأل ربه مئات المرات سيارة فارهة أو زوجة حسناء، أما شعب يشرد فلم يتذكر أن يدعو لهم، وتلك من الغفلة وضعف الولاء الذي ذكر الله شأنه بين الكفار فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال:٧٣] إن لم تفعلوا ولاء كولاء الكفار بعضهم بعض: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] والولاء بين الكفار واضح، عملة (اليورو) صورة من صور الولاء الاقتصادي للكفار مع بعضهم، السوق الأوروبية المشتركة صورة من صور الولاء بين الكفار، حلف الناتو صورة من صور الولاء، وأشياء كثيرة جداً، أشياء كثيرة تدل على عمق الولاء بين الكفار، فهل بلغ المسلمون ولاء كهذا الذي بلغه الكفار، سواء على المستوى المدني أو المستوى الاقتصادي أو المستوى العسكري، نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين.
стр. 2802
واجب البذل والعطاء والإنفاق
الأمر الثاني: مسألة البذل والإنفاق والعطاء، لا تملوا، أو يقول قائل: لقد سئمنا من هذه الصيحات والنداءات: أغيثونا! أعطونا! ساعدونا! إلى غير ذلك، نقول: إن هذا ابتلاء من الله لأولئك الذين يصابون، وهو في ذات الوقت ابتلاء لنا، ما الذي نفعله إزاء هذه المصيبة؟ وهل نبخل حتى بحفنة من حطام المال ولا نبذلها سخية بها نفوسنا؟ لئن ابتلي أولئك بجريان الدماء، وتطاير الأشلاء، وانتهاك الأعراض فإننا نبتلى بتكرار ما يقع على المسلمين من المصائب، وبعض المسلمين مسحة طبية صالحة للاستعمال لمرة واحدة فقط، لا يمكن إلا أن يبذل مرة واحدة، ولا يمكن أن يكفل إلا مرة واحدة، ولا يمكن أن يتعاطف إلا مرة واحدة، أما أن يظل الحماس والولاء والشعور والبذل والعطاء بسخاء للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفي شتى قضاياهم فذلك أمر عسير، بل إن بعضهم الآن إذا قيل له: أنفق وابذل وأعط لإخوانك المشردين الآن على حدود كوسوفا، في ألبانيا، ومقدونيا، وفي جهات شتى قال: لقد أعطينا ما يكفي في البوسنة، أو لقد أعطينا ما يكفي في أفغانستان، أو لقد تصدقنا بما يكفي في الصومال، وكأنه لا يجب عليه أن يغيث المسلمين في العمر إلا مرة، وكأن الولاء والنخوة والإعانة كالحج لا تجب في العمر إلا مرة، فهو يرى أنه إذا كفل في حياته مرة واحدة يتيماً واحداً اكتفى بذلك، أو إذا بذل أو أعطى مرة واحدة فإن ذلك كاف.
أيها الأحبة! إن من الواجب أن نشارك كل المسلمين في فلسطين وكوسوفا والشيشان وفي كل البقاع بكل ما نستطيعه، ولا أقل من أن يخصص القادرون من دخلهم ولو حفنة يسيرة من المال، دخلك ألف ريال لو خصصت من هذا الدخل ولو عشرة في المائة يعني مائة ريال أو أقل أو أكثر بقدر ما تستطيع فإنك ستجد فضل ذلك في الدنيا والآخرة، والصدقة تقي مصارع السوء، وتطفئ غضب الرب، وتدفع أبواباً من البلاء لا تحصى.
أيها الأحبة! إننا نمشي في حياتنا على ألوانٍ من النكد والكبد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] وربما صار البعض على ألغام وشيكة الانفجار قد يطؤها فلا تنفجر بسبب صدقة تصدقها وهو لا يدري، فأخي الحبيب! لا تتبرم، ولا تتسخط ولا تتضجر يوم أن تدعى إلى النداء: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
стр. 2803
دلالات انقضاء الأعوام والأعمار
المسألة الثانية: العام الهجري الجديد وما أدراك ما العمر الذي انقضى والعمر الذي بقي:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجلِ
ربما فرح البعض بدنو زواجه في العطلة، وربما فرح البعض بقرب ترقيته في السنة الهجرية الجديدة، وربما فرح البعض برتبة يعلقها بعد دورة عسكرية، ولكن نسينا جميعاً إلا من رحم الله أننا دنونا من المقابر أشهراً وأياماً، أو طوينا صفحة سنة كاملة شاهدة بما عملنا فيها من الحسنات والسيئات، ولكننا في هذا الدين العظيم قد أكرمنا الله بالخلاص من عقد النصارى الذين يظلون يبكون عقد الماضي، فإن النبي ﷺ قال: (استعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا) يعني دع ما مضى وأتبع السيئة الحسنة تمحها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
أما أن يظل البعض يندب الماضي، ويخاف من المستقبل، ويضيع الحاضر فليس هذا من دين الله في شيء:
فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسانٍ وأنت حميدُ
إذاً أيها الأحبة لا بد أن نتأمل هذا العام الذي انقضى، ونعلم أن انقضاء العام دال على انقضاء كل شيء: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] إن انقضاء العام دليل على انقضاء الأعمار، وانقضاء الممالك، وانقضاء الملذات، وتبدل الأحوال، اليوم يبدأ ثم ينقضي، والساعة تبدأ ثم تنقضي، واللقاء يبدأ ثم ينقضي، والرحلة تبدأ ثم تنقضي، والحياة تبدأ ثم تنقضي، لكن تمر الحياة على أهل الرخاء والسعادة والنعيم والحبور في لذة، كأنما تصبح الأيام ساعات، والساعات دقائق، وتمر الأيام والحياة على أهل الشقاء والبلاء الساعة كاليوم، واليوم كأسبوع، الأسبوع كشهر، والشهر كسنة:
مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيامُ
ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوامُ
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم:٩٨] إن من يقرأ كتاب الله، ويتأمل ما ذكره الله في شأن الأمم التي ملكت وسادت، ثم أهلكها الله وبادت: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣].
أين الملوك ذوي التيجان من يمنٍ وأين منهم أكيال وتيجان
وأين ما ساده شداد في إرمٍ وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ
أتى على القوم أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
هكذا انقضت السنة، وقطعنا من عمرنا ورقة شاملة كما تقطع ورقة من التقويم، وقد ولت مدبرة ولا تعلم ما الذي كتب لك فيها، ولكن ما الأحسن في الخاتمة؟! فإنه حري أن يستدرك ما فات لأن الله قال في شأن التائبين: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠] وبين أيدينا وبالتحديد الإثنين القادم يوم عاشوراء من نعم الله؛ أننا نختم العام بعبادة تكفر ذنوب العام ونبدؤه بعبادة تكفر ذنوب العام، لما سئل ﷺ عن صيام عاشوراء فقال: (يكفر السنة الماضية) نعمة عظيمة أن الله شرع لنا في بداية أعوامنا وفي نهايتها وفي أواسطها، وفي أيامنا وأسابيعنا من الفرص الكفيلة بأن تغسل الخطايا، وترفع الحوب والرزايا، وذلك من عظيم فضل الله ورحمته بعباده، إنه جواد غفور حليم رحيم كريم.
стр. 2804
تعريف النكاح وأهميته
أيها الأحبة! وأعود إلى موضوع هذه المحاضرة ضمن سلسلة الأسرة المسلمة والحديث عن النكاح وآدابه وأحكامه.
النكاح في اللغة يكون بمعنى: عقد التزويج، ويكون بمعنى: وطء الزوجة، فأما ما يدل على أن النكاح يطلق، ويراد به العقد فقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] فهنا قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩] ثم أتبعها بقوله ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فسمى العقد نكاحاً، ويسمى الوطء نكاحاً حيث دل عليه قول الله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] فمعنى تنكح هنا: يعني حتى تعقد عقداً صحيحاً على زوج آخر ثم يدخل بها ويخلو بها ويجامعها ويطؤها، هذا هو المقصود.
دل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة ﵂: (أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي ﷺ فذكرت له أنها تريد أن ترجع إليه بعد أن طلقها رفاعة ثلاث طلقات، وتزوجت بـ عبد الرحمن بن الزبير فقال ﷺ : لا.
حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) يعني: أن يطأها وأن يجامعها، فهنا فائدة أن في النكاح يطلق ويراد به العقد، ويراد به الوطء وهذا جلي واضح.
يقول أبو علي القالي: فرقت العرب فرقاً لطيفاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح بنت فلان فإنهم يريدون عقد الزواج، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته فإنهم لا يريدون إلا الجماع والوطء.
ومعنى النكاح في الشرع: تعاقد بين رجل وامرأة يقصد به استمتاع كل منهما بالآخر، مع القيام بما يترتب على ذلك من الحقوق والواجبات بينهما.
стр. 2805
الترغيب والحث على النكاح في الشرع
ومن هنا نعلم أن مقاصد النكاح عديدة، وليست محصورة فقط في الاستمتاع، بل هناك مسئوليات الرعاية، والقوامة، والنفقة والذرية، والتربية وغير ذلك، ومعلوم لدى الجميع أن الشرع الحكيم قد رغب فيه فإن الله قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] ويقول الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] الأيامى جمع أيم، والأيم هو: من لا زوج له ذكراً كان أو أنثى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
وجاء في السنة الحث على الزواج فقد جاء عن النبي ﷺ فيما رواه عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) رواه البخاري ومسلم.
وهذا أمر وتوجيه صريح بالمبادرة إلى الزواج، بل إنه من سنن المرسلين كما أخبر بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] فعلمنا أن المرسلين كانوا يتزوجون، وأن الزواج من سنن المرسلين، والنبي ﷺ قد قال في معرض رده على أولئك الذين أرادوا التبتل وكأنهم لما سألوا عن عبادة النبي ﷺ تقالوها، فقال أحدهم: (أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الثالث: وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام، فقال ﷺ : أما أنا فآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) إذاً فبإجماع أهل العلم أن الزواج مشروع استناداً إلى هذه النصوص الواضحة.
стр. 2806
الزواج سكن للنفوس
وحكمته أيضاً جلية بينة، فمن حكم الزواج أنه سكن للنفوس كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] ومعنى السكن جلي واضح في مقاصد الزواج؛ لأن في نفس الرجل حاجة لا يكملها إلا سكنه وميله إلى المرأة، وفي نفس المرأة حاجة لا يتمها ولا يكملها إلا ميلها وسكنها إلى الرجل، فذلك معلوم واضح، ولذا ذهب كثير من علماء النفس إلى أن كثيراً من المشكلات النفسية ربما كان علاجها الزواج، بل يخبرني الكثير ممن عرفت من الأطباء النفسيين أن مشكلات كثير من الفتيات والشباب كثيراً ما حلت ولله الحمد بإعانتهم على الزواج المشروع، وتنتهي كل تلك العقد أو الأوهام أو الشرود أو الأفكار أو القلق إلى غير ذلك.
