Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
الوهن وعلاجه في ضوء الإسلام
إنما العزة بالدين، واتباع طريق النبيين، ولا تزال الأمة في عز حتى تترك التمسك بالدين، فتتداعى عليها الأمم ويصيبها الوهن، والعلاج لا يخفى، وهذا هو موضوع هذه المادة.
стр. 2837
سنة الله في هلاك الأمم
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله نحمده على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، الحمد لله الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، الحمد لله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الحمد لله الذي وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم، الحمد لله الذي الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن والمقدم والمؤخر، وهو على كل شيء قدير.
نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحد في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وحديثنا معكم اليوم عن الوهن الذي أصاب أمة المسلمين، وهو السلاح الذي يمكن أن يكون سبباً في هلاكها، وما سواها من الأسلحة والعوامل الخارجية، سواء من التهديد بالقتل أو التدمير أو الاجتياح، أو غير ذلك فإن هذا لا يمكن أن يكون سبباً لهلاك الأمة، وما ذاك إلا لاعتقادنا بأن النبي ﷺ قال: (سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين، وذكر مما أعطاه ألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) فلا يمكن أن تهلك أمة الإسلام بعدو يتسلط عليها، فيستبيح بيضتها، ويسرق أموالها وخيراتها ومدخراتها جملة واحدة أبداً، ما لم يتسلط المسلمون بعضهم على بعض، وما لم تتسلط نفوس المسلمين على ذواتهم، فإن النفس إذا تسلطت على صاحبها كان ذلك بادية الهلاك والوبال والدمار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلكم هو أخطر أمر أن تتسلط نفسك عليك، وأن تكون نفسك هي سبب مصيبتك، وأن يكون سعيك هو الذي يقودك إلى هاوية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
إذا لم يحصل استعانة المسلم بربه، واستقامته علىأمر ربه وسنة نبيه ﷺ فإن كل جهد وعون وعمل يكون سبباً في هلاك صاحبه، ولا عجب في ذلك، فإن سنة الله لا تحابي أحداً، وإن سنن الله في الكون لا تتعطل ولا تتغير: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
وقول الله جل علا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] إن البلاء والدمار والهلاك والمصيبة، تكون بداية من النفس، إن كان الإنسان تسلط على نفسه بالذنوب والمعاصي، وتسلطت الأمة على مجتمعاتها وبلدانها بالفواحش والمنكرات، عند ذلك لا يبالي الله جل وعلا بأي وادٍ هلكت هذه الأمة، وليست هناك أمة من الأمم معصومة، أو أن بينها وبين الله عهد ألا تُهلك وألا تدمر، فإن لم يقع الهلاك بسبب مصيبة أو قوة بشرية، نزل الهلاك على أمة عصت الله من السماء، ألم يقل الله جل وعلا: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١ - ٤٢]؟ ألم يقل الله جل وعلا: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات:٤٦]؟ سلط الله عليهم في معرض ذكره للأمم التي أهلكها بالعذاب، فلا ينبغي أن نظن أن الأمم إن لم تصب بمصيبة عدوان أو اجتياح خارجي، أو من جوار، أنها سلمت من البلاء والهوى والفتك والعقوبة، إذا أن البلاء إنما يوجهه الله جل وعلا بأسباب، فقد يكون البلاء بسبب تسلط أمة على أمة، وقد يكون في صورة بلاء ينزل من السماء، أو ينفجر من الأرض، أو في صورة داهية تجعل الأمة شذر مذر وتمزق كل ممزق.
إن عقول كثير من البشر انحصرت في تصور المصائب، وأنواع البلاء، في عدوان بشري أو في قوة غاشمة مسلحة فتاكة مدمرة، تتسلط على أمة أخرى وليس هذا كل البلاء أو المصيبة، بل إن الله جل وعلا لا يعلم جنوده إلا هو ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] هي ذكرى للأمة أن تعتبر وأن تتعظ، وأن تعلم أن البلاء وإن تخلف على أيدي البشر، فقد يتحقق بمصيبة تخرج من الأرض، أو ببلية تنزل من السماء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2838
إصابة الأمة بالوهن
حديثنا عن الوهن، تلكم المصيبة التي أخبر بها النبي ﷺ في حديثه، والوهن هو: الضعف والخذلان، وما يسمى في اصطلاحات العصر الحاضر تحكم النفوس وانكسارها وضيعة عزتها، وذهاب شموخها، ورضاها بالذلة وقناعتها بالدني والردي والقليل دون الكثير، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم:٤] من الضعف، ويقول تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] من الضعف والرضا بالسلم والمصالحة من الأعداء عند أدنى الحظوظ.
فالوهن اصطلاح يدل على الضعف، فكل شيء ضعف فقد وهن، وما أضعفك فقد أوهنك.
جاء بيان هذا الأمر والإخبار بأن الأمة سوف تصاب به في حديث النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا.
أنتم يومئذ كثير) وأقف لحظة عند الكثرة، لو ضربنا مثلاً بسيطاً جزئياً على مسألة الوهن، ألسنا نحن جميعاً في هذه المظلة وفي هذا المسجد جمع لا بأس به من الكثرة، نعم.
نحن بالنسبة لحجم المسجد جمع كثير لكن أين نفعنا؟ أين بلاؤنا؟ أين سعينا؟ أي عمل نفعنا به أمة الإسلام؟ أي سعي جعلنا به الدعوة إلى الله تنطلق خطوات إلى الأمام؟ إذاً حتى جمعنا الذي نتحدث معه فينا ومن بيننا وهن عظيم، أقول هذا حتى لا نظن أننا نتحدث عن أمة أو كوكب أو جماعة بعيدين عنا، بل نتحدث عن مصيبة تمثلت في طولنا وعرضنا وأجسامنا ولحومنا، مصيبة حلت في نفوسنا، (قالوا: أومن قلة نحن يا رسول؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل؛ يصيبكم الوهن وينزع الله المهابة منكم من صدور أعدائكم، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) بين ﷺ السمة والعلامة الواضحة الجلية، في أمة تصاب بالوهن، ألا وهي: (حب الدنيا وكراهية الموت) نعم -يا عباد الله- كلنا إلا من رحم الله قد أصبنا بهذه البلية، واجتمع هذا المرض في مجموع أفراد الأمة، فوهنت وضعفت عن مواجهة أعدائها وعن الوقوف بمواقفها التي ينبغي لها أن تكون متسلمة للقيادة فيها.
стр. 2839
أسباب الوهن
ما أسباب الوهن الذي حل بأمتنا في هذا الزمان؟ اعلموا -أيها الأحبة- أن لذلك أسباباً عظيمة جداً.
стр. 2840
تسلط الذنوب والمعاصي
فأولها تسلط الذنوب والمعاصي على كثير من أبناء المسلمين ورجالهم، وعدم الخوف والمبالاة من شؤم وعقوبة الذنوب والفواحش، بل أصبح الكثير منهم يردد قول القائل:
إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار
يعني: إذا لم تصبك بلية الذنب فوراً، فإنك قد نجوت من شؤمه وبليته.
لا والله، بل إن هذه الذنوب والفواحش خاصة الآثام والمنكرات الجلية، الظاهرة العلنية، التي هي أعظم سبب في وهن الأمة، وأعظم سبب في هلاكها ودمارها بصريح قول الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
إذا ماتت القلوب وأصيبت بالوهن وتعلقت بالدنيا وخافت وارتجفت من الأجل، فذلك بسبب ذنوبها ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولقد بين ابن القيم ﵀ أن للذنوب شؤماً وآثاراً وخيمة ومضرة، وذكر أن أقل ما فيها أن الذنوب تضعف صاحبها وتورثه الذلة والخيبة، وعدم الجرأة إلى غير ذلك من آثار الذنوب، التي من أخطرها أنها تجعل النفس تخون صاحبها في أمس حاجة ولحظة يحتاج إليها.
إذاً فمن أعظم أسباب الوهن الذي حل بأمة الإسلام الذنوب، وحتى لا نتكلم عن كوكب آخر أو جماعة أخرى نتحدث عن أنفسنا وعن واقعنا ومجتمعنا، وعن مجتمعات المسلمين بالتبع، يظن كثير من الناس حينما نحدثه أو يتحدث أحد معه عن الذنوب، يظن أنه قد خلي وسلم من هذه، فإذا رأيت سماعه، فإذا اللهو يملأ آذانه، وإذا رأيت ما ينظر وجدت الأفلام والمسلسلات تشغل جزءاً كبيراً من ليله ونهاره، وإن ذهبت تنظر معاملته وجدت الخيانة أو الرشوة، وأخطر منها الربا الذي هو أخطر حرب تواجه الأمة به ربها، نخاف أن ندخل في حرب مع الأعداء، ولكن نسينا أننا لم نبالِ بحرب دخلناها مع الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
هل تحتاج هذه الحرب من الله ورسوله إلى صفارة إنذار؟ هل تحتاج إلى علامات الإنذار الشامل في الأفق؟ هل تحتاج هذه الحرب إلى علامات تسبقها أو اجتماعات؟ لا.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] إذا توعد الله بشيء فإنه يتحقق لا محالة.
أقول -أيها الأحبة-: لما كانت الذنوب والآثام والمعاصي والمنكرات من أسباب الوهن الذي حل بالأمة، فإننا ينبغي أن نسأل أنفسنا -لو نظر كل شخص منا إلى نفسه لوجد عدداً من الذنوب التي يرتكبها يومياً، ومع ذلك تراه كأنه لم يفعل ولم يقع في مخالفة مع الله جل وعلا- ينبغي أن نسأل أنفسنا: من نعصي؟ ومن نخالف؟ إننا نعصي رباً الأرض جميعاً قبضته والسماوات مطويات بيمينه، لقد غابت عن الأذهان والعقول عظمة الله جل وعلا، هانت على النفوس المعاصي، ولو قلنا لأحد الناس: يقول فلان بن فلان: ممنوع التجاوز في هذا الشارع، لقال: ومن هو فلان؟ نكرة لا يعرف، فليس حقيق أن يُمتثل لأمره أو يُزدجر عن زجره، أو يُتبع لما أمر به، لكن لو قلنا: قال المسئول الفلاني في الدائرة الفلانية: إن هذا أمر ممنوع لقال: نعم.
لأنه يعرف أن ذلك المسئول رجل في موقع وله مكانة وهيبة، ويتبع من خالفه بالعقوبة.
لو قلت لكم: إن قوة تستطيع أن تجمعكم جميعاً يا من أنتم في هذا المكان في قبضة يدٍ واحدة لقلتم: هذا أمر عجيب! وأي قوة هذه؟ ومن نحن على تعددنا في هذا المكان بالنسبة لسكان المدينة كلها، نحن جزء يسير من سكان المدينة.
وأقول هذا المثال وأردده، وبالمثال يتضح المقال حتى ندرك العظمة، نحن خلق عظيم، ولا يستطيع أعظم الناس أن يجمع خمسة أو ستة منا في يد واحدة، هل نحن فقط من يسكن في مدينة الرياض؟ لا.
بل هناك رجال ونساء وبهائم ونباتات وحيوانات، مليئة بها المدينة، وهل مدينة الرياض كل الكون؟ لا.
هي جزء من المملكة، والمملكة أشبه ما تكون بقارة حفظها الله بالإسلام، هذه القارة مليئة بالجبال والصحاري وعلى حدودها المحيطات والبحار وفيها ملايين البشر، هل نحن كل الكون؟ لا.
المملكة جزء من قارة آسيا، وقارة آسيا فيها مئات الملايين من البشر، وهل قارة آسيا هي العالم كله؟ لا، هناك قارات أخرى -أيضاً- مليئة بالبشر ومن معهم من المخلوقات والجبال والبهائم والنباتات والحيوانات.
إذاً: الكرة الأرضية مجموع مليء بالمحيطات والبحار والأنهار والجبال والبشر إلى غير ذلك اسمعوا قول الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] إذاً نحن نعصي رباً عظيماً، ولو أدركنا سر العظمة لما تجرأنا على الإصرار على الذنوب والمعاصي، لو أدركنا حقيقة العظمة، لما تجرأنا على الذنوب والمعاصي، آخر ما سمعت في عالم مراكز المعلومات أن جهازاً يستطيع أن يتلقى ستين مليون معلومة خلال عشر دقائق، أو أقل من ذلك، ما هذا الجهاز الذي يتلقى ستين مليون معلومة خلال هذه الفترة القصيرة؟! إنه جهاز غريب وعجيب ودقيق.
أين نحن من قول الله جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾ [الكهف:٤٩]؟ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، أما أجهزة المعلومات فتنتهي لو انقطع عنها التيار، وأجهزة المعلومات قد تضيع شيئاً من المعلومات.
إذاً: أين نحن من إدراك سر العظمة؟ إن كلما تكتشفه دول الغرب، وكلما تنتجه أمم التقدم والتكنولوجيا لهو دليل على عظمة الله جل وعلا؛ لأنه ما من أمر عجبنا منه ووقفنا متعجبين متأملين بدهشة وغرابة بسبب الإبداع والتدقيق في تصميمه، إلا ونجد أن عند الله جل وعلا ما هو أعظم منه، وليس هذا بغريب، إذ لا يمكن أن يساوى الخالق بالمخلوق.
حينما نأتي بشاشة تلفزيون الآن أمامكم ومعها سماعة أو لاقطة، ونقول: تستطيع أن تتحدث مع رجل في أمريكا وأنت جالس هنا، تقول: الله أكبر! ما هذه الاختراعات؟! نحن نجلس هنا ونتحدث ونرى من يجلس في أمريكا أو في أبعد القارات، ونعجب من هذا عجباً، ولكننا نمر على قول الله جل وعلا: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠] أين أصحاب النار؟ في أسفل سافلين، وأين أصحاب الجنة؟ في أعلى عليين، والبعد بينهما أبعد مما بين القارات، ومع ذلك بقدرة الله وأمر الله يجعل أهل الجنة يرون أهل النار: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٧] أليست هذه من جوانب العظمة الإلهية؟ لقد وقفنا مندهشين متعجبين مستغربين أمام شيء يسير من صناعات البشر، ونقف أمامها بكل احترام، ولا ننظر إلى عظمة الله جل وعلا ودلائلها في الأنفس والكون: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
فيا معاشر المؤمنين! حينما أقول: إن الذنوب سبب الوهن الذي أصاب الأمة وحل بها، وما ذاك إلا أن الأمة مضت واستمرأت واستمرت على فعل الذنوب والمعاصي، دون إدراك لعظمة هذا الرب الذي تعصيه، ودون إدراك لحقيقة هذا الرب الذي تعصيه في عظمته وعلمه .
فيا معاشر الأحبة: لا شك أن من عصى الله جل وعلا فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً، وأن المعاصي هي أعظم أسباب الوهن والضعف.
أليس عمر بن الخطاب ﵁ لما كتب له أحد قواده يريد المدد لتدعيم جيش المسلمين قال: انظر جندك، هل فيهم عاصٍ لله ولرسوله ﷺ ؟ إني لا أخشى على الجيش من عدوه، ولكن أخشى على الجيش من ذنوبه.
نعم إن الوهن الذي يصيب الأمة، لا يصيبها من أعدائها وإنما يصيبها من ذات أنفسها: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] فتشوا أنفسكم انظروا جرائدكم انظروا إعلامكم انظروا تعليمكم انظروا حياتكم انظروا في مختلف مجالاتكم!! فما رأيتم فيه مخالفة لله ولرسوله فاعلموا أن ذلك سبب الوهن في الأمة.
стр. 2841
الحملات الإعلامية التي تعظم أعداء الله
الأمر الآخر من أسباب الوهن: الحملات الإعلامية المسعورة التي صنعت من الكفار أبطالاً لا يقهرون أبداً، وصنعت من أسلحة الأعداء سلاحاً لا يرده حتى قدر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله! نعم.
أصبح المسلمون يتعلقون بمقدار ما يملكون من القوة والعدد والعتاد، لا أقول هذا على مستوى عامتهم، بل أقول على مستوى البعض، حتى لا نعمم بشؤم القول، عند ذلك يدل هذا على أن حملة إعلامية وجهت للإعلام المعادي للأمة الإسلامية غرست في قلوبنا أن أعداءنا قوة لا تقهر، وأن سلاحهم مدمر لا يمكن أن يرد أبداً.
ولو كانت العقيدة حاضرة موجودة غير غائبة؛ لعلمنا أن الدعاء يرد مختلف الأسلحة وأدوات التدمير الشامل، لكن لما استحكمت الذنوب والمعاصي في النفوس ووافقت:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
وافقت فراغاً وغيبة من حقائق العقيدة وتأملها، أصبحنا نظن أن بوسع أعدائنا أن يهلكونا في أي وقت يشاءون، ونسينا قول الله جل وعلا: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢] ليس من شرط هلكة الأعداء أن تنتهي أسلحتهم كما يظن أكثر البشر أن العدو لا يهلك إلا إذا انتهت أسلحته، بل إن الذي خلق البشر قادر على أن يحييهم وأن يهلكهم وأن يرفعهم، وأن يذلهم ويدمرهم، وقادر على أن يبقيهم، وأن يقلبهم ويخلف أحوالهم: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢].
هذا الأمر لا تعلمونه أنتم ولا أعلمه أنا ولا يعلمه حتى العلماء، عندما تتعلقون بالله يأتي ذلك الأمر.
