Полный текст (3 155 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
انتشار الخير وانحصار الشر دليل على البقاء
أيها الأحبة: إن الخطر على سفينة المجتمع قد لا يكون بكثرة الشر، بل إن انحصار الخير أيضاً من المخاطر التي ربما كانت سبباً في حلول مزيد من الشرور والآثام، ولا تقف الأمور عند حد معين، فينبغي أن نعلم تماماً أن حاجة الأمة إلى المزيد والبذل والمواصلة والعطاء الدائم المستمر حتى وإن انخفض منحنى بذل الأمة ودعمها شيئاً لا بد أن يستمر، المهم ألا يتوقف الخير بأي حال من الأحوال، وهذا يعني أن الخير لا بد أن يظهر وأن يفشو.
ومن علامات ظهور الخير وفشوه: نشاط جلي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وَجَدْتَ في الأمة نشاطاً جلياً واضحاً في الدعوة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاعلم أنها دلالة خير، وإن وَجَدْتَ الخير يخبو والإنكار ينتهي أو يقل أو يضمحل فاعلم أنها قرينة شر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لذلك يقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في هذا المعنى في رسالته إلى واليه على المدينة، قال: [وليفشُ العلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً] إذا قَلَّ الخير واضمحل حتى أصبح رجل خير أو داعية خير لا يمكن أن يعلم أو يتعلم أو ينفع إلا سراً فهي دلالة شر، أما إذا كان الخير ظاهراً والعلم منتشراً وظاهراً فهي دلالة خير، وهذا مما يحمِّل الأمة مسئولية الإعلان بالخير في كل مكان، حتى ولو لم يجتمع لك إلا واحد أو اثنان أو ثلاثة، المهم أن تعلم أن الخير ممكن وميسَّر ومستمر.
وعند هذه النقطة اسمحوا لي أن أعاتب بعض الذين قد نسجت العناكب على عيونهم وعقولهم خيوطاً، وكبَّلتهم عن التفكير، وقعدت بهم عن المضي في الدعوة إلى الله جل وعلا بحجة أنهم يخافون، إني أعلم أن أناساً يخافون من الدعوة إلى الله، والانتماء إليها، والانخراط في سلك الدعوة والعلماء والدعاة، ومناصحة الناس، ومخالطة الولاة، ومناصحة كل بقدر ما يحتاج، والثناء على كل بقدر ما يستحق، أناس يخشون من هذا ويهابونه هيبة عظيمة؛ لماذا؟ بحجة أنه خائف، ما الذي عندك؟ الله أعلم! إني أعجب من أناس ربما بعضهم لم يكتفِ بأن ينأى بل نهى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦].
في منطقة من المناطق شكى عدد من الشباب أن آباءهم يمنعونهم من الدعوة إلى الله والمشاركة فيها، والاشتراك في بذل الخير؛ سواء كان توزيع شريط أو طباعة كتاب أو اشتغال بأمر من أمور الدعوة، فإذا خاطب الشباب آباءهم وقالوا: لماذا تمنعوننا؟ قالوا: نخاف عليكم.
مم تخافون عليهم؟! هل في مراقدهم طائرات؟! وهل في وسائدهم متفجرات؟! وهل في مطابخهم بارجات ومدمرات؟! أمر عجيب جداً من أناس يخافون من الخير وهم لم يفعلوا للخير خطوة واحدة، يا أخي! مم تخشَ منه؟! هل قيل لك: وزع شريطاً ممنوعاً؟! إن الذي يتبنى توزيع الأشرطة الممنوعة لَهُوَ على خطأ كبير جداً، لكن عندك آلاف الأشرطة المسموحة، اشتغل وانشط، وامضِ وصِلْ، وأعطِ ووزع وانشر منها ما استطعت من خير فهذا من ضمانات وروافد استمرار الدعوة إلى الله جل وعلا، الكتاب الذي توزعه هل طبع في مطبعة يهودية أو مطبعة بعثية أو ضالة، طبع في بلاد مسلمة تحت رقم وتصريح من وزارة الإعلام، هل تتصور أن يوجد تناقض بأن الوزارة تسمح بطبعه ثم يُمْنَع من توزيعه، لا يمكن أن يُتَصَوَّر مثل هذا التناقض.
إذاً: فمن واجبك أن تنشط في الدعوة إلى الله، ولا تخشَ شيئاً، ولا تهب من قليل ولا كثير، إنك تعجب من بعض الشباب إذا كلمته قال: أنا مراقَب، وقلتُ هذا مراراً في أكثر من محاضرة، يا فلان ادعُ إلى الله، يا فلان أعطِ جارك شريطاً، يا فلان أعطِ طلابك شيئاً ينتفعون به، يا فلان إذا جاءك أقاربك وزع عليهم من الكتيبات والأشرطة، قال: أنا أخشى أن أراقَب، وممن تراقَب؟ ثم ماذا يعني؟ افترض أن ما تَوَهَّمْتَه صحيح:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدَّق ما يعتاده من توهُّمِ
هب أنك مراقَب، ثم ماذا؟ الحمد لله أنك مراقب، وأن صفحتك بيضاء.
يا أخي الكريم، ويا إخوتي الأفاضل، ينبغي أن نمارس الدعوة كما نشرب الماء يوم (١) شوال، هل يجوز لأحد أن يصوم يوم العيد؟ لا.
ينبغي أن تمارس العمل الدعوي كما تمارس شرب الماء في نهار (١) شوال، في نهار يوم العيد لا بد أن نلغي عن أنفسنا عقدة الخوف من الدعوة إلى الله جل وعلا، وإن كثيراً يملكون قدرة على الخطابة، ومواهب شعرية، وأقلاماً نثرية، وكلمات جيدة، وأساليب نافعة، وحوارات مقنعة، وخيراً كثيراً ينفع في الهداية والدعوة، ولكن تبقى العقدة: أخاف وأخشى وو إلى آخره.
يا أخي! مِمَّ تخش، اتقِ الله وتحرك وانفع هذه الأمة التي هي بحاجة إليك في الداخل وفي الخارج.
كذلك أيها الأحبة حينما تترك الأمةُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها على خطر عظيم، ولأجل ذا تتضح مثل هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦] إلى أن قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] نريد السلامة والأمن والطمأنينة والنعم والخيرات والنجاة من الهلكات والدركات؟ الأمر بالمعروف، الإصلاح، الدعوة بأساليبها وضوابطها.
стр. 317
المنكرات التي تعيشها المجتمعات
ثم إن المجتمعات في هذه السفينة: فيها منكر خفي.
وفيها منكر جلي.
فأما المنكرات الخفية:- فهي ما يفعله الناس سراً، فلا يجوز لأحد أن يتلصص على أحد، بل لو علمتَ وأنت من سائر الناس رجلاً يستتر بمعصية من المعاصي فإن المشروع لك أن تناصحه ما استطعت في ذلك سراً، إلا إذا جاهر أو جعل من بيته وكراً ومركزاً لتصدير الفساد وتجميعه فحينئذ أصبح من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فالواجب إبلاغ المسئولين أو الهيئات عنه.
المنكرات الخفية شيء والمنكرات الظاهرة شيء.
أخطر ما يواجه السفينة المنكرات العلنية الظاهرة، إذ أن فعل أصحابها لها دون خوف من الله ولا حياء من خلقه وسكوت الباقين عنها أمر خطير، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] في الظلم الجلي، في المنكرات الواضحة، إلا إذا كان في الأمة من يناصح، فحينئذ يدفع الله البلاء عن الأمة بفضل منه ومِنَّة، ثم بغيرة وإنكار أهل الغيرة.
بوب الإمام مالك ﵀ في الموطأ: باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة، وذكر أثراً عن عمر بن عبد العزيز ﵁، قال فيه: [إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمِل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم] ويؤيد ذلك بل دليله حديث النبي ﷺ الذي هو عند الترمذي، والإمام أحمد، عن حذيفة بن اليمان قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم).
أيها الأحبة: هذه من المصائب الخطيرة التي تنذر بهلاك السفينة حينما يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإننا في هذا المقام لنسجل بكل فخر واعتزاز أن بلادنا هذه هي البلاد الوحيدة التي بها جهاز مسئول رئيسه برتبة وزير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحاجتنا أن ندعمه وأن نؤيده بالتسديد والنصيحة والرأي والفكرة، ولا يعني ذلك حينما يوجد جهاز أن المنكر انتهى، لا.
يوجد جهاز فيه خير كثير، ويوجد منكر نخشى منه شراً مستطيراً، ولكن واجبنا أن نثني على هذا وأن ندعمه ونؤيده ونسدده، ونجتهد في مناصحة أهل المنكر حتى تسلم الأمة من غوائل هذه المنكرات وسوء مغبة أمورها.
أود أن أختصر هذه البقية حتى يكود باقي الوقت للأسئلة.
أيها الأحبة: إن التساهل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطير جداً جداً، ويورث في الأمة البطالة والفساد والانحراف، وانتشار أمراض اجتماعية، وأحقاد وحسد وتباغض وتنابذ، وأمور لا تُحمد عاقبتها، لماذا؟ لأن الناس إذا تركوا إنكار المنكر، معنى ذلك أنهم قد رضوا بواقعهم، إذا رأيت من لا يرضى أن يُنْكَر منكراً ولا يتكلم عن منكر؛ فاعلم أنه قد رضي بواقعه رضىً لا يَوَدُّ أن يغير من حاله، نعم كونك ترضى عن نفسك وترجو المزيد هذا شيء؛ لكن الرضا الذي ليس بعده شيء ولا تتوقع أنه يمكن أن تحقق شيئاً أفضل منه هذا هو الخطر.
إذاً: فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطر، أو نذير شؤم أن يرضى الناس وأن يطمئنوا بما عندهم، وأن يسكتوا عن إنكار منكرات مختلفة.
أما بقية المسائل فلعلها لمحاضرة قادمة، ألا وهي فيما يتعلق بمراتب الإنكار، ووسائل الإنكار، ومقاصد الإنكار، وحقوق المنكرين، أو حقوق المحتسبة القائمين على مثل هذا، ومعوقات في هذا الطريق، لعل أن يكون نصيبها في محاضرة أخرى بإذن الله تعالى.
أسأل الله جل وعلا أن يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 318
بيان لابن باز بشأن البدع
عفواً! فضيلة الشيخ/ محمد بن إبراهيم الشعلان طلب مني قراءة هذه الرسالة من سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارات البحوث العلمية والإفتاء سماحة الوالد الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز متع الله به على طاعته.
الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد اطلعتُ على نشرة مصدَّرة بما نصه: قال رسول الله ﷺ : يا علي! لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء، وهي: قراءة القرآن كله.
والتصدق بأربعة آلاف درهم.
وزيارة الكعبة.
-هذه وصية مكذوبة وخرافة من الخرافات التي يرددها ويروجها بعض الضلال والجهلة والمساكين والسذج والبسطاء، فأرسل سماحة الشيخ رسالة للتحذير من هذا وهي: يا علي! لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء: قراءة القرآن.
والتصدق بأربعة آلاف درهم.
وزيارة الكعبة.
وحفظ مكانك في الجنة.
وإرضاء الخصوم.
إلى آخر ما تضمنته النشرة.
يقول سماحة الشيخ: ولكون ما تضمنته هذه النشرة لم يرد في كتاب من كتب الحديث المعتمدة بل هو من الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ ، وقد نص بعض أهل العلم ﵏ على أن الوصايا المنسوبة إلى النبي ﷺ أنه أوصى بها علياًَ وكل ما صدر بياء النداء من الرسول لـ علي كلها موضوعة، ما عدا قوله ﷺ : (يا علي! أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي).
وممن نصَّ على ذلك الشيخ/ ملا علي القاري في كتاب الأسرار المرفوعة بالأخبار الموضوعة المعروف بـ الموضوعات الكبرى، والشيخ/ إسماعيل العجلوني في كتابه كشف الخفاء ومزيل الإلباس.
ولذلك فإني أحذر إخواني المسلمين من الاغترار بهذا الحديث وأمثاله من الأخبار الموضوعة، أو العمل على طبعها، أو نشرها بين المسلمين؛ لما في ذلك من تضليل العامة والتلبيس عليهم، والكذب على رسول الله ﷺ الذي وُعِدَ المتعمد له بالوعيد العظيم، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: (إن كذباًَ عليَّ ليس ككذب على غيري، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
وقال: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).