стр. 2807
الزواج سبيل للتكاثر والتناسل
ثم إن الزواج سبيل لتكاثر الجنس الإنساني فوق هذه الأرض، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] وإن عدم الإقبال على الزواج أو عزوف الناس عن الزواج ينعكس بدرجة خطرة على قلة النوع الإنساني، ولذلك يلاحظ أن بعض الدول الأوربية الآن وهي دول هرمة، يعني: يقال: دولة شابة، ودولة هرمة، الدولة الشابة هي التي يكون أكثر من نصف سكانها من الشباب، ولله الحمد والمنة بلادنا هذه تعتبر شابة بالنظر إلى السكان، فإن أكثر من خمسين في المائة من السكان أعمارهم أقل من خمس عشرة سنة كما تقول الإحصائيات.
ولكن ما مستقبل هؤلاء الذين هم نصف السكان، وأعمارهم الآن أقل من خمس عشرة سنة؟! هذا يعتمد على مستوى تعليمهم ووعيهم وإدراكهم، ومستوى تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله، فحينئذٍ يكون شباباً في عز الإسلام والمسلمين، وذلك ما نسأل الله أن يحققه، ونتمناه ونرجوه.
وهناك دول هرمة، وهي التي يكون الغالبية العظمى فيها من العجائز والشيوخ، ويلاحظ ندرة المواليد وكثرة العجائز وكبار السن، ومن هنا لا نعجب يوم أن نلاحظ أن بعض الدول الأوربية لا تتردد في تجنيس ومنح الجنسية لعدد من الجاليات المهاجرة، ليس فقط لتذويب هؤلاء في المجتمعات الغربية، بل وأيضاً من أجل أن يضيفوا إلى السكان شريحة شابة جديدة، خاصة وأنهم يعلمون أنهم من المسلمين الذين همهم ودأبهم العناية بالأسرة، ومن صفاتهم الحرص على التوالد والتناسل، فإذا جنسوا جالية عربية من رجال ونساء وأصبحوا يحملون جنسية تلك البلاد الأوروبية فإن أولادهم لا شك يعيشون ويحملون هذه الجنسية، ثم بعد ذلك لا تسل -إلا من رحم الله منهم- عن حال ذوبانهم وتحويلهم أيضاً إلى عمال مهرة، وخدم يستمرون في خدمة تلك البلاد، وتلك قضية يمكن أن تناقش على حدة، لأن من الأمور الخطرة هي أن النسل المسلم الذي وجد على أرض الغرب من آباء وأمهات مسلمين سرعان ما يذوب في رياح التغيير والمجتمع الغربي، ويتحولون بمكيدة غربية إلى خدم في تلك المجتمعات، يقول واحد من مدراء المدارس الإسلامية في بلجيكا في بروكسل يقول: والله إنا لنلاحظ هؤلاء الغرب كيف يعتنون بأولادنا، ويعطونهم الكثير من وسائل الترفيه والدلال، بل ويعينونهم على النجاح، ولكن بطريقة غير علمية صحيحة، فيمكن من الدراسة في المراحل الأولى والإعدادية، وإذا أوشك أن يبلغ مرحلة الجامعة تُحدي تحدياً واضحاً جلياً؛ حتى يثبت فشله؛ ويخفق في المواجهة، ثم يقولون له: إن مؤهلاتك لا تسمح لك إلا أن تكون عاملاً إما في صيانة أو في بناء أو في تبريد، أو في أي أعمال الخدمات الفنية والمهنية؛ ليظل أبناؤهم وحدهم هم الذين يعرفون أسرار الاختراع والتقنية والابتكار والاكتشاف، وأما أبناء المسلمين فلقد خدموهم إلى الدرجة المناسبة؛ ليكونوا عمالاً مهرة ليضمنوا استمرار إنتاج المصانع الغربية، ولذا من المؤسف أن بعض المسلمين حينما يذهب ليمكث في بلاد الغرب سنتين وثلاث من أجل تحسين مستوى الدخل، ثم العودة إلى بلاده، سرعان ما يغير قراره، ثم يمكث عشر سنوات وعشرين سنة، وينجب أولاداً، فإذا أراد أن يعود إلى بلده الأصلي رفض أبناؤه وقالوا: لن نبرح هذه الأرض، ولن نغادرها بأي حال من الأحوال.
стр. 2808
أهمية الزواج لرعاية الأولاد
من حكم الزواج: رعاية الأولاد، هذا النشء الذي يتحقق بإذن الله من وجود هذين الزوجين، فإن رعايتهم تكون في ظل أسرة سعيدة قد بنيت على الود والاحترام والمحبة والتكافل، والمرأة قائمة على هذا الدور العظيم الذي لا يعوضه الكثير من دور الحضانة أو الملاجئ أو غير ذلك، ولذا فإن امرأة تحدب ظهرها وتحني صدرها، وتكرس جهدها وحياتها لتربية أولادها، مهما كان العرض المغري في الوظيفة والمرتب فإن ذلك أعظم من أن تشغل نهارها مولعة بوظيفة وتسميها: السلاح! السلاح! السلاح! إن إحصائية قد ظهرت منذ أيام في إحدى الصحف تقول: أكثر العوانس من الموظفات، ولماذا؟ لأن التعلق بهذه الوظيفة والشروط التي تمليها بعض النساء لأن عندها سلاح المال الذي ربما أطغى بعضهن: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] وشروط بعض النساء في ظل الوضع المالي الذي تعيش فيه من دخلها أو مرتبها جعلها تملي شروطاً قد لا يقبل بها الكثير من الأزواج، ومن ثم مرت السنون تلو السنين وربما فات بعضهن القطار، وربما أدركت بعضهن الرحلة قبل المرحلة الأخيرة أو قبيلها بقليل، هذه مسألة ينبغي أن تنتبه لها المرأة المسلمة.
تخيل أن أم أولادك عرض لها وظيفة بثمانية آلاف ريال، وفي المقابل عندك خمسة أطفال صغار يحتاجون إلى الرعاية والعناية، أنت لو تتأمل مقدار ما تحتاجه من المال والجهد والوقت لتعطيهم نصف ما تعطيه الأم لهؤلاء، لم تجد ما تنفقه عليهم ولو بلغ عشرة آلاف أو خمسة عشر ألفاً، إذاًَ فصرف وقت المرأة زوجة وأماً على أولادها هو في الحقيقة عملية اقتصادية، وعملية تربوية، وتلك أخطر عملية لبناء الرجال، وصناعة الأجيال، من أهم المهمات التي غفل عنها كثير من النساء، وكثير من العاملات اليوم منذ أن تصبح وهي تظل ساعة أمام المرآة في إحسان هندامها، ومظهرها، وهيئتها، وعطرها، أو شيء من ذلك، ثم تتوجه إلى عملها، فالطفل المسكين محضون عند الخادمة، ينمو ويتربى أعجمياً لا يعرف النطق، الأطفال الذين يعيشون مع أمهاتهم ينطقون في السنتين، يبدءون يتكلمون ويرتبون الجمل، وهذا ربما بلغ السنة الثالثة وهو لم يستطع أن يتكلم بعد ولم يرتب جملة؛ لأنه دائماً مع الخادمة التي هي أيضاً مسئولة عنه بماذاً؟ بالغسيل واللباس وحاجات المنزل، وكلما هنالك إذا سمعت صوته جعلت رضاعة الحليب في فمه، وإن كبر قليلاً فإن التوجيهات المبلغة بها سلفاً قبل مغادرة صاحبة السعادة ربة المنزل، قبل توجهها إلى عملها أن إذا قام ضعي الحليب، وأعطيه هذه المأكولات، وجهزي له الفيديو، والشريط جاهز لأفلام الكرتون وأشغليه بذلك، وأدخليه في غرفة الألعاب، ذلك أقصى ما تقدمه الخادمة لهذا الطفل.
لكن الزواج الذي من مقاصده المحافظة على الذرية، المحافظة على الأولاد، وتربيتهم، وتكوينهم، وتنشئتهم، ذلك من أهم المقاصد العظيمة الجليلة التي ينبغي أن نهتم بها، ومهما وجد في مختلف أنحاء العالم من ملاجئ ومحاضن ترعى شئون الأطفال، فإن ساعة من الأم أعظم من أيام خادمة أو مربية.
стр. 2809
استمتاع الزوجين ببعضهما
كذلك استمتاع الزوجين ببعضهما من المقاصد الواضحة الجلية في هذا، لأن الله قد خلق في الرجال ميلاً إلى النساء، وخلق في النساء ميلاً إلى الرجال، بل جعل ذلك مما حبب إلى النفس البشرية بطبيعتها الغريزية الفطرية قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] فميل الرجال للنساء، وميل النساء للرجال أمر جبليٌ، والنبي ﷺ قد جاء عنه أنه قال: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة).
أيها الأحبة! والزواج قد يكون واجباً وجوباً متعيناً على المستطيع القادر الذي بدونه ربما وقع في المعصية والفاحشة، فمثل هذا آثم بترك الزواج والنكاح، وهذا ملاحظ للأسف عند طائفة من الشباب، ترى الواحد منهم قادراً مستطيعاً، وترى الواحد منهم يعاني من مكابدة ومعالجة شهوة متأججة، ومع ذلك يؤجل هذا النكاح ويؤخره، ولا تسل بين الفينة والأخرى عما يقع فيه من هفوات وزلات وفواحش وآثام يرتكبها بحجة العلاقة، وبحجة الصداقة، فمثل هذا الشاب القادر الذي نفسه راغبة مقبلة، وإمكانيته والباءة مكتملة، من جهته المادية والبدنية فإنه آثم بتأجيل الزواج وتأخيره، بل يجب عليه وجوباً متعيناً أن يبادر به سيما إذا علمنا أن عدم مبادرته سبيل محقق إلى وقوعه في الفاحشة.