يوم أن استحكمت هذه الحملة الإعلامية المسعورة من أعدائنا أصبحنا أكثر ضعفاً إلى جانب الضعف الذي بلغناه بما وقعنا فيه من الذنوب والمعاصي، والمصيبة فيما نسمعه من الصواريخ عابرات القارات، ومن أسلحة التدمير الشامل، والرءوس النووية، وتطوير صواريخ أسكود برءوس نووية كيماوية إلى غير ذلك من الحرب النفسية التي تجعل الإنسان حينما يسمع ذلك، يفتح صندوقه ويخرج بندقية صيد ويقول: هل هذه ترد صاروخ أسكود؟ هل هذه ترد أسلحة التدمير الشامل؟ هل هذه ترد؟ فمن شدة الحملة الشعواء على النفسية المسلمة أصبح الإنسان يقارن كلما وصل إليه الأعداء بمجرد ذاته ولا ينظر إلى قوة الله، التي ينبغي أن يتعلق بها، وبهذا استحكم في المسلمين داء عضال ألا وهو الهزيمة النفسية، والله كنا قديماً يوم أن نجلس ونتحدث ونقول: نسأل الله أن يأتي اليوم الذي يجعل شياطين الكفر أسرى في أيدي المسلمين، نسأل الله أن يأتي ذلك اليوم الذي يجعل عمالقة الإلحاد والضلالة أسرى وعبيداً للمسلمين، فيضحك أحدهم ويقول: هذا المجنون لا يملك إلا أربعمائة دبابة ويقول: نقاتل إسرائيل ونقاتل ونقاتل وغير ذلك.
نعم.
لأنه لا ينظر إلا إلى سلاح وسلاح، وبشر وبشر، وقوة بشرية بحتة أمام قوة بشرية بحتة، ولا ينظر إلى قوة الله جل وعلا.
بهذه الهجمة التي تسلطت على نفسية المسلمين، أحدثت الهزيمة والإحباط رغم الخطب والندوات والمحاضرات والكلمات واللقاءات.
يا أمة الإسلام! يا أمة العقيدة! القوة فيكِ، فالقرآن بين يديك، والسنة عندك، كيف تضعفين؟ صيحات القوة والعزة في نفوس الأمة آخر ما تبلغ، يقول بعض الناس: نعم، نحن أقوياء لكن أقنعوا الأعداء أننا أقوياء.
هزيمة نفسية، ومثال هذا يقال: إن هناك رجلاً مجنوناً وليس مجنوناً جنوناً كاملاً بل عنده عقدة نفسية، يظن أن نفسه حبة شعير.
ولذلك لا يرضى أن يدخل في بيته الدجاج والحمام؛ لأن الدجاج يأكل الشعير، ولا يمكن أن يزور أحداً عنده دجاج أو طيور أو حمام، فأخذوا يعالجونه في مصح نفسي لمدة ثلاث سنوات وبعد نهاية العلاج قابلوه قالوا: لعلك أدركت الآن أنك بشر فشفيت من هذه العقدة النفسية؟ قال: نعم.
الآن اقتنعت أنني بشر، لكن أقنعوا الدجاج والحمام.
هي نفس مصيبة المسلم المعاصر الذي يقول اقتنعت أنني قوي لكن أقنعوا الأعداء أنني قوي، إذا اقتنعت بشيء فليس من شرطه أن يقتنع به من يعاديك، هذه الحملة الإعلامية المسعورة التي جعلت أمة الإسلام تقيس قوتها بالمقاييس البشرية البحتة، فضعفت فيها العزة والقوة التي كتبها لها الله جل وعلا، وذلك بما كسبت أيدينا ويعفو ربنا عن كثير.
ولذلك تلاحظ أن أي حوار بين طرفين طرف أوروبي أو غربي وطرف شرقي، تجد الطرف الغربي أو الأوروبي يتحدث معك وأنت تقتنع قبله وتسلم بمعطيات الحديث والنقاش أنك تتحدث مع رجل أقوى منك، في جميع مجالاته، في إعلامه وفي اقتصاده، وفي قوته وفي مختلف إنتاجاته، هذه من أسباب الضعف والوهن الذي حل بأمة المسلمين.
стр. 2842
ضعف العقيدة في قلوب المسلمين
أيضاً سبب أستطيع أن أقول هو الأول وليس الثالث، ألا وهو: ضعف تمكن العقيدة في قلوب المسلمين، إذا كنا نقول: إن الوهن كما بينه ﷺ هو حب الدنيا وكراهية الموت، فإن المسلم الذي يتعلق قلبه بالدنيا ويكره الموت، هذا مسلم قد غاب عن نفسه أو عن فكره أن الذي يميت هو الله، وأن الذي يحيي هو الله، وأن الذي يقسم العمر هو الله، وليست الدبابة أو الطائرة أو المدفع هي التي تقتلنا، وليست الرشاشات ولا المدافع ولا أسلحة التدمير الشامل أو الغازات الكيماوية هي التي تقتلنا، وإنما يقتلنا الأجل بأمر الله ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
إن نام عنك فكل طب نافع أو لم ينم فالطب من أذنابه
أخطر حالة حينما يكون الأجل مندفعاً عنها، قد تشفى بغير سبب، وقد تشفى بأدنى علاج، وإذا حضر الأجل ولو لم تكن مريضاً انقطع النفس وانتهت الحياة فوراً.
إذاً أيها الأحبة! لنعلم أن الذي يقتلنا هو الأجل، وليس الذي يقتلنا هو العدو أو السلاح، وأما ما خوفت به أمة الإسلام في هذا الزمان خاصة هذه الأيام.
ويخوفونك بالذين من دونه، وما من سلاح وصلت إليه علوم الحرب، وتقنية الحروب إلا وجرب في أفغانستان، ومع ذلك ما ضر ذلك الشعب ما جمع وألب حوله وضده، أطلقت غازات كيماوية على المجاهدين بـ أفغانستان، يأتي المجاهد الأفغاني البسيط ويبل البطانية ويلفها هكذا ويحمل الرشاش، ويمر بين الغاز حتى يصل إلى الجبهة التي يريد أن يقاتل فيها، لماذا لا يموت هذا الأفغاني؟ لأن أجله لم يحضر، أحد الشباب يخبرني عن رجل من المجاهدين من جزر القمر اسمه أبو زيد القمري، يقول: كان في منطقة من مناطق الجهاد وهي منطقة مكشوفة، والمنطقة المكشوفة تكون نسبة التحرك والحرية فيها صعبة جداً قال: فكان يأتي في الليل ويحفر خندقاً برميلياً -يحفر في الأرض ما يكفي بأن يوضع فيه برميل أو ما يشبه حجم برميل- ويجمع فيه قذائف الآر بي جي التي هي مضادات الدبابات، ويضعها في هذا الخندق، ويقف على ممر طريق الدبابات فإذا دنت الدبابة خرج وقد ركب قذيفة الآر بي جي وأخذ يضرب بها، ويحلفون بالله أن الدبابة تضرب باتجاهه، فتذهب القذائف يميناً ويساراً؛ لأنه لم يحضر أجله، ولذلك لا تصيبه القذيفة، ويبعدها الله عنه، أهذا ضعفٌ في تحديد الهدف بالنسبة لجهاز الرادار في الدبابة؟ لا.
جهاز الرادار يضع الهدف في وسط الصليب، ثم اضرب وإن كنت ملتفتاً يميناً أو شمالاً.
يقول: ذات يوم خرج أبو زيد القمري وإذ بدبابتين، فضرب الأولى، واحتاج وقتاً ثانياً لكي يركب القذيفة، وإذ بالدبابة الثانية توجه فوهتها إلى صدره وبطنه، -أتظننه رجع إلى برميله وخندقه؟ لا.
وإنما أخذ يتلو كلام الله جل وعلا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]- فضربت الدبابة الضربة الأولى وإذ بها تمر من جواره ولم تصب منه شيئاً، ثم ركب قذيفة الآر بي جي ووجهها على برج الدبابة، فإذا بالدبابة تتفجر وقائدها يموت، لماذا؟ -هذا مثال بسيط عما يحدث لإخواننا في أفغانستان - لأن الآجال هي التي تقتل وليس الدبابة أو الطائرة أو القنابل العنقودية أو قنابل النابالم، أو غير ذلك.
والله إنه لا يقتلك إلا أجلك، فإذا حضر الأجل عند ذلك لو اجتمع أطباء الأرض والسماء، والجن والإنس، وكان بعضهم لبعض ظهيراً، ما استطاعوا أن يؤخروا من أجلك لحظة، لما حضرت شاه إيران الوفاة، حضر ستة وثلاثون طبيباً استشارياً وأحضروا مجموعة من الأجهزة والمغذيات، وأجهزة تنشيط ضربات القلب، وفي هذه الفوضى من الآراء والخلافات والأسباب والإسعافات يأتيه ملك الموت، فيقبض روح هذا الهالك ويدعهم على جثته يختلفون.
إذاً يا أحباب: حينما تغيب هذه المعالم من نفوس الأمة المسلمة عند ذلك يخشون الموت.
الكافر يحب الحياة حباً عظيماً، وهو مستعد أن يتنازل عن كل شيء حتى عن كرامته وعرضه، وعن دينه إن كان له دين أو عقيدة في سبيل أن يبقى حياً، أما المسلم فلا، لأن الله جل وعلا علم أمة الإسلام ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] لماذا أتنازل في لحظة قد تكون لحظة الحياة وليست لحظة الموت، حينما يقف المسلم في مواجهة مع الكافر مواجهة عسكرية ينبغي للمسلم أن يعلم أن هذه المواجهة ليست هي الموت، إنما هي موقف من المواقف التي أمر الله أن نقف فيها ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] من مواقف الإعداد والمواجهة والمقابلة، فإذا كان المسلم لا يهاب الموت ويعلم أن الموت بيد الله، ويعلم قول الله جل وعلا في شأن أولئك المنافقين الذين ثبطوا وأرجفوا وقالوا في قتلى أحد: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] كان المنافقون يقولون: لا داعي لأن نخرج لمواجهة الكفار خارج المدينة، والمتحمسون من الصحابة والمجاهدين يقولون: نخرج لملاقاة الأعداء، فكتب الله ما كتب، يقول الله جل وعلا مقرعاً وموبخاً أولئك المنافقين: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] أي إنسان تكتب له الوفاة، فإنه حتى ولو كان نائماً في بيته فإنه يخرج إلى مصرعه ومكان مهلكه في المعركة فيقف فيه، فتأتي قذيفته أو تأتيه الرصاصة أو الضربة التي تميته، ويوم أن غاب هذا المعلم عن نفوس المسلمين تعلقوا بالدنيا، وظنوا أن بالتعلق فيها الحياة، وخافوا من المواجهة، ومن الجهاد ومن الحرب، وظنوا أن في هذا الموت وليس هذا بصحيح أبداً، فليس الجبناء أطول الناس عمراً، وليس الشجعان أقل الناس عمراً.
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما
ترددت استبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثل أن أتقدما
قال خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة: [والله ما تخلفت عن معركة أو غزوة أو سرية بعد أن آمنت، والله ما في بدني هذا موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، ألا لا نامت أعين الجبناء] لو كان الإقدام والحرب والمعارك هي التي تأتي بالموت، لمات أول الناس خالد بن الوليد؛ لأنه كان أشجع القوم.
فيا أحبتنا! حينما غاب هذا المعلم عن نفوس المسلمين تعلقوا بالدنيا وخافوا من الموت، فأصابهم الوهن الذي ذكر النبي ﷺ : (حب الدنيا وكراهية الموت).
وماذا عن حب الدنيا -التعلق بالمال- نظن أن الجبن والخوف هو الذي يجعلنا نحافظ على ممتلكاتنا وأموالنا، انظروا على سبيل المثال ما حل بإخواننا في الكويت، أسأل الله أن يعجل عودتهم أعزاء مكرمين إلى بلادهم، ليست الحروب والمواجهات، وليست الشجاعة والإقدام هي التي تجعل المال أو الثروة تهلك، قد يكون هلاك المال والثروة بتسلط عدو خارجي، فجاءوا إلى الأموال وأخذوها من صناديقها وخزائنها ومخازنها.
إذاً: لم يكن هذا البعد ولم يكن ذلك التأخر سبباً في الحفاظ على الثروة والمال، إنما لما كتب الله ما كتب وقعت الواقعة جملة واحدة، وإذا أراد الله أن يتم أمراً سلب ذوي العقول عقولهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يوم أن غابت هذه المعالم وهي أن الرزق والأجل (حب الدنيا وكراهية الموت) - بيد الله وأنها بأمر الله، ولا يقسم منها شيء إلا الله (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
فيا أيها الأحبة! يوم أن غابت نفوسنا عن هذا الأمر أصبح الوهن متحكماً في نفوسنا.
стр. 2843
ضعف الولاء والبراء
السبب الرابع من أسباب الوهن: وقد ذكرنا من أسباب الوهن: - السبب الأول: الذنوب والمعاصي وعدم المبادرة بالتوبة منها.
- السبب الثاني: الحملة الإعلامية التي انطلت على المسلمين وظنوا أن الأعداء قوة لا تقهر.
السبب الثالث: غيبة معالم جلية من العقيدة ألا وهي الأجل والرزق أنها بيد الله جل وعلا، وهذه النقطة الثالثة، لا يكفيها وقفة ولا تكفيها محاضرات؛ لأن القرآن مليء ببيانها وشأنها.
- السبب الرابع: ضعف الولاء والبراء.
إن أمة من أمم المسلمين قد تدعم أمة أخرى اتقاء شرها، وليس هذا الأمر فيه ولاء أو براء وليس هذا البذل مبنياً على منهج إسلامي قويم واضح وجلي، وعند ذلك تجد الأمة التي تدعمها تنقلب عليك في أي لحظة من اللحظات، أنت تظن أنك تقوى بها فإذا بك تجد الخيانة والإخلاف والغدر من هذه الأمة التي أنت دعمتها.
إذاً فحينما يحصل ذلك لا تجد في نفسك إلا ضعفاً ووهناً، ويوم أن يكون البذل والدعم لله، أن نعطي لله، وأن نمنع لله، وأن ندعم لله، عند ذلك نكون قد أعطينا ومنعنا وبذلنا أمة تقف معنا في كل موقف يرضي الله جل وعلا، وتقف معنا في كل موقف قد يُعتدى فيه على أعراض المسلمين أو حرماتهم، هذه مسألة وليس بعيب أن نطرحها لبيانها وإيضاحها، ولا يفهم البعض أنني أقصد هنا الاستعانة بقوات أجنبية، هذه موضعها آخر، وانتهت وحسمت بقول الثقات والأتقياء، والبررة من علماء الأمة، فإن الذي يخبط أو يتكلم في قضية الاستعانة بالقوات الأجنبية أقول: ليس لكلامه موقع بعد أن حُسم الأمر بكلام هيئة كبار العلماء، ومجلس القضاء الأعلى، فليس هذا مقصد حديثنا، حتى لا تختلط القضية بين مسألتين، أقول: إن من أسباب الوهن أن تعتمد على قوة لا تعضدها أو تدعمها لله وفي الله، خاصة إذا كانت هذه الأمة تقوم على منهج لا يرضي الله جل وعلا.
هذه من أخطر الأمور؛ لأن من تعلق بشيء وكل إليه، فإذا تعلقنا بالله جل وعلا فنعم الوكيل، وإذا تعلقت الأمة بغير الله، فقد تعلقت بضعف وخزي وخيبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وعلى أية حال حينما نتحدث عن أمور في مجتمعنا أو في غير مجتمعنا فإنما هو حديث بيان النفس، وما ينبغي لنا أن نتخذه من المواقف الإيجابية، وحسب المؤمن أن يعتبر، وأن يأخذ الدروس والعظات في كل حياته ومواقفه.
أقف عند هذا الحد -أيها الأحبة- فيما يتعلق ببيان بعض أسباب الوهن التي وقعت في الأمة وعلاجها واضح، وهو ترك الذنوب والمعاصي والبراءة منها، والمبادرة بالتوبة إلى الله منها، والإقبال على الله جل وعلا.
أما قضية الحملة الإعلامية المسعورة ضد المسلمين: هذه يمكن أن نستلهم ما يناقضها وأن نفهم ما يفندها من خلال إعلامنا ومن خلال مجالاتنا، ومن خلال مختلف الوسائل التي تبين أن الأعداء وإن اجتمعوا فإنهم لا يقضون علينا بشيء لم يكتبه الله جل وعلا، وإنما يقضى علينا بما كتبه الله.
الأمر الثالث: قضية العقيدة، أن نجدد فهم العقيدة في القلوب.
الأمر الأخير: أن نعرف من هم أصدقاء أمة الإسلام، ومن هم إخواننا في الإسلام، ومن هم أحبابنا في الإسلام الذين يقاتلون في سبيل الله، والذين يقاتلون لإعلاء كلمة الله، والذين يقفون معنا جنباً إلى جنب في أي أمر يصيب أمة الإسلام، أما أن نظن أن كل من يتقى شره قد ينفع، فهذا ليس بقاعدة مطردة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على محمد.