وفي الأخبار الصحيحة عن الرسول ﷺ والمدونة في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح، والسنن، والمسانيد غنية لمن وفقه الله إلى الخير عن اللجوء إلى أخبار الكذابين والوضاعين -يعني: فيما صح من السنة غنية عن الأحاديث الموضوعة وغيرها-.
أسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع والعلم الصالح، ويجنب الجميع طرق الضلال والانحراف إنه سميع قريب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية.
стр. 319
الأسئلة
стр. 320
طلب تسجيل النونية على شريط
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخبرك أني أحبك في الله.
أما بعد: فقد سمعت لك محاضرة بعنوان: (دار المتقين) وذكرت أبياتاً من نونية ابن القيم ﵀ وكانت مؤثرة جداً فحبذا لو كانت النونية كاملة بصوتك يا شيخ، وأسأل الله أن ينفعنا وإياك بها وجزاك الله خيراً؟
الجواب
لعل الله يسهل اختيار شيءٍ من أبيات النونية وتُسَجَّل في شريط، أسأل الله أن ينفع بها قائلها وسامعها.
стр. 321
علاج إطلاق البصر
السؤال
إيماني ينقص، وذلك أنني أطلق بصري في النظر إلى النساء، رغم أنني متزوج فما هو الحل؟
الجواب
الحل جلي وهو أن تكف عن هذا المنكر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] غض البصر أمر مطلوب من الرجال والنساء على حد سواء:
وكنتَ متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعَبَتْكَ المناظرُ
رأيتَ الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنتَ صابرُ
إطلاق البصر أمر يمرض القلب ويجعل الإنسان في وحشة وقسوة، حتى إذا صلى لم يجد لذة لآية، ولذلك قال ابن المبارك: [واترك فضول النظر توفق إلى الخشوع].
стр. 322
الصلاح والفساد في كل زمان ومكان
السؤال
يؤسفني أن أقول: إنني خرجت من المحاضرة بشعور أن مجتمعنا جيد وأنه أفضل الموجود، ووقوع المعاصي فيه أمر طبيعي، فالمحاضرة شدَّدَت كثيراً على وجود الصلاح، ولم تبيِّن مثل ذلك عند الفساد، فأين العدل في المحاضرة؟
الجواب
أظن أن هذا الشعور لا يولد الإنكار والأمر بالمعروف، وكما أظن أنه من الأفضل أن نوازن في ذلك كما طلبتَ، ولو أن صاحبنا انتظر حتى تنتهي المحاضرة لسمع العدل الذي يرجوه.
لا تعجلن برد شيء لم تحط علماً به
هذه من المشكلات التي ربما واجهتنا من بعض أحبابنا وإخواننا، وإني أدعوكم أن تؤمنوا: أسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، وأن يوفقه، وأن يصلح قلبي وقلبه، من واجبنا أن لا نحمل في قلوبنا على أحد؛ لكن عند بعض الشباب مشكلة، إن لم تبدأ (بشرشحة) المجتمع على الطريقة التفصيلية وإلا فلن يطرب لنغمة أنت تعزف عليها، لا، إن حاجة الأمة أن تنظر بميزان عدل كما قلنا، ولو خرج كل مَن في المحاضرة ولم يبقَ إلا واحدٌ فإن هذا المنهج أُدِيْنُ لله جل وعلا به، وأتعبد الله به، وعرفته من سماحة الشيخ ابن باز ولن يغيره أن يخرج واحد.
والحمد لله أنه لم يخرج من المحاضرة إلا واحدٌ وبقية أهل المسجد جالسون مستمعون فهي شهادة ممن بقي، وأسأل الله أن يرد من خرج ثانية.
стр. 323
دعم أهل الباطل لباطلهم وتقاعس المسلمين عن حقهم
السؤال
إن الدعم المستمر من أصحاب المصانع والشركات في أمريكا وأوروبا لليهود، وإن أحدهم يقوم بشراء قطعة أرض لإقامة كنيسة وغير ذلك، لكن هنا مع الأسف أصحاب الشركات والمصانع لا يقدمون إلا القليل، وفي مناسبات معينة؟
الجواب
على أية حال: البذل في سبيل الدعوة ونشر الخير من الأمور المهمة ومن واجبات المسلمين، وليس هذا تفضلاً منهم بل هو مما أوجب الله عليهم، لكن من حُرِمَ ولا حول ولا قوة إلا بالله فإنما يجمع أرقماً في رصيده.
أنت حينما تناقش رجلاً من الأثرياء يملك عشرة ملايين، أو عشرين مليوناً، أظن لو نقصت مليون ما غيَّرَتْ من ملابسه ولا من سيارته ولا من طعامه ولا من شرابه، القضية هو اختلاف الأرقام في الرصيد، وطباعة كشف الحساب الدوري بصيغة جديدة لا أقل ولا أكثر، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨].
إننا بحاجة إلى أن نواصل الزيارة والمقابلة لأصحاب الأموال والمؤسسات والشركات لنقول لهم: إن الريالات التي تملكونها لو أنفقتم الكثير منها أو شيئاً منها ليس بالكثير لغيرتم، بل إن بعض المسلمين لو أنفق زكاته لأحدثت انقلابات في دول مختلفة.
أنا أعلم أن بعض البلدان التي يؤذى فيها المسلمون لو صُرِف إليها زكاة واحد من التجار الذين يعدُّون لغيرت الأحوال بإذن الله فيها، لا أقول الأمور كلها؛ إذ الأموال ليست كل شيء، الرجال هم العملة النادرة الصعبة التي نحتاج إليها في كل مكان.
لأجل ذلك حينما يدبر بعض أصحاب المؤسسات إلى شراء القصور وشراء الاستراحات أو إلى أماكن مختلفة في أوروبا وغيرها ويعرضون عن المشاركة في الجهاد أو الدعم فليس هذا يعني أن ننتقدهم بل ننتقد هذا الفعل؛ الإعراض عن البذل في الخير منتقد، ولكن الخطوة التي هي أهم أن نواصلهم بالزيارة والعطاء.
والشيء بالشيء يُذكر: حدثني أحد الإخوة عن رجل ممن يسمونهم مِلْتِيْمِلْيونير، قال: إنه ذهب إلى مدير أعماله وقال: إنك تعلم أن فلاناً قد جاوز السبعين، وأعمار الأمة بين الستين إلى السبعين فانصح فلاناً أن يجعل ربع أو ثلث ماله في مكافحة التنصير، فهذا ينفعه، أما إن مات فيقتسمه أربعة أو خمسة من الورثة، وقد جمع مالاً يحاسب عليه ولم يوصِ بشيء منه لله ورسوله، فضحك مدير أعماله وقال: عساه أن يقوم بأدنى الواجبات فضلاً عن أن يقبل بهذا كله.
على أية حال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣] لعل الله أن يهديه، لعل الله يمنُّ عليه في آخر حياته -والأعمال بالخواتيم- فيوصي بشيء من هذه الأموال في سبيل الله جل وعلا.
إذا أردت يا أخي الحبيب أن تعرف أهمية وخطورة أموال المسلمين وأثرها في مجتمعات لو سُخِّرت الأموال فيها لنفعت خذ الدليل الإحصائي السنوي لمؤسسة النقد العربي السعودي، اجمع ودائع البنوك، واضربها في اثنين ونصف في الزكاة، وانظر كم يطلع عندك من مليار، لو صُرِفَت المليارات على الفقراء في الداخل والخارج لما بقي في الداخل فقيراً ولا محتاجاً.
стр. 324
صرف بطاقات فورية من بنوك ربوية
السؤال
فضيلة الشيخ: أشهد الله على محبتكم فيه، ما رأيكم في من فتح حساباً في شركة الراجحي المصرفية، وأخذ بطاقة صرف فورية، فهل في صرفه من أي بنك آخر إثمٌ أم لا؟ والله يحفظكم.
الجواب
الذي يظهر إن شاء الله أن ليس في هذا حرج.
стр. 325
فشو الشرك في العالم الإسلامي
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحياناً يا فضيلة الشيخ! تتكلم عن الدول الإسلامية غير المملكة وكأنها لا يوجد فيها توحيد، وأن التوحيد تفرد به أهل هذه البلاد، وهذا يغضب بعض الإخوة الأفاضل من البلاد الأخرى، وأدعو الله تعالى أن لا تفهم كلامي فهماً خاطئاً، فإني والله أحبك في الله، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هناك بلاداً فيها صحوة طيبة ودعوة إلى التوحيد والإسلام؟
الجواب
يا أخي الكريم! لو لم نعتقد ونتيقن ونعلم أن في كثير من البلدان صحوة سلفية صحيحة مسدَّدة راشدة لما سافرنا وقابلنا وزرنا وتعاونا مع أحبابنا.
نحن نعلم في كثير من البلدان مثلما تقول من الخير والصواب والهدى؛ لكن نحن ننتقد ما يوجد من الشرك الواضح الصراح فيها؛ لكن حينما نذكر شركاً موجوداً أو كفراً بواحاً هل يعني ذلك أن ننكر وجود طائفة على منهج سليم وصراط مستقيم؟! لا وألف لا، بل نعلم أن في كثير من البلدان من العلماء والدعاة والأبرار والأخيار من نحسبهم ولا نزكي على الله أحداً من ذوي الخير وأهل الخير والدعاة إليه.
стр. 326
حكم من يرغم زوجته على التبرج
السؤال
رجل تزوج منذ زمن من امرأة تخاف الله وملتزمة بأوامره، وما كان منه إلا أن أمرها بصفات منها: أن تظهر بعض جمالها! أرجو التوجيه وشكراً!
الجواب
كان عليه أن يخوفها بالله جل وعلا، وأن يكثر من ذلك وأن يبين لها أن ما كانت سبباً فيه بفتنة شاب من الشباب أو ضلالته أو وقوعه في الفاحشة فربما لَحِقَها إثم ووزر بسبب ذلك و (من دعا إلى ضلالة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
стр. 327
هيئة الحجاب الشرعي
السؤال
وهذا يسأل عن النقاب الذي انتشر بين بعض النساء هداهن الله؟
الجواب
بالنسبة لمسألة النقاب فالمسألة مرتبطة بالمقاصد: إذا كان مقصد المرأة أن تبصر بوضوح فلها أن تفتح شيئاً يسيراً بقدر بؤبؤ العين أو حدقتها، لا بقدر ما يبين رمشاً وجفناً وحاجباً وشيئاً من الخد والأنف والجبين فهذا ليس بنقاب بل هذا فتنة والعياذ بالله، تحدٍّ، بل استفزاز -بالعبارة الصريحة- لبعض الضعفاء والمساكين.
وربما يكفي في النقاب أن تخرج عيناً واحدة، لا يلزم أن تخرج الثنتين جميعاً، أما ما يفعله كثير من النساء الآن وللأسف أنك تجد بعضهن مع زوج فيه خير وصلاح، لكن قد بدا من أعلى الحاجب إلى أدنى الخد شيء كثير، فهذا فتنة وعليها وعلى زوجها أن يتقيا الله جل وعلا.
стр. 328
سفينة بدشوش تغرق
السؤال
ما رأيكم في السفينة التي فيها دشوش؟
الجواب
يبدو أن أصحاب السفينة يتفرجون يا أخي، إذا كانت هذه السفينة فيها دشوش! على أية حال: الله المستعان! يا أخي الكريم: هناك مخاطر، لا شك أن هذا الدش خطر عظيم، لن نمر عليه مرور الكرام حتى نتساهل به أو نظن أنه يسير؛ بل منذ يومين فقط جاءني شاب وأخبرني بقصة آلمتني وهي: أن شاباً وقع على أخته بسبب مثل هذه الدشوش، وطلب مني أن أفصلها في خطبة جمعة، قلت: اعذرني من مثل هذا الكلام، فإنه لا يقال بالتفصيل على منبر جمعة؛ لكن يذكر مغبة مثل هذا الأمر.
آخر يذكر عن أخت صغيرة له، أنها تعمل حركات خليعة، فلما سئلت إذ بها لا تعلم ما تفعل، وإنما قالت: رأيت في القناة الفلانية.
نعم، هذه الدشوش قد فتحت الشر على الناس من أبوابه.
