← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

تعليق الشيخ على مسألة كفالة الأيتام هناك أمر أريد التعليق عليه وهو ما ذكره الشيخ في مسألة كفالة الأيتام. إخواني: جاء في الحديث الصحيح: (وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) والله يا إخوان إن العناية بالأيتام فيها خير عظيم، وأكرر وأوصي وأنصح بأن يحرص كل واحد منا أن يجتهد في أن يجعل من دخله شهرياً أو في كل شهرين أو في كل خمسة عشرة يوماً شيئاً يقدمه في كفالة الأيتام، ففي هذا خير عظيم وحسبكم حديث النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) رجل من أكبر أثرياء المدينة المنورة - جزاه الله خيراً - ذهب إلى بيشاور في أفغانستان، وكفل في البداية حوالي عشرين يتيماً، وجعلهم في شقة، تصوروا لما كفلهم؛ فتح الله عليه أموال، والآن عنده مدرسة اسمها مدرسة المدينة فيها ستمائة يتيم يكفلهم هو، فهنيئاً له. وأبشركم أيضاً أن أحد الأثرياء قد غبطه على ما فعل، وأخذ منه المشروع ليقيم مدرسة أخرى يكفل بها هذا العدد من الأيتام. فكفالة الأيتام واليتيمات فيها خير عظيم، وأوصي كل واحد منكم إذا شعر بخطأ أو ذنب أو معصية أن يأخذ مبلغاً ويذهب ليتصدق به لمثل هذه الدار أو لمثل هذا المكان وستجد خيراً، وأتبع السيئة الحسنة تمحها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].

стр. 2872

تلبيس إبليس إن الدعوة إلى الله هي التجارة الرابحة التي لا يعمل بها إلا القليل؛ وذلك بسبب تلبيس إبليس على كثير من الناس في أمر الدعوة والدعاة، فتارة يشوه الدعاة والملتزمين، وتارة يوهم الملتزم أنه مراقب من قبل الأمن، وتارة يظهر فوارق وهمية بين الدعاة وبين الحكومات الإسلامية فالحذر الحذر من تلبيس الشيطان.

стр. 2873

كلمة عن الموت الحمد لله الذي ستر القبيح، وأظهر الجميل، الحمد الله الذي جَمَّلنا بستره، وشرَّفنا بذكره. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة في الله: لقد أثنى فضيلة الشيخ -أحسن الله له المثوبة والجزاء فيما قدَّم- وإنه قد ذكر كثيراً مما لستُ بكفءٍ له؛ ولكن كما قال أبو بكر الصديق ﵁: [اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني فوق ما يظنون] بمنِّه وكرمه. إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني أيها الأحبة في الله: يا أهل ساجر! ويا أهل المدن المحيطة بها! ويا أهل منطقة السر عامة! أحمد الله إليكم أن جمعنا بكم في روضة من رياض الجنة، ووالله لقد أحببناكم في الله قبل أن نراكم، وازددنا لكم حباًَ بعد لقياكم. وقبل أن أدخل في موضوع هذه المحاضرة: لقد صلينا -كما ذكر فضيلة الشيخ آنفاً- على جنازة رجل أثني عليه خيراً، ولما سمعتم بشيءٍ من ذكره رفعتم الصوت بالدعاء له، فأسأل الله جلَّ وعَلا أن يجعلنا وإياكم ممن يُثنى عليه بعد موته خيراً. المرء يفرح بالحياة وطول عيش قد يضرُّه تفنى بشاشتُه ويبقى بعد حلو العيش مرُّه وتسوؤه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسرُّه كم شامتٍ بي إذْ هلكتُ وقائل لله درُّه أيها الأحبة في الله: والله لقد غبطتُ صاحب الجنازة لما سألتُ أخي/ (مطلق) عنه، فقال: إنه من أهل هذه المنطقة، ومن كبار السن، فهنيئاً له، وأسأل الله أن يتغمده برحمته وأن يجمعنا به في بحبوحة جنته. أيها الإخوة: من منكم يجد ضماناً أن يُمتَّع بقية عمره على الإسلام ما غيَّر ولا بدَّل؛ لكنكم صليتم على جنازة واحد من إخوانكم أو من آبائكم، هنيئاً له مات على التوحيد، ونحن وإياكم على خطر مواجهة هذه المغريات، وهذه المفسدات، وهذه الملهيات، التي لا يزال كثير من شبابنا وأبنائنا وبناتنا على خطر من الوقوع في مغبة آثامها وشرورها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أيها الأحبة: ما من مشهد إلا والقبر أفظع منه، وما من مصيبة إلا والموت أعلى المصائب فيها: يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرُقْنَ أسحارا ... تزوَّد من الدنيا فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ! فكم من عروس زيَّنوها لزوجها وقد نُسجت أكفانها وهي لا تدري! وكم من صغار يُرتجى طول عمرهمُ وقد أدخلت أجسادُهم ظلمة القبرِ! وقول الله أبلغ حيث قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢]. وقول الله أبلغ حيث قال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]. وقول الله أبلغ! ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. واللهِ -أيها الأحبة- ليأتينَّ عليَّ وعليكم يومٌ يُصلى علينا كما صلينا على هذه الجنازة، وليأتينَّ عليَّ وعليكم يومٌ نغسَّل كما غُسلت هذه الجنازة، وليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم تُخلع منا ثيابنا وقد لبسناها بأيدينا. واللهِ ليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم نُحمل على أكتاف الرجال، وقد كنا نحمل الجنائز على أكتافنا. واللهِ ليأتينَّ عليَّ وعليكم يوم نوضَع فيه في القبر، ويُحكم علينا اللحد، ويُسد باللبِن، ويُهال علينا التراب فأين الملجأ وأين المنجى؟! وأين المعين وأين النصير؟! إلا الله جلَّ وعَلا. فيا عباد الله: الرجوع الرجوع إلى الله، والتوبة التوبة قبل أن نوضع في ظلمة اللحود، وتُحكم السدود، ويُهال التراب، ونفارق الأحباب، ولا نجد أحداً من الأصحاب أبداً. يا شاباً ما زال يستمع الغناء في لهوه! يا رجلاً ما زال منشغلاً بالربا والحرام! يا رجلاً ما زال مغرقاً في قطيعة رحمه، وعقوق والدَيه! يا رجلاً منتهكاً لحرمات الله، متعدياً على أسرار البيوت، ومنتهكاً لحرماتها وأستارها! اتق الله قبل أن يأتي هذا اليوم الذي لا منجى فيه ولا ملجأ من الله إلا إليه. يا غافلاً عن العملْ وغرَّه طول الأملْ الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العملْ وكم من أناس قد رأينا نعيمهم كم من أناس رأينا عبثهم ولهوهم وتبجحهم وعنادهم، وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليسمعوا قوله، وليهتدوا بهديه، وليستنوا بسنته رأيت بعضهم يصد عنك صدوداً، فإذا انصرفت عن بعضهم قال بعضهم لبعضٍ: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ [محمد:١٦]؟! أيها الأحبة في الله: واللهِ إن هذا المصير الذي سنواجهه لن ينفعنا فيه أب حبيب، ولا صديق ولا قريب، ولا محب ولا لبيب، ولن يغني في دفع الموت صيدلي أو طبيب، ولا يدفع عنك الألم إلا رحمة رب السماوات والأرض، ولا يدفع عنك النقم إلا من سجدتَ له، وخضعت له، وتبت لوجهه، وتركت المعصية خوفاً من عذابه وطمعاً في ثوابه. والآن أنت بالخيار، المهلة بين يديك، أنت لا تزال في زمن المهلة، فإن شئت فانبذ ما عندك من أشرطة اللهو، ومجلات الفساد، وصُحبة السوء، وما زُيِّن لك وزُخرف من المعاصي والملاهي، وإن شئت فامضِ على ما أنت عليه، وقريباً قريباً: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦ - ٧] قريباً قريباً يمر بالإنسان ما كان يخشاه. اسألوا أهل السبعين سنة: كيف ينظر إلى ما مضى من عمره؟ كأنها ليلة ماضية. اسألوا أهل الخمسين عاماً: كيف ينظرون ما مضى من عمرهم؟ كأنها ساعة من نهار. مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيامُ ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوامُ ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ ... أين نمرود وكنعان ومن عَمَرَ الدنيا وولَّى وعزلْ أتى على الكل أمر لا مردَّ له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا لكل شيء إذا ما تَمَّ نقصانُ فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسانُ لا تغرنكم المزارع ولا تغرنكم الصوامع ولا تغرنكم البِيَع ولا تغرنكم الضِّياع ولا تغرنكم الأنهار ولا يغرنكم هذا كله، قريباً يُنقل الناس من القصور إلى القبور، ومن النور إلى الظلمة، ومن الأنس إلى الوحشة، ومن الجليس إلى دار ليس بها أنيس. فاعتبروا! الآن الجنازة تُدفن! الآن الجنازة يُحكم عليها اللبِن! الآن الجنازة توضع في اللحد! وسيأتي عليك يوم يتهلهل التراب على وجهك، وأنت في وسط اللحد وظلمته، وفي وسط القبر وكربته, وفي هول المطلع وشدته. هاه من الذي يبيت معك في القبر ليلة؟! أين أعز صديق؟!

стр. 2874

حقارة الدنيا واللهِ لو كان الناس في الدنيا بعضُهم يغني لبعض شيئاً لبات مع الملوك في قبورهم خادماً، ولبات مع الأثرياء في قبورهم مالاًَ، ولبات مع الذين أمروا ونهوا معهم في قبورهم من يؤانسهم؛ لكن -والله- لو أُتي بأحب الخلق وقيل له: بِتْ مع هذا الحبيب أو الثري أو الأمير أو الوزير أو الحقير أو الملك أو الصغير أو الكبير، بِتْ معه في قبره ليلة، واللهِ لا يبيت معه، لا أبٌ ينفع ولا أم، وأشد من هذا أهوال يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٢٥ - ٣٧]. يا إخوان! يا أحباب! تفكروا في مصير الدنيا التي أنتم ونحن معكم ربما غفلنا، واغتررنا بها، وركنا إليها. وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراًَ جَلل انظر إلى أعظم شيء تتمناه، تفكر في خاتمته وآخرته. وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراًَ جَلل في منتهى: في آخر. تفكر في الماء العذب الزلال الذي تتمنى شرابه، يتحول إلى بول لا يسرك سماعه. انظر إلى اللقمة الهنية الشهية اللذيذة التي تأكلها، وتقبل عليها نَهِماً، تقلبها بلسانك، تمضغها بأسنانك! انظر منتهاها كيف يخرج من جوفك برازاًَ وغائطاً وعَذِرة تنصرف بوجهك وأنفك عنها. انظر إلى الجمال الذي تشتاق إليه! كيف تعبث به السنون، ثم يبقى بعد ذلك شيئاً ذابلاً خاملاً لا نضرة فيه أبداً. وبعد ذلك هذا البدن الذي تعلق به من تعلق يُدفن في التراب، فيدخل الدود مع العين ويخرج من الأذن، ويعبث باللسان الذي طالما تكلَّم وجادل بالباطل، ويدخل الدود في العين التي طالما سهرت أياماً وليالي على الأفلام والمسلسلات، ويخرج مع الأذن التي طالما سمعت آلات اللهو وأنواع الغناء، ويدخل في كل جوف وجزء وقطعة من شعرك وبدنك. تأملوا هذه النهاية، وتدبروا هذا المصير! وإذا عرفنا ذلك أدركنا أن الدنيا حقيرة، ولذلك قال ﷺ فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر). إذا تأملنا حقيقة الدنيا، فهي سجن المؤمنين؛ لأن ما ينتظرك -أيها المسلم- فيما عند الله من النعيم بالنسبة لما تراه الآن في الدنيا تعتبر دنياك حبساً، والجنة هي التي تنتقل إليها، والنعيم هو الذي تنتقل إليه، والحرية هي الدار التي تنتقل إليها. وهذه الدنيا جنة الكافر، حتى وإن أطلق بصره، وأطلق فرجه، وأطلق لسانه، وأطلق سمعه في الحرام؛ لأن دنياه هذه بالنسبة لما ينتظره من العذاب في القبور، ومن العذاب في الآخرة، تعتبر بالنسبة لهم هذه جنةٌ؛ لأن ما ينتظره من بلاء ومصائب أعظم مما يخطر على البال. في الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ما لا عين رأت من النعيم، ولا أذن سمعت عن النعيم، ولا خطر على قلب بشر من النعيم. وفي الآخرة ما لا عين رأت من العذاب، ولا أذن سمعت من العذاب، ولا خطر على قلب بشر من العذاب. فهل نستعد؟! هل نستجيب؟! هل نعود إلى الله؟! هذه الدنيا التي تعلقنا بها: اجتماعنا فيها نهايته الفراق. وصحتنا فيها يكدرها الآلام والأمراض والأسقام. والغنى فيها مَخُوف بألوان الفقر. والعزة فيها كلما سمع الناس صولة دولة على دولة، وجولة باغٍ على آخرين خافت الناس خشية من تحوُّل الأوضاع من عز إلى ذل، ومن أمن إلى فزع، ومن طمأنينة إلى خوف. إذاً: هذه الدنيا ليست للأبرار مقراً، حتى وليست للفجار مقراً؛ لكن الأبرار يمرون فيها إلى دار النعيم، والفجار يمرون بها إلى مقر الجحيم. فيا أحبابنا إذا تأملنا ذلك عرفنا أن دنيانا ما هي إلا مزرعة، نزرع فيها الأعمال الصالحة، ونبذر غراس الأعمال النافعة، حتى نجني يوم القيامة. ومن زرع البذور وما سقاها تأوَّه نادماً يوم الحصاد

стр. 2875

الدعوة إلى الله تجارة رابحة أيها الأحبة في الله: ما دام هذا شأن الدنيا، وهذا مصيرها، وهذه أحوالها، وبعدها أهوالها، فإن من خير ما ينفعنا ويسرنا وينجينا أن نجعل الدنيا مزرعةً للدعوة إلى الله جلَّ وعَلا، نريد العمل الذي يعطينا الحسنات الكثيرة في الأيام القصيرة. لو أن عندك مائة ألف ريال، وأردت أن تستثمرها، فقال لك أحد أصدقائك: أعطني هذا المال وأعطيك أرباحه بعد سنتين، تقول: لا. السنتان طويلة، وما هي الأرباح؟! (١٠%) أو (٢٠%)، تقول: لا. هذا مشروع فاشل، (٢٠%) والأرباح بعد سنتين؟! هذا مشروع فاشل، فإذا قال لك آخر: أرباحه بعد ستة أشهر، والمكسب (١٠٠%) تقول: نعم. أنت المستثمر الناجح، وأنت التاجر الماهر الذي حريٌّ أن نعطيه المال، فيستثمره لنا، وينفعنا باستثماره وتحريكه. أقول لكم يا تجار الآخرة! أقول لكم يا معاشر الموحدين! أقول لكم يا أحبابنا أجمعين: تعالوا معي لنتعرف على تجارة أرباحها كثيرة، ومدة دورة رأس المال فيها قصيرة، ما هي؟! الدعوة إلى الله جلَّ وعَلا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. وقال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. من دعا إلى هدى فله أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة. لو قام أحدكم الآن وتكلم بيننا، وقال: أيها الناس: تصدقوا، واتقوا، وتقربوا إلى الله، فإن في يوغسلافيا إخواناً لكم محتاجين لمساعدةً؛ لأنهم يُقَتَّلون ويُشَرَّدون على أيدي الصربيين الكفار النصارى الأرثوذكس، فقمتم أنتم وتبرعتم وجمعتم على الأبواب مائة ألف ريال مثلاً، كتب الله في ميزان هذا الذي تكلم أجراً يعادل صدقة مائة ألف ريال، مع أنه ربما لم يتبرع إلا بريال واحد؛ لكنه دعا إلى الخير، فكان له مثل أجره. ما دامت الدنيا حقيرة، والأيام قصيرة، وبحاجة إلى متاجرة لحسنات كثيرة فإن الدعوة إلى الله من خير ما ينفعنا. ولكن -أيها الأحباب- وجدتُ من خلال اطلاعٍ وتجربةٍ واستقراءٍ؛ وجدتُ كثيراً من الناس يحبون الدعوة إلى الله، ويحبون الخير، ويحبون الدعاة إلى الله؛ ولكن الشيطان يلبِّس عليهم، الشيطان يخوفهم، وذلك هو: (تلبيس إبليس) الذي هو موضوع محاضرتنا اليوم.