ومن أعظم المخاطر التي وقع فيها كثير من الشباب في ظل هذه القنوات الفضائحية -ليست الفضائية بل الفضائحية- حيث لا تسل عن ألوان وحركات وأصوات وطرق وأساليب إغراء الشباب بالفاحشة، من خلال عرض الفتيات الجميلات الكاسيات العاريات، بل بصور في مواقع مؤججة للغريزة، كاسرة للعفة والحياء، ثم يقع بعضهم ضحية هذا المشهد؛ لينفذ ما رأى؛ متأثراً بسماع هذا الغناء المتكسر، أو كما يسمى بالفيديو (كليب) أو فيديو كلب، الحاصل أنه تتأجج غريزته، ويرى هذه الجميلة الحسناء تتكسر، وهذا يلاحقها ويغازلها، وهي تقبل تارة وتدبر، وتغضي تارة وتفضي، إلى غير ذلك ثم لا يجد أمامه إلا أن يفعل الفاحشة مع قدرته على الزواج الذي يحصنه، مثل هذا آثم آثم آثم بتركه الزواج وهو يعلم أن مثله يقع في الفاحشة -سيما كما قلت- والكثير من الشباب لا يزال يجلد بسياط الصوت والصورة والكلمة عبر هذه القنوات الفضائحية.
كذلك من كان قادراً على الزواج ويستطيع القيام بالحقوق، ولكن لا يخشى على نفسه أن يقع في فاحشة لو لم يتزوج فنقول: وهذا يتأكد الزواج في حقه تأكداً واضحاً جلياً، لكن ليس على درجة الوجوب المتعينة على الأول الذي يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة، لماذا؟ لما في الزواج من مصالح ومنافع وحكم ذكرناها، وأما الذي لا يخشى على نفسه وهو في ذات الوقت غير قادر على أن يقوم بحاجات المرأة العامة والخاصة وغير ذلك فمثله لا ينبغي له أن يدخل في دائرة هو ليس في حاجتها، وهو أيضاً عاجز عن القيام بالحقوق والواجبات، بل ربما يغلب على ظنه أن يوقع المرأة في فتنة بسبب ارتباط هذه المرأة برجل لا يقوم بحقوقها ولا واجباتها العامة والخاصة.
стр. 2810
الخِطبة وآدابها
من آداب النكاح: الخِطبة، وهي بالكسر، والخُطبة بالضم: هي ما يلقى على هذا المنبر من خطبة الجمعة، أما الخِطبة فهي: اختيار المخطوبة أو الزوجة وطلبها من أهلها بقصد الزواج ونكاحها على سنة الله ورسوله.
ومن نعم الله أن شرع في هذه الخطبة من الآداب التي تحقق الرضا والاختيار والطمأنينة، وكذلك تؤمن من غائلة عدم الانسجام والاتفاق وغير ذلك.
стр. 2811
النهي عن الخطبة على الخطبة
لكن هنا آداب حتى في مسألة الخطبة فمنها: ألا يخطب مسلم على خطبة مسلم آخر، فلو علمت أن فلاناً خطب بنت فلان، فلا يجوز لك أن تطرق بابهم لتخبطها حتى تعلم أنهم قد فرغوا من شأنه وردوه وليس لهم في تزويجه رغبة، فحينئذٍ فتح لك الباب في أن تتقدم لتخطبها، أما أن يتقدم أحد إخوانك ليخطب هذه المرأة وإن كانت جميلة أو حسيبة أو نسيبة أو غير ذلك ثم تأتي أنت لتنافس وتقول: أنا أولى، فلان لا يستحق، أو ليس أجدر بذلك إلى غير ذلك، فإن ذلك لا يجوز أبداً، فالنبي ﷺ قال: (ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه).
стр. 2812
مشروعية النظر إلى المخطوبة
ثانياً: من آداب الخطبة النظر إلى المخطوبة بما يدعو إلى النكاح، والنبي ﷺ قد قال للمغيرة بن شعبة لما خطب امرأة قال: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) منذ زمن ليس بالبعيد كان الرجل يدخل على زوجته وقد خطبت له من قبل دون أن يراها، وكانت الفتاة لا تعلم بأن زواجها قد دنا إلا عشية ليلة الزواج، يعني: في العصر أو المغرب، وكأنما هي قد جرت لينفذ فيها حكم من الأحكام، ولذلك لا تسل عن حالة الرعب والخوف والقلق الذي يصيب الفتيات فيما مضى، أما الآن فقد تثقف الناس وتعلموا واطلعوا وعرفوا، بل وأصبحوا يطيلون الغناء والأماني بانتظار هذه الساعة لما علموا ولما تيسر لهم من هذه المسائل.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) رواه الإمام أحمد وأبو داود.
стр. 2813
أهمية اختيار ذات الدين
وينبغي لمن أراد أن يخطب فتاة أن يحرص على أمور أهمها مسألة الدين، فإن النبي ﷺ قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) متفق عليه، وذلك لأن من خطب امرأة لأجل مالها فإن المال قد يذهب، ومن خطبها لأجل جمالها فإن الجمال قد يذبل، ومن خطب امرأة لأجل حسبها فربما انقلب الحسب ترفعاً وأذية وتكبراً من قبلها عليه، ولكن إذا تزوج امرأة ذات دين أولاً، ولا يمنع بعد أن يحرص مع الدين على المال والحسب والجمال، وليس بعيب أن يتزوج رجل فقير امرأة غنية طمعاً أن تنفق عليه، فليس هذا فيه بأس، وليس هذا مما يعير به، لكن نسأل الله أن يعينه على ما سوف تعيره هي به.
وليس عيباً أن يتزوج رجل امرأة طمعاً في جمالها فإنه من مقاصد الرجال ومطالبهم أيضاً في النكاح، ولكن الحرص على ذات الدين أمر مهم؛ لأن دينها بإذن الله يحفظها، ويحفظ قلبه عن الشكوك والوساوس حيالها أو بشأنها.
إن من الناس من يتزوج خضراء الدمن، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء، فإذا غاب عنها واتصل على بيته أو رأى سيارة تحوم حول داره، أو رأى رجلاً قد وقف قريباً من بابه اشتعلت نار الشك في بابه، وأخذ يلقي بالاتهامات والشكوك إلى حدٍ ينتهي بحياته معها إلى الطلاق، ولكن إن تزوج ذات الدين على ما يطمع فيه الرجال من الجمال وغير ذلك، فإنه وإن غاب عنها طويلاً فلن يخالجه شكٌ في عفافها، ولن يحوم في نفسه ريبٌ حول طهارتها، ولو انشغل خط هاتفه فلن يقول له الشيطان: إن زوجتك تعاكس، ولو رأى سيارة وقفت بالقرب من الباب فلن يقول كلاماً كهذا، أو حينما يرى رجلاً قريباً من الدار، ذلك من الأمور المهمة في شأن من تزوج امرأة ذات دين.
وبالمناسبة فاحفظ الله يحفظك، من كان حريصاً على حفظ نفسه عن محارم الناس فإن الله يحفظ محارمه عن الناس، أما من ولغ في الأعراض فهو على خطر أن تلغ الكلاب في عرضه، وإن كان هذا لا يتعارض مع قول الله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ولكن في الغالب أنه من حصل منه الجرأة على أعراض الناس، ففي المقابل يقع منه التساهل الذي يفضي بجرأة الناس على محارمه.
من يزن يُزنَ به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهمِ
إن الزنا دينٌ فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ
من قد زنا يوماً بألفي درهمٍ في بيته يزنى بغير الدرهمِ
أي: بالمجان والعياذ بالله، فينبغي أن ينتبه الإنسان، وليحرص على المرأة المعروفة بالدين، وألا يتنازل عن شرط الدين، وشرط العفة والحياء انهياراً أمام قضية الجمال، ذلك أمرٌ مهم، والنبي ﷺ قال: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) رواه الإمام مسلم وأحمد.
стр. 2814
الحث على اختيار البكر
ومما يندب للشاب أو الرجل أن يتزوج فتاة بكراً، فإن النبي ﷺ قال: (عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير) رواه ابن ماجة، وليس في هذا تحذير من نكاح الثيبات فإن الله قد قال لنبيه: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ [التحريم:٥] إلى قوله ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم:٥] فذكر الثيبات قبل الأبكار، وللثيبات من المزايا، وللأبكار من المزايا، من أراد أن يطلع عليها مفصلة فليراجع مقامات الحريري البصري، فإنه أودعها في مقامة جميلة لطيفة مفيدة، ونسأل الله للجميع التوفيق.
стр. 2815
الحرص على المرأة الولود
وكذلك قول النبي ﷺ : (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم) رواه أبو داود والنسائي.
فأيضاً أن يحرص على امرأة ولود لعل الله أن يرزقه منها ذرية، وقد يكون للرجل ذرية ولكنه بحاجة إلى امرأة، أي: قد يكون له ذرية وقد انقطع استمتاعه بها لمرضها ولظروفها ولأحوالها، وهو أيضاً لا يزال يحتاج إلى امرأة يسكن إليها، فحينئذٍ لو وجد امرأة عقيماً يجد سكن نفسه عندها فلا بأس أن يتزوجها، يعني: ليست هذه المواصفات تحذيراً مما سواه، بل ربما يؤجر البعض في زواجه بامرأة ثيبٍ ذات أولاد، أرملة ترعى أيتاماً وله من الأجر العظيم أضعاف أضعاف ما يناله من اختار بكراً عملاً بالحديث: (تزوجوا الأبكار) لأن هذا الذي تزوج أرملة ذات أيتام له أجر كما قال ﷺ : (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله -وأحسبه قال-: كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر) وذلك من الأمور الجليلة.
قد يوجد بعض الناس عنده من الذرية ما فيه البركة، ولكنه علم أن امرأة أم أيتام، وبقيت منقطعة لا يوجد من يكفلها، ولا يوجد من يرعاها، وقد توفي والدهم فحينئذٍ يؤجر غاية الأجر أن يتزوجها ولو لم يرد منها ذرية، وإنما غاية أنسه بها مع سكنه إليها أن يكفلها ويرعاها، وأن يرعى أيتامها؛ حتى لا يتشرد أولادها في الشوارع، أو أن يستغل أحد الطامعين حاجتهم ليسخرهم في مقاصد بذيئة نتنة خبيثة تحت وطأة حاجتهم، أو أن تذل أمهم بأن تعرض عليها الفاحشة تصريحاً أو تلميحاً في ظل حاجتها، والفقراء اليوم كان الله في عونهم في كل مكان، ذلك أن الفقير تتجدد معاناته إذا حل موعد دفع الإيجار، وتتجدد نفس المعاناة إذا حل موعد دفع القسط الثاني، وتتجدد المعاناة في بداية العام الدراسي حال البحث عن الحقيبة والكراريس والمساطر والأوراق والدفاتر، وتتجدد المعاناة حينما يدنو فرح الناس بأعيادهم، وهؤلاء لا يوجد من يشتري لهم جديداً أو على الأقل يقدم لهم شيئاً يسترهم، ويخفي هذه الثياب والرقاع البالية التي يلبسونها، إذاًَ إذا قصد رجلٌ إلى الزواج بهذا المقصد، قد أكون أنا لا رغبة لي في الولد لكن أرغب أن تسكن نفسي؛ لأن أم أولادي غير قادرة على القيام بحاجاتي وحقوقي الخاصة، وفي نفس الوقت لم يكن أنانياً ليجعل قصده لذة نفسه بل جعل معها مقاصد شريفة من كفالة أرملة وأيتامٍ ورعايتهم، فإنه يكون بإذن الله ممن يؤجرون أجراً عظيماً.
