Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
دعوة إلى المصارحة والحوار مع الشباب
فإلى هؤلاء الشباب والشابات، وإلى أحبابنا وإخواننا الذين هم بضعة من مجتمعنا، وخفقة من أفئدتنا، ونبضة من دمائنا، إلى هؤلاء الشباب الذين ضاعت أوقاتهم على الشارع الأصفر، وعلى الطرق الدائرية، وفي الاستراحات إما سهر، أو ورق أو عزف أو قيل وقال أهذا أوانه ودماء المسلمين في البوسنة تسفك؟! أهذا زمانه ورقاب المسلمين في الهند تقطع؟! أهذا زمانه ورقاب المسلمين في مانيلا وكوسباتو والفليبين تقطع وتنحر؟! أو يجوز لعبد أن يشتغل بهذا وللمسلمين أعراض مغتصبة، ودماء سكيبة، ومدن مهدمة مكسوفة، وجلاء جماعي، وقتل عشوائي، وتشريد وتمثيل، واغتصاب حتى للصغيرات والأطفال والعفيفات؟! والله إن الواحد ليعجب! وأذكر ذات مرة كنا في مدينة مع بعض أحبابنا ومشايخنا الدعاة جزاهم الله خيراً، فلما انتهينا من محاضرة كنا في صددها، إذ بنا في تلك المدينة الصغيرة نجد عدداً من الشباب وقوفاً على ما يسمى (بالكاونتر) أو طاولة محل الفيديو، هذا يريد فيلماً هندياً، وهذا يريد فيلم كذا وكانت تلك الزيارة في بداية أحداث البوسنة والهرسك، فكدنا نتقطع ألماً! وما كأن الحدث يعني المسلمين بشيء يا عباد الله! لأن بيننا وبينهم جبال وبحار وأرض وفيافي وقفار لا يهمنا شأنهم، فدخل أحد الإخوة وقال: يا شباب الإسلام! والله لو لم نترك هذا امتثالاً لأمر الله ورسوله فلا أقل من أن نتركه حياءً أن يضحك هؤلاء العمال وربما بعضهم من الكفرة في محل الفيديو وهم يروننا نشتري أفلاماً هندية، فهذا هندي يعلم أن جماعته ينحرون المسلمين في بلاده، أما نستحي أن نشتري هذه الرقصة وهذا الغناء، وهذه الحفلات، والدماء والأعراض والبلاد والديار تهدر وتغتصب وتهدم؟! إن لم يكن خوفاً من الله، فلا أقل من أن نستحي، إذ أن الواقع لا يأذن بهذا، بالأمس خمر وغداً أمر، بالأمس سكرة واليوم وغداً فكرة، لماذا لا تحنكنا التجارب: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦].
فيا شباب الإسلام: هلا فكرتم؟! قل تعالوا إلى كلمة سواء، تعالوا لنتناقش: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٦] هذه دعوة إلى الشباب، الذين يظن الواحد منهم أنه قد حلق في الثريا حينما يغلق زجاج سيارته على مكيف دافئ، ونغم هادئ، وصوت رخيم، وتجوال بطيء بين الشوارع، أو يجلس جلسة عزف أو لهو أو حديث أو تجوال في سوق لمعاكسة ونحوها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ:٤٦].
تعال يا أخي! لأجلس معك جلسة الصراحة، لأجلس معك أو مع اثنين من أصحابك، وصارحني وأصارحك، قل لي بكل صراحة ما عندك، وأقول لك بكل صراحة ما عندي، إنك لتعجب من بعض الشباب، ذات يوم فيما يسمى بميد، مطعم من المطاعم أو محل من البقالات التي انتشرت، دخلت ذات يوم، فقام أحد الشباب وأشعل سيجارة، ففهمت أنه أشعلها قصداً، فتسوقت ما تسوقت من ذاك المكان وقلت له: أتسمح لي بالحديث معك؟ قال: نعم، تفضل، وكانت سيجارته في يده، فقلت له: اسمك الكريم.
قال: فلان من عائلة فلان.
جدك فلان وأبوك فلان؟ قال: نعم.
قلت: عائلة كريمة، أيليق بشفاه طاهرة تنطق بالشهادتين أن تتنجس بهذا الدخان؟! فاستحى ثم أطفأ سيجارته؟ ثم قال: في الحقيقة يا شيخ! أنا لما رأيتك قصدت إشعال السيجارة.
فقلت: لماذا يا أخي الكريم أشعلتها متقصداً؟ قال: لأن الهيئة بالأمس أخذوني وأنا ما فعلت شيئاً، سبحان الله! تغلط عليك الهيئة وتعاقبني أنا؟! هذا إن سلَّمنا أن الهيئة أخطأت عليك، لكني أريد أن أسألك ما هو الخطأ الذي ارتكبته الهيئة عليك؟ فإذا به يتسكع في الطريق في وقت الصلاة وهو مقيم صحيح لم يدخل المسجد، ولم يقم بالصلاة، فما الذي رده وما الذي منعه أن يدخل المسجد؟! أولما جاءته الهيئة وقادته إلى بيت الله، أو حدثوه بمكبر الصوت جعلها سبة وعاراً لنفسه، وأراد أن ينتقم بها من كل من يرى؟! ثم أخذنا ندور ونجول في الحديث، إلى أن قال لي: أسأل الله أن تكون توبة، ولا يلزم من ذلك أن يكون تائباً، قد يكون قالها أمامي، ولا يلزم أن نسمع هذه القصة فنقول: ما شاء الله! توبة صادقة، أو توبة صحيحة لمجرد كلمة أو كلمتين قف عند هذا.
أخي الحبيب نقول: إن هؤلاء الشباب الذين تسكعوا وجلسوا وانشغلوا بلا مهمة نريد أن نخاطبهم، وأن نكاشفهم، وأن نصارحهم، وأن نسألهم: كم جمعت من المال لزواجك؟ إن لم تكن مشغولاً بالدين وبالدعوة فلنسألك عن حجم اشتغالك بما ينفعك في دنياك، كم جمعت من المال لزواجك؟ كم أعددت، وماذا أعددت لبناء بيتك؟ ماذا فعلت لرفع قدراتك ومواهبك؟ ماذا أعددت لكي تحصل وظيفة مناسبة تنفعك في دينك ودنياك؟ ضياع في الدين والدنيا، خسار وبوار في الدنيا والآخرة بهذا الأمر الذي جعلوه ديدنهم وطبيعتهم وهجيراهم كما قال الشاعر:
وكل امرئ والله بالناس عالم له عادة قامت عليها شمائله
تعودها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمر أوائله
إن بعض الشباب يتسكع ويدور، ويمتهن هذا الفراغ، وهذا الاشتغال في كرة وفن، ولهو وطرب، ورياضة، وجلسات وسهرات، ويقول: إذا جاوزنا الخامسة والعشرين تركناها، أو إذا جاوزنا الثلاثين تركناها، اعجبوا كل العجب من أقوام ادعوا ذلك فلم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً!
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولا تلين إذا كانت من الخشب
أنت -أيها الشاب- قادر على تغيير مسار حياتك ما دامت قواك قوية دفاقة قادرة بإذن الله، وأنت عاجز إذا خارت منك القوى، واستحكمت فيك العادة، وغلبك الشيطان، وتحكمت بك الغفلات.
فإلى إخواننا الأكارم، وإلى شباب الإسلام: أليس في الدعوة إلى الله شغل؟ أليس في صلة الأرحام شغل؟ أليس في بر الوالدين شغل؟ أليس في حفظ الكتاب والسنة شغل؟ أليس في طلب العلم، والكسب الحلال، وحلق العلم، والجد والدراسة والمثابرة، والدورات التدريبية والمهنية، وما يفيدك على اكتساب صنعة نافعة، أليس في هذا شغل؟ بلى.
إذاً فما الذي أشغلك عن خير الدنيا والدين واشتغلت بما يضرك؟ أيها الأحبة: نعم.
إنها دنيا تفتحت علينا، وأموال تدفقت بين أيدينا، وأمور قد كفلت لنا، فما أصبح الشاب يجد عناء إيجاد شربة من ماء؛ لأن الصنابير تتدفق بهذه المياه، وما أصبح الشاب يجد عناء البحث عن الكسوة، ولا يجد عناء البحث عن اللقمة، فتهيأت الدنيا حتى استحكمت وبلغت بنا حد الترف، وهي علامات هلاك الأمم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦].
стр. 2907
دعوة إلى مصارحة ومحاورة النساء
ولبناتنا وزوجاتنا وأخواتنا: أليس لامرأة مسلمة شغل في ذكر الله وحفظ كتابه؟ أليس لها في خدمة بيتها والعناية بأولادها غنية وكفاية عن الاشتغال بالاجتماعات التي امتلأت بتبادل صور المجلات، ومجلات الأزياء؟ وربما اجتمع بعضهن على شريط رقص وأخذن يرقصن عليه، العمر أثمن وأجل من هذا، حتى إن بعض البنات والنساء أصبحت تتأفف من أعمال المنزل، والأسرة، وأعمال الأنوثة، بل إن بعضهن اعترضت فقالت: يا ليت ربي ما خلقني أنثى، يا ليت ربي خلقني ذكراً، من شدة انشغالها في اللهو أو الحرام، وتبرمها بالواجب والمسئولية الملقاة على عواتق بعض الفتيات تتبرم بعضهن من خلقها وتكوينها وما هي عليه، وكأن هذا قدر خاطئ، أو كأنه أمر فيه ظلم لها ولا حول ولا قوة إلا بالله! أليس لفتاة الإسلام القدرة على أن تجعل من بيتها مركزاً دعوياً نشطاً تجمع فيه جاراتها وصويحباتها يقرأن فيه، يسمعن فيه، يتناقشن فيه، يحفظن فيه؟ هل يكون الإسلام همَّ فتياتنا بدرجة أولى؟ ثم هل تكون الدعوة هي الشغل العملي لبناتنا وأخواتنا؟
стр. 2908
وقفات مع أهل الأشغال المختلفة
стр. 2909
وقفة مع شباب الرياضة
إن مهمة العمر عظيمة وخطيرة، إن مهمة العمر في زمن قصير، فهو قصير بالأكدار، وقصير بالآجال المفاجئة، وقصير لأن كل لذات الدنيا فانية حقيرة، فمن ذاق طعاماً انقلب غصصاً في جوفه حتى يتخلص منه، ومن ساغ شراباً انقلب حصراً في جوفه حتى يتخلص منه، ومن جلس مجلساً تبرم إذا طال المجلس حتى يقوم منه.
إذاً فلذات الدنيا ذاتها مكدرة إذا طال العبد فيها، فما بالك بحال الدنيا والعبد مفارقها لا محالة، فالعمر قصير، واللذات مكدرة، ولكنا نعود ونقول لأولئك الشباب والفتيات: اسألوا الذين انشغلوا بالفن والطرب واللهو والكرة، اسألوا الذين قطعوا شوطاً بعيداً في كل ما سمعتم، اسأل نجماً رياضياً: هل كانت الرياضة مهمة يأنس إليها، ويركن ويطمئن ويتوكل عليها، ويرجو أن يموت عليها؟ على الرغم من اشتغال الجماهير به، المعجبين حوله، والكاميرات والفلاشات، وآلات التصوير، والصور الملونة في الصفحات الملونة في الجرائد والمجلات، كان ذلك النجم شغلاً شاغلاً للشباب في كراساتهم، وعلى طاولات دراساتهم، وكانت صور هؤلاء النجوم معلقة في حجرهم، وبعضهم تمنى أن تكون له صورة ولو بمكان قريب من ذلك النجم، سعدت تلك الأعين التي رأتك والأعين التي رأت من رآك.
بعضهم لو قيل له: إن فلاناً جالس مع اللاعب أو النجم الفلاني لكبر خمساً تسعاً نسقاً، فكأنما هي مكرمة نالها بالجلوس مع صاحبه هذا، ومن يكون فلان الذي يأتي يوم القيامة وكل نفس بما كسبت رهينة، هل تنفعه أهدافه؟ هل تنفعه جولاته؟ هل تنفعه صولاته؟ اسأل أولئك النجوم وقل: هل ترجون أهدافكم ساعة الاحتضار؟ وهل ترجون مواقفكم وصدكم لهجمات الفريق المعادي لكم، هل ترجونها يوم نزع الروح؟ لا والله.
كل يتبرأ من هذا كله، فلا ينظر أيمن وأشأم منه إلا ما يرجوه من رحمة الله وعمل صالح.
стр. 2910
وقفة مع شباب الفن
اسألوا الفنانين: هل يرجوا أحدهم أن يلقى الله بمائة أغنية، أو بخمسين لحن؟ اسألوهم رغم ما وجدوا وعبروا في حال غفلة أنهم يعيشون الفن للفن، والطرب للطرب، والأغنية للذوق الرفيع، هل يرجون هذا لله جل وعلا؟ لقد جلس بعضهم ودار الكأس بين يديه -كأس خمر- ورقصت الراقصات أمامه، وطالت السهرة، وبزغ الفجر شاهداً عليه أنه أمضى ليله في معصية الله، قد عصى الله ببصر ولو كان كفيفاً ما استطاع، عصى الله بيد ولو كانت شلاء ما استطاع، عصى الله برجل ولو كان معوقاً ما استطاع، عصى الله بعافية ولو كان سقيماً ما استطاع.
اسألوا التائبات والراقصات والممثلات اللائي يذكرن بكل مرارة سالف عهدهن بما فيه مما يستحى من ذكره، وما كان اشتغالهن بذلك شيئاً يرجى عند الله.
اسألوا من شرب الخمر بأصنافها وأنواعها، معتقة صرفة أو مشوبة، ماذا أغنت عنهم يوم أن دنا الموت منهم؟ ماذا أغنت عن بعضهم يوم أن طعن في سنه معاقراً لها، فغلبته نفسه حتى ضعف عن تركها والتوبة منها؟ إنه لأمر عجيب! نجوم سطعوا ولمعوا ولحقتهم الصحف، وصورت صورهم على غلافات المجلات، وجعل لهم النصيب الأوفى، بل أصبحت صدور بعض النجوم دعاية تعرض بالأموال، فالذي يعلق دعاية مشروب أو غسيل أو صابون أو منتج على صدر اللاعب الفلاني، فإنه يدفع مبلغاً وقدره كذا وكذا ذلك النجم الذي أشغلت به وكالات الأنباء، أو بعض المراسلين في وكالات الأنباء، وشغل به صحفيون ومجلات ولقاءات وزيارات ومراسلات، وهدايا وأرصدة مفتوحة يهدى لهم فيها اسألوهم: ما هي نهاية المطاف؟ إنهم قد عبروا المحيط إلى آخره فما وجدوا إلا ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها.