стр. 2844
الأسئلة
стр. 2845
شغل الأوقات بمتابعة الأخبار
السؤال
البعض من الناس يشغلون وقتهم كله بتتبع الأخبار والصحف، وقد تشغلهم عن الصلاة أو تؤخرهم عنها، فنرجو من فضيلتكم التذكير بأهمية الصلاة والدعاء، حيث أنه ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة؟
الجواب
أولئك قد يصدق عليهم شيء من قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] والله كل هؤلاء الذين اشتروا الراديوهات، وكل الذين سمعوا الأخبار وكل الذين تابعوا التحليلات ما قدموا خطوة ولا أخروا خطوة، لكن استفاد أصحاب الراديوهات، لأن أولئك تعلقوا كثيراً بالتصريحات، ماذا يقول فلان؟ مبادرة خافير بيريز ديكويلار هل تمت أم لا؟ هل نفعت أم لم تنفع؟ قمة بوش وجورباتشوف هل أصلحت شيئاً أم لم تصلح؟ والناس ينتظرون النتيجة أن تحل بأيدي البشر؛ لا والله ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢].
فيا إخواني: بدلاً من أن نصرف في شراء الراديوهات هذه الأموال نتصدق بها؛ لأن الصدقة ترفع البلاء، وتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء، وحاجتنا إلى أوقات ضيعناها، لندن تمدد ساعتين إضافي، ومونت كارلو تمدد، وحاجتنا والله ولو لجزء من هذا الوقت حاجة ضرورية في أن نصرفه في الدعاء والتضرع إلى الله جل وعلا.
إلى الماء يسعى من يغص بلقمة إلى أين يسعى من يغص بماء
والله مصيبة الأمة في هذه الضلالة والجهالة، وإذا لم تتوجه الأمة إلى الله وتبادر بالفزع والضراعة إلى الله فمتى تبادر ومتى تتوجه إلى الله؟!
стр. 2846
نصيحة للمغرورين بأنفسهم
السؤال
كما ذكرت جزاك الله خيراً يعتقد بعض الناس بأنهم غير مقصودين إذا ذكرت الذنوب والمعاصي، وكما يقول أنه عاشر بعض هؤلاء واقترب منهم ووجدهم يرتكبون الكثير منها، من غيبة وحسد لبعض طلبة العلم وغير ذلك من المعاصي الغير ظاهرة، فنرجو توجيه نصيحة لهؤلاء؟
الجواب
الذنوب تختلف، ولكن هناك ذنوب إذا أصر عليها العبد أصبحت كبائر، وكل ذنب تصر عليه يكون من الكبائر، وكل ذنب تتوب منه فإن التوبة بمن الله تجب ما قبلها، ولكن أقول بالنسبة للغيبة والنميمة، فما رأيت ذنباً أخبث من هذا، نسأل الله أن يجنبني وإياكم منه، تعرفون الغيبة والنميمة ما وضعها؟ رجل عنده صندوق يصلي الفجر مع الجماعة ويضع فيه حسنات، ويصلي الضحى أو يتصدق ويضع فيه حسنات، ويصلي الظهر ويضع فيه حسنات، ويصلي العصر ويضع فيه حسنات، ويضع فيه حسنات صلاة المغرب والعشاء، يعني صندوقه امتلأ بالحسنات التي تحققت له بسبب العبادات والصلوات، وبعد صلاة العشاء يجلس في مجلس فتسمعه يقول: لا تدري ماذا فعل فلان؟ فيه وفيه، كأنما أدخل يده في هذا الصندوق، وحمل وقراً عظيماً وأعطاه مجموعة من حسناته، ثم انتهينا من صفحة فلان، هات فلان الثاني، وكذلك أخذنا مجموعة من الحسنات وأعطيناه إياها، فما قمنا من المجلس إلا والصناديق التي جمعناها وملئت بالحسنات وزعناها وفرقناها على فلان وعلان الذين تكلمنا في أعراضهم ولا حول ولا قوة إلا في الله.
стр. 2847
دعوة المسلمين للتبرع لإخوانهم الأفغان
السؤال
لقد تأثر الجهاد الأفغاني بالأحداث الأخيرة في الخليج حيث انقطع ما يرد من الكويت وغيرها، وانشغل الناس عن إخوانهم هناك، لذا نرجو من فضيلتكم توجيه دعوة وحث المسلمين للتبرع لإخوانهم ومساعدتهم؟
الجواب
كنا نظن أنه عندما حصلت هذه الواقعة أن يتضاعف دعم المجاهدين لعلنا بدعم المجاهدين -الصدقة والبذل في سبيل الله- يدفع عنا البلاء الذي نحن فيه، وإذ بالنفوس تشح ويصيبها الهلع والفزع، ويقع فيها قول الله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] أصبح الناس لا يرون أمامهم إلا الفقر وانقطاع الأرزاق والأغذية من الأسواق، والذين تعودوا البذل والصدقة في سبيل الله ما عادوا إلا القليل؛ لأن منهم من أخذ أمواله يجمعها ويقول: خل قرشك الأبيض ليومك الأسود، ينتظرون اليوم الأسود، خل القرش الأبيض يدفع عنك اليوم الأسود، والكلام الصحيح أن تتصدق وأن تبذل في سبيل الله لكي يدفع عنك البلاء فالله الله يا إخواني! لا تنسوا المجاهدين، لا تنسوا المجاهدين، والله إن قامت للمجاهدين في أفغانستان دولة مسلمة سنية والجهاد ما قام إلا لأجل هذا، والله إن هذا سيلخبط حسابات العالم، وسيلخبط حسابات الدول الكبرى التي ترسم مخططاتها لضرب المسلمين، والله إذا قامت دولة الإسلام في أفغانستان سيكون هناك كماشة في مفترق الطرق، تكون حجر عثرة أمام أعداء الإسلام، أفغانستان بين ثلاثي، بين المد الشيعي في إيران، والمد الوثني في الهند، والمد الإلحادي الروسي في الاتحاد السوفيتي، وحينما نغرس دولة إسلامية سنية بين ثلاث جوانب وثنية وشيعية وإلحادية، سيكون هناك صمام أمان يحفظ تقدم أي قوة غاشمة من هذه القوى.
стр. 2848
ظاهرة التأخر عن صلاة الفجر
السؤال
من مظاهر الوهن الذي نلاحظه على البعض التأخر عن صلاة الفجر، فما توجيهكم لهؤلاء؟
الجواب
لا شك أن التأخر عن صلاة الفجر ذنب من الذنوب ومعصية من المعاصي التي من شأنها إحداث الوهن والضعف في حياة المسلم والمسلمين أجمعين.
أقول: من واجبه أن يتقي الله جل وعلا، وأن يبادر بشكر نعم الله ، وألا يضيع فريضة وهو على صحة وعافية، هل أنت مشلول؟ هل أنت معاق؟ هل أنت في مستشفى النقاهة؟ هل أنت لا تستطيع الوصول إلى المسجد؟ ما الذي بك؟ أتقول إن الذي بي هو السهر في الليل، ومشاهدة الأفلام أو سماع الملاهي، أو النوم متأخراً بالحديث والسواليف؟ وتجعلها مبرراً لترك صلاة الفجر، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام:٤٣] لما حدث هذا البأس، كنا نظن أن المساجد سوف تمتلئ وسنكون مثلما نكون في رمضان، فالذي لا تراه في المسجد سوف تراه، والإنسان الذي عنده ذنوب ومعاصٍ سيقلع ويتوب وسوف يغير، وإذ بالناس لم يغيروا شيئاً اللهم إلا أنهم اشتروا الراديوهات فقط، القليل والله يا إخوان بمجموع الأمة هم الذين يمكن أن ترى فيهم نوع تقى، وإلا فالأمور كما هي، لكن نسأل الله أن يمن على ولاة أمرنا بأن يغيروا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
فإننا لا نستطيع أن نغير الخوف والفزع إلا إذا غيرنا من المعاصي إلى الطاعات.
стр. 2849
الأسباب والمسببات في أقدار الله
السؤال
هناك إشكال: كيف نجمع بين كون الدبابات والصواريخ ليست سبب موت مع أن الموت في الواقع أو المشاهد يقع بسببها؟
الجواب
هذا ليس بصحيح، الذين يواجهون الصواريخ والدبابات عدد كبير، ومنهم من يموت بأجله ومنهم من يخطئه، أي: لا يموت لأن أجله لم يحضر، فهذا الكلام الذي تقوله ليس بصحيح، والشاهد على ذلك ما أخبرت لك بمثال في أفغانستان، ولما قال عبد الله عزام ﵀ رحمة واسعة، وجعله في جنات النعيم، وغفر للذين نالوا من عرضه وتكلموا فيه لما كتب كتابه آيات الرحمن في جهاد الأفغان، قالوا: هذه خرافات، وهذا ليس بصحيح، بل كله آيات وكرامات تدل على أن من لم يصبه الأجل، فإن الموت لا يأتيه، عدد من المجاهدين ربما وجه الرشاش عليه وينفض ثيابه والرصاص يسقط منها، يا إخوان! قد يكون غريباً وعجيباً عليكم، لكن الذين يتعاملون مع الله، ومع قدرة الله التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، والله لا يمكن أن يكون هذا غريباً أو صعباً عليهم.
стр. 2850
الفرق بين حب الدنيا والسعي لتحصيل قدر منها
السؤال
ما وجه الجمع بين قول الله : ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] وبين قوله ﷺ : (حب الدنيا وكراهية الموت) في تفسير الوهن؟
الجواب
ليس هناك تعارض، الجمع يكون بين أمرين متعارضين، لا يوجد هنا تعارض، الوهن هو: (حب الدنيا وكراهية الموت) وليس قول الله: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ﴾ [القصص:٧٧] يدل على أنك تحب الدنيا، بالعكس بل يدل على أنك تكون قنوعاً تأخذ من الدنيا قدر كفايتك، ولا تتعلق بها، وإن سعيت في جمعها فتجعلها في يدك، ولا تجعلها في قلبك، وتجعلها خادمة لك ولا تكون خادماً لها، وأن تسخرها في طاعة الله، ولا تسخر نفسك لأجلها، فليس هنا أي تعارض أبداً.
стр. 2851
استمرار الجهاد في فلسطين
السؤال
فضيلة الشيخ: نحن نعلم أن مشكلة فلسطين هي المشكلة الرئيسية، فهل تظن أن سبب ما حل لإخواننا في الكويت وغيرها من المصائب، هي لأننا أدرنا وجوهنا وأقفلنا باب الجهاد في فلسطين؟
الجواب
والله يا أخي! ما أدرنا وجوهنا، ليس بصحيح هذا، والله ما نسينا فلسطين لا بالدعاء ولا بالبذل بما نستطيعه، ولكن شتان بين أفغانستان وفلسطين، فلسطين أخذت زمناً تحت منظمات كافرة، ومنظمات علمانية، ومنظمات وإن انتسبت إلى الإسلام فإنها لم ترفع الجهاد بصدق، إلا ما نراه أخيراً من منظمة حماس، وهي التي يجب أن تدعم، خاصة وأن أغلب الدعم الذي يقدم إلى منظمة حماس من مسلمي الكويت، والآن الكويت ذهبت فمن يدعم حماس؟ الأمل في الله ثم فيكم كبير، لكن أقول: إن عدداً من الناس حاولوا أن يقتاتوا وأن يجمعوا المال باسم فلسطين ولكن حقيقة الأمر أننا لم نعرف في فلسطين جهاداً صادقاً إلا من منظمة حماس، أما منظمة أيلول الأزرق، وأيلول الأحمر والصياح والأغاني والأناشيد فوق التل وتحت التل وجنب التل، ولم نرَ شيئاً، وبعض رجالاتها يتمنى أن يقابل الرئيس الفلاني الكافر، ويترجى أن يقابل الرئيس الفلاني الكافر، ولا أبلغ مما قال سياف رئيس وزراء المجاهدين عندما جاءه أحد المسئولين الفلسطينيين يريد مقابلته من أجل واسطة لحل القضية الأفغانية، قال قولوا له: إني أكره أن أنظر إلى وجهه فضلاً عن أن أقابله.
قالوا: يريد مقابلتك في الفندق، قال: قضيتنا تحل في الخنادق، ولا تحل في الفنادق.
حينما توجهت فلسطين أو هذه المنظمة الأخيرة منظمة حماس للجهاد في سبيل الله، تعلقت بها قلوب المسلمين وتحركت تبرعات المسلمين لها، وأما ما سوى ذلك فلسنا أغبياء، ولا يمكن أن تنطلي علينا الحيل، حتى وإن تكلموا في الإذاعة، فلا يمكن أن نصدق حتى نرى البراهين، لماذا صدقنا الجهاد في أفغانستان؟ لأننا رأينا البراهين، رأينا العزة في أبهى صورها، ورأينا البسالة والتضحية وقيام الليل والصيام والدعاء والقنوت والرباط في سبيل الله والتعلق بالله، براهين قوية على صدق هذا الجهاد.
أما ما يتعلق قديماً بـ فلسطين فشأنها شأن آخر، لكن أقول: بالنسبة لما حدث أخيراً أو مؤخراً من منظمة حماس، فوالله إننا نرجو أن يوفقها الله جل وعلا إلى أن تكون سبباً لتحرير المسجد الأقصى، وأقول: بالمناسبة ليس كل الفلسطينيين أيدوا ما حصل من العراق على الكويت أو ما يسمونه بالحملات الإعلامية ضد السعودية، افهموا هذا جيداً ولذلك فإنني أقول: إننا نرجو من تلك الفئة التي لم تخدع ولم تنطل عليها تلك الشعارات البعثية الزائفة؛ نرجو فيها خيراً كثيراً بعد الله جل وعلا.
стр. 2852
تخزين المواد الغذائية في المنازل لا ينافي التوكل
السؤال
بعض الناس أو بعض العلماء بالأصح انتقدوا الذين يخزنون المواد الغذائية، فهل هذا ينافي التوكل نرجو التوجيه؟
الجواب
جمع الرز لا ينافي التوكل، ولم نجد في كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، باب جمع الرز ينافي التوكل، هذا ما رأيناه، لكن أقول: إن الرازق هو الله، والأمر بيد الله وإلى الله أولاً وأخيراً، وليس عيباً أن تشتري لك كيساً أو كيسين أو ثلاثة؛ لكن العيب الذي حصل من الأمة أنهم بدلاً من أن يفزعوا إلى الله، فزعوا إلى الرز والدولار، فهذا هو العيب الذي لوحظ على كثير من المسلمين.
يا إخوان! كلمة أخيرة أقولها لكم وأوجهها لإخواني الكويتيين: الأمل في الله، ثم في مساعي قادة المسلمين أن يحققوا لها نصراً وأن ترد الكويت إلى أهلها، هذا ما نرجوه ونسأل الله أن يحققه، لكن هل نظن أن المبادرات والاجتماعات وهيئة الأمم ومحكمة العدل الدولية، ومجلس الأمن سترد الكويت؟ لا.
والله لا ترد الكويت إلا بالجهاد في سبيل الله، وكما يقول سياف: إن الكفار لن يضحوا بأولادهم من أجل أولادكم، ولن يضحوا بأموالهم من أجل أموالكم، وهذا الكلام صحيح، هل نظن أن كافراً يقول الله فيه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] هل نظن أن هذا سوف يضحي بنفسه من أجل أن أحيا أنا أو تحيا أنت؟ لا والله.
إذاً: فلا بد أن نعد للجهاد في سبيل الله، وأقول هذا لإخواني الكويتيين، وأقول لهم أيضاً: إن الشباب المسلم في المملكة العربية السعودية وفي قطر وفي الإمارات ومختلف دول الخليج الذين قتلوا واستشهدوا وماتوا في أفغانستان تلبية لنداء الجهاد، هل سيبخلون أن يجاهدوا في الكويت؟ لا والله، لكن إذا رفعت راية الجهاد منظمة مرتبة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء:٧١] جمع ثبه وهي: الفئة الصغيرة المنظمة ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ [النساء:٧١] الكويت تعود لنا بالجهاد في سبيل الله، وإذا قُدر أن القوات المشتركة كان لها دور في عودة الكويت على الأقل نمر رافعي الرأس في مقدمة الركب، ونقول: نحن الذين بادرنا برفع السلاح لتحرير الأرض والبلاد، لكن يوم أن نقعد نكون في أحد أمرين: لو حررت البلاد من قبل القوات المشتركة ما هو وجهي ووجهك ونحن نشعر أن غيري وغيرك جلسوا وغيرهم طهروها من الأعداء، والله ما لك وجه ترفعه، لأنك جلست مكتوف الأيدي وغيرك هو الذي حرر لك بلادك، يعني: لو أن بيتك دخل فيه لص وخرجت من البيت واستدعيت جارك، فمالك أي كرامة وقوة أمام جارك هذا؛ لأن جارك هو الذي أخرج اللص، أنت لم تخرجه، وإنما جارك هو الذي أخرج اللص.
فأقول: إن الكويت لن تعود إلا برفع راية الجهاد في سبيل الله، فعلى الإخوة الكويتيين أن ينتبهوا لهذا الأمر وأن يتصلوا بالشباب الكويتيين في مختلف المدارس والمجمعات، وأن يرتبوا دعوتهم إلى الله، وأن يعتنوا بهم في سماعهم وفي قراءتهم وفي مناهجهم وأن يتعاونوا معهم وأن يحدثوهم بالجهاد ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] وأن يعلموهم فضل الرباط، فضل الشهادة في سبيل الله، وفقه الجهاد وآيات الجهاد وأحاديث الجهاد.