على أية حال الحرص على المرأة الصالحة سواءً كانت بكراً، أو كانت ثيباً، أو كانت عقيماً لمن أراد أن تسكن نفسه عندها، أو أراد أن يتزوجها ويتزوج من بعدها، فالضابط في ذلك مسألة الصلاح، والنبي ﷺ لما سئل: (أي النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله).
стр. 2816
شروط عقد النكاح
ثم بعد ذلك إذا انتهت مسألة الخطبة، وزفت البشارة إليك بموافقة أهل هذه العروس، بأنها قد وافقت ورضيت وقبلت، فتبدأ الاستعدادات لعقد النكاح، ولا بد أن نعرف أن عقد النكاح قد سماه الله ميثاقاً غليظا، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء:٢١] هذا الميثاق لن يكون إلا بعقد النكاح، ولا ينبغي أن يتهاون بشأنه، ولذا جعل له جلالة وقدراً ومكانة، فيحضره الولي والشهود، وكما سيأتي يكون فيه الإعلان بعد العقد، وتتقدمه خطبتا النكاح والحاجة، كل ذلك مما يؤكد على أهمية هذا الأمر.
стр. 2817
من شروط عقد النكاح رضا المرأة
ويشترط في هذا العقد الرضا، وهو أمر لا بد منه، فلا يجوز أن يكره الرجل على المرأة، ولا يحوز أن تكره المرأة على الرجل، وقد قال النبي ﷺ : (لا تنكح الأيم حتى تستأمر) تستأمر: يُطلب أمرها، يعني هل نزوجك؟ أتقبلين بفلان زوجاً؟ أو تقول: زوجوني فلاناً، تستأمر يعني يطلب أمرها، يسمع أمرها فتقول: نعم زوجوني فلاناً: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت) الأبكار في الغالب يغلب عليهن الحياء، فربما إذا قيل: يا بنية! لقد تقدم لك رجلٌ صالح ومن الأخيار، فسكتت أو هربت أو ذهبت أو غطت وجهها أو غير ذلك فهي من دلائل الرضا، يعني: صمتها دليل على الرضا، لكن لو قلنا للثيب: تقبلين بفلان زوجاً أو نزوجك فلاناً ثم سكتت، فإن سكوت الثيب لا يدل على الرضا، بل لا بد أن تستأمر ولا بد أن تقول: نعم زوجوني فلاناً، أو أقبل به، وذلك أمرٌ جلي.
فالنبي ﷺ نهى عن تزويج المرأة بغير رضاها سواء كانت بكراً أم ثيباً، إلا أن الثيب لا بد من نطقها بالرضا، أما البكر فسكوتها كافٍ لأنها تستحي.
стр. 2818
من شروط عقد النكاح وجود الولي للمرأة والشهود
من شروط عقد النكاح الرضا، وكذلك لا بد من الولي، فلا يصح النكاح بدون ولي لقول النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) فلو زوجت المرأة نفسها بغير ولي فجمهور أهل العلم على أن نكاحها باطل، وكذلك لابد من الشهود لقول النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) وهذا يدل على وجوب الإشهاد والإشهار وأقل ذلك شاهدا عدل، هذه مسألة مهمة، ومسألة المأذونية هي لغرض ترتيب وتوثيق العلاقات، وتوثيق العقود والشهود من أجل التأكد من أنه ليس بين الزوجة والزوج من أمور محرمة للصلة والعلاقة بينهما، فإذا شهدا على ذلك، وعلم أن ليس بينهما من رضاعة أو قرابة نسبٍ مما يمنع من كون أحدهما زوجاً للآخر فلا بد من ذلك، ويصح للإنسان أن يزوج نفسه يعني: ليس المأذون شرطاً في صحة عقد النكاح، فلو أن رجلاً في مجلس قال لك: زوجتك ابنتي، وقلت: قبلت هذا النكاح ورضيت به، وشهد على ذلك شهودٌ فإن النكاح صحيحٌ وينعقد، وتجب به الأحكام المترتبة عليه من التوارث والمحرمية؛ لأن عقد النكاح هو عقد الزوجية الصحيح، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة.
فلا بد أن نفهم ذلك وأن نعلمه لأنه في بعض الأحيان ربما الناس يقعون في مشكلة صعبة، ويقولون: الزواج الليلة وما عندنا أحد يملك، ولا عندنا مأذون، مع أن جميع الشروط متوفرة -مثلاً- فليس هناك مشكلات نظامية في التزويج، هذا من نفس البلد أو من نفس القرية أو من نفس القبيلة أو من نفس الأسرة، وربما المأذون تأخر عليهم فيظنون أنهم لا بد أن يؤجلوا ويخسروا نفقات حفلتهم تلك الليلة؛ لأن المأذون لم يأت، والصواب أن يأتي الولي يقول: زوجتك فلانة، ويأتي الزوج ويقول: قبلت نكاحها، ويشهد الشهود على ذلك، وبذلك يكون قد انعقد النكاح، ولو مات أحدهما بعد دقيقة من هذا العقد ورثه ولزم كل الحقوق المترتبة بينهما، وذلك مما يؤكد الميثاق الغليظ في مسألة وشأن الزوجية.
ومن الطرائف التي ذكرت أن أحد الشباب كان مشتاقاً إلى الزواج، وكان في جلسة عقد النكاح، فكان المأذون يقول للولي: يا فلان! قل لهذا الشاب زوجتك بنتي فلانة بنت فلان على مهر قدره كذا ثم التفت المأذون وقال: يا فلان! قل قبلت هذا النكاح ورضيت به، قال: (أوكّي) شيخ، (أوكّي) شيخ، قال: يا حبيبي! قل: قبلت هذا النكاح ورضيت به، يعني: كلمة (أوكي) يا شيخ لا ينعقد بها النكاح، الإجابة والقبول زوجتك، وقبلت، أما (أوكّي) يا شيخ فإن هذا لا يصلح، لا بد أن ننضبط بالألفاظ الدالة على الإيجاب والقبول.
стр. 2819
من شروط عقد النكاح الصيغة
فلا بد أن نفهم ذلك وأن نعلمه لأنه في بعض الأحيان ربما الناس يقعون في مشكلة صعبة، ويقولون: الزواج الليلة وما عندنا أحد يملك، ولا عندنا مأذون، مع أن جميع الشروط متوفرة -مثلاً- فليس هناك مشكلات نظامية في التزويج، هذا من نفس البلد أو من نفس القرية أو من نفس القبيلة أو من نفس الأسرة، وربما المأذون تأخر عليهم فيظنون أنهم لا بد أن يؤجلوا ويخسروا نفقات حفلتهم تلك الليلة؛ لأن المأذون لم يأت، والصواب أن يأتي الولي يقول: زوجتك فلانة، ويأتي الزوج ويقول: قبلت نكاحها، ويشهد الشهود على ذلك، وبذلك يكون قد انعقد النكاح، ولو مات أحدهما بعد دقيقة من هذا العقد ورثه ولزم كل الحقوق المترتبة بينهما، وذلك مما يؤكد الميثاق الغليظ في مسألة وشأن الزوجية.
ومن الطرائف التي ذكرت أن أحد الشباب كان مشتاقاً إلى الزواج، وكان في جلسة عقد النكاح، فكان المأذون يقول للولي: يا فلان! قل لهذا الشاب زوجتك بنتي فلانة بنت فلان على مهر قدره كذا ثم التفت المأذون وقال: يا فلان! قل قبلت هذا النكاح ورضيت به، قال: (أوكّي) شيخ، (أوكّي) شيخ، قال: يا حبيبي! قل: قبلت هذا النكاح ورضيت به، يعني: كلمة (أوكي) يا شيخ لا ينعقد بها النكاح، الإجابة والقبول زوجتك، وقبلت، أما (أوكّي) يا شيخ فإن هذا لا يصلح، لا بد أن ننضبط بالألفاظ الدالة على الإيجاب والقبول.
стр. 2820
الآثار المترتبة على النكاح
стр. 2821
وجوب المهر على الزوج
ويترتب على النكاح آثارٌ كثيرة منها: وجوب المهر فلا بد أن يسمى في العقد، وهذا أفضل حتى لا يطول النزاع بين الزوجين في حالة طلب الفسخ والخلع، ويقال: زوجتك فلانة على مهر قدره عشرة آلاف ريال أو عشرين ألف ريال فهذا طيب، لكن للأسف بعض الناس ما أسهل الدخول معهم، وما أشد وأعسر التخارج والخروج منهم، في الدخول كم المهر؟ ريال وشيمة رجال، طيب يا أخي كم المهر؟ ريال وشيمة رجال، تمر سنة وسنتان فيقع بينهم مشكلة كم المهر؟ والله مهر بنتنا مائة ألف ريال أين شيمة الرجال؟ وأين الكلام الأول؟ وأين الريال؟ وأين السوالف؟ كلها ذهبت لأنهم في البداية لم يحددوا ذلك.
على أية حال إذا اختلف في مهر من لم يسم مهرها ولم يحدد فالمرجع في ذلك إلى مهر المثل، بأن ينظر إلى أمثالها من النساء كم مهرها؟ فإن كان مهر مثلها عشرين ألفاً فيعطى لهذه المرأة قدره عشرون ألف ريال من غير مغالاة ولا بخس، أما أن تبخس أو يغالى في ذلك فلا يجوز، وهذه قاعدة في تحديد ما لم يسم عند التعاقد، لو استأجرت أحداً يبني هذا الجدار، فبنى الجدار وانتهى، ثم قال لك: أعطني أجرتي ألف ريال، قلت له: أجرتك خمسمائة، نحن ما اتفقنا على ألف، وقال هو: نحن ما اتفقنا على خمسمائة، فالمرجع في ذلك إلى أجرة المثل في البناء، كذلك الزواج إذا لم نتفق على المهر فالعبرة بمهر المثل، وقس على ذلك سائر العقود حينما لا يسمى العوض في العقد فالعبرة فيه بسعر المثل.