فنسأل الله أن يجنبنا شرها، وعلينا أن نناصح من رأيناه قد ركبها، وإن احتج بالأخبار فهناك أجهزة الإذاعة والراديو تأتي بالأخبار، ثم ماذا إذا علمت الأخبار؟! بعض الناس يقول: أنا والله ما عندي وما لي حاجة في الصور، لو سلمنا أنك صادق فيما تدعي وتزعم؛ ماذا وراء الأخبار؟! هل تخرج قوات الأمم المتحدة من الصومال؟! هل تتدخل في مفاوضات السلام في البوسنة؟! هل تغير شيئاً من الأوضاع في كمبوديا؟! تسمع من الأخبار ثم تعود إلى فراشك كالفرخ المضروب، ما عندك أي حس، ما عندك أي قدرة أن تفعل شيئاً.
فإذاً الأخبار التي تهمك أخبار المسلمين، ينبغي عليك أن تدعو لهم، وأن تبذل لهم، أما هذا الهراء الذي يدعيه بعض الناس، نعم قد أستثني أناساً ربما في دوائر عسكرية وسياسية في مركز العمل نفسه، ضرورة العمل الأمني تستدعي أن يعرفوا ماذا عند الدول الأخرى، ماذا تقول أخبار الدول الأخرى، ماذا تقول إذاعات الدول الأخرى، استراتيجيات وأعمال أمنية للمختصين أن يفعلوا بهذا؛ لكن أن يوجد هذا عند الناس جميعاً، بل ويتباهى بعضهم بدشين وثلاثة وأربعة، وبعضهم إذا قلت له، قال: يا أخي! أنت تفكر بعقلية العصر المتخلف، لماذا لا تقنعنا بأن نأتي بالبديل الذي نقنع به الغرب ويسلمون، ما هذا الكلام الفارغ، أنت ما استطعت أن تعبئ الإعلام تعبئة كاملة في دول إسلامية فضلاً عن أن تجادل الغرب بأمور تصرفهم عن خطوات بل عن سنين تقدموا فيها هناك، نحن بحاجة أن نكون موضوعيين في مثل هذه القضية، والسفينة فيها دشوش، وفيها ما هو شر من الدشوش، وفيها خير كثير، نسأل الله أن يكثر الخير وأن يزيده وأن يمحو الشر وأن يبعده.
стр. 329
هجران من يمتلك دشاً
السؤال
لي قريب قد ركب على سطح داره دشاً، ولقد حاولت نصحه ولكن دون فائدة، فقررت قطعه من الزيارة، وأنا منذ ركبه لم أزره، فما رأي فضيلتكم جزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا يرتبط بالمصلحة، إذا رأيت أن قطيعته تجدي وتنفع بإذن الله فأنت محق، محمودٌ فعلُك في قطيعته، وإذا رأيت أن قطيعته ربما أحدثت له زيادة دشوش أخرى بل ترويج أو نشر أو زيادة فعليك أن تنكر ما ترى من فعله وأن تستمر في مناصحته بالخير الذي تستطيعه: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧].
وفضيلة الشيخ يؤشر أن الوقت انتهى.
فنكتفي بهذا.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر الشرك والمشركين، وأن يؤمِّنَنا في دورنا، وأن يصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأن يجمع شملنا وحكامنا ودعاتنا وعلماءنا، وألا يفرح علينا عدواً، ولا يشمت بنا حاسداً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 330
الموت
الموت حقيقة غفل عنها كثير من المسلمين، فتراهم في دنياهم غافلين، قد ألهتهم الدنيا بما فيها من متاع وزخرف، فأصبحوا يتسابقون إليها ليلاً ونهاراً حتى غفلوا عن آخرتهم والإعداد لها، وما علموا أن في الآخرة أموراً تشيب لها الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها فالله الله في التوبة والرجوع إلى الله.
стр. 331
حقيقة الموت
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين! هناك ساعةٌ يحب ذكرها الأخيار، ويشتاق لما بعدها الأبرار، ويكره سماعها المترفون والفجار، هناك ساعة لا بد لكل عبد أن يلجها وأحداثها، وما قبلها وما بعدها، وربما كانت بدايةً إلى خلود أبدي، وربما كانت نهاية إلى شقاء سرمدي، تلكم ساعة لا يغفل عنها العقلاء، ويتذكرها أولوا الألباب، ويستعد لها أولو الحجى، وتلكم ساعة يغفل عنها الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، وأعطوا النفوس أمانيها، وأسلموها لأهوائها، وانقادوا لشهواتها.
هذه الساعة يا عباد الله! جاء جبريل ﵇ مذكراً إمام الذاكرين محمد بن عبد الله ﷺ ، إذ يقول الحبيب المصطفى: (جاءني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).
أيها الأحبة! لا أظن واحداً منكم قد خفيت عليه بعد هذه الساعة، فهي ساعة المنية، فهي ساعة الأجل، وهي ساعة الموت، يوم يبكي الأحباب، ويعجز الأصحاب، ويحار الأطباء، ويطرق العقلاء، ويدرك القوم أن الذي بين أيديهم ليس له نجدة، وليس لرقبته خلاص، ولا لأمره فكاك؛ إلا برحمة من الله ثم ما قدمه من عمل صالح.
في تلك الساعة يستوي من يموت في قصر منيف، أو يموت في حجرةٍ ضيقة، ويستوي من يموت وقد خلَّف أموالاً طائلة، وربما سعد من مات ولم يخلف ريالاً ولا ديناراً، يستوي من يموت وحوله ولد وزوجة، ومن يموت وحوله حشم وخدم، إذ الكل عاجز أن يقدم لهذا الطريح شيئاً.
كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول
أين نمرود وفرعون ومن ملك الأرض وولى وعزل
إنه الموت:
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في السما وفي علمنا أنا نموت وتخرب
أيها الأحبة في الله! الموت على وضوح شأنه سرٌ من الأسرار تحير به الألباب، وأذهلت به العقول، واندهش له الأطباء.
الموت كلمة ترتج لها القلوب، وتقشعر منها الجلود، ما ذكر في قوم فيهم بقية من إيمان إلا ملكتهم الخشية، وأخذتهم العبرة، وأحسوا بالتفريط، وشعروا بالتقصير، فندموا على ما مضى، وأنابوا إلى ربهم.
ألا وإن نسيان الموت وتناسيه، وكراهة ذكره والتشاغل عن أمره بلاء عظيم، وشر مستطير، فما نسي الموت أحدٌ إلا طغى وبغى، وما غفل عن الموت امرؤ إلا غوى، وحري بكل مسلم أن يتذكره، إذ قال ﷺ : (أكثروا من ذكر هاذم اللذات).
الموت: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] أمر كتبه الله في هذه الدنيا، حتى نشتاق إلى دار لا موت فيها: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
стр. 332
الفرق بين المؤمن والكافر في الموت وما بعده
أيها الأحبة! روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس) وهذا الحديث أود يا معاشر الأحبة! أن نسمع كلماته، وأن نتأمل عباراته، ونحن نتخيل أننا متمددون على الفرش، وأننا أهل هذا الحديث، وأننا ممن يخشى سوء ما فيه، ويرجو نعيماً ورد فيه، وأننا أول من يعنى به؛ لأن بعض المصلين يحضر بقالبه، وأما قلبه فلا يزال في بيته، وبعض المصلين يحضر بجسمه، وأما عقله وفكره فلا يزال في دكانه وبيته.
والعبرة والتذكرة لمن سمع بأذنه، وأطرق برأسه، وتأمل بقلبه: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] فتخيل نفسك الآن وأنت على فراش الموت، ساعة لك الحق بل عليك بل يجب أن تتخيلها، لو قلنا إنك تسافر إلى بلدٍ بعيدة، لتخيلت وصولك، وتخيلت سكنك، وتخيلت مسيرك، وتلك رحلة لا بد منها، فلماذا تأبى أن تتخيلها؟ لماذا تزور ولا تريد أن تتخيل نفسك في حالها ومآلها؟ أيها الأحبة! قال ﷺ : (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ على الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ويجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة ورضوان، فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، فيأخذها فإذا أخذها ملك الموت لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منه كأطيب نفحة مسكٍ وجدت على وجه الأرض، ويصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولان: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا.
حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان: ما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته، فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة.
قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجلٌ حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الحسن، يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، نزل إليه ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، يجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق روحه في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج منها كأنتن جيفة وجدت على الأرض.
فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح لها، فلا يفتح له، ثم قرأ ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم تطرح روحه طرحاً، ثم قرأ قول الله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فينادي منادٍ من السماء، أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت، فوجهك الوجه القبيح، الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة) رواه الإمام أحمد.
أيها الأحبة في الله! هذا مصيرٌ سنواجهه، وكلٌ سينال من الكرامة أو من الهوان بقدر صلاحه أو فسقه، بقدر إنابته أو مخالفته، بقدر خضوعه لله أو تكبره عن أوامر الله .
فلماذا الغفلة؟ ولماذا التمادي وقد مر من الأعمار ما مر، وعشنا في هذه الدنيا ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءنا النذير؟ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 333
حال السلف مع الموت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين! لقد كان حال السلف مع أنهم أحسنوا الإعداد، واستعدوا أطيب الاستعداد، كانوا يخافون من الموت، فإذا ذكروا به تذكروا، وإذا زجروا به انزجروا، وإذا وعظوا به اتعظوا، وأما نحن في هذا الزمان، فكم والله رأينا بأعيننا أقواماً غافلين في المقابر يتضاحكون، وإذا مرت الجنائز أمام أبصارهم لا ينتبهون ولا يتدبرون، وإذا ذكر الموت في مجالسهم أعرضوا عن هذا، ولا يحبون من يذكرهم هذه النهاية، لا يحبون من يخبرهم بالحقيقة، لا يحبون من يذكرهم بالأجل، ولكن يعجبهم الذي يخادعهم، ويزور عليهم، ويضحك بعقولهم، ويستخف بأفئدتهم، يحبون الذي يسخر بهم، فيمنيهم فيما يتركون، ويبعدهم عما ينتظرهم ويدركون.
لما تولى عمر بن عبد العزيز وخطب خطبة الخلافة، ذهب يتبوأ مقيلاً، أي: يبحث عن ضل ليقيل فيه القيلولة، فأتاه ابنه عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين! من لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقال عمر: ادن مني أي بني! فدنى منه فالتزمه، وقبل ما بين عينيه، فقال: الحمد الله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني، فخرج ولم يقل، وأمر منادياً له أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها.
وقال بعض الناس: دخلنا على عطاء السلمي، نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له: كيف حالك؟ فقال عطاء: الموت في عنقي، والقبر في يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي، ثم بكى بكاءً شديداً حتى أغشي عليه، فلما أفاق، قال: اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الرحمين.
ودخل المزني عند الإمام الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟! فقال: أصبحت عن الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى ربي وارداً، ولا أدري أروحي صائرة إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها؟ وقال بعض الحكماء: ما زالت المنون ترمي عن أقواس حتى طاحت الجسوم والأنفس، وتبدلت النعم بكثرة الألبس، واستوى في القبور الأذناب والأرؤس، وصار الرئيس كأنه قط لم يرأس، فمن عامل الدنيا خسر، ومن حمل في صف طلبها كسر، وإن خلاص محبها منها عسر، وكل عاشقيها قد قيد وأسر: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].
стр. 334
نداء للعودة إلى الله قبل نزول الموت
فيا أيها المسلم! يا تائهاً بوادي الهوى! انزل ساعة بوادي الفكر يخبرك بأن اللذة قصيرة، والعقاب طويل.
وا عجباً لمن يشتري شهوة ساعة بالغم والنكد! كانت المعصية ساعة لا كانت، فكم ذلت بعدها النفس، وكم تصاعد لأجلها النفَّس، وكم جرى لتذكارها دمع، أعاذنا الله وإياكم من الغفلة وسوء المنقلب.
فيا أيها الأحبة! إلى كل غافل: عد قبل أن تتذكر عند الموت.
وإلى كل ظالم: رد الحقوق إلى أهلها قبل أن تقول: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون:١٠] لترد حقوقاً إلى أهلها.
وإلى كل بخيل شحيح أمسك المال عن أوامر الله ومصارفه، نقول له: أنفق قبل أن تقول: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠].
وإلى كل متمادٍ في غوائه، وإلى كل سكران في غيه وغفلته، نقول: عد قبل أن تفيق في معسكر الأموات، نقول: عد قبل أن يكشف عنك بصر حديد: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] وإلى كل مغرور بجلسائه وخلانه نقول: تيقظ قبل أن يتبرأ بعضكم من بعض فتقول: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩].