لنا فرس لم تنجب الخيل مثلها فتحنا بها الدنيا يقال لها الردى
حينما نضع الموت على الأكتاف والأكف، ونقابل أقواماً يحبون الحياة، عند ذلك يستعدون أن يقدموا كل ما نريده حتى لا يتفجر الجهاد في المنطقة، فلا سبيل لنا إلا بالجهاد في سبيل الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 2853
أيها الشاب! من أنت ؟!
أيها الشاب! من أنت؟! موضوع جميل وشيق تناول فيه الشيخ موضوعات متعلقة بالشباب، تشحد الهمم وتوجه العقول، ومن تلك المواضيع: الإرادة تبني الرجال العبادة هي الغاية من الخلق وزن المسلم لا يقدر بمال طريق الجنة ولقاء الأحبة من الرسول وصحبه دور المسلم في هذه الحياة ماذا قدمنا أيها الشاب للإسلام مع مواضيع أخرى تناثرت بين طيات هذا الدرس.
стр. 2854
الإنسان بين البداية والنهاية
الحمد لله الذي لم يزل بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعَبَدَ ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! أحمد الله الذي جمعني بكم على اجتماع طاعة ورضوان من الله في حلقة من حلق الذكر، في بيت من بيوت الله ، ما الذي جمعكم؟ ما الذي جاء بكم؟ ما الذي أخرجكم من بيوتكم؟ ألستم ترجون رحمة الله؟ ألستم تريدون ثواب الله؟ ألستم تسألون الله العتق من النار؟ ما الذي جاء بكم؟ ألستم تريدون رفعة في درجات الآخرة، وقرباً من النبي ﷺ يوم تردون على حوضه الشريف ﷺ ؟ ما الذي جاء بكم؟ ألستم تريدون زيادة من الهدى أو نوراً من اليقين؟ أبشروا فإن الله كريم، والله لو اجتمع نصف هذا الناس عند ملك من الملوك أو غني من الأغنياء أو ثري من الأثرياء يريدونه شيئاً يقدر عليه، ولا ينقص من ماله إلا الشيء اليسير أو نصف اليسير أو أكثر من اليسير لأعطاهم، فما بالكم وأنتم تجتمعون في هذا المكان تريدون وجه الله، تسألون الله الجنة، وتستعيذون به من النار، والله جل وعلا لو أعطى كل واحد منكم مسألته، وتاب عليكم، وغفر لكم، ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، فأحسنوا الظن بالله، كما في الحديث: (أنا عند ظنِّ عبدي، وأنا مع عبدي إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه).
حديثنا أيها الإخوة عن الشباب، والشباب والله هم نعمة أو نقمة، هم مصيبة أو طامة أو خيرات تتدفق، أو أشجار تزهر وثمرات تعطي عطاءً طيباً في كل زمان ومكان.
الشباب إما بلاء على الأمم وإما دفاع وحصن منيع عن الأمم، وذلك بقدر ما يلتفت إليه الشباب، وبقدر ما يعتني به الشباب، وبحسب ما يتربى عليه الشباب، فإن تربوا على خير وجدت خيراً، وإن تربوا على غفلة وجدت غفلة، وإن تربوا على لهو وجدت لهواً.
أيها الشاب: أخاطب كل واحد فيكم الآن، وليس الشاب هو من كان في العشرين أو في الثلاثين، بل حتى أهل الأربعين، ومن شاب بدنه فإن عقله لا يزال شاباً نشيطاً بإذن الله في طاعة الله ، أقول: أيها الشاب من أنت؟
أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
أبدأ بكم بالمعاد قبل البداية، وبالنهاية قبل الانطلاقة، أيها الشاب من أنت وقت البداية، ومن أنت وقت النهاية؟! كل واحد منكم نزل من بطن أمه وهو يبكي، أم أن أحدكم نزل من بطن أمه وهو يخطب، أو أن أحدكم نزل من بطن أمه وهو يضحك؟ لا، كل واحد منكم نزل من بطن أمه وهو يبكي.
فالسؤال الآن: نزلت من بطن أمك إلى الدنيا وأنت تبكي، فإذا نزلت من بطن الدنيا إلى القبر فهل ستنزل ضاحكاً، أم ستنزل باكياً متأسفاً على المعاصي والمعازف والملاهي والفواحش والسيئات التي اقترفتها وأصررت عليها واستمريت على فعلها؟ أخي أيها الشاب: الله جل وعلا خلقك في أحسن تقويم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين:١ - ٢] يقسم الله بهذه جميعاً ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤].
والله جل وعلا كرمك وجعل لك منزلة تفوق بها سائر البهائم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠].
والله جل وعلا على لسان نبيه جعل حرمة عظيمة لدمك، وحرمة لعرضك، وحرمة لمالك، نظر النبي ﷺ إلى الكعبة فقال: (ما أعظم حرمتك عند الله! وإن المسلم أعظم حرمة منك عند الله جل وعلا) الكعبة المشرفة أول بيت وضع للناس! حرمتك أيها الشاب ومنزلتك وعصمة دمك ومالك وعرضك بمنزلة تفوق منزلة الكعبة عند الله جل وعلا، لكن متى؟ إذا كنت عبداً لله!! أما إذا كنت عبداً للهوى، وللشيطان، وللأفلام، وللمسلسلات، وللملاهي، وللأغاني، ولسهرات الليل، ولكل معصية فلست كذلك؛ لأن الله جل وعلا ذكر شأن الإنسان في القرآن على أحوال، فتارة يذكر الإنسان بأنه مكرم، وتارة يذكر بأنه عزيز، وتارة يذكر بأنه في منزلة عالية، وتارة يذكر أنه في الحضيض بل أقل درجة من البهائم، قال تعالى في شأن الكفار ومن أعرض عن ذكره: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] وقال تعالى في شأن من أعرض عن ذكر الله وترك آيات الله وانسلخ منها: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦].
فأنت أيها الإنسان إما أن تكون مثلاً لأعلى الأمور وأَجَلَّها وأرفعها منزلة، وإما أن تكون مثلاً لأهونها وأقلها مكانة، أنت إما نعمة أو نقمة:
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
وتحسب أنك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
стр. 2855
الإرادة تبني الرجال
لو أن الإنسان اجتهد أن يكون نافعاً ومؤثراً وقائداً لاستطاع أن يقدم خيراً كثيراً.
أبو بكر الصديق أليس شاباً من الشباب، أليس إنساناً من بني الإنسانية، ومع ذلك انظروا إلى فضله ومنزلته وبركته على دين الإسلام.
عمر بن الخطاب أليس شاباً من الشباب، أليس رجلاً من الرجال، انظروا إلى مكانته ومنزلته.
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، محمد بن عبد الوهاب، قادة الإسلام، المصلحون والدعاة أليسوا رجالاً وشباباً، أليسوا مثلكم، لكل واحد منهم عينان، وله أنف واحد، وله أذنان، وله يدان ورجلان، ما تميز عنكم بشيء، ولكن تميزت القلوب؛ فاختلفت الأفعال؛ وتباين السلوك.
إذاً: نحن باستطاعتنا أن نكون كهؤلاء القادة.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀، أليس رجلاً من الرجال وفي نشأته كان شاباً من الشباب! انظروا بركة فضله وعلمه على العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً! الشيخ محمد بن صالح العثيمين أليس شاباً من الشباب ورجلاً من الرجال! انظروا بركة علمه وثمار خيره.
الشيخ سلمان العودة أليس شاباً من الشباب! انظروا ثمرة محاضراته ونتيجة علمه وفقهه.
إذاً أيها الإخوة: لا يوجد ماء معين من شربه كان عالماً ومن لم يشربه أصبح جاهلاً.
لا يوجد (بشت) أو (مشلح) معين من لبسه كان عالماً، ومن لم يلبسه فهو من الجهلاء.
لا يوجد طعام معين يأكله فئة فيكونون علماء، وتُحرَمَه أخرى فتكون من الجهلاء، لا.
المسألة مسألة إرادة، أنت أيها الشاب عندك إرادة فإرادتك هذه هي التي تقول لنا: من أنت؟ إرادتك إن كانت في العلم فأنت عالم، وإن كانت في الدعوة فأنت داعية، وإن كانت في الجهاد فأنت مجاهد، وإن كانت في الشفاعة فأنت تقضي حوائج الآخرين، وإن كانت في حب الخير فأنت برٌّ رءوف رحيم، وإن كانت في كل ما يرضي الله، فأنت عبد من عباد الله جل وعلا.
وإرادتك إن كانت في حب الملاهي فأنت مطرب على وتر، وإن كانت في حب المسلسلات فأنت رجل تحفظ ألوان الأفلام ومختلف المسلسلات، وتحفظ نجوم السينما وأسماء الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات.
إرادتك إن كانت تفكر في السفر إلى الخارج وتتخيل الراقصين والراقصات في الملاهي الليلية، في النوادي الحمراء، في الخلوات المختلطة، في البارات الممتلئة بالمشروبات المحرمة، فأنت عربيد سكير ماجن لا وزن لك، ولا كرامة لك عند الله ولا عند الخلق أجمعين.
إرادتك هي التي تحدد من أنت، تقول لنا: من أنا؟ نقول لك: أنت ابن إرادتك ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] ما الذي يردك؟ أليس القرآن بين يديك، كيف حفظه الصغار والناشئة، وبقيت سنين طويلة لا تحفظ منه جزأين أو ثلاثة؟ أحاديث النبي ﷺ حفظها الشباب فماذا يردك أن تحفظها؟ كتب العلم أليست حمىً مباحاً لمن أراد أن يصل إليها بفضل الله جل وعلا، فلماذا لا تدخل المكتبات؟ لماذا لا تنطوي في لواء المراكز الصيفية وتستفيد من الأساتذة والمعلمين والمربين؟ لماذا تجعل الشوارع هي منتدى مجالسك؟ لماذا تجعل زوايا الحارات والبيوت هي مجالسك المفضلة؟ لماذا تجعل الأحاديث الساقطة والكلام التافه والقصص البذيئة ورديء الكلام هو غاية ما تحفظ وغاية ما تردد؟ لا تقل لي: من أنا؟ أنت ابن إرادتك، أنت ابن اهتمامك.
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
صدام قاتله الله ولعنه، وأسأل الله أن يظهر فيه النقمة للمسلمين أجمعين في الدنيا قبل الآخرة، أليس فرداً واحداً؟ بلى، ومع هذا ماذا فعل بالناس جميعاً؟ لذلك إذا وجدت الإرادة وسخرت في الخير؛ قلبت الدنيا رأساً على عقب، وحينما يسخر الإنسان التخطيط والتدبير والعلوم والصناعات في الشر -وهو إنسان واحد- يكون شؤم عمله على البشرية كلها، والإنسان إذا سخر كل ما لديه من أجل العلم والدعوة ونشر الخير ونفع الناس وتعليم الجاهل وهداية الضال؛ فإنه يستطيع أن يكون من أعظم بوابات التاريخ معرفة وعلماً واطلاعاً.
فيا شباب لا تقولوا: لا نستطيع.
لا تقولوا: نحن على هامش الحياة.
لا تقولوا: نحن لا نستطيع أن نقدم رجلاً أو نؤخر أخرى.
لا تقولوا: نحن من سقط المتاع أو من عامة الرعاع، لا، لا، هذا كلام مرفوض ولا يقبل من شاب أبداً.
стр. 2856
العبادة هي الغاية من الخلق
أيها الشاب أسألك بالله: خلق الله في عينك آلاف الأجهزة من الشبكية والقرنية والبؤبؤ والحدقة والرمش والعدسة والعصب الذي يوصل الصورة إلى المخ مئات الأجهزة في جارحة واحدة، هل خلقت لك هذه لكي تنظر بها إلى الأفلام والمسلسلات؟ صدرك هذا فيه من الأجهزة التنفسية المعقدة التركيب من الرئة والشعيبات الهوائية وما يتصل بها من الشعيرات الدموية، ودونها الجهاز الهضمي وما يتعلق به من المفرزات والمهضمات والمتجاوزات والتي ترفض والتي تقبل والتي تدفع والتي تنفع بإذن الله جل وعلا، في كل قطعة من بدنك أجهزة معقدة، أتظنون أن الله خلق هذه عبثاً؟! أتظنون أن الله خلقها لتكون سدى؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٣٩] ألم تك نطفة؟ ألم تك علقة؟ ألم تك مضغة؟! ثم صورك الله وزينك وجملك وجعلك في أحسن تقويم، أكل هذا من أجل أن تكون ببغاء تقلد ما يردده الأعداء، أو قرداً يردد ما يفعله الماجنون والفاسقون؟ لا والله ما خلقنا لهذا، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
الهدف الذي من أجله وجدنا لا يحتاج إلى كثير فلسفة.
اسأل جدتك وجدك: لماذا خلقنا؟ يقولون لك: خلقنا لطاعة الله جل وعلا، والدليل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
يقولون: إن عجوزاً من العجائز كانت في الطريق، فمر رجل ومعه كوكبة من الرجال، فقالت: من هذا؟ قالوا: ألا تعريفنه! هذا هو الرازي الذي أوجد مائة دليل على وجود الله، فقالت العجوز: أخبروه أن عنده مائة شك في وجود الله، فلما بلغه الكلام قال: صدقت.
نهاية إقدام العقول عقال وآخر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية مسعانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
عجوز تعرف دلائل الوحدانية بأبسط أدوات ووسائل الفطرة.
ورجل أعرابي لما سمع قارئ يقرأ قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢] صرخ وقال: بعث ورب الكعبة، لا بد للزائر أن يرتحل.
فهكذا القلوب التي صفت بفطرة نقية وسلمت من المؤثرات الخارجية؛ أصبحت قادرة على استنباط حقائق الكون.
يقول الشيخ الزنداني حفظه الله -وهو أستاذ كبير في علم وظائف الأعضاء-: سألت هذا البروفيسور فقلت له: هل يوجد من خلال دراستك وتجاربك المعملية وتشريحك لجسم الإنسان هل وجدتم في الإنسان جزءاً وجد عبثاً؟ قال: لا، كلما شرحنا هذا الإنسان، وأجرينا عليه التجارب، وبحثنا فيه؛ وجدنا اكتشافات جديدة، ووجدنا أن لكل جزء ونقطة وعرق وذرة في جسم هذا الإنسان وجدنا لها وظيفة.
قال الشيخ الزنداني لهذا البروفيسور الكافر: هل الوظائف التي وجدتموها في جسم الإنسان تعمل منفصلة أم مترابطة؟ أي: هل اليد تعمل بمعزل عن العقل، والعقل يعمل بمعزل عن الهضم، والهضم يعمل بمعزل عن التنفس، والتنفس يعمل بمعزل عن الحركة؟ قال: لا، الثابت في علم وظائف الأعضاء أن الإنسان كل عضو وجد فيه وكل جارحة وجدت فيه لها مهمة ولها وظيفة، وكل وظيفة مرتبطة بوظيفة العضو والجزء الآخر.
أي: لا يمكن أن تقول: إن هذه تعمل بمعزل عن الأخرى.
يقول الشيخ الزنداني: هذا كلام جميل، إذاً: هذه الأنملة لها وظيفة ووظيفتها مرتبطة باليد، واليد لها وظيفة ومرتبطة بالجسم، وجهاز التنفس له وظيفة ومرتبط بالعقل، والعقل له وظيفة ومرتبط بالبدن، لكل شيء وظيفة.
قال: نعم.
قال الشيخ الزنداني: فما وظيفة هذا الإنسان الطويل العريض بكامل جسمه؟ قال البروفيسور الأبله: لا أدري.
لا دريت ولا تليت إن شاء الله.
أولئك يعرفون أدق الحقائق والمعلومات في ذرة في جسم الإنسان، ولا يعرفون لماذا وجد هذا الإنسان كله.
مثلما قيل: الرجل الذي يشرب الماء بعينه أليس مجنوناً؟ قلنا: قلنا: بلى؛ لأنه لا يستخدم العين في غير ما خلقت له.
والرجل الذي يشم الطيب بركبته أليس مجنوناً؟ بلى؛ لأنه يستخدم عضواً للشم أصلاً.
إذاً: مجنون من استخدم جارحة لغير ما خلقت له، فما بالك بمن استخدم الجسم كله في غير ما خلق الله، أليس هذا سيد المجانين؟ بلى والله، ولكن جنون الناس في هذا الزمان يسمى بجنون العقلاء، تجد أقواماً يسمون عقلاء وتصرفاتهم تصرفات المجانين.
стр. 2857
وزن المسلم لا يقدر بمال
أيها الشاب: نريدك أن تعرف أن الله أودع في بدنك أدق الأمور وأخطرها، لا تقل: أنا ليس لي وزن، وليس عندي مال، وليس لي مكانة، ولا قدر.
أولاً: إذا كنت تريد أن تسأل عن مقدار ما تملك من الأموال؟ نقول لك: تعال يا أخي! أنت ليس لديك مال، ولكن أتبيع عيناً من عيونك بنصف مليون؟ يقول: لا، بمليون.
يقول: لا، بمليونين.
يقول: لا، بأربعة ملايين.