ومما ينبغي أن نعلمه أن المهر حق للمرأة، خلافاً لما يفعله بعض الآباء هداهم الله، يضع المهر في جيبه ثم يقول: هذا المهر لي أنا، وأنت صلح زوجتك ودبرها، ثم يبدأ هذا المسكين من جديد لينفق فوق ما أنفق على إعداد البيت وتهيئته، لينفق عليها من جديد في اللباس والطيب والذهب والحلي، وأين المهر؟ ذهب المهر للأب الجشع الطماع ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالله قد أضاف الصداق إلى النساء إضافة تمليك فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] فأضاف الصداق إلى المرأة، فلا يجوز لأحد أن يأخذ مهرها كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] لنعلم أن الصداق هو من حق الزوج.
أتى هذا الشاب بخمسين ألفاً وقد استدان من الشركات سيارات بالتقسيط، وفعل الأفاعيل حتى يحصن نفسه، ثم بعد ذلك تحفر له خندقاً من الدين والعسر والضيق لا يخرج منه، بل لو كان الولي عاقلاً لأعان زوج بنته، إن من العقلاء من يختار الزوج ويعطيه المهر ويعينه ويحرص على ما يحقق سعادته؛ لأنه يعلم أن ذلك ينعكس على سعادة ابنته معه، أما ما يفعله بعض الجشعين الطماعين فلا يبالي، يقول: ليس من شأني أن يكون سعيداً معها، وإن شاء الله يأتي زوج ثاني ويأتي الله برزق، فهو مستعد أن يمارس العملية مرات ومرات، المرة الأولى: استفاد من هذا سيارة، والمرة الثانية: استفاد من هذا أربع رشاشات، والمرة الخامسة: أخذ من هذا مضاد طائرات، والسابعة: أخذ من هذا مدفعية ميدان خمسة وسبعين، وهلم جراً، يعني: ما عنده مانع أن تطلق مرتين وثلاث؛ لأنه يعلم أنه في كل عقد سوف يبتز الزوج بشيء يخص به، وينحل له وحده دون هذه الفتاة المسكينة، ومن هنا نؤكد على مسألة التحذير من المغالاة في المهور؛ فإنه أمر خطير؛ ويسبب حرمان الفتيان والفتيات من الزواج، كم من الفتيات تود أن تتزوج ولو على ألف ريال، ولكن تكبر أهليها أو غطرستهم، أو نظرتهم إلى الناس باحتقار ودون، منعت من أن يبلغ إليهن الخاطبون والراغبون، وظلت الفتيات محرومات، بل إن بعض الفتيات لما وجدت الزوج الصالح وهي موظفة أرسلت مع ثقة من الثقاة مالاً جمعته من راتبها وقالت: خذ وأعطه هذا المال وقل له: يقدمه مهراً لوالدي، وفيما بعد نحن نتفق على التقسيط والتسديد، وربما تتنازل دفعة واحدة إن صلحت الحال بينهما، إذاً ينبغي أن نحذر من ذلك.
فقلنا: يترتب على النكاح -أيها الأحبة- آثار منها المهر الذي يسميه العوام الجهاز أو الصداق، وكما قلنا ينبغي عدم المغالاة في المهور لقول النبي ﷺ : (خير النكاح أيسره) رواه أبو داود، ومعناه: أقله مؤنة وأسهله؛ لأن التكلف في المهر من أسباب شقاء الزوجين، فشقاء الزوجين في سداد ما جمع من المهر إن كان استدانة، أو استكثاره ما بذل على المرأة، ومن ثم عدم تسامحه ولطفه، وعدم رحمته بالمرأة يجعله يريد منها أن تسدد بكل ذل وخضوع وانكسار لهذا الزوج ما بذله من المال، وكأنه اشتراها، والمهر هو نحلة وهدية وعطاء وليس قيمة للمرأة، يظن البعض أن المهر هو السعر للمرأة، فإذا قيل لبعضهم: والله زوجت ابنتك على صداق كم مقداره؟ قال: والله زوجت ابنتي على عشرة آلاف يقول: أترضى أن تكون قد بعت ابنتك بعشرة آلاف؟ من الذي قال: إن المهر سعر البيع؟ لا المهر بطاقة جمركية، ولا سعر البيع، ولا سعر الجملة، هو شيء من المال للاستمتاع بالمرأة، وما تحتاج إليه في تجهيز نفسها، لكن لا يظن أن هذا المهر في الحقيقة هو قيمة أو عوضٌ عن نفسها.
وتصاعدت المهور، ومغالاة الناس في المهور في هذا الوقت كما قلت من الأسباب التي عطلت الزواج، وعطلت شئون النكاح، والواجب على الجميع أن يتناصحوا في ذلك، وإن ما نراه من تأخر زواج الفتيات والشباب، ووقوع كثير من الشباب في الفواحش والمنكرات، في تغطية وتلبية حاجات النفس البشرية، والغريزة الفطرية، هو المغالاة في المهور ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 2822
النفقة للمرأة على الزوج
كذلك من الآثار المترتبة على النكاح النفقة، فعلى الزوج أن ينفق على زوجته بالمعروف طعاماً وشراباً وكسوة وسكناً، فإن بخل بشيء من الواجب فهو آثم، ولها أن تأخذ من ماله بقدر ما يكفيها ولو استدانت ما يكفيها لزمه الوفاء.
стр. 2823
ثبوت المحرمية بالمصاهرة
ومن الآثار المترتبة على النكاح: المحرمية، فإن الزوج يكون محرماً لأمهات زوجته، وجداتها وإن علون، ويكون محرماً لبناتها، وبنات أبنائها، وبنات بناتها وإن نزلن، وهذه مسألة نضبطها بهذه القاعدة اليسيرة: مجرد العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات، فلو أن رجلاً عقد على فتاة عقداً ولم يدخل بها فإننا نقول: إن مجرد العقد على هذه الفتاة وإن لم تدخل بها يجعلك محرماً لأمها، وتحرم أمها عليك، ولو أن رجلاً عقد على أم ثم لم يدخل بها، ثم بعد ذلك أراد أن يتزوج ابنتها فنقول: يجوز لك ذلك لأن العقد على الأمهات لا يحرم البنات، لكن لو أن رجلاً تزوج الأم فماذا يكون شأن البنت؟ لا شك أنها تحرم عليه، ويكون محرماً لها، وذلك أمر معلوم.
وكذلك مما يترتب في شأن المحرمية أن الزوجة تكون من محارم آباء الزوج وإن علوا، وأبنائه وإن نزلوا.
стр. 2824
ثبوت التوارث بين الزوجين
ومن الآثار التي تترتب على النكاح: الإرث، فمتى عقد شخص على امرأة بنكاح صحيح فإنه يجري بينهما التوارث، والله قد أخبر بذلك بقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢] وقال سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء:١٢] طبعاً مع التفريق في حال وجود الفرع الوارث وعدمه.
стр. 2825
ذم الإسراف في الزواج
من الأشياء المهمة التي ينبغي أن ننتبه لها مسألة الإسراف في حفلات الزواج، نحن نلاحظ اليوم أن هناك تفنناً في الإسراف، فالبطاقات إسراف وأشكال وألوان وخيال، والفساتين والملابس إسراف وأشكال وألوان وخيال، ويحضر فنان أو فنانة، ويؤلفان أغنية أو قصيدة في اسم الزوج واسم الزوجة؛ ليحيوا ليلة من الغناء بمبلغ وقدره في عزف وزمر ولهو وطرب، وضياع للواجبات والفرائض، يسهرون ويضيعون صلاة الفجر إلى غير ذلك، ثم يقولون: سبحان الله! فشل الزواج!! فشل لأنه بدأ بمعصية الله، فشل لأنه بدأ بصفات إخوان الشياطين وهم المبذرون ولا حول ولا قوة بالله! قيمة البطاقات التي بلغت خمسين ألفاً أو أربعين ألفاً عند بعض الأسر كم يتيماً يُكفَل مقابل هذه البطاقات التي زخرفت وزينت؟! ألا يكفي الناس أن ترسل لهم ورق (
الجواب
٤) عادي، وتبلغهم برسالة عادية أو على الفاكس أو على أي شيء أن الزواج قد يعقد في اليوم الفلاني، وحيا الله الحضور، وانتهى الأمر؟ ألا يكفي الهاتف؟ لماذا الحرص على إبلاغ الناس كلهم؟ يكفي الأقارب أو المقربون وهذا كاف، لكن للأسف إسراف في البطاقات، وإسراف في صالة الأفراح، تجد بعض الصالات تستأجر بمائة ألف ولو وقف إخوان وقالوا: يا إخوة! لدينا أيتام مساكين ومشردون أعطونا عشرة آلاف نكفل عشرة أيتام سنة كاملة، عشرة أيتام نكفلهم ونحفظهم بإذن الله عن التنصير والفقر والجهل والمرض، وعن الفساد والانحراف، لقال: اذهب يا أخي ما نكد نحن إلا على فقراء، لكن الصالة بمائة ألف لا بأس أن يبذل، أخبرني أحدهم في زواج من الزيجات أحضر الفنان والفنانة بستين ألف ريال في إحدى صالات الفنادق، ولو وقف الفقراء على باب هؤلاء وقالوا: أعطونا ربع هذا المبلغ من أجل أن نسد به حاجة، أو نسد به رمقاً، أو نستر به أسرة لما وجدتهم يبذلون مالاً بنفس سخية، فالإسراف الذي وقع فيه كثير من الناس اليوم في مسائل الزواج كان من أسباب الفشل، فساتين فستان الليلة الأولى بثلاثين ألفاً، وبعشرين ألفاً، والفتاة لا تلبث أن تحمل بعد ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر فإذا تغير بدنها لظروف الحبل والولادة بعد ذلك لا يستفاد من هذا الفستان فماذا نفعل بهذا الفستان؟ قال: اتركوه للذكرى، ويعلقونه كأنه (أبو الهول) في الحجرة، والله هذا فستان فرحنا، وعندما يقع بينه وبينها مشكلة يقول: اليوم الذي شفت عليه هذا الفستان هو يوم الشقاء ويوم النكد، الله لا يعيد هذا الفستان ولا من فصَّله، ثم يصبح سبباً لتذكر بعض المآسي أو بعض المصائب أو مما يحقق ذلك.