إلى كل من طغى وبغى وغفل وتمادى، إن الموت هو النهاية، وإن الموت هو الغاية، كم تحت هذه الأرض من الأثرياء، ما دفن معهم من ثرواتهم شيء، بل تقاسم ورثتهم أموالهم، وكم تحت هذه الأرض من عالم، ومن صالح، ومن عابد، ومن مجاهد، ومن منفق، ومن حاكم عادل، كم تحت هذه الأرض من أناس مضوا في طاعة الله، فما استطاع أحدٌ أن يقتسم من أعمالهم الصالحة حسنة واحدة.
إن الورثة بعدك يتقاسمون أموالك، لكنهم لا يتقاسمون أعمالك، هل سمعتم أن ورثة جاءوا ليقتسموا صيام آبائهم، أو حج أمهاتهم، أو صدقات زوجاتهم وأزواجهم، لا.
إنما جاءوا ليتقاسموا أموالهم من بعدهم، أما العمل الصالح فهو لك وحدك، لا شريك لك في هذا العمل، أنت تملكه، والله هو الذي يتقبله، حينما تكون نيتك صالحة خالصة، أردت بها وجه الله .
فيا أيها الأحباب! عوداً عوداً إلى الله، ورجوعاً رجوعاً إلى التوبة، وإنابة إنابة، فإن اللذات التي يتسابق فيها الغافلون لذات زائلة، ويبقى وزرها، وإن التعب والمجاهدة التي يكابدها الصالحون تعباً منسيا، ويبقى أجورها.
اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكر لأيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفل
إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل
وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جلل
اللهم ارزقنا الاستدراك قبل الفوات، والاستعداد قبل الممات، اللهم ثبتنا على طاعتك إلى أن نلقاك، اللهم لا تمتنا على غفلة، اللهم لا تأخذنا على غرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم إنا نسألك عيشة هنيئة، وميتة سوية، ومرداً مرضياً، ومنقلباً مرضياً غير مخز ولا فاضح، برحمتك يا رب العالمين، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشد يعز فيها أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، اللهم لا تشمت بنا عدواً، ولا تفرح علينا حاسداً، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع كلمتنا، اللهم وحد صفنا، برحمتك يا رب العالمين.
اللهم صلِّ على محمد وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 335
الكذب
الكذب آفة تفتك بالمجتمع، تتسلل إلى نقلة الأخبار، وحملة الأفكار، فتؤدي إلى إشكالات كثيرة.
لذلك كان التثبت عند سماع الخبر ونقله واجبا، وكاد أن يكون غير المتثبت كاذبا.
وفي هذه الخطبة نفي لأي مصلحة مدعاة تأتي من وراء الكذب، وفيها حصر جواز الكذب على ما ورد في الشريعة.
كما اشتملت الخطبة الثانية على بعض ما يجب على من حضر مجالس القيل والقال.
стр. 336
محذورات نقل الأخبار
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين! لقد من الله على أمة الإسلام بصحوة ويقظة بعد غفوة وغفلة، ومن أبرز ملامح تلك الصحوة هذا الجيل العائد إلى الله من كل جهات الدنيا ومجالاتها، وفي شتى وظائفها وتخصصاتها، ولكن ما أحوج هذا الجيل إلى التفكير قبل العمل، وإلى التثبت قبل النقل، وإلى المناصحة عند الزلل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦].
واعلموا يا عباد الله! أنه إن لم يتناصح المؤمنون فيما بينهم، فلينتقدنهم العدو، وليشمتن بهم الحاسد، وليجدن المرجف إلى عقر دارهم سبيلا، وإن مما ابتلي به كثيرٌ من المسلمين، الفرح والعجلة بنقل الأخبار، ونشرها في المجالس، وجعلها محور الحديث بين القاعدين، ثم لا تسل بعد ذلك عن الزيادات والحواشي والشروح، والدخول في المقاصد والنيات التي لا يعلمها إلا الله .
عباد الله! لقد تعددت وتنوعت وسائل نقل الأخبار والأقوال، فضلاً عن سرعة وصولها، وبات الخبر الذي يصبح في شرق الدنيا، يضحي في مغربها، والمهم في حديثنا اليوم هو ما الذي يصح، وما الذي يثبت من هذا الكم الهائل من المعلومات، وما تتناقله الألسنة، وقديماً قال العلامة ابن خلدون يرحمه الله: فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل، والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين وسليل.
ولما فشا نقل الكلام، ومرض نقل الأخبار، لما فشا هذا الداء العضال في صفوف كثيرٍ من المسلمين إلا من عصم الله ورحم، بتنا نسمع كلاماً ينقل، تثور له ضغائن النفوس، وتتمزق له أواصر الأخوة والمحبة، ومن قدر على العفو، لم يقدر على حفظ المودة من المنغصات، أو تصدع جدرانها.
فيا أخي:
احرص على حفظ القلوب من الأذى فرجوعها بعد التنافر يصعب
إن النفوس إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يشعب
стр. 337
واجب التثبت عند نقل الأخبار وسماعها
لقد بلغ الداء في فريق من المسلمين، أن بات تصديقهم للقيل والقال في الرجال والأحوال، أسرع من تسلميهم للأمر عن الله ورسوله، ولو أنهم قالوا للناقل والساعي، ولمن جاء يتملق بالحديث أو يتشدق أو يتفيهق به، لو أنهم قالوا للناقل: من أين لك هذا؟ وما مصدر الخبر؟ لأسقط في يد الناقل، ولرأيت كثيراً من الناس يعتمد في نقله على مثل فعله من القيل والقال، أو يعتمد على الشائعات والمنشورات، أو الاستنتاج والقول باللوازم.
وبعضهم إذا قيل له: من أين لك هذا؟ وما مصدر كلامك؟ وما أصل نقله؟ قال: أخبرني فلان عن فلان عن فلان، ثم لم تلبث أن تسمع وترى سنداً يروي فيه الكذوب عن المدلس، عن صاحب الهوى، عن سيئ الحفظ، عن الصدوق، فلا يبلغ الخبر إلا بعد الزيادة والحذف والاضطراب والخلل والتأويل، ثم يتناقله السرعان من الناس، وما أرسلوا على الناس حافظين، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من الكف عن القيل والقال، لكان خيراً لهم وأقوم وأشد تثبيتا.
إن كثيراً من الأخبار التي يتناقلها البعض عن إخوانهم أو أترابهم، وربما هم عند الله خيرٌ منهم، علتها الكذب الصريح الذي لا مكان لمروءة الناقل الكاذب بعده، وحسبك أن الكذب دالةٌ في ضعف الدين، ودليلٌ على خسة الطباع، يقول الله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٥]، وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن أبي مليكة، أن عائشة ﵂ قالت: ما كان خلق أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عند رسول الله ﷺ الكذبة فما يزال في نفسه ﷺ عليه، حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة.
стр. 338
تناقض الكذب مع المصلحة
ولا غرابة يا عباد الله! فمن يحدث في الحديث كذبا، أو يحدث بكذب الحديث، يحتاج إلى كذبٍ آخر، ليؤكد به الكذب الأول، إذ لا يعقل أن يكون مصداق الكذب حقاً وصدقا، وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا) رواه الإمام مسلم وغيره.
وحسبكم يا عباد الله! أن الكذب من علامات النفاق، قال ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) متفق عليه.
ومن أنجس الحماقات وأخبثها، من يدعي أنه يكذب لمصلحة الدعوة، أو من يدعي أنه يكذب للإصلاح، أو لإصلاح الأوضاع الفاسدة، وهل عقم الدليل؟ وهل شح النص؟ وهل ضعفت النصوص الصحيحة الصريحة؟ هل عجزت عن الإصلاح حتى نصلح أحوالنا بالكذب؟ نعم.
ليس من الكذب الكلام في إصلاح ذات البين وما استثني بالنص، ولكن أن نظن أن الكذب أو التحريف سوف يجر خيراً ومصلحة وحقاً، فهيهات هيهات إنك لا ترجو من الشوك العنب، واليوم ظهرت سرية من أعوان الكذابين والكاذبين، تمارس حرباً نفسية على كل من لم يوافق هؤلاء المفترين، أو على الأقل يسكت عن الحق الذي يعلمه، حتى أصبح بعض العقلاء يعلم في نفسه، كذب بعض ما يدور ويتناقله الغوغاء على الألسنة، ولكن بعض هؤلاء العقلاء يخشى من أعوان المفترين، أن يصنفوه أو ينالوه بكذبة تجعله في عداد المكذوب عليهم، ولذا تراه يتردد عن القول بالحق والنطق به، فيقول: إن سكت سلمت من ألسنتهم وشائعاتهم وأقوالهم، وإن تكلمت لم أنج حتى من الشائعة أو التهمة بأدنى باقعة.
ونقول لكل عاقل: لا تدع الصدق لأنهم يكذبون، ولا تدع الأمانة لأنهم يخونون، ولا تدع الوفاء لأنهم يغدرون، ولا تدع الأمر بالمعروف لأنهم عن المنكر يسكتون، والله المستعان!
стр. 339
ضروب أخرى من الكذب
ومن ضروب الكذب وخبيث أنواعه، تلك الكلمات التي يطلقها الكاذبون غير جريئين على الصراحة، ورمي المكذوب عليه صراحة، ولكن يلجئون إلى إثارة الشبهات والشكوك حول هذا الذي يكذب عليه، حتى تجتمع من الأحوال، ومختلف المواقف المرتبة على نسقٍ معين، ما يجعلون السامع ينطق به -أي: ينطق بالكذب- أو يعقد على الكذبة التي هابوا وخافوا من النطق بها صراحة.
إنه لا يجوز أن نكذب على أحد، حتى على أعدائنا من ذوي المذاهب الضالة والملل المنحرفة، ولو كان عدواً إلا ما استثني بالدليل، من الكذب حال الحرب والمعركة، أما الكذب والافتراء حتى على ذوي الأهواء والمذاهب الضالة فإنه لا يجوز، فما بالك بمن يشاركوننا في الإسلام والإيمان والإصلاح، إنه لا يجوز أن نكذب، ولماذا نكذب وعندنا من الحق والدليل ما يكفي لهتك أستار الأعداء ونبذ أخبارهم، دون اللجوء إلى الافتراء.
ومن أنواع الكذب الذي يسري على عقول كثير من المسلمين، ذكر بعض الحقائق وإخفاء بعضها الآخر، فترى الكذوب يسمعك من الرواية فصولاً لا تدع للسامع مجالاً ينجو فيه من تغير حاله ورأيه على المكذوب عليه، ولو أن السامع أسمع الواقعة كلها، لانقلب السامع مؤيداً ونصيراً ومعيناً، وللكاذب عدواً.
ولكن يا عباد الله! إذا زلت العقول عن المنهج، وعن الدليل، وعن الحق، ومالت إلى الهوى، فلا تسأل عن الهلكة: ﴿فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] إن كثيراً من الذين يكذب عليهم، لو أسمعوا الحقائق على جملتها وتفاصيلها، لانقلب السامع مؤيداً ونصيراً للمكذوب عليه، بل وانقلب السامع معيناً لمن جاء الكاذب يتزلف بعرضه، أو يسعى في إفساد سمعته، أو كما يقال إحراق أوراقه.
روى الإمام أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: قال ﷺ : (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين، فليس بالدينار والدرهم، ولكن بالحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال، حتى يخرج مما قال وليس بخارج) ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥ - ١٦].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 340
واجب من حضر مجالس القيل والقال
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله! إننا بحاجة إلى أن نرفع شعاراً وراية في مجالسنا ولقاءاتنا، وأماكن تزاورنا، هي أن نسأل عن المصادر والأصول والمرجع، فلا يقبل عاقلٌ أن يجعل عقله زجاجة أو إناء يصب فيه من خليط الكلام ورديء القول وساقط الافتراء، إن عاقلاً لا يرضى أن يقدم جوفه وعقله وقلبه إناءً ليصب فيه المتكلمون ما يشاءون، فكل كلمة أسعفها الدليل، وأيدها النص، وظهرت عليها علامات الصدق، فحيهلا بها وبقبولها، ومن لم يسعفه الدليل فلا مكان له ولا منزلة، في قلوب وعقول العقلاء، ذوي الحجا والألباب.
أيها الأحبة: إذا دار الحديث في مجالسنا عن القيل والقال، وأعراض الرجال، فعلينا أن نعلم الأمور التالية: أولاً أننا لا نتكلم في معروف، ولا نجمع حسنات، وإنما نتكلم في منكر، ونسدي إلى المتحدث عنهم حسناتنا، ونكسب زيادة على ذلك آثاماً وسيئات.
الأمر الثاني: أننا لم نرسل على الناس حافظين، نحصي عليهم أعمالهم وأقوالهم.
الأمر الثالث: أن واجبنا إذا جلسنا مجلساً وسمعنا فيه القيل والقال، أن نقول للمتحدث: كف لسانك عن هذا، أعطنا أية من كلام الله، وحديثاً من حديث رسول الله ﷺ ، ولا تجعل صناديق ساعاتنا نلقى بها يوم القيامة غيبة وفرية وشائعة ونميمة.
الأمر الرابع: يشرع لمن تكلم في عرض مسلم في مجلسه، أن يذب عن عرضه، فمن ذب عن عرض أخيه ذب الله عن عرضه النار يوم القيامة، حتى ولو تكلم المتكلمون في مجلسك عن رجلٍ أنت تخالفه في منهجه، أو في أسلوبه وطريقته، فالخلاف قديم ومعروف بين طلبة العلم والعلماء والفقهاء، ولكن الخلاف لا يبيح الكلام في الأعراض، ولا يجيز الغيبة، ولا يبيح النميمة، ولا يسقط الحقوق، ولا يسقط الواجب علينا تجاه أعراض إخواننا، حتى لو اختلفنا معهم، فضلاً عمن اتفقنا معهم.
الأمر الخامس: أن من واجبنا إذا علمنا أن أحداً لا هم له إلا النقل والقيل والقال، والسعي بالشائعة والكلام، علينا أن نطرده من مجالسنا، وألا يبقى معنا، إلا إن يخوض في حديثٍ غيره، بعد أن يتوب إلى الله ويعلن التوبة والمناصحة.
إننا بحاجة إلى أن نصلح سلوكنا، إننا لسنا بحاجةٍ أن نصلح أوضاعنا الاقتصادية فحسب، أو نصلح أوضاعنا السياسية فحسب، أو نصلح أوضاعنا الإعلامية أو التربوية أو الاجتماعية والتعليمية فحسب، بل نحن بأمس الحاجة أن نصلح سلوكنا، وأخلاقنا، وطبائعنا، وأموراً ترددت في مجالسنا، وتعوَّد البعض على نقلها في كلامه، وأصبحت أمراً يغض البعض فيه عن البعض طرفاً.
وذلك من السكوت عن المنكر، وما هكذا يكون المؤمنون، بل إن الله وصف المؤمنين بأنهم الذين يؤمنون ويعملون الصالحات، ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، فأين التواصي بالحق في المجالس؟ هل فينا جرأة إذا تكلم أحد في عرض أن نقول له: اسكت أو اخرج؟ هل فينا جرأة إذا وجدنا المجلس قد أطبق على الكلام في عرض غافلٍ، أو عرض مبتلى، أو مسكين، أن نقول: اسكتوا أو نخرج؟ هذا هو واجبنا، وأن نبرأ إلى الله من أن نحضر أو نجلس، وإخواننا تشرَّح أعراضهم أو يتكلم فيهم أياً كانوا، حتى ولو كان المتكلم فيهم على طرفي نقيض في الوسائل والأساليب، أليسوا يجمعهم بنا، ويجمع بعضهم مع بعض الإسلام والإيمان والدعوة والغيرة والإصلاح؟ فلماذا الحديث في الأعراض؟ لماذا القيل والقال؟ لماذا نقل الكلام؟ نعم.
لما خلت العقول عن النافع المفيد، وخلت القلوب عن الخوف والوجل والخشية، ما بقي في العقول بعد زوال النافع إلا الضار، وبعد زوال المفيد إلا المضل، وبعد زوال الهدى إلا الضلالة.
هذا شأن كثير من الناس، الذين يتكلمون بساقط القول ورديء الكلام، وإن الألسنة مغارف القلوب، فمن كان قلبه إناءً لكلام الله ورسوله، أول ما يخرج من لسانه قول الله وقول رسوله، ومن كان قلبه إناءً للأعراض والقيل والقال والشائعات، أول ما يخرج من لسانه: قيل في فلان، وروي عن فلان، وحدث عن فلان، وسئل فلان عن فلان، فقال في فلان ما قال.
وما لهذا خلقنا، وما بهذا وكلنا، ولكن إن الإنسان إذا ضل عن الهداية، تفنن وأمعن في الغواية.
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
اللهم سلم أعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من النفاق، اللهم ارحم إخواننا المسلمين في كل مكان، اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم فرج لإخواننا المكروبين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم من نقل الكلام بيننا بغفلةٍ أو بجهل أو بخطيئة لا يعلم بها، اللهم فتجاوز عنه ولو تكلم في أعراضنا، اللهم سامحه ولو تكلم في ذواتنا، اللهم اجعل سيئاته حسنات ولو تكلم عنا، اللهم ومن تكلم فينا وفي إخواننا يريد إفساد مجتمعنا، ويريد إحداث الفتنة بين الولاة والدعاة والعلماء والعامة، اللهم فأخرس لسانه، وعطل أركانه، واهتك أستاره، وافضح أسراره، وأرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين.
اللهم اكشف منكره وباطله بين الخلائق حتى يتجنبوه، وحتى يشيروا إليه فلا يقبلوه بقدرتك يا رب العالمين! اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وحكامنا وعلماءنا ودعاتنا، والجميع فينا على الهدى والحق يا رب العالمين، اللهم لا تفرح علينا عدوا، ولا تشمت بنا حاسداً يا رب العالمين، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشد يؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويعز فيه أهل الدعوة والطاعة، ويذل فيه أهل المعصية يا رب العالمين.
اللهم ولِّ علينا خيارنا، واكفنا شرارنا، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا أيماً إلا زوجته، وذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا رب العالمين! اللهم انصر إخواننا المستضعفين في البوسنة والشيشان، اللهم أيدهم بتأييدك، اللهم انصرهم بنصرك، اللهم أنزل جنودك من السماء، التي لا يعلمها إلا أنت تقاتل معهم، وتدفع بأمرك وقدرك عنهم كيد عدوهم، اللهم ثبت أقدامهم، ووحد كلمتهم وصفهم، وسدد رصاصهم ورميهم، وأقم على الدين دولتهم، واطرد المنافقين من صفوفهم، اللهم عليك بالصرب والروس واليهود ومن شايعهم، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم اجعل سلاحهم في نحورهم، واجعل كيدهم على صدورهم، وخالف بين قلوبهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين.
إلهنا لا ترفع لهم راية، إلهنا اجعلهم لمن خلفهم آية، إلهنا لا تجعلهم يدركوا من المسلمين غاية بقدرتك يا رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم على محمد، اللهم صلِّ وسلم على نبينا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا في الخير كله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وعلى أزواجه ومن اقتفى أثره، واستن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
стр. 341
الشباب بين الواقع والأمل
شباب اليوم هم رجال الغد، عليهم تقوم الشعوب، وبهم تبنى الآمال، وتسمو الأمم، وهم الخامة الثمينة للمشهد الإنساني القادم.
وهذه جلسة من جلسات الذكر التي وردت النصوص بفضلها، تتجلى فيها نظرة الإسلام إلى الشباب، من خلال تعامل الرسول ﷺ مع شباب الرعيل الأول، ودور الشباب في الدعوة والجهاد.
كما تحوي هذه المادة بياناً لواقع الشباب اليوم، ونصائح نفيسة لهم حتى يبلغوا المستوى المنشود.
стр. 342
فضل الجلوس في حلق الذكر
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
معاشر المؤمنين! جئت إليكم وأنا أحمل في قلبي مشاعر المودة والمحبة، نبضات الفؤاد تحبكم يا أهل الأحساء وخفقات القلب تشكركم وتذكركم دائماً بما أنتم أهله، وإني قادم وملتقِ بأحبتي في الله في هذا المكان وأنا على يقين أن في الزوايا خبايا، "وأن بني عمك فيهم رماح" وأن في القوم من هم أعلم بالمقال من القائل، وأعلم بفقه الحديث من المتحدث، ولكن حسبنا وإياكم أن نجتمع في روضة من رياض الجنة، فتحفنا الملائكة، وتغشانا السكينة، وتتنزل علينا الرحمة، ويذكرنا الله فيمن عنده، هذا الأجر لا يكون إلا في مثل هذه اللقاءات: (ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه).
وفي الطريق إليكم ونحن نتجاذب أطراف الكلام مع صحبة كرام، قال بعض الإخوة: لو أن الواحد جعل الوقت في قناة فضائية ليلقي محاضرة أو ليقدم برنامجاً أفلا يكون هذا أولى وهو يخاطب عبر القناة ملايين البشر؟ وربما اختصر من الوقت والجهد ما اختصر، فرد أحد الإخوة جزاه الله خيرا قائلاً: ولكن الملائكة لا تتنزل على القنوات الفضائية، ولا تغشاها السكينة ولا تتنزل عليها الرحمة، نعم يؤجر من جاهد فيها، فهو في مضمار جهاد، وفي ميدان دعوة ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣].
ومن هنا نعلم أن مثل هذه اللقاءات ومهما ضربت لأجلها أكباد الإبل، وقطعت لأجلها الصحاري والقفار فليس بكثير على أن يفوز أو على أن نفوز جميعاً بمن الله وكرمه وجوده بدعوة من الملائكة ومغفرة من الرب ، ونحن في سبيل الاستماع لا لغرض ولا غاية ولا قسط من أمور الدنيا قاطبة، وإنما غايتنا وقسطنا أن تغفر ذنوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكفر سيئاتنا، وأن يرفع الله درجاتنا، اللهم ذلك ما نتمنى فنسألك اللهم ألا ترد دعاءنا وألا تخيب رجاءنا.
أحبتي في الله:
والعين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أم من أعاديها
وأهل الأحساء بينهم وبين قلبي صلة، وبينهم وبين فؤادي مودة، ولا غرو ولا عجب وإن كنت مقصراً في الزيارة، إلا أن العهد لو طال، والبعد لو اتصل، فإن الحنين داعٍ إلى معاودة اللقاء، وحسبنا أنا قد أمهلنا، وأمد الله في أعمارنا، حتى التقينا مرة أخرى، ونسأله ألا يكون آخر العهد بكم، ونسأله سبحانه أن يمنحنا من جوده وبركاته وفضله ما يمن به علينا من اللقاء مرات وكرات في هذا المكان وفي غيره مما يرضيه .
стр. 343
مكانة الشباب في المجتمعات
وأما المحاضرة وهي بعنوان: "الشباب بين الواقع والأمل" فأمر وقضية تحتاج إلى بسط قد يضيق المقام بالإحاطة بجوانبها، ولكن كفى من القلادة ما أحاط بالعنق، فشبابنا وما أدراك ما شبابنا هم أمل غدنا، وشبابهم هو ربيع عمرهم، وهو أوان الجد والتحصيل والبناء والعلم، وشباب اليوم هم قادة اليوم وقادة المستقبل، بل وهم المسئولون عن الأمة في شتى مجالاتها وميادينها، هم رواد الفكر بل صناع القرار، شباب اليوم هم القادة في ميادين القتال، واسألوا أنفسكم: من الذي أذاق الروس أصناف البلاء والعذاب والويلات، حتى فقدوا الآلاف من جنودهم، ودمرت لهم الآليات، وفقدوا من الأرواح، وامتلأت مستشفياتهم بالمعوقين؟ من الذي فعل ذلك بهم؟ إلا شباب صدقوا ما عاهدوا الله عليه! من الذي وقف للروس في درجات الحرارة المنخفضة إلى حد التجمد؟ هل هم العجائز والأطفال والشيوخ والسفهاء؟ لا بل الشباب، من الذي جعل الغرب يحسب للشباب ألف حساب فيطاردهم في مشارق الأرض ومغاربها لو لم يكن الشباب طاقة خطيرة قوية لا بد أن يعتنى بها وأن يلتفت لشأنها، وإلا لم يبال الغرب ولم يسخر من الطاقات بل والجواسيس والطواغيت والأجهزة ما تجعلهم يلاحقونهم في شتى أنحاء الأرض إلا من رحم الله وعصم وقليل هم أولئك.
شباب اليوم هم أخطر العناصر في المجتمعات، بل إن الجماعات المشهورة بالدمار والتخريب والاغتيال والسطو تقوم على الشباب، كما أن الجهاد والدعوة والإصلاح والبذل والتوجيه والعطاء يقوم على الشباب؛ فالشباب طاقة وقوة تقبل التوظيف والتوجيه، فمن سبق إلى مناخ قلوبها ومراتع أفئدتها، ثم وجهها إلى خيرٍ أثمرت وأنتجت خيرا، ومن سبق إلى مناخ قلوبها ومرابع أفئدتها ثم عمرها باللهو والغفلات أنتجت من الشرور والمصائب ما لا يحصيه إلا الله ، ولذا لا نعجب حينما نرى أمر الشباب يتردد ذكره ويتعدد في مواضع شتى في كتاب الله بياناً وتنبيهاً إلى خطرهم وشأنهم ألم يقل الله : ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وما الحاجة إلى النص والتنبيه والبيان إلى شأنهم وأنهم فتية إلا لأن الفتوة لها شأنها ولها منزلتها، بل وفي الحديث: (يعجب ربنا للشاب ليس له صبوة) بل إن الله يذكر شاباً قد آتاه الله الحكم صبيا ويأمره أن يأخذ الكتاب بقوة ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ [مريم:١٢]، بل إن أهل الضلالة وقادة الشرك في زمن إبراهيم ﵇ لما أخذوا يختصمون في شأن من دمر وحطم أصنامهم ومعبوداتهم وآلهتهم، ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]، ولو لم يكن للشباب تلك المنزلة الشامخة العلية لما خص أولئك بهذا الأمر، والنبي ﷺ يعرف قيمة الشباب وقدرهم، ومن خالط الشباب ومن عاشرهم وقضى زمناً في تربيتهم وتوجيههم وشرح صدره وفتح أبواب قلبه لاستماع مشكلاتهم ودنا منهم وألان لهم الجانب، وخفض لهم الجناح، علم أن في الكثير من الشباب طاقة لو أردت أن تسلطها على أمة لتسلطت، وعلم أن في الشباب قدرة لو وجهتها في كثير من مجالات الخير لنفعت وأعطت وأثمرت.
стр. 344
تعامل النبي ﷺ مع الشباب
ولذا فالنبي ﷺ قد أعطى الشباب الثقة ومنحهم المسئولية خلافاً لما يعيشه كثيرٌ من الناس اليوم، وما نراه في واقعنا اليوم من توجيه أصابع الاتهام والنقيصة والشك في القدرات والتردد في منحهم الثقة والمسئولية من خلال أضرب من تعاملنا تجاه شبابنا وإخواننا وفي مجتمعاتنا، لم لا نمنح شبابنا الثقة؟ لم لا نمنح شبابنا الصلاحية؟ ولما لا نمنح شبابنا محبة ونفتح أمامهم العديد من الميادين والمجالات مع ثقة نهبها لهم ثم ننظر ماذا يصنعون؟ إن النبي ﷺ قد منح زيد بن حارثة وهو شاب وجعفر بن أبي طالب وهو شاب وعبد الله بن رواحة وهو شاب منحهم الثقة، وسلمهم قيادة جيش مؤتة وما أدراك ما مؤتة! أول معركة بين المسلمين والرومان! بل إن النبي ﷺ أعطى أسامة بن زيد قيادة جيش فيه رجال من كبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر ﵃، وقد كان عمر أسامة آنذاك ثماني عشرة سنة، ويرسل معاذاً إلى بلاد بعيدة وفي مهمة عظيمة ومسئولية جسيمة يرسل معاذاً إلى اليمن ومعاذ لا يزال بعد في ريعان شبابه ويرسله على قومٍ ليسوا على مذهبه وملته وديانته ويقول له: (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب -يعني ليسوا بمسلمين- فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) إلى آخر توجيه النبي ﷺ لـ معاذ، وهذا ابن مسعود ﵁ يقول فيما رواه الإمام أحمد في مسنده: (كنا نغزو مع النبي ﷺ ونحن شباب ليس لنا نساء) يعني: لم نتزوج بعد، لا نزال فتية، لا نزال في بداية الشباب وفي مستهل حياة الشباب.
стр. 345
كثرة الشباب في البلاد الإسلامية
نعم أيها الأحبة! حق للأمم وللشعوب أن يفخروا بشبابهم؛ لأن أي أمة إذا كثر فيها الشباب فهي أمة قوة مقبلة، وأما إذا حصل الضد وكثر في الأمة العجائز والشيوخ والضعفة فهي أمة ضعف مدبرة، ولعلكم تسمعون وترون أن بعض الدول الأوروبية اليوم لا يترددون في منح كثيرٍ من شباب المسلمين الذين ولدوا على أراضيهم الجنسية الأوروبية، تكثيراً للشباب، وتعويضاً لما يفقدون؛ لأنهم يعيشون في واقع بلغت الأنانية فيهم حداً أصبح الرجل يريد الاستمتاع بالمرأة دون أن يتحمل مسئولية طفل واحد، والمرأة تريد الاستمتاع بالرجل دون أن تتحمل مسئولية طفل واحد، فظلوا هكذا يستمتع بعضهم ببعض وقد استكثر بعضهم من بعض وهم يتناقصون ولا يشعرون حتى أعلنت كثير من الدول أن نسبة الشيوخ والعجزة فيها قد جاوز الستين في المائة، وأصبحت من الأمم المدبرة ولكنهم أهل كيد وأهل مكر كبار، وأهل تخطيط وتدمير، وحسبكم في المقابل أن تعلموا أن نصف السكان في المملكة العربية السعودية تقل أعمارهم عن خمسة عشرة عاماً، فنحن أمة مقبلة، فإن كان التوجيه والتربية والإرشاد في خير وإلى خير فنحن أمة مقبلة إلى خير، وإن فقدنا ذلك -والعياذ بالله- فلا حول ولا قوة إلا بالله أن نكون أمة مقبلة إلى شر، وأسأل الله أن يصرف الشر عنا وعن شبابنا وأمتنا إنه سميع مجيب.
стр. 346
نماذج مشرقة من شباب الإسلام
أحبتنا في الله! نخاطب الشباب لأنهم المعنيون، عليهم تنعقد الآمال، وبهم نصعد إلى قمم الجبال:
شبابنا هيا إلى المعالي هيا اصعدوا شوامخ الجبال
هيا اهتفوا يا معشر الرجال قولوا لكل الناس لا نبالي
معاذ وابن مسعود وسالم رضوان الله عليهم شباب ولكنهم قادة كانوا من القراء، كل واحد منهم أصبح مدرسة مستقلة يروى كتاب الله عنهم وعلى ألسنتهم، وزيد بن ثابت واحد من الشباب لكنه من كتبة الوحي بل ومن المترجمين المعتمدين، تعلم لغة اليهود في أيام عديدة، وتأملوا سرعة الاستيعاب والقدرة على الفهم والإدراك حيث استطاع أن يتعلم لغة يهود نطقاً وكلاماً وكتابة وخطاباً وحواراً في مدة يسيرة لم تبلغ شهراً واحداً.
أيها الأحبة! رسالتي وكلماتي من محب عرف الشباب، نصيحة محبة موجبها الإخلاص، رائدها مشاعر المودة وقودها التقدير، إنها إلى الشباب جميعاً، وهي أيضاً إلى من تعدى وجاوز سن المراهقة، وإلى من يكابد المراهقة وآلامها، رسالة إلى كل شاب صالح يسعى لإعفاف نفسه، ويدرك خطر مرحلة الشباب، وما يكتنفها ويعتورها من صراع الشهوة وما يحيط بالشباب من هتافات داعية إلى الغفلة، وليس الخطاب للشباب وحدهم، بل هو أيضاً إلى الآباء والأمهات الذين يعالجون تربية الشباب وتوجيه الشباب ويحرصون ويدأبون داعين في سجودهم وخلواتهم وساعات الإجابات التي يتحرونها أن يصلح الله شبابهم، آمالنا في شبابنا عظيمة أن يتقلدوا أعلى المناصب ويتسلموا زمام التوجيه، ويمتطوا صهوة المنابر دعاة إلى الله وفرساناً تغبر أقدامهم في سبيل الله، وأن نراهم في كل ميدان من ميادين الحياة نفخر بهم وتقر أعيننا بصلاحهم واستقامتهم.
стр. 347
الشباب في ميادين الإمامة والدعوة
عمر بن سلمة على صغر سنه كان يؤم قومه، أصبح إماماً وليس بمأموم مع أنه أصغرهم، لأنه أكثرهم حفظاً وضبطاً لكتاب الله ، كان صغيراً وكان فقيراً لكن فقره وصغره لم يجعله يتخلف عن قيادة قومه وإمامتهم في أشرف منزلة وهي الإمامة، بل جاء في الحديث أنه مرت ذات يوم امرأة فرأته يصلي بهم وعليه ثوب قصير قد بدا شيء من عورته، فالتفتت المرأة إليهم وقالت: غطوا عورة إمامكم هذا، فأعطوه ثوباً آخر ليستره، إن فقره وإن صغره ما كان سبباً ليجعله ينكص على عقبيه أو ليرجع القهقرى أو ليتردد في الإمامة والريادة.
عبد الله بن عمرو بن العاص شاب لكن شبابه قاده إلى العناية بكتابة السنة وتحريرها.
مالك بن حويرث يقول: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فمكثنا عنده مدة، فعلمنا وأكرمنا، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا، قال ﷺ : (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم وأمروهم).
стр. 348
الشباب في ميادين الجهاد
وأما عن شأن الشباب في ميادين الجهاد وساحات القتال فشجاعة لا مثيل لها، ورباطة جأش لا نظير لها، بل إن كلماتهم تقدح بالفداء والتضحية، يرشون الأعداء بالدماء قبل أن تصلهم السيوف والسهام، عبد الله بن رواحة يودعونه وهو شاب متوجه إلى مؤتة أول معركة بين المسلمين والروم يقولون: يا ابن رواحة تعود إلينا سالماً؟ قال: لا،
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وطعنة ذات فرغ تقذف الزبدا
وضربة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا
شاب يعرف أنه قادم إلى الموت الزؤام، قادم إلى معركة هو يشتهي أن يموت فيها، لا يفكر كيف يهرب منها، أو ما هو الحال في المرد وما هو المصير في الرجوع! عجبٌ من أمر هؤلاء الشباب إنهم كشبابنا في حواسهم وجوارحهم، لكن قلوبهم تختلف عن قلوب شبابنا، لكن إيمانهم يختلف كثيراً كثيراً عن إيماننا، ومن هنا يتباين الناس، فلا يتباين الناس بأنوفهم ولا بأعينهم ولا بألوانهم ولا بطول قاماتهم وقصرها، وإنما يتباينون بهذه القلوب التي جمعت الإيمان وجعلت خوف الله وخشيته والخوف من عذابه والطمع في ثوابه جعلته رائداً يحركها في كل اتجاه أتت بالعجائب وأثمرت وأغدقت وأينعت وأعطت عطاء لا حدود له، وأما إن امتلأت القلوب بالشهوات واللهوات والغفلات، فلا تسل عن اهتمامها بسفاسف الأمور وخوفها وخشيتها وجبنها عن معاليها، كانوا يتوجهون إلى ساحات القتال والواحد منهم يعلم أن ليس بينه وبين الجنة إلا أن يراق دمه كيقيننا نحن أن ليس بيننا وبين الشارع إلا هذا الجدار، يقينهم في الجنة أصبح أحدهم يراه رأي العين، ما كان أمر شبابهم صارفاً لهم عن اليقين بما أعد الله من الثواب، وما يخشونه من العقاب، أما شهوات شبابنا اليوم فأصبح الواحد منهم إذا ذكر بالجنة أو خوف بالنار رأيت في قسمات وجهه وتيقنت من علامات تفاعلاته من هذا الخطاب أن بينه وبين الفهم واليقين بالخطاب أمداً بعيدا، أما أولئك فاستجابتهم الفورية وتفاعلهم العاجل مع الخطاب، والأمر والنهي دال غاية الدلالة على اليقين، وهذه مسألة من أعظم المسائل التي ميزت الأجيال القرآنية الفريدة، في العصور السالفة المجيدة، عن عصورنا هذه، ليست مصيبة الناس في هذا الزمان هي قلة علمهم، بل من أعظم مصائب الناس ضعف استجابتهم وضعف تفاعلهم وضعف انقيادهم وخضوعهم وإخباتهم لأمر الله ، كان ذلك الجيل من الشباب وإن كانوا صغاراً لكن كانت نفوسهم كبيرة:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
يقول سعد بن أبي وقاص: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن نعرض على رسول الله ﷺ يوم بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي! فقال عمير بن أبي وقاص لأخيه سعد: إني أخاف أن يردني رسول الله ﷺ ، هو يختبئ ليس خوفاً أن يشار إليه بالبنان فيختار من الذين يعرضون وتكون صدورهم مسرحاً للرماح وميداناً لطعن السيوف، لا، وإنما يتوارى خشية أن يرد وخشية أن يحرم طعنة، وخشية أن يحرم رمية بسهم، وخشية أن يحال بينه وبين أن تطير رقبته في سبيل الله، يتوارى حتى لا يراه النبي ﷺ ، ويقول لأخيه سعد: إني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني، فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، شاب صغير، احتمال كبير أن يرد فلا يقبل في الجيش، يقول: لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله ﷺ وكان ما خشيه عمير، فقد استصغره النبي ﷺ فرده، فأخذ عمير يبكي وينتحب نحيب الثكلى التي ترى زوجها مذبوحاً أمامها، ويبكي بكاء مراً والدمع لا يقف مسفوحاً على خديه ويتوسل إلى رسول الله ﷺ ويرجوه، ويريد أن يثبت بكل ما أوتي أنه قادر جديرٌ حقيقٌ أن يكرم ليدخل مع الجيش في ساحة المعركة، فيقبله النبي ﷺ ويجيزه، يقول سعد: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره حتى يثبت السيف في يده ولا يسقط، قال سعد: فقتل وهو ابن ست عشرة سنة، لم يقف حد أمر أولئك الشباب إلى هذا، بل أصبحوا قادة على السرايا والجيوش.
عكاشة بن محصن جعله النبي ﷺ أميراً على أربعين رجلاً في سرية، وزيد بن حارثة أمَّره النبي ﷺ على سرية، وعمرو بن العاص أمَّره النبي ﷺ على ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار في غزوة ذات السلاسل، وما خبر أسامة عنا ببعيد، فقد ولاه النبي ﷺ قيادة جيش فيه كبار الصحابة، والشاهد أن أولئك الشباب وإن كانوا صغار الأعمار فإنهم كانوا كبار الأقدار.
стр. 349
واقع الشباب اليوم
أحبتنا في الله! واقع شبابنا اليوم إذا قارناه بالصدر الأول والسلف الصالح وجدنا ما نخجل لذكره وما نطأطىء الرءوس خجلاً مما نراه، بل لا نستطيع أن نقارن بين أولئك وهؤلاء:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
بل ربما من العبث أن نقول: إن الرعيل الأول والجيل المتقدم كانوا أفضل من هؤلاء:
ألم تر إن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
стр. 350
واقع الشباب في الجانب الاجتماعي
واقع شبابنا اليوم عجب عجاب في الجانب الاجتماعي والتربوي، عزلة شعورية عن المجتمع، واتصال بما وراء البحار، وهنا لا أعمم حتى لا أظلم، ولكنه حال كثير من شبابنا ويا للأسف! وإن كنا جادين بحثاً وطلباً للدواء والعلاج، فلا بد أن نصدق في تشخيص الداء ووصف مظاهر المرض؛ لأن الطبيب الذي لا يصدق مريضه والمريض الذي لا يصدق طبيبه هيهات أن يصل أحدهما إلى العلاج، العزلة الشعورية التي حلت بكثير من الشباب فهم يعيشون في مجتمع المسلمين ويسمعون الأذان، والمساجد من حولهم ومظاهر مجتمعهم غالبها مظاهر إسلامية، ولكن شعورهم مرتبط بالعواصم الأوروبية، والقناة الفضائية من خلال الشاشة الملونة تنقل لهم كل جديد يدور على أرصفة باريس أو بحيرة جنيف أو شوارع لندن فتراهم مولعين بالتقليد الواحد منهم يفخر أن يكون أول سابق للببغائية والقردية والتقليد، (ولتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) إني لأعجب يوم أن أرى بعض الصفات وبعض السلوك والتصرفات على شبابنا، ثم يزول العجب إذا علمت أن ما رأيت قد عرض البارحة على قناة عربية أو أجنبية تيقنت من خلالها أن هذا الشاب يعيش في مجتمع مسلم لكنه يعيش في عزلة شعورية، هو يعيش بينهم لكن شعوره وفكره مرتبط بهذه القناة وما تنقله الفضائيات عبر الشاشة الملونة من هناك، وكأنما الأمر تحول إلى خلل خطير وهو جانب الانتماء:
وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع
أنت معدود علينا ومحسوب من سكاننا، ولكن لو أصابتك مصيبة لدعينا نحن أن نبذل من جيوبنا لإسعافك وأن نتبرع من دماء عروقنا لإنقاذك، ثم لما شفاك الله وعافاك وجدنا ولاءك واهتمامك، وجدنا حرصك وتقليدك، وجدنا عنايتك ومتابعتك لقوم هم الذين ذبحونا وذبحوا أمتنا وما فتئوا يودوننا خبالا وعنتاً وخراباً وضلالاً، لماذا يا أخي أنت محسوب علينا ومعدود على أمتنا في أمة المليار وتعيش هذه العزلة الشعورية؟ نعم، بل وأكبر من ذلك لو أن أحداً تجرأ عليك ليرميك أو ليصمك وصمة تغض من شأنك في دينك، لرفعت عقيرتك وعلا صوتك واحتج لسانك وأشار بنانك معترضاً على هذا، ولكن الواقع يشهد بالانفصام ويشهد بهذه العزلة الشعورية التي جعلتك تعيش بيننا لكن مشاعرك قد نقلتها الشاشة الملونة عبر الفضائية أو الفضائحية القبيحة الخبيثة لتكون واحداً ممن يحبون أولئك غير آبه بما يفعل أولئك، ربما أعجبك عند القوم مغنية خالعة، ربما أعجبك عند القوم مطرب ماجن، ربما أعجبك عند القوم مشاهد ربما قادتك الشهوة إلى متابعتها ومسارقة النظر إليها وطلب الخلوة لمتابعتها، ولكنك تأكيداً لعزلتك الشعورية لم تلتفت للخطباء الذين بحت أصواتهم وهم يقولون: إن هؤلاء الذين تتابعهم ذبحوا إخوانك في الشيشان واغتصبوا أخواتك في البوسنة وكوسوفا، وجوعوا إخوانك المسلمين في الصومال، وحاصروا المسلمين وذبحوهم في كشمير، لم تلتفت لهذا لو كانت المشاعر مفتوحة لنا ولغيرنا لسمعت نداءنا على الأقل كما سمعت نداء غيرنا، لكن الواقع يشهد أن مشاعرك توجهت إلى أولئك واشتغلت بأولئك عن إخوانك، فأين الولاء؟ والله يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، والله يدعونا أن نحقق ولاء كولاء الكفار فيما بينهم حيث يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣].
واقع كثير من شبابنا اليوم مع العزلة الشعورية البعيدة عن الحضور الفاعل لقضايا الأمة بل وقضايا المجتمع، واقع بعض هؤلاء الشباب في قوقعة وحصار عجيب قوقعة مع من؟ مع شلة محدودة لا يبغي بهم بدلا ولا يرضى عنهم حولا ولا يريد أن يترحل عنهم بعيداً قليلاً ولا كثيراً، فزاد مع عزلته الشعورية هذا الحصار بمجموعه على روتين من الغفلة غريب ومريب، فقدته الجماعة وغاب عن وجوه الأخيار في منازل الأبرار، وأصبح همه السهر بالليل والجلوس وترداد الحديث وتكرار اللقاءات دون أي جدوى وبدون أي فائدة، بل إن بعض هؤلاء قد تطاول به الأمر إلى درجة الهروب من تحمل المسئولية، بل وردد بعضهم ما ردده بعض الكافرين، حيث أراد أن يتخلص من تبعات الأسرة، ويريد أن يعيش على علاقات محرمة مفتوحة بسبب ما أشرب في قلبه من حب تلك المشاهد التي رآها عبر تلك الفضائحيات، هذا واقع طائفة من الشباب.
стр. 351
واقع الشباب العلمي
وأما واقعهم العلمي والتعليمي فليس بمعزل عن واقعهم الاجتماعي والتربوي، بل بعض ذلك يدعو إلى الفساد في البعض كما أن صلاح الجانب التربوي والاجتماعي داعٍ بإذن الله إلى الصلاح والتميز في الجانب العلمي والفكري، فبعض شبابنا في أمر العلم والفكر لا يعدون أبداً ولا يدرون ماذا يدور على أرض الواقع، بل لا يعرفون من هم الأعداء سواء كانوا من القريبين أو البعيدين ولا يعرفون كيف يميزون بين الحق والباطل والخطأ والصواب، وبعضهم لو سألته عن ملة من الملل، أو نحلة من النحل، أو مذهب من المذاهب، أو طائفة من الطوائف، لظن أنها طبخة أو وجبة أو أكلة تباع في المطاعم والبوفيهات، ولا يعرف ما هي أبداً، والسبب أن عزلته الشعورية وأن الشللية التي عاشها مع مجموعة من الشباب جعلته في هذا الوضع لا يعرف شيئاً من أمر الواقع، بل روتينه اليومي طعامه وشرابه وشهوته وشلته، وإذا مسته حبال الحاجة وأصبح يذوق حرارة الحاجة لم يكن عنده ما يؤهله ليتسنم ما يستحق لأجله شيئاً يكرم به، فلا يتردد أن يلتفت ذات اليمين وذات الشمال ليسرق من هذا ويأخذ من هذا ويكذب على هذا ويختلس من هذا ويفعل ما يفعل مع هذا من أجل أن يغطي به احتياجه، وما هي إلا مدة ثم ينكشف أمره وينفضح شأنه ويظهر على حقيقته، إن بعض الشباب قد ودعوا التعليم وداعاً وطلقوه طلاقاً لا رجعة فيه، والسبب أنهم عكفوا طيلة الليالي ليس على طلب القرآن وتفسيره والحديث وفقهه، والتجربة وتطبيقاتها، والنظرية ونتائجها، والمعادلة ورموزها، لا.
إنما سهروا على نحر هذا وصدر هذا وذراع هذه وساق هذه ومن هذه إلى هذه، وعين لا تشبع من نظر:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
سهروا في الليل على هذه الفضائحيات، فلما جاء الصباح إذا بأجسامهم أثقل من الجدران الساقطة لا يستطيع حراكاً، ولا يستطيع أن يرفع رأسه بل قد دعي إلى ما هو أعظم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فلم يجب، ثم دعي إلى العلم، فلم يجب، ثم دعي إلى السبب وكسب الرزق، فلم يجب، وظل هذا ديدنه ودأبه وطبعه وهجيراه، لا يفارقه ولا يبرحه إلى أن تمر به السنون ليرى أن من حوله قد سبقوا، وليرى أن الجادين المثابرين المتسابقين قد بلغوا وحمدوا السرى، وعند الصباح حمدوا السرى؛ لأنهم جدوا واجتهدوا، وأما هو فقد أصبح جثة راقدة على فراشه، لم يبد حراكاً، ولم يرفع بالعلم رأسه ولم يشرح بالفقه صدره فأصبح هذا شأنه وهذا حاله، هذا حال طائفة من شبابنا.
стр. 352
واقع الشباب في الالتزام والعبادة
وأما طائفة من الشباب فأمرهم مع العبادة أمر عجيب، يهون على أحدهم أن يمشي عشرة كيلومترات يومياً طلباً للرشاقة وتخسيس البدن وتنحيفه وتنقيص الوزن، ولكن يعجز بل يشق عليه أن يمشي عشر خطوات إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة، مستعد أن يمشي عشرة كيلو متر ويتفاخرون في المجالس واللقاءات أنا أمشي يومياً خمسة كيلو متر أنا أمشي يومياً عشرة كيلو متر وأنقص من الوزن يومياً كذا وأفقد من الوزن كذا من السعرات الحرارية، فكم خطوة مشيتها إلى المسجد، لا، المسجد في نظر بعضهم لا يستحق هذا المسير لكن تخسيس الوزن والحقيقة أنه تخسيس القلب والفؤاد ليس تخسيساً للوزن كما يسمى هو تخسيس للقلب والفؤاد، لست بهذا ضد المشي وضد الرياضة وضد اللياقة وضد الرشاقة، بل نحن جميعاً علينا أن نمشي وأن نتقوى وأن نجعل هذه العقول والقلوب تجمع معها أبداناً قويةً نشطة فاعلة، لكننا ضد أولئك الذين أقدامهم تسابق فحول المرثون لكنها معوقة حسيرة كليلة عن شهود الصلاة مع جماعة، لسنا مع أولئك الشباب الذين يتسابقون في رفع الأثقال، يجمع الواحد همته ويتدرب زمناً وربما أخذ يشرب الماء بمقدار ويضع السكر في طعامه بمقدار ويترك ما تشتهي نفسه ويشرب ما يعافه بدنه من أجل المحافظة على هذا الوزن وطريقته وهيئته ولياقته وكمال جسمه كما يسمى، لكنه لم يجاهد نفسه دقيقة ليقول: رب إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن، لم يجاهد نفسه لحظة ليقول: معاذ الله، وليتذكر نعم الله عليه فلا يصرف نعماً آتاه الله إياها في أسباب سخطه، إن مجاهدة النفوس على رفع الأثقال أمر يسير، لكن مجاهدة النفوس من أجل السلامة من مجالس اللهو والخنا والعفن والزنا أمر على بعضهم جد عظيم، بل يعلن أحدهم وكثير منهم عجزهم ويقول: إني عاجز عن هذا أبداً، يا سبحان الله! أطقت حمل الأثقال والسير على الأقدام المسافات الطوال، وعجزت عن المشي إلى صلاة الجماعة، ومجاهدة النفس عن معصية الله !! هذا واقع بعض شبابنا اليوم، ولنكن صرحاء أن منهم من يعد بالتوبة ويرجو الإنابة ولكن إذا ذهب الشتاء إذا زال حر الصيف إذا انتهى من العطلة الصيفية إذا حج ومتى يحج؟ إذا تزوج ومتى يتزوج؟ إذا وإذا وإذا:
تسألني أم الوليد جملا يمشي رويداً ويجيء أولا
يريد أن يتوب لكنه قائد للسفهاء! يريد أن يهتدي لكنه في زمرة الضعفاء! يريد أن يستقيم لكنه في عداد الضائعين المنحرفين! ويريد دواء آلياً أتوماتيكياً نووياً سريعًا لا يكلفه المجاهدة لحظة، والله قد جعل الطريق إلى الهداية بالمجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، نعم، الحضارة الغربية بمكتشفاتها ومخترعاتها قد اخترع أساطينها أشياء كثيرة: السيارات السريعة، الطائرات المحلقة، الغواصات التي تبحر في ظلمات البحار، الإلكترونيات، العجائب المخترعات، لكنهم لم يخترعوا شيئاً يخلق الإرادة في نفس الإنسان الذي ينتظر الهداية بكبسولة دواء وجرعة شراب، ولقمة طعام أو إبرة في العضل والوريد، فما أطول ما ينتظر في أمر الهداية لكن الذي يريد الهداية جاداً صادقاً عليه أن يجاهد نفسه حتى يحصلها، والواقع شاهد على أن أولئك إذا أراد أحدهم أي أمر من الأمور بنصيحة طبيب، أو كاتبٍ أو بأمر قرأه في قصاصة مجلة أو جريدة أو في لقاء رآه في شاشة فضائية وقالوا: لن تستطيع أن تصل إلى هذا الشيء إلا بالحرمان من كذا وفعل كذا والتدريب على كذا، عذب نفسه حتى يبلغ ذلك، وربما سمعته يتصل على الفضائية ويقول لذلك الذي يتسيد الحوار: فعلت ما وجهت وقمت بما نصحتم، وفعلت ما أمرتم، ولكنني لم أحقق النتائج المطلوبة، لكنه لم يستجب لأمر الله وهو أمر محتم عليه واجب لا تردد فيه أن يستجيب له.
стр. 353
انعدام الهدف في حياة الشباب
واقع طائفة من شبابنا اليوم يشهد غيبة للأهداف فترى الواحد لا هدف له، حياة رتيبة روتينية، ما هي الأهداف؟ ما هي الأماني؟ ما هي الغايات؟ لا قريبة ولا بعيدة، ولا متوسطة الأجل، ولا بعيدة الأجل، لا يهدف ولم يرسم لنفسه غاية يسير إليها، بل لسان حال بعضهم كما يقول الأول: من نام على الدرب وصل وليس من سار على الدرب وصل، "وسأبقى سائراً إن شئت هذا أو أبيت" ولا يدري عما سوى ذاك، وإن فقد الانتماء لا شك يتبعه غياب الهدف ويتبعه أيضاً احتقار المرء لعقله بل ويتعدى ذلك إلى جعل العقل مستودعاً للتوافه، ثم ترى العجب العجاب من السذاجة والبساطة في النظرة إلى الأحداث في الواقع فلا تراه يهتم بها، وإن تابع بعضها فلا يستطيع أن يفسرها تفسيراً صحيحاً أو تفسيراً عقلياً، بل ما يقوله الناس يودع في عقله وليس له إلا كما يقول الناس وحاله كحال الأول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
فهو مع الناس إمعة لا يستطيع أن يملك لنفسه قرارا.
стр. 354
التقليد والتبعية في حياة الشباب
وبعض الشباب في واقعهم الأخلاقي والسلوكي ترى ما يندى له الجبين من التقليد والتبعية والتسابق المحموم ليكون في مقدمة المنفذين الفاعلين المترجمين لهذه التي تسمى الموضة، ويقابل ذلك أنانية وأثرة وحب للذات واحتيال وهروب من الحقيقة والصدق وغرور وإعجاب في ظاهر الأمر لا في حقيقته، يؤكد ذلك أن الكثير منهم أن يلفت نظر الآخرين إليه بما يفعله من هذه الأمور المقيته القبيحة، وإلا لو كان يملك الشيء الثمين لما احتاج أن يزوق ويزين ظاهره بالتوافه التي تلفت الأنظار إليه، وخذوا على سبيل المثال مظاهر التقليد والتفحيط وإزعاج الناس والمعاكسات، بل والتخنث عند بعض الشباب ما هو في الحقيقة إلا شعور بالخواء، ويقين بالفراغ الداخلي الروحي القلبي، ولا يستطيع أحد أن يلفت نظر الناس بخوائه، ولا يستطيع أحد أن يلفت أنظار الناس بكذبه، ولا يستطيع أحد أن يلفت أنظار الناس بضعف شخصيته، وهزيمته النفسية، فكان لابد أن يحدث شيئاً يدعو الناس إلى الالتفات إليه، فما الذي يدعو الناس إليه؟ يريد أن يكون فناناً! يريد أن يكون مطرباً! يريد أن يكون مفحطاً يتحدث به، يريد أن يلفت أنظار الغاديات والغادين والرائحات والرائحين حتى يشار إليه، ولو كان يملك في الداخل الكنز الثمين لما احتاج إلى هذه الأمور التافهة التي يعرضها على القوم في ظاهر أمره وظاهر سيرته، وطائفة من الشباب قد أولع بالمجاهرة ولا يبالي بمعصية الله سراً كانت أو جهراً، بل هو من شرار الناس الذين يسترهم الله ثم يصبح يهتك ستر الله عليه، يقول: فعلت البارحة كذا وفعلت البارحة كذا، يهمه رأي الآخرين فيه، كل شيء يهون إلا أن ينتقده الآخرون، وكل شيء يسوغ ويستساغ إلا أن يوجه له أحد نصيحة، أما أن يعيش بفكر مستقل وشخصية متزنة قائدة لا مقودة، سيدة لا مسودة، متقدمة لا تبعية فيها؛ فبعيد هذا عن أمره، والعجب أن رأي الآخرين فيه كما قلت يهمه أكثر من أن يرضى الله عنه أو يرضى عنه رسوله، وحكم الآخرين عليه أعظم في نفسه من حكم الله ورسوله عليه، والحق الذي ينبغي أن يكون عليه الشاب المتسلح بكتاب ربه وسنة نبيه ألا يبالي بنباح الكلاب وعواء القطط، وصفير ومكاء وتصدية العابثين واللاهين، بل كما قال المتنبي:
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
ما دمت على حق وعلى يقين بأنك على حق، فافعل ما اعتقدته وتيقنته وتعلم أنه يفضي بك بإذن الله إلى مرضاة الله وجنة عرضها السماوات والأرض وإن خالفك المخالفون، وإن انتقدك المنتقدون، ما دام هذا شأنهم فلا يضرك، واجعل لسان حالك كما يقول الأول:
إذا رضيت عني كرام أحبتي فلا زال غضباناً علي لئامها
وواقع بعض شبابنا اليوم احتقار للذات، وضعف وتقوقع وانزواء وخشية من مواجهة الآخرين، بل ترى الواحد يعيش بهذه النفسية ويظن أنه فاشل عاطل باطل لا يستطيع وليس بكفء، وليس بحقيق ولا جدير أن يقدم شيئا، أو أن يفعل شيئا، وربما كان منعكس تربوي عبث في نفسه، وأثر عليه، وجعله يميل إلى الانزواء والتقوقع، أو تظل أسير غلطة من أحد أبويك إلى أن تموت وأنت منعزل متقوقع، لم لا تضرب في جنبات هذه الأرض؟ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥].
стр. 355
كيف نتعامل مع هؤلاء الشباب
طائفة من الشباب أغواهم الشيطان، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢] ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] وينبغي ألا نكابر أو ننكر أن عدداً ليس بالقليل وقعوا في ما ذكرت، ولكن
السؤال
هل ننصب بيننا وبينهم سوراً حديدياً وندعو ذا القرنين ليبني بيننا وبينهم سدا لا يستطيع له أحد نقبا؟ لا، وإنما هؤلاء الشباب نحن بإذن الله قادرون على أن نصل إليهم، فلئن وصل الباطل إلى النفوس وما كان الباطل أمراً فطرت عليه النفوس أصلاً، فالحق أدعى لأن تقبله النفوس، والنفوس قد فطرت عليه، ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فليس بغريب أن تعود المياه إلى مجاريها، وأن يعود الشباب إلى الصلاح والاستقامة إذا نحن أخذناهم باللين والحكمة والموعظة الحسنة والرفق في معاملتهم واللطف معهم، ونحن يوم أن نكون صرحاء في وصف واقع بعض الشباب فإن هذا لا يعني أننا قساة أو نمارس القسوة في علاجهم، فإن الذي يصف مرضاً فتاكاً مهما وصف الفتك بأبشع العبارات فإن هذا لا يعني أنه عدوٌ للمريض إذا أراد أن يعالجه.
لذا أحبتي في الله! أقول وبكل يقين: إن هذه النفوس كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] اعلموا أن هذه النفوس لو وجدت كلمة الحق إلى ثغرة من ثغرات قلوبهم سبيلا لو أن كلمة الحق طرقت أسماعهم في حالة صفاء، لو أن واحداً استطاع أن يصل إليهم وهم في حال تفرغ ذهن وخلوة من هذه الشهوات لاستطاع أن يصل إليهم، والدليل على ذلك أنك إذا زرت قوماً في عزاء فنصحتهم ووعظت شبابهم، وهم لما يجف قبر أبيهم أو قبر أمهم بعد مصيبة الموت التي حلت في دارهم، تراهم أسرع استجابة من السيل إلى منحدره، والسبب أنهم استمعوا إليك في لحظة ما كان يزاحم حديثك عندهم صورة ولا قينة ولا مسلسل ولا فيلم ولا لهو، فأطيب شيء ينبغي لنا ونحن بصدد دعوة هؤلاء الشباب الذين وصفنا طرفاً من واقعهم أن نأتي إليهم في حال الصفاء، ولا يعني ذلك أن ننتظر متى يموت أحد منهم أو أحد أقاربهم ثم لا نجد وسيلة لدعوتهم إلا في العزاء لا، لكن ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦]، لا تظنوا أحبتي في الله أن أساليب الدعوة موقوفة على أن نجتمع في المسجد ويقوم أحدنا يتكلم، ربما هذه من أقوى أساليب الدعوة، لكن رجلاً ليس بفصيح، وليس بخطيب مفوه، وليس برجل يشار إليه بالبنان، أو يشخص إليه بالعيان، يأخذ ورقة في ساعة من ليل أو نهار، فيكتب رسالة مدادها الحرقة والإخلاص والمحبة والرأفة والشوق والمودة والنصح لهذا المدعو، ثم يبعث بها ولو لم يكن معها هدية ثم يبعث ثانية وثالثة ورابعة، والله ما أسرع ما تجدون إجابة هؤلاء؛ لأنك لم تنصحه في ملأ ولم تفضحه بين الناس، إنما خاطبته ربما قرأ الرسالة في حين صفاء وسكون وهدوء من نفسه، ثم توافق إجابة فيستجيب لأمر الله وبإذن الله .
следующие страницы →