يقول: لا، بخسمة ملايين.
يقول: لا.
تبيع يداً من يديك بخمسة ملايين؟ يقول: لا، تبيع رجلاً من رجليك بعشرة ملايين؟ يقول: لا، تبيع رئة من رئتيك بخمسة ملايين؟ يقول: لا.
إذاً كم تملك من الملايين.
تملك شيئاً عظيماً من الأموال الطائلة، ألا وهي في نعمة العافية.
إذاً أيها الشاب وزنك لا يقدر بالمال، وإذا أردت أن تعرف هل الوزن يقدر بالمال، اسأل التجار الذين يملكون السبعين والثمانين والمائة مليون وهم يحرمون من الطعام، أو يحرمون من اللذائد أو الملذات، أو يحرمون من كثير من الأمور، تسألهم ما قيمة هذه الملايين؟ بالعكس والله إن هؤلاء يحترقون، كما قيل عن تاجر ثرى في أرض الحجاز - هذه قصة واقعية - وجد عاملاً من أهل اليمن، اشترى أربع خبزات وكيلو موز، وأخذ يضع الموز وسط الخبز، ثم يلفه على بركة الله، والتاجر ينظر إليه نظراً لا يصرف البصر عنه، فلما انتهى هذا العامل، انقلب على جنبه وتوسد الدرج ونام، فقال التاجر الغني: أتمنى أن أعطي هذا نصف ملكي بل أكثر من ذلك، وآكل مثلما ما يأكل وأشرب مثلما ما يشرب، وأنام مثلما ينام.
إذاً أيها الشاب! أنت لا تنظر إلى نفسك بمقياس الدنيا، فإن عندك خير عظيم، ولا تقارن نفسك بأرباب الأموال؛ فإنك في حال أسعد ثم أسعد ثم أسعد منهم، إلا من سبقك بطاعة الله جل وعلا.
أيها الشاب: آباؤك مسلمون، أمك مسلمة، جدتك مسلمة، جدك مسلم، لست بوذياً ممن يعبدون بوذا، لست من عبدة البقر، اعرف أصلك الذي تنتسب إليه، اعرف شرفك، أنت من أقوام يقومون آناء الليل وآناء النهار يتلون كتاب الله ويتذاكرونه، أنت من أقوام قد أذعنت ودانت لهم الدنيا في ظل لا إله إلا الله، فلا تحاول أن تقلد غربياً أو أمريكياً أو بريطانياً أو إيطالياً أو أسبانياً؛ لأن هؤلاء ليسوا بأولياء لك وليسوا من أهلك ولا ذويك، إنما أولياؤك هم المؤمنون.
أنت من قوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، ومما رزقناهم ينفقون، أنت رجل قد أعد الله لك منزلة عظيمة، أنت برحمة الله وفضله وقبوله وتوفيقه لك ممن سترد على الحوض وتقابل النبي ﷺ ، وستحضن وتقبل نبيك ﷺ ، فاحذر أن تكون ممن يردون عن الحوض كما قال ﷺ : (ليذادن أقوام عن حوضي يوم القيامة، فأقول: يا رب أمتي أمتي! فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
стр. 2858
الطريق إلى الجنة ولقاء الرسول وصحبه
يا شباب! إذا كنتم تعلقون الآمال الطويلة أن تلتقوا بالنبي ﷺ وتلتقوا بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة الكرام وأئمة الإسلام وأبو مسلم الخولاني وإبراهيم الحربي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والحسن البصري والحسن بن علي وسعيد بن جبير وأئمة الإسلام وعلمائهم وابن القيم وابن تيمية إذا كان الأمل والشوق يحدوكم والذكرى تقودكم إلى لقاء هؤلاء، فإن الطريق إليهم لا بالأغاني، ولا يمر بأفلام الفيديو، ولا بالمجلات الساقطة، وإنما يمر بقيام الليل وحفظ القرآن، وبالعناية بالسنة والدعوة إلى الله جل وعلا، وبمجالسة الأخيار، والعناية بحلق الذكر والتسبيح آناء الليل وآناء النهار.
لو قلنا لواحد منكم: سنحجز لك موعداً بعد شهرين مع ملك من الملوك أو عظيم من العظماء؛ لمكثت يَعُدُ الليالي والأيام متى سوف أقابل فلان بن فلان، إذا قلنا لك: أنت ستقابل رسول الله ﷺ ، ستقابل خير خلق الله وخير من وطئة قدمه الثرى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ستقابل هذا النبي الذي يقول في شجاعته: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) والذي يقول في رحمته: (كل نبي يؤتى دعوته، وأنا ادخرت دعوتي لأمتي يوم القيامة، أقول: يا رب أمتي أمتي) أنت تقابل خير الخلق أجمعين فماذا أعددت لمقابلته؟ بل ستقابل من هو خير من محمد ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] ستنظر إلى وجه الله العظيم الجليل، فهل تريد أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥ - ١٦]؟ أتريد أن تكون ممن يصرف ويسدل عليه الستار فلا يتلذذ برؤية الله، بل ولا ينظر إليه الله ولا يكلمه ولا يزكيه وله عذاب أليم، أولئك الذين أعرضوا عن ذكر الله جل وعلا.
يا شباب الإسلام! إن المرجو فيكم كثير.
أيها الشاب: أنت إما أن تكون من عباد الرحمن: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً * وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٨] أنت من أولئك؟ أم من الذين والعياذ بالله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩].
إما أن تكون من عباد الرحمن وإما أن تكون من عباد الشيطان الذين يقال لهم وفيهم وبهم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٤] ماذا يعد له؟ ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٥ - ٣٧].
أنت إما أن تكون من السابقين من أصحاب اليمين، وإما أن تكون من أصحاب الشمال من أهل السموم والحميم والزقوم وطعام الأثيم.
فيا أحبابنا أليس الخيار بأيدينا؟ هل نحن أحجار على رقعة شطرنج يأتي من يأخذ برأس الواحد منا ثم يضعه ويقول: أنت اجلس هنا لا تدخل المجلس، اذهب إلى الشيشة الفلانية والمقهى الفلاني والمطعم الفلاني، اذهب إلى السهرة الفلانية من أول الليل إلى آخره؟ هل أتى أحد وأخذ بتلابيبك وقال: قبحاً لك! لست بكفء أن تجلس مع الأبرار، اذهب مع أصحاب المخدرات ذوي الخلاعة والمجون، مع ذوي اللواط والزنا والفواحش والآثام؟ الخيار بيدك قد جعل الله أمامك الطريق، ووضح لك المحجة، فلأجل من بعثت الرسل؟ ولأجل مَن أنزلت الكتب؟ الليل والنهار والأفلاك والنجوم والسموات لأجل مَن؟ من أجل أن تعبد الله وحده، أفتدع كل هذا ثم تنصرف بعد ذلك ضالاً مضلاً غافلاً مضللاً إلى معصية وهوان وخزي بين الخلائق.
стр. 2859
دور المسلم في هذه الحياة
أخي الشاب: هل أنت على هامش الحياة، أم لك دور مهم؟ هل فكرت يوماً ما أنك ستكون قائداً لجبهة من الجبهات في أفغانستان، أو قائداً من قواد الجهاد في فلسطين؟ هل فكرت يوماً ما أن تكون واحداً من العلماء الذين يجلس إليهم الناس ويتزاحمون بالركب عند حلقاتهم؟ هل فكرت يوماً ما أن تكون ممن ينفعون الإسلام والمسلمين؟ أخي الشاب: أنت إلى من تنتمي: هل تنتمي إلى أمريكا؟ هل تنتمي إلى روسيا؟ هل تنتمي إلى حزب البعث؟ هل تنتمي إلى العلمانيين؟ هل تنتمي إلى القومية العربية الفاشلة؟ هل تنتمي إلى الضلالة المستوردة أم تنتمي إلى دين؟ هل تنتمي إلى دعوة وإلى عقيدة؟ الكل ينتمي إلى عقيدته، لو سألت رجلاً من الذين يتبعون حزب البعث في أي دولة من الدول لقال لك: أنا بعثي ورسالتي رسالة عربية خالدة لأمة عربية واحدة، إن البعثيين يقطع الواحد منهم وهو يقول:
آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما لها ثان
والأخر يؤذى ويقول:
بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها افطر ومن أجلها صم
هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
هذا بعثي ينتمي إلى البعث يبتلى ويعذب في انتمائه الضال، ويصبر على ذلك ويموت على هذه الضلالة ولا حول ولا وقوة إلا بالله.
شاب من الذين ينتمون إلى الحركة الباطنية الخبيثة، من الذين أفسدوا في الأرض، يقول لي أحد الرجال: لما جيء به ليقتل، قيل له: يا فلان! تب إلى الله واستقم، وجدد التوحيد، وانطق بالشهادتين، قال: فالتفت المجرم وقال: أنا دمي وروحي فداء للخميني.
انظروا أي إصرار وعناد وانتماء وتمسك من شباب أهل الباطل إلى باطلهم وعلماء الباطل وأئمتهم.
فأنتم يا شباب الإسلام أرونا تمسككم، أرونا انتماءكم، نحن أهل عقيدة ودعوة هذا الخير الذي نحن فيه جاء من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقوة الأمير محمد بن سعود طيب الله ثراه، نحن ما أعطتنا أمريكا الاستقلال، وما أعطتنا فرنسا الوحدة، أو منحتنا اتحاداً كنفدرالياً كما يقال، أو دولة فدرالية، لا نحن أمة قامت على دين، قامت على دعوة، فهل شبابنا يفقهون هذا أم أن الواحد منهم يحفظ الأغاني الكثيرة، ويتردد في الملاهي الطويلة، ويضيع الساعات الطوال وهو لا يفقه لأي شيء خلق، ولأي شيء يسير، ينافس البهائم في نومها فينام عن صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، ينافس البهائم في أكلها، فيأكل حتى تنشق كرشته، ينافس البهائم في شربها ويتمتع بهذه الملذات التي يتمتع بها الأنعام، بل هو أضل منها سبيلاً؟!! لا نريد شباباً كهؤلاء، هؤلاء إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، الأمة بحاجة إلى شباب أذكياء، بحاجة إلى شباب يجاهدون، بحاجة إلى شباب في الدراسة جد واجتهاد، في طلب العلم: اجتهاد وذكاء وحرص وبلغة وصحبة وملازمة للعلماء، في الدعوة: تضحية وتفان واستمرار على ذلك، في قضاء حوائج الناس: شفاعة للآخرين وتواضع لهم وخفض للجناح ولين للجانب.
في كل مجال تجده مباركاً أينما كان، كما قال عيسى ابن مريم: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١].
стр. 2860
ماذا قدمت للإسلام أيها الشاب
أيها الشاب أعود فأقول: ماذا قدمت للإسلام؟ كل واحد يسأل نفسه: ماذا قدمتُ للإسلام؟ ماذا قدمت لهذا الدين؟ هذا الدين الذي لا أحد يشك أن الخيرات التي امتلأت بها الأسواق ببركة الدين، وأن الأمن والطمأنينة والنوم الهادئ الوادع الهنيء في الليل لا يكدره فزع ولا لصوص ولا عصابات المافيا ولا الألوية الحمراء ببركة هذا الدين، هذه الخيرات التي تتابعت عليك ببركة هذا الدين، فماذا قدمتَ لهذا الدين؟! أيها الشاب: هل أنت ممن يستهلكون ولا ينتجون؟ أيها الشاب: هل أنت ممن شابهوا البهائم فلا ينفع إلا نفسه فقط، شحيحاً بخيلاً لا يود ولا يتمنى أن ينفع أحداً أبداً؟ أيها الشاب: هل خططت يوماً لكي تعرف ما هي مراحلك في الحياة؟ لو قلنا لشركة من الشركات: تفضلي وابنِ لنا هذا المشروع؟ لقالت الشركة: مما يتكون هذا البناء؟ سوف ننفذه خلال خمس سنوات، في السنة الأولى نبني الطابق الأول والمرافق، وفي السنة الثانية نبني فيها الطوابق الأخرى، وفي السنة الثالثة نعد المكيفات، وفي السنة الرابعة نعد الصيانة وما يلزم، وفي السنة الخامسة نفرشه ويكون جاهزاً للاستعمال.
فنحن نقول أيها الشاب: بعد أن نسألك ماذا قدمت للإسلام؟ ما هي خطتك للوصول إلى جنة الله جل وعلا؟ كل هذه أسئلة شبابنا في غفلة عنها، لأنهم تعودوا الخير ونشأوا عليه وترعرعوا فيه، استظلوا بسماء الأمن وعاشوا على أرض الطمأنينة، وظنوا أن الأمر هكذا، لا، الله جل وعلا قد ربط الخيرات بالطاعة والأمن الرخاء بالإيمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
الخير الذي نحن فيه -يا شباب الإسلام- إذا أردتم أن تتقلبوا فيه، وأردتم أولادكم وبناتكم الصغار يستمروا عليه لا بد أن نحفظه بالدين.
أليس فيكم يا إخوان من يتذكر قول الله جل وعلا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩]؟ والله إن الإنسان ليجلس أحياناً وأطفاله الصغار وبنياته الصغيرات أمام عينيه ثم يقول: يا رب! ماذا سيكون لهؤلاء الأطفال بعد أربعين سنة أو خمسين سنة أو أقل أو أكثر من ذلك؟ إذا أردت أن تضمن مستقبلاً طيباً مليئاً بالأمن والهدوء، ويستمر ويمتد ظله إلى هؤلاء الأطفال الذين تراهم أمامك: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٩] ماذا نفعل: نسجلهم في الضمان الاجتماعي؟ نضع لهم مساهمات في البنك؟ ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] عليك بالقول السديد واتق الله جل وعلا، وراقب الله في كل ما تأتي وتذر، وأبشر بأن الله سيتكفل بهؤلاء.
ألا تعرفون قصة موسى مع الخضر لما ركب السفينة معه ثم قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] إلى آخر القصة ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٧ - ٧٨] ولما سأله وبين له التفصيل قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] ثم ماذا؟ ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] فصلاحكم أنتم يضمن السعادة والحياة الطيبة الوارفة الظلال، الهنيئة في المطعم والمشرب والملبس لأولادكم وبناتكم، ومَن سره أن يتكفل الله بذريته فعليه أن يصلح ما بينه وبين الله أولاً.
أيها الشاب: ماذا أعددت لنفسك وماذا أعددت لذريتك؟ يا شباب الإسلام! هل ننتظر أن نكون كالغنم إذا ولدت، وجدت الخير، ومن ثَمَّ أخذت ترعى، وإذا جاء صافر الشر، كل يهرب ويولي؟ لا، نريد أن نربي رجالاً.
رجالاً رقاق إذا ما الدجى زارنا نَصبنا محاريبنا للحزن
وجند شداد إذا رامنا الـ ـبأس رأى أسدنا لا تهن
نريد أن نكون رجالاً في الأمن، دعاة إلى فرح وابتسامة وسرور، وإذا انتهى الأمر أو جاء الجد، جاءت الحرب أو جاء الخوف وجدت الرجال الذين يقتدون بالنبي ﷺ .
стр. 2861
القدوة عند الشباب المسلم
أيها الشاب قدوتك من؟ حينما تجلس مع بعض الشباب في بعض المدارس الثانوية أو المتوسطة، فتقول له: ما هي أمنيتك؟ يقول: أتصور بجانب فلان: ما هو المطرب المفضل؟ فلان.
ما هو تفسيرك للون الأزرق؟ حياة صافية، ما هو تفسيرك لكذا؟ يعطيك من الكلام السخيف المليء من بالجرائد.
أيها الشاب ما خلقت لهذا! أيها الشاب: اعرف وزنك وقدرك، هل أنت تقتدي بالنبي ﷺ ؟ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر﴾ [الأحزاب:٢١] اجعل قدوتك محمد ﷺ ، ليس كما يفعل بعض الشباب أول موضة تخرج في أمريكا تجده يقلدها هنا، وآخر موضة في اللباس توجد في إيطاليا تجده يقلدها هنا، والمصيبة أن أصحاب الموضات تركوها ونحن لا نزال نقلدها.
يقول لي الفنان فهد بن سعيد الذي تعرفونه وتاب إلى الله جل وعلا، الذي كان يسمى بوحيد الجزيرة، يقول لي: إن هناك شباباً يقولون: لا نصدق أن فهد بن سعيد يتوب، ولماذا؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩] هل هو غبي لا يعرف التوبة، أم أن طريق التوبة مغلق على الفنانين وأهل التمثيل والمعاصي؟ لا.
الطريق مفتوح، لكن المصيبة أن من الناس من قلد أصحاب الفن، وتاب أصحاب الفن وهو لا يزال يعزف على وتر أربعة عشر.
أذكر أن رجلاً في سجن المنطقة الشرقية -عندما كنت ألقي فيه محاضرة- قلت له: إن فناناً تاب إلى الله واسمه فهد بن سعيد، قال: أنا لا أصدق.
والله أمر عجيب، يعني أصحاب الأمر تركوه ونحن لا نزال نتحمس له، والشيء بالشيء يذكر، هذه قصة، وإن كانت تروى من باب الطرف.