стр. 2826
التهنئة مشروعيتها وصيغتها
أخيراً التهنئة بالزواج والدعاء للزوج، يسن أن يهنأ الزوج بما جاءت به السنة أن يقال له: بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، فهذا من الدعاء بالبركة، وهنا مسألة: لماذا اختير هذا الدعاء؟ الشارع لا يختار العبارات جزافاً أو عبثاً، بل يختارها بعناية، لماذا خصت البركة في الدعاء؟ لأن البركة إذا تحققت حصلت المنفعة بإذن الله ، كم من أناس عندهم أموال طائلة لكن الله لم يبارك لهم فيها، فلم ينتفع بها المسلمون، ولم تكفل بها أيتام، ولا الدعاة ولا الأرامل ولا المساكين، ولا الفقراء ولا الضعفاء، بل هي أموال تئط بها البنوك، تعج بها الأرصدة والمال يولد أموالاً بالربا، ولا يستفيد من ذلك أحد، فليس وجود المال بحد ذاته هو الغاية لكن الغاية هو وجود المال المبارك، لأن المال المبارك هو الذي ينفع في طاعة الله ومرضاته.
ليست المسألة أن تجد زوجة، أو المرأة تجد زوجاً، فالقضية أن تجد الزوج المبارك، وأن تجد أنت الزوجة المباركة، لأنه إذا كتب الله فيها البركة نفع الله بها.
كم بارك الله لقلب فانتفع والله إن بارك في شيء نفع
كم من رجل تمنى أن يكون عنده عشرون ولداً، وصار عنده عشرون ولداً لكن لم يجعل الله في أحدهم بركة، بل إن بعض الناس عنده عدد من الأولاد: اثنان مسجونان في مخدرات، وواحد مسجون في أموال، والثالث مسجون في بلاء، والرابع مسجون في جريمة، ليست القضية كثرة الولد، بل القضية أن يبارك لك في الولد، ليست القضية أن تنال الزوجة، بل أن يبارك لك في الزوجة، ليست المسألة أن تنال هذه الدابة بل أن يبارك لك فيها، ولذلك إذا تأملنا مسألة البركة وجدناها حتى في عباداتنا، إذا أثنيت على الله: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، إذا وضعت يدك في الطعام: باسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، إذا دعوت لمن أضافك قلت: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم، إذا هنأت أحداً قلت: بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، مسألة البركة مهمة، ولذا نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في أموالنا وأولادنا وأعمالنا وأزواجنا وذرياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، ونجعل ما بقي من الوقت للإجابة على الأسئلة:
стр. 2827
الأسئلة
стр. 2828
حكم جلوس العروسين وسط النساء
السؤال
يقول: في هذه المدينة ظاهرة دخول العريس على النساء؛ لزفه مع عروسه في وسط النساء، تحت مظلة الموسيقى والغناء والرقصات الوافدة من الغرب، الرجاء التركيز على هذا الموضوع؟
الجواب
جميل جداً أن ينبه الأخ السائل على هذه القضية، وهي من العادات المستوردة التي نقلت إلينا إما بالمحاكاة أو بالمشابهة أو بما يراه البعض في هذه القنوات الفضائية وفي الأفلام والمسلسلات، لا يجوز في ليلة الزفاف أن تنتهك الحرمات، يأتي رجال يرقصون مع النساء، يأتي الزوج ليجلس مع زوجته على منصة أو على كرسي والفتيات الجميلات يتراقصن أمامه، وأيضاً الوقوع في اللباس العاري عند الفتيات، وبعض الزواجات ليست بحفلات زفاف بل كأنما هي عرض عارٍ للأزياء ولا حول ولا قوة إلا بالله! ويحتجون بمسألة عورة المرأة إلى المرأة من السرة إلى الركبة، يعني ما سوى ذلك فلتخرج المرأة ما شاءت، ليس بصحيح، هذا بيان حكم لكن لا يعني ذلك الإذن بفعل ما تقع به الفتنة بين المرأة والمرأة، لا يظن البعض أن المرأة لا تفتن بالمرأة، بل مما ابتلي به كثير من الفتيات اليوم إلا من رحم الله مسألة العشق والفتنة والولوع والتعلق بأمثالهن من الفتيات، ومن أسباب ذلك لبس هذه الملابس الفاتنة والضيقة التي تصف أحجام الأبدان.
стр. 2829
حكم تصوير حفلات الأعراس
السؤال
يقع كثير من الناس في حفلاتهم في منكرات عديدة، وقد يقع فيها بعض من فيهم خير من مرتادي المساجد لضغط العادات والأعراف المخالفة للشرع وكذلك ما رأيكم بتصوير حفلات الزواج بالكاميرات الثابتة والمتحركة؟
الجواب
أما تصوير الحفلات فكل عاقل غيور لا ينبغي له أن يأذن بأن تدخل أي كاميرا تصوير في الحفلة، قد يأتي يوم من الأيام وتجد صورة زوجتك أو صورة ابنتك أو صورة فتاة من محارمك في يد فلان وعلان، هذه مسألة خطرة ولا ينبغي التساهل بها، إضافة إلى أن التصوير حصره على المصلحة والحاجة والضرورة ينبغي أن نقف عند هذا، أما التساهل في ذلك فلا حاجة إليه، التساهل في ذلك إذا كان في مصلحة أو حاجة أو ضرورة، لكن ما المصلحة؟ بنتك أو قريبتك تصور في زواج أو في حفلة ثم بعد ذلك تستعرض صورها عند الغادين والرائحين، أحد يرضى بهذا؟ هذه مسألة خطيرة جداً، وما ذكره الأخ في أول السؤال أظن قد أجبته عليه في السؤال الأول.
стр. 2830
ذم المغالاة والتشدد في اختيار المرأة
السؤال
أنا شاب طموح في اختيار الزوجة الصالحة التي حددت لها شروط؛ أولها الدين ثم الحسب ثم النسب ثم الجمال ثم العلم، وأن تكون في سن الرابعة عشرة، وزملائي وإخواني يقولون: إنك رجل متشدد في الاختيار، وهدفي من وراء ذلك بناء الأسرة الصالحة؟
الجواب
يا أخي الحبيب! لا بأس أن يطلب الإنسان الشيء في الجملة، إذا علم من الفتاة عفافها وصيانتها وتدينها، وعدم الخضوع بالقول، وعدم الاختلاط بالرجال، هذا كافٍ، لا يشترط بتدين الفتاة أن تكون قد حفظت القرآن والصحيحين والكتب الستة، وإلا ما تزوج في البلد كله إلا أربع أو خمس أو عشر، كذلك يعني الجمال مسألة نسبية فإذا حصل القدر الذي قد أخبر به النبي ﷺ : (التي إذا نظر إليها سرته) يعني تشرح خاطره، بمعنى: ألا تكون إذا نظر إليها كرهها أو أبغضها أو فركها أو شيء من ذلك.
كذلك مسألة الحسب والمغالاة فيه، كذلك مسألة النسب وغير ذلك، يا أخي الحبيب! إذا توفرت القاعدة المتيسرة من هذه الشروط أو من هذه المواصفات فالحمد لله، القدر المتيسر من التدين، القدر المتيسر من الجمال، القدر المتيسر من الحسب، والقدر المتيسر من النسب إلى غير ذلك، هذا كافٍ، أما أن تتشدد وتجعل كل هذه وأن تكون متعلمة، وتحدد العلم، قد تكون جيدة وصالحة وحافظة لكن ليست بجامعية، كل الشروط الأربعة توفرت إلا أنها ليس معها شهادة جامعية، إذاً تعطى مهلة إنذار أربع سنوات لإكمال الشهادة، فليس صحيحاً هذا الكلام، أو كذلك تجد كل الشروط توفرت إلا مقداراً معيناً من الجمال، والله ليست تشبه فلانة الفنانة، ليست تشبه فلانة الراقصة، ليست تشبه فلانة، هذه من شروط بعض الشباب الذين لا يهمهم الدين بل يركزون على الجمال، وكما قال الشاعر:
عراقية العينين نجدية الحشا حجازية الأطراف هندية الشعرِ
يا أخي! أنت تطلب حورية ما نزلت بعد، فينبغي للإنسان حينما يؤكد على مثل هذه المواصفات، أن يكتفي بالقدر المتيسر، وألا يتشدد في ذلك.
تشدد بعض الشباب في مسائل النسب فلا يريد إلا من آل فلان، ومن بيت فلان، ومن بني فلان، ما الذي تعلم في نفسك يا مسكين؟ اعلم أن أبا لهب من أهل النار، وبلالاً الأسود الحبشي من أهل الجنة! بسبب التعلق بهذه العنصرية المقيتة، ولذلك قال ﷺ : (من رأيتموه يتعزى بعزاء أهل الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) (لينتهين أقوامٌ عن تفاخرهم بأحسابهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان) بعض الناس مسكين أول ما يتكلم في فلان أو علان لا يهمك، فلان ليس من آل فلان، ليس من بني فلان، ليس من القبيلة الفلانية، أرنا مقاييسك أنت؟! ما حظك من العلم؟! ما حظك من الفكر والإنتاج؟ ما حظك من نفع المسلمين؟ ما حظك من نفع الأمة؟ لا.
ليس عندهم شيء إلا أن فلاناً ابن فلان، هذه ما نفعت أبا طالب وما نفعت أبا جهل، وما نفعت الذين هم من صناديد قريش، ومع ذلك لم يكونوا على فوز بما فاز به الصالحون الأبرار من صحبة محمد ﷺ .
стр. 2831
عدم طاعة الأهل في ترك الواجب
السؤال
أنا شاب أعيش في جو فاتن من النساء المتبرجات ونحو ذلك؛ لظروف عملي، وأرغب في الزواج رغبة أكيدة، وأموري ولله الحمد متيسرة، ولكن أهلي يريدون تأخير الزواج لأعذار واهية في نظري، فهل أطيعهم وأضيع ديني في الجو الذي أعيشه؟
الجواب
لا.