стр. 2876

مقدمة عن تلبيس إبليس تلبيس إبليس لنا ولكم في أمر الدعوة إلى الله جلَّ وعَلا. بماذا يلبِّس الشيطان علينا؟ أولاً: ما هو التلبيس؟ التلبيس هو: التخليط، وخلط قليل من الحق -الذي يُراد به الباطل- مع كثير من الباطل الذي يُراد به الضلالة، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران:٧١] لماذا تخلطون الحق مع الباطل؟! إذاً: إذا عرفنا هذا التلبيس، الذي يأتي الشيطان فيه، فيعرض عليك قليلاً من الحق الذي يريد به الباطل، وقد لبَّسه ثوباً من الباطل. أرأيت أصحاب المخدرات الذي يأتي أحدهم بمجموعة من الحبوب، أو مجموعة من النباتات الضارة السامة، ثم يلبِّسها بقليل من أوراق الشجر، أو يلبسها بقليل من السكر، فيظن من رآها أنها حلوة، وهي في باطنها سامة قاتلة. فكذلك تلبيس إبليس، يلبِّس عليك كثيراً من الباطل بطبقة شفافة رقيقة من الحق الذي أراد به الباطل، ومن ثَمَّ تنصرف عن الدعوة، وتخاف من الدعوة، ويُصيبك الجبن، ويقتلك الذعر، ويصيبك الهلع، ويقيدك الجزع، فترى الخير ولا تدعو إليه، وترى المعروف ولا تشارك فيه، وترى المنكر ولا تنكره؛ لأن الشيطان لبَّس عليك، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] تلبيس من؟ إنه تلبيس إبليس. من هو إبليس؟ إبليس هو: الشيطان الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]. الشيطان الذي نهانا الله عن وسوسته وخطواته، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]. الشيطان يلبِّس عليكم، يعِدُكم بالفقر، ويأمركم بالفحشاء، ويخوفكم بالذين من دونه، وإذا همَّ أحدكم بفعل خير، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، جاء الشيطان يخوِّفه, وهذا من تلبيس إبليس، الشيطان يقعد بك عن كل خير، ويفتح لك باب كل شر. هل رأيتم يوماً من الأيام رجلاً يُجَرُّ في الشارع بحبل، فنقول: هذا الشيطان يجر فلانََ بن فلان؟! لا. الشيطان ليس معه حبال يجر بها الناس، والشيطان ليس معه عِصِي يضرب بها الناس، وليس عنده مشانق يشنق بها الناس، والشيطان ليس عنده مسدسات يقتل بها الناس. لكن شأن الشيطان كما قال الله جلَّ وعَلا: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] الشيطان زعيم المجرمين يقف يوم القيامة في جهنم خطيباً يحاضر أولياءه، حزبَ الشيطان، أصحابَ السعير، الذين يدعوهم: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]. يقف خطيباً ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعترف بأن الله وعد عداً حقاًَ، كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤]. نعم. الشيطان يعترف بأن وعد الله حق: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] الشيطان يعترف ويقول لجماعته وأتباعه: إني وعدتكم فأخلفتكم. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] أنا دعوتكم فأتيتم، عرضتُ شريط أغنية فسمعتموه، عرضتُ فيلماً فنظرتم إليه، عرضتُ مجلة فقلَّبتموها واقتنيتموها، عرضتُ أسهماً ربوية فبادرتم إليها وساهمتم فيها ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] ما عندي عصا أضربكم بها، ما عندي حبال أشنقكم بها ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]. إن أهل الباطل في النار يلعن بعضُهم بعضاً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] يقول أهل النار: يا رب! أين الذين أضَلُّونا؟! أين دعاة العلمانية؟! أين دعاة الباطل؟! أين دعاة التغريب؟! أين الذين يدعون إلى تبرج المرأة؟! أين الذين دَعَونا إلى اختلاط المرأة في الوظائف والتعليم؟! أين الذين قالوا: إن الربا حلال؟! أين الذين قالوا: إن الملاهي لا حرج فيها؟! أين؟! أين؟! أين؟! ﴿أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] حوار، ومخاصمات وشجار، ولِجاج وكلام، ومناظرات طويلة في النار بين أهل النار ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧] وبعد ذلك؟ ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]. هذا شأن أهل الباطل الذين زيَّن لهم الشيطان، ولبَّس عليهم فأطاعوه، وكانوا أعواناً لجنده، وأعوانِ الشيطان من شياطين الجن والإنس. ويا إخواني يا أحبابي! أخاطب في هذا المسجد المبارك كلَّ واحد فيكم أيَّاً كان عليه ذنبٌ من الذنوب، أو مقصِّراً، أو عابداً، أو تقياً، أو يعلم أن عليه ملاحظات في نفسه، أخاطب كل حبيب من أحبابي، حتى ولو كان عليه علامات التقصير. أقول: يا أخي الحبيب: إياك أن تجعل الشيطان يحول بين عقلك وقلبك وبين ما أقول لك الآن، صارح نفسك، واسمع الفائدة، واسمع النصيحة، قبل أن يأتي وقت العَتَب، كما يقول الشيطان: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: أنا لا أنقذكم وأنتم لا تنقذونني.

стр. 2877

من تلبيس إبليس تشويه الدعاة إلى الله أحبابنا! إخواننا! كيف يلبِّس الشيطان علينا حتى يجعلنا نتقاعس عن الدعوة إلى الله، ونتكاسل عن المشاركة في الأمر بما يرضي الله؟! كيف يلبِّس الشيطان علينا ليدعونا إلى عدم إنكار المنكر، وإلى عدم الأمر بالمعروف؟! بل وأعظم من ذلك: كيف يلبِّس الشيطان علينا ليقول بعضُنا لبعض: انظر إلى هؤلاء المَطاوِعة! انظر إلى هؤلاء الدعاة! انظر إلى هؤلاء الذين؟! هؤلاء الذين ماذا؟! هل نافستهم في روضة المسجد؟! هل نافستهم في حفظ القرآن؟! هل نافستهم في قيام الليل؟! هل نافستهم في صيام الإثنين والخميس؟! هل نافستهم في الخروج، والدعوة إلى الله؟! هل نافستهم؟! لا. لا يقول لك الشيطان: انظر إلى هؤلاء الذين سبقوك في العبادة والصيام والقيام، والدعوة والإنكار، والأمر المعروف، لا. وإنما يقول: انظر إلى هؤلاء. ثم يبدأ تلبيس الشيطان. يقول لك الشيطان: إن هؤلاء (المَطاوِعة) لهم أهداف. إن هؤلاء (المَطاوِعة) لهم مقاصد. إن هؤلاء (المَطاوِعة) يخططون على أشياء بعيدة. إن هؤلاء (المَطاوِعة) عندهم وعندهم كذا. أقول: حياك الله! تعال وانظر ما عند (المَطاوِعة) هل يمتلكون طائرةَ ( F ١٦) في البيت! واضعون طائرة (تُرْنِيدو) دفاعية أو مقاتلة! أو طائرة هجومية! أو في بيت الواحد مدفعية ميدان! أو صاروخ مضاد للطائرات! أو قانص دبابات من طراز أباتشي! أو كاسحة ألغام فرنسية؟! ماذا يوجد عند (المطاوعة) في بيوتهم؟! تعال وادخل بيتهم، ستجد قرآناً كريماً تفسير ابن كثير تفسير الطبري فتح الباري صحيح مسلم كشف الشبهات آداب المشي إلى الصلاة سنن أبي داود تحذير الساجد من اتخاذ البدع والقبور في المساجد، ستجد كتب العلم. إذاً: إذا جاءك الشيطان ليلبِّس عليك أمراًَ يدعوك من خلاله لأن تكون من القاعدين، أو المتكاسلين، بل يأتيك الشيطان، يا ليته يقول لك: اسكت، مثلما يقول العوام: (انْثَبِر)! لا. يأتيك الشيطان ويقول: هؤلاء ينبغي أن تحذِّر منهم، هؤلاء ينبغي أن تتابعهم، هؤلاء ينبغي أن تنتبه لهم، أما متابعتهم فحياك الله! أما متابعة أهل الخير فحياك الله، مثلما يقول العوام: (ما يخاف إلا الذي في بطنه نِيْ، والذي في بطنه مِعِيِّن يُوْجِعَه)! أهلاً وسهلاً، تابع من شئتَ، ولاحق من شئتَ، وفتش من شئتَ، ستجد ما يعينك بإذن الله. مثلما يقولون: إن لصاًَ من اللصوص تسوَّر على بيت رجل من العلماء فسرق صندوقاً لا يدري ما الذي فيه، فلما ذهب إلى البيت وفتح الصندوق وجد كتباً، فقرأها فتاب واهتدى، فنقول: حيا الله من تابع هؤلاء الدعاة، وحيا الله من تابع الإخوان، وحيا الله من تابع أهل الخير، وحيا الله من تابع أهل الإيمان، حياك الله وبياك وبارك فيك، تابعهم، وإني أجزم أن متابعتك لهم ولو كان قصدك شيئاً غير الهداية ستكون نهايتك الهداية، كما في الحديث: (إن لله ملائكة سيَّارين طوَّافين يبتغون حلق الذكر، فإذا وجدوا حلقة من حلق الذكر نادى الملائكةُ بعضُهم بعضاً أن هلموا، فيجتمعون، ثم يسألهم ربهم وهو أعلم بهم، ويقول ربنا: يا ملائكتي) الآن أنتم في هذه الروضة من رياض الجنة، الملائكة تحفكم، والسكينة تغشاكم، والرحمة تتنزل عليكم، والرب جلَّ وعَلا يذكركم في الملأ الأعلى. واللهِ -يا إخوان- لو قلت لأحدكم: إني البارحة مع الأمير الفلاني أو الوزير الفلاني وذكرنا فلاناً، أو شيخ الفخذ الفلاني، لقال: أسألك بالله، الأمير، الوزير سماني باسمي؟! أعِد لو سمحت! أعِد لو سمحت! ماذا قال عني؟! فيا أخي الحبيب! أقول لك ما قاله الله عنه: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير من ملئه) فأنتم الآن تذكرون الله في هذا المكان، والله يذكركم في الملأ الأعلى. أحبابنا! أكمِّل الحديث لكم في شأن الذين يوسوس لهم الشيطان، ويقول: هؤلاء عندهم أهداف، هؤلاء المَطاوِعة وراءهم مقاصد وراءهم مَطالب، نقول: سيكون شأن من لاحقهم وتابعهم -وحياه الله، ومكانه العين والرأس- فيكون موقعه كما جاء في الحديث: (يسأل ربنا ملائكته وهو أعلم بهم ويقول: يا ملائكتي! علامَ اجتمع عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: يا ربنا! اجتمعوا يذكرونك، ويشكرونك، ويسألونك، ويستعيذونك، فيقول الله: يا ملائكتي! وماذا يسألونني؟ فتقول الملائكة: يا ربنا! إنهم يسألونك الجنة) الجنة! يا سلعة الرحمن لستِ رخيصة بل أنت غالية على الكسلانِ يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنانِ يا سلعة الرحمن كيف تصبَّر الـ ـخُطَّاب عنكِ وهم ذوو إيمانِ (تقول الملائكة: يا ربنا! يسألونك الجنة، فيقول الله: يا ملائكتي! وهل رأى عبادي هؤلاء جنتي؟ فتقول الملائكة: لا، فيقول الله: وكيف لو رأوا جنتي؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد لها طلباً، فيقول الله جلَّ وعَلا: يا ملائكتي! ومم يستعيذون؟ فتقول الملائكة: يا ربنا! يستعيذون من نارك، فيقول الله: وهل رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: لا. فيقول الله: وكيف لو رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد منها هرباً، فيقول الله جلَّ وعَلا: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرتُ لهم) وأبشركم وأبشر الحاضرين، من جاء إلى هذه المحاضرة يريد وجه الله، وأخلص النية لله، وسأل الله التوبة والمغفرة، ليخرجنَّ -برحمة الله، ثقةً بالله، تصديقاًَ بكلام رسول الله- ليخرجنَّ مع هذا الباب من المسجد شباب ورجال بدون ذنوب، بإذن الله، تصديقاًَ بوعد الله وكلام رسول الله ﷺ . (فيقول الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرتُ لهم جميعاً، فتقول الملائكة: يا ربنا! إن فيهم فلان بن فلان إنما جاء لأمر آخر، فيقول الله: وله غفرتُ معهم، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

стр. 2878

الشيطان والتخويف من الملتزمين أقول لكل واحد منكم: إذا جاءك الشيطان وقال: هؤلاء المطاوعة هؤلاء الدعاة هؤلاء العلماء هؤلاء الذين فيهم ما ليس فيهم، يريدون يخططون يفعلون يدبرون، أقول: يا حبيبي! يا صديقي! يا صاحبي! اتبعهم وتابعهم، وانظر ماذا عندهم، ستجد -بإذن الله- ما يكون سبباً في هدايتك، ويكون سبباً في استقامتك. إذاً: فلا تكن من الناس الذين إذا قالوا له: يا فلان! انتبه لهؤلاء المَطاوِعة، لا تمش معهم، قال: الله يجزيكم خيراً، هذه نصيحة جيدة! ثم أخذ القطن، ووضع هاهنا قطنة، ووضع هاهنا قطنة، وإذا أعطاه (مُطوِّعٌ) شريطاً، قال: ابتعد هناك، هذه متفجرات، يعطيه أحد الإخوان كتاباً: ابتعد هناك! هذه منشورات، يعطيه أحد الإخوان نصيحة: ابتعد هناك، أنا لا أدري ما هو قصدك في هذه النصيحة؟! أَف منك يا ولد فلان؛ أهكذا يقع منك الأمر؟! شريطٌ يُباع في تسجيلات البشائر الإسلامية، الدوادمي، طريق ماثل، تليفون: [٦٤٢٣٧٤٥] شريطٌ يُباع في تسجيلات التقوى، شريطٌ يُباع في تسجيلات الكلم الطيب، هذه التسجيلات مصرحة من إسرائيل؟! مصرحة من أمريكا؟! تسجيلات إسلامية مصرحة من وزارة الإعلام داخل بلادك ودولتك، فإذا أعطاك واحدٌ شريطاً، وقال: يا أخي الحبيب! تفضَّل هذا الشريط هدية، مكتوب على الشريط: من التسجيلات الفلانية، ولا يمكن أن يباع الشريط إلا بعد أن يُفتح، يعني: يُسمح بتوزيعه ونسخه من وزارة الإعلام بالفتح، رقمٌ، وتاريخ، إذاً يا أخي الحبيب! ما الذي يخيفك؟! إذا كانت وزارة الإعلام وأجهزة مراقبة المطبوعات -على ما فيها، نسأل الله لأصحابها والقائمين عليها الصلاح والاستقامة- إذا كانت أذنت وسمحت وفتحت هذا الشريط وأذنت بتداوله؛ لأنه ليس فيه شيء ممنوع يخالف السياسة، بل مسموح بتداوله، ما الذي يمنعك أن تأخذ الشريط وتسمعه؟! وما الذي يمنعك أن تستفيد من الشريط وتتعظ به؟! وما الذي يمنعك أن تعطي الشريط لزوجتك وبناتك يستفدنَ منه؟! وما الذي يمنعك أن تنسخ من الشريط نسخةً ونُسَخاًَ فتهديها إلى أقاربك وجيرانك وبني عمك؟!