القصة تقول: إن ثلاثة رجال كانوا في مطعم محطة القطار، وكانوا يأكلون وجبة غداء، وبعد لحظات جاء رجل يصيح، القطار تحرك القطار تحرك، فقاموا يركضون إلى القطار، فاثنين منهم أدركوا القطار وركبوه، والثالث عاد وهو يضحك، قالوا له: لماذا تضحك؟ قال: أنا الذي سأسافر، وهؤلاء إنما جاءوا لوداعي.
فهؤلاء الشباب الذين يقلدون الفنانين الفنان رجع يضحك يقول: أنا تبت إلى الله وعرفت أن الفن غلط، وهؤلاء لا زالوا يلاحقون الفن، هذا جنون وخبال يقع فيه كثير من الشباب.
فمن أصر على الغواية والانحراف، ولم يقبل الدعوة التي تأمره بالاستجابة لله وبترك المعاصي والملاهي، فسيستمر فاشلاً إلى أن يموت، حتى ولو نجح مالياً فهو فاشل في الآخرة، لأنه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] في الدنيا معيشته ضنك فاشلة ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] من أُعطي الآيات والمواعظ والهبات والنصائح الطيبة ثم لم يقبلها فحالته خطيرة جداً إن مات على ذلك، ولذلك فإن الله في كثير من الآيات يأمرنا بالتوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].
стр. 2862
احتقار الشباب لأنفسهم
وأخيراً يا شبابنا: أنتم تستطيعون أن تقدموا دوراً، لا يقل أحدكم: أنا لا أنفع في شيء؛ فإن هذه مصيبة.
الكثير من الشباب عندما تجلس معه، يقول: يا أخي أنتم ما شاء الله تعرفون تتحدثون وأنتم وأنتم وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً، بل أنت تستطيع أن تفعل شيئاً كثيراً.
أذكر مرة كنا في رحلة أيام الدراسة، وكنا ننزل الأغراض من السيارة، ثم جاء أحد الشباب فقال: ماذا أعمل؟ فرد أحدنا قائلاً: أنت هش الذباب، مالك شغل! نحن ليس لدينا شباب يهشون الذباب، عندنا دور لكل شاب، عندنا طريقة لكل شاب، عندنا وظيفة لكل رجل، عندنا مهمة لكل من أراد أن يبذل لهذا الدين، لو أن كل واحد منكم خطط أن يتوب إلى الله من جميع الذنوب والمعاصي:
هيهات لن تصلح الناس وأنت فاسد هيهات ما أبعد ما تكابد
أي: لا بد للإنسان أن يستعين بالله على ترك المعصية، حتى تكون دعوته بين الناس لها أثر عظيم ينال بها خيراً عظيماً.
وكلنا يعرف قصة ذلك الرجل كبير السن الذي كان كلما وجد شخصاً أخبره بحديث النبي ﷺ (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) هذا الحديث في صحيح البخاري.
كان يدعو إلى الله بهذه الكلمات، فكان إذا دخل عند الخباز يذكر له هذا الحديث (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فيبدأ يتعلمها الخباز، يدخل إلى البقالة فيقول له البقال: ماذا تريد فيقول: أقول لك يقول ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) أينما ذهب يعلم هذه الكلمات، حتى وصل أجله، وفي اللحظات الأخيرة كان على السرير الأبيض في المستشفى، فبلغته سكرات الموت، فأغمي عليه ثم أفاق والطبيب ماسك بيده، فلما استيقظ هذا الرجل العجوز الكبير من تلك السكرة التي شدت عليه نَفَسه لما أفاق منها وجد يده في يد الطبيب، فقام وأمسك يد الطبيب بيده الأخرى وقال: يا دكتور! يقول ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) لا إله إلا الله وفاضت روحه.
فكان سبباً لهداية الطبيب وتوبته واستقامته.
فيا شبابنا! يا رجالنا! يا أبناء أمتنا! كل يستطيع أن يقدم دوراً، لا تقل عندي أشرطة وعندي نسخة أصلية للفنانين، وعندي أفلام ممنوعة أحدهم أتى بها لي بطريق معروفة، وشخص لفها في جريدة وأعطاني إياها، وواحد أتى بها بالطريقة الفلانية، وآخر قال لي: هذه نسخة لا يطلع عليها إلا أنت، لا.
كنا في حلقة تدريس يدرسنا أحد القضاة في الرياض، درس في كتاب العدة شرح العمدة، فقال أحد الطلاب: أنا شاب تبت إلى الله جل وعلا وعندي أفلام خليعة لصديق آخر فهل أكسرها؟ فقال له الشيخ: امسح المادة وأعد الأشرطة.
فإذاً نحن لا نقول لك: ما دام عندك أشرطة لا أمل لك أن تتوب، عندك صور خليعة فلا أمل أن تتوب لو كان عندك خمسين مصيبة، تب إلى الله، يبقى عندك مصيبتان أو ثلاث مصائب تتوب منها إن شاء الله في الأيام القادمة، ولا نريد تكرار خبر الشاب الذي سمعتم قصته في شريط (حاول وأنت الحكم) هذا الذي يقول: عندي فساد وأشرطة وفواحش وصور وعندي وعندي فقلت له: أأنت جاد في التوبة إلى الله؟ قال: نعم.
قلت: صلِّ معي العشاء وأنا أخرج معك إن شاء الله، نسأل الله أن يتوب علينا وعليك ونحرق الأشرطة، قال: لا بالتدريج يا شيخ، ما نتوب كذا، طيب تعال علمني كيف نتوب؟ نقول: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] نمحو ما يقبل المحو منها ونتلف ما ينبغي إتلافه قال: لا بالتدريج.
فأقول لكم يا إخواني: بإمكانكم منذ هذه اللحظة أن تتحولوا إلى دعاة.
ليس بالضرورة أن تتوب من جميع ما عندك من الذنوب مرة واحدة، وإن كان الواجب هو أن تتوب إلى الله من جميع الذنوب، لكن لو قَدَّرنا أن شاباً يقول: أنا تبت إلى الله جل وعلا لكن وقعت في هذه المشكلة غداً، ثم وقعت في مشكلة صغيرة بعد غداً، نقول تب إلى الله منها، واستمر على ما أنت عليه، لأن بعض الشباب يقول: أنا إذا أردت أن أتوب فمعنى هذا أن أنافس جبريل في الطاعة، أي: لا أخطئ أبداً أبداً، هذا ليس بصحيح أبداً، كل البشر يخطئون ويذنبون وعندهم من الخطيئة، لكن الخطأ هو الاستمرار على الخطيئة، عندي صور، مجلات، أفلام، عادات سيئة، أمور خبيثة، تبت منها كلها، وغداً وقعت في واحدة أيهما أفضل: أن أصبح غداً على نفس الخمس أو على واحدة فقط؟ لا.
ربما الذي وقع في واحدة أهون عند الله من الذي وقع في الخمس كلها، لكن نقول لك: افعل واحدة واترك أربعاً، كما تبت بالأمس من الخمس تب اليوم من هذه الواحدة، ولو وقعت بعد غدٍ في غيرها تب إلى الله من غيرها، فكلما أحدثت ذنباً أحدث بعده توبة، وسترى خيراً كثيراً بإذن الله جل وعلا.
стр. 2863
التوبة التوبة يا شباب !
يا شبابنا ما الذي يمنعكم من التوبة؟ هل تحتاج التوبة إلى برقية عاجلة للإفتاء؟ هل تحتاج التوبة إلى وساطة أحد؟ أبداً والله، توضأ وأحسن وضوءك واسأل الله جل وعلا أن يتوب عليك توبة نصوحاً، وأن يقبل توبتك ثم عُدّ، فما وجدت عندك من الأمور التي لا ترضي الله أبعدها وتجنبها واتركها، ثم ابحث عن الصحبة الطيبة، ابحث عن الجليس الصالح، وعلق نفسك به: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].
شاب يريد أن يتوب إلى الله من التدخين والمخدرات، والصور الخليعة والأفلام الماجنة، والأغاني الهابطة، يكسر الأفلام اليوم وينتهي منها، وغداً يذهب مع الشباب يشاهد ويقول: يا حظكم عندكم أفلام وأنا كان عندي أفلام.
لا يصح هذا، ما دمت تبت إلى الله، اترك هذه المجالس، وجالس حلق الذكر وأصحابها، جالس الذين ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب التمر آكله.
أما أن الإنسان يتوب اليوم وغداً يجلس مع الفنان أو مع المطبل فهذا لا يكون، لكن تب إلى الله وبدلاً من جلسات اللهو ابحث عن مجالس البر والخير، فأنت المستفيد ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩] أنت المستفيد الأول، الإسلام غني عنك، الدين ماض بك وبغيرك، بك وبدونك، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
فيا إخواني: لا يظن الواحد أنه يَمُنُّ على الدين يوم أن يلتزم، أو أن هذا الدين متوقف على التزامه، لكن هو مَن يستفيد، لو توفاك الله هذه الليلة ماذا ستفعل؟! يذكر لي أحد الإخوان عن شاب أنه كان مسافراً هو وزوجته وأطفاله، والسفر كان طويلاً، وأثناء الطريق أصاب الطائرة خلل، وقام المضيف يتكلم: يوجد بالمحرك الموجود في المكان الفلاني من الطائرة خلل، والمخارج هي التي ترونها قد أضيئت عليها الإضاءة، وأخذ يشير إلى المخارج.
ماذا فعل الرجل؟ قام يبكي وانتفض وتغير وجهه، حتى إنه ما ذكر، أخذ يبكي يبكي ويلتفت يمنة ويسرة، وأما زوجته فقد أخذت الأطفال بجوارها وضمتهم وهي تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول لي الشاب: بفضل الله جل وعلا صلح العطل ونزلت الطائرة بسلام.
يقول: فقلت له: أما زوجتك فما كانت تخشى من المعاصي، ولذلك عرفت أنها تقدم على الله بمغفرة ورحمة، وإن كان عندها شيء من الذنوب اليسيرة من اللمم وأمر الغفلة -ليس من الغفلات المقصودة، أي من الخطأ والسهو الزلل اليسير- ولذلك ثبتها الله وضمت أولادها حولها، وأخذت تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأما أنت فتذكرت الذي يخزيك ويسوؤك عند الله، وأخذت تبكي وتصيح كالمرأة.
المرأة ما بكت وإنما ضمت الأولاد وأخذت تحوقل وتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لأنها ما ذكرت أموراً بارزت الله بها، أو فعلتها سراً وعصت الله، واختلت في معصية الله بها، وأما أنت فقد تذكرت المصائب، تذكرت ليلة فعلت بها كذا، وتذكرت فيلماً سهرت عليه، وتذكرت مجلة موجودة عندك الآن، وتذكرت شريطاً يوجد في الدرج الفلاني، وتذكرت رقماً يوجد في جيبك، وتذكرت كذا، فأصبحت تبكي، وتنزعج بهذه الطريقة، ماذا قال؟ قال: صدقت والله! نعم يا إخواني: الذي يعمل المعاصي ولا يتوب منها، يخشى من سوء المطلع، والخاتمة، وأما الذي يحرص على الطاعات، ويبتعد عن المعاصي، تجده يقدم على الله، وإن كان يعلم أن عنده بعض الذنوب، لكن يثق أن رحمة الله أوسع من هذا كله، ومن أحسن العمل أحسن الرجاء.
الآن تجد الإنسان الذي يذاكر ويستعد للامتحان، ويقدم مذاكرة طيبة، وعنده أعمال سنة، يقول: إن شاء الله ننجح، وتجده مطمئناً، ونرجو أن ننجح، ونرجو النتيجة تكون طيبة، لكن هذا الذي لم يقدم شيئاً ولم يدرس ويهتم، فطبع على قلبه، وتجده منكسر البال، خائفاً على مستقبله ومصيره الغامض، لأنه ضيعه بما أودع في أيامه ولياليه من الغفلات والشهوات.
فيا أحباب التوبة التوبة، والعودة العودة إلى الله.
стр. 2864
نظرة الآخرين إلى أبناء الجزيرة
إن الواقع الآن يحتاج منا أن نعود إلى ديننا، إن العلمانية قد أثبتت فشلها، والبعث العربي أثبت فشله، والقومية العربية أثبتت فشلها، كل الشعارات أثبتت فشلها، فإذا أنتم يا أبناء الإسلام، يا أبناء الجزيرة تخليتم عن الدين وما تمسكتم به وتهاونتم: هذه أغاني، وهذه أفلام.
لا بأس بها، وهذه فيها خلاف، وهذه كل الناس يفعلونها، إذا أنتم يا أهل الإسلام يا أهل الجزيرة تركتم هذا فمن الذي يتمسك بالدين إذاً؟! نلوم مسلمي الفلبين أو كوريا، إذا كان أبناء الجزيرة الذين يتكلمون اللغة التي نزل بها القرآن قد تهاونوا بالدين، وجعلوه وراءهم ظهرياً - نسأل الله ألا يكون ذلك - من الذي يقوم بالدين؟! ننتظر مسلمي كوريا أو مسلمي كينيا أو مسلمي القارة الخضراء يقومون به، أنتم أول من يُسأل عن هذا الدين؛ لأنه نزل بلغتكم ونزل بلسانكم، والكعبة في أرضكم، ومسجد الرسول ﷺ في بلادكم، فبماذا تفتخرون أو تفاخرون الأمم؟! أحد الشباب يذكر قصة لمجموعة من الشباب سافروا إلى بانكوك، لكن أين سيذهبون؟ أتوجد كعبة في بانكوك سيطفون حولها؟ أيوجد مسجد للرسول يشدون الرحال إليه؟ أيوجد عالم من العلماء يطلب عنده العلم في بانكوك؟ طبعاً معروف إلى أي شيء ذهبوا، قال: فقابلهم شاب مسلم تايلندي - أظن درس في الجامعة الإسلامية أو يعرف بعض الأشياء في المملكة ودرس دراسة لا بأس بها - فلما قابلهم قال: أنتم من السعودية؟ قالوا: نعم.
قال: لماذا تأتون إلينا وتتركون الكعبة؟ تتركون مسجد الرسول ﷺ وتأتون إلينا، ماذا عندنا؟ عندنا الدعارة والوساخة والعهر والفساد والخنا والزنا واللواط والفواحش ماذا تريدون؟ فأخذ هذا المسلم التايلندي بلغته الركيكة ولسانه الأعجمي يوبخهم حتى استحوا.
نعم نحن -أيها الإخوة- مسئولون أمام البشرية وأمام الله قبل كل شيء عن هذا الدين، إذا قيل: الإسلام في أي دولة من دول العالم؟ فالناس يتبادر إلى أذهانهم السعودية، والآن لو كان هناك مجلس فيه جنسيات مختلفة كثيرة: كوري، فلبيني، مصري، تركي، فرنسي، ألماني، يمني، أردني، هات العالم كله، ثم تقول السعودية، هل يتبادر إلى ذهنك صليب؟ لا، هل يتبادر إلى ذهنك صنم؟ لا، بل يتبادر إلى ذهنك؟ الإسلام.
فالعالم يحسب أن هذا الدين أنتم مسئولون عنه، فإذا كرستم اهتمامكم على ثيابكم وملابسكم وشهواتكم وبطونكم فمن لدين الله جل وعلا؟! من لدين الله يا شباب الجزيرة، يا شباب الإسلام، نعم لو تخليتم عن هذا الدين لا يبالي الله بكم في أي واد تهلكون، قد ينصر الله الإسلام بالأفغانيين، قد ينصر الله الإسلام بالأتراك في يوم ما، قد ينصر الله الإسلام باليمنيين، بالأردنيين، بالسوريين، بأهل الشام، بأهل الجنوب، بأي فئة كانت، ليس الإسلام حكراً عليكم، لكن الناس يعلقون عليكم مسئولية عظيمة تجاه هذا الدين، فإذا كان لشباب الإسلام اهتماماتهم بالتفحيط وتجميل السيارات وسماع الأغاني ومتابعة المسلسلات وتقليد الموضات، إذاً لا نلوم رامبو ولا نلوم الممثلين ولا نلوم أولئك فيما يفعلون إذا كان الإسلام هذا تقليدهم، وهذا فعلهم فلا يلام أولئك:
لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم
لا يلام أهل الباطل إذا كان أبناء الإسلام ضيعوا الإسلام، فماذا ننتظر من أهل الباطل إلا أن يتآمروا علينا وأن يجهزوا علينا، ويجعلونا أذلة بين الخلائق أجمعين، لكن لنتمسك بهذا الدين ونعتز به، فإنه والله به العزة والنصرة والكرامة والسيادة وكما قال عمر بن الخطاب ﵁: [نحن قوم أعزنا الله بالإسلام؛ فمهما أردنا العزة بغيره أذلنا الله].
فلا نعتز بالكباري ولا بالبنايات ولا بالطرق ولا بالمنشآت ولا بالمستشفيات ولا بالجامعات ولا بأي شيء، العزة بهذا الدين، إن تمسكنا بالدين فأبشروا بكل خير؛ في الطرق والمواصلات والمستشفيات والجامعات والمحاصيل، وإن تركنا هذا الدين فسوف تنقلب علينا الأمور رأساً على عقب ويقال: كانت المملكة غنية، كانت المملكة ثرية، كانت المملكة دولة نفطية، كانت المملكة هل النفط يخرج لسواد أعيننا؟! هل نضحك للبئر فيفور البترول؟! لا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] الله يسخر كل خيرات الأرض لكي تخرج ما دمنا نتمسك بالدين، فإذا ولينا وتركنا هذا الدين فلو شاء الله أن يكون هذا غائراً أو جامداً، ولا تستطيع وسائلنا أن تصل إليه لكان نفعل، وليس ذلك على الله بعزيز ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] البركة والخير في هذا الدين، يا شباب الإسلام! تمسكوا بهذا الدين فهو والله سبب العزة الرفعة.