لا تطعهم، بل تزوج وبادر في الزواج، وتركك الزواج معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
стр. 2832
نصيحة لشاب تائب
السؤال
لا أريد أن أسألك عن الزواج، بل أريد أن أتوب وأقبل على الله، ولكن أمامي عوائق كثيرة، ولكن يا شيخ! لم أجد من يمد لي يد العون في إخراجي من مستنقعات المعاصي، وأنا في هذه المحاضرة، فأنقذوني قبل أن أغرق مع أصحاب السوء؟
الجواب
أرجو من الأخ أن يعرف نفسه بفضيلة مندوب الدعوة في هذه المنطقة الذي قدم هذه المحاضرة، وبإذن الله سيبذل له ما يستحقه وما يحتاجه، ونهنئه بالإقبال على الله ، فإن الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] فالحمد لله الذي فسح في أجلك، وأمد في عمرك حتى تبلغ هذه الروضة من رياض الجنة؛ لتضع يدك في يد أهل الخير، وتشق معهم طريقاً لا تخاف دركاً ولا تخشى، وتبلغ بإذن الله جادة الأمان على الثبات والاستقامة بإذن الله .
стр. 2833
الضوابط الشرعية للأفراح والاحتفالات
السؤال
سائلة تقول: أرجو التكلم عن الأفراح الإسلامية؛ لأنها لا تعجب الكثير؟
الجواب
والله أعجبت الكثير أو لم تعجبهم، إذا كان هناك من فرح على شيء لا يتعارض مع الأمور الشرعية، ويكون فيه بعض البنيات الصغيرات ينشدن الأناشيد التي ليس فيها تشبيب بالنساء، وليس فيها كلام فاحش ولا كلام رديء، وفيها الدف الذي شرع للنساء، فهذه من الأفراح التي نؤيدها ونحث عليها، وينبغي أن يجتهد كل من عنده مناسبة زواج أن يجعل ليلة الزفاف عامرة بمثل هذه الأفراح التي لا تخالف الشرع، ومما علمنا أن مثل هذه الأفراح تهدى فيها الكتيبات النافعة والأشرطة المفيدة، ولا يحصل فيها تبرج، ولو دخلها متبرجات فإنهن يكرمن ويعاملن باللين والرقة، والموعظة الحسنة، والنصيحة الطيبة، ويستفدن، أيضاً لا نريد أن تكون الأفراح التي تخلو من المخالفات الشرعية أفراح عداوات، مجموعة فتيات متدينات دخل عليهن بعض الفتيات في لبسٍ مزرٍ، أو غير ساترٍ، ثم أخذن ينتقدنهن بشدةٍ لا، بل يتلطفن بهن ويكرمنهن، ويعتنين بهن، وينصحنهن بكل وسيلة تحقق لهن الاستقامة بإذن الله .
стр. 2834
نصيحة لمن يعزف عن الزواج
السؤال
ما نصيحتك لمن يعزف عن الزواج بحجة تأمين المستقبل؟
الجواب
يا أخي الكريم! المستقبل أنت لا تعرفه، ولا تدري لو أويت إلى فراشك الليلة هل تنهض منه بعد ذلك
تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ
فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهرِ
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبرِ
وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
هذا المستقبل أنت لا تعرف عنه شيئاً، بل إن المبادرة بالزواج قد يكون نعمة، أن تدخل بامرأة فيكتب الله لك منها ولداً صالحاً يحمل لك ذكراً حسناً، ويدعو لك الناس إذا رأوه، وتكون كل أعماله الصالحة في موازين أعمالك، وربما أنت لا تبلغ أن تراه قد شب أو أصبح رجلاً كبيراً، ربما تموت وهو جنين في بطن أمه، ربما تموت وهو لا يزال صغيراً يحبو، أو لا يزال في مراحله الابتدائية، فالمبادرة بالزواج وطلب الولد والذرية من دلائل العقل.
стр. 2835
جواز الاستدانة لأجل الزواج
السؤال
يقول: هل يجوز أن أتزوج بالدين؟
الجواب
نعم.
سئل الإمام أحمد عن الرجل يستدين لأجل الزواج؟ قال: أرى أن يستدين ويقضي الله عنه بإذنه .
فالدين ثقيل إلا في الزواج وبناء المسكن المناسب المعقول، فإن من استدان هذا ملاحظ ومشتهر ومعروف بالتجربة والملاحظة؛ أن من استدان لبناء بيت يؤويه وأسرته فإن الله سرعان ما يقضي دينه، أما أن يبني بيتاً آلاف الأمتار بالدين، وأنواع الاكسسوارات، وألوان المفارش والكنب والستائر والرخام، ويأتي بالعجائب والغرائب، ثم بعد ذلك يطلع له صك إعصار بأربعة ملايين، ويقول: لقد تحملت ديناً بسبب البيت، هذا الدين الذي تحملته يكفي لبناء عشرين بيتاً لا بيتاً واحداً، فلا يحل لك أن تأخذ أموال الصدقات والزكوات بحجة أنك بنيت بيتاً وتحملت فيه ديناً.
نعم.
يقضى عنك الدين في بيت تبنيه بالمعروف، بالحد المعقول، أما أن تغالي في البناء، وتريد السداد من أموال الزكوات والصدقات، فيحرم، الفقراء والمساكين الذين لا يجدون أجرة البيت، وربما بعضهم يطرد فلا يجد مأوى، وبعضهم يسكن في الخيام أو في شارع، وأنت تريد أن تبذل أموال الصدقات لذلك، لا، كذلك الشاب حينما يستدين لأجل الزواج، ويكون دينه معقولاً، والزواج ونفقاته معقولة، فإن الله يقضي عنه.
نقف عند هذا الحد، حيث اتفقنا مع الشيخ على أن تكون الأسئلة في المدة المحددة والمعتادة بين الأذان والإقامة، وما سوى ذلك فلعل الله أن يمن بلقاءٍ مبارك يجمعنا بكم على مرضاته.
стр. 2836
الوهن وعلاجه في ضوء الإسلام
إنما العزة بالدين، واتباع طريق النبيين، ولا تزال الأمة في عز حتى تترك التمسك بالدين، فتتداعى عليها الأمم ويصيبها الوهن، والعلاج لا يخفى، وهذا هو موضوع هذه المادة.
стр. 2837
سنة الله في هلاك الأمم
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله نحمده على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، الحمد لله الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، الحمد لله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الحمد لله الذي وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم، الحمد لله الذي الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن والمقدم والمؤخر، وهو على كل شيء قدير.
نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحد في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وحديثنا معكم اليوم عن الوهن الذي أصاب أمة المسلمين، وهو السلاح الذي يمكن أن يكون سبباً في هلاكها، وما سواها من الأسلحة والعوامل الخارجية، سواء من التهديد بالقتل أو التدمير أو الاجتياح، أو غير ذلك فإن هذا لا يمكن أن يكون سبباً لهلاك الأمة، وما ذاك إلا لاعتقادنا بأن النبي ﷺ قال: (سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين، وذكر مما أعطاه ألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) فلا يمكن أن تهلك أمة الإسلام بعدو يتسلط عليها، فيستبيح بيضتها، ويسرق أموالها وخيراتها ومدخراتها جملة واحدة أبداً، ما لم يتسلط المسلمون بعضهم على بعض، وما لم تتسلط نفوس المسلمين على ذواتهم، فإن النفس إذا تسلطت على صاحبها كان ذلك بادية الهلاك والوبال والدمار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلكم هو أخطر أمر أن تتسلط نفسك عليك، وأن تكون نفسك هي سبب مصيبتك، وأن يكون سعيك هو الذي يقودك إلى هاوية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
إذا لم يحصل استعانة المسلم بربه، واستقامته علىأمر ربه وسنة نبيه ﷺ فإن كل جهد وعون وعمل يكون سبباً في هلاك صاحبه، ولا عجب في ذلك، فإن سنة الله لا تحابي أحداً، وإن سنن الله في الكون لا تتعطل ولا تتغير: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
وقول الله جل علا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] إن البلاء والدمار والهلاك والمصيبة، تكون بداية من النفس، إن كان الإنسان تسلط على نفسه بالذنوب والمعاصي، وتسلطت الأمة على مجتمعاتها وبلدانها بالفواحش والمنكرات، عند ذلك لا يبالي الله جل وعلا بأي وادٍ هلكت هذه الأمة، وليست هناك أمة من الأمم معصومة، أو أن بينها وبين الله عهد ألا تُهلك وألا تدمر، فإن لم يقع الهلاك بسبب مصيبة أو قوة بشرية، نزل الهلاك على أمة عصت الله من السماء، ألم يقل الله جل وعلا: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١ - ٤٢]؟ ألم يقل الله جل وعلا: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات:٤٦]؟ سلط الله عليهم في معرض ذكره للأمم التي أهلكها بالعذاب، فلا ينبغي أن نظن أن الأمم إن لم تصب بمصيبة عدوان أو اجتياح خارجي، أو من جوار، أنها سلمت من البلاء والهوى والفتك والعقوبة، إذا أن البلاء إنما يوجهه الله جل وعلا بأسباب، فقد يكون البلاء بسبب تسلط أمة على أمة، وقد يكون في صورة بلاء ينزل من السماء، أو ينفجر من الأرض، أو في صورة داهية تجعل الأمة شذر مذر وتمزق كل ممزق.
إن عقول كثير من البشر انحصرت في تصور المصائب، وأنواع البلاء، في عدوان بشري أو في قوة غاشمة مسلحة فتاكة مدمرة، تتسلط على أمة أخرى وليس هذا كل البلاء أو المصيبة، بل إن الله جل وعلا لا يعلم جنوده إلا هو ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] هي ذكرى للأمة أن تعتبر وأن تتعظ، وأن تعلم أن البلاء وإن تخلف على أيدي البشر، فقد يتحقق بمصيبة تخرج من الأرض، أو ببلية تنزل من السماء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2838
إصابة الأمة بالوهن
حديثنا عن الوهن، تلكم المصيبة التي أخبر بها النبي ﷺ في حديثه، والوهن هو: الضعف والخذلان، وما يسمى في اصطلاحات العصر الحاضر تحكم النفوس وانكسارها وضيعة عزتها، وذهاب شموخها، ورضاها بالذلة وقناعتها بالدني والردي والقليل دون الكثير، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم:٤] من الضعف، ويقول تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] من الضعف والرضا بالسلم والمصالحة من الأعداء عند أدنى الحظوظ.
فالوهن اصطلاح يدل على الضعف، فكل شيء ضعف فقد وهن، وما أضعفك فقد أوهنك.
جاء بيان هذا الأمر والإخبار بأن الأمة سوف تصاب به في حديث النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا.
أنتم يومئذ كثير) وأقف لحظة عند الكثرة، لو ضربنا مثلاً بسيطاً جزئياً على مسألة الوهن، ألسنا نحن جميعاً في هذه المظلة وفي هذا المسجد جمع لا بأس به من الكثرة، نعم.