عبروا محيط الفن والرياضة والأفلام، ومحيط الإخراج السينمائي، ومحيط الشهرة والأضواء، فلما تلاطمت أمواج هذا، وسطع كل ما حولهم وجدوا أنهم إلى لا شيء، وفي غير شيء، في سراب وهراء، في رماد تذروه الرياح، في رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، في هباء منثور، في ضياع وضلال وخبال، أليس لشباب الإسلام في هؤلاء عبرة؟ أليس لهم فيهم عبرة وذكرى؟ ثم اعجب بعد ذلك -أخي الكريم- أن تجد بعض هؤلاء النجوم قد ترك كل هذه الانشغالات، وكل هذه النجومية وذلك اللموع، وعاد إلى الله تائباً منكسراً؛ لأنه لم يجد في ذلك كله شيئاً.
стр. 2911
شباب عرفوا حقيقة الطريق
في سنة من السنوات في شهر رمضان جاء إلي شاب عليه سيماء الصلاح والاستقامة، فتعرفت عليه وقال: أنا كنت مع المطرب الفلاني المشهور، كنت أسافر معه ونحيي السهرات في القاهرة، وذات يوم سافرنا جميعاً، فشرب المطرب الكبير عند قومه وأتباعه ومعجبيه فلم يستطع أن يحيي السهرة تلك الليلة، ثم رشح مكانه ولسان حاله يقول:
خلت الديار فساد غير مسود
فتقدم بين القوم، وأخذ يعزف ويغني، قال: وفي لحظة وأنا أنظر إلى الناس من حولي وأقول: ماذا يغني عني هؤلاء؟ ماذا ينفعني هؤلاء؟ ماذا يقدم لي هؤلاء؟ قال: فاقشعرت نفسي وتوجست خيفة، وأنكرت نفسي من نفسي وحالي من حالي، فضلاً عن إنكاري لمن حولي، قال: فعدت، ومنَّ الله جل وعلا عليه بالهداية.
فأقوام بلغوا قمة الأشواط في الفن والرياضة والنجومية واللموع في أمور شتى فعادوا؛ لأنهم وجدوها أشغالاً بلا مهمة، عادوا وتركوا ذلك كله لأنهم لم يجدوا شيئاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] وجدوا هذا الفن كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماءً، وجدوا هذا الفن وهذه الشهرة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وأحد النجوم لما أصيبت قدمه، وما عادت رجلاً ذهبية كسالف عهدها في الرياضة، ومحاورة الفرق، ومباراة اللاعبين، رمي في بيته، ولم يعرفه بعد ذلك اليوم إلا من أحبه في الله بعد توبته وداوم على زيارته وصداقته.
أيها الأحبة: هؤلاء بعض الذين عرفوا حقيقة الطريق، اشتغلوا بالفن واللهو، والرياضة، والجلوس، والشرب، والسفر، وأنواع المعاصي، فعادوا مستسلمين قد نكسوا الراية، وألقوا السلاح، وانقادوا إلى الحق، وقالوا: نحن نذرٌ لكم، ونحن نقول: لن تجدوا وراء هذا شيئاً يذكر، إنما هي انشغالات بلا مهمة.
والعجب -أيها الأحبة- وقد صرح بذلك بعضهم، يقول: نحن نتعب ونعد الممثل والممثلة، ونبني لهم المسارح، ونوزع الدعاية، ونحث الجماهير، وندعو الصحفيين، ونعطي الأموال، ونأتي بالخبراء ليضللوا الجماهير، وفي نهاية الأمر نفاجأ أن الممثل يتوب ويترك المسرحية، ونفاجأ بأن الممثلة تتحجب وتترك السهرة، وبأن النجمة الفلانية تابت وتحجبت، وتركت هذا كله، نعدها لتضل الآخرين فإذا بها تهتدي، نعم، قد رأت الحق: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
أيها الأحبة في الله: إنها انشغالات مؤلمة أن نجد هؤلاء الشباب مشتغلين، ويقر بنفسه أنه مشغول بلعب كرة القدم، ولو قلت له: تفضل هذه صفارة اشتغل بها، لقال: أنا جاهل تعطيني لعبة أشتغل بها، يرضى أن يشتغل بلعبة، وفي المقابل يناقض نفسه أن يشتغل بلعبة من نوع آخر، لأنه قد غسل دماغه إلى حد ما، فرأى أن هذه لعبة جديرة بأن يُشتغل بها، لسنا بهذا نحرم الرياضة، أو أن يمارس المسلم رياضة أياً كان نوعها ما لم تكن محرمة في ذاتها، أو تفضي إلى حرام بحدودها في ضوابط وقتها وأدائها، ولكن اعلم أنها لعبة، فليست جديرة بأن تأخذ اهتمامك، وما نفعك أو ضرك إن فاز هذا على هذا، أو قتل الحارس في المرمى بضربة بين فكية، أو مات شهيداً -ولا يكون شهيداً- أو مات عند هذه البوابة، القضية بالنسبة لك لا تعني شيئاً، يظن بعض الشباب أن القضية بالنسبة له مؤلمة.
ثم إن الفنان ما خرج له الشريط، أو أنه لم يجد له شريطه، وتجد بعض المتابعين المتشددين لبعض هذه المواقف يضرب أخماساً بأسداس، وربما خبط وضرب ما حوله بيد غليظة من شدة تأثره عندما ضيعت الفرصة.
стр. 2912
حقيقة الدنيا والآخرة
ومن عجائب تأثر هؤلاء بانشغالات لا تليق، أن واحداً كان مغرماً بلعبة البلوت التي استهلكت وقته، فكان العدد ذات يوم لم يكتمل بعد، الرباعية المخصصة المنتخبة للعبة لم تكتمل، فكان أن كمل العدد وهو ماهر خريت، ذو سهم صائب في لعب الورق، ولكنه يعتبر موظفاً صغيراً عند هذا المدير الكبير، فأخذوا يلعبون، وحمي اللعب، وحمي الوطيس، وعلت الأنفاس، واشرأبت الأعناق واللعب ساخن، إذا بالمدير يغلط وينزل ورقة، كان الواجب أن ينزل ورقة حاسمة كاسبة لو أنه أنزلها، فقال له الموظف الصغير: يا بقرة! معك ولد كذا وما تنزله، بهذه العبارة! قال: عجيب بهذه السهولة، المدير يصبح بقرة في مقابل ورقة! انتهينا من هذه اللعبة.
نعم.
جرأة، لأنها لعبة أدمنوها وأشغلتهم، تابعوها بلا مهمة ولا غاية ولا نتيجة، قادت بعضهم إلى أن سب وشتم بعضاً، وأعاد بعضهم القول السيئ على الآخر.
فيا أحبابنا: لماذا لا نشتغل بالغاية التي من أجلها خلقنا؟ إن مقادير الأخطار التي تحيط بالأمة، وإن قصر العمر المكدر بالأمراض والأسقام والأخطار، وإن هذه الحياة الفانية التافهة، يقول ﷺ في الحديث الذي يرويه مسلم في وصف الجنة: (والله ما الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) إن قطرة علقت بيدك يوم أن أدخلت أناملك في البحر، هذه القطرة هي الدنيا، والآخرة هي البحر المتلاطم، كم في البحر وكم في المحيط من قطرة؟! أنضيع الآخرة بسهرة؟ أنضيع الآخرة بأغنية؟ أنضيع الآخرة بلذة فانية زائلة؟ أنضيع الآخرة بهوى وصورة مشوهة محرمة؟ أنضيع الآخرة بلهو وعبث وباطل؟
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد فلقد عرضت بأيسر الأثمان
الجنة معروضة، وأبوابها مشرعة، وداعي الرحمة والتوبة والهدى يصيح صباح مساء: حيَّ على الفلاح مجاناً وبلا مقابل، ومن دنا دنا الله منه، ومن أقبل أقبل الله عليه، ومن تقرب إلى الله شبراً تقرب الله إليه ذراعا، ومن أتى ربه يمشي أتاه ربه هرولة، ومع ذلك تجد إعراضاً وجفاءً من كثير من الشباب والشابات، أفلا تحبون الله؟! أفلا تحبون رسول الله؟! بلى والله، نحب ربنا ونبينا وديننا وكتاب ربنا، ولكنها محبة ناقصة، محبة ما تحكمت:
جهد الصبابة أن تكون كما أرى عين مسهدة وقلب يخفق
المحبة الحقيقية للدين والإله والرسول أن يكون هواك للدين، همك للدين، اشتغالك بالدين، ميلك للدين، أخبار تتعلق بالدين تجعلك تفرح أو تبقى حزيناً تجاه ما يبشر أو ما يكدر.
стр. 2913
صناعة الشخصية المسلمة
أيها الإخوة: لماذا لا نشتغل في صناعة الشخصية المسلمة، واكتساب القدرة العلمية والعملية؟ لماذا لا نصنع هذه الشخصية بالاقتداء؟ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لماذا لا نصنع الشخصية ونشتغل بهذه الصناعة بمصاحبة الأخيار؟ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] صناعة الشخصية بهذا الاقتداء وبهذا الإعداد للدار الآخرة، فإن لم تكن عالي الهمة، وشامخ المطالب فلا أقل من أن تشتغل في مباح، ينفعك أو ينفع أولادك، في تجارة، في رزق حلال يعود عليك، أما أن يترك العبد كل هذا الدين والدنيا الحلال، ثم يشتغل بالحرام فذلك أمر عجيب وغريب.
إن الله قد ذلل هذه الدنيا وما فيها، ذلل الأرض وما عليها: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥].
إن الذين اخترعوا ما أوجدوا معدوماً وإنما اكتشفوا موجوداً، السمع والبصر والفؤاد وسائر العلم والمعرفة لم تشغل بالضياع ولم تشغل بفساد، لما أُشغلت في أمر معلوم ميسور أنتجت خيراً كثيراً، عقول الكفار التي أنتجت الطائرات والمدمرات، والبارجات والصواريخ، والآلات المختلفة إنما هي عقول فيها الدماء، وفيها العصب واللحم والعظم، وأجسام بنفس الحواس والجوارح التي نجدها، لكنها اشتغلت عقول بعضهم بأمر ميسور ذلله الله، فأنتجت ذلك، يوم أن كانوا يشتغلون بما لا سبيل لهم إليه، كانت أوروبا في القرون الوسطى وعصور الظلام تعيش جهلاً مطبقاً، فلما دعا داعيهم ونادى مناديهم وقال: دعونا نشتغل بهذه الدنيا التي بين أيدينا، طيور تطير كيف نطير مثلها؟ أسماك تغوص كيف نبحر مثلها؟ فأعملوا عقولهم فيما ينفعهم فأنتجت.
أما عقول تضل باللهو وبالفساد، وهمم لا تتعدى الملاعب والفن، والكرة والطرب، والأهواء والشهوات، والسفر في معصية الله، ثم بعد ذلك ننتظر أمة معطاءة، أمة منافسة، نحن أمة على خطر إن لم نتمسك بهذا الدين، لئن كان نصرنا في كثرتنا فإن الأعداء أكثر منا، بل إن أوروبا قد دخلت مرحلة الولاء: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣] الولاء بين دول أوروبا قائم الآن، ويسعون إلى توحيد العملة في كافة أنحاء أوروبا، والسوق الأوروبية المشتركة نوع من الولاء الكافر.
فإن كانت بالكثرة فالكفار: أوروبا وحدها أكثر، أمريكا أكثر، البوذ أكثر، الهندوس أكثر، فلئن كانت بالصواريخ والصناعة والإنتاج والمكتشفات والطائرات، فقد تقدمونا بوناً شاسعاً، وبيننا وبينهم فرق واسع، ولئن كانت بالمعتقد فعندنا عقيدة لئن فرطنا فيها لنكونن أهون الأمم على وجه الأرض، ولنكونن أهون عند الله من الجعلان والجنادل والتراب.
стр. 2914
الشباب وضعف اليقين في قلوبهم
أيها الأحبة: ما الذي أشغلنا بهذه عما خلقنا لأجله؟ إن بعضهم يسوف ويزعم أنه سيعود ويتوب بعد حين، ونقول: يا أخا الإسلام! إنك لا تدري متى يفاجئك الموت:
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
فلا تشتغل بالفساد والحرام والمنكرات ظناً أنك ستعيش:
فكم من عروس زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
لا تكثر التسويف بهذا، وكم عرفتم وعرفنا، ورأيتم ورأينا أقواماً تعودوا التسويف أشهراً وأعواماً وسنوات فردوا إلى بلادهم جنائز محمولة في التوابيت، فكن معتبراً وإياك أن تكون عبرة.
وبعض الشباب أشغله بملذاته وملاهيه ضعف يقينه، كأن الجنة عالم غريب لا يطمع في الدخول والوصول إليه، وكأن النار عالم تخيلي لا يمكن أن يقع فيه أو يزل فيه في يوم من الأيام إن لم يتداركه الله برحمته، الأمر الذي جعل الصحابة يبكون، والسلف يسقطون وخشية، هو سوء الخاتمة، يخافون النار ويرجون الجنة، إنهم يرونها حق اليقين.
كنت في صالة الامتحان، أوزع أوراق الأسئلة فإذا بشاب يلتفت يمنة ويسرة فقلت: من التفت إلى زميلة أثناء توزيع الأسئلة أسحب ورقته، فلما وزعت الأسئلة إذا به يلتفت، فجئت وسحبت ورقته وحرمناه نصف ساعة، فإذ بالدموع تنحدر على خده، لماذا؟ لأن عنده يقيناً أن هذا الموقف الذي وقفه الآن له عاقبة يتيقنها وهي رسوبه في الامتحان، فمن وقع ووقف موقفاً يدرك بكل يقين عاقبته أنها إلى جنة أو نار فإنه يبكي إن فاتته إن كانت إلى الجنة، ويبكي إن وقع فيها إن كان مؤداها إلى معصية الله وسخطه وعذابه.
أصبح الكلام عن الجنة حديثاً للعجائز، وحديثاً لكبار السن، ولطائفة من الناس، أما الشباب فلهم حديث آخر، لا يا أخي الكريم، إن شغلنا وأمنيتنا هي الجنة والنجاة من النار بعد رضا الله، جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسئل: كيف تصلي أو كيف تدعو؟ قال: (أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ يا رسول الله، ولكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، قال ﷺ : أنا ومعاذ حولها ندندن) بل أفضل خلق الله وهم أنبياء الله ورسله يقول الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] (رغباً) في الجنة (ورهباً) خوفاً من النار.
اليقين بالآخرة، اليقين بأنك ستموت، اليقين إذا رأيت جنازة أنك يوماً ما ستكون مثلها، اليقين إذا رأيت نعشاً أنك ستقلب والماء يرش على بدنك، فتغسل جنازة، إذا رأيت سدراً أو كفناً أو حنوطاً تتيقن أنه سيوضع في مغابنك، اليقين أنك ستوضع في هذا القبر، اليقين بأنك ستبقى وحدك، اليقين أن هذه الإضاءة ستتحول إلى ظلمة في القبر، وهذا الأنس سيتحول إلى وحشة اللحد، وهذا المراح والبراح سوف يتحول إلى لحد أضيق من ضيق، إذا عشت هذا اليقين والله لو دعيت إلى كل لذة، وهيئت لك، وغلقت الأبواب دونها لأنفت منها طمعاً فيما عند الله، وخوفاً أن يفوتك فضل الله وما عنده.
стр. 2915
خطر الإعجاب بالعصاة والعلاج منه
ثم إن بعض الشباب اشتغلوا بالمعصية إعجاباً بالعصاة، فتجد بعض الشباب يعجب بفنانٍ من الفنانين فيذهب يشتري عوداً، ويعزف ويطرب وينغم، ويجمع حوله من يعجبون بهذا، وينهون وينأون، وينشرون بين أنفسهم شراً وضلالاً.
إذاً: فالعلاج أن نعجب بالصالحين وبالقادة، وبالعلماء، وبالدعاة، وأن نتأسى بسمتهم وهديهم وخطاهم، فإن النظر في سير الصالحين يدعو إلى الاشتغال بسمتهم والتأسي بهم، وإن متابعة سير الفسقة والفاسدين يدعو إلى تقليدهم، تجد بعض الشباب قد ربط على رأسه شريطاً أحمر، ولبس فنيلة معلقة قد أبدت كتفيه، ولبس سروالاً عجيباً مضحكاً، فتقول: ما الذي دعاه إلى هذا؟ ويمر بين الناس والناس يشخصون إليه بأبصارهم، ف
الجواب
لأن الممثل الفلاني، أو النجم الفلاني يفعل هكذا فهو يقلده.
ذات يوم رأينا شاباً عليه رباط أحمر، وقصة كأنها كلب تاتشر أو ديانا، وفانلة معلقة وشيء غريب، فقلت: ما شاء الله، من هذا؟ من كوكب بعيد؟ قال: لا.
هذا يقلد رامبو، مجرد الإعجاب بهذا الكافر جعل هذا الشاب يتأسى خطاه، ويقتدي به ويقلده، فيشتغل بمعصية الله عن طاعته ، فشاب يُعجب بفاجر يقلده، شاب يُعجب بفاسق يقلده، من أجل ذلك الحذر الحذر من أن يكون الفجار والفساق مواقع إعجابنا، بل إذا رأى أطفالنا أو أولادنا فاجراً أو فاسقاً فلنقل: إن هؤلاء في ذلة وهوان وضعف، إن هؤلاء مساكين، إن لم يتوبوا فهم على خطر وهلاك عظيم، فلنعمق في أنفسنا احتقار هؤلاء الذي يصدرون الفساد، ويعدون نجوماً وقادة فيه، هذا أمر ضروري جداً، وإلا سيدخل الإعجاب إلى القلوب ثم يؤثر على الجوارح.
стр. 2916
شباب اشتغلوا بطاعة الله
стр. 2917
ثابت البناني وإعجابه بمن أطاع الله
وانظروا إلى من يشتغلون بالطاعة، ويعجبون بمن يشتغل بالطاعة، ذكر أن ثابت البناني ﵀ خرج إلى بغداد فرأى بساتين جميلة فيها ثمار يانعة وورود مفتحة، وفيها أشجار فناء، ورياض خضراء، فقيل له: يا ثابت! ما الذي أعجبك في هذه البساتين؟ فقال: أعجبني في بستان كذا عجوز رأيتها تصلي الضحى، كان مشغولاً بطاعة الله، معجباً بمن يطيع الله، فأعجبته طاعة الله، وإن بعض المسلمين قد لا يفعل كثيراً من المعاصي، لكنه معجب بمن يقترفون أنواع المعاصي، وإن هذا دليل مرض القلب، أن تكون محباً معجباً بمن كان مشغولاً ماضياً على معصية الله، لأن من أحب قوماً حشر معهم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] من أحب أهل الربا حشر معهم، من أحب أهل اللهو والصد عن ذكر الله حشر معهم، ولما جاء أعرابي قال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: من السائل؟ بعد أن أمضى حديثه قال: هو أنا ذا يا رسول الله! قال: ماذا أعددت للساعة؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل ولكني أحب الله ورسوله، فقال: أنت مع من أحببت يوم القيامة) وآخر قال للنبي ﷺ : (المرء يحب القوم ولما يلحق بهم -لم يصل درجتهم، يوشك أن يصل درجتهم- فقال ﷺ : المرء مع من أحب يوم القيامة) وروي أن النبي ﷺ سئل عن الهوى فقال: (المرء مع من أحب يوم القيامة) فإن لم تكن صالحاً مصلحاً هادياً مهدياً فلا أقل من أن تحب الصالحين، وتعجب بهم، وترجو وتتمنى أن يكون أبناؤك وبناتك وأقاربك ومن دونك وتحت ولايتك أن يكونوا على هذا السمت الطيب:
إذا أعجبتك صفات امرئ فكنه يكن فيك ما يعجبك
فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
أيها الأحبة: من سير المشتغلين بطاعة الله الذين يرجون الآخرة ورحمة الله، كان أحد السلف لا يقرأ آيات العذاب وأهوال القيامة إلا إذا علم أن ولده ليس معه في مسجده، لما يصيب ولده من الوجل الذي يحصل له بسببه السقم، فصلى ذات يوم ولم يعلم أن ولده وراءه فقرأ آيات من الوعيد وولده معه في المسجد، فسقط الولد مغشياً عليه وعاد إلى البيت سقيماً، نحن لا نطالب الناس جميعاً أن يبكوا، فمن الناس من يعجز عن البكاء، وليس عدم بكاء الإنسان دليل على فجوره أو فسقه، لكن انظروا من اشتغلت نفوسهم بالطاعة تهتز أفئدتهم ولا يملكون دموعهم، ويهتزون خوفاً ورغبة وطمعاً ورغباً ورهباً.
стр. 2918
الربيع بن خثيم وانشغاله بطاعة الله
هذا الربيع بن خثيم شاب من الشباب، مشغول بطاعة الله جل وعلا كان يبكي وربما لم ينم ليلة أو ليالي متتابعة، فتقول أمه: يا ربيع! لماذا لم تنم؟ فيقول: وكيف ينام من يخاف الموت يا أماه؟! ويبكي بكاء شديداً، فتقول: والله إن من رأى بكاءك يظن بك السوء؛ هل قتلت نفساً أخبرنا، فإن أهل القتيل لو علموا بحالك لعفو عنك رحمة بك، وشفقة لما حل بك؟ قال: نعم يا أمي! لقد قتلت نفساً فلا تخبري أحداً، إني قتلت نفسي بالذنوب.
أقوام اشتغلت أنفسهم بالطاعة فاشتاقوا إلى الآخرة، وعلموا أن الدنيا ممر ومعبر لكي يستقروا في نعيم لا يتكدر أبداً.
يقول ابن مسعود ﵁ الله عنه عن ذلك الشاب المشتغل بطاعة الله ألا وهو الربيع بن خثيم: [يا ربيع! لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك] شاب يقول له ابن مسعود: [لو رآك النبي لأحبك].
стр. 2919
ربعي بن حراش يبتسم عند الموت
وهذا ربعي بن حراش قلما رئي هازلاً ضاحكاً، فقيل: لماذا لا تضحك؟ فقال: وكيف يضحك من سيمر على الصراط، فلما مات مات ضاحكاً متبسماً، وغسلوه وهو ضاحك، ودفنوه وهو ضاحك مبتسم، ولسنا بهذا نحرم أو ننكر على أحد الضحك، ولكن نقول: من اشتغل بشيء أشغله، من أولع بشيء شغل قلبه، من اشتغل بالطاعة شغلته واهتم بها، والدار الآخرة مثل حالي أو حال كثير من الناس فيها كحال رجل أعطي أرضاً فلم يحفر بها بئراً، ولم يغرس بها نخلاً، ولم يجعل لها سوراً، فلا يبالي أن ينزل بها الذئاب والكلاب، وأن ترمى بها الأقذار والأوساخ، وآخر أعطي أرضاً، فأنشأ لها سوراً، وغرس بها نخلاً، وحفر بها بئراً، فهل يرضى أن ترمى بها المزابل والأوساخ والسباطات والقذارات؟ لا.
فالشاب الذي يبني الآخرة، يسورها بسور جميل، يشق فيها أنهاراً، يغرس أشجاراً، ويحرثها، فلا يرضى أن يرمى في أرض آخرته المزابل والمعاصي، أما الذي أرض آخرته كلأ مباح للذئاب والبهائم يوضع فيها الروث والسرجين والنجاسات والأوساخ، فلا تعجب ألا يبالي بأمر آخرته، وربما نفع غيره بضر آخرته هو: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية:٢١].
يا شباب الإسلام! لا تظنوا شاباً إذا رأى امرأة ولو اشتهى النظر إليها عف وغض بصره عنها، كشاب تابعها حتى يواريها مأواها، لا تظنوا شاباً عرض عليه فلم فرمى به وكسره يستوي مع شاب أشغل ليله سهراً في رؤيته ورؤية ما فيه من الحرام.
يا شباب! لا تظنوا شاباً قد جمع آلافاً أو مئات أو عشرات من أشرطة الغناء يستوي مع شاب لا يسمع إلا كلام الله ورسوله، لا تظنوا شاباً يذهب مع الغادين والرائحين ومن هب ودب في الأسواق والمجمعات التي فيها الغث والسمين والضار والنافع يستوي مع شاب لا يرد إلا حلق الذكر، ورياض الجنة، ومجالس العلماء، ومواقع الطاعة بإذن الله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١].
стр. 2920
وصية لطلاب العلم في ترك النقد
وأخيراً أيها الأحبة: دعوة إلى الطيبين، إلى الصالحين الذين أكرمهم الله بالهداية وبالاستقامة، ثم لم يكن لهم بعد ذلك شغل إلا الجلوس في المجالس، ما رأيك في فلان؟ وما حكمك على فلان؟ وما قولك في فلان؟ وكأنهم أئمة الجرح والتعديل، وكأن الكون لا يدور إلا بآرائهم وأحكامهم، قد اشتغلوا بما لا يسألون عنه عما سيسألون عنه، وفي هذا المقام أنقل لكم وصية الإمام/ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان التفسير المشهور المعروف، كان يقول لولده: يا بني! إن الله لن يسألك يوم القيامة لماذا لم تشتم فرعون، ولكن الله سيحاسبك على عرض كل مسلم زللت فيه، بعض الشباب وإن كانوا من الصالحين مشغولون بالجرح والتعديل في الناس، وليسوا عليهم وكلاء، وليسوا عليهم بحافظين: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٣٣] ولن يحاسبوا عنهم، ولكن مشغولون بهم، ولو سألت أحدهم عن نفسه ماذا حفظت؟ ماذا قرأت؟ ماذا استظهرت؟ ماذا أنتجت؟ كم شاباً دعوت؟ كم كافراً دعوت إلى الإسلام؟ لما وجدت حظ الإسلام منه شيء، وكما قال القائل:
وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع
شاب لو صارت له مصيبة لانزعجنا لمصيبته، لو احتاج دماً تبرعنا له من دمائنا، لو احتاج كلية لبحثنا نشتريها أو نتبرع بها، لو حصل له فاقة لجمعنا الأموال بعد عسره، ولكن في حال طمأنينته ما نفعنا وما نفع الدعوة، وما نفع الإسلام بشيء.
فيا أخي الكريم: لا تكن من المشغولين بلا مهمة، لا تكن من الذين ذهبت أيامهم ولياليهم بلا فائدة أبداً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله جل وعلا أن يكون الحديث حجة لنا ولكم، ولا يكون حجة علينا وعليكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2921
الأسئلة
стр. 2922
الفوضى وضياع الوقت بين الشباب الملتزمين
السؤال
أحد الإخوة يقول: تكلمت عن الشباب الذين لم يرد الله لهم الهداية، فما بال وما شأن شباب الصحوة، حيث أني أعيش مع شباب مهتدين مع الأسف إما في ضياع الوقت والسهر والهامشية والفوضى؟
الجواب
لعلي ذكرت هذا في آخر نقطة، نعم، إن بعض الشباب المسلم يظن أنه قد خدم الإسلام، ونصر البوسنة، وجمع شمل المجاهدين، ورد اليهود من القدس بمجرد التزامه وكفى ووفى، وليس هذا بصحيح، إننا نريد التزاماً وعملاً وجهداً وإنتاجاً، وشاباً لا يجعل لكل سنة مهمة، ولكل شهر جزءاً من المهمة، ولكل أسبوع مرحلة من المهمة أظنه يضيع أيامه ولياليه:
ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا
стр. 2923
أهمية خدمة الإسلام والدين
السؤال
يقول: تكالبت الأعداء علينا من كل حدب وصوب، ما هو دوري وأنا على شفا جرف هار في تيار اليأس والقنوط، وما هو دوري في كوني شاباً مشغولاً بلا مهمة؟
الجواب
يا أخي! نقول لك: إنك كما يقول القائل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول
والله يا أخي الكريم! إنك تملك شيئاً كثيراً، والماء العذب الزلال بين يديك، ومن يعينك على الطاعة أمامك ومن خلفك وعن يمينك وشمالك، والأهداف مرسومة، والوسائل ميسرة، ولكنا نريد خطوة إلى الأمام.
يقول لي أحد الإخوة لعلكم تعرفونه، محمود باحاذق، من أوائل الشباب الذين ذهبوا إلى البوسنة، قال: كنت ذات يوم في المركز الإسلامي في زغرب فجاء شاب بوسني ولعله وشيك أو حديث إفاقة من خمر، ومعه مترجم، فقالوا: إن هذا الشاب يسأل يقول: هل يوجد شيخ أريد أن أسأله عن الإسلام؟ قال: فجيء به إلي، فقلت: وكيف أكلم هذا الشاب؟! قالوا: إنه قد أفاق، فأدار المترجم الحوار بيني وبينه، قال: فكان أول حديثه أن قال: إني شاب مسلم بسناوي -مسكين ما يعرف أن الخمر حرام أبداً، انظروا يا إخوان، الجهل والتضليل البليغ العظيم بأبناء المسلمين في أوروبا الشرقية ودول البلقان اثنين وسبعين سنة تحت الشيوعية - قال: إني مسلم، ولأجل أني مسلم، هدمت دارنا، واغتصبت بناتنا، وذبح آباؤنا، وشردنا من بلادنا، مع ذلك أنا لا أعرف من الإسلام إلا شهادة أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا محمد رسول الله، وأن الخنزير لا يجوز أكله، هذا الذي يعرف من الإسلام، قال: ومع ذلك حملت السلاح وجاهدت الكفار في سبيل هذه المعلومة، فالشاب الأخ الجريح وغيره من الشباب، بل حتى بعض المساجين الآن كم يعرفون عن الإسلام، يعرفون عن الإسلام ما لو سجل من ألسنتهم لبلغ مؤلفات، يعرفون الصلاة، والوضوء، والغسل، وصلاة الكسوف، والخسوف، والجنازة، ويعرفون أشياء كثيرة جداً عن الإسلام، فماذا قدموا للإسلام.
يعني: أنت تعرف عن الإسلام معلومات عديدة ما قدمت للإسلام شيئاً، وذاك البوسنوي لا يعرف عن الإسلام إلا كلمتي الشهادة، تحمل في سبيلها الجهاد والقتل والتضحية والدماء، فالأمر عجيب يا أخي الكريم، تستطيع أن تقدم شيئاً ولكن المسألة مسألة همة:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
بعض الشباب يقول: أتوب وأرجوكم ألا تدخلوني في شيء، ولا تكلفوني شيئاً.
يقال له: هذا شريط توزعه في سبيل الله، كتيب نافع توزعه في سبيل الله، دعوة إلى محاضرة، تعين بريال أو بكفالة يتيم، أو بتجهيز غازٍ، أو أو إلى آخره.
يريد أن يكون ظبياً جفولاً.
فنقول أخي: الزم هؤلاء الصحبة الطيبين الموجودين، وستجد خيراً واستقامة بإذن الله.
بهذا -أيها الأحبة- تنتهي الأسئلة، وأسأل الله جل وعلا أن يعيد هذا اللقاء بيننا وبينكم، وأن يكرمنا بالاجتماع في دار الكرامة، دار الرحمة في جنات النعيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2924
عظمة الخالق
إن الإنسان إن تحدث عن مخلوق لربما لم يوفه حقه، وربما زاد عن حقه؛ لكنه عندما يتحدث عن خالقه جل وعلا فإنه مهما تحدث ووصف، وأثنى ومجّد ومدح، فإنه في الأخير لَيقول: سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
وإن المتأمل في عظم ملكه وقدرته، وأسمائه وصفاته؛ ليزداد بذلك إيماناً يرتفع به إلى مستوى عالٍ من الطاعة والانقياد والاستسلام لمولاه جل وعلا.
стр. 2925
تجلت قدرة الباري
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه على نعمه وآلائه، وأثني عليه الخير كله، أشكره ولا أكفره، وأخلع وأترك من يفجره، أرجو رحمته وأخشى عذابه إن عذابه الجد بالكفار ملحق.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: يتحدث الناس عن العظماء، ويتحدث الناس عن الزعماء، ويتحدث الناس عن أولي القوة والسطوة والعز والجبروت، ولكن كثيراً من الناس لا يفقهون ولا يعلمون ولا يدركون ما لله من عظمة بالغة هي أولى وأحرى أن تذكر، وهي أولى وأحرى أن تسطر، وهي أجل وأعلى من أن يحيط بها علم عبد، ولكن العباد يتطاولون في هذا المقام؛ فما بلغوا فيها من الثناء على الله والإخبات والانقياد والإذعان والتسليم له بمقدار ما أثنوا وأجابوا واستجابوا حمداً ومحمدة ومنزلة عظيمة.
إن الكلام عن عظمة الله -أيها الأحبة- كلام من عباد الله الفقراء عن ربهم الغني، وكلام من عباد الله الأذلاء عن ربهم العزيز، وحديث من عباد الله المساكين عن ربهم الجبار، وحديث من عباد الله أولي المسغبة والمسكنة والمتربة والذلة والفقر والحاجة والانكسار إلى الله ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى الله نور السماوات والأرض، إلى الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، إلى الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، إلى الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، إلى الله الذي يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، إلى الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، إلى الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٣ - ٢٤].
هو حديث من الضعفاء والأذلاء والفقراء عن ربهم الغني العزيز القوي الجبار المتكبر له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
стр. 2926
(أمن يجيب المضطر إذا دعاه)
أيها المسلمون: إذا اضطرب البحر، وهاج الموج، وهبت الرياح العواصف، نادى أصحاب السفينة يا ألله! وإذا ضل الحادي في الصحراء، ومال الركب عن الطريق، وحارت القافلة في السير نادوا يا ألله! وإذا وقعت المصيبة، وحلت النكبة، وجثمت الكارثة، نادى المصاب يا ألله! وإذا أوصدت الأبواب، وأسدلت الستور في وجوه السائلين، صاحوا يا ألله! وإذا بارت الحيل، وضاقت السبل، وانتهت الآمال، وانقطعت الحبال، نادوا يا ألله! إليه يصعد الكلم الطيب، والدعاء الخالص، والدمع البريء، والتفجع الواله.
إليه تمد الأكف في الثناء، والأيادي في الحاجات، والأعين في الملمات، والأسئلة في الحوادث! باسمه وحده لا شريك له تشدو الألسن وتستغيث وتلهج وتنادي، وبذكره وحده لا شريك له تطمئن القلوب وتسكن الأرواح وتنادي يا ألله! الله أحسن الأسماء، وأجمل الحروف، وأصدق العبارات، وأطيب الكلمات، هل تعلم له سمياً؟ الله هذا الاسم الكريم على الذات المقدسة التي نؤمن بها، ونعمل لها، ونعرف أن منها حياتنا وإليها مصيرنا.
الله أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، أهل الحمد، وأهل التقوى والمغفرة لا نحصي ثناءً عليه، ولا نبلغ حقه توقيراً وإجلالاً، ولا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك يا رب العالمين! لو أن البشر منذ كتب لهم تاريخ وإلى أن تهمد لهم على ظهر الأرض حركة نسوا الله أو كفروا به ما خدش ذلك شيئاً من جلاله، ولا نقص ذرة من سلطانه، ولا كف شعاعاً من نوره، ولا غض بريقاً من كبريائه، فهو سبحانه أغنى بحوله وطَوله وأعظم بذاته وصفاته، وأوسع في ملكوته وجبروته من أن يناله منه وهم واهم أو جهل جاهل.
هذه دعوة للتفكر والتأمل والتدبر في عظمة الله وفي خلق الله، وانظر إلى آثار رحمة الله، أدعوك إليها أخي المسلم لتعيش في آيات الله لتستشعر عظمة الله، في علمه وعظمة الله في قدرته، وعظمة الله في خلقه، وعظمة الله في حلمه، وعظمة الله في رحمته، وعظمة الله في قضائه وقدره، لتقف بنفسك على أسرار الكون وحكمة الله في كل صغير وكبير وتقول: يا سبحان الله!
آيات ربك في الآفاق بينة فانظر إليها وغض الطرف واحتسم
سر في سناها وردد في بدائعها جوى اشتياق بقلب خاشع وفم
تنام عنها وما نامت محاسنها لو كنت تعلم معنى الحسن لم تنم
يا سائراً وهو يلهو في مسالكه إن كنت ترجو لقاء الله فاستقم
إذا ما اتجه الفكر في السماوات حيث انتشرت النجوم في الليل، وإذا ما كل البصر فيما لا نهاية له من الآفاق المظلمة، وإذا ما خشعت النفس من رهبة السكون الشامل وكان ثلث الليل الآخر، تنزل الجبار نزولاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه: يا عبادي! هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من داع فأجيبه، وهل من تائب فأتوب عليه، حينئذٍ تبدو الآفاق المظلمة كأنها باسمة مشرقة، يتحول السكون إلى نظرات موحية تنبعث من كل صوب، حينها تتغنى النفس والروح الخاشعة لتقول: سبحان الله! وإذا ما كان المتأمل على شاطئ البحر الخضم ذي الأمواج، وأرسلت الطرف بعيداً حيث اختلطت زرقة السماء بزرقة الأرض، وانحدرت شمس الأصيل رويداً رويداً؛ لتغيب في هذا البحر المالح الأجاج، وحيث تتهادى الفلك ذات الشراع الأبيض في حدود الأفق الملون بألوان الشفق كأنها طائر يسبح في النعيم؛ إذ ذاك يشعر المتأمل بعظمة واسعة دونها عظمة البحر الواسع، وإذ ذاك تقر العين باطمئنان الفلك الجاري على أديم الماء الممهد في رعاية الله الصمد، في رعاية الله صاحب العظمة والكبرياء، عندها تطمئن النفس لرؤية ما تطمئن إليه في منظر جميل، إذ ذاك يخفق الفؤاد ويدق دقات صداها في النفس تقول: يا سبحان الله! وإذا ما اشتد السقم بمن أحاطت به عناية الأطباء، وسهر الأوفياء، ونام بين آمال المخلصين ودعوات المحبين، ثم ضعفت حيلة الطبيب ولم ينفع وفاء الحبيب، واستحال الرجاء إلى بلاء؛ إذ ذاك تتجلى عظمة الله والنفوس جازعة، والنواصي خاشعة، والقلوب واجفة، والأيدي راجفة لتقول: أنا قضيت، ويقول الطبيب والقريب والحبيب: لك الأمر يا ألله فسبحان الله! وإذا بالإنسان ينظر إلى المال فيلقاه فانياً، وإلى الجاه فيلقها ذاوياً، وإلى الأماني فيلقاها زائلة، وإلى الآمال فيجدها باطلة، وإلى الشهوات فيجدها خادعة كاذبة، وإلى المسرات فيجدها آفلة غاربة؛ إذ ذاك يستغني عن الجاه والمال، وتشلُّ في نفسه حركة الآمال بين جاه يدول وأمل يزول؛ عندئذ لا يملأ فراغ النفس إلا ذكره سبحانه، فتقول سبحان الله! سبحان الله فيما يمس النفس من مظاهر العظمة والسعة والرحمة والقدرة والقضاء.
تقول سبحانك اللهم أنت العظيم وأنت الواسع الرحيم، وأنت القادر الدائم، وأنت الجميل والجليل، سبحانك أنت وحدك لا إله إلا أنت.
стр. 2927
خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس
إن الإنسان لم يخلق نفسه، ولم يخلق أولاده، ولم يخلق الأرض التي يدرج فوقها ولا السماء التي يعيش تحتها، ذلك الذي خلقه كله الله ، فمن المقطوع به أن خلق الخلق وإيجاد الخلق من العدم لم ينتجها لنفسه إنسان ولا حيوان ولا جماد، ومن المقطوع به كذلك أن شيئاً لم يقع صدفة ولم يحدث من تلقاء نفسه، فمن الذي خلق الخلق؟ ومن الذي رفع السماء؟ ومن الذي نصب الجبال؟ من الذي بسط الأرض؟ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦].
يقول سبحانه: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠].
هل فكرت في هذه الكواكب السيارة التي تملأ الفضاء، والتي تلتزم مداراً واحداً لا تنحرف عنه يميناً ولا شمالاً، هذه الكواكب تلتزم سرعة واحدة لا تبطئ فيها ولا تعجل، ثم نرتقبها في موعدها المحسوب فلا تخالف عنه أبداً.
إن الكرة تنطلق من أقدام اللاعبين ثم لا تلبث أن تهوي بعد تحليق، أما هذه الكرات الكواكب الغليظة الكبيرة الحجم المضيء منها والمعتم هي معلقة في السماء لا تسقط، سائرة لا تقف، كل واحد منها في دائرة لا يعدوها، قد يصطدم المشاة والركبان على الأرض وهم أصحاب بصر وعقل، أما هذه الكواكب التي تزحم الفضاء فإنها لا تزيغ ولا تصطدم ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠].
من الذي هيمن على نظام هذه الكواكب؟ ومن الذي أشرف على مدارها؟ بل من الذي أمسك بأجرامها الهائلة ودفعها تجري بهذه القوة الفائقة؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر:٤١].
أما كلمة الجاذبية وتفسير بعض المتأخرين إذا سألوا عن كوكب أو عن أمر أو عن شيء من بديع صنع الله ومن أسرار خلق الله ومن دقيق إعجاز الله قالوا: إنها الجاذبية، لم يقولوا: إنها قدرة الله، ولم يقولوا: إنها قوة الله، ولم يقولوا: إنها حكمة الله، لكنهم يقولون: إنها الجاذبية.
والجاذبية كلمة دلالتها كدلالة أهل الرياضيات حينما يقولون سين عن المجهول رمز لقوانين يجهلونها، لكن الحقيقة تقول: إن هذه الكواكب رمز لقوانين تصرخ أنها من صنع الله وباسم الله، ولكن الصم لا يسمعون.
стр. 2928
الله القدير الرقيب !
العالم وما فيه من سكون وحركة أثر لقدرة الله سبحانه، فإذا رأيت البذور تشق التربة وتنمو رويداً رويداً لتستوي على سوقها فذلك بقدرة الله، وإذا رأيت الأمواج تلطم الشُطآن رائحة غادية لا تهدأ حتى تثور فذلك بقدرة الله، وإذا رأيت القاطرات والطائرات تنتهب الفضاء وتطوي الأبعاد وتحمل الأثقال فذاك بقدرة الله، إن كثيراً من الناس يتعجبون من عقول الخلق الذين صنعوا الطائرة، ويتعجبون من عقول الخلق الذين صنعوا الغواصة والباخرة، ويتعجبون من عقول الخلق الذين صنعوا الدبابة والسيارة، ولكنهم لا يعجبون من الخالق الذي خلق هذه العقول التي اكتشفت ما أوجده الله، وهذه العقول ما أنتجت شيئاً من عدم ولكن الله شاء لها أن تكتشف ما أوجده الله وأودعه في هذا الكون.
إذا رأيت البشر يموج بعضهم في بعض، ينفعلون بالحب والبغض والفرح والحزن، ينطلقون عاملين أو يهدءون نائمين فذلك بقدرة الله، وسواء شعرت أم لم تشعر فنبضات قلبك في حناياك، وسريان دمك في عروقك، وكمون الحس في أعصابك، وتجدد الحياة في خلاياك، وانسكاب الإفرازات من غددك، كل ذلك بقدرة الله، لا تحسبن شيئاً في الكون يقدر أو ينهض أو يقوم أو يسير بنفسه، بل كل ذلك بالله وبأمر الله ومن الله وإلى الله، فكما أن الله أبدعه أولاً من عدم فقد أودع فيه من أسرار قدرته وآثارها ما يدل عليه سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤].
الناس حينما يمشون في نفق بين الجبال يقولون: عجباً لهذه العقول التي استطاعت أن تفتت هذه الصخور، وإذا رأوا قطعة من صخر قد أزيحت عن الطريق قالوا: عجباً لهذه الآلات وصانعيها والمعدات وعامليها كيف زحزحت أطراف الجبال عن الأرض، ولكنهم ينسون أن الله قال: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٨٨].
إنهم يعجبون يوم أن يروا صخرة أزيحت عن الطريق أو نفقاً شق في جبل، لكنهم لا يعجبون في قول الله : ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات:١٠] ولا يعجبون من قول الله : ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٩].
نعم أيها الأحبة: إننا لنعجب من أمر يسير ثم نضل أو نذهل أو نغفل أو نتغافل عن أمر جليل، إن ثرية من الثريات التي تعلق في أسقف القصور أو الصالات الكبيرة بلغ من طولها وعرضها وضيائها مبلغاً وصفه الواصفون، وتحدث عنه المتحدثون، وإذا بالقنوات الفضائية والجرائد والمجلات والإذاعات ورجال الإعلام يتحدثون عن هذه الغريبة وهذه العجيبة، والشمس تشرق كل صباح عليهم تضيء الدنيا جميعاً، ثم تغيب ويبزغ قمر يطل على الكون كله فقلَّ أن ترى من يتدبر ويتفكر.
يدخل بعضهم ساحة أو صالة في قصر فيراها طويلة عريضة ليس فيها عمد، أو يرى قبة واحدة ليس بها أعمدة فيتحدث ويحدث الناس ويعجب من طول هذه القاعة وعرضها بلا عمد، ويعجب ويستغرب من استدارة هذه القبة بلا أعمدة، وقد نسي أن الله رفع السماوات بغير عمد ترونها، فأي هذه أولى وأحق بالتدبر والتفكر.
إن الواحد يقف في مكتب من المكاتب أمام جهاز الحاسوب فيسأله هذا الموظف ما اسمك أو أعطني معلومة عنك إن رقماً أو اسماً أو اسم أم أو اسم أب ثم يودع اسمك أو رقمك في جهاز الحاسوب أو ما يسمى بالكمبيوتر، ثم يخرج عنك معلومات كاملة عن ولادتك ومنشأك ووظيفتك وراتبك وزواجك وطلاقك وعدد أولادك، بل هذا الجهاز يخبرك عن أسماء وآباء ورواتب وأحوال وأبناء ووفيات وأموات ومواليد مدينة بل دولة من الدول ثم تعجب وتقول: حاسب بهذا المقدار وشاشة بهذا الحجم تسرع وتعطينا هذه الأخبار، وتقدم هذه المعلومات، أي عجبٍ نرى، أي دهشة نحن فيها، ولكن الكثير ينسى أو يتناسى أو يجهل قول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] يعجبون من الحاسب إذا قدم معلومات عن خمسة ملايين نسمة، لكنهم لا يتدبرون فيما جعله الله في الصحف والسجلات يوم القيامة، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
يعجب أحدهم ويقول: عجباً لهم لا ينسون، لا يغفلون، لا يفوت عليهم شيء، أراد أن ينقل استمارة سيارته، أراد أن يجدد رخصته، أراد أن ينقل كفالة عامله، فلما وقف عند الحاسب قيل له عليك مخالفة، وعليك غرامة، وعليك رسوم، وعليك كذا وكذا، فيعجب منهم كيف جمعوا هذه المعلومات وكيف أحصوها ولم ينسوها، وقد جهل أو نسي أن الله لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم:٦٤] كل ذلك ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢].
стр. 2929
الله العليم !
الله تعالى عليم بكل شيء لم يسبق معرفته جهل ولا يجوز على معرفته نسيان.
الله صفته العليم، العلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولم يلحقه نسيان.
والله الحي القيوم! الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، ولا يمكن أن يكون في علم الله ما يخالف الحقيقة، علم الله محيط بالأمس واليوم والغد بالظاهر والباطن بالدنيا والآخرة، قد يعرف الإنسان شيئاً عن حاضره وقد يذكر طرفاً من ماضيه وما وراء ذلك، ولكن الواحد منا جاهل بمستقبله لا يعلم ما يغيب له بعد دقيقة أو ثانية، لكن الله وحده يحصي أعمالنا الماضية ساعة ساعة، ويسجل أحوال العالم الغابر دولة دولة، وحادثة حادثة، قال: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥١ - ٥٢].
إنه علم يشرق على كل شيء، فيجلي بواطنه وخوافيه، ويكشف بداياته ونهاياته، يحيط بذاته وصفاته، فالشهود والغيب لديه سواء، والقريب والبعيد والقاصي والداني لديه سواء: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت:٤٧] علم الله يشرف على كل شيء إشرافاً تاماً، ويهيمن على أطوار الموجودات ما يحس منها وما يتوهم، كل ذلك بعلم الله ، فعدد ما في صحاري الأرض من رمال، وما في بحار الدنيا من قطرات، وما في الأشجار من ورقات، وما في الأغصان من ثمار، وما في السنابل من حبوب، وما في الجبال من صخرات، وما في الصخور من ذرات، وما في رءوس البشر وجلودهم من شعر، ثم ما يمكن أن يطرأ على هذه الأعداد الكثيرة من أحوال شتى مما تحتاج إليه في وجودها من قوى متجددة، وما يعتريها من أوصاف متغايرة، كل ذلك يحيط به علم الله سبحانه.
علم الله الذي لا تبلغ عقولنا منه شيء: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٣ - ١٤] أرواحنا هذه التي في أقفاص صدورنا، هذه التي في جنبات أبداننا، أرواحنا هذه التي نتحرك بها نحن لا نعلم عن كنهها شيئاً ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥].
стр. 2930
الله السميع البصير !
ما من كلام يدور بين الناس، أو حديث يتجاذبون أطرافه إلا سمعه الله قبل أي شيء، لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله ﷺ تحدثه في جانب البيت وليس بينها وبين رسول الله ﷺ وعائشة إلا الستر في حجرة عائشة، عائشة في باطن الحجرة ثم الستر، ثم المجادلة تحدث رسول الله ﷺ في زوجها الذي ظاهر منها تقول: يا رسول الله! هذا أوس قد ظاهر مني وبيني وبينه عيال، إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا، فأنزل الله الآيات، تقول عائشة: والله ما سمعت كلامها وأنزل الله آية من فوق سبع سماوات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١].
نعم أيها الأحبة: إنه سمع الله الذي لا يخفى عليه شيء ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] سبحانه ما تغيب عنه همسة وسط الضجيج، ولا تشتبه عليه لغة على اختلاف الألسنة، وهناك أصوات وأقوال يسمعها ويحبها (ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) وكما يحب الله صوت الوحي تتلوه الألسنة فإن الله يكره صوت الفحش والسوء ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ [النساء:١٤٨].
وكما أن الله يسمع كل شيء فهو شهيد على كل شيء، ورؤيته تنظر في أعماق الظلمات فتستشف كوامنها، فليس الله بحاجة إلى ضياء يبصر به الخفي، أو مكبر يعظم به الدقيق، كيف يحتاج وهو الذي خلق الظلمة والضياء، وهو الذي خلق السر والعلانية، وهو الذي خلق القريب والبعيد سبحانه! إذ كنت ثالث ثلاثة فاعلم أن الله يبصر ما تفعلون، ويسمع ما تقولون: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦] ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧].
عندما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون توجس موسى وهارون من طغيان فرعون خيفة: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] فقال سبحانه: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] إن الله معهما ومع كل كائن من بدء الخلق إلى قيام الساعة، وما قبل ذلك وما بعد ذلك يسمع ويرى ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١] الإحساس بهذه الحقيقة جزء من الدين بل هو قمة من قمم الدين ومرتبة من مراتب الدين والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
الله ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
هل يستطيع أحد في العالم، هل يستطيع كيان أو قوة أو دولة أو منظمة أو جيش أو سلطة أن يقدم أو يدعي أو يزعم أنه أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؟ لا وألف لا، إن الذي أعطى وهدى هو الله ، بهذا الكلام رد موسى كليم الله على فرعون عدو الله لما سأله فرعون بكل تجبر وطغيان، وهو في قرارة نفسه مؤمن بأن الذي أعطى، وأن الذي هدى، وأن الذي خلق هو الله، لكن كبرياءه وطغيانه وجبروته هي التي صدته أن يقر بذلك ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] ولذا قال موسى له: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢].
إن موسى ﵇ رد على سؤال فرعون، هذا السؤال الممتلئ جحوداً وتكبراً وإنكاراً لما سأل فرعون من ربكما، ما تعريفه، ما آثاره، ما هي الدلائل القائمة على وحدانيته، ما هي البراهين الساطعة على ألوهيته؟ يريد أن يتجبر، يريد أن يتكبر وهو مخلوق من خلق الله، وهو لا يساوي ذرة في ملكوت الله ، فرد عليه موسى بما ألهمه الله من وحي فقال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].
هذه الآية تشمل عالم النبات والحيوان والإنسان والبر والبحر والأفلاك.
نعم أيها الأحبة! يقول الزمخشري لله دره من
الجواب
قال أحدهم: والله لقد تناوله موسى بصفعه على وجهه يعني: إن هذا الجواب المسكت صار كصفعة من يد موسى على خد فرعون، وتحت كل كلمة من هذا الجواب آيات وآيات ومعجزات باهرات، وتحت كلمة هدى مجلدات ومجلدات من الصور والأحكام.
стр. 2931
الله هادي كل شيء !
هدى الطفل يوم أن وضعته أمه لا يعرف شيئاً ولا يبصر شيئاً، فهداه إلى ثدي أمه ليجد فيه اللبن، وهدى النملة لتخزن قوتها استعداداً لفصل دون فصل، ولشتاء دون صيف، وهدى النحلة أن تطير آلاف الأميال لتأخذ الرحيق وترجع مرة ثانية إلى خليتها، وهدى الحمام يوم ينقل الرسائل من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد، لا يضيع ولا يضل ولا يزيغ.
يقول كريسي موريسون: إن النحلة لا يمكن أن تهتدي لتعود إلى خليتها ولتعود إلى مكانها بعد أن تطوف مسافات بعيدة لتمص وتمتص رحيق الأزهار، لا يمكن أن تعود إلا وقد استخدمت آلة لتحدد الطريق والاتجاهات.
وسماها إريل، أي يقول: إن هذه النحلة تحتاج إلى إريل لتعلم أين مكانها وإلى أين تتجه.
إنه يقول ذلك لأنه جاهل، ولكن من يعرف الحقيقة يعلم أن الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هدى النحلة وقد ذهبت مكاناً بعيداً لتعود إلى مملكتها وإلى خليتها.
هل تعلمون أن النحل أول ما يخرج من الخلية نحلة واحدة -إن النحل منظم غاية التنظيم- ثم تبحث، فإذا وجدت حقلاً ومرتعاً يرتع فيه النحل لامتصاص الرحيق من الزهور عاد الرسول وعاد البشير، وعاد هذا المندوب إلى المملكة ليخبر بقية النحل في المملكة أنه يوجد مكان مليء بالأزهار في طريق كذا باتجاه كذا بانحراف كذا في بعد كذا في موقع كذا في ارتفاع كذا في انخفاض كذا، هل تعلمون كيف تتكلم النحلة مع بقية النحل، إن لها رقصة معينة، فترقص رقصة مستديرة ثم رقصة مثلثة ثم رقصة مستطيلة وتتحرك بهيئات وحركات يفهم النحل بهذه الحركات بهذه اللغة بهذه الإشارات بكل دقة أين يكمن وأين يوجد حقل الزهور، فتنطلق أسراب النحل إلى هذا المكان وفقاً للإشارات والرقصات والرسوم والحركات التي صورها ذلك الرسول من رسل النحل إلى مرتع الأزهار ليجدوا أنه ما ضل وما زاد وما بعد وما قصر وما ضل وما تاه أبداً.
من الذي علمه؟ ومن الذي فطره؟ ومن الذي هداه؟ الله الذي أحسن كل شيء خلقه ثم هدى.
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجى وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاكا
قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواكا
بل سائل الأعمى خطى بين الزحام بلا اصطدام من يقود خطاكا
قل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ولا مرعى ما الذي يرعاكا
قل للوليد بكى وأجهش بالبكا بعد الولادة ما الذي أبكاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاكا
بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث ما الذي صفاكا
وإذا رأيت الحي يخرج من حنا يا ميت فاسأله من أحياكا
قل للهواء تحسه الأيدي ويخفى عن عيون الناس من أخفاك
قل للنبات يجف بعد تعهد ورعاية من بالجفاف رماكا
وإذا رأيت النبت في الصحراء يربو وحده فاسأله من أرباكا
وإذا رأيت البدر يسري ناشراً أنواره فسأله من أسراكا
واسأل شعاع الشمس يدنو وهي أبعد كل شيء ما الذي أدناكا
قل للمرير من الثمار من الذي بالمر من دون الثمار غذاكا
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نخل شق نواكا
وإذا رأيت النار شب لهيبها فاسأل لهيب النار من أوراكا
وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً قمم السحاب فسله من أرساكا
وإذا ترى صخراً تفجر بالمياه فسله من بالماء شق صفاكا
وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال جرى فسله من الذي أجراكا
وإذا رأيت البحر بالملح الأجا ج طغى فسله من الذي أطغاكا
وإذا رأيت الليل يغشى داجياً فاسأله من يا ليل حاك دجاكا
وإذا رأيت الصبح يسفر ضاحياً فاسأله من يا صبح صاغ ضحاكا
هذى عجائب طالما أخذت بها عيناك وانفتحت بها أذناكا
يا أيها الماء المهين من الذي في ظلمة الأحشاء قد سواكا
ومن الذي تعصي ويغفر دائماً ومن الذي تنسى ولا ينساكا
يا أيها الإنسان مهلاً ما الذي بالله ﷻ أغراكا
أتراك عيناً والعيون لها مدى ما جاوزته ولا مدى لمداكا
إن لم تكن عيني تراك فإنني في كل شيء أستبين علاكا
نعم أيها الأحبة.
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
كان السلف يعرفون من قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] يعلمون ويظنون أن الأرض تخضر وتثمر وتزهر إذا نزل عليها الماء، ثم تقدم العلم واكتشف أهل علم النبات أن الإنسان إذا وضع الحب في الأرض اليابسة لا ينبت الزرع حتى تهتز الأرض درجة واحدة من درجات جهاز رختر، فتنصدع قشرة الحبة فثبت بإذن الله ، فالله يخبر بذلك قبل ما اكتشفوه وقبل ما أخبروا به قبل أربعة عشر قرناً من الزمان.
стр. 2932
إنه الله ﷻ
إنها قدرة الله! إنها مشيئة الله! إنها إرادة الله! إنها عظمة الله الذي يتحدث الناس عن عظمة من دونه، ويجهلون ويغفلون ولا يسبحون ولا يحمدون ولا يذكرون ولا يتذكرون عظمة الذي خلقهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٠ - ٦٤].
نعم أيها الأحبة: أإله مع الله؟ أإله مع الله يخلق؟ أإله مع الله يدبر؟ أإله مع الله يأمر؟ أإله مع الله ينهى؟ أإله مع الله يشرع؟ أإله مع الله يخلق من عدم؟ أإله مع الله يعز من يشاء ويذل من يشاء؟ أإله مع الله يعطي الملك ويسلب الملك؟ أإله مع الله يخفض أقواماً ويرفع آخرين؟ أإله مع الله يبسط ويقدر؟ أإله مع الله يحي ويميت؟! لا وألف لا، سبحان الله تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
لقد عرف السلف قول الله : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] قالوا: إن ذلك إشارة إلى أماكن النجوم، ثم تطور العلم وتقدم الإعجاز فاكتشف علماء الفلك أن هناك نجوماً ذهبت من أماكنها، أرسلها الله، سرعتها كسرعة الضوء أو أكثر ولم ترتطم بالأرض إلى اليوم وبقيت مواقعها هناك فقال : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] ولم يقل الله فلا أقسم بالنجوم تعظيماً لمواقعها التي قدرها وشاءها ولا تخرج عن مسارها ومدارها ولا تتعدى ما حدد الله لها قيد أُنملة: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].
روى البخاري بسنده إلى محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: (سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧] لما سمع جبير بن مطعم هذه الآية قال: كاد قلبي أن يطير) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق عن الزهري به.
وجبير قدم على النبي ﷺ بعد غزوة بدر ليكلم النبي ﷺ في فداء الأسارى، وكان جبير إذ ذاك مشركاً، فلما سمع هذه الآية كانت سبباً من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام، وقد ذكره ابن كثير أيضاً.
стр. 2933
حاجة العبد إلى الانكسار أمام ربه
أيها الأحبة: إن عظمة الله لا يحدها لسان ولا يسطرها قلم، ولا يحويها قرص ولا ورق وقمطر، إنها عظمة تعجز الألسنة عن وصفها، وتعجز الأقلام عن كتابتها، وتعجز الأسفار أن تحويها، ولكن الله بما شرع على لسان نبيه ﷺ ، وعلمنا أن ندعو، وأن نتملق، وأن نخضع، وأن نسبح الله لنقول: سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان:٢٧] لو كل شجرة على وجه الأرض، لو كل شجرة تراها في طريقك في الغابات في أنحاء الدنيا، لو أن كل شجرة أقلام، ولو أن كل بحر حبراً فأخذنا نكتب بهذه الأقلام من مداد هذه البحار لنصف ولنحيط قدرته وعظمته وما يليق به لانتهت هذه الأقلام ولجفت هذه البحار ولم نبلغ شيئاً من بيان عظمة الله وعزته وقدرته ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧].
نعم أيها الأحبة: إننا لا نحصي ثناءً على الله ولا نحصي على الله أسمائه الحسنى، ولا نحصي على الله صفاته العلا، إنا نقول: اللهم إنا نسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، وما علمنا هو قليل من كثير وما أوتينا من العلم إلا قليلاً.
إذا أدركنا هذا -أيها الأحبة- زدنا يقيناً وشعوراً بأننا خلق حقير في مقابل عظمة مطلقة لا متناهية، وهي عظمة الله ، فأنى لعبد أن يصارع أو يكابر أو يدابر، أو يتكبر أو يصعر أو يتجبر ليعرض عن طاعة الله .
عجباً لنا معاشر الخلق من أي شيء خلقنا وما الذي نحمله في أجوافنا؟ أليست أعيننا تحمل القذى؟ أليست أنوفنا تحمل المخاط؟ أليست آذاننا تحمل ما تعلمون؟ أليس في أجوافنا البول والغائط؟ أليس في مغابننا من الروائح ما يجل المسجد عن ذكره ووصفه؟ عجباً لنا وقد خلقنا من ماء مهين ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧] ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٠ - ٢٣].
أنى لهذا الإنسان الضعيف المسكين الذي هو من أصل مهين أن يتجبر أو يعرض عن طاعة الله، إن حق كل عبد من عباد الله، والواجب عليه أن يعرف مقدار ذله وحقارته وصغره أمام عظمة الله المطلقة التي لا يحدها حد أبداً؛ ومن أدرك ذلك فإن هذا من أعظم أبواب الإقبال على الله ، أن تعلم أنك إن أطعت فإنما تطيع من يستحق الطاعة، وإن عبدت فإنما تعبد من يستحق العبادة وحده لا شريك له، وإن أذنبت فليس بحقيق لك ولا يجوز لك أن تصر على الذنب وأن تمعن في المعصية، بل واجبك أن تنكسر وأن تفر من الله إلى الله، وأن تهرب من سخط الله إلى رحمة الله، ترجو حلمه وستره ومغفرته.
نعم أيها الأحبة: من أدرك هذا فإنه يزيده بربه إيماناً، ويزيده لخالقه طاعة وانقياداً لوجهه سبحانه، أوليس الله يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه الإمام مسلم.
نعم أيها الأحبة: إننا بحاجة إلى أن نتفكر ونتدبر كم من الناس ركب سيارة فخمة فنسي أنه خلق من ماء مهين، وكم من الناس مدح بقصيدة فنسي أنه من ماء مهين، وكم من الناس نسب إلى قبيلة وإلى شرف وحسب ونسب فنسي أنه من ماء مهين، وكم من الناس علق من الرتب ومن النياشين فنسي أنه من ماء مهين، وكم من الناس جمع من الأموال والأرصدة فنسي أنه من ماء مهين ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦].
стр. 2934
افتقار العبد إلى غنى ربه
نعم أيها الإنسان: ينبغي أن تعلم أنك في غاية الذلة والافتقار والحاجة والانكسار إلى الله وبين يدي الله .
وينبغي -أيها الأحبة- أن نتعود التضرع إلى الله، وأن نتعود الشكوى إلى الله، وأن نتعود اللجوء إلى الله، وأن نتلذذ بأن الواحد يرمي بنفسه من طول قيامه ليكون في حالة السجود، ويمرغ أشرف ما في جسمه وهي جبهته على التراب ذلة لله ، وأنت لا تقبل أن أحداً يضربك على ناصيتك وهامتك ولو بلمسة فيها أدنى ذلة، لكنك أنت تختار أن تذل وتنحط وتنكسر وتنحني من علو وقوفك إلى قمة ذلتك حال سجودك، لمن؟ لوجه الله .
ولا ترضى أن تركع لغيره، ولا ترضى أن تنحني لغيره، ولا ترضى أن تسجد لغيره، بل قد يوضع السيف على الرقبة فتأبى أن تخصع لغير الله، ويوضع السيف على الرقبة فتأبى أن تسجد لغير الله، ويوضع السيف على الرقبة فتأبى أن تنحط خاضعاً منكسراً ذليلاً لغير الله .
هكذا الانكسار، وهكذا الانقياد، وهكذا المناجاة في حال السجود، أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم).
ينبغي أن نستشعر الذلة لله ، وأن نستشعر عظمة الله ، ما أحلاها من هيئة، ما أجملها من صورة، ما أطيبها من صفة أن تسجد منحطاً ذليلاً منكسراً لعظمة الله، لجبروت الله، لوجه الله، لملكوت الله، وكأنك حلس بالٍ، كأنك جلد قد سلخ ورمي، وأنت منكسر لله على هذه الحالة التي أنت تجد قمة اللذة في نهاية الذلة في تمام الانكسار لوجه الله ، وأنت ونحن فقراء إلى الله.
يا رب أنت المستعان وإننا أبداً لفضلك عالة فقراء
نرجوك في كل الأمور وما لنا في غير منك يا كريم رجاء
أنت الغني وما لجودك منتهى بيديك سر الخلق والأحياء
لولاك ما كنا ولا كانت لنا دنيا ولا عمرت بنا أرجاء
لولاك ما خفقت جوانحنا ولا رعشت بآيات الهدى أضواء
ما اهتز غصن أو ترنم شاعر أو كحلت عين الوجود ذكاء
أو سال قطر أو ترقرق جدول وتلألأت في الروضة الأنداء
لولاك ما كشف الحقيقة عالم أو كان في دنيا الورى حكماء
ما حلقت عبر الفضاء سفينة أو أرسلت ضوء النجوم سماء
أبدعت هذا الكون من عدم وفي يدك التصرف فيه كيف تشاء
ما كان أو سيكون أو هو كائن يفنى وليس لما سواك بقاء
إن كنت في عرض البحار فعربدت هوج الرياح وأرعدت أنواء
أو طرت في رحب الفضاء فخانني حظ وأوشك أن يحين قضاء
أو شفني هم ينوء بحمله ظهري وراشت سهمها الأرزاء
أو كنت مقطوع الأواصر نائياً فلمن يكون تضرع ودعاء
ولمن تخر جباهنا وقلوبنا حتى تزول بعونه البأساء
يا رب أنت المستعان وإننا أبداً إليك جميعنا فقراء
من كان في حفظ الإله وحرزه ذلت له العقبات والأعباء
أنا إن ضللت فمنك نور هدايتي وإذا مرضت ففي رضاك شفاء
وإذا عطشت فمن نعيمك أستقي أو جعت كان بما رزقت غناء
وإذا عريت فأنت وحدك ساتري وجميل عفوك جنة ورداء
وإذا تنكبت الطريق رجعت في ندم إليك ففي حماك نجاء
وسعت مكارمك العباد برحمة وتتابعت من فيضك الآلاء
يا رب خيرك للبرية نازل وإليك يصعد منهم الإيذاء
يا رب حلمك لم يدع لمقصر عذراً فهلا يرعوي السفهاء
لو كان ربك بالعقاب معجلاً لأتى على هذي القرون عفاء
عجباً أيأنف أن يمرغ هامة لله قوم ضلالة تعساء
لكأنها تلك القلوب جلامد وكأنما آذانهم صماء
وإلى متى هذا الكنود تجردي وتعبدي لله يا أهواء
стр. 2935
سبحانك لا نحصي ثناءً عليك
أيها الأحبة في الله: والله لو تحدثنا منذ خلقنا إلى أن نموت، ولو كتبنا بكل شجرة وأفنينا كل بحر وملأنا كل سفر ما حوينا وما بلغنا وما قلنا ولا وصفنا جانباً من عظمة الله ، لكن عزءانا فيما بلغنا وأخبرنا به نبينا ﷺ وهو قولنا في مناجاة ربنا وفي تنزيه ربنا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، وما ذكرناك حق ذكرك، وما شكرناك حق شكرك، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، سبحانك أنت جملتنا وسترتنا وأكرمتنا ورفعتنا وأعطيتنا وهديتنا وآويتنا، سبحانك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك.
اللهم إنا نرجو بتوحيدك، ونرجو برحمتك، ونرجو بمنك وجودك وكرمك أن تستر عيوبنا وأن تغفر به ذنوبنا، وأن ترفع درجاتنا، وأن تمحو زلاتنا، وأن تكفر خطايانا وسيئاتنا.
стр. 2936
عجباً لمن يترك العظمة إلى اللذة الفانية
أيها الأحبة: وأمام عظمة الله هذه ألا تعجبون من قوم يجعلون بينهم وبين الله واسطة؟! أمام عظمة الله هذه ألا تعجبون من أقوام يدورون بالأضرحة والقبور ويقولون: مدد مدد يا بدوي، مدد مدد يا حسين، هل يحتاج الله إلى جثة رميم هامدة في القبر لتوصل دعاءكم إلى الله ، أو تتخذونها واسطة إلى الله، أو تجعلونهم شفعاء إلى الله، مع كل عظمة يوصف الله بها وكل عمل يوصف الله به ترى أقواماً يجعلون بينهم وبين الله شفعاء ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
ترى أقواماً يجعلون بينهم وبين الله واسطة، وترون وتبصرون وتسمعون أقواماً بعضهم يذهب للكهنة يظنون أنهم يعلمون من غيب الله الذي لا يعلمه أحد، قال سبحانه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] تعجب من أقوام يذهبون إلى السحرة والمشعوذين والدجالين والبطلة والممخرقين يريدون منهم حروزاً وتمائم وزناراً يعلقونه على عضدهم وفي رقابهم وعلى بطونهم يقولون: تدفع الضر والبلاء والعين، أيحتاج عبد إلى أحد وهو مرتبط متعلق بالله ، إن هذا هو الخسران المبين، وهذا هو الضلال المبين، أن ينقطع العبد من التعلق بالله ليتعلق بساحر وأن يصدق كاهناً في غيب ليتردد فيما أخبر الله به في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وليعرض عن هدي الله ووحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ليعمل بنظريات وتجارب وأفكار وآراء عفا عليها الزمن.
وإن زينوها وزخرفوها:
في زخرف القول تزيين لباطله والحق قد يعتريه سوء تعبير
عجباً لهؤلاء الذين يجهلون أو يتجاهلون عظمة الله، وأعجب من هذا عبد يعلم أن الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، ثم يلجأ إلى غير الله في كشف كربة، أو دفع ضر، أو جلب نفع، أو شفاء سقم، أو دفع بلاء ونقمة، يا سبحان الله! إن أمر التوحيد عظيم ومن حقق التوحيد أدرك عظمة الله .
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا، واسمك الأعظم الذي إذا سألت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، اللهم إنا نسألك ونحن نحمدك بكل ما يليق بك، وبكل ما يرضيك، وبكل ما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، نسألك اللهم ألا تدع لنا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا مثقلاً إلا هونته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم استعملنا في طاعتك، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واختم اللهم بالشهادة والسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، واهدنا واهد بنا، واسترنا ولا تفضحنا، وثبتا وتوفنا على أحسن حال ترضيك يا رب العالمين! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، ومتعهم بالصحة والعافية من كان منهم حياً، ومن كان منهم ميتاً فجازه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً يا رب العالمين! اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2937
الأسئلة
стр. 2938
ما يقتضيه الإيمان من المؤمن
السؤال
بعد أن ذكرت لنا هذه الدلائل على عظمة الخالق ، لجدير بنا أن يزداد إيماننا بالله والارتباط به ، فماذا ينبغي أن يكون على المسلم لتعظيم هذا الخالق الجليل أفيدونا مأجورين مشكورين؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله.
وبعد: إن مقتضى الإيمان والعلم والإدراك لعظمة الله هي أن ينقاد العبد لله ، وأن يسلم سمعه وبصره وفؤاده وحواسه وجوارحه لله ، وأن يتعود الانقياد والإذعان والتسليم والاستجابه والمبادرة السريعة الكاملة لأمر الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١] هكذا شأن المؤمن الذي يعلم عظمة ربه.
إن الناس إذا هددوا بعظيم أو وعدوا بعظيم إما أن يستجيبوا وإما أن ينزجروا، فالمجرم إذا هدد بعظيم في مكانته أو سطوته أو سلطته أو رتبته، ثم رأى أن ما هدد به من صفة وشخص هذا العظيم، بات أمراً ماثلاً للعيان استسلم وانقاد وتعهد أن لا يعود؛ لأنه علم أنه يهدد بمن له نوع من صفة القوة اللائقة بحجم البشر، وهو بشر مثله ينقاد له، أفلا ننقاد للعظيم الجبار ؟! وإن الإنسان إذا وعد من قبل من له حظ من مال أو حطام الدنيا وقيل فلان بن فلان سيعطيك قلت: الآن ارتحت لأن فلاناً وعد وهو غني يملك، فهل تثق بما عند الله وبوعد الله وبعطاء الله وتطمئن لجزيل خلف الله وما وعدك الله .
إن الحديث عن عظمة الله في علمه تقودك ألا يراك الله على معصية، وإن الحديث عن عظمة الله في سمعه تقودك ألا تنبس ببنت شفة في معصية، وإن الحديث في عظمة الله في حلمه أن تستحي من الله وأنت تتبع الذنب الذنب وتخطئ الخطأ الجم، ولا ترعوي ولا تنتبه ولا تلتفت، وواجبك إذا أذنبت أن تبادر منكسراً ذليلاً خائفاً باذلاً للحسنات الماحية للسيئات، وإن علمك بقدرة الله تجعلك ضابطاً متحكماً في قدرتك ألا تبطش بها على أحد وألا يغرك حسبك أو نسبك أو رتبتك أو جاهك أو مكانتك.
وإن علمك بعظمة الله في علمه تدعوك ألا تتساهل بعمل يحصى عليك: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] ثم يجتمع فتجد الصحائف في سجلات أعمالك قد سودتها الخطايا والذنوب، هذه هي فائدة الحديث في العظمة، أن تسبح الله وأن تذكره وأن تشكره وأن تطيعه وأن تثني عليه الخير كله، ثم بعد ذلك تنقاد لأمره وتنزجر وترعوي وتكف وتقلع فوراً عن الإصرار على معصيته سبحانه، أن تثني عليه الخير أيضاً.
إن الناس إذا جلسوا مجلساً وفيه لواء وفريق ونقيب وجندي فجاء صاحب الدار يثني على هذا الجندي ويجعله في أعلى الرتب وينسى هذه الرتب الكبيرة، هذا في المقياس العسكري، قالوا هذا جنون يثني على هذا العريف وهذا الجندي وهنا تاج ومقص ونجمتان وثلاث وغير ذلك ولا يلتفت لها، ما يعرف مقادير الناس ومنازلهم، وهم بشر كالبشر لا يتخلف بعضهم عن بعض في جوارحهم وحواسهم، فما بالك بمن يثني خيره على غير الله، ويثني الشكر على غير الله، ويثنّي الفضل والحمد لغير الله، والله المنعم المتفضل عليك وعلى من حمدته، وعليك وعلى من شكرته، وعليك وعلى من أزجيت له المديح أو الثناء.
إن الحديث عن عظمة الله تجعل الفرد يتأدب مع الله ويعرف قدر الله، ونسأل الله أن يرزقنا الأدب معه سبحانه لكي نذكره حق ذكره، ولكي نشكره حق شكره، ولكي نقوم بما يرضيه، وإنا وايم الله لعاجزون ولكن رحمة الله التي سبقت غضبه، ورحمة الله التي وسعت كل شيء هي رجاؤنا وهي أملنا وهي متعلقنا أن تستر خلاتنا وزلاتنا وترفع درجاتنا، وتمحو سيئاتنا، وتضاعف حسناتنا، ذلك ما نرجوه أيها الأحبة.
стр. 2939
الجمع بين قوله (لا تنفذون إلا بسلطان) وبين وصول البشر إلى الفضاء
السؤال
كيف نوافق بين قوله تعالى ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] وبين وصول البشر إلى القمر والمريخ أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
مسألة الوصول إلى القمر: هب أنني قلت لك الآن إنهم لم يصلوا، هل تغيرت فروض الوضوء؟ هل اختلفت أركان الصلاة؟ هل زادت شروط الطهارة؟ هل تغيرت أحكام الدين؟! وهب أني قلت لك إنهم وصلوا، وكثير من الناس أصبحت قضية وصول القمر عنده محل جدل، والله يا أخي إن كنت آمنت واقتنعت بأدلة تفضي إلى الوصول إلى القمر فقل، هناك من يقول إن سلطان العلم هو الوصول ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] قيل هو سلطان العلم، وما دام العلم بلغ إلى ذلك فيسلم بذلك، وآخر قال: لا.
ما وصلوا القمر.
فأنا أقول: لن أكون عدواً لهذا ولا عدواً لهذا الذي قال بالوصول إلى القمر أو نفى الوصول إلى القمر؛ لأنه لا لك مخطط ولا لك قطعة أرض في القمر، ولا أمل أن تحصل على أرض في القمر من الآن، اعرفها تماماً، والمسألة لا ينبني لك فيها قليل ولا كثير، أهم شيء أن تقول آمنت بكلام الله وبمقتضى كلام الله، إن كان مقتضى كلام الله الوصول إلى القمر فأنا مؤمن بالوصول إليه، وإن كان مقتضى كلام الله عدم الوصول إلى القمر فأنا مؤمن بعدم الوصول إليه.
مثلما يقول الشيخ ابن عثيمين في شرح القواعد والأصول الجليلة في مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، قال: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات يقوم على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن تثبت ما أثبته الله وأثبته رسول الله ﷺ ، ما أثبته الله لنفسه وأثبته الرسول لربه تثبته والله أمرنا ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
المسألة الثانية: أن تنفي ما نفاه الله ونفاه رسوله الله ﷺ عن الله.
المسألة الثالثة: وأما ما لم يرد فيه نفي ولا إثبات فأنت تتوقف في لفظه وتفصل في معناه، فأما تفصيل المعنى فتقول: إن كان هذا الكلام يدل معناه على أمر يليق بالله وبعظمة الله وجلال الله آمنت به، وإن كان هذا الكلام يتضمن نقصاً ينزه الله عنه فأنا أنفيه وأنزه الله عنه.
وأنا أقول بمثل ذلك، إن كان القول بالوصول إلى القمر يوافق مقتضى ما أراده الله وشرعه وما يليق بكلام الله فإنا نؤمن به، وإن كان لا يوافق ولا يمكن أن يقبل، وهذا اجتهاد البشر وأنه لا يمكن أن يسلم بأن سلطان العلم هو السلطان الذي ينفذ من خلاله إلى أقطار السماء لبلوغ القمر أي: أن هذا أمر مستحيل فنقول: اللهم آمنا بك وبما جاء عنك وعن رسولك على مراد رسولك ﷺ .
أما أن تشغل نفسك بوصلوا وما وصلوا، يا أخي ما ينبني على هذا كثير علم، ونحن أمة دائماً أفكارنا هامشية، وليست في الممكن الذي يمكن أن نحققه ويمكن أن ننافس فيه، ويمكن أن نتحدى به ويمكن أن نغزو به الأمم، لا.
إنما تجد الكثير من الناس يتكلم فيما يعتبر أو يعد من باب: علم لا ينفع أو جهل لا يضر.
أنا لا أقول: إننا نقعد ولا نواكب الأمم والحضارات فيما وصلت إليه وسبقت إليه، لأن هناك من يقول قضية الوصول إلى القمر هي حرب نفسيه وهي من باب التحدي، ومن باب إغراق المسلمين في الهزيمة النفسية، وإننا نحن الغرب وصلنا القمر وأنتم حتى الآن ما صنعتم سيارة، وما صنعتم دبابة فضلاً عن صناعة طائرة، والحقيقة أنهم ما وصلوا إلى القمر، هذه وجهة نظر من يقول ذلك، وهناك من كذب هذه النظرية من الكفار وآخرين قال: بل وصلنا إلى القمر، ومشينا على القمر، وحصل ما حصل إلى آخره فنقول: هذه مسألة لا ينبني عليها أمر في الدين ولا حكم في الشرع، اللهم إلا فيما تعلق بما جاء في كلام الله .
فخروجاً من الخلاف واحتياطاً للدين وإبراءً للذمة تقول: اللهم إن كان مقتضى هذه الآية الوصول فإني أؤمن به، وإن كان مقتضى الآية عدم الوصول فإني كافر به وانتهت المسألة، لا تشغل نفسك بقضايا ما ينبني عليها حكم عملي تفصيلي تكليفي في الشريعة.
بعض الناس يشغل نفسه ما العصا التي أخذها موسى، ومن أي شجرة هي؟ من أي شجرة هذه العصا التي اهتزت وأصبحت حية تسعى فصارت تلقف ما يأفكون، أو: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، قال أي هذه الطيور، ما أسماؤها أوز نعام دجاج حمام، ماذا ينبني في مثل هذه المسائل؟ لون كلب أهل الكهف أسود أبيض أحمر أزرق أخضر، ماذا ينبني عليه؟ أي أن هناك مسائل تجد من المسلمين من يغرق نفسه ووقته وهي لا ينبني عليها مزيد أحكام في الدين فلا تشغل نفسك بها.
стр. 2940
الرد على من تسلسل بالسؤال عن الخلق حتى سأل عن الله
السؤال
ما هو الرد على من يسأل: من خلق كذا ومن خلق كذا حتى قالوا من خلق الله، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
هذا قد يكون من باب الوسوسة، فإن الشيطان يعمد إلى أحدكم -كما جاء في الحديث- من خلق كذا ومن خلق كذا ومن خلق كذا ثم يقول: من خلق الله، وقد جاء بعض الصحابة رضوان الله عليهم يشكو إلى رسول الله ﷺ وسوسة الشيطان وتسلطه فقالوا: يا رسول الله! إن أحدنا ليكون الأمر في نفسه مما يود أن يلقي بنفسه من شواهق الجبال ولا يتلفظ به، فقال ﷺ : (أوجدتم ذلك، ذلك عين الإيمان، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة).
وأضرب مثالاً بسيطاً جداً: تصور أنك تعيش في قصر محكم منيف وعليه أسوار وأبراج وحراسات محترمة ولا يستطيع أحد يقترب منه، ثم جاء عدو من الأعداء يريد أن ينال منك، فلما دنا منك وجدك محصناً في هذه الأبراج العالية والقصور المشيدة وأخذ حصاة صغيرة ثم رمى سور قصرك، هل يضرك شيء، هذا دليل على ضعف هذا الذي جاء يريد أن ينال منك شيئاً، فوجدك محصناً ثم لم يجد إلا أن يأخذ حصاة صغيرة ويخذفك أو يرميك بها، تضحك وتقول: الحمد لله الذي جعل هذا العدو لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا أن يأخذ قطعة صغيرة من الحجر أو الحصى فيرمي بها على هذا السور الذي بيني وبين السور من الأسوار إلى آخره والأماكن والمجالس والضِياع الكثير ولا يمكن أن يصلني شره.
فكذلك الشيطان إذا جاء إلى مؤمن ووجده متمكناً بالإيمان بوحدانية الله وربوبيته، وألهويته وأسمائه وصفاته، متمكناً في الإذعان والتسليم والانقياد لله ، جاءه الشيطان يرجمه من خلق كذا من خلق كذا، حتى يقول له من خلق الله.
والدليل على أن كيد الشيطان ضعيف أن القضية ما تحتاج أنك تأتي برشاش قال ﷺ : (فليتفل أحدكم عن يساره، وليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ويتفل في كل مرة، يعني تصور عدو تدفعه بنفثة، مع قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نعم هي نفثة يسيرة دليل على ضعفه وضعف كيده ووسوسته ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦] وفيها معنى آخر هي قوة اسم الله؛ لأنك لو قلت أعوذ بفلان أو بعلان من الشيطان لتسلط الشيطان عليك زيادة، ولكن لما قلت أعوذ بالله كانت استعاذتك بالله دفعاً لشر الشيطان وإحراقاً له، فهذا معنى ينبغي أن يُطْمَئن إليه، كل ما عليك إذا وسوس لك الشيطان تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم، إذا خشيت أن يدخل عليك الشيطان من باب شرك خفي ونحوه، وإذا جاء يوسوس لك في مثل هذه الأمور فاتفل عن يسارك واستعذ بالله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠] الاستعاذة مع اليقين التام تطرده بإذن الله.
وثق أن الشيطان لو استطاع أن يجد منك شيئاً لجرك بأم رأسك إلى منتهى الكفر والضلال والإلحاد والجرائم والفواحش، لكن الشيطان لما جاء ووجدك متمكناً في حصن عظيم ما وجد إلا كما يجد ذاك الذي جاء إليك يريد أن يهاجمك فأخذ حجرة ورجم بها سور بيتك، أو سور قصرك فلا يضرك شيئاً.
стр. 2941
عندما يختل الأمن
الأمن نعمة من الله يمنَّ بها على من يشاء من عباده، وإن الله قد حثنا على طاعة أولي الأمر حفاظاً على الأمن، كما أوجب على الحكام إقامة الأحكام والحدود الشرعية حفظاً للأمن، فالأمن به تحفظ الأنفس والأموال والأعراض، ويحفظ به دين المرء المسلم؛ لذلك كان حفظه مسئولية جميع المسلمين.
стр. 2942
نعمة الأمن وبيان ضرورته
الحمد لله الذي جعل الأمن والأمان والطمأنينة للمؤمنين، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] الحمد لله الذي جعل الخوف والذلة والصغار على الكافرين والمنافقين: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
معاشر المؤمنين: كان الحديث في الجمعة الماضية عن الأمن وحاجة الأمة إليه، وعن حال أمةٍ من الأمم إذا فقدت الأمن ليلةً أو يوماً من أيامها، وأعظم درجات الأمن: الأمن في الدين الأمن على الملة الأمن على الشريعة الأمن على العبادة، ولأجل ذلك امتن الله جل وعلا على بني إسرائيل يوم أن نجاهم من كيد فرعون وبطشه ومكره، فما كانوا يأمنون على دينهم وأنفسهم، وخذوا مثالاً مما ورد في القرآن على أمةٍ من الأمم لم تجد أمناً في دينها، قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس:٨٣] لم يجدوا حريةً يستطيعون بها أن يتقدموا بخطىً ثابتةٍ ربيطة الجأش إلى اعتناق هذا الدين، لأجل ذا ما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه على خوف ووجل، وعلى رهبة أن يكتشف فرعون أمرهم فيقتلهم، ولأجل ذلك كانت أوامر الطاغية وأوامر المستبد فرعون أن قال: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر:٢٥] وكانت منةً من الله أن نجا المستضعفين من كيد فرعون وبأسه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] لقد كان البلاء بتلك الأمة على زمن ذلك الطاغية يجسد صورةً من حالٍ صعبة شديدة يوم أن لم يجد القوم أمناً يأمنون به، فما تجرأ إلا قليلٌ منهم أن يؤمنوا على خوفٍ من الطاغية وملئه، لقد كانت معاناةً صعبة، بل إن ذلك البلاء عاد بأثرٍ رجعي حتى على الأطفال، وحتى على الأجنة، فبات فرعون يقتل أطفال بني إسرائيل عاماً، ويستحي بعضهم عاماً؛ حتى لا تفنى السخرة والخدمة لأجل خدمته وحاجته، ويقتلهم عاماً آخر خشية أن يكون النبي الموعود به من بينهم، أي أمنٍ عاشه أولئك القوم، ولكن لما منَّ الله عليهم وبعث لهم موسى، ورفع به الظلم والضيم عنهم ما كان من بني إسرائيل بعد تلك النعم إلا العناد والمكابرة والإصرار على الضلالة.
أيها الأحبة: لما كانت قضية الأمن في الدين مهمة، جاءت الشريعة بحفظها وتحقيقها، ولأجل ذا كانت من أعظم مهمات الوالي أو الحاكم أو الإمام، كما نص على ذلك الماوردي ﵀ في الأحكام السلطانية، قال: إن من أوجب واجبات الحاكم والإمام أن يحفظ الدين والملة على أصولها، فلا يأذن ببدعة، ولا يسمح بما يخالف الشريعة، أو يقدح في أصول العقيدة، هذا من كلامه أو بمعناه.
стр. 2943
حال الأمن عند المسلمين في الاتحاد السوفيتي
أيها الأحبة: وإن شئتم نقلةً يسيرة إلى زمننا وواقعنا المعاصر، انظروا حال إخواننا في الاتحاد السوفيتي، في روسيا وقد جثمت الشيوعية بكلكلها على صدور المسلمين في تلك البلاد اثنين وسبعين عاماً، حتى ظن الظانون أنه لم يبق أحدٌ يعرف لا إله إلا الله، أو يعرف الفاتحة، أو آيةً من كلام الله، أو حديثاً من كلام رسول الله ﷺ ، ولكن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] لما تكفل الله بحفظ هذا الذكر وضمن طائفة منصورة على الحق إلى يوم القيامة منتشرةً في أصقاع المعمورة جعل لهذا الدين رجالاً يتربون عليه، وينشئون صغارهم عليه حتى في الأقبية وتحت السراديب.
أخبرنا عددٌ كثيرٌ بل متواتر ممن ذهبوا إلى كازخستان وطاشقند وتركستان، وكثيرٍ من بلاد الاتحاد السوفيتي سابقاً قالوا: وجدنا أمةً مسلمة، ووجدنا عدداً من المسلمين حفظوا القرآن، هل حفظوه في المساجد؟ ليس ثمة مساجد، هل حفظوه في حلق الذكر؟ ليس ثمة حلقة ذكر، فأين حفظوا وأين درسوا اللغة؟ حفظوه في الأقبية وتحت السراديب يقف واحدٌ على فتحةٍ فوق سطح الأرض من فوقها سجادٌ أو خشبٌ أو لوح كأن ليس تحت الأرض شيء، واثنان أو ثلاثة تحت الأرض يقرءون القرآن ويحفظون الآيات ويتدارسون الحديث.
هذا دينٌ محفوظ، هذه ملةٌ ماضية: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار)، (ليتمن هذا الأمر حتى لا يبقى بيت مدرٍ ولا حجر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزٍ أو بذل ذليل).
نعم -أيها الأحبة- تلك صورةٌ من صور الخوف على الدين، وعدم الأمن لأولئك الذين أرادوا أن يتمسكوا، وفي المقابل عبرةٌ لنا يوم أن نجد أمة من وجد القرآن عندها فحكمه الإعدام، ومن وجد متلبساً بحلقة أو دراسةٍ شرعية فحكمه الإعدام، وما حول ذلك فحكمه السجن المؤبد مع الأعمال الشاقة.
نعم.
ما كان هذا الكلام في زمن موسى وفرعون، بل في هذا الزمن القريب، ومع هذا كله ما نفع روسيا رءوسها ولا طائراتها ولا قنابلها: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر:٢] ما كنا نظن، بل إن كثيراً ما كانوا يظنون بسقوط روسيا فضلاً عن غيرها: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢] ظن الروس أن ( KjB) أن المخابرات، أن الرءوس النووية، أن عابرات القارات، أن الطائرات، أن أجهزت التصنت، أن كل وسائل ملاحقةٍ أمنية لجريمةٍ أو غيرها ستحفظ هذا الكيان من السقوط: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر:٢] لقد كانت الرادارات حوامة حول حدود تلك القارة، فإذ بالقنبلة تنفجر من تحت صنم لينين، إذ بالهاوية تنفجر من تحت تمثال تروتسكي وفردريك إنجلد وطغاة الشيوعية الذين ذبحوا وعاثوا خلال الديار وقتلوا تقتيلاً.
стр. 2944
الأمن في عهد المصطفى ﷺ
أيها الأحبة: لقد كان الناس في زمنٍ مضى وإلى يومنا هذا لا يأمنون على دينهم، فإن كنا في أمنٍ على ديننا كما نرى ونشاهد اليوم فلنحمد الله على هذه النعمة، ولنحافظ عليها، وإن الأمة لا تزال بخير ما دامت عزيزةً بدينها، رافعةً رأسها به، مظهرة لشعائرها، لا تخاف في ذلك أحداً أبداً.
لقد ابتلي بهذا الأمن حتى الصحابة رضوان الله عليهم.
عن خباب بن الأرت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كان الرجل قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) أخرجه البخاري.
جاء خباب وكان النبي ﷺ متوسداً بردةً في ظل الكعبة، فجاء خباب وكشف عن ظهره ليري رسول الله ﷺ آثار الكي، نفطات من قيح ودمٍ وصديد على جلده، كانت سيدته تعذبه ويشكو إلى رسول الله ما لقي، فقال له ﷺ هذا: (كان الرجل قبلكم يحفر له في الأرض، فينشر بالمنشار فيشق باثنتين ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه) بل لقد جاءوا إلى النبي ﷺ في المدينة وقالوا: يا رسول الله! أحدنا لا ينام إلا وسلاحه تحت رأسه، لا يبول إلا وسلاحه على كتفه، متى نأمن؟ متى نصر الله؟: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢].
أيها الأحبة: لقد مس النبي وأصحابه البأساء والضراء وزلزلوا زلزالاً شديداً، كانوا على خوف في أمر دينهم، مكثوا زمناً في مكة لا يصلون إلا خفية، ولا يلتقون إلا خفية حتى أعز الله دينه بـ الفاروق، بالإمام الأواب شهيد المحراب عمر بن الخطاب، فلما آمن واعتز بإيمانه الدين ذهب إلى قريش وقال: [يا معشر قريش! أما تعلمون أني آمنت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال أبو جهل: حاشاك ذلك يا بن الخطاب، فقال: بل هو ما سمعت يا عدو الله! ثم عاد إليهم وقال: إني مهاجرٌ هذا اليوم سالك بطن هذا الوادي، فمن أراد أن تثكله أمه فليلحقني وراء هذا الوادي] هجرةٍ علنية وتحدٍ بقوةٍ إيمانية: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير).
أمة الإسلام وخير البرية عاشوا صوراً من الخوف على دينهم وعلى معتقدهم وعلى ملتهم، بل كان ﷺ يناشد ربه ويرفع يديه في غزوة بدر ويلح على الله حتى سقط رداؤه عن عاتقه، وأبو بكر الصديق ﵁ يقول له: (يا رسول الله! كفاك منشادتك ربك، إن الله منجزك ما وعدك، والرسول يقول والدمع يتحدر على وجنيته الشريفة: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم أبداً).
يا عباد الله: الأمن على الدين الأمن على العبادة الأمن على الملة الأمن على الصلاة الأمن على العقيدة من أعظم صور الأمن ودرجات الأمن، فحافظوا على ذلك وانتبهوا إليه.
стр. 2945
حرمة النفس المؤمنة
ثم اعلموا -أيها الأحبة- أن الأمن على النفوس من ثمرات الأمن أيضاً، بل إن الشريعة جاءت بحفظ هذا، لذا حرم الله قتل النفوس وإزهاقها: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١] وقال ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، المهلكات، القاذفات بصاحبها في النار، وذكر منها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) رواه البخاري ومسلم.
إن دم المؤمن عظيمٌ خطير جليل، قال ﷺ : (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلم) رواه النسائي والترمذي والحديث حسن.
أيها الأحبة: بل أعظم من هذا أن النبي ﷺ كان يطوف بالكعبة، فنظر إليها نظرة الإكبار والإجلال وتعظيم شعائر الله فقال: (ما أطيبكِ وما أطيب ريحكِ! وما أعظمكِ وما أعظم حرمتكِ! والذي نفس محمدٍ بيده، لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتكِ) أخرجه ابن ماجة.
أيها الأحبة: إذا كان هذا شأن دم المؤمن وشأن روحه ونفسه، فتخيلوا أمةً لا أمن فيها، كم من طلقةٍ عشواء على صدرٍ بريء! وكم من سهمٍ طائش على مقلةٍ بريئة! وكم من دمٍ يراق! وكم من جرحٍ ينزف! وكم من قتلى ومشردين ليس لهم ذنبٌ ولا جريرة! أيها الأحبة: ما ظنكم لو أننا عشنا بلا حاكم أو إمام، من الذي يقتص من القاتل؟ من الذي يقوم بالقود لأولياء المقتول؟ من الذي يجيء بالقاتل قد غطيت عيناه وغلت يده إلى كتفه، ثم يجثم به في ساحة العدل وتُسلط إليه فوهة البندقية، أو يسل السيف على رأسه ثم يضرب ضربةً يتدحرج رأسه بعدها والناس ينظرون، وهول المشهد وفجاعة المنظر تقول لكل نفسٍ شاهدة، ولكل أذنٌ سامعة: إن هذا جزاء من اعتدى على دمٍ مسلمٍ أو حرمة ماله ونفسه، أين سيوجد هذا؟ وأين سيكون هذا لو اختل الأمن؟ على مشهدٍ وعلى ملأ في ساحة عدلٍ أمام الناس، هل يوجد هذا عند الأنظمة القانونية؟ محامٍ بارع يجعل القاتل بريئاً، ويجعل البريء متهماً، ويحول القصاص إلى حكم بخمس سنوات، أو بعشرة آلاف من الجنيهات أو الدولارات أو الريالات أو غير ذلك، سم ما شئت من عملة، المهم أنه إن لم يوجد إمام وحاكم تهابه الأمة، إن لم يوجد علماء لهم سلطة على العامة والرعاع، إن لم يوجد قضاة يشتركون في مجالس مشتركة، فيكونون مؤتمنين على كل قطرة دمٍ يحكمون بها ولها وعليها على كل جارحةٍ يقتصون منها فيما اعتدت ضاعت الأمة، لا يوجد قصاصٌ ولا محكمةٌ ولا أمنٌ حينما يختل الأمن ولا ينضبط الناس بإمام أو حاكمٍ:
لا يصلح فوضى لا سراة لهم ولا تراث إذا جهالهم سادوا
تبقى الأمور بأهل الخير ما صلحت وإن تضل فبالأشرار تنقاد
اللهم ولِّ علينا خيارنا، واكفنا شرارنا يا رب العالمين.
следующие страницы →