стр. 2879

قصة الطفيل بن عمرو الدوسي ذَكَر أهلُ السير أن الطفيل بن عامر الدوسي لما سمع بخروج النبي ﷺ وبعثته قال لقومه: [لأذهبن إلى مكة، وأنظر خبر هذا الرجل الذي يذكرونه في قريش، فجاءه قومه قالوا: إن هذا الرجل عنده كلام كالسحر، وإن عنده شيئاً أشد من النثر، وإن عنده شيئاً إذا سمعته استجبتَ له؛ لكن عليك -يا أبا عامر - أن تضع الكُرْفُس في أذنك، فمر الطفيل وقد وضع القطن في أذنيه، ولما دنا من مكة قال: عجباً لي! أما وإني لَمِن أشعر العرب -أنا شاعر- وأعرف رديء الكلام من صحيحه وسقيمه، فلماذا لا أقدم على الرجل، وأسمع من كلامه، فإن كان حقاً قبلتُه، وإن كان باطلاً رددتُه]. فنحن نقول لك -أيها الشاب، أيها الأخ، أيتها الأخت، أيها الصغير، أيها الكبير- اسمع إلى هذا الكلام، فإن كان خيراً فاقبله، وإن كان غير ذلك فرده علينا، البضاعة المباعة مردودة، ما نقول: لا تُسترد، لا. نقول: حياك الله، إذا وجدتَ خطأ رد علينا، إن تسمع منا خيراً فمن الله ومن كلام الله ورسول الله، وإن تسمع غير ذلك فمن أنفسنا الأمارة بالسوء؛ لكن اسمع حتى لا يلبِّس عليك الشيطان ويقول لك: هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء. أذكر مرة جلستُ مجلساً فأخذ رجل من الحضور -أسأل الله له الهداية والتوفيق والسداد والصلاح- يتكلم في مجموعة من الدعاة وأهل الخير، قال: فيهم، وفيهم، وفيهم، وعندهم، وعندهم، فبعد أن أكمل الرَّجُلُ كلامه، قلت له: يا أخي! هل جالستَهم؟! هل سافرتَ معهم؟! هل سَمِعتَ لأحدهم شريطاًَ؟! هل قرأتَ لأحدهم كتاباً؟! قال: لا. لكن يقولون! من هم الذين يقولون؟! هذا ولدٌ أنْجَبَتْه زوجة إبليس اسمه: (يقولون) فإذا قال لك: يقولون، يعني: يقول ولدُ إبليس، هذه حقيقة الأمر. أما الرجل فما عنده بينة، وما عنده دليل، وأخبث مِن هذا مَن يقول: إني قرأتُ تحليلاً في مجلة نيوزويك أو مجلة اللوفيقارو الفرنسية، أو مجلة التايمز الأمريكية، أو مجلة التايمز اللندنية، أو مجلة كذا الغربية! يا أخي الحبيب: تسمع أخبار لندن في إخوانك؟! وتسمع أخبار مونت كارلو في إخوانك، وتسمع أخبار اليونايتد برس، والآسيوشيتد برس، تسمعها في إخوانك؟! أما تتقي الله؟! وإخوانك بجوارك، ادخل عليهم، اسمع منهم، اقرأ ما عندهم، انظر ما بين أيديهم، فهل ترى شراً أم ترى خيراً؟! ولكن: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]. بعض الناس يرد الحق قبل أن يسمعه أو يتعرف عليه، ولم يقبله لما عُرض عليه؛ ولكن في صدره الكبر، واعلم أن الكبر هو داءٌ أخرج إبليس من الجنة ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص:٧٥]. الكبر هو الذي أخرج إبليس من الجنة، وأغرق فرعون في البحر، قال تعالى في شأنه وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوَّاً﴾ [النمل:١٤] وتكبراً وعناداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إذاً: أيها الحبيب: إن من تلبيس الشيطان عليك أن يردك عن سماع الخير، أن يقولوا لك: إن في الخير خطراً عليك، وإن في الخير ضرراً عليك، وإن في الخير، ما هو الخطر الذي يأتيك يا أخي الحبيب؟! هل يستطيع أحدٌ من البشر أن يقلل من رزقك الذي كُتب لك وأنت نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، وقد أُمر الملك بكتب رزقك، وأجَلك، وشقائك وسعادتك، هل يستطيع أحدٌ أن يغير من مقادير الله فيك شيئاً؟! واللهِ من قال: إني أخشى أن أتبع الهدى، أو أستقيم مع أهل التقى، أو ألتزم على طريق الهداية، فينقص رزقي نقول له: إن اعتقدتَ هذا كفرتَ؛ لأن من اعتقد أن اتباع الهداية يجر له القلة في الرزق، هذا كفر يخرج من الملة. أخي الحبيب: إن من تلبيس الشيطان أن يقول لك إن رجال الأمن يراقبون الملتزمين ولكن نقول لك: إن من حق الدولة أن تراقب، ومن حق المسئولين أن يراقبوا؛ لكن يراقبون مَن؟! إنهم لا يراقبونك؛ لكن يراقبون العلمانيين الذين لا يعلنون عن اجتماعاتهم. هل يوماً ما رأيتم اجتماعاً علنياً بين العلمانيين يُسمح لسائر الناس أن يحضروه؟! لا. لا يجتمع العلمانيون إلا سراً؛ لكن الآن اجتماعنا في أهل الخير، اجتماعنا هنا هل هو سر؟! أم على الباب أحدٌ لا يسمح إلا لصاحب البطاقة؟! الباب مفتوح، والدعوة عامة، يحضرها الصغير والكبير، والعامي والمثقف، والمدرس والتلميذ؛ لأننا ما أتينا بشيء بِدْعٍ من ذوات أنفسنا، وإنما نقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفانِ

стр. 2880

تخويف الشيطان للملتزمين من مراقبة الأمن لهم يا أخي الحبيب: لا يلبِّس عليك الشيطان ويقول لك كما قال لشاب -وذكرتُ هذا الكلام في محاضرة سبقت- شاب والله يا إخوان إني أعجب منه! قال: يا أخي! أنا أحس أنني مراقَب. قلت: باسم الله على قلبك! من الذي يراقبك؟! قال: أنا يراقبني أربعة. ما شاء الله! أحسب أنه مجرم شنيع! أربعة يراقبونك؟! إذاًَ ما بقي للألوية الحمراء والمافيا؟! قلت له: تعال، ماذا عندك حتى يراقبونك؟! قال: أبداً، فقط أنا أشعر إني مراقَب. وسوسة، وتلبيس من إبليس، وتخويف من الشيطان: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨]. والآن أريدكم أن تتخيلوا معي هذا المثال: اجلس في بيتك، كل واحد منكم يجلس في بيته، ويتكئ على الأريكة ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا فتح الله عليَّ واستفدتُ من هذه المحاضرة التي سمعتُها، وسوف أقوم بعمل إسلامي، سوف أقوم بعمل دعوي: سوف أتعاون مع مندوب الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. سوف أتعاون مع مركز الدعوة في الفيظة، والسر. سوف أتعاون مع العلماء وطلبة العلم في نشر الشريط الإسلامي والكتاب الإسلامي. سوف أوزع الشريط الإسلامي ما استطعتُ على أخواتنا الدارسات والمدرسات. سوف أوزع الشريط الإسلامي على الشباب في المدارس. سوف أوزع الشريط الإسلامي على جيراننا. سوف أوزع الكتيبات النافعة. إذا قلت هذا الكلام وأنت جالس تشعر أنك كلما فكَّرتَ في الموضوع كلما نَزَلَ على رأسك جبل من الأوهام، جبل الخوف، جبل التشويش، جبل التلبيس الذي يقربه الشيطان لك، وكلما فكرت أخذ الشيطان يجعلك تلتفت يميناً، ثم تلتفت يساراً، وإذا سمعتَ عند الباب أحدٌ ذهبت تُطِلُّ من عين الباب: من الذي جاء؟! يشغلك الشيطان ويوهمك أنك الآن تمارس عملاً ممنوعاً. فإذا قررتَ في نفس الجلسة، وقلتَ: يا بن الحلال، (خَلِّ الداب وشجرته) وما لي وهذا الكلام، وما لي والذي فيه (سين جيم) أنا والله ما عندي استعداد أن أدخل نفسي، عليَّ هذا المسجد، إذا قال: الله أكبر! أرُوْح لأصلي، وإذا سلم الإمام خرجت إلى البيت، وما عليَّ من أحد، تقول: الحمد لله ارتحنا. فأنت لما فكرت في الدعوة نزل عليك جبل التلبيس والأوهام، ولما ألغيت قرار الدعوة والنشاط في الدعوة شعرتَ بالراحة، مع أنك ما تحركتَ خطوة واحدة. بتفكيرك نزل جبل، وبتفكيرك ولَّى الجبل، وأنت لا تزال في مكانك.

стр. 2881

الشيطان وتفريقه بين الملتزمين وبين الحكومات الإسلامية إخواني وإن من تلبيس إبليس لنا: أن يقول لك الشيطان: انظر الآن، الدول الأفريقية، والدول الآسيوية، والدول الأخرى، تجد الحكومات في صراع مع الدعاة، والحكومات في صراع مع العلماء، والحكومات في صراع مع الجمعية الفلانية، والجبهة الفلانية. أقول لك: نعم. لأن الحكومات أعلنت الكفر، ولأن الكثير من الحكومات قالت: المصدر الرئيسي للتشريع هو: قانون الرومان، أو القانون الفرنسي، المفسَّر برقم وتاريخ، والمعدل برقم وتاريخ. لكن أنت الآن هل يوماً سمعتم في بلادكم أن مصدر التشريع أو مصدر التحاكم هو الكتاب الأخضر؟! أو أن مصدر التحاكم هو: نظرية البعث العربي الاشتراكي؟! أو أن مصدر التحاكم هو كتب النصيرية؟! أو أن مصدر التحاكم هي كتب الضلالة؟! أم أننا نسمع صباح مساء أن القرآن والسنة والعقيدة هي مصدر وأصل اجتماع وسر عزة وتمكين وهي نعمة؟! اللهم لك الحمد. إذاً: إذا كانت تلك الدول تصرفاتها صريحة في الكفر، القاتل يُسجن خمس سنوات، والسارق يُسجن سبع سنوات مع الأعمال الشاقة، ولا تُسمع الدعوى في الزنا حالة الرضا إلا إذا كانت على فراش الزوج وبغير إذنه، هذا نص القانون، والزنا مقنَّن بالترخيص رقم وتاريخ، والخمر يُباع بإذن وزارة التجارة في تلك الدولة برقم وتاريخ. لا نستغرب أن يوجد انقسام في المجتمع، فتكون الحكومة الظالمة الفاسقة الفاجرة أو الكافرة في طرف، ويكون المؤمنون الموحدون المسلمون طرفاًَ آخر. يأتي الشيطان إلى أحدنا هنا، ويقول: (المَطاوِعة) في طرف والحكومة في طرف، لا. لا. من ذا الذي جاء ليفرق بيننا وبين حكامنا؟! من ذا الذي جاء يفرق بيننا وبين علمائنا؟! من ذا الذي جاء يفرق بيننا وبين دعاتنا؟! من ذا الذي جاء يفرق بيننا وبين إخواننا؟! نحن لا نقبل التفريق. ولذلك فإن من أساليب تلبيسه ووسوسته وتزيين الباطل لكي يجعلك جامداً عاجزاً لا فائدة منك في الدعوة والخير، يقول لك: انتبه! إن صرت مع المََطاوِعة فستكون مع حزب المعارضة للحكومة، إن كنت مع المَطاوِعة ستكون مع الحزب الذي هو ضد الحكومة. لا يا حبيبي، نحن ما عندنا أحزاب، نحن أمة واحدة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] والآية في أمة الإسلام أجمعين، فلا نقبل من أحد أن يفرق بيننا أبداً. اعرفوا هذه القضية جيداً، أدركوها جيداًَ، ولا تجعل الشيطان يصور لك القادة والولاة شيئاًَ، ويجعلك من أحزاب المعارضة، أو من أحزاب الضد والعناد. أخي الحبيب: إذا عرفت أنك في بلاد مسلمة، الناس فيهم خير، حتى الفاسق من أبنائنا فيه خير، ولكنه يحتاج ورقة قطنية ناعمة، وموعظة لذيذة حلوة، ثم يُمسح المنكر الذي على قلبه، ويُزال الأذى الذي على فؤاده، ثم يعود زجاج قلبه برَّاقاً لامعاً، نعم. كثير من الفساق عندنا قلوبهم زجاج جميل؛ لكن عليه شيء من التلوث والوسخ، لوث المعاصي، ووسخ الذنوب والمنكرات، فالذي يأتي (بصُنْفُرةِ) خشنة يريد أن ينظف القلب الزجاجي الذي تلوث بهذا؛ فإنه إما يكسر القلب أو يخدشه؛ ولكن من جاء بالقطنة الناعمة، والمحلول الذي يحلل هذه الأوساخ، ثم يمسح هذا القلب قليلاً قليلاً تجد بعد ذلك قلباً لامعاً رقيقاً جميلاً. لا يزال الخير فينا. فإياك أن يأتي الشيطان ليقول لك: حكومتك طرف، والدعاة طرف، والعلماء طرف، والفساق طرف، لا. نحن أمة واحدة، كلنا في كف واحدة، فاسقنا، وعالمنا، وصالحنا، وطالحنا، وحاكمنا، وداعيتنا، كلنا في كف واحدة. تتمة لما ذكرناه -أيها الأحبة- نقول: إن وساوس الشيطان وتلبيسه كثير: وحديثنا عن تلبيس الشيطان على كثير من الناس ومن أحبابنا وإخواننا الذين ربما كانوا سبباً في عون أهل الباطل على أهل الحق، وربما كانوا سبباً في الإرجاف والتثبيط للمؤمنين، وكانوا عوناً للمنافقين وأعداء المؤمنين، بسبب هذه التلبيسات وهذه الظنون السيئة.

стр. 2882

العلمانيون وخطرهم على الأمة أيها الأحبة: ينبغي أن ندرك أننا مجتمع واحد، حتى الفاسق فينا فهو داخل دائرتنا، وحينما أقول: دائرتنا لا أقصد: دائرة المتدينين، دائرتنا جميعاً، حكامنا، وعلماؤنا، ودعاتنا، وإخواننا، وأبرارنا، وفجارنا أيضاً، حتى من كان مخطئاً مذنباً من أهل الذنوب من غير بدعة ينتحلها، ويدعو إليها، ويقصد إضلال الناس؛ إذْ أن الضلالة نوعان: هناك من يَضِلُّ ضلالة لهوى، من يَضِلُّ ضلالة لشهوة، ضلالة فساد ومعصية، هذا شأن. لكن هناك من يَضِلُّ ويُضِلُّ ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] هناك من يقع في المعصية، ويشتهي أن الناس كلهم يفسدون. يوجد كثير من الناس يذنب؛ لكنه لا يتمنى أن الناس يذنبون، كثير من الناس يدخِّن؛ لكن لا يتمنى أن أولاده والناس أجمعين يدخنون، بعض الناس وقع في معصية؛ لكن لا يتمنى أن الناس كلها تقع في هذه المعصية، ربما بعض الناس شرب الخمر؛ لكن لا يتمنى أن الخمر يصبح يُباع في البقالات كما تباع العصيرات، من الناس من وقع في فاحشة؛ لكن لا يتمنى أن يوجد قانون يحمي الفواحش وأهل الفواحش والفساد. لكن الطرف الآخر الذين هم أعداء مجتمعنا، العلمانيون الذين يتربصون بنا الدوائر، الذين يريدون أن يقولوا للناس: كونوا فريقين: من أراد أن يصلي فليصلِّ، ومن أراد أن يفسد فليفسد، ولا أحدٌ يتدخل في أحد، هذا ليس أمراً مقبولاً في دين الإسلام، الله جلَّ وعَلا قال: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧].

стр. 2883

العلمانيون وموقفهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن أن يُترك الوضع لكي يقول قائل: من أراد أن يفسد فليفسد، ومن أراد أن يتديَّن فليتديَّن، من أراد أن يفجر فليفجر، ومن أراد أن يطلب العلم فليطلب العلم، لا. الله جلَّ وعَلا قال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١] إن مكناهم، حكاماً ومحكومين، أنتم الآن متمكنون في الأرض: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] من يرد عنا العذاب إن جاءنا؟! لا حول ولا قوة إلا بالله! لا يُقْبَل قول مَن قال: من أراد أن يفسد فليفسد، وكلٌّ ذنبه على جنبه، ومن أراد أن يصْلُح فليصْلُح، لا. إنما ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج:٤١] ماذا؟ ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الحج:٤١] بكل معروف تُرِكَ ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١] نهوا عن كل منكر فُعِلَ. هكذا شأن أمة الإسلام، هكذا شأن أمة الإيمان، وواللهِ ما دفع الله عنكم البلاء إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول طاغوت العراق الخنزير النجس/ صدام حسين: إن ندمتُ على شيء فإنما أندم على أمرين: الأمر الأول قال فيه: أنني خالفتُ طارق عزيز. ومن هو طارق عزيز؟ هذا كهامان بالنسبة لفرعون. لماذا خالفه؟ قال: لأنه نصحني وقال: إن تقدمت إلى الكويت فلا تقف إلا في آخر الجبيل. يا إخوان: ما الذي صدَّ عنكم هذا الطاغية وهو يملك أربعمائة وخمسين ألف جندي، منهم: قرابة ثلاثمائة ألف جندي من الحرس الخاص أو البعثيين المدرَّبين المنظَّمين؟! ما الذي دفعَه عنكم؟! الله، الله، الله، نبرأ إلى الله من كل دبابة، ومن كل صاروخ، ومن كل قنبلة، ومن كل جندي، نبدأ بالله، فله الفضل، ثم له الفضل أن نفع بهذه الدبابة، وذلك الصاروخ، وذلك الجندي، وسخر أقواماً لا تعلمونهم، ودفع عنا وعنكم البلاء، بماذا؟ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك يا إخوان، لا تترددوا، لا تترددوا في إنكار المنكرات، إن كنت الآن في مزارع، وفي نعم، ورشاشات (ري محوري (٨) أبراج ماركة (فالي) ( Faly)، أو من هذه النعم التي تتدفق عليك من كل نوع، أقول لك: إذا أردت هذا الخير يصل إلى أولادك وأولاد أولادك وبناتك وأولاد بناتك، فأؤمُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر؛ لأن العز والنعم والتقوى بالأمر بالمعروف. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. الله جلَّ وعَلا خزائنه لا تنفذ، الذي يملك مليوناً رب العالمين قادرٌ أن يعطيه مائة مليون، والذي يملك عشر رشاشات رب العالمين قادرٌ أن يعطيه ألف رشاش، والذي عنده كذا رب العالمين قادرٌ على أن يعطيه أكثر. خزائن الله لا تنفذ؛ لكن بماذا تُفتح الخزائن؟ أتُفتح الخزائن بالمعاصي؟! أتُفتح الخزائن بالملاهي؟! أتُفتح الخزائن بالمنكرات؟! أتُفتح الخزائن بعداوة أولياء الله والدعاة إلى الله؟! تُفتح الخزائن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتُفتح الخزائن بالدعوة إلى الله، ونشر الخير في كل مكان، فإذا انتشر الخير ضاق الناس بالرزق. في عهد عمر بن عبد العزيز: أرسل الولاة إلى الخليفة الخامس الراشد/ عمر بن عبد العزيز، قالوا: يا أمير المؤمنين! جبينا المال من أهل الذمة -من النصارى- وأعطينا المحتاجين، وصرفناه في جميع مصارف الزكاة -الفقراء، والمساكين، والمؤلفة قلوبهم، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، كل هؤلاء أعطيناهم- وبقي عندنا مال كثير ماذا نفعل بهذا المال؟ فقال عمر بن عبد العزيز: انظروا في بلاد المسلمين أيَّ شاب لم يتزوج زوجوه من بيت المال، المال كَثُرَ، الخيرات تدفقت، حتى أرسل الولاة إلى الخليفة يقولون: ماذا نفعل بالمال الباقي؟ فخزائن الله لا تنفذ، وخزائن الله ملأى، والله جلَّ وعَلا لو عصاه العباد ما ضره، ولو أطاعوه ما نفعه، ولو اجتمعوا في صعيد واحد كما جاء في الحديث: (يا عبادي! لو أن أولَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيتُ كل واحد منهم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً). إذاً: يا أحبابنا! لا يلبِّس علينا الشيطان، فنكون أذناباً للعلمانيين، ونكون أذناباً للذين يفرقون بيننا وبين مجتمعنا وولاة أمرنا ودعاتنا وعلمائنا. يا أحبابنا إياكم أن تتقاعسوا عن الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً على أنفسكم، بل الخوف، الخوف الحقيقي: أن نقعد ونجمُد عن الأمر بالمعروف، ولذلك قال الله جلَّ وعَلا: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. قال أحد الأنصار: فينا نزلت هذه الآية، لما فتح الله على نبيه قلنا: إن أهل المدينة أهل ضِياع -يعني: أهل مزارع؛ لكن ما عندهم رشاشات ﵃ إن أهل المدينة أهل ضِياع، فلو أنَّا عدنا إلى ضِياعنا وبساتيننا، وكأن بعضهم قال: إن الله أعز الإسلام، وما هناك حاجة للنفقة في سبيل الله، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] إنفاق المال ليس هو سبب التهلكة، بل عدم الإنفاق هو سبب التهلكة. إذاًَ: فنحن على خطر إن تركنا الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ونحن على خير، ورزق، وأمن، وعزة، وطمأنينة إن اشتركنا وتعاونا واجتهدنا في الدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

стр. 2884

الإسلام عند العلمانيين سبب للمشاكل ختاماًَ أيها الأحبة: إن المنطق الذي يقول: إن التمسك بالإسلام يسبب مشاكل، كما يقول أحد العلمانيين، يقول: نحن ما الذي ورَّطَنا بـ مكة والمدينة؟! يا ليتها ليست عندنا! يقول هذا الكلام، قبحه الله. لماذا؟ أقول: لأننا ورطنا في العالم الإسلامي، المملكة هي قائدة العالم الإسلامي، المملكة هي رأس العالم الإسلامي، هذا عز، وهذا فخر، وهذا تمكين، وهذه قوة وقدرة؛ ولكن أعداء الإسلام والمتأثرين بهم من العلمانيين، والمتأثرين بالعلمانيين سواءً كان تأثراً مقصوداً أو تأثر جهل أو قلة علم، ما الذي يحصل منهم؟ المنطق الأول: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧]. ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ [القصص:٥٧] هذا منطق الخوافين الجبناء الذين يخوفون الناس من الدعوة والدعاة، ويخوفون الناس من توزيع الشريط الإسلامي، والكتاب الإسلامي، وجمعية تحفيظ القرآن، وانتشار الخير، الواحد يقول: والله يا أخي، كأن هذا الوقت يخوِّف، اللحى تتكاثر هذه الأيام، سبحان الله! وأنت تريد اللحى تَنْبُت على الحريم؟! اللحى على الرجال زينة. ومن لم يكن ذا لحية أو كان حليقه، فيا حبيبي! ويا صديقي! ويا أخي! أسأل الله أن يهديك، وأن يكرمك، وإني أعلم أن حلقك للحيتك ما قطع الخير عنك، فيك خير كثير، حتى لو حلقت لحيتك؛ لكن أسأل الله أن يتمم لك الخير باتباع سنة المصطفى ومتابعته، كما قال: (خالفوا المجوس، وفِّروا اللحى، أعفوا اللحى، وأحفوا الشوارب). نحن ما قطعنا الأمل في أحد أبداً، ونحن ما قلنا: الذي ما له لحية ما فيه خير، وما يدريك؟ ربما تجد إنساناً لا لحية له؛ لكنه يتبرع سنوياً بمائة ألف للمجاهدين، نقول له: كَثَّر الله خيرَك، ما دام أنك تتبرع سنوياً بمائة ألف للمجاهدين نحن نهديك طقم موس حلاقة (جيب)؟! لا. نقول: أسأل الله الذي فتح عليك وحبَّب إليك الإنفاق في سبيله، أن يحبب إليك اتباع السنة في توفير لحيتك.

стр. 2885

ولا تزر وازرة وزر أخرى إن الذي يظن أن الدعاة يهاجمون الناس، ويعادون الناس، هذا من بَنات أفكاره، قد يوجد إنسان جاهل، يوجد إنسان قال عن نفسه: إنه تديَّن كما يقول أو يقال عنه، وأخذ يدعو الناس بطريقة خاطئة، أو أخذ يحارب الناس، أو يقول للناس: اتركوا الدراسة، أو يقول للناس: لا تركبوا السيارات، أو يقول للناس: لا تسمعوا المسجلات في المحاضرات وغيرها، نقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] الخير كثير بإذن الله جلَّ وعَلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧]. إذا وُجد إنسان أخطأ فليس العيب في الدين، وليس العيب في العلماء، وليس العيب في المتدينين، وليس العيب في الكتاب الإسلامي، ولا الشريط الإسلامي، إنما العيب في ذاك الذي أخطأ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] تجد بعض الناس يجلس في المجلس: والله -يا أخي- هؤلاء (المَطاوِعة) يمسكون كل واحد في الشارع ويقولون له: من هذه المرأة التي معك؟ يقول: هذه زوجتي، يقول: أثبت أنها زوجتك؟! ومن قال لك أن كل (المَطاوِعة) يفعلون ذلك، لو صدَّقنا بأن هذه الرواية صحيحة؟! فما بالك إذا ثبت أنها من بَنات أفكار شيطانه، كما قال أحد الشباب: كدتُ أتقطع ألماً من رجل زار أبي ذات يوم فقال: والله ما عرفنا لهؤلاء رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاتمة، مسكوني في الشارع ومعي زوجتي وحققوا معي وآذوني وأتعبوني، ومسكوني في المركز الفلاني. يقول الشاب: وأنا جالس أصب القهوة، وأسمع كلام الرجل لأبي، قال: فانسللتُ منهم، وذهبت إلى المركز الذي تكلم عنه، قلتُ: يا إخوان! هل أنتم مسكتم أحداً اسمه: فلان بن فلان؟ قال: نعم. ليس معه أحد في السوق -والعياذ بالله- يتعبث في عورات النساء، وجئنا به إلى المركز، وكتبنا عليه تعهداً وأطلقنا سراحه. قلتُ: أعطوني صورة من هذا التعهد. صوَّروا له التعهد، وأخذه وذهب به للبيت، ثم قال: يا أبي! انظر الذي كان يكلمك، خذ هذا تعهد كتبه بخط يده ألا يتعبث في عورات النساء داخل الأسواق. فإذا سلَّمنا أنه وُجد مَن أخطأ لا تظن أن كل أهل الخير يخطئون، وإذا وُجد مَن أخطأ فليس الخطأ فقط لرجال الهيئة، يا حبيبي! هل نستغني عن أجهزة المرور لأنه وُجد أحد رجال المرور أخطأ، لا يا أخي، المرور نافع للمجتمع، ولو أخطأ واحد من رجال المرور فليس الحل بإلغاء المرور. لو أخطأ أحد رجال الأمن هل نلغي جهاز الأمن؟! أو نلعن جهاز الأمن؟! أو نتكلم في سيئات ومثالب ومصائب جهاز الأمن في كل مجلس، ونختلق الروايات والأساطير في كل مجلس؟! لا يا أخي، أخطأ رجل من الأمن يُبْعَد نسأل الله له الهداية، وتنتهي القضية. طبيب من الأطباء أجرى عملية خطأً، فمات الرجل، أو أصابه شلل، أو وقع به مرض، نقول: نلغي الطب كله؛ لأن ذلك الطبيب أخطأ؟! فكذلك إذا واحد انتسب إلى التديُّن وأخطأ، أو رجل انتسب إلى الهيئة وأخطأ، أو انتحل شخصية الهيئة فأخطأ، هذا لا يعني أن نستغني عن الهيئات، ورجال الهيئات، والدعوة والدعاة. إذاً: أيها الأحبة! علينا ألا يلبِّس الشيطان على أنفسنا.

стр. 2886

نداء إلى الآباء أن يحرصوا على أبنائهم وأوجه ختاماًَ نداءً للآباء، فإن بعض الآباء -سامحهم الله- يضيقون على أبنائهم. ليلة من ليالي عَشْرِ رمضانَ الأخيرةِ، وقبيل السحور، جاءني رجل من إخواني في الله أحبه وأعرفه. قلت له: مَن هذا الشاب؟ قال: فلان بن فلان الفلاني. قلت: تعرفه. قال: لا والله، وجدتُه في الشارع في ليلة مطيرة -وتذكرون ليالي العشر الأخيرة كانت أمطار- يقول: فركَّبْتُه معي، قلت له: أين تريد؟ قال: أريد مسجد أم الحمام، فقلت له: لماذا؟ قال: يا أخي! أبي طردني من البيت، سامحه الله! سامحه الله! ننظر في وجه الشاب، عليه سيما الخير والصلاح. تعال يا حبيبي، لماذا أنت هكذا؟ لماذا طردك والدُك؟ قال: يا أخي! إذا أردتُ أن أخرج قال: انتبه! لا تمش مع (المَطاوِعة) انتبه! لا يفعلون بك، انتبه! الا يزينون لك، انتبه! انتبه! إلى آخره، قال: فإذا حصل أن زارنا أحد الضيوف وعنده خطأ من الأخطاء، فنصحتُه قام أبي وطردني، وفي يوم من الأيام غضب عليَّ وبالذات في الليلة الأخيرة، كان عندنا ضيوف، وكلمت أحد الضيوف بنصيحة، وطردني أبي، كله غضباً مني، ولا يريد زملائي أهل الخير يأتون إليَّ، ولا يريدني أن أذهب إلى زملائي. قلتُ له: انظر يا أخي الحبيب! أنت أخطأت أن تنصح ضيوف والدك في بيتكم، أخطأتَ أن تنصح ضيوف والدك في البيت هذا خطأ، اصبر حتى يخرج الضيف، تعرف على بيته، تزوره يوماً من الأيام، تسلم عليه، وتقبل رأسه، وتقول: أنت صديق والدي، ووالله إنه شرف لي أن أزور صديق والدي؛ ولكن من كلام الشيخ/ ابن باز، أو كلام الشيخ/ ابن عثيمين، إن الكلمة التي ذكرتها ذلك اليوم خطأ أو مخالفة للسنة، وهذا كتاب يبين الصواب، أو هذا شريط يبين لك الهدى والحق، وجزاك الله خير الجزاء، والسلام عليكم ورحمة الله. هذا هو الأسلوب النافع. وليس أن تقعد تنصح الناس في مجلس أبيك وعلى ضيافة أبيك، هذا خطأ. قلنا له هذا الكلام، وليس من حق الدعاة مجرد التعاطف والحمية مع كل مَن تديَّن، لا. إذا أخطأ المتدين يقال: أخطأتَ؛ ولكن لا نتحامل عليه. لنتذكر أن ذلك المتديِّن الذي أخطأ ما وقف يفحط بسيارته عند مدارس البنات. لنتذكر أن ذلك المتديَّن ما وقف يؤذي الناس في عوراتهم في الأسواق. لنتذكر أنه ما عاكسهم بالهاتف. لنتذكر أنه ما آذاهم في غش أو سرقة أو اختلاس. إذاً: وإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍِ جاءت محاسنه بكل شفيعِ و (إن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخَبَث). إذا كثرت محاسن الرجل وأخطأ خطأً واحداً، نقول: أخطأتَ في هذا وعفا الله عنك؛ ولكن هذا لا يلغي خيرك، وما عندك. أظن أنني أطلتُ، والحديث ذو شجون. فأسأل الله أن نجتمع بكم مرة أخرى إما في الفيظة، وإما في مكان آخر، نسأل الله جلَّ وعَلا أن يكون قريباً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ونسمع شيئاً من الأسئلة.

стр. 2887

الأسئلة

стр. 2888

كلمة موجهة للأخوات المسلمات السؤال فضيلة الشيخ! معنا في خلف المسجد أخوات لنا من النساء حضرن المحاضرة، فكلمة توجهها للنساء، ولا شك أن النساء لهنَّ مكانة عظيمة ومركز عظيم، خاصة بين الأسر وبين الأزواج والأولاد، فكلمة قصيرة، جزاك الله خيراً، ولو أنَّا أجهدناك؛ ولكن إن شاء الله في سبيل الخير كل شيء يهون. الجواب أولاً: أيها الإخوة! إنه لشرف لأهل هذه المنطقة أن ينتشر الخير في نسائهم كما انتشر في رجالهم، وأن يكثر الوعي والعلم في نسائهم وبناتهم كما كثر في رجالهم وأبنائهم. وكلمتي أوجهها أيضاً لأخواتنا اللائي هنَّ معنا، إن الشيطان يوسوس لهن، وربما تجد مدرِّسة ما حاولت يوماً ما أن تنصح طالباتها بسماع شريط، أو أهدت لطالباتها شريطاً أو كتيباً، وربما تجد مديرة مدرسة. وبلَّغني أحدُ الإخوان في منطقة الجنوب، يقول عن أخت له مدرِّسة، يقول: استأذنت المديرةَ أن تهدي بعض الطالبات أشرطة. قالت: ممنوع، ممنوع، ممنوع. يا سعادة المديرة، يا مديرة عامة المدرسة، ما الذي يمنع؟ شريط يُباع مُرَخَّص من وزارة الإعلام بالفسح، برقم وتاريخ، يحث البنات على غض البصر، يحث البنات على الستر، يحث البنات على عدم التبرج، وعلى القرار في البيوت، يحث البنات على عدم الخضوع بالقول، والانقياد للمعاكسات والمغازلات. ما الذي يمنع المديرة أن توافق على ذلك؟! بل -والله- إن هذا واجب المديرة ذاتها أن تحذر الطالبات من هذا الشر؛ حتى لا يقعن فيه قبل أن يعرفنه، إذا المديرة والمدرسات حذرنَ البنات من الشر قبل الوقوع فيه كان خيراً، وإلا فكما قال القائل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادفَ قلباً خالياً فتمكَّنا كذلك من خير ما انتشر بين أمهاتنا وأخواتنا قديماً القاعدة المعروفة: إذا جاء الضحى؛ أم فلان أخذت المَزْوَدَة وِقْر بعير؛ كيلوين (فصفص)، وصُرَّتَين كراث، وواحد فجل، وثلاثةً جرجير، وزارت فلانة وفلانة وعلانة، والفواكه والموائد والأسمطة ونحو ذلك. الآن تغير الأمر بفضل الله؛ تخرج أم فلان ومعها الكيسة فيها نصيحة؛ شريط: تعالوا اسمعوا، مثلما يقول لي أحد الشباب: يقول: عندي أم تقول: الذي يحبني يا أبنائي يأتي لي بأشرطة. قلنا: خير يا أمي. قال: فوجدناها جزاها الله خيراً إذا جاء الضحى أخذت الكيس وفيه الأشرطة وزارت صويحباتها ثم بعد ذلك أخرجت؛ حتى يقول: مسجلها معها في الكيس، تخرج المسجل وتقول: اسمعوا؛ تسمعهن موعظة للحماد، ولـ سعيد بن مسفر، وتقعد هؤلاء النساء يَصِحْنَ ويَبْكِيْنَ ويَتَأَثَّرْنَ ويَتُبْنَ، ويستفدن كثيراً. ثم إذا رأتهن قد تأثَّرن أعطت كل واحدة شريطاً، وخرجت الداعية العجوز إلى بيتها قبل صلاة الظهر. فيا إخوان! ونقول هذا الكلام للأخوات: نريد من أمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا وأخواتنا أن يمارسن الدعوة، ليس الكلام موجهاً في الدعوة والعناية بالدعوة إلى الرجال وفي صفوف الرجال والطلاب والأساتذة، بل هو مطلوب أيضاً وموجَّه إلى المدرسات والمديرات والطالبات، وموجَّه إلى ربات البيوت. يا إخوان! قديماً المرأة إذا تعدت الثلاثين؛ لا يقال لها: شيَّبتِ، لا؛ لكن فيها خير؛ لكن كلما تقدمت بها السنون عَقَلَت، وأصبحت ذات حِلْم وحياء ورزانة وهدوء، وتجدها أقبلت على صيام الإثنين والخميس، وأقبلت على قيام الليل، وأقبلت على الحياء، وأقبلت على مزيد من الستر، الآن بعض النساء تكبر وتَنْهَبِل! نعم. عجوز تمنت أن تعود صبية وقد ذبل الخدَّان واحدودب الظهرُ فراحت إلى العطَّار تبغي شبابها وهل يُصْلِح العطار ما أفسد الدهرُ؟! يوجد عندنا -بفضل الله ما هُنَّ عندكم في جيزان - لكن عندنا في الرياض نساء في الخمسين سنة، يوم السبت في الملاهي، ويوم الأحد في حديقة الألعاب، ويوم الإثنين في الحديقة الفلانية، ويوم الثلاثاء في صالة الأفراح الفلانية، قال واحد من الشباب -جزاه الله خيراً-: عندنا واحدة ما بَزَاها رَجُلُها في بيتها، فيَبْزُونها جيرانها في المدرسة، سجلوها في محو الأمية، وتذهب هي والشغالة، وعندما دخلت عند باب المدرسة، ينزلها السواق، تقول: الحقيني -يا فلانة- بالشنطة. وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده وإن الفتى بعد السفاهة يَحْلُمِ وإنْ أنتَ لحقتَ جمال الصلاح! بدل أن تتوجهي إلى الله وتقبلي على طاعة الله، وتستعدي أيضاً للقاء الله: (أعمار أمتي بين الستين والسبعين، وقليل من يجاوز ذلك) فالمرأة عليها مسئولية عظيمة في حفظ زوجها وبيتها. وأذكِّر النساء، أذكِّر أخواتي وأمهاتي وبناتي وزوجات إخواني في هذا المقام، أذكِّرهنَّ بحديث أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأشهلية، قالت: (يا رسول الله -وكانوا يسمونها خطيبة النساء من جراءتها وفصاحتها- إن الرجال يغزون معك، ويحضرون مجلسك، ويحجون معك، ويسمعون حديثك، فهل لنا فيك من نصيب؟ فقال ﷺ : يا أسماء! يا أسماء! بلِّغي مَن وراءك من النساء: إن حسن تبعُّل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله) إن حسن طاعة المرأة لزوجها وحسن محافظتها على بيته وفراشه، ولا يَدخل البيت من لا يَرضى دخوله، ولا تُكَلِّم من لا يَرضى تكليمه، ولا تخضع بالقول في الهاتف، ولا تكون متساهلة بحقوقه، إذا دعاها إلى حاجته أتت ولو كانت على ظهر قتب، وإذا أراد خدمتها نفعته وقامت، وتعتني بأولاده، فإن ذلك يعدل الحج، والجهاد، وسماع الحديث، والصدقة، والعلم، وكثيراً من الأعمال: (إذا المرأة -هذه بشائر للنساء دون الرجال- إذا المرأة صامت شهرها، وصلَّت فرضها، وأطاعت بعلها قيل لها: ادخلي الجنة من أيِّ أبوابها الثمانية شئت). فهنيئاً للمرأة المسلمة! هنيئاً للأم المسلمة! ونقول أيضاً: يا معاشر الإخوان! أحسنوا معاشرة أخواتنا، أحسنوا معاشرة بناتنا، أحسنوا معاشرة أمهاتنا. إن من الناس من عنده النظرية القائلة: المرأة كالحذاء، لا ينفعك إلا إذا دست عليها. هذه نظرية تَخَلُّف، نظرية بذاءة، نظرية خسة ودناءة، المرأة مخلوق مكرَّم: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥]. فالله سمى الأنثى: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] سورة كاملة في شأن النساء؛ لمكانتهنَّ ومنزلتهنَّ. فيا إخواننا أيضاً: أحسنوا معاشرة الزوجات، وأكرموهنَّ، ومن اتقى الله واقتدى بسنة رسول الله أدرك قول النبي ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). اللهم صلِّ على محمد.

стр. 2889

طلب الدليل من المفتي السؤال فضيلة الشيخ! نرجو إفادتنا على هذا السؤال، وهو: أنَّا نجد بعض المفتين يغضبوا عندما نطلب منهم إثبات الفتوى بالأدلة، أو عندما نورد لهم أدلة، ويقولون: إنكم من الشاذِّين، ونحن نأخذ بقول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ما معناه: بَيِّنوا للناس الدليل، وقول محمد بن عبد الوهاب: تعلموا دين الإسلام بالأدلة! والسؤال هو: هل الشاذ هو الذي يطلب الدليل ويورده؟! أم الذي يغضب عند طلب الدليل منه؟! وجزاك الله خيراً. الجواب والله يا أخي الكريم، لا شك أن الذي يغضب عند طلب الدليل جاهل، ولا يمنع إذا كان الإنسان قد حضرته الفتوى، وحضره جواب السؤال ولم يستحضر الدليل على الوجه الأكمل أن يقول: لا يحضرني الآن الدليل، وإنما أَعِدُ ببحث الدليل، أو بإحضار الدليل؛ لكن أن يغضب الإنسان عند طلب الدليل، هذا يوشك أن يقع في دين المقلدين الذين يجعلون الدين بالتقليد والتوارث عن الآباء والأجداد، إنما الدين بالأدلة. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفانِ فلا بد أن نطلب الدين بالأدلة، وإذا سُئلنا الدليل إن كان واضحاً معلوماً قدَّمناه، وإن كان غائباً بحثناه وبذلناه، وإن كنا لا ندري نقول: لا ندري، وليس في هذا حرج أبداً، ليس في هذا عيب أبداً. رجل حجَّ من أقاصي البلاد، يريد أن يقابل مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، فسأله عن مسائل كثيرة، فأجاب منها، وقال في ثلاث وستين مسألة، أو قريباً من هذا العدد، قال: لا أدري. قال: أنت مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، تُضْرَب لك آباط الإبل، أسألك فتقول في ست وثلاثين مسألة: لا أدري. فقال الإمام مالك: أخبر الناس في اليوم الأكبر، أو في يوم الجمعة، أو في يوم عرفة، أو قال عبارة: في وقت اجتماع الناس، وتحدث في الركبان, وطُف بالبلاد، وقل: إني سألت مالكاً عن ست ثلاثين مسألة، فقال: لا أدري. ليس عيباً أن تقول: لا أدري.

стр. 2890

إرشادات لمن أراد أن يتوب السؤال أرجو من فضيلتكم الإجابة على هذه الأسئلة: السؤال الأول: إنسان أسرف على نفسه بالمعصية، ويريد أن يتوب، فما هي الإرشادات التي توجهونها إليه؟ وهل يقبل الله توبة هذا الإنسان؟ الجواب أما التوبة فلا شك أن بابها مفتوح ما لم يغرغر العبد -أي: تصل روحُه الحلقومَ- أو تطلع الشمس من مغربها. باب التوبة مفتوح، هذا أمر واضح، ومن أرجى الآيات في كتاب الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر:٥٣]: وليس أذنبوا فقط: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣]. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فمن أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، وفتح الله قلبه للتوبة والاستقامة والهداية، فإني أنصحه بمسائل: أولها: تخلص من جميع الذنوب والمعاصي: بعض الناس يتوب من جميع الذنوب، إلا أربعة أشرطة يضعها تحت الفراش، ويتوب من جميع الأفلام، إلا شريطين يضعها فوق الدولاب، ويتوب من جميع المجلات إلا أربع صور يضعها تحت الدرج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] ادخل في الإسلام والالتزام كافة، واترك المعاصي جملةً وتفصيلاً: اعتزل ذكر الأغاني والغَزَلْ وقُلِ الفصل وجانِب مَن هَزَلْ ودع الذكرى لأيام الصبا فلأيام الصبا نجمٌ أَفَلْ إن أَهْنا عيشة قضَّيتَها ذهَبَت لذاتُها والإثمُ حَلْ يا أخي الشاب: يا من تقول: إنك أسرفت على نفسك بالذنوب والمعاصي! تذكَّر ذنوبك ومعاصيك التي عصيت الله بها، هل تجد لذتها الآن؟! لذة المعصية لحظة ثم تزول ويبقى الإثم، لذة المعصية ذهبت، وبقي إثمها. وأقول لكم: يا معاشر الوجوه النيِّرة الضاحكة المستبشرة! أنتم صليتم صلاة القيام في رمضان، وصليتم التهجد في رمضان، هل تشعرون الآن آلاماً في أقدامكم من طول القيام؟ لا. ذهب التعب وبقي الأجر. فهي نعمة عظيمة. ونقول لكل من تعلق بالذنب: إن لذة الذنب لحظة، وفضيحة الذنب أطول، وخزي الندم أشد، وينتهي كل شيء. ونقول لمن أطاع الله: تعبتَ ساعة، فنسيتَ التعب، وبقي أجره. فنقول أولاً: تخلص من جميع ما عندك، بعض الشباب يتوب وتاركٌ له اثنين أو ثلاثة خط رجعة، لا. تُب وتخلص من جميع الذنوب والمعاصي من: أفلام أشرطة مَلاهٍ مسلسلات حقوق تردها إلى أصحابها. زيادة على ذلك: بعض الناس يتوب؛ لكن الشلة هي الشلة، السهرة هي السهرة، العبث هو العبث: نعم؛ يقول: أنا بفضل الله، ما في بيتي أفلام فاسدة، ما عندي أغانٍ، ما عندي مجلات؛ لكن الشلة هم الشلة، نجلس معهم، ويجيئون بأفلامهم، ويجيئون بأشرطتهم، ويجيئون بأغانيهم، ويجيئون بلهوهم. لا يمكن هذا إذا تبت إلى الله، حتى الصحب الذين اقترفت معهم المعصية استبدلهم بأصحاب آخرين، لا أقول لك: العنهم، وسبهم واشتمهم، لا. نقول: جلساء السوء استبدلهم بجلساء صالحين، واسأل الله لزملائك السابقين الهداية: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤]. يا أخي الكريم: أنا وأنت اهتدينا اليوم، فلماذا نعادي الذين لا يزالون أهل الذنوب؟! لماذا لا ندعو الله لهم؟! ألسنا بالأمس كنا مذنبين فمنَّ الله علينا اليوم؟! فلنسأل الله لهم الهداية لعل الله أن يمن عليهم الليلة أو غداً. الأمر الثالث: الالتزام بالعواطف لا ينفع: إذا استقمتَ، تخلصتَ من سائر الذنوب والمعاصي، واستبدلت جلساء السوء بأهل الخير، فعليك بطلب العلم، (قل: آمنتُ بالله ثم استقم) عليك بالتوحيد بالعقيدة بحفظ المتون بقراءة القرآن بقراءة الكتب النافعة، هذا ينفعك. أما بعض الناس يظن أن الالتزام: باسم الله، الإخوان تدَيَّنوا ونريد أن نَتَدَيَّن معهم، نريد أن نَتَدَيَّن مع الإخوان. وكيف نَتَدَيَّن مع الإخوان؟! نروح نقصِّر ثيابنا، ونوفِّر لحانا. لا. هذا ليس هو التديُّن. التدين: اتباع السنة، عدم الإسبال، توفير اللحى، إكرام اللحى، عدم سماع الملاهي. وصميم التدين: طلب العلم عبادة الله على بصيرة معرفة التوحيد شروط (لا إله إلا الله) نواقض (لا إله إلا الله) معرفة توحيد الألوهية، معرفة توحيد الأسماء والصفات إلخ. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2891

شباب مشغولون بلا مهمة إن من المؤسف والمؤلم أن ترى شباباً ضيعوا أوقاتهم فيما لا نفع فيه في الدنيا ولا في الآخرة، بل أعظم من ذلك أن يكون هناك شباب ضيعوا أعمارهم في ممارسة الحرام والفسق والفجور، وتقليد الكفار والإعجاب بهم، ولم يعلموا حال السلف كيف كان إعجابهم بأهل الطاعة والصلاح! ولقد جاءت هذه المادة لتطرح موضوع هؤلاء الشباب، وتحاول علاجه بالقرآن والسنة.

стр. 2892

نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أيها الأحبة في الله: أشكر الله جل وعلا، ثم أشكركم، وأسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء، فالفضل لله ثم لكم، حيث أكرمتموني وشرفتموني بهذه الدعوة وبهذا المقام بين أيديكم، وما ذكره فضيلة الشيخ/ محمد المحيسني في مقدمته أسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، إنما هو حسن ظن، نسأل الله أن نكون خيراً مما تظنون، وأن يغفر لنا ما لا تعلمون. أحبتنا في الله: حديثنا عن شباب مشغولين بلا مهمة، هذه المشاغل التي أشغلت هذا الشباب أين ظرفها؟ وأين مكانها؟ إنها في الزمان، إنها في الوقت، إنها في العمر، إنها في الحياة، إنها في العصر الذي أقسم الله به: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢] كل هذه المشاغل هي في الساعات، وفي الليالي، وفي النهار: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]. هذا الزمن -أيها الأحبة- الذي بيَّن النبي ﷺ أن العبد مسئول عنه حيث قال: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) هذا الزمن الذي دعا النبي ﷺ إلى اغتنامه، والانشغال فيه بما يعود على العبد بمنافع الدنيا والآخرة، حثَّ النبي العباد على الاشتغال بما ينفع، ونادى بعبارة الغنيمة فقال: (اغتنم خمساً قبل خمس) ولفظ (الغنيمة) فيه إشارة على أن الأمر إن لم تبادره فاتك، ولفظ (الغنيمة) فيه إشارة إلى أنها لا تنال إلا بجهاد ومجاهدة نفس، فقد قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، ودنياك قبل آخرتك). أيها الأحبة في الله: هذا الزمن الذي هو خزينة لأعمالنا، وفي نهاية المطاف نرى الغبن والخسارة في حال من ضيعه ولم يغتنمه، ولم يملأ ساعات أيامه ولياليه بما ينفعه، يقول أحد الحكماء: "سويعاتك طريقك إلى القمة" والصواب: أن السويعات طريق إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن كانت الأعمال شاقة، فأنجزوا كل يوم عملاً واحداً، فبمضي الأيام تنجزون أعمالاً كثيرة. أيها الأحبة: إن أناساً من شبابنا وأحبابنا وإخواننا لا يدركون أهمية الوقت، ولا يعرفون أهمية الزمن والعمر والحياة، لا يعرفون قيمتها، فكيف يحفظون؟! وكيف يشغلون الزمن بما ينفعهم؟! وكما قال الوزير ابن هبيرة ﵀: الوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أهون ما عليك يضيع ولأجل ذا لما كان التغابن عند أقوام وجدوا الفراغ فلم يشغلوه بما ينفعهم، وأنعم عليهم بالصحة فلم يسخروها فيما يعود عليهم بالكرامة في دنياهم وأخراهم، كانوا حقاً من المغبونين: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).

стр. 2893

النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية وكلماتي هذه إليكم -أيها الأحبة- وإلى الشباب خاصة إنما هي دعوة للتفكر والتأمل، ولحظة حساب وعتاب ومناقشة، سيما ونحن في بداية عام جديد نرسلها ونهديها إلى كل فتىً وفتاة، وإلى كل رجل وامرأة، وإلى كل ذكر وأنثى، وصغير وكبير، فاعلموا أحبتنا في الله: أن الأصل في المسلم والمسلمة أنه كلما عاش يوماً ازداد علماً وعملاً وفقهاً، ونفعاً للآخرين، ولأجل ذا كان خير الناس من طال عمره، وحسن عمله، لأن في مزيد من الأيام والليالي زيادة بالحسنات، وتكفير للزلات والسيئات. الأصل والحقيقة -أيها الأحبة- أن حياة المسلم كلها لله جل وعلا، لا يجد فراغاً ينفقه أو يصرفه في معصية الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] الإنسان مشغول لا محالة بطاعة أو بمعصية، ومن ظن أنه يقف في برزخ، أو في مرحلة بين الخير والشر، وفي مقام بين أن يحسن أو يسيء فقد وهم وظن خطأً، يقول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيراً لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٥ - ٣٧] قال بعض السلف: ليس في الأمر توقف، إما تقدم في طاعة، وإما تأخر في معصية، وقال الشافعي ﵀: نفسك إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، فكل نفس مشغولة إما بحق وإما بباطل، فشغل المؤمنين طاعة الله، وعمل فيما لأجله خلقوا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وشغل الضالين سعي في بوار، وإنفاق في هلاك، وقد صدق رسولنا ﷺ : (كل يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).

стр. 2894

أقسام الشباب في الفراغ والشغل الموهوم

стр. 2895

شباب شغلوا بالجلوس على الطرقات أيها الأحبة في الله: كم من شاب حاجة أهله إليه عظيمة، يحتاجون إليه في رعايتهم، وإصلاح شأنهم، وتأمين حاجتهم، وعلاج مريضهم، وصلة ذوي رحمهم، وبر قريبهم، ومع ذلك تجد الأسرة تحتاج إلى السائقين وبعض الخدم، ولدى الأسرة شباب تفيض جهودهم، وتتعدى قدراتهم حجم أعمال بيوتهم، ولكنهم لا يقومون بهذا، لماذا؟ لأنهم مشغولون! ومشغولون بماذا؟ مشغولون بلا مهمة. وتجد الأسرة تجمع وتستوفد الخادمات والمربيات، ولو وزعت الأعمال بين البنات في الدار؛ لأغنت عن وجود هؤلاء الخادمات، ولعادت بالنفع على البنات؛ لكي يكن طاهيات ماهرات قادرات متحملات مسئولية المنازل، ولكن البنات مشغولات! مشغولات بماذا؟ إنهن مشغولات بلا مهمة. الشباب والرجال مشغولون أو متشاغلون، بلقاءات، وجلوس، وسهر طويل على الأرصفة، وحديث لا ينقضي، ومواعيد متجددة، والقوم قد جلسوا في الطريق، ولكن البعض منهم ما جلس كما جلس الصحابة في الطريق فقال النبي ﷺ : (إياكم والجلوس في الطرقات! فقالوا: يا رسول الله! ما لنا عنها بد هي مجالسنا؟ فقال ﷺ : إن كنتم فاعلين لا محالة فأعطوا الطريق حقه، فقالوا: وما حق الطريق؟ قال: رد السلام، وكف الأذى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). إن أقواماً جلسوا على الطرقات، وربما احتجوا بهذا الحديث على جواز الجلوس على الأرصفة، ولسنا بصدد تحريم أو تحليل الجلوس على قوارع الطرق، ولكننا نقول لمن جلسوا: بماذا أنفقتم وقضيتم وأمضيتم ساعات النهار وساعات الليل؟ ربما جلس البعض إلى ساعات متأخرة من الليل، قد قام فيها العباد في محاريبهم، وقام فيها المتهجدون بين يدي ربهم، وتنزل ربنا جل وعلا في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فيقول: (هل من تائب فأتوب عليه؟ وهل من مستغفر فأغفر له؟ وهل من سائل فأعطيه؟ وهل من داع فأجيبه؟) إنها ساعات تجاب فيها الدعوات، وتقال فيها العثرات، وتسكب فيها العبرات، ولكن بعض أحبابنا وشبابنا في تلك الساعة جالسون في الطرقات، ينظرون في الغاديات والرائحات، وينظرون في العابثين والعابثات، جلوس على هذه الطرقات والأرصفة، وناهيك عما يدور في هذه المجالس إن لم يكن غيبة أو نميمة، أو سخرية أو استهزاء أو انشغالاً بالورق والبلوت، ولسنا بصدد تقرير الأحكام الشرعية بهذا، ولكن لقد جلس هؤلاء، ولو قلت لأحدهم: أدعوك الليلة إلى محاضرة، أدعوك إلى حلقة ذكر، أدعوك إلى روضة من رياض الجنة، أدعوك إلى مجلس تغشاه السكينة، وتتنزل عليه الملائكة، ويذكر الله الذاكرين فيه في ملئه الأعلى، لقال: لا وألف لا، إني لمشغول في هذه الليلة، ولو تتبعته لوجدت شغله على الرصيف، على الدائري، على الطريق الأصفر أو الطريق الأحمر والأبيض. فكل يدعي الشغل، وكل يزعم الانشغال، ولكن في ماذا؟ نحن نعلم أن رجلاً أو صغيراً أو كبيراً لا يرضى أن يقذف أو يوصم بالفراغ فيقال: فلان فارغ، فلان لا حاجة عنده، فلان لا شغل له، فلان لا غاية يرنو إليها، أو يصبو إلى تحقيقها، لا تجد أحداً يرضى، ولو قابلت رجلاً فارغاً من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه فلن يقول لك: إني فارغ، ولكن سيقول لك: إني مشغول. مشغول بماذا؟ عجب عجاب!

стр. 2896

شباب أهل ملاهٍ ودخان وشيشة وطائفة مشغولون بسهر على الدخان والشيشة والنارجيلة، ومكالمات هاتفية، وجلوس بالطرقات، ودوران بالسيارات في الأحياء والشوارع والميادين، وربما كانت هذه الجولات حول الأحداث وقرب المردان، وتجوال للمعاكسات، ورفع أصوات لمزمور الشيطان، وأصوات الغناء، وسهر على شوارع مضاءة، وسهر للعزف والطبل، فترى فئاماً أو جماعات صغيرة من الشباب قد جلسوا وأحدهم بيده الناي، والآخر: العود، والثالث: الطبل، والرابع: الربابة، والخامس: آلة لهو، ثم يجتمعون يجزون هذه الأوتار، ويخاطبون هذه الجلود، وينثرون الآهات على الطريق، وربما سكب بعضهم عبرات شيطانية قد هيج الشيطان أنفاسه، ورفع عواطفه، فسمع صوت أغنية ففاضت عينه من شدة تحكم الهوى والشهوة في نفسه إلى درجة البكاء، ولو ذكر الله لاشمأز ولا حول ولا قوة إلا بالله! بعضهم لو ذكر الله لقست قلوبهم بدلاً من أن تلين وتذعن وتستكين لهذا الخطاب، وصدق ابن القيم ﵀ فيما ذكر في إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، حيث قال عن طائفة من الذين شغفوا وأولعوا بهذا اللهو حتى صرفهم عن ذكر الله والإخبات له قال: تُلي الكتاب فأطرقت أسماعهم لكنه إطراق ساه لاهي وأتى الغناء فكالحمير تراقصوا والله ما طربوا لأجل الله دف ومزمار ونغمة شادن فمتى رأيت عبادة بملاهي ثقل الكتاب عليهم الأمر والنهي، المندوب والمكروه، الواجب، المخاطبة بالأحكام الشرعية التكليفية أصبحت ثقيلة ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامرٍ ونواهي لأن كلام الله: افعل لا تفعل، امض لا تمض، واذهب لا تذهب، أمر ونهي. ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامرٍ ونواهي ورأوه أعظم قاطع للنفس عن لذاتها يا ذبحها المتناهي بعضهم من شدة تحكم الهوى في نفسه، يقول: سلني ما بدا لك، واطلبني حاجتك، ومرني بما شئت، إلا اللهو، إلا الغناء، إلا الدف، إلا المزامير، إلا الموسيقى، فهي في دمي ونفسي وروحي، هي نبضة من فؤادي، وخلجة من خلجات نفسي، وقطعة من لحمي، يظن ويؤكد له الشيطان أنه لا يستطيع أن يعيش بدون هذا اللهو وبدون هذا الباطل.

стр. 2897

شباب اشتغلوا بالشعر والتشبه بالكافرين وشباب آخرون اهتموا واشتغلوا بتسريحة الشعر التي تشبهوا فيها بالكفار، عجباً رأيت! وربما بعضكم رأى ما رأيت، رأيت شباباً يدورون في أسواق كأن رءوسهم بعض العناكب أو الخنافس أو العقارب، ورأيت شباباً -ولعل بعضكم رأى ما رأيت- تجد في أشكالهم وفي وجوههم أمراً لا تحمده إن لم يفزعك أو يخوفك من منظره، فتسأل عن ماذا؟ سئل أحد الشباب عن شاب كان قد جعل على رأسه قصة شعر معينة فقيل له: ما هذه القصة؟ فكان الجواب إنها قصة كلب ديانا زوجة الأمير تشارلز، أصبح الكلب في درجة يتأسى ويقتدى به، لم يقف التأسي والاقتداء بالفجار أو الفساق أو الكفار عند بعض الشباب، بل تجاوز التأسي إلى كلاب الفجار، وما يدريكم! "وعش رجباً ترى عجباً" أن يأتي يوم نسمع بشباب يقلدون قصة قطة تاتشر، أو قصة معينة، ومن عاش سيرى عجبا.

стр. 2898

شباب همهم تلميع وتلوين السيارات وأخرون من الشباب تجدونهم قد اهتموا بالسيارات، تلميعاً وتشكيلاً وتلويناً، وأحوالاً عجيبة وغريبة، لأجل ماذا؟ أهي خيول تسرج للجهاد في سبيل الله؟! أم دواب تعد للسفر للدعوة إلى الله جل وعلا، وتعليم الجهلة، والتوحيد، وتحفيظ القرآن، وتعليم الناس الصلاة الصحيحة، والوضوء الصحيح، والعبادة الصحيحة؟! لا وألف لا. إنما إعداد هذه السيارة ليتسنى الدوران عليها من بعد العصر أو قبيل المغرب حتى ساعات متأخرة من الليل. إنك والله لتعجب أن تجد هذا الشاب مشغولاً، ولو أغلقت دونه الطريق لحظة وهو في سيارته لأزعجك بمنبه الصوت، وعلق منبه الصوت فوقك، وربما أخرج عنقه ورأسه، ورفع صوته بالسباب والشتيمة: لا تغلق الطريق، لا تشغل الناس، لا تقطع الناس عن أحوالهم، ولكن إلى أين هو ذاهب؟ أين شغله ومشغلته وحاجته وغايته ومهمته؟ مجرد أنك أغلقت الطريق دونه ساعات ربما لأمر لك فيه عذر في إغلاقه، ولكنه لم يتحمل لأنه مشغول، إنه في قرارة نفسه مشغول، ولكن تابعه إلى نهاية المرحلة تجده مشغولاً بلا مهمة.

стр. 2899

شباب همهم ارتداء الملابس الملونة وفريق من الشباب أصبح لا هم لهم إلا أن يرتدوا هذه الملابس العجيبة، فانلّة أو فنيلة تجد فيها أربعين لوناً كأنها بيف -البيف الذي تحمل فيه الدلال والأباريق وغيرها في الغالب أنه يجمع وينسج من قطع وألوان متفرقة من فضلات الأقمشة- فبعضهم أصبح همه أن يلبس هذا القميص ذو الألوان الغريبة العجيبة المتعددة، ويكتب فوق هذا القميص عبارات عجيبة وغريبة، فيها من الفحش والبذاءة والدعوة إلى المنكر، والبراءة من الحياء والفضيلة، والجرأة على الرذيلة أصناف وأشكال وألوان، ولكن مساكين قد انشغلوا واشتغلوا بهذا بلا مهمة أو غاية.

стр. 2900

شباب مشغولون بالرياضة وفريق من الشباب مشغولون بالرياضة، مشغولون بالكرة وبالدوري وكأس العالم، ودوري الصعود والتصفيات، والمباريات الرباعية، والنهائي، ولا يقف الانشغال عند هذا الحد، قبل المباراة جلسات طويلة: ما رأيك من الذي سيسدد أهداف المباراة اليوم؟ ومن الذي سيفوز اليوم؟ وما هي خطة النادي في الهجوم على الأعداء أصحاب الفريق والآخر؟ وما ظنك أن يكون حظ هذا الفريق من النقاط؟ وهل يتأهل لدوري الصعود؟ وهل ينافس على الكأس؟ ولو سمعتم أو استرقتم السمع على شباب يتحاورون لربما وجدتم بعضهم يحلف بالطلاق، ويقسم بالعتاق، ويقول ألفاظاً عجيبة، وأيماناً غريبة من أجل تحليل وتحكيم وتقرير أحوال هذه المباراة، شغل شاغل، وأصوات مرتفعة، وجواب، وخطاب، وبرهان واعتراض ودليل، وكلام وحجة، والقضية كلها انشغال بلا مهمة، من أجل قطعة جلدية منفوخة تتبادلها الأقدام يمنة ويسرة، والجماهير المسكينة تهتف بأسماء اللاعبين، وتهتف بأسماء هذه الأندية، وبعضهم يشتد نَفَسُه، وتقف زفراته لحظة، خاصة إذا تعادل الفريقان، ولم يفز منهم أحد على الآخر، ثم وصل الأمر إلى درجة التنافس على تسديد الهجمات على الأبواب، رام وحارس يسدد هجمات على الباب، والآخر مثل ذلك، انظر حال الصمت والوجوم، حتى لو رمي بإبرة لسمع صوتها، في شدة هذه اللحظة التي وجمت فيها النفوس، واشرأبت فيها الأعناق، وشخصت فيها الأبصار، فالمسألة غريبة، ولو أن واحداً من هؤلاء المنشغلين بالمشهد يوم يجري اللاعب رويداً رويداً، ذو القدم الذهبية دنت إلى الكرة كقاب قوسين أو أدنى، إلى بوابة هذا المرمى، لو كلمه أحد لضربه وقال: دعنا ننظر النهاية. مسألة خطيرة، وكأنما هي مُنصَرفة إلى جنة أو إلى نار، انشغال يبلغ حد اللب، والأخذ بالفؤاد والبصر والسمع، ولو سرق ما في جيبه، وسلب منه الشيء الكثير، والله ما علم من شدة انشغاله بهذا الحدث، ولكن ما هي النتيجة؟ انشغال بلا هوية.

стр. 2901

شباب مشغولون بالغناء وآخرون من الشباب مشغولون بالأغنية، بالفن، باللحن، بالكلمة، بالطرب، بالنسخة الأصلية، بآخر شريط، بالكرنبان وبالسهرة، وحدث ما شئت، لديه صورة للفنان الفلاني وهو يصعد طائرة، والآخر عنده صورة للفنان الفلاني وهو يدخل بوابة، وآخر عنده صورة قد علقها في حجرته وهو يفعل كذا أو وقع له على فانلّة، أو وقع له على ما يسمونه دفتر الذكريات، اهتمام عجيب، ومع ذلك انشغال بلا مهمة.

стр. 2902

شباب مشغولون بالأفلام والمسلسلات وفريق آخر من الشباب مشغولون بالأفلام والمسلسلات، وأغلب الشباب إلا من رحم الله من غير المستقيمين التائبين اليوم لا يقل حجم عدد أشرطة الواحد منهم عن المائة، أفلام، منذ أيام جاء إلى مكتب الجاليات شاب في منطقة البديعة في الرياض وسلم لأحد الإخوة قرابة تسعمائة شريط، قال: كانت مبرمجة مفهرسة مبوبة لا شغل لي إلا أن أتابع من شريط في شريط، ومن فيلم إلى فيلم، ومن مسلسل إلى مسلسل، وهذا غيض من فيض، وعينة من شريحة موجودة، أفلام الحب، أفلام الرعب والغرام والجنس، وحديث عجيب بين الشباب حول بعض المسلسلات والسهرات اليومية، يجلسون في الصباح أو في الظهر، هل رأيت المسلسل البارحة؟ بلى. ألم تتأثر؟ فيقول لك: إنه خائن، إنه غادر، أبعد هذا الحب يطلقها، أبعد هذا الحب يفارقها؟! وآخر يقول: ماذا تتوقع نهاية المسلسل الفلاني؟ هل يجدون اللص؟ هل يجدون المجرم؟ هل يعثرون على الضالة الضائعة؟ وحوار ونقاش طويل وعريض، وهم يعلمون أن المخرج لو قال للممثل: لا تضحك؛ لم يضحك، ولو قال له: ابك، لبكى، ولو قال له: ارفع رجلك أو يدك لفعل ذلك، إنما هو تمثيل وكذب وأباطيل وهراء، ومع ذلك أخذت اشتغال وانشغال عدد وشريحة من شبابنا حتى أخذت عليهم الليل والنهار. لو قيل لأحدهم: قم اذهب بأمك إلى مستشفى، أو بأختك إلى مدرسة، أو بأخيك إلى معهد لقال: إني مشغول، وما شغله إلا هذه الأفلام والمسلسلات.

стр. 2903

شباب مشغولون بالترحال والسفر وفريق من الشباب مشغولون بالترحال، كأن الواحد منهم مجبور ومكتوب عليه، ومكلف أن يجوب أقطار الدنيا، أمن أجل الدعوة إلى الله؟! من أجل تبليغ دعوة التوحيد؟! من أجل محاربة البدع؟! من أجل نصرة المظلوم؟! من أجل الشفاعة للمحتاجين؟! لا. من أجل برج على جبل، وبحيرة تحت جبل، وسهل أخضر، وحيوانات غريبة، وحدائق عجيبة، وجسور معلقة، وعمائر شاهقة، وطرق، أحوال وأحوال لشباب لا همَّ لهم إلا السفر والترحال، الأربعاء والخميس والجمعة لا يفوتها، لابد من السفر، فإن لم يستطع السفر إلى بلاد أوروبية أو شرق آسيا كان سفره إلى بلاد خليجية. وأما الإجازات الرسمية فلا تسل عن إهماله لأولاده، أو إخوانه ومن هم في بيته من أجل أن يقضي هذه الأيام في السفر، والعجب -أيها الأحبة- أن بعض هؤلاء الذين يسافرون يخادعون أنفسهم بدعوى السياحة، ويخادعون أنفسهم بدعوى اكتساب المعرفة وجمع المعلومات، فلا أحد منهم يقول: إني مسافر للخنا والزنا، ولا أحد منهم يقول عن نفسه: إنه مسافر إلى الفساد والفاحشة، بل إن أحد المدرسين بالأمس أخبرني عن واحد من الذين منَّ الله عليهم بالتوبة والاستقامة، وهو يعرف عن نفسه كثرة السفر لأجل الفاحشة ولا حول ولا قوة إلا بالله! يقول: ما تجرأت يوماً لأقول لنفسي في كل سفرة: إني مسافر إلى الزنا أو إلى الفاحشة، قال: وفي طريقي إلى المطار تنتابني شكوك ومخاوف أن تنقلب السيارة، أو أن أصطدم بأخرى، أو أن أصاب بحادث، وحينما تقلع الطائرة تنتابني شكوك ومخاوف أن تسقط الطائرة، فإذا نزلت إلى البلاد وإلى محط عصا الترحال بدأت بفعل ما قد عقدت الفعل عليه، ووقعت فيما حرم علي. وطائفة قد شغلوا بالمخدرات، وغيبوا عقولهم عن واقعهم باختيارهم. كل تلك مشاغل، والواحد منهم لو قلت له: اجلس، قال: إني مشغول، ولو دعوته لطعام قال: ألا تفهم إني مشغول.

стр. 2904

النساء وأشغالهن الموهومة ثم اسمع العجب العجابعن أحوال النساء! فبنات ونساء مشغولات بالموضة والأزياء وما يسمونها بمجلات البرد، وتقليد صارخ للكافرات الفاجرات، وتشبه بالرجال، وبنات ونساء مشغولات إلى حد الانشغال عما أوجب الله عليهن، وعما تعلقت ذممهن به، انشغلن بزيارة الحدائق، الأحد: حديقة الحيوان، الإثنين: حديقة الدائري، والثلاثاء: صالة الأفراح الفلانية، والأربعاء: زيارة أو مناسبة، والخميس: لا تسل عن سفر أو ذهاب وتجوال، إنا لا نعيب على شاب أو رجل يخرج بزوجته وأهله فيجعلهم يشمون هواءً عليلاً، أو يرون شيئاً مما أباح الله، لكن أن يكون همُّ الفتاة وهمَُ المرأة في طيلة أيام الأسبوع مضي واستمرار في الذهاب والخروج والتجوال في الأسواق، دأب لا يعرف الكلل ولا الملل، فذلك أمر عجيب! وبعضهن مشغولات شغلاً عظيماً بحديث الهاتف الذي فيه مكاشفة للأسرار الزوجية، ماذا فعلتم؟ وماذا حصل البارحة، وما الذي لم يحصل البارحة؟ وحديث آخر: فلانة ذهبت، وفلانة فيها وفلانة ليس فيها، وحديث طويل، ولو أن ابنتها الصغيرة، أو ولدها المسكين جاء يبكي أو يريد طعاماً أو شراباً، لربما رمت به قليلاً، أو صرخت لخادمة كافرة أو مسلمة جاهلة لكي تعد لهذا الطفل حاجته لأنها مشغولة، ولا ينبغي لأحد أن يقطعها، ولا ينبغي لأحد أن يكدر صفو حديثها مع صديقتها، إنها مشغولة بالهاتف. وهذه الشريحة من النساء بعضهن قد يعلمن أو لا يعلمن أن الله لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وأن خروجهن أمر لا يجوز، والأسواق شر البقاع عند الله، (وأيما امرأة خرجت فاستعطرت لتفتن غيرها؛ فهي زانية) وأنها إن خرجت بغير إذن زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع، وأنها تعلم أن حديثها ونقلها القيل والقال من النميمة والغيبة سبب لحرمانها من دخول الجنة: (لا يدخل الجنة نمام أو قتات).

стр. 2905

الأطفال وانشغالهم بالمسلسلات والألعاب أيقف الانشغال بطبقات المجتمع عند من ذكرنا؟ لا. فهناك شريحة مشغولة أيضاً بلا مهمة، شريحة الأطفال، الكثير منهم مشغول، والعتاب لوالديهم والمربين والأولياء الذين تحملوا ذممهم: (كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته) اشتغل الأطفال برسوم متحركة، وما أصبح الذي يعرض في التلفاز والشاشات كافياً لاستيعاب انشغال الأطفال به، بل إن البعض تعدى ذلك إلى شراء الأفلام والمسلسلات من محلات الفيديو، أفلام خاصة بالأطفال حتى لا يبقى الطفل فارغاً، لابد أن يكون الطفل مشغولاً، ولكن مشغولاً بماذا؟ بهذه الرسوم المتحركة، وهذه الأفلام، واعجبوا من بعض هذه الأفلام. وإنا ننادي كل من له علاقة بالإعلام، وننصح كل حبيب غيور على هذه الأمة، وعلى فكر ناشئتها، أن ينتبهوا ويلتفتوا إلى خطورة ما يعرض على هؤلاء الأطفال، فيما يسمى بالأفلام المدبلجة والمترجمة، يدور هذا الفيلم المدبلج حول شخصية بارعة جاذبة ذات قوة آسرة، فيتعلق الطفل (بعدنان ولينا) أو (هايدي) أو (الليث الأبيض) أو (جازورا) أو (سنان). ويقول بعض الأطفال الصغار في برنامج يعرض اسمه: (نساء صغيرات) يقلن هؤلاء الصغيرات في بداية الحديث: "نحن الأطفال الصغار، نبض الحياة، معنى الحياة، لا ندري أين المصير، لا ندري أين المصير" فمشغولون، ولكنهم مشغولون بلا مهمة، بل مشغولون بما يعود بالضرر، وإن ناشئة الأمة وأطفالها هم عماد المستقبل بإذن الله إن اعتني بهم، والخطر كل الخطر أن يتعلق قلب الطفل بنمط حياة الكفرة، وأن يعجب بأسمائهم وتقليدهم وعاداتهم، وليس في هذه الرسوم المدبلجة إشارة إلى نمط حياة المسلمين، فلن تجد في هذا الفلم أو المسلسل المتحرك أو ما يقدم للأطفال، لن تجد في الغالب منارة مسجد، أو مكاناً للصلاة، أو دعوة إلى العبادة، أو تسمية، أو ذكر لله، أو حجاب أو ستر، فلن تجد شيئاً يقرر الحياء والبعد عن الرذيلة. بعض المسلسلات التي شغل بها الأطفال تجد فيها طفلاً يحضن طفلة فيجهدها، وربما حصل له ما حصل، انشغال لهؤلاء الأطفال بالألعاب (الإلكترونية) وهي لعبة يظن البعض أنها درجة من التطور، نعم، إنها تطور ولكنه في اتجاه آخر، الألعاب (الإلكترونية) ما هي إلا لعبة جيدة لسحب أموال الناس، فخذوا على سبيل المثال ألواناً وأنواعاً من الأفلام والأشرطة التي توجد عبر هذه الألعاب سلبت عقول الصغار، لا يجد الطفل مساحة في عقله لكي يحفظ آيات، أو يحفظ أحاديث، ائت بشباب أشغلت مساءه في غير الإجازة بهذه الأفلام التي تسمى (الإلكترونية) هل سيبقى في قلبه ميل للقرآن أو ميل للسنة، أو ميل للأذكار والأوراد والآداب؟ وإني لأعجب عجباً بالغاً، هناك مسلسل متحرك للأطفال اسمه: (سلاحف نينجا) فهذا لم يقف عند حد الرسوم المتحركة، بل هو أيضاً موجود في الألعاب المتحركة، بل وجدت أحذية باسم: (سلاحف نينجا) وبناطيل، وقمصان، وملابس، وحقائب، ومساطر، وأدوات هندسية، وآلات كتابية، الطفل الذي لا يجد هذا يشعر بشيء من القصور، لأن أنداده وأمثاله من الأطفال يملكون هذا ولا يملكه، وربما أثقل كاهل والديه، وأحرجهم حتى يشتروه له، على حساب التزامات الأب المتعددة من غذاء وسكن وطعام ودواء وغير ذلك. وفي الجملة فغالب من ذكرنا -أيها الأحبة- قد اشتغلوا بما حرم الله عما أوجب الله، واشتغلوا بما يجر إلى حرام، أو بما يصرف عن طاعة الله، واشتغلوا بما لا يسألون عنه عما سيسألون عنه وسيحاسبون عليه، وتقول القاعدة الفقهية: "الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود".

стр. 2906

دعوة إلى المصارحة والحوار مع الشباب فإلى هؤلاء الشباب والشابات، وإلى أحبابنا وإخواننا الذين هم بضعة من مجتمعنا، وخفقة من أفئدتنا، ونبضة من دمائنا، إلى هؤلاء الشباب الذين ضاعت أوقاتهم على الشارع الأصفر، وعلى الطرق الدائرية، وفي الاستراحات إما سهر، أو ورق أو عزف أو قيل وقال أهذا أوانه ودماء المسلمين في البوسنة تسفك؟! أهذا زمانه ورقاب المسلمين في الهند تقطع؟! أهذا زمانه ورقاب المسلمين في مانيلا وكوسباتو والفليبين تقطع وتنحر؟! أو يجوز لعبد أن يشتغل بهذا وللمسلمين أعراض مغتصبة، ودماء سكيبة، ومدن مهدمة مكسوفة، وجلاء جماعي، وقتل عشوائي، وتشريد وتمثيل، واغتصاب حتى للصغيرات والأطفال والعفيفات؟! والله إن الواحد ليعجب! وأذكر ذات مرة كنا في مدينة مع بعض أحبابنا ومشايخنا الدعاة جزاهم الله خيراً، فلما انتهينا من محاضرة كنا في صددها، إذ بنا في تلك المدينة الصغيرة نجد عدداً من الشباب وقوفاً على ما يسمى (بالكاونتر) أو طاولة محل الفيديو، هذا يريد فيلماً هندياً، وهذا يريد فيلم كذا وكانت تلك الزيارة في بداية أحداث البوسنة والهرسك، فكدنا نتقطع ألماً! وما كأن الحدث يعني المسلمين بشيء يا عباد الله! لأن بيننا وبينهم جبال وبحار وأرض وفيافي وقفار لا يهمنا شأنهم، فدخل أحد الإخوة وقال: يا شباب الإسلام! والله لو لم نترك هذا امتثالاً لأمر الله ورسوله فلا أقل من أن نتركه حياءً أن يضحك هؤلاء العمال وربما بعضهم من الكفرة في محل الفيديو وهم يروننا نشتري أفلاماً هندية، فهذا هندي يعلم أن جماعته ينحرون المسلمين في بلاده، أما نستحي أن نشتري هذه الرقصة وهذا الغناء، وهذه الحفلات، والدماء والأعراض والبلاد والديار تهدر وتغتصب وتهدم؟! إن لم يكن خوفاً من الله، فلا أقل من أن نستحي، إذ أن الواقع لا يأذن بهذا، بالأمس خمر وغداً أمر، بالأمس سكرة واليوم وغداً فكرة، لماذا لا تحنكنا التجارب: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦]. فيا شباب الإسلام: هلا فكرتم؟! قل تعالوا إلى كلمة سواء، تعالوا لنتناقش: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٦] هذه دعوة إلى الشباب، الذين يظن الواحد منهم أنه قد حلق في الثريا حينما يغلق زجاج سيارته على مكيف دافئ، ونغم هادئ، وصوت رخيم، وتجوال بطيء بين الشوارع، أو يجلس جلسة عزف أو لهو أو حديث أو تجوال في سوق لمعاكسة ونحوها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ:٤٦]. تعال يا أخي! لأجلس معك جلسة الصراحة، لأجلس معك أو مع اثنين من أصحابك، وصارحني وأصارحك، قل لي بكل صراحة ما عندك، وأقول لك بكل صراحة ما عندي، إنك لتعجب من بعض الشباب، ذات يوم فيما يسمى بميد، مطعم من المطاعم أو محل من البقالات التي انتشرت، دخلت ذات يوم، فقام أحد الشباب وأشعل سيجارة، ففهمت أنه أشعلها قصداً، فتسوقت ما تسوقت من ذاك المكان وقلت له: أتسمح لي بالحديث معك؟ قال: نعم، تفضل، وكانت سيجارته في يده، فقلت له: اسمك الكريم. قال: فلان من عائلة فلان. جدك فلان وأبوك فلان؟ قال: نعم. قلت: عائلة كريمة، أيليق بشفاه طاهرة تنطق بالشهادتين أن تتنجس بهذا الدخان؟! فاستحى ثم أطفأ سيجارته؟ ثم قال: في الحقيقة يا شيخ! أنا لما رأيتك قصدت إشعال السيجارة. فقلت: لماذا يا أخي الكريم أشعلتها متقصداً؟ قال: لأن الهيئة بالأمس أخذوني وأنا ما فعلت شيئاً، سبحان الله! تغلط عليك الهيئة وتعاقبني أنا؟! هذا إن سلَّمنا أن الهيئة أخطأت عليك، لكني أريد أن أسألك ما هو الخطأ الذي ارتكبته الهيئة عليك؟ فإذا به يتسكع في الطريق في وقت الصلاة وهو مقيم صحيح لم يدخل المسجد، ولم يقم بالصلاة، فما الذي رده وما الذي منعه أن يدخل المسجد؟! أولما جاءته الهيئة وقادته إلى بيت الله، أو حدثوه بمكبر الصوت جعلها سبة وعاراً لنفسه، وأراد أن ينتقم بها من كل من يرى؟! ثم أخذنا ندور ونجول في الحديث، إلى أن قال لي: أسأل الله أن تكون توبة، ولا يلزم من ذلك أن يكون تائباً، قد يكون قالها أمامي، ولا يلزم أن نسمع هذه القصة فنقول: ما شاء الله! توبة صادقة، أو توبة صحيحة لمجرد كلمة أو كلمتين قف عند هذا. أخي الحبيب نقول: إن هؤلاء الشباب الذين تسكعوا وجلسوا وانشغلوا بلا مهمة نريد أن نخاطبهم، وأن نكاشفهم، وأن نصارحهم، وأن نسألهم: كم جمعت من المال لزواجك؟ إن لم تكن مشغولاً بالدين وبالدعوة فلنسألك عن حجم اشتغالك بما ينفعك في دنياك، كم جمعت من المال لزواجك؟ كم أعددت، وماذا أعددت لبناء بيتك؟ ماذا فعلت لرفع قدراتك ومواهبك؟ ماذا أعددت لكي تحصل وظيفة مناسبة تنفعك في دينك ودنياك؟ ضياع في الدين والدنيا، خسار وبوار في الدنيا والآخرة بهذا الأمر الذي جعلوه ديدنهم وطبيعتهم وهجيراهم كما قال الشاعر: وكل امرئ والله بالناس عالم له عادة قامت عليها شمائله تعودها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمر أوائله إن بعض الشباب يتسكع ويدور، ويمتهن هذا الفراغ، وهذا الاشتغال في كرة وفن، ولهو وطرب، ورياضة، وجلسات وسهرات، ويقول: إذا جاوزنا الخامسة والعشرين تركناها، أو إذا جاوزنا الثلاثين تركناها، اعجبوا كل العجب من أقوام ادعوا ذلك فلم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً! إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولا تلين إذا كانت من الخشب أنت -أيها الشاب- قادر على تغيير مسار حياتك ما دامت قواك قوية دفاقة قادرة بإذن الله، وأنت عاجز إذا خارت منك القوى، واستحكمت فيك العادة، وغلبك الشيطان، وتحكمت بك الغفلات. فإلى إخواننا الأكارم، وإلى شباب الإسلام: أليس في الدعوة إلى الله شغل؟ أليس في صلة الأرحام شغل؟ أليس في بر الوالدين شغل؟ أليس في حفظ الكتاب والسنة شغل؟ أليس في طلب العلم، والكسب الحلال، وحلق العلم، والجد والدراسة والمثابرة، والدورات التدريبية والمهنية، وما يفيدك على اكتساب صنعة نافعة، أليس في هذا شغل؟ بلى. إذاً فما الذي أشغلك عن خير الدنيا والدين واشتغلت بما يضرك؟ أيها الأحبة: نعم. إنها دنيا تفتحت علينا، وأموال تدفقت بين أيدينا، وأمور قد كفلت لنا، فما أصبح الشاب يجد عناء إيجاد شربة من ماء؛ لأن الصنابير تتدفق بهذه المياه، وما أصبح الشاب يجد عناء البحث عن الكسوة، ولا يجد عناء البحث عن اللقمة، فتهيأت الدنيا حتى استحكمت وبلغت بنا حد الترف، وهي علامات هلاك الأمم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦].

стр. 2907

دعوة إلى مصارحة ومحاورة النساء ولبناتنا وزوجاتنا وأخواتنا: أليس لامرأة مسلمة شغل في ذكر الله وحفظ كتابه؟ أليس لها في خدمة بيتها والعناية بأولادها غنية وكفاية عن الاشتغال بالاجتماعات التي امتلأت بتبادل صور المجلات، ومجلات الأزياء؟ وربما اجتمع بعضهن على شريط رقص وأخذن يرقصن عليه، العمر أثمن وأجل من هذا، حتى إن بعض البنات والنساء أصبحت تتأفف من أعمال المنزل، والأسرة، وأعمال الأنوثة، بل إن بعضهن اعترضت فقالت: يا ليت ربي ما خلقني أنثى، يا ليت ربي خلقني ذكراً، من شدة انشغالها في اللهو أو الحرام، وتبرمها بالواجب والمسئولية الملقاة على عواتق بعض الفتيات تتبرم بعضهن من خلقها وتكوينها وما هي عليه، وكأن هذا قدر خاطئ، أو كأنه أمر فيه ظلم لها ولا حول ولا قوة إلا بالله! أليس لفتاة الإسلام القدرة على أن تجعل من بيتها مركزاً دعوياً نشطاً تجمع فيه جاراتها وصويحباتها يقرأن فيه، يسمعن فيه، يتناقشن فيه، يحفظن فيه؟ هل يكون الإسلام همَّ فتياتنا بدرجة أولى؟ ثم هل تكون الدعوة هي الشغل العملي لبناتنا وأخواتنا؟

стр. 2908

وقفات مع أهل الأشغال المختلفة

стр. 2909

وقفة مع شباب الرياضة إن مهمة العمر عظيمة وخطيرة، إن مهمة العمر في زمن قصير، فهو قصير بالأكدار، وقصير بالآجال المفاجئة، وقصير لأن كل لذات الدنيا فانية حقيرة، فمن ذاق طعاماً انقلب غصصاً في جوفه حتى يتخلص منه، ومن ساغ شراباً انقلب حصراً في جوفه حتى يتخلص منه، ومن جلس مجلساً تبرم إذا طال المجلس حتى يقوم منه. إذاً فلذات الدنيا ذاتها مكدرة إذا طال العبد فيها، فما بالك بحال الدنيا والعبد مفارقها لا محالة، فالعمر قصير، واللذات مكدرة، ولكنا نعود ونقول لأولئك الشباب والفتيات: اسألوا الذين انشغلوا بالفن والطرب واللهو والكرة، اسألوا الذين قطعوا شوطاً بعيداً في كل ما سمعتم، اسأل نجماً رياضياً: هل كانت الرياضة مهمة يأنس إليها، ويركن ويطمئن ويتوكل عليها، ويرجو أن يموت عليها؟ على الرغم من اشتغال الجماهير به، المعجبين حوله، والكاميرات والفلاشات، وآلات التصوير، والصور الملونة في الصفحات الملونة في الجرائد والمجلات، كان ذلك النجم شغلاً شاغلاً للشباب في كراساتهم، وعلى طاولات دراساتهم، وكانت صور هؤلاء النجوم معلقة في حجرهم، وبعضهم تمنى أن تكون له صورة ولو بمكان قريب من ذلك النجم، سعدت تلك الأعين التي رأتك والأعين التي رأت من رآك. بعضهم لو قيل له: إن فلاناً جالس مع اللاعب أو النجم الفلاني لكبر خمساً تسعاً نسقاً، فكأنما هي مكرمة نالها بالجلوس مع صاحبه هذا، ومن يكون فلان الذي يأتي يوم القيامة وكل نفس بما كسبت رهينة، هل تنفعه أهدافه؟ هل تنفعه جولاته؟ هل تنفعه صولاته؟ اسأل أولئك النجوم وقل: هل ترجون أهدافكم ساعة الاحتضار؟ وهل ترجون مواقفكم وصدكم لهجمات الفريق المعادي لكم، هل ترجونها يوم نزع الروح؟ لا والله. كل يتبرأ من هذا كله، فلا ينظر أيمن وأشأم منه إلا ما يرجوه من رحمة الله وعمل صالح.

стр. 2910

وقفة مع شباب الفن اسألوا الفنانين: هل يرجوا أحدهم أن يلقى الله بمائة أغنية، أو بخمسين لحن؟ اسألوهم رغم ما وجدوا وعبروا في حال غفلة أنهم يعيشون الفن للفن، والطرب للطرب، والأغنية للذوق الرفيع، هل يرجون هذا لله جل وعلا؟ لقد جلس بعضهم ودار الكأس بين يديه -كأس خمر- ورقصت الراقصات أمامه، وطالت السهرة، وبزغ الفجر شاهداً عليه أنه أمضى ليله في معصية الله، قد عصى الله ببصر ولو كان كفيفاً ما استطاع، عصى الله بيد ولو كانت شلاء ما استطاع، عصى الله برجل ولو كان معوقاً ما استطاع، عصى الله بعافية ولو كان سقيماً ما استطاع. اسألوا التائبات والراقصات والممثلات اللائي يذكرن بكل مرارة سالف عهدهن بما فيه مما يستحى من ذكره، وما كان اشتغالهن بذلك شيئاً يرجى عند الله. اسألوا من شرب الخمر بأصنافها وأنواعها، معتقة صرفة أو مشوبة، ماذا أغنت عنهم يوم أن دنا الموت منهم؟ ماذا أغنت عن بعضهم يوم أن طعن في سنه معاقراً لها، فغلبته نفسه حتى ضعف عن تركها والتوبة منها؟ إنه لأمر عجيب! نجوم سطعوا ولمعوا ولحقتهم الصحف، وصورت صورهم على غلافات المجلات، وجعل لهم النصيب الأوفى، بل أصبحت صدور بعض النجوم دعاية تعرض بالأموال، فالذي يعلق دعاية مشروب أو غسيل أو صابون أو منتج على صدر اللاعب الفلاني، فإنه يدفع مبلغاً وقدره كذا وكذا ذلك النجم الذي أشغلت به وكالات الأنباء، أو بعض المراسلين في وكالات الأنباء، وشغل به صحفيون ومجلات ولقاءات وزيارات ومراسلات، وهدايا وأرصدة مفتوحة يهدى لهم فيها اسألوهم: ما هي نهاية المطاف؟ إنهم قد عبروا المحيط إلى آخره فما وجدوا إلا ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها. عبروا محيط الفن والرياضة والأفلام، ومحيط الإخراج السينمائي، ومحيط الشهرة والأضواء، فلما تلاطمت أمواج هذا، وسطع كل ما حولهم وجدوا أنهم إلى لا شيء، وفي غير شيء، في سراب وهراء، في رماد تذروه الرياح، في رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، في هباء منثور، في ضياع وضلال وخبال، أليس لشباب الإسلام في هؤلاء عبرة؟ أليس لهم فيهم عبرة وذكرى؟ ثم اعجب بعد ذلك -أخي الكريم- أن تجد بعض هؤلاء النجوم قد ترك كل هذه الانشغالات، وكل هذه النجومية وذلك اللموع، وعاد إلى الله تائباً منكسراً؛ لأنه لم يجد في ذلك كله شيئاً.
следующие страницы →