نحن بالنسبة لحجم المسجد جمع كثير لكن أين نفعنا؟ أين بلاؤنا؟ أين سعينا؟ أي عمل نفعنا به أمة الإسلام؟ أي سعي جعلنا به الدعوة إلى الله تنطلق خطوات إلى الأمام؟ إذاً حتى جمعنا الذي نتحدث معه فينا ومن بيننا وهن عظيم، أقول هذا حتى لا نظن أننا نتحدث عن أمة أو كوكب أو جماعة بعيدين عنا، بل نتحدث عن مصيبة تمثلت في طولنا وعرضنا وأجسامنا ولحومنا، مصيبة حلت في نفوسنا، (قالوا: أومن قلة نحن يا رسول؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل؛ يصيبكم الوهن وينزع الله المهابة منكم من صدور أعدائكم، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) بين ﷺ السمة والعلامة الواضحة الجلية، في أمة تصاب بالوهن، ألا وهي: (حب الدنيا وكراهية الموت) نعم -يا عباد الله- كلنا إلا من رحم الله قد أصبنا بهذه البلية، واجتمع هذا المرض في مجموع أفراد الأمة، فوهنت وضعفت عن مواجهة أعدائها وعن الوقوف بمواقفها التي ينبغي لها أن تكون متسلمة للقيادة فيها.
стр. 2839
أسباب الوهن
ما أسباب الوهن الذي حل بأمتنا في هذا الزمان؟ اعلموا -أيها الأحبة- أن لذلك أسباباً عظيمة جداً.
стр. 2840
تسلط الذنوب والمعاصي
فأولها تسلط الذنوب والمعاصي على كثير من أبناء المسلمين ورجالهم، وعدم الخوف والمبالاة من شؤم وعقوبة الذنوب والفواحش، بل أصبح الكثير منهم يردد قول القائل:
إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار
يعني: إذا لم تصبك بلية الذنب فوراً، فإنك قد نجوت من شؤمه وبليته.
لا والله، بل إن هذه الذنوب والفواحش خاصة الآثام والمنكرات الجلية، الظاهرة العلنية، التي هي أعظم سبب في وهن الأمة، وأعظم سبب في هلاكها ودمارها بصريح قول الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
إذا ماتت القلوب وأصيبت بالوهن وتعلقت بالدنيا وخافت وارتجفت من الأجل، فذلك بسبب ذنوبها ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولقد بين ابن القيم ﵀ أن للذنوب شؤماً وآثاراً وخيمة ومضرة، وذكر أن أقل ما فيها أن الذنوب تضعف صاحبها وتورثه الذلة والخيبة، وعدم الجرأة إلى غير ذلك من آثار الذنوب، التي من أخطرها أنها تجعل النفس تخون صاحبها في أمس حاجة ولحظة يحتاج إليها.
إذاً فمن أعظم أسباب الوهن الذي حل بأمة الإسلام الذنوب، وحتى لا نتكلم عن كوكب آخر أو جماعة أخرى نتحدث عن أنفسنا وعن واقعنا ومجتمعنا، وعن مجتمعات المسلمين بالتبع، يظن كثير من الناس حينما نحدثه أو يتحدث أحد معه عن الذنوب، يظن أنه قد خلي وسلم من هذه، فإذا رأيت سماعه، فإذا اللهو يملأ آذانه، وإذا رأيت ما ينظر وجدت الأفلام والمسلسلات تشغل جزءاً كبيراً من ليله ونهاره، وإن ذهبت تنظر معاملته وجدت الخيانة أو الرشوة، وأخطر منها الربا الذي هو أخطر حرب تواجه الأمة به ربها، نخاف أن ندخل في حرب مع الأعداء، ولكن نسينا أننا لم نبالِ بحرب دخلناها مع الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
هل تحتاج هذه الحرب من الله ورسوله إلى صفارة إنذار؟ هل تحتاج إلى علامات الإنذار الشامل في الأفق؟ هل تحتاج هذه الحرب إلى علامات تسبقها أو اجتماعات؟ لا.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] إذا توعد الله بشيء فإنه يتحقق لا محالة.
أقول -أيها الأحبة-: لما كانت الذنوب والآثام والمعاصي والمنكرات من أسباب الوهن الذي حل بالأمة، فإننا ينبغي أن نسأل أنفسنا -لو نظر كل شخص منا إلى نفسه لوجد عدداً من الذنوب التي يرتكبها يومياً، ومع ذلك تراه كأنه لم يفعل ولم يقع في مخالفة مع الله جل وعلا- ينبغي أن نسأل أنفسنا: من نعصي؟ ومن نخالف؟ إننا نعصي رباً الأرض جميعاً قبضته والسماوات مطويات بيمينه، لقد غابت عن الأذهان والعقول عظمة الله جل وعلا، هانت على النفوس المعاصي، ولو قلنا لأحد الناس: يقول فلان بن فلان: ممنوع التجاوز في هذا الشارع، لقال: ومن هو فلان؟ نكرة لا يعرف، فليس حقيق أن يُمتثل لأمره أو يُزدجر عن زجره، أو يُتبع لما أمر به، لكن لو قلنا: قال المسئول الفلاني في الدائرة الفلانية: إن هذا أمر ممنوع لقال: نعم.
لأنه يعرف أن ذلك المسئول رجل في موقع وله مكانة وهيبة، ويتبع من خالفه بالعقوبة.
لو قلت لكم: إن قوة تستطيع أن تجمعكم جميعاً يا من أنتم في هذا المكان في قبضة يدٍ واحدة لقلتم: هذا أمر عجيب! وأي قوة هذه؟ ومن نحن على تعددنا في هذا المكان بالنسبة لسكان المدينة كلها، نحن جزء يسير من سكان المدينة.
وأقول هذا المثال وأردده، وبالمثال يتضح المقال حتى ندرك العظمة، نحن خلق عظيم، ولا يستطيع أعظم الناس أن يجمع خمسة أو ستة منا في يد واحدة، هل نحن فقط من يسكن في مدينة الرياض؟ لا.
بل هناك رجال ونساء وبهائم ونباتات وحيوانات، مليئة بها المدينة، وهل مدينة الرياض كل الكون؟ لا.
هي جزء من المملكة، والمملكة أشبه ما تكون بقارة حفظها الله بالإسلام، هذه القارة مليئة بالجبال والصحاري وعلى حدودها المحيطات والبحار وفيها ملايين البشر، هل نحن كل الكون؟ لا.
المملكة جزء من قارة آسيا، وقارة آسيا فيها مئات الملايين من البشر، وهل قارة آسيا هي العالم كله؟ لا، هناك قارات أخرى -أيضاً- مليئة بالبشر ومن معهم من المخلوقات والجبال والبهائم والنباتات والحيوانات.
إذاً: الكرة الأرضية مجموع مليء بالمحيطات والبحار والأنهار والجبال والبشر إلى غير ذلك اسمعوا قول الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] إذاً نحن نعصي رباً عظيماً، ولو أدركنا سر العظمة لما تجرأنا على الإصرار على الذنوب والمعاصي، لو أدركنا حقيقة العظمة، لما تجرأنا على الذنوب والمعاصي، آخر ما سمعت في عالم مراكز المعلومات أن جهازاً يستطيع أن يتلقى ستين مليون معلومة خلال عشر دقائق، أو أقل من ذلك، ما هذا الجهاز الذي يتلقى ستين مليون معلومة خلال هذه الفترة القصيرة؟! إنه جهاز غريب وعجيب ودقيق.
أين نحن من قول الله جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾ [الكهف:٤٩]؟ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، أما أجهزة المعلومات فتنتهي لو انقطع عنها التيار، وأجهزة المعلومات قد تضيع شيئاً من المعلومات.
إذاً: أين نحن من إدراك سر العظمة؟ إن كلما تكتشفه دول الغرب، وكلما تنتجه أمم التقدم والتكنولوجيا لهو دليل على عظمة الله جل وعلا؛ لأنه ما من أمر عجبنا منه ووقفنا متعجبين متأملين بدهشة وغرابة بسبب الإبداع والتدقيق في تصميمه، إلا ونجد أن عند الله جل وعلا ما هو أعظم منه، وليس هذا بغريب، إذ لا يمكن أن يساوى الخالق بالمخلوق.
حينما نأتي بشاشة تلفزيون الآن أمامكم ومعها سماعة أو لاقطة، ونقول: تستطيع أن تتحدث مع رجل في أمريكا وأنت جالس هنا، تقول: الله أكبر! ما هذه الاختراعات؟! نحن نجلس هنا ونتحدث ونرى من يجلس في أمريكا أو في أبعد القارات، ونعجب من هذا عجباً، ولكننا نمر على قول الله جل وعلا: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠] أين أصحاب النار؟ في أسفل سافلين، وأين أصحاب الجنة؟ في أعلى عليين، والبعد بينهما أبعد مما بين القارات، ومع ذلك بقدرة الله وأمر الله يجعل أهل الجنة يرون أهل النار: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٧] أليست هذه من جوانب العظمة الإلهية؟ لقد وقفنا مندهشين متعجبين مستغربين أمام شيء يسير من صناعات البشر، ونقف أمامها بكل احترام، ولا ننظر إلى عظمة الله جل وعلا ودلائلها في الأنفس والكون: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
فيا معاشر المؤمنين! حينما أقول: إن الذنوب سبب الوهن الذي أصاب الأمة وحل بها، وما ذاك إلا أن الأمة مضت واستمرأت واستمرت على فعل الذنوب والمعاصي، دون إدراك لعظمة هذا الرب الذي تعصيه، ودون إدراك لحقيقة هذا الرب الذي تعصيه في عظمته وعلمه .
فيا معاشر الأحبة: لا شك أن من عصى الله جل وعلا فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً، وأن المعاصي هي أعظم أسباب الوهن والضعف.
أليس عمر بن الخطاب ﵁ لما كتب له أحد قواده يريد المدد لتدعيم جيش المسلمين قال: انظر جندك، هل فيهم عاصٍ لله ولرسوله ﷺ ؟ إني لا أخشى على الجيش من عدوه، ولكن أخشى على الجيش من ذنوبه.
نعم إن الوهن الذي يصيب الأمة، لا يصيبها من أعدائها وإنما يصيبها من ذات أنفسها: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] فتشوا أنفسكم انظروا جرائدكم انظروا إعلامكم انظروا تعليمكم انظروا حياتكم انظروا في مختلف مجالاتكم!! فما رأيتم فيه مخالفة لله ولرسوله فاعلموا أن ذلك سبب الوهن في الأمة.
следующие страницы →