أوروبا أصبحت تتجمع في وحدة واحدة هي السوق الأوروبية المشتركة، وهي عبارة عن تكتل اقتصادي أوروبي يحارب منتجات المسلمين ويسوق منتجات الأوروبيين.
كانت ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية دولتين منفصلتين، هدم السور الذي بينهما، فصارتا دولة واحدة، وقريباً ستكون بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ستكون هكذا دولة واحدة، ويخططون بعد عام ٢٠٠٠ أنه ستكون أوروبا دولة واحدة عاصمتها بروكسل التي هي عاصمة بلجيكا الآن.
انظر إلى الغرب كيف يخططون للوحدة المرتقبة العظيمة، وكل أهل ضلالة يتكتلون، وكل أبناء طائفة يتكتل بعضهم مع بعض، فأنتم يا معاشر المسلمين تمسكوا بدينكم، وإذا جاءت المصائب والفتن ما الذي ينجي؟ في حرب الخليج أتظنون لو أننا أرسلنا مائة مطرب والفرقة الماسية والفنانين على الحدود وقلنا لهم: شنوا حرباً على البعث واجعلوا صدام يهزم، هل يعقل هذا؟ لا يعقل هذا، لا ينفع الأمة إلا الرجال، فالعلماء ثبتوا الناس، والجيوش استعانت بالله جل وعلا من المسلمين ومن جاء من أهل المصالح المشتركة المهم أن العملية وقفت لها جهود، انظروا إلى حال الأشياء التي يهتم بها الشباب، هل إذا جاءت الحرب نقول: تعال يا صدام انظر المصور وسيدتي والمجلة الفلانية، هل المجلات ترد عدواً؟! هل الأغاني ترد عدواً؟ أبداً، ما يرد الأعداء إلا الدعاء، لما قام الناس يتهجدون آخر الليل، ويقنتون في جميع الصلوات، وقام العلماء يثبتون الناس ويشجعون الناس على الجهاد، وقام العلماء يبينون خطر المرحلة وما ينبغي أن يكون بين الناس من التوازن وتماسك الجبهة الداخلية والحرص على الأمن الداخلي أثناء الحرب على الحدود، وأن يكون كل مواطن مسلم مخلص يفتح عينيه وينظر ما الذي يدور في البلد؟ من الذي يريد أن يستغل الظروف؟ هكذا نفعت الأمور الطيبة النافعة، لو كانت الأغاني والملاهي والتمثيليات وغيرها تنفع لقلنا: تعالوا يا شباب، كل واحد عنده شريط أغاني يعطينا إياه، كل واحد عنده مجلة يعطينا إياها، كل واحد عنده فيلم فيديو يعطينا إياه، لكن الحقيقة تثبت وتقول: إن هؤلاء لا ينفعون، إنما ينفع الجد والإيمان والدعاء وسلاح العلم والثبات والبصر والبصيرة.
стр. 2865
القيام بأمانة هذا الدين
ختاماً أيها الإخوة: أمانة ومسئولية على رقابكم، هي في أعناقكم أنتم تقوموا بهذا الدين على العين والرأس، قولوا: يا ربنا نعاهدك أن نموت دون هذا الدين، وأن تراق دماؤنا لأجل هذا الدين، وأن تنتهي مصالحنا لأجل هذا الدين.
يا ربنا أغلى شيء عندنا ديننا، ومن أجل مرضاتك نترك الغناء، نترك اللهو لوجهك سبحانك، نترك المعاصي لوجهك سبحانك، هنا نثبت أننا أمة جادة في استقامتها واستعانتها بالله .
أما أننا نسمع هذا الكلام يدخل من هذه الأذن ويخرج من هذه الأذن.
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكنك تنفخ في رماد
نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لكني أثق أن هذا المسجد المليء لن يخلو إن شاء الله من شباب ورجال قد بلغت إن شاء الله هذه النصيحة في قلوبهم مبلغاً، وعاهدوا الله منذ هذه الليلة من كان على صلاح أن يزداد صلاحاً، ومن كان على معصية أن يودع المعصية وأن يفتح صفحة جديدة لخدمة دين الله، لوجه الله، لإعلاء كلمة الله.
والله يا إخوان إن اجتماعكم هذا يغيظ اليهود في تل أبيب، وأمريكا، وبريطانيا، ويغيظ النصارى في روما وإيطاليا؛ لأنهم يعملون باليل والنهار من أجل إفسادكم وإضلالكم، ومن أجل أن تنزع بناتكم الحجاب، وتعاكس بالهاتف، وتخرج بالتبرج والسفور، وتريد الاختلاط، يريدون أن تجتمعوا في كل اجتماع على لهو، إلا الاجتماع في بيوت الله، بكتوهم واجعلوهم من الأذلين، وخيبوا ظنونهم في إضلالكم، بإذن الله ترضون الله جل وعلا وتفوزون بنصر الله.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2866
الأسئلة
стр. 2867
صعوبة ترك الأصحاب السيئين بعد التوبة
السؤال
أحسن الله إليك: إن ترك الأصحاب أمرٌ ليس بالسهل، وإن تركتهم لم يتركوني.
أرجو أن توضح ذلك؟
الجواب
يا أخي هذا سؤال جميل ومن أجمل الأسئلة التي مرت علي، أقول لك يا أخي الحبيب! إذا كنت تترك الأصحاب من أجلي أو من أجل شخص آخر فأظن أن هذا ليس بسهل، لكن ترك الأصحاب لوجه الله جل وعلا لا بد أن يكون سهلاً ميسوراً، ولو لم يكن سهلاً فلا بد أن تجاهد نفسك ليكون سهلاً، ولا بد أن تعصر وتكسر نفسك وتغصب نفسك حتى يكون هذا ميسوراً، نحن ما قلنا لك: اترك هذا الفنان والزم هذا الفنان، اترك هذا الضائع واتبع هذا الضائع، اترك هذا المنحرف واتبع ذاك المنحرف، لا، قلنا: اترك هذا الضال واتبع هذا المهتدي، اترك هذا الجاهل واتبع هذا العالم، اترك هذا المنحرف واتبع هذا المستقيم، وكل هؤلاء لأجل الله جل وعلا، تركت هؤلاء وتبعت هؤلاء لوجه الله ، ما تركت هؤلاء لأجلي ولا لأجل الشيخ فلان أو لأجل رئيس المحكمة أو لكاتب العدل، لا، تركت ذلك لوجه الله جل وعلا ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] (من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه) جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] أتريد الهداية ولكن أمر الأصدقاء يشغلك؟ اهتد واستقم واجتهد على أصدقائك ليس لوحدك بل بعون من الدعاة على أصدقائك فليكونوا أصحاب خير لك.
عرفت كثيراً من الشباب كانوا يسافرون إلى بانكوك سوياً، كانوا يذهبون إلى الدار البيضاء سوياً، كانوا يفعلون الفواحش سوياً، فلما تاب أحدهم توبة صادقة عز عليه إخوانه فتقوى بالإيمان وبالجلساء الطيبين، ثم عاد ليغزو جلساءه الأولين، وأخذهم واحداً واحداً حتى أصبحوا جميعاً من أهل الهداية.
مجموعة من الشباب المجاهدين في أفغانستان إذا جلسوا في بعض الأحيان قام بعضهم يذكر الآخر يقول: أتذكر أيام كذا وكذا كم كانت الليالي تضيع! كم كانت الأموال تنفق سدى! كم كانت الاهتمامات تمضي على ما ليس بكفء أن تمضي لأجله! والآن انظر اهتمامنا، فلان ماذا تتمنى؟ يقول أسأل الله الشهادة في سبيل الله، شتان بين هذا وهذا.
إذاً ترك الأصحاب إذا كان منهم إلى مثلهم أو أسوء منهم أظن أن هذا صعب بالنسبة لك، لكن تركهم لوجه الله من الضلالة إلى الهدى، من الانحراف إلى الاستقامة، من الغواية إلى الهداية، هذا سهل وميسور بإذن الله جل وعلا.
стр. 2868
مشكلة العادة السرية عند الشباب
السؤال
لقد حاولنا ترك الأمر فوجدناه صعباً، ونواجه عجزاً عند بعضنا، وهو ترك العادة السرية؟
الجواب
يا إخواني هذه المسألة كثر السؤال عنها خاصة في صفوف الشباب، ونحن نقول: شيء طبيعي أن الإنسان إذا جلس وأخذ يرسم في مخيلته امرأة واقفة، نائمة، جالسة، متحركة، من الطبيعي أن تثور شهوته ومن ثم تتفجر هذه الغريزة، ويقود نفسه إلى فعل هذه العادة السيئة، لكن أقول: الشاب إذا جلس استمع شريطاً، إذا ركب في السيارة استمع للقرآن أو لنشيد إسلامي، إذا جلس في البيت مسك كتاباً يقرأ فيه، لا يعطي نفسه مجالاً في الاستمرار في التفكر والتخيل لتخلص من هذه المشكلة.
مشكلة كثير من الشباب - وقد أثبتتها الدراسات النفسية - أن الإنسان يتخيل حتى يتفجر، هذا غلط في غلط، لا تسمح لنفسك أن تتخيل، لأن التفكر عبادة، فلا تجلس تتفكر في جسد امرأة أو فاحشة أو معصية، لا، نريدك ألا تدع مجالاً للشيطان أن يتسلل إلى أفكارك، اقرأ، اسمع، جالس، صاحب، هذه مسألة.
المسألة الثانية: بالنسبة لبعض الشباب القادرين على الزواج ماذا يمنعهم أن يتزوجوا؟ تزوجوا يا إخوان! استعينوا بالله جل وعلا، قد يقول قائل: أنا لا أستطيع أن أجمع مهر فتاة بكر، أريد مائة ألف، تزوج أرملة مات زوجها، تزوج مطلقة ليس هناك حرج، تزوج واحدة أكبر منك بخمس سنوات أو ست سنوات ليس هناك حرج، والله لو تزوجت عجوزاً عاقراً لكان أهون عليك من أن تزني أو أن تفعل أموراً خبيثة.
مصيبة كثير من الشباب وهو يريد الزواج أنه وضع في باله أنه لن يتزوج إلا الطويلة الشقراء العنقاء التي وضع فيها من الصفات ما لم توجد في الدنيا، بل هي من حور الجنة، ويجلس حتى يجدها ثم يجمع المال العظيم ويتدين له المبالغ الباهظة.
وفي النهاية يتزوجها ثم يقول: يا ألله أنتِ خسارة علي، وعليك أن تسددي ديوني.
هذه مصيبة.
لا نريد الشباب هكذا، المصيبة التي دخلت إليكم من خلال الأفلام والمسلسلات، كل شاب واضع في ذهنه خطة لو قلت له: أنت تفكر في الزواج؟ لقال لك: أهناك أحد لا يفكر أن يتزوج، أنا أكيد أريد أن أتزوج، طيب لماذا لا تتزوج؟ قال: أولاً لا بد أن أحب التي أتزوجها ولا بد أن تحبني، طيب كيف تحبها؟ قال: لا بد أن تقابلني في الجامعة ثم يقول: حبيتها، هذه هي التي دخلت قلبي، ثم بعد ذلك يجلس، لا يذوق النوم ويظل يفكر فيها وينزل وزنه عشرين كيلو.
فتجد الشاب من خلال تعوده للنظر إلى الأفلام والمسلسلات واضع في باله أنه لن يتزوج حتى يحب، فانغمس في ذهنه، هذا أولاً.
ثانياً: وضع في باله أنه لن يتزوج حتى يجد شقة بدون خلو، ويؤثثها ويفعل، لا يا أخي، أو ما يصح الزواج إلا بغرفة نوم بعشرين ألف وذهب بخمسين ألف وبيت بعشرين ألف، لا يا أخي التمس ولو خاتماً من حديد، نقول: ضيق الله على كل من تسبب في تضييق سبل الزواج على الشباب المسلمين.
والله يا إخوان إن الشباب بإمكانهم أن يتزوجوا، فالفتيات الآن بالأكوام متكدسات والعوانس كثيرات، والمطلقات كثيرات، والأرامل كثيرات، والشباب يعانون من العادة السرية، ويعانون من الشذوذ، ويعانون من الانحراف، نحن الذين خلقنا المصيبة لأنفسنا.
يا أخي! تزوج ما دمت راغباً في الزواج، وبعض الناس ليس له هم في الليل والنهار إلا هذه العادة ولا حول ولا قوة إلا بالله، يا أخي تزوج مطلقة أو أرملة أو من يسر الله لك، وما يدريك، قد تحبها ولو تزوجت بكراً جميلة ما أحببتها، المسألة قسمة يقسمها الله جل وعلا.
هذه تصورات ليس بصحيحة، لكن الشباب تأثروا بكثير من الأفلام والمسلسلات فلا بد أن يقدم شبكة، ويكون الزواج في قصر أفراح، هدية للأم وهدية للأب وهدية لكذا وهلم جرا.
هذا مما شدد به الناس على أنفسهم.
والله لو أن الشاب استعان بالله ورغب في الزواج من أجل غض البصر وإحصان الفرج، لنال خيراً وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : (ثلاثة حق على الله عونهم وذكر منهم: الناكح يريد العفاف) الآن لو دخلت على أمير من الأمراء وقلت له: أنا أريد أن أتزوج، قال: أبشر بالعون، تقول الحمد لله الأمير سيعاونني إن شاء الله والمسألة انحلت، طيب ما بالك إذا كان الله حق عليه عونك، أي: يقول الله أبشر وأعينك (ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والمجاهد في سبيل الله).
فيا شبابنا تزوجوا تزوجوا، أبناء الطوائف المنحرفة يتناسلون، يزوجون الطفل والمجنون والكبير والعجوز، وما تركوا أحداً إلا وزوجوه، في جامعة البحرين تقول شابة من الطوائف المنحرفة لفتاة ملتزمة، تقول: أنتِ يا فتاة! يا سنية! يا ملتزمة! تدعين أنك مخلصة للدعوة؟ قالت: نعم.
قالت: تكذبين لأن زوجك لو أراد أن يتزوج مرة أخرى؛ هجرتيه وقاطعيته وتركتيه، وأما أنا فمستعدة أن أخطب له ثلاث، من أجل ماذا؟ قالت: صح أنا أتضايق وعندي غيرة لكن أدوس على مشاعري من أجل تكثير نسل أبناء طائفتنا.
انظر إلى التخطيط والعمل، فنحن نقول: لا نريد ثلاثاً أو أربعاً، نريد الشاب أن يتزوج ولو أكبر منه، لكن لو يتنازل عن المواصفات فهو كأنه يريد سيارة لكسز لا يريد زوجة، مشكلة والله، مثبت سرعة، وزوجة توماتيك وهلم جرا، ما يصلح هذا، تزوج ما يسر الله لك.
стр. 2869
بر الوالد العاق لوالديه
السؤال
شاب ملتزم، لكن أباه عاق جداً لوالديه فكيف يجمع بين التزامه وبره لوالديه؟
الجواب
هذا كمن يقول:
هذا جناه أبي علي وما جنيته على أحد
أنا أقول: اسأل الهداية لأبيك وأن يكون من البارين وممن يصلون رحمهم، وأنت اجتهد في التزامك واستمر على ذلك، وبر بأبيك، لعل الله أن يري أبيك من برك ما يعينه على بر والديه، ولا تناقض في هذا.
стр. 2870
حكم بيع الدخان
السؤال
رجل ناقش بعض أصحاب محلات بيع الدخان، لكنهم يجادلونه ويقولون: إنه مكروه.
فما هو توجيهك؟
الجواب
لأول مرة أسمع أن صاحب بقالة ينازع في الأحكام الفقهية! ربما تقول: إن الجبن المثلث أفضل من الكيري، لكن تقول: هذا مكروه أو هذا مستحب هذه مشكلة، وعلى الإنسان أن يعرف حده ولا يتعداه، أنا لا أقول: إن صاحب البقالة ليس بكفء أن يطلب العلم، نعم يطلب العلم، لكن قبل أن يقول: هذا مكروه هل قال: هو مكروه بهوى أو عن بحث وقناعة وعلم ومقارنة للأدلة وتتبع لأقوال العلماء، وبعد ذلك يقول: هذا كذا أو كذا، والأحاديث فيها والآيات صريحة في هذا ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] أي: هل أحد يقول: إن الدخان من الطيبات؟! أبداً.
الدخان من الخبائث، وقد حرمت الشريعة كل ما فيه إتلاف للبدن قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] وهذا فيه قتل للبدن بما يحدثه من الأمراض، وإذا كان العالم الغربي أصبح يحارب الدخان، ولأنهم يعيشون في دول الحرية يقولون: لا نمنع أحداً، فلا يردون دعاية عن الخمر أو الفساد أو الزنا أو الدخان، لكن الدخان يقولون: إن التدخين يضر بصحتك، ننصحك بالامتناع عنه؛ لأن أولئك أدركوا ضرره، لكن مبادئهم التي تقول بالحرية في كل شيء جعلتهم يأذنون بالدعاية له.
فمن يحاجك ويقول: هذا مكروه، قل: جزاك الله خيراً، مكروه من أين؟ من الذي قال لك إنه مكروه؟ عالم من العلماء أو فنان من الفنانين، هات لي كلام أهل العلم مع الدليل.
وبعد ذلك أقول لك: إن كنت تجادل بباطل فهذا لا يقبل، وحري على الذي يجادل بالباطل لكي يدفع به الحق أن يكون والعياذ بالله من أهل الزيغ والضلالة.
стр. 2871
تعليق الشيخ على مسألة كفالة الأيتام
هناك أمر أريد التعليق عليه وهو ما ذكره الشيخ في مسألة كفالة الأيتام.
إخواني: جاء في الحديث الصحيح: (وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) والله يا إخوان إن العناية بالأيتام فيها خير عظيم، وأكرر وأوصي وأنصح بأن يحرص كل واحد منا أن يجتهد في أن يجعل من دخله شهرياً أو في كل شهرين أو في كل خمسة عشرة يوماً شيئاً يقدمه في كفالة الأيتام، ففي هذا خير عظيم وحسبكم حديث النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) رجل من أكبر أثرياء المدينة المنورة - جزاه الله خيراً - ذهب إلى بيشاور في أفغانستان، وكفل في البداية حوالي عشرين يتيماً، وجعلهم في شقة، تصوروا لما كفلهم؛ فتح الله عليه أموال، والآن عنده مدرسة اسمها مدرسة المدينة فيها ستمائة يتيم يكفلهم هو، فهنيئاً له.
وأبشركم أيضاً أن أحد الأثرياء قد غبطه على ما فعل، وأخذ منه المشروع ليقيم مدرسة أخرى يكفل بها هذا العدد من الأيتام.
فكفالة الأيتام واليتيمات فيها خير عظيم، وأوصي كل واحد منكم إذا شعر بخطأ أو ذنب أو معصية أن يأخذ مبلغاً ويذهب ليتصدق به لمثل هذه الدار أو لمثل هذا المكان وستجد خيراً، وأتبع السيئة الحسنة تمحها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
стр. 2872
تلبيس إبليس
إن الدعوة إلى الله هي التجارة الرابحة التي لا يعمل بها إلا القليل؛ وذلك بسبب تلبيس إبليس على كثير من الناس في أمر الدعوة والدعاة، فتارة يشوه الدعاة والملتزمين، وتارة يوهم الملتزم أنه مراقب من قبل الأمن، وتارة يظهر فوارق وهمية بين الدعاة وبين الحكومات الإسلامية فالحذر الحذر من تلبيس الشيطان.
стр. 2873
كلمة عن الموت
الحمد لله الذي ستر القبيح، وأظهر الجميل، الحمد الله الذي جَمَّلنا بستره، وشرَّفنا بذكره.
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: لقد أثنى فضيلة الشيخ -أحسن الله له المثوبة والجزاء فيما قدَّم- وإنه قد ذكر كثيراً مما لستُ بكفءٍ له؛ ولكن كما قال أبو بكر الصديق ﵁: [اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني فوق ما يظنون] بمنِّه وكرمه.
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني
أيها الأحبة في الله: يا أهل ساجر! ويا أهل المدن المحيطة بها! ويا أهل منطقة السر عامة! أحمد الله إليكم أن جمعنا بكم في روضة من رياض الجنة، ووالله لقد أحببناكم في الله قبل أن نراكم، وازددنا لكم حباًَ بعد لقياكم.
وقبل أن أدخل في موضوع هذه المحاضرة: لقد صلينا -كما ذكر فضيلة الشيخ آنفاً- على جنازة رجل أثني عليه خيراً، ولما سمعتم بشيءٍ من ذكره رفعتم الصوت بالدعاء له، فأسأل الله جلَّ وعَلا أن يجعلنا وإياكم ممن يُثنى عليه بعد موته خيراً.
المرء يفرح بالحياة وطول عيش قد يضرُّه
تفنى بشاشتُه ويبقى بعد حلو العيش مرُّه
وتسوؤه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسرُّه
كم شامتٍ بي إذْ هلكتُ وقائل لله درُّه
أيها الأحبة في الله: والله لقد غبطتُ صاحب الجنازة لما سألتُ أخي/ (مطلق) عنه، فقال: إنه من أهل هذه المنطقة، ومن كبار السن، فهنيئاً له، وأسأل الله أن يتغمده برحمته وأن يجمعنا به في بحبوحة جنته.
أيها الإخوة: من منكم يجد ضماناً أن يُمتَّع بقية عمره على الإسلام ما غيَّر ولا بدَّل؛ لكنكم صليتم على جنازة واحد من إخوانكم أو من آبائكم، هنيئاً له مات على التوحيد، ونحن وإياكم على خطر مواجهة هذه المغريات، وهذه المفسدات، وهذه الملهيات، التي لا يزال كثير من شبابنا وأبنائنا وبناتنا على خطر من الوقوع في مغبة آثامها وشرورها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أيها الأحبة: ما من مشهد إلا والقبر أفظع منه، وما من مصيبة إلا والموت أعلى المصائب فيها:
يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرُقْنَ أسحارا
...
تزوَّد من الدنيا فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ!
فكم من عروس زيَّنوها لزوجها وقد نُسجت أكفانها وهي لا تدري!
وكم من صغار يُرتجى طول عمرهمُ وقد أدخلت أجسادُهم ظلمة القبرِ!
وقول الله أبلغ حيث قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢].
وقول الله أبلغ حيث قال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
وقول الله أبلغ! ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
واللهِ -أيها الأحبة- ليأتينَّ عليَّ وعليكم يومٌ يُصلى علينا كما صلينا على هذه الجنازة، وليأتينَّ عليَّ وعليكم يومٌ نغسَّل كما غُسلت هذه الجنازة، وليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم تُخلع منا ثيابنا وقد لبسناها بأيدينا.
واللهِ ليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم نُحمل على أكتاف الرجال، وقد كنا نحمل الجنائز على أكتافنا.
واللهِ ليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم نوضَع فيه في القبر، ويُحكم علينا اللحد، ويُسد باللبِن، ويُهال علينا التراب فأين الملجأ وأين المنجى؟! وأين المعين وأين النصير؟! إلا الله جلَّ وعَلا.
فيا عباد الله: الرجوع الرجوع إلى الله، والتوبة التوبة قبل أن نوضع في ظلمة اللحود، وتُحكم السدود، ويُهال التراب، ونفارق الأحباب، ولا نجد أحداً من الأصحاب أبداً.
يا شاباً ما زال يستمع الغناء في لهوه! يا رجلاً ما زال منشغلاً بالربا والحرام! يا رجلاً ما زال مغرقاً في قطيعة رحمه، وعقوق والدَيه! يا رجلاً منتهكاً لحرمات الله، متعدياً على أسرار البيوت، ومنتهكاً لحرماتها وأستارها! اتق الله قبل أن يأتي هذا اليوم الذي لا منجى فيه ولا ملجأ من الله إلا إليه.
يا غافلاً عن العملْ وغرَّه طول الأملْ
الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العملْ
وكم من أناس قد رأينا نعيمهم كم من أناس رأينا عبثهم ولهوهم وتبجحهم وعنادهم، وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليسمعوا قوله، وليهتدوا بهديه، وليستنوا بسنته رأيت بعضهم يصد عنك صدوداً، فإذا انصرفت عن بعضهم قال بعضهم لبعضٍ: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ [محمد:١٦]؟! أيها الأحبة في الله: واللهِ إن هذا المصير الذي سنواجهه لن ينفعنا فيه أب حبيب، ولا صديق ولا قريب، ولا محب ولا لبيب، ولن يغني في دفع الموت صيدلي أو طبيب، ولا يدفع عنك الألم إلا رحمة رب السماوات والأرض، ولا يدفع عنك النقم إلا من سجدتَ له، وخضعت له، وتبت لوجهه، وتركت المعصية خوفاً من عذابه وطمعاً في ثوابه.
والآن أنت بالخيار، المهلة بين يديك، أنت لا تزال في زمن المهلة، فإن شئت فانبذ ما عندك من أشرطة اللهو، ومجلات الفساد، وصُحبة السوء، وما زُيِّن لك وزُخرف من المعاصي والملاهي، وإن شئت فامضِ على ما أنت عليه، وقريباً قريباً: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦ - ٧] قريباً قريباً يمر بالإنسان ما كان يخشاه.
اسألوا أهل السبعين سنة: كيف ينظر إلى ما مضى من عمره؟ كأنها ليلة ماضية.
اسألوا أهل الخمسين عاماً: كيف ينظرون ما مضى من عمرهم؟ كأنها ساعة من نهار.
مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيامُ
ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوامُ
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ
...
أين نمرود وكنعان ومن عَمَرَ الدنيا وولَّى وعزلْ
أتى على الكل أمر لا مردَّ له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
لكل شيء إذا ما تَمَّ نقصانُ فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسانُ
لا تغرنكم المزارع ولا تغرنكم الصوامع ولا تغرنكم البِيَع ولا تغرنكم الضِّياع ولا تغرنكم الأنهار ولا يغرنكم هذا كله، قريباً يُنقل الناس من القصور إلى القبور، ومن النور إلى الظلمة، ومن الأنس إلى الوحشة، ومن الجليس إلى دار ليس بها أنيس.
فاعتبروا! الآن الجنازة تُدفن! الآن الجنازة يُحكم عليها اللبِن! الآن الجنازة توضع في اللحد! وسيأتي عليك يوم يتهلهل التراب على وجهك، وأنت في وسط اللحد وظلمته، وفي وسط القبر وكربته, وفي هول المطلع وشدته.
هاه من الذي يبيت معك في القبر ليلة؟! أين أعز صديق؟!
стр. 2874
حقارة الدنيا
واللهِ لو كان الناس في الدنيا بعضُهم يغني لبعض شيئاً لبات مع الملوك في قبورهم خادماً، ولبات مع الأثرياء في قبورهم مالاًَ، ولبات مع الذين أمروا ونهوا معهم في قبورهم من يؤانسهم؛ لكن -والله- لو أُتي بأحب الخلق وقيل له: بِتْ مع هذا الحبيب أو الثري أو الأمير أو الوزير أو الحقير أو الملك أو الصغير أو الكبير، بِتْ معه في قبره ليلة، واللهِ لا يبيت معه، لا أبٌ ينفع ولا أم، وأشد من هذا أهوال يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٢٥ - ٣٧].
يا إخوان! يا أحباب! تفكروا في مصير الدنيا التي أنتم ونحن معكم ربما غفلنا، واغتررنا بها، وركنا إليها.
وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراًَ جَلل
انظر إلى أعظم شيء تتمناه، تفكر في خاتمته وآخرته.
وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراًَ جَلل
في منتهى: في آخر.
تفكر في الماء العذب الزلال الذي تتمنى شرابه، يتحول إلى بول لا يسرك سماعه.
انظر إلى اللقمة الهنية الشهية اللذيذة التي تأكلها، وتقبل عليها نَهِماً، تقلبها بلسانك، تمضغها بأسنانك! انظر منتهاها كيف يخرج من جوفك برازاًَ وغائطاً وعَذِرة تنصرف بوجهك وأنفك عنها.
انظر إلى الجمال الذي تشتاق إليه! كيف تعبث به السنون، ثم يبقى بعد ذلك شيئاً ذابلاً خاملاً لا نضرة فيه أبداً.
وبعد ذلك هذا البدن الذي تعلق به من تعلق يُدفن في التراب، فيدخل الدود مع العين ويخرج من الأذن، ويعبث باللسان الذي طالما تكلَّم وجادل بالباطل، ويدخل الدود في العين التي طالما سهرت أياماً وليالي على الأفلام والمسلسلات، ويخرج مع الأذن التي طالما سمعت آلات اللهو وأنواع الغناء، ويدخل في كل جوف وجزء وقطعة من شعرك وبدنك.
تأملوا هذه النهاية، وتدبروا هذا المصير! وإذا عرفنا ذلك أدركنا أن الدنيا حقيرة، ولذلك قال ﷺ فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر).
إذا تأملنا حقيقة الدنيا، فهي سجن المؤمنين؛ لأن ما ينتظرك -أيها المسلم- فيما عند الله من النعيم بالنسبة لما تراه الآن في الدنيا تعتبر دنياك حبساً، والجنة هي التي تنتقل إليها، والنعيم هو الذي تنتقل إليه، والحرية هي الدار التي تنتقل إليها.
وهذه الدنيا جنة الكافر، حتى وإن أطلق بصره، وأطلق فرجه، وأطلق لسانه، وأطلق سمعه في الحرام؛ لأن دنياه هذه بالنسبة لما ينتظره من العذاب في القبور، ومن العذاب في الآخرة، تعتبر بالنسبة لهم هذه جنةٌ؛ لأن ما ينتظره من بلاء ومصائب أعظم مما يخطر على البال.
في الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ما لا عين رأت من النعيم، ولا أذن سمعت عن النعيم، ولا خطر على قلب بشر من النعيم.
وفي الآخرة ما لا عين رأت من العذاب، ولا أذن سمعت من العذاب، ولا خطر على قلب بشر من العذاب.
فهل نستعد؟! هل نستجيب؟! هل نعود إلى الله؟! هذه الدنيا التي تعلقنا بها: اجتماعنا فيها نهايته الفراق.
وصحتنا فيها يكدرها الآلام والأمراض والأسقام.
والغنى فيها مَخُوف بألوان الفقر.
والعزة فيها كلما سمع الناس صولة دولة على دولة، وجولة باغٍ على آخرين خافت الناس خشية من تحوُّل الأوضاع من عز إلى ذل، ومن أمن إلى فزع، ومن طمأنينة إلى خوف.
إذاً: هذه الدنيا ليست للأبرار مقراً، حتى وليست للفجار مقراً؛ لكن الأبرار يمرون فيها إلى دار النعيم، والفجار يمرون بها إلى مقر الجحيم.
فيا أحبابنا إذا تأملنا ذلك عرفنا أن دنيانا ما هي إلا مزرعة، نزرع فيها الأعمال الصالحة، ونبذر غراس الأعمال النافعة، حتى نجني يوم القيامة.
ومن زرع البذور وما سقاها تأوَّه نادماً يوم الحصاد
стр. 2875
الدعوة إلى الله تجارة رابحة
أيها الأحبة في الله: ما دام هذا شأن الدنيا، وهذا مصيرها، وهذه أحوالها، وبعدها أهوالها، فإن من خير ما ينفعنا ويسرنا وينجينا أن نجعل الدنيا مزرعةً للدعوة إلى الله جلَّ وعَلا، نريد العمل الذي يعطينا الحسنات الكثيرة في الأيام القصيرة.
لو أن عندك مائة ألف ريال، وأردت أن تستثمرها، فقال لك أحد أصدقائك: أعطني هذا المال وأعطيك أرباحه بعد سنتين، تقول: لا.
السنتان طويلة، وما هي الأرباح؟! (١٠%) أو (٢٠%)، تقول: لا.
هذا مشروع فاشل، (٢٠%) والأرباح بعد سنتين؟! هذا مشروع فاشل، فإذا قال لك آخر: أرباحه بعد ستة أشهر، والمكسب (١٠٠%) تقول: نعم.
أنت المستثمر الناجح، وأنت التاجر الماهر الذي حريٌّ أن نعطيه المال، فيستثمره لنا، وينفعنا باستثماره وتحريكه.
أقول لكم يا تجار الآخرة! أقول لكم يا معاشر الموحدين! أقول لكم يا أحبابنا أجمعين: تعالوا معي لنتعرف على تجارة أرباحها كثيرة، ومدة دورة رأس المال فيها قصيرة، ما هي؟! الدعوة إلى الله جلَّ وعَلا.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
وقال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
من دعا إلى هدى فله أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة.
لو قام أحدكم الآن وتكلم بيننا، وقال: أيها الناس: تصدقوا، واتقوا، وتقربوا إلى الله، فإن في يوغسلافيا إخواناً لكم محتاجين لمساعدةً؛ لأنهم يُقَتَّلون ويُشَرَّدون على أيدي الصربيين الكفار النصارى الأرثوذكس، فقمتم أنتم وتبرعتم وجمعتم على الأبواب مائة ألف ريال مثلاً، كتب الله في ميزان هذا الذي تكلم أجراً يعادل صدقة مائة ألف ريال، مع أنه ربما لم يتبرع إلا بريال واحد؛ لكنه دعا إلى الخير، فكان له مثل أجره.
ما دامت الدنيا حقيرة، والأيام قصيرة، وبحاجة إلى متاجرة لحسنات كثيرة فإن الدعوة إلى الله من خير ما ينفعنا.
ولكن -أيها الأحباب- وجدتُ من خلال اطلاعٍ وتجربةٍ واستقراءٍ؛ وجدتُ كثيراً من الناس يحبون الدعوة إلى الله، ويحبون الخير، ويحبون الدعاة إلى الله؛ ولكن الشيطان يلبِّس عليهم، الشيطان يخوفهم، وذلك هو: (تلبيس إبليس) الذي هو موضوع محاضرتنا اليوم.
следующие страницы →