Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
عندما يختل الأمن
الأمن نعمة من الله يمنَّ بها على من يشاء من عباده، وإن الله قد حثنا على طاعة أولي الأمر حفاظاً على الأمن، كما أوجب على الحكام إقامة الأحكام والحدود الشرعية حفظاً للأمن، فالأمن به تحفظ الأنفس والأموال والأعراض، ويحفظ به دين المرء المسلم؛ لذلك كان حفظه مسئولية جميع المسلمين.
стр. 2942
نعمة الأمن وبيان ضرورته
الحمد لله الذي جعل الأمن والأمان والطمأنينة للمؤمنين، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] الحمد لله الذي جعل الخوف والذلة والصغار على الكافرين والمنافقين: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
معاشر المؤمنين: كان الحديث في الجمعة الماضية عن الأمن وحاجة الأمة إليه، وعن حال أمةٍ من الأمم إذا فقدت الأمن ليلةً أو يوماً من أيامها، وأعظم درجات الأمن: الأمن في الدين الأمن على الملة الأمن على الشريعة الأمن على العبادة، ولأجل ذلك امتن الله جل وعلا على بني إسرائيل يوم أن نجاهم من كيد فرعون وبطشه ومكره، فما كانوا يأمنون على دينهم وأنفسهم، وخذوا مثالاً مما ورد في القرآن على أمةٍ من الأمم لم تجد أمناً في دينها، قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس:٨٣] لم يجدوا حريةً يستطيعون بها أن يتقدموا بخطىً ثابتةٍ ربيطة الجأش إلى اعتناق هذا الدين، لأجل ذا ما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه على خوف ووجل، وعلى رهبة أن يكتشف فرعون أمرهم فيقتلهم، ولأجل ذلك كانت أوامر الطاغية وأوامر المستبد فرعون أن قال: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر:٢٥] وكانت منةً من الله أن نجا المستضعفين من كيد فرعون وبأسه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] لقد كان البلاء بتلك الأمة على زمن ذلك الطاغية يجسد صورةً من حالٍ صعبة شديدة يوم أن لم يجد القوم أمناً يأمنون به، فما تجرأ إلا قليلٌ منهم أن يؤمنوا على خوفٍ من الطاغية وملئه، لقد كانت معاناةً صعبة، بل إن ذلك البلاء عاد بأثرٍ رجعي حتى على الأطفال، وحتى على الأجنة، فبات فرعون يقتل أطفال بني إسرائيل عاماً، ويستحي بعضهم عاماً؛ حتى لا تفنى السخرة والخدمة لأجل خدمته وحاجته، ويقتلهم عاماً آخر خشية أن يكون النبي الموعود به من بينهم، أي أمنٍ عاشه أولئك القوم، ولكن لما منَّ الله عليهم وبعث لهم موسى، ورفع به الظلم والضيم عنهم ما كان من بني إسرائيل بعد تلك النعم إلا العناد والمكابرة والإصرار على الضلالة.
أيها الأحبة: لما كانت قضية الأمن في الدين مهمة، جاءت الشريعة بحفظها وتحقيقها، ولأجل ذا كانت من أعظم مهمات الوالي أو الحاكم أو الإمام، كما نص على ذلك الماوردي ﵀ في الأحكام السلطانية، قال: إن من أوجب واجبات الحاكم والإمام أن يحفظ الدين والملة على أصولها، فلا يأذن ببدعة، ولا يسمح بما يخالف الشريعة، أو يقدح في أصول العقيدة، هذا من كلامه أو بمعناه.
стр. 2943
حال الأمن عند المسلمين في الاتحاد السوفيتي
أيها الأحبة: وإن شئتم نقلةً يسيرة إلى زمننا وواقعنا المعاصر، انظروا حال إخواننا في الاتحاد السوفيتي، في روسيا وقد جثمت الشيوعية بكلكلها على صدور المسلمين في تلك البلاد اثنين وسبعين عاماً، حتى ظن الظانون أنه لم يبق أحدٌ يعرف لا إله إلا الله، أو يعرف الفاتحة، أو آيةً من كلام الله، أو حديثاً من كلام رسول الله ﷺ ، ولكن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] لما تكفل الله بحفظ هذا الذكر وضمن طائفة منصورة على الحق إلى يوم القيامة منتشرةً في أصقاع المعمورة جعل لهذا الدين رجالاً يتربون عليه، وينشئون صغارهم عليه حتى في الأقبية وتحت السراديب.
أخبرنا عددٌ كثيرٌ بل متواتر ممن ذهبوا إلى كازخستان وطاشقند وتركستان، وكثيرٍ من بلاد الاتحاد السوفيتي سابقاً قالوا: وجدنا أمةً مسلمة، ووجدنا عدداً من المسلمين حفظوا القرآن، هل حفظوه في المساجد؟ ليس ثمة مساجد، هل حفظوه في حلق الذكر؟ ليس ثمة حلقة ذكر، فأين حفظوا وأين درسوا اللغة؟ حفظوه في الأقبية وتحت السراديب يقف واحدٌ على فتحةٍ فوق سطح الأرض من فوقها سجادٌ أو خشبٌ أو لوح كأن ليس تحت الأرض شيء، واثنان أو ثلاثة تحت الأرض يقرءون القرآن ويحفظون الآيات ويتدارسون الحديث.
هذا دينٌ محفوظ، هذه ملةٌ ماضية: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار)، (ليتمن هذا الأمر حتى لا يبقى بيت مدرٍ ولا حجر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزٍ أو بذل ذليل).
نعم -أيها الأحبة- تلك صورةٌ من صور الخوف على الدين، وعدم الأمن لأولئك الذين أرادوا أن يتمسكوا، وفي المقابل عبرةٌ لنا يوم أن نجد أمة من وجد القرآن عندها فحكمه الإعدام، ومن وجد متلبساً بحلقة أو دراسةٍ شرعية فحكمه الإعدام، وما حول ذلك فحكمه السجن المؤبد مع الأعمال الشاقة.
نعم.
ما كان هذا الكلام في زمن موسى وفرعون، بل في هذا الزمن القريب، ومع هذا كله ما نفع روسيا رءوسها ولا طائراتها ولا قنابلها: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر:٢] ما كنا نظن، بل إن كثيراً ما كانوا يظنون بسقوط روسيا فضلاً عن غيرها: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢] ظن الروس أن ( KjB) أن المخابرات، أن الرءوس النووية، أن عابرات القارات، أن الطائرات، أن أجهزت التصنت، أن كل وسائل ملاحقةٍ أمنية لجريمةٍ أو غيرها ستحفظ هذا الكيان من السقوط: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر:٢] لقد كانت الرادارات حوامة حول حدود تلك القارة، فإذ بالقنبلة تنفجر من تحت صنم لينين، إذ بالهاوية تنفجر من تحت تمثال تروتسكي وفردريك إنجلد وطغاة الشيوعية الذين ذبحوا وعاثوا خلال الديار وقتلوا تقتيلاً.
стр. 2944
الأمن في عهد المصطفى ﷺ
أيها الأحبة: لقد كان الناس في زمنٍ مضى وإلى يومنا هذا لا يأمنون على دينهم، فإن كنا في أمنٍ على ديننا كما نرى ونشاهد اليوم فلنحمد الله على هذه النعمة، ولنحافظ عليها، وإن الأمة لا تزال بخير ما دامت عزيزةً بدينها، رافعةً رأسها به، مظهرة لشعائرها، لا تخاف في ذلك أحداً أبداً.
لقد ابتلي بهذا الأمن حتى الصحابة رضوان الله عليهم.
عن خباب بن الأرت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كان الرجل قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) أخرجه البخاري.
جاء خباب وكان النبي ﷺ متوسداً بردةً في ظل الكعبة، فجاء خباب وكشف عن ظهره ليري رسول الله ﷺ آثار الكي، نفطات من قيح ودمٍ وصديد على جلده، كانت سيدته تعذبه ويشكو إلى رسول الله ما لقي، فقال له ﷺ هذا: (كان الرجل قبلكم يحفر له في الأرض، فينشر بالمنشار فيشق باثنتين ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه) بل لقد جاءوا إلى النبي ﷺ في المدينة وقالوا: يا رسول الله! أحدنا لا ينام إلا وسلاحه تحت رأسه، لا يبول إلا وسلاحه على كتفه، متى نأمن؟ متى نصر الله؟: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢].
أيها الأحبة: لقد مس النبي وأصحابه البأساء والضراء وزلزلوا زلزالاً شديداً، كانوا على خوف في أمر دينهم، مكثوا زمناً في مكة لا يصلون إلا خفية، ولا يلتقون إلا خفية حتى أعز الله دينه بـ الفاروق، بالإمام الأواب شهيد المحراب عمر بن الخطاب، فلما آمن واعتز بإيمانه الدين ذهب إلى قريش وقال: [يا معشر قريش! أما تعلمون أني آمنت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال أبو جهل: حاشاك ذلك يا بن الخطاب، فقال: بل هو ما سمعت يا عدو الله! ثم عاد إليهم وقال: إني مهاجرٌ هذا اليوم سالك بطن هذا الوادي، فمن أراد أن تثكله أمه فليلحقني وراء هذا الوادي] هجرةٍ علنية وتحدٍ بقوةٍ إيمانية: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير).
أمة الإسلام وخير البرية عاشوا صوراً من الخوف على دينهم وعلى معتقدهم وعلى ملتهم، بل كان ﷺ يناشد ربه ويرفع يديه في غزوة بدر ويلح على الله حتى سقط رداؤه عن عاتقه، وأبو بكر الصديق ﵁ يقول له: (يا رسول الله! كفاك منشادتك ربك، إن الله منجزك ما وعدك، والرسول يقول والدمع يتحدر على وجنيته الشريفة: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم أبداً).
يا عباد الله: الأمن على الدين الأمن على العبادة الأمن على الملة الأمن على الصلاة الأمن على العقيدة من أعظم صور الأمن ودرجات الأمن، فحافظوا على ذلك وانتبهوا إليه.
стр. 2945
حرمة النفس المؤمنة
ثم اعلموا -أيها الأحبة- أن الأمن على النفوس من ثمرات الأمن أيضاً، بل إن الشريعة جاءت بحفظ هذا، لذا حرم الله قتل النفوس وإزهاقها: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١] وقال ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، المهلكات، القاذفات بصاحبها في النار، وذكر منها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) رواه البخاري ومسلم.
إن دم المؤمن عظيمٌ خطير جليل، قال ﷺ : (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلم) رواه النسائي والترمذي والحديث حسن.
أيها الأحبة: بل أعظم من هذا أن النبي ﷺ كان يطوف بالكعبة، فنظر إليها نظرة الإكبار والإجلال وتعظيم شعائر الله فقال: (ما أطيبكِ وما أطيب ريحكِ! وما أعظمكِ وما أعظم حرمتكِ! والذي نفس محمدٍ بيده، لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتكِ) أخرجه ابن ماجة.
أيها الأحبة: إذا كان هذا شأن دم المؤمن وشأن روحه ونفسه، فتخيلوا أمةً لا أمن فيها، كم من طلقةٍ عشواء على صدرٍ بريء! وكم من سهمٍ طائش على مقلةٍ بريئة! وكم من دمٍ يراق! وكم من جرحٍ ينزف! وكم من قتلى ومشردين ليس لهم ذنبٌ ولا جريرة! أيها الأحبة: ما ظنكم لو أننا عشنا بلا حاكم أو إمام، من الذي يقتص من القاتل؟ من الذي يقوم بالقود لأولياء المقتول؟ من الذي يجيء بالقاتل قد غطيت عيناه وغلت يده إلى كتفه، ثم يجثم به في ساحة العدل وتُسلط إليه فوهة البندقية، أو يسل السيف على رأسه ثم يضرب ضربةً يتدحرج رأسه بعدها والناس ينظرون، وهول المشهد وفجاعة المنظر تقول لكل نفسٍ شاهدة، ولكل أذنٌ سامعة: إن هذا جزاء من اعتدى على دمٍ مسلمٍ أو حرمة ماله ونفسه، أين سيوجد هذا؟ وأين سيكون هذا لو اختل الأمن؟ على مشهدٍ وعلى ملأ في ساحة عدلٍ أمام الناس، هل يوجد هذا عند الأنظمة القانونية؟ محامٍ بارع يجعل القاتل بريئاً، ويجعل البريء متهماً، ويحول القصاص إلى حكم بخمس سنوات، أو بعشرة آلاف من الجنيهات أو الدولارات أو الريالات أو غير ذلك، سم ما شئت من عملة، المهم أنه إن لم يوجد إمام وحاكم تهابه الأمة، إن لم يوجد علماء لهم سلطة على العامة والرعاع، إن لم يوجد قضاة يشتركون في مجالس مشتركة، فيكونون مؤتمنين على كل قطرة دمٍ يحكمون بها ولها وعليها على كل جارحةٍ يقتصون منها فيما اعتدت ضاعت الأمة، لا يوجد قصاصٌ ولا محكمةٌ ولا أمنٌ حينما يختل الأمن ولا ينضبط الناس بإمام أو حاكمٍ:
لا يصلح فوضى لا سراة لهم ولا تراث إذا جهالهم سادوا
تبقى الأمور بأهل الخير ما صلحت وإن تضل فبالأشرار تنقاد
اللهم ولِّ علينا خيارنا، واكفنا شرارنا يا رب العالمين.
стр. 2946
الأمن على الأموال لا يقوم إلا بوجود السلطان
أيها الأحبة: وحينما يوجد الأمن فالناس يأمنون على دينهم وأنفسهم ودمائهم، ويأمنون على أموالهم، ولأجل ذلك حرم الله السرقة، وجعل حد السارق أن تقطع يده، يقول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] تلك اليد العابثة، تلك اليد المختلسة التي فتحت باباً، أو حفرت جداراً لابد من قطعها، لا بد أن يأمن الناس على أموالهم وأمتعتهم، وحينما لا يوجد إمام ولا حاكم، وحينما تضطرب الأمور فلا تدري أمةٌ هل تدافع أعداءها على حدودها في الخارج أم تحفظ أمنها في الداخل؟ من الذي يقطع يد السارق؟ من الذي يقيم حد الحرابة؟ أيها الأحبة: هذا من الأمور التي ينبغي أن يفهمها الكبار والصغار والشباب خاصة، وجيل الصحوة على وجه الأخص، حتى نحفظ المجتمع ونبني أسسه، ونقيم جدرانه بطريقةٍ تحفظ كيانه، ولا تهدم بأي حالٍ من الأحوال أركانه.
أيها الأحبة: إن مسألة الأمن على الأموال مسألة مهمة، نعم.
في القرآن حد السرقة، وفي الحديث حدودٌ أخرى، لكن إذا لم يوجد إمامٌ يقيمها ويقوم بها فمن ذا الذي يقيمها؟ من ذا الذي يحكمها؟ إن القرآن موجود في كل الدول العربية والكافرة والإسلامية وغير الإسلامية، لكن من الذي يقتل القاتل؟ من الذي يقطع يد السارق؟ من الذي يقيم حد الحرابة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] من الذي يقوم بهذه الحدود؟ لا يظن ظانٌ أو يتوهم متوهمٌ أن ذلك لا يكون إلا في أمة لا منكر فيها، لا كبيرة فيها، لا معصية فيها، بل إن هذا كله يقام بحمدٍ من الله ومنة على الرغم من وجود بعض المنكرات، والكبائر والمعاصي شأنها أن يواجهها العلماء والولاة والدعاة بالإنكار وتحذير الناس منها، حتى لا يقولن قائلٌ: هذا كلامٌ جميل في غير محله، إذ أن ذلك لا يكون إلا في مجتمعٍ معصوم، أو في مجتمعٍ لا توجد فيه الكبائر والصغائر، لا وألف لا.
من خللٍ بالفهم أُتينا، من انتكاسٍ بالمفاهيم أُتينا، وإذا اختل الأمن فلا أمن على دينٍ أو معتقدٍ أو مالٍ أو نفسٍ ولا مالٍ أيضاً، لا أمن على الأموال لو اضطربت أحوال الناس في أمنهم، افترض -جدلاً- أن أحوال الناس في يومٍ من الأيام اختلت فجاء غاشمٌ وضالٌ وأحرق سجلاتٍ جمعت وثائق الناس وأملاكها، أصبح الناس يملكون وثائق لا قيمة لها، إذا لم يوجد لدى الوالي والسلطان أو نواب الإمام ما يصدق توثيق هذه الوثائق والصكوك التي في أيديهم.
لو اختل الأمن لجاءك من يخرجك غداً من بيتك بصكٍ عليه ختمٌ مزور، وقال: هذا بيتي، فإذا ذهبت لتنازعه أو تحاكمه أو تجادله ما وجدت سجلاً ترجع إليه لتعرف أن ذلك لك أو له أو أن هذا أصليٌ أو مزور.
ولذا جاءت الشريعة مع العناية بالأمن الديني، وإقامة الأمن في النفوس قبل إقامته على الأرض والمباني، جاءت الشريعة بحفظ حقوق العباد، لا يظن أحد أن شأن الأموال هين، الأموال من غَلَّها جاء يوم القيامة بما غل، من اختلس من بيت المال جاء يوم القيامة بما اختلس، قال ﷺ : (لا ألفين أحدكم يأتينا يوم القيامة وعلى كتفه شاة تيعر، أو بقرةٌ لها خوار، أو بعيرٌ له رغاء، من غل يأتي بما غل يوم القيامة) أرض سجادة بساط سيارة قليل كثير، خذ واستكثر مما شئت، إنما الحساب بين يدي رب العالمين، يوم تبسط السجلات والصحائف ويوضع كتاب: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] الأموال ليست هينة، لأجل ذلك افترض الله فيها الزكاة، وأثنى الله على الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية، وأثنى الله على من تصدق ولم يتبع صدقته مناً ولا أذى، وجاءت الآيات بحفظ الحقوق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] إذا قرأت في المحكمة لوحةً تقول: كُتاب العدل، أو كاتب العدل، فذلك تنفيذٌ لهذا المضمون: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] آياتٍ بينات في التوثيق، في الكتابة، ولا يأب الشهداء في الشهادة، سرهم: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣].
أيها الأحبة: شأن الأموال عظيم، فإذا اختل الأمن فما تدري أين سيكون مالك، في بيت فلان أو علان، أو عند ظالمٍ أو لصٍ أو قاطع طريق.
أيها الأحبة: لو اختل الأمن، من الذي يحفظ حقوق الناس؟ من الذي يرد للناس أموالهم؟ من الذي ينصف المظلوم من الظالم؟ من الذي يرد المغصوب إلى صاحبه، ويردع الغاصب عن أموال الناس؟ ولو اختل الأمن لنشرت وأبيحت وظهرت وروجت ألوانٌ من الأمور التي تضلل على العقول والأموال.
إننا هنا نجوب هذه المدينة، ونجوب هذه الجزيرة، ما رأينا -بحمد الله- دكاناً يباع فيه الخمر، وما رأينا حانوتاً يباع فيه ما يسمى بالشراب الروحي، وما رأينا حانةً أو ماخوراً للدعارة، نعم.
يوجد من يشرب الخمر سراً متستراً: (من رأى منكم منكراً) إنما الأمة محاسبةٌ على ما رأت، محاسبةٌ على ما ظهر، محاسبةٌ على ما فشا، أما من عصى الله سراً بينه وبين نفسه لا يعلم الناس به فذلك ذنبه على أم رأسه؛ لأن المعصية إذا اختص بها صاحبها نزل البلاء على أم رأسه، ولكن إذا ظهرت عم البلاء والشؤم بها من حولها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
стр. 2947
حفظ الأمن هو حفظ للأعراض
أيها الأحبة: حرم الله جل وعلا كل مسكرٍ وكل خمرٍ وكل قمار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]، وقال ﷺ : (اجتنبوا الخمر، فإنها مفتاح كل شر) رواه الحاكم وصحح سنده.
وقال ﷺ : (من شرب الخمر كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال، قيل: وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار) عصارة أهل جهنم.
أيها الأحبة: أنتم مع ما ترون من تشديدٍ أمني أو جهود أمنية ترون وجود من يتعاطون المخدرات ويتبايعونها ويروجونها ويهربونها وينشرونها، بل وربما فدَّى أحدهم ذلك بنفسه وروحه، وأطلق النار على رجال الأمن، ويعلم أن النار سوف ترتد على صدره من فوهة أسلحتهم، هذا مع وجود أمنٍ وشرطةٍ ونظام، فما بالك لو اختل هذا؟! والله لو اختل الأمن لوجدت الخمور في الأزقة، ولوجدت المخدرات في العرصات، ولوجدت الفساد والمنكر أشد ما يكون علناً جهاراً نهاراً، وكلٌ يحمي فساده بسلاحه، وكل عصابة تحمي فسادها ومنكرها وخمرها ومخدراتها بقوة سلاحها.
إذاً: انضباط الناس وبقاؤهم في ظل أمنٍ آمن، وطمأنينة مطمئنة وظلٍ وارفٍ وادع يحفظ هذا كله، وحينما يختل الأمن أيضاً فلا تسل عن جرأة المغتصبين على فرش الناس ودورهم، وكم سمعنا في كل بلدٍ، وقد سمعنا حالاتٍ بفضل الله أندر من النادرة عن أناسٍ اغتصبوا أو اختطفوا، ولكن هذا مع وجود سلطةٍ ربما قتلت وأعدمت وأزهقت الروح وسفكت الدم مقابل جريمة الاختطاف والاغتصاب، وربما رجمت وجلدت وغرَّبت حال الزنا، فما بالك لو أن الأمر أصبح هملاً، وأصبح الناس كلٌ يذود عن نفسه بقدرته أو بعصوبته أو بقبيلته أو ببني عمه؛ لعاش الناس شريعة الذئاب والغاب، كلٌ يعدو على من دونه، وكبار الأسماك تأكل صغارها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 2948
إقامة الحدود حفظ لأمن الأمة
إن الله جل وعلا قد جعل في هذا القرآن وعلَّق برقبة الإمام تحكيمه في كل أمرٍ ومن بين هذه الأمور أن تحفظ الأنساب وأن تقام الحدود على الزناة، وعلى من تعدى على بيوت الناس وعوراتهم وأستارهم، قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] حرم الله جل وعلا الطريق الذي يوصل إلى ذلك، فقال: (ولا تقربوا) وشرع أن يجلد الزاني إن كان بكراً ويُغرب، وشرع المحصن أن يرجم بالحجارة حتى يموت، ونفَّذ ﷺ حد الرجم بنفسه على مشهدٍ من الصحابة وقد تعجبوا من هذا ولله فيه حكمة، ولعل منها حتى لا يقولن قائلٌ: أيرجم حيٌ بالحجارة حتى الموت؟ هذا من باب التخويف، لكنه وإن تصور عقلاً فإنه ممتنعٌ فعلاً،
الجواب
لا.
بل لقد فعله ﷺ ، وتعرفون قصة المرأة التي جاءت قالت: (يا رسول الله! إني حبلى من الزنا فطهرني، فأعرض عنها، فأقبلت عليه من كل جهة، قال: اذهبي حتى تضعي جنينكِ، فجاءت بالجنين، قالت: وضعت فطهرني، فقال: اذهبي حتى تفطميه -تعريضٌ لها أن تستر على نفسها، وأن تولي ولا تعود- فجاءت وفي فم الصغير الرضيع كسرة خبزٍ دلالة على أنه استغنى بالطعام عن الرضاع، فدفع النبي ﷺ وليدها إلى أحد الصحابة يكفله، وأُمر بها فشدت عليها ثيابها وحفرت لها حفرة وجمعت الحجارة فرجمت ﵂ -فلما نال أحد الصحابة بكلمةٍ يوم أن طاش شيءٌٌ من مخها أو دماغ رأسها على ثوبه- قال رسول الله ﷺ : لا.
لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) شهادة كرامة إيمان ودرجة عالية يشهد بها النبي ﷺ الذي يأتيه الوحي من السماء، يبشرها النبي أن الله قد تاب عليها، الله أكبر! بل ليست توبةً بحجم ذنبها، بل بحجم ذنب أهل المدينة كلهم جميعاً.
ومثل ذلك فعل بـ ماعز ﵁ لما رجم بعد أن أعرض النبي عنه ﷺ يردده: لعلك قبلت، لعلك فاخذت، لعلك مسست، وما زال ماعز ﵁ يردد بكل حرقةٍ وشوقٍ إلى أن يطهر بدنه.
قال ابن القيم: ولله حكمة أن البدن الذي تلذذ بجميع أجزائه حال المعصية -فإن العقوبة من جنس العمل- أن يقع العذاب على سائر أجزاء البدن.
والله عليم حكيم، وكان من شأن توبته ما كان.
إذاً، جاءت الشريعة بهذا، وقبل سنين ليست قصيرة في هذا العصر ربما قبل ثلاثين سنة تزيد قليلاً، كان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز قاضياً، وجيء بامرأةٍ مؤمنةٍ طاهرة تائبة معترفةً بما حصل منها، ولما ثبت عليها الحد الشرعي جيء بها ووقف الشيخ متع الله به، أو وقف والناس يرمونها بالحجارة، ثم مكث متع الله به ساعةً يدعو لها، يقول لي؛ هذا رجلٌ كبيرٌ في السن ممن يعرفون سماحة الشيخ، قال: كانوا يرجمونها والشيخ يدعو لها بالمغفرة والتوبة ويدعو لها بالجنة، ولما حملت مكث متع الله به وجمعنا به في الجنة وغفر له، مكث يدعو لها حتى تفرق الناس ولا زال يدعو لها، حتى قال بعض من له علاقة بها: لفرحتنا بدعاء الشيخ لها على ما كان من إقبالها، وبذلها نفسها لله كان شيئاً كثيراً عظيماً.
أيها الأحبة: نعود إلى أصل موضوعنا، لو اختل الأمن لا تسأل عن حال الناس في باب الزنا، وأنتم ترون مع تعدد وسائل الاتصال والاختلاط، فيا دعاة الاختلاط! والله لو خلي بينكم وبين ما تشتهون في هذا المجتمع لما تركتم صغيرةً ولا كبيرةً إلا عملتموها ولا حول ولا قوة إلا بالله! أيضاً مما يضمن هذا الأمن ألا يتعدى أحدٌ ولو بكلمة على آخر، فمن قذف مؤمنةً أو مؤمناً فعليه حد القذف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] وقال ﷺ الله: (اجتنبوا السبع الموبقات وذكر منها قذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
أيها الأحبة: ومن ذا الذي يمنع أحداً من أن يظلم أحداً أو يضربه أو يمد يده عليه ولو بلطمةٍ أو لكمةٍ أو قليلٍ أو كثير، جاء الوازع في النفوس قبل القانون والنظام: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربة فرج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) متفق عليه.
ومع ذلك فإن من سبك أو شتمك فأثبت هذا ببينة -بشاهدي عدل- ثم عليك بالمحكمة المستعجلة إن أبيت إلا أن يقام عليه العقوبة الشرعية ولم ترغب في العفو عنه، أما إن رغبت أن تكون من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس فالله يحب المحسنين، وإن رغبت أن تتمثل بقول الله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] فلك ذلك، وأنت حينئذٍ منعمٌ متفضلٌ على هذا بذلك، لقد حرم الله هذا الظلم في كل قليلٍ أو كثيرٍ أو قطميرٍ أو صغير، بل إن الله جل وعلا قال كما في الحديث القدسي: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)، (والظلم ظلمات يوم القيامة) كما قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري عن ابن عمر، بل نهى الحكام والولاة والأمراء ومن تولى سلطةً أن يظلم: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) أخرجه البخاري ومسلم.
هذا الشرع العظيم قد منع الظلم من كل صغيرٍ وكبير، ولو حصل من أحدٍ ظلماً، لو حصل من الوالي أو الأمير أو الحاكم ظلماً فإن ذلك لا يسوغ الخروج عليه، ولا يأذن بخلع بيعته، ولا تأليب الناس ضده، ولا جمع السلاح لحربه، ولا استباحة عرضه، بل كما قال ﷺ : (أدوا الذي لهم وسلوا الله الذي لكم).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2949
وجوب حمد الله على نعمة الأمن
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفقيه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: إن من نعم الله جل وعلا أن مكن لنا في هذه البلاد اجتماع شمل، ولو شئتم لعدتم بالذاكرة عقوداً وليست قروناً، عقوداً قريبة لترون كيف كان الناس لا يحجون إلا مجتمعين خشية قطاع الطرق، وربما قتل الرجل يوم أن كان في خرجه قليلٌُ من التمر أو البر أو الشعير، سواءً ظن الباغي أو العادي أن ذلك تمر أو (زكيبة) فيها ذهبٌ أو فضة، الناس لم يكونوا يأمنوا على أنفسهم إلا يوم أن مكن الله هذه الوحدة، وجمع الله هذا الشمل، ونسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لمؤسس هذه البلاد، وأن يجمعنا به في الجنة، وأن يعفو عنا وعنه، وأن يتجاوز عنا وعنه، وأن يغفر لنا وله، وأن يصلح ذريته، وأن يجمع شمل المسلمين والعلماء والدعاة والحكام من بعده، وأن لا يفرح على أحدٍ عدواً، ولا يشمت بأحدٍ من بعده حاسداً.
والله أيها الأحبة! إنا لننعم في أمرٍ يحاسب عنه غيرنا، فاحمدوا الله على هذه النعمة، وإن الناس كحباتٍ عقدٍ في سلك، تخيل عقداً فيه آلاف الحبات، أو ما يسمى بالسبحة مثلاً، عقدٌ فيه آلاف الحبات وخيطه واحد، إن الولاة والحكام هم ذلك الخيط، وإن الرعية هم ذلك العقد، فإذا لان الخيط أو انقطع انظر كيف تتناثر حبات العقد، أقول هذا، وإني والله لأنظر أمراً يدركه بعضكم، ويفقهه بعضكم:
ويكفي اللبيب إشارةٌ مرموزةٌ وسواه يدعى بالنداء العالي
إن من لم يفهم بالإشارة لا حاجة لنا إلى فهمه.
وإن اللبيب لبالإشارة يفهم
أدركوا هذه المعاني حتى لا يأتين يومٌ نقول فيه كما قال أهل الصومال: يا ليت الأمور تعود على ظلمٍ كنا نشكو منه، والآن عدنا نتمناه:
عتبت على سعدٍ فلما تركته وجربت أقواماً ندمت على سعد
أيها الأحبة: نسأل الله ألا يرينا يوماً نتمنى فيه سابق عهدنا، ونسأل الله أن يصلح أحوالنا، نسأل الله ألا يبقي أحوالنا على ما نحن عليه، بل نسأله أن يزيد الخير فينا، وأن يذهب الشر عنا، وأن يمحق المنكر من بيننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
إن حدود الله لخيرٌ لهذه الأرض من كل ربيعٍ وغيم: (حدٌ يعمل به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً) حديثٌ حسن، أخرجه ابن ماجة.
أيها الأحبة: إن من واجبنا أن ندرك ذلك، وأن نفهمه، وحينما نتخبط يمنةً ويسرة بحماسٍ وغير حماس، بعاطفةٍ وعاصفة، بعلمٍ وجهل، بفقهٍ وغير فقه، فكأنما نحمل معاول لنهدم بها بيوتنا، فكأنما نأتي بخراطيم المياه على بيوت الطين لتنهار من أساسها، فكأنما نسير بالفتنة ونحن لا نعلم.
أيها الأحبة: إن من يشكك في هذا الكلام، أو ينازع فيه، أدعوه ومتكفلٌ بتذكرته، ومتكفلٌ بنفقات نقله أن يخرج معي أو مع من شاء في جولةٍ على الشريط الحدودي لهذه البلاد، در على خفر السواحل، وتجول مع سلاح الحدود، وانظر ما هي الحدود التي بينك وبين دولٍ عديدة، كم يحدك من الشمال ومن الجنوب، ومن الشرق ومن الغرب؟ أتظن أن ما تنعم به في داخل الوطن، أو في داخل البلاد جاء عبثاً أو هملاً؟ ذلك بفضل الله أولاً، ثم بفاتورة أمنٍ تدفع.
أيها الأحبة: كما رأيت ولا أقول ذلك والله إلا حسبةً لله، تدفع بثمنٍ باهظ، الشريط الحدودي للمملكة على البحر الأحمر كم كيلو؟ الشريط الحدودي المتاخم على حدود العراق والشام والخليج كم؟ الشريط الحدودي المتاخم للجنوب كم؟
стр. 2950
حفظ الأمن مسئولية الجميع
أيها الأحبة: إن نعمة الأمن ومسئولية الأمن ليست مسئولية الحاكم وحده، ولا سلاح الحدود وحدها، ولا خفر السواحل وحده، ولا مسئولية العالم وحده، بل مسئولية الجميع، والأمن أمانة، ومن رأى أمراً فيه خللٌ في الأمن فسكت عليه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] إياكم أن تظنوا أن مسألة الأمن هينة: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥].
نسأل الله أن لا يلبسنا شيعاً، أسأل الله ألا يذيق بعضنا بأس بعض، أريدها بكل جرأة، وبكل صدق بمن شكك في هذا الكلام أن يركب سيارته إن استطاعت أن تمشي على أحجارٍ ورمال لكي تستعرض الحدود أو جهةً من الحدود، كم بينك وبين من حولك من البلاد التي تربصت بك، وتفرحت بك يوم أزمة الخليج، ودنت فوهات الدبابات عليك، ونصبت الصواريخ على مدنك.
فيا عبد الله! أتريد أن يصبح الحمى مكاناً لكل قبرٍ من دون الله يعبد؟ أو مكاناً لكل ضريحٍ ينحر له؟ أو مكاناً لكل صوفي مخرف يتمسح الناس بدعوى بركته، أو بزعم دفعه للشر أو جلبه للخير، احفظوا ما أنتم به من الخير، واجتهدوا وضعوا أيديكم في أيدي علمائكم وولاة أمركم ودعاتكم، فاحفظوا ما رأيتم من خير وزيدوه، وأنكروا ما رأيتم من شرٍ وأنكروه، وإن الأمن قبل كل شيء هو في النفوس، فمن كان يحمل نفساً آمنة جمع مجتمعاً مؤمناً، ومن كان يحمل نفساً خبيثة جمع مجتمعاً خبيثاً فزعاً، قال ﷺ في حجة الوداع، فيما يرويه فضالة بن عبيد ﵁ قال: (ألا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) أخرجه أحمد بإسنادٍ صحيح.
وقال ﷺ : (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه).
أيها الأحبة: لا نظن أن الأمن الذي نحن فيه هو بأسلحتنا أو بعتادنا أو بجنودنا ودباباتنا، فالأمن من عند الله أولاً، وما تلك إلا أسبابٌ قد سنها الله جل وعلا ثانياً، وإذا كثرت الذنوب وفشت المعاصي وظهرت المنكرات، وسكت الغيورون، وقل الآمرون وتباهى الفجار والمفسدون فلا تسل عن الفساد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٩﴾ [الروم:٤١] ويقول جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، اللهم عليك بالمرجفين والمنافقين، اللهم من أراد بنا في هذه البلاد فساداً، اللهم من أراد بعلمائنا فتنة، اللهم من أراد بولاة أمرنا مكيدة، اللهم من أراد بشبابنا انحرافاً، اللهم من أراد بالفتيات اختلاطاً في الوظائف والتعليم، اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واصرفه عنا، وأبعده عن أرضنا يا رب العالمين.
اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم اكفنا شرارنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، ربنا لا تشمت بنا عدواً ولا تفرح علينا حاسداً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر المجاهدين، اللهم فرج هم المهمومين، ونفِّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وفرج عن المسجونين أهل الزنازين واحفظ ذرياتهم وأسرهم يا رب العالمين، وانتقم للمظلومين من الظالمين، وعجِّل نصرتك لعبادك المستضعفين يا أرحم الراحمين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللهم ارض عن الأربعة الخلفاء؛ الأئمة الحنفاء، وعن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
стр. 2951
قبل بدء الرحيل
الرحيل إلى الدار الآخرة لابد منه، ولابد لكل إنسان أن يسكن القبر، وقد أتى الشيخ في هذا الدرس بعدة صور للرحيل المشرق الذي يتمناه كل إنسان مسلم، من تلك الصور: رحيل فاطمة الزهراء ورحيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ جميعاً.
ثم حذر من سوء الرحيل وسوء خاتمة المرتحل.
стр. 2952
وقفة مع الدعوة إلى الله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها، إن دين الله ماض، تقهقر من تقهقر، وانحرف من انحرف، وانقلب من انقلب، وضعف من ضعف، وتشاغل من تشاغل، إنها قافلة ماضية، وكما يقول ﷺ : (لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة) وهذه الطائفة كما قرر المحققون من أهل العلم، أنها ليست جماعةً معينة، ولا في بلدٍ معين، أو في زمن معين، ولكنهم أتباع الكتاب والسنة، وأتباع السلف الصالح في كل زمانٍ ومكان، فلماذا لا نشرف أنفسنا بالالتحاق والانتساب إلى هذه المسيرة المباركة التي بدأت تاريخها منذ نزل (اقرأ) على نبينا ﷺ ولم ينته لها تاريخ؛ لأن الحق باقٍ حتى قيام الساعة، بل وبعد قيام الساعة، فإن ذلك دلالةٌ على نصرة الحق وقوة الحق وظهور الحق على من خالفه.
أيها الأحبة في الله أدعوكم ونفسي مرةً ومراراً، وسراً وجهاراً، وعوداً وتكراراً أن يحاسب كل واحدٍ منا نفسه، ماذا قدمنا لهذه الدعوة؟ أليس الناس من حولنا وما بيننا وبينهم شيء، فما الذي كلَّ بألسنتنا عن دعوتهم؟ ألسنا نصرف الريالات والعشرات والمئات والآلاف في شهوات أنفسنا، وملذات ذواتنا، فلماذا إذا ذُكرنا بشراء شريطٍ لنهديه، أو كتابٍ لنقدمه دعوةً وحسبةً إلى الله أصبح الثمن غالياً، وأصبح الأمر شديداً وعلى النفس عظيماً، ولما كان في لذة النفس كان أسهل ما يكون؟ إننا نريد أن نكون من أولئك الذين ينفع الله بهم مباركين أينما كانوا.
في البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، قال ﷺ : (الناس كإبلٍ مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) فنحن نرى اليوم المئات لا تكاد تجد فيهم من يحتسب، ومن يمضي، ومن يدعو، حتى هذا المتحدث أمامكم أول من تشاغل بنفسه وبخاصة أمره عن دعوة ربه، ووالله إنا نقف وإياكم هذا الموقف مقرين بالذنوب، معترفين بالخطأ، مراجعين لأنفسنا، اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت خلقتنا ونحن عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، نعوذ بك من غفلتنا عن دعوتنا، نعوذ بك من انشغالنا بأمر أنفسنا واشتغالنا عن ديننا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، ونبوء لك بنعمك علينا، ونبوء بذنوبنا فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
стр. 2953
الرحيل مصير لا بد منه
أعود إلى حديثنا أيها الأحبة! فالحديث نداء قبل الرحيل، وقبل النداء ما سمعناه.
ثم -أيها الأحبة- إن مما يدعو إلى الحديث في هذا الأمر: أنك إذا رأيت شيخاً كبيراً قد احدودب ظهره وعشي بصره، فاعلم أنه كان يوماً من الأيام شاباً جلداً نشيطاً قوياً، يرفع الصخر الثقيل، ويتحمل الحمل العظيم، ويمشي المسافات الطويلة، ويكابد المشقة العظيمة، ولكن جلده الليل والنهار بسياط الغروب والإشراق حتى أحدب ظهره وأعشى بصره، وجعله لا يعتمد على قدميه، أضعف بدنه، فانقلبت حاله بعد الصحة سقماً، وانقلب أمره بعد القوة ضعفاً.
وإذا رأيتِ -أيتها الأخت المسلمة- عجوزاً قد ذبل خداها، وقد ذبل جنباها، فاعلمي أنها كانت يوماً من الأيام واحدةً من الصبايا التي ربما تغنى الشباب بجمالها، واشتاق العشاق لوصالها، ولكن جَلَدَها الليل والنهار، ومضت عليها السنون والشهور والأعوام حتى صيَّرت حالها إلى ما ترين.
فيا معاشر الشباب: ويا معاشر الأخوات! إذا رأينا شيخاً كبيراً أو عجوزاً كبيرة، فلنعلم أن مآلنا رحيلٌ إلى حالهم، أو رحيلٌ عن الدنيا، فإن تركنا الموت ما تركنا الكبر، إن تركنا الموت ما تركنا السقم، إن تركنا الموت ما تركنا المرض، إن تركنا الموت ما تركنا الضعف، إن تركنا الموت ما تركنا الفراق، قال ﷺ فيما رواه الطبراني وصححه الحاكم وغيره: (جاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) أعيد هذا الحديث العظيم الجليل، قال ﷺ : (جاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) فلا بد من الموت مهما عاش الإنسان مائة أو أقل أو أكثر.
سئل الأعشى ميمون بن قيس وقد جاوز المائة ونيف عليها، فقالوا له: كيف وجدت الحياة؟ فقال:
المرء يفرح بالحياة وطول عيشٍ قد يضره
تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
وتسوؤه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسره
كم شامتٍ بي إذ هلكت وقائل لله دره
هذه الأيام ماضية، عش ما شئت، مهما طال بك الزمن أو قصر فإن المنايا لا تعرف صغاراً دون كبار، ولا كباراً دون كهول، ولا كهولاً دون أطفال، ولا تعرف المنايا لأحدٍ إلا ما حدد الله لها وآجالاً كتبها الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر
وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
وكم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
الرحيل الرحيل إذا غربت الشمس، فإنها تقول: الرحيل الرحيل، وإذا يبس النبات فإنه يقول: الرحيل الرحيل، وإذا مرض البدن، فإنه يقول: الرحيل الرحيل، وإذا أفلس التاجر، فإن ذاك يقول له: الرحيل الرحيل، وإذا انتهى الأمر فإنه يقول لك: الرحيل الرحيل.
إذا تم شيءٌ بدا نقصه ترقب زوالاً إذا قيل تم
توقى البدور النقص وهي أهلةٌ ويدركها النقصان وهي كوامل
فإن كنت تبغي العز فابغ توسطاً فعند التناهي يقصر المتطاول
الرحيل الرحيل، قد نودي بها ﷺ ، فقال له ربه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
الرحيل الرحيل، نودي بها المؤمنون: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤].
الرحيل! الرحيل، نوديت بها الأمة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].
الرحيل الرحيل يا عباد الله! فإن هذه الدنيا قد آذنت بصرمٍ وولت حذاءَ ولم يبق فيها إلا صبابةٌ يتصابها صاحبها، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن الدنيا قد أدبرت وإن الآخرة قد أقبلت، إن الدنيا فانية مدبرة وإن الآخرة باقية مقبلة.
أيها الأحبة: حديثنا عن الرحيل لا فائدة منه إذا كنا سنستمع لحظة أو نخشع لحظة أو ننكسر لحظة، ثم نعود إلى شهواتنا وملذاتنا ومعاصينا، نقارف المعصية كأننا ما سمعنا خطباً على المنابر، كأننا ما سمعنا مواعظ، كأننا ما قرأنا كلام الله، ولا سمعنا سنة رسول الله ﷺ .
الحديث عن الرحيل -أيها الأحبة- أمرٌ للاستعداد ودعوة للاستعداد، وهل ينفع أن تتحدث الصحف والمجلات والإذاعات والإعلام، هل ينفع أن يتحدث الإعلام مثلاً قائلاً: سيرد على منطقة معينة وباءٌ ومرضٌ معدٍ، ثم يتحدث الناس، ويتناقلون أنباء الوباء، ولا يستعدون للوقاية دونه، ولا يستعدون للاحتياطات من أن يصيبهم شره وبلاؤه، يكون الكلام عن الوباء دون الاستعداد لمقاومته ضربٌ من العبث ولونٌ من الهوس، لكن إذا كان الكلام عن الوباء يعقبه استعدادٌ لمواجهته، فحينئذٍ يكون الكلام نافعاً ومجدياً، وكذلكم الحديث عن الرحيل إذا كان الكلام من أجل أن نستعد فحينئذٍ يكون -بإذن الله- نافعاً يؤثر على هذه النفوس، لا بد من الرحيل.
أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل
لا بد من الرحيل، أين الأُلى الذين سادوا وشادوا؟ أين شداد وإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ هلك الأمويون فهل أنتم باقون؟ هلك العباسيون فهل أنتم باقون؟ هلك العثمانيون فهل أنتم باقون؟ كل أمةٍ مضت.
يبقى الثناء وتذهب الأموال ولكل عصرٍ دولةٌ ورجال
لكل زمانٍ أهله ورجاله.
стр. 2954
القبر مسكنٌ لكل حي
أيها الأحبة: ما دام من قبلنا قد مضوا وكانوا أشد منا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠] إن أمماً سبقتنا ومضت قبلنا كانت هي أقوى وأغنى منا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣] أيستعصي على الله شيء؟ أيقف في وجه الله شيء؟ أيعترض قدر الله شيء؟ أيصد أمر الله شيء؟ إن أمر الله ماضٍ لا محالة.
فهذا أيها الأحبة! أمرٌ ونداءٌ واستعداد لهذا الرحيل، فقد مضى قبلنا الأثرياء والملوك والرؤساء، والكبراء والأمراء والوزراء، والفقراء والصعاليك والمساكين، فانتهوا إلى تلك الدار، لا يستوي في شأن القبر واللحد:
إن حله داهيةٌ أو أبلهٌ أو معسرٌ أو من له ملكٌ كملك تبع
فكل يرد على هذا القبر، وحينئذٍ يتساوى الملوك والعامة، ويتساوى الفقراء والأغنياء، والصعاليك والأثرياء، كلهم تحت الثرى، وكلهم في اللحود، وكلهم ينخرهم الدود إلا من أذن له الله برحمةٍ وعنايةٍ وحفظٍ وكرامةٍ تعجل له كرامته في البرزخ لينظر بعدها إلى كرامةٍ أعز وأعظم من ذلك.
أليس الأغنياء لا يأذنون بدخول أحدٍ عليهم إلا بحجُاب وبواب، فأين هم من القطط والكلاب ربضت على قبورهم وبالت على لحودهم دون حاجبٍ ولا مستأذن، ما الذي صيَّر حالهم إلى ذلك؟ إنه الرحيل، إنه الزوال، إنه الفناء، فمن عاش في هذه الدنيا وهو ينظر أنه سيستمر في هذا الضوء ناسياً أن اللحد المظلم ينتظره، فذاك جاهلٌ أحمق، ومن عاش في الدنيا يظن أنه سيتقلب دائماً في السعة ناسياً ضيق القبر، فذاك جاهلٌ أو متجاهل، ومن مضى في هذه الدنيا مستأنساً بهذا الأنس ظاناً أن ذلك سيدوم عليه، ناسياً وحشة القبر وخلوته وانفراده، ناسياً أول ليلةٍ في القبر، وأول وحشةٍ يجدها، وأول ترابٍ يهال على وجهه، وأول حجرٍ يسقط على صدره وبطنه، والناس يحثون عليه الترب في لحده، فذاك غافل.
إذا أردت أن تعصي الله فاذكر ذلك الموقف، وتذكر الرحيل، وإذا أردت أن تقعد عن الصلاة مع الجماعة، فاذكر ذلك الموقف وتذكر الرحيل، وإذا زينت لك نفسك أن تمنع الزكاة فتذكر الرحيل، وإذا دعتك شهوتك إلى الوقوع في الزنا فتذكر الرحيل، وإذا دعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى المتاجرة بالربا فتذكر الرحيل، قال ﷺ : (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) الموت الموت يا عباد الله! ما ذكر في قليلٍ إلا كثره، ولا في كثيرٍ إلا قلله، ولا في بعيدٍ إلا قربه، ولا في قريبٍ إلا بعده، ولا في حبيبٍ إلا فرقه، ولا في لذيذٍ إلا جعله مراً، لا بد أن نتذكر هذا الأمر؛ لأننا قادمون عليه.
إن طائفةً من الناس إذا حدثتهم عن الرحيل، قالوا: ما أسوأ حديثك، ما أشأم حديثك! لا تكلمنا إلا عن المقابر وعن الموت وعن الرحيل، وعن الدود وعن اللحود، هلا حدَّثتنا باللذة؟ هلا حدَّثتنا بالبقاء؟ هلا حدَّثتنا بالأنس؟ صديقك من صدَقك لا من صدَّقك، ولأن تصحب من يخوفك حتى تبلغ مأمنك خيرٌ من أن تصحب من يؤمنك حتى يجعلك في دار المخافة، فلا بد من الرحيل أيها الأحبة.
إننا نفجع بأحبابنا وسنفجع يوماً من الأيام بأنفسنا، ستحمل على نعشٍ والناس يتحدثون وأنت محمولٌ على هذا النعش، فحدث نفسك الآن ماذا تقول لك نفسك والغاسل يغسلك؟ وماذا تقول لك نفسك والغاسل يكفنك؟ ماذا تقول نفسك إذا قدموك في المحراب يصلون عليك؟ ماذا تقول لك نفسك والناس يحملونك على أكتافهم؟ ماذا تقول نفسك وقد دخلت بوابة المقبرة؟ ماذا تقول نفسك وقد أسندوك يبحثون عن قبرٍ مناسبٍ لطولك وعرضك؟ ماذا تقول لنفسك إذا سَلوك في القبر سلاً؟ ماذا تقول لك نفسك إذا أهيل عليك التراب، وأخذوا يحثونه حثواً؟
стр. 2955
لابد من الاستعداد للرحيل
أيها الأحبة: لا بد أن نستعد، فهذا حديث جبريل العظيم الذي يقول فيه لمحمدٍ ﷺ : (عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه) أحبب زوجتك فلابد أن تفارقك أو تفارقها، أحبب مالك فإنك تفارقه أو يفارقك، أحبب وظيفتك فإنك إما تعزل عنها أو تتركها أو تتقاعد منها، أحبب من شئت من ولدٍ أو جاهٍ أو مالٍ أو منصب أو قريبٍ أو حبيب فلابد من الفراق، وستكون أحوالنا في هذه الدنيا كالأحلام.
مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيامٌ
ثم انثنت أيام هجرٍ بعدها فكأنها من طولها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
والله كأنها أحلام، الواحد منا يتذكر الآن وهو يحمل بحقيبته في السنة الأولى الابتدائية، ويتذكر نفسه وهو يركض بشهادته قد نجح من الرابعة الابتدائية، ويتذكر سنين الطفولة، كيف جلدنا الليل والنهار، ومضى علينا:
منع البقاء تقلب الشمس وخروجها من حيث لا تمسي
وبزوغها صفراء صافية ومغيبها حمراء كالورس
هذا الذي قلَّب الليل والنهار، هو الذي قلَّب أحوالنا، فجعلنا ننتهي إلى ذلك.
(وأحبب من شئت فإنك مفارقه) إلا عملك الصالح: (يموت ابن آدم فيتبعه ثلاثة: ماله وعمله وولده، فيرجع اثنان، يرجع ماله وولده ويبقى عمله) هل سمعتم أن شباباً أو رجالاً، أو ذكوراً وإناثاً جاءوا إلى العلماء فقالوا: إن أبانا صام خمسين رمضاناً، فاقسم هذا الصيام علينا؟ ذاك عمله ولا يدخل معه فيه أحد، أما المال فاقسموه فيما بينكم.
هل سمعتم أن رجالاً ونساءً جاءوا إلى القضاة والعلماء فقالوا: حج أبونا عشرين أو ثلاثين حجة فاقسموا يا أيها العلماء هذا الحج وهذا الاستغفار، وهذه التلاوة، وهذه القراءة، وهذه العبادة، اقسموها علينا، هذا لا يمكن أبداً؛ لأن ذلك عمل، والعمل لصاحبه، أما المال فيقسم بينكم، وأما الولد فيعودونه، فمن ترك ولداً صالحاً فهو من عمله، ومن ترك ولداً ضيعه وأهمله وأسند تربيته إلى الشاشة والأفلام، وأسند تربيته إلى المربيات والخادمات، وأسند تربيته إلى جلساء السوء وإلى قرناء الشارع ليتعلم الألفاظ البذيئة والكلمات التي لا تليق، فحينئذٍ لا يسره أن يكون هذا من عمله أبداً.
إذاً فالرحيل لا بد منه أيها الأحبة، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري مؤلف صحيح البخاري أصح كتابٍ بعد كلام الله كما أجمعت الأمة، كان جالساً في حلقة درسه والطلاب من حوله يستمعون، فجاءه نعي أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب السنن فأطرق البخاري، ثم نشج ثم بكى حتى انحدر دمعه وبل خده، وسال على لحيته، فرفع رأسه وهو يقول:
إن تبق تفجع بالأحبة كلهم وفناء نفسك لا أبا لك أفجع
فهذا شأننا إن كنا أحياءً فيفجعنا موت أحبابنا، موت آبائنا، موت أمهاتنا، موت إخواننا وأخواتنا، موت علمائنا، موت دعاتنا، موت رجالنا، موت المجاهدين فينا، موت الثابتين الصابرين منا:
إن تبق تفجع بالأحبة كلهم وفناء نفسك لا أبا لك أفجع
فهذه الدنيا يفجع فيها الإنسان وليست بدار لذةٍ أو غفلةٍ دائمة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] لذا قال ﷺ يوصي عبد الله بن عمر آخذاً بمنكبه قال له: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) تذكر الرحيل.
إن الله قد بيَّن أن هذه الدنيا بما فيها كلها متاع، اسألوا أنفسكم لو جاء مسافرٌ إلى موظف الخطوط مثلاً، أو موظف سكة الحديد مثلاً، أو موظفٍ مسئولٍ عن السفر، فقال الموظف لهذا المسافر: أين متاعك؟ ما تظنون المتاع الذي سوف يأتي به هذا المسافر؟ حقيبةٌ صغيرة وثيابٌ قليلة، وأمورٌ يسيرة جداً، ثم يضعها على الميزان ويقول: هذا متاعي، لم يأتِ أحدٌ ببيته ليقول: هذا متاع سفري، ولم يأتِ أحدٌ بسيارته ليقول: هذا متاع سفره، ولم يأتِ بكل أمواله ليقول: هذا متاع سفري، إنما المتاع بلغةٌ من أجل البلاغ والوصول، اسمعوا قول الله :
وإن كلام الله أوثق شافعٍ وأغنى غناءٍ واهباً متفضلاً
وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلا
ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ليناً وهطلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا
اسمعوا كلام الله، إن أجمل الكلام كلام الله! إن أطيب الكلام كلام الله! إن ألذ الكلام كلام الله! يأتي الواحد يريد أن يلقي محاضرةً جمع فيها من الكتب فيسمع آيةً من كلام الله تنسف وتعصف كل ما جمعه، أبلغ من هذا كله، وأجمل من هذا كله، وأثمن من هذا كله، فسبحان من كلامه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد! سبحان من كلامه لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً! أيها الأحبة: يقول الله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] كل ذلك ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران:١٤ - ١٥] الجنة خيرٌ من هذا كله، النعيم المقيم خيرٌ من كل ما نتقلب فيه، ولو أُوتينا ألذ الملذات وأطيب الطيبات.
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً للقوم ليس لها مصادر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
إذا تأملنا ذلك كله، فإن ذلك أيها الأحبة! يذكرنا برحيلٍ لا بد منه.
стр. 2956
صور من الرحيل المشرق
والآن أريد أن أعرض عليكم صوراً من رحيل مشرقة، ثم ربما نتطرق إلى بعض صور الرحيل الخطرة، صور الرحيل المخزية، صور الرحيل الموجعة المفجعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا إسماعيل عن يونس عن الحسن عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، فقالت عائشة: يا رسول الله! كراهية لقاء الله أن نكره الموت، فوالله إنا لنكرهه، فقال: لا.
ليس بذاك، ولكن المؤمن إذا قضى الله قبضه، فرج الله له عما بين يديه من ثواب الله وكرامته، فيموت حين يموت وهو يحب لقاء الله، وإن الكافر والمنافق إذا قضى الله قبضه، فرج له عما بين يديه من عذاب الله وهوانه، فيموت حين يموت وهو يكره لقاء الله، والله يكره لقاءه) هذه مقدمة لمن يحب الرحيل، لمن يستعد للرحيل محباً للقاء الله ، فإن الله يحب لقاءه، حينما يحب العبد هذا اللقاء؛ لأنه يبشر بروحٍ وريحانٍ، وربٍ راضٍ غير غضبان.
стр. 2957
رحيل فاطمة بنت رسول الله
روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا أبو النظر، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه عن أمه سلمى قالت: [اشتكت فاطمة -هذه صورةٌ فيها عبرة عظيمة وفيها حث وتشجيع على الاستعداد واليقين والتهيؤ للرحيل الجميل، وما أخص به الأخوات والنساء، وأخص به في ذلك الزوجات والبنات، الأخوات والأمهات، هذه امرأة صحابية ابنة رسول الله، زوجة صاحب رسول الله، زوجة أحد الخلفاء- فاطمة بنت رسول الله ﷺ اشتكت شكواها التي قبضت فيها، تقول سلمى: فكنت أُمرضها، فأصبحت فاطمة يوماً كأمثل ما رأيتها في شكواها تلك، قالت: وخرج علي بن أبي طالب لبعض حاجته، فقالت فاطمة لـ سلمى: يا أمه! اسكبي لي غسلاً، قالت: فسكبت لها غسلاً فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثم قالت: يا أمه! أعطيني ثيابي الجدد، فأعطيتها، فلبستها، ثم قالت فاطمة: يا أمه! قدمي لي فراشي وسط البيت، قالت: ففعلت، ثم اضطجعت على الفراش واستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها ثم قالت: يا أمه! -يعني: يا أماه- إني مقبوضة الآن، إني مقبوضة الآن، وقد تطهرت فلا يكشفني أحدٌ فقبضت مكانها، قالت: فجاء علي فأخبرته بذلك].
الله أكبر! انظروا كيف يستعدون للقاء الله، يتطيبون للرحيل، يلبسون الثياب الجميلة للرحيل، يعدون الغسل الطيب للرحيل، يستقبلون القبلة للرحيل، يضطجعون السنة للرحيل.
الله أكبر! ما أعظم هذه النفوس.
стр. 2958
رحيل أبي بكر الصديق
رحيل أبي بكر الصديق ﵁، والحق أن نتحدث قبله عن رحيل محمد ﷺ :
لو كانت الأعمار تبقى لواحدٍ رأيت رسول الله حياً مخلداً
ولكن وفاة النبي ﷺ قضيةٌ كاملة، مسألة كاملة، فصولٍ كاملة، أمورٌ كاملة، موعظة تامة، لا يسعها أن نضمنها وسط هذه الكلمة أو المحاضرة، ولعل الله أن ييسر بلقاءٍ نسمع منكم أو نستمع من أحد إخواننا كلاماً عن وفاة النبي ﷺ التي فيها من العبر، ومن أجمل السير، ومن أجل الخبر ما يتدكدك له الصخر.
هذا أبو بكر الصديق، صورةٌ من رحيله رضوان الله عليه: كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الإثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان ذلك اليوم شديد البرودة، فأصابت أبا بكر الحمى، فحمي خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى صلاة، وكان أبو بكر يأمر عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس، والناس يدخلون على خليفتهم وإمامهم، يدخلون على صاحب رسول الله، يدخلون على خليفة رسول الله، يعودونه في مرضه، وهو في كل يومٍ أثقل من الذي قبله، فلما اشتد به الأمر قال لـ عائشة وقد كانت تمرضه مرض موته: [أي يومٍ هذا يا عائشة؟! قالت: يوم الإثنين، قال: فأي يومٍ قبض فيه رسول الله ﷺ ؟ -الله أكبر يريد السنة حتى في الوفاة، حتى في اليوم الذي مات فيه ﷺ قال: في أي يومٍ قبض فيه رسول الله ﷺ ؟ قلنا: قبض يوم الإثنين، قال: فإني أرجو ما بيني وبين الليل- يعني: لا أدري لعلي ألقى الله، أو أرجو أن ألقى الله في هذا اليوم فأموت في اليوم الذي مات فيه حبيبي وصاحبي ﷺ وعندما اقترب موته ﵁ دعا أبو بكر ﵁ عائشة الحَصَان الرزان أم المؤمنين ﵂، فأوصاها قائلاً: يا بنية! إنا وُلينا أمر المسلمين فلم نأخذ ديناراً ولا درهماً، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليلاً ولا كثيراً إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا متُ فابعثي بها إلى عمر، وانظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنة التي كنا نصطبغ فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين، فإذا مت -يا عائشة - فردي كل ذلك إلى عمر] فلما مات أبو بكر أرسلت عائشة ما عندهم من مالٍ ومتاع إلى عمر، فلما رأى عمر بن الخطاب ذلك كله انفجر باكياً وأخضل الدمع لحيته، وقال: رحمك الله يا أبا بكر! رحمك الله يا أبا بكر! رحمك الله يا أبا بكر! لقد أتعبت من جاء بعدك، وكانت عائشة ﵂ عند رأس أبيها أبي بكر ﵁ وهو يحتضر وتتمثل بهذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فقال أبو بكر ﵁: لا تقولي هكذا يا بنية! ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ثم قال أبو بكر: إذا أنا مت فاغسلي أخلاقي -يعني: ثيابي الخلقة- فاجعليها أكفاناً لي، فقالت عائشة: يا أبتاه! قد رزق الله وأحسن وأعطى خيراً، نكفنك بجديد، فقال: إن الحي أحوج إلى هذا مني، يصون نفسه، إن الحي أحوج من الميت، إنما يصير إلى الصديد وإلى البلى.
وتوفي أبو بكر ﵁ يوم الإثنين ليلة الثلاثاء، وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ عمره عمر نبيه ﷺ ، ودفن جوار قبر النبي ﷺ .
ما أجمل هذا الرحيل! وما أجمل هذا الفراق! وما أجمل هذا الإعداد! وما أطيب هذا الاستعداد! نفوسٌ أيقنت بالموت فاستعدت له.
стр. 2959
رحيل عمر بن الخطاب
هذا عمر بن الخطاب ﵁ رحيلٌ في عبادة رحيلٌ في صلاة رحيلٌ في سجودٍ وخشوعٍ وركوع، لما طعن عمر ﵁ في صلاة الفجر وهو يؤم المسلمين طعنه أبو لؤلؤة المجوسي حمل عمر ﵁ إلى داره، فقال: الصلاة -نعم.
لا حظ لامرئٍ في الإسلام أضاع الصلاة، فصلى والجرح يثعب دماً، فجاء الصحابة بطبيبٍ يداويه، فسقاه لبناً فخرج اللبن أبيضاً من جرحه، فقال الطبيب: لا أراك إلا مودعاً، فأوصِ إن كنت موصياً، وافعل ما كنت فاعلاً، فقالت أم كلثوم: وا عمراه، وكان معها نسوةً فبكين معها، وارتج البيت بكاءً، فقال عمر: والله لو أن لي ما على الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع.
رحيلٌ في الصلاة، ومع ذلك يخشى من هول المطلع، ومن سوء المفزع، ومن عاقبة الأمر، يخشى من إقباله على الله، وهو عمر الذي بشر بالجنة، عمر الذي ما سلك وادياً إلا سلك الشيطان وادياً آخر، عمر الذي فتح الله به البلدان، ومصر به الأمصار، ونشر به الإسلام، عمر الذي نزل القرآن والوحي موافقاً لقوله ولرأيه، يقول: [والله لو أن لي ما على الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع]، فكان عمر وهو يحتضر ينادي ولده عبد الله، فقال: [ادن يا عبد الله! اذهب إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ فقل: عمر بن الخطاب يقرأ عليك السلام، ولا تقولن: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين بأمير، يقول: قل لها: عمر يستأذن ولا تقل له: أمير المؤمنين يستأذن، قال: ثم سلها أن أدفن مع صاحبيَّ -يعني: مع النبي ﷺ ومع أبي بكر - قالت عائشة: ﵂ لما جاءها عبد الله بن عمر فطرق الباب ودخل عليها، فقال: يا أم المؤمنين! يا أمه! إن عمر بن الخطاب يقرئك السلام، ويقول: إن أذنت لي أدفن مع صاحبيَّ، فقالت عائشة ﵂: كنت أريده لنفسي -كانت تريد أن تدفن بجوار زوجها، بجوار نبيها، بجوار حبيبها، بجوار أبيها، ولكن هذا هو الإيثار، ولكن هذا هو الكرم، ولكن هذا الإيمان العظيم الذي جعلها تعرف مكانة عمر في دين الإسلام، وتعرف مكانة عمر من رسول الله، وتعرف مكانة عمر من أبيها أبي بكر الصديق - قالت: كنت أريده لنفسي، فوالله لأؤاثرن ابن الخطاب اليوم على نفسي، فلما أقبل عبد الله بن عمر راجعاً إلى أبيه عمر، قال له عمر: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما كان شيءٌ أهم إليَّ من ذلك المضطجع] حي ذاك المضطجع، وحي ذاك المكان، وحي تلك التربة التي ضمت رسول الله ﷺ وضمت صاحبه أبا بكر، وضمت عمر بن الخطاب ﵃، ما أطهرها وما أطيبها! إلا أنها لا تنفعنا من دون الله، ولا تدفع عنا شيئاً من دون الله، ولا تدفع قدراً من أقدار الله، لكننا نحب ذاك التراب، ونحب أجساداً طيبةً طاهرةً عطرةً من أهل الجنة في ذاك التراب، لكننا لا نعتقد أنها تفرج الكربات، أو تفرج النكبات، أو تجيب الملهوفين، أو تسمع الإغاثات، فذلك توحيدنا الذي أمرنا به حبيبنا، وبقي عليه خليفة رسولنا، وثبت عليه الخلفاء والأئمة بعده.
قال عمر: [ما كان شيءٌ أهم إليَّ من ذلك المضطجع، فإذا قبضت فاحملوني، ثم سلموا، ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب -مرة أخرى- فإن أذنت لي فادفنوني وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين] ردوني إلى مقابر المسلمين، يقولها عمر الذي كسر كسرى وقصم قيصر بأمر الله والجهاد، يقول: [إن أذنت فادفنوني وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين].
فولج شابٌ من الأنصار وهذه صورة:
اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ضل قومٌ ليس يدرون الخبر
صورةٌ عظيمة، صورة جليلة، صورةٌ للدعوة، صورةٌ للحسبة، صورةٌ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عمر بن الخطاب يدعو وينصح ويحتسب ويأمر وينهى وهو على فراش الموت: ولج عليه شابٌ من الأنصار، فقال الشاب: [أبشر -يا أمير المؤمنين- ببشرى الله لك، لقد كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم شهادةٌ في سبيل الله بعد هذا كله، فقال عمر ﵁: ليتني -يا بن أخي- أرد على الله كفافاً لا عليَّ ولا ليَّ، فلما أدبر الفتى نظر عمر إلى ثوبه، فرأى إسبالاً في ثوبه، فقال: ردوه عليَّ، فلما عاد، قال عمر بن الخطاب: يا بني! ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك].
وعند خروج روح عمر ﵁ كان رأسه في حجر ولده عبد الله بن عمر، فقال عمر: [ضع خدي على الأرض، فقال عبد الله بن عمر: يا أبتِ! وهل فخدي والأرض إلا سواء، فقال عمر: ويل عمر إن لم يرحمه ربه، ضع خدي على الأرض لا أم لك في الثانية أو في الثالثة، ثم شبك بين رجليه ﵁، فسمعته يقول: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي حتى فاضت نفسه وهو يذكر الله ويشهد أن لا إله إلا الله].
الله أكبر! الله أكبر! إقبالٌ على الله واستعدادٌ للرحيل، وإعدادٌ بزادٍ عظيم، ومع ذلك يخشون عاقبة عظيمة.
стр. 2960
رحيل عثمان بن عفان
وصورةٌ أخرى من صور الرحيل لأولئك الذين يودعون وهم يقرءون كلام الله، يقرءون كتاب الله، فذلك شأن عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فقد أصبح عثمان يحدث الناس، يقول عثمان: (رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال الرسول ﷺ : أفطر عندنا يا عثمان) فأصبح عثمان صائماً وقتل من يومه، حيث اجتمع أصحاب الفتنة، اجتمع الذين أشعلوا الفتنة في عهد عثمان ﵁ حول بيته يريدون قتله يوم الجمعة، وهو صائم عند صلاة العصر، وهو جالسٌ في بيته يقرأ القرآن فدخلوا عليه وضربه أحدهم (بالمشاقص) فقال عثمان: باسم الله توكلت على الله، فإذا الدم يسيل على وجهه ويسيل على لحيته، والدم يتقاطر على مصحفٍ كان بين يديه يقرأ فيه، فاتكأ من شدة الضربة على شقه الأيسر، وهو يقول: سبحان الله العظيم! وهو يقرأ في المصحف والدم يسيل على المصحف حتى وقف الدم عند قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] فأطبق المصحف ثم حملوا عليه وضربوا عثمان ضربةً واحدة، فمات ﵁ مقتولاً شهيداً كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، إذ قال النبي فيما مضى يوم أن كان النبي جالساً عند بئره، فدخل أبو بكر وكان أحد الصحابة حارساً، فقال: (ائذن له وبشره بالجنة، ثم استأذن عمر، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم استأذن عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه) وهذه هي البلوى التي ابتلي بها عثمان ﵁.
стр. 2961
رحيل علي بن أبي طالب
وتلك صورةٌ خامسة من صور الرحيل الجميل، في صلاة، في عبادة لخليفة من خلفاء الإسلام، ذلكم علي بن أبي طالب ﵁، خرج الإمام علي لأداء صلاة الفجر في المسجد وهو يردد بين نفسه:
شد حيازمك للموت فإن الموت لاقيك
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك
خرج علي بن أبي طالب ﵁ وهو يتمثل بهذا البيت كأنه نبئ أنه سيقتل بعد قليل، وكان في طريقه خارجاً من بيته إلى المسجد، وهو ينادي بين الفينة والأخرى: أيها الناس! الصلاة الصلاة علي بن أبي طالب خرج من بيته يلتفت إلى البيوت يلتفت إلى الأزقة يصيح في الراقدين النائمين: أيها الناس الصلاة الصلاة، ومعه درته يوقظ بها الناس، فجاء ابن ملجم ومعه سيفٌ ومعه صاحبٌ فأقبل تجاه علي فضربه ضربةً في جبهته حتى وصل دماغه، فصاح علي ﵁: لا يفوتنكم الرجل، فأمسكهما الناس من كل جانب، وأمسك ابن ملجم، فقال علي: [قد ضربني فأحسنوا إليه، وألينوا فراشه، فإن أعش فهضمٌ أو قصاص، وإن أمت فعاجلوه، فإني مخاصمه عند ربي ] ولما مات كان قبل أن يموت أوصى بنيه ثم نطق بلا إله إلا الله، ومات وتشهد عليها رضوان الله:
عزاءٌ فما يصنع الجازع ودمع الأسى أبداً ضائع
بكى الناس من قبل أحبابهم فهل منهم أحدٌ راجع
عرفنا المصائب قبل الوقوع فما زادنا الحادث الواقع
فدل ابن عشرين في قبره وتسعون صاحبها رافع
وللمرء لو كان ينجي الفرار في الأرض مضطربٌ واسع
ومن حتفه بين أضلاعه أينفعه أنه دارع
وكل أبيٍ لداعي الحِمام إن يدعه سامع طائع
يسلم مهجته سانحاً كما مد راحته البائع
ولو أن من حدثٍ سالماً لما خسف القمر الطالع
وكيف يوقى الفتى ما يخاف إذا كان حاصده الزارع
هذا الرحيل يا معاشر المؤمنين! هذا الرحيل أيها الغافلون! واللحود المنازل بعد الترف واللين، والأعمال الأقران، فاعملوا ما يزين، والقيامة تجمعنا وإياكم، وتنصب الموازين، والأهوال العظام، فأين المتفكر الحزين؟!: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤] اللهم اجعلنا ممن أفاق لنفسه، وفاق بالتحفظ أبناء جنسه، وأعد عدةً تصلح لرمشه، واستدرك في يومه ما ضيع في أمسه.
أيها الأحبة: الرحيل الرحيل لا بد منه، فأين نحن من الاستعداد لهذا؟!
стр. 2962
وقفة مع الرحيل المر
ومن الصور المخزية للرحيل المخزي صورٌ لا تحصر ولا تنتهي، من شبابٍ رحلوا إلى الخارج، لأجل ماذا؟ ألكعبةٍ يطوفون بها؟ أم لمسجد رسول الله فيصلوا فيه، ليجدوا أجر ألف صلاة؟ لا والله، سافروا إلى الخارج فعاقروا الخنا ووقعوا في الزنا فعادوا محمولين بالتوابيت، عادوا محمولين موتى، كان آخر عهدهم من الدنيا أن شهدت عليهم جوارحهم بالزنا والمعصية والفاحشة، وكأني بجوارحهم تقول: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢] ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
صور عديدة ممن يموتون وقد أعدوا للرحيل عدة يغلون بها في القبور، ويحاسبون عليها، ويقفون بها طويلاً يوم الحشر والنشور، أموالٌ ربوية، أرصدة ربوية، معاملات ربوية، معاملات محرمة، كثيرٌ استعد للرحيل، ولكن بهذه الأموال المحرمة، وآخرون استعدوا للرحيل ولكن بالتجارة المحرمة، وآخرون استعدوا للرحيل ولكن جمعوا في بيوتهم من أشرطة الملاهي، وأشرطة المعازف، والصور الخليعة والأفلام الماجنة، ما لو ماتوا في حينها وهي عندهم، لكان أعظم الخزي والعار، أن يلقوا الله وتلك في بيوتهم، أيأمن الواحد على نفسه أن يموت ميتةً ثم ينبش متاعه، ويحرز ما خلفه، ويفتش وينقب عما في بيته، فإذا به يموت وقد ترك تركةً فيها مائة شريط من الغناء، ومائة شريط من أفلام الفيديو، ومائة مجلة من المجلات الخليعة، وله كذا وكذا من أسهم البنوك الربوية، وله كذا وكذا من الحرام، سبحان الله! أين الاستعداد؟ وأين الإعداد لهذا الرحيل؟ نداءٌ قبل الرحيل إلى كل من أكل الربا، فإن النبي ﷺ يقول: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه).
نداءٌ قبل الرحيل إلى كل من أكل الربا، فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
نداءٌ قبل الرحيل إلى الشباب الذين غرهم ترف الثياب، وغرهم المأكل والمشرب، وغرهم أنهم يصبحون ويمسون في لهوٍ وغفلة، وفي أمنٍ وعافية، نداءٌ لهم: يا معاشر الشباب! عودوا إلى الله لتكونوا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، ورجلٌ قلبه معلق بالمساجد، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه) حتى نكون -أيها الشباب- ممن ينشئون في ظل الدعوة، وفي ظل الإيمان، وفي ظل القرآن، وفي ظل الإحسان.
نداءٌ قبل الرحيل أن نستعد قبل أن نموت، أن نستعد قبل أن نغسل ونكفن ونحمل.
اللهم اجعلنا ممن يستعدون للرحيل على أحسن حال، اللهم اجعل يوم موتنا وساعة قبض أرواحنا أجل عبادة ترضيك، أنفس عمل يرضيك عنا يا رب العالمين.
اللهم ثبتنا على طاعتك ولا تخزنا بمعصيتك، اللهم استعملنا في طاعتك، اللهم تجاوز عنا واستر ذنوبنا وعيوبنا، واغفر اللهم زللنا وإسرافنا وحوبنا.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 2963
الأسئلة
стр. 2964
الشباب مهددون في عقيدتهم
المقدم: أحد الإخوة يطلب من الشيخ أن يذكره بقصيدة مطلعها: (يا نائم الليل كله) بما فيها من عبر، ولعل الشيخ إن شاء الله ما عنده مانع، لكن قبل هذا بعض الإخوة أرسل لي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نرجو منك بعد صلاة العشاء أن تتحدث عن بعض الخطأ في العقيدة وخطر السحرة، نرجو ذلك وجزاك الله خيراً.
الشيخ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، الحقيقة أنها ليست قصيدة هي مقولة حفظتها من عجوز من العجائز الصالحات وذكرتها في شريط نساء لم يذكرهن التاريخ، وأقول ولا فخر: أسأل الله أن يجعل آباءنا وأمهاتنا وجداتنا وإياكم جميعاً في جنات النعيم، أنها جدة أم لأبي، كانت إذا أيقظتنا لصلاة الفجر، وفي آخر عمرها طبعاً كانت مقعدة تزحف على يدين وركبتين إلى الحمام آخر الليل فتتهجد، وحتى لا يسمع الرجال أو المارة في السوق، البيوت القديمة صوتها كانت تصفق حتى تستيقظ الوالدة ثم يستيقظ الوالد ثم يقوم لصلاة الفجر، فإذا نزلنا بعد الوضوء أول ما نبدأ نسلم عليها قبل أن نخرج إلى المسجد ونقبل رأسها، فتنظر إلينا نظرة كلها عتاب، وتقول: طول الليل وأنتم في نوم ما تستيقظون قبل الفجر بقليلٍ حتى تصلوا ما كتب الله، ثم تردد هذه الكلمات وربما كانت أبياتاً عامية أو نبطية، تقول:
يا نايم الليل كله ترقد ولا فيك عله
لزماً تزور المقابر وترقد الليل والنهار كله
فعلاً هي كلمة مؤثرة، تقول: أنتم تنامون الليل كله ولا فيكم بلاء ولا فيكم علة، ولا فيكم سقم، لكن سيأتي عليكم يوم وبعده تنامون في المقابر ليلاً ونهاراً وليس فيكم أي علةٍ إلا علة الموت العظيم.
стр. 2965
دعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة
السؤال
الأخ يقول: هل لي من كلمةٍ للدعاة أن يدعوا الناس إلى العقيدة الصحيحة والتحذير من كل ما يضادها؟
الجواب
هذا كلامٌ جميل أخي العزيز! ولا فائدة من الوعظ والخطابة والمحاضرات والندوات إن لم تؤسس على معتقدٍ صحيح، وعلى منهجٍ حنيفيٍ جليٍ واضح، حتى لا نكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] وإنك لتعجب حينما تزور بلداناً فيها أعمال شركية، وإذا تأملت عقائد القوم وجدتهم يخلطون ويعتقدون أن أصحاب القبور ينفعون أو يدفعون، يعتقدون أن الأولياء يسمعون، يعتقدون أموراً لا ترضي الله ، يعتقدون أموراً تنافي أو تقدح في كماله، فحقٌ علينا جميعاً وعلى كل طالب علم، وعلى كل رجلٍ وامرأة وفتى وفتاة أن تعتني بأمر التوحيد، ونحن -ولله الحمد والمنة- قد أكرمنا الله بدعوة الإمام المجدد، لكن لا يعني أن ذلك ضمان ألا يقع الشرك في بلادنا، كيف وقد غُزينا غزواً جلياً واضحاً بهذه القنوات والبث الفضائي والأقمار الصناعية بالدعوى الصريحة إلى الشرك بالله ، في مدينة من المدن المجاورة كنت في أحد الفنادق، فإذا بقناةٍ من القنوات تبث صورة لشاب أو مقطعاً لشاب صغير قد لدغت أخته من قبل حية، فلما لدغت أخت الطفل من هذه الحية هرب الطفل يركض إلى معبد في البيت وأخذ ينحني ويصلي ويدعو وينحني ويصلي، ويقول: إن لم تشف أختي فلن أعود إلى الصلاة لك أبداً، ولن أؤمن بك، ولن أعتقد بك أبداً، ثم عاد مرةً أخرى فوجد أن أخته قد سلمت وقامت تضحك بين الأطفال، وذلك في برنامج أطفال، فعاد الطفل وأخذ ينحني لهذا الصنم ويشكره ويقول: سأبقى ما حييت مصلياً لك، ولا أتركك أبداً.
هذه دعوة صريحة للشرك، اليوم الأطفال يغزون بالشرك، يغزون في عقائدهم، الدعوة إلى الشرك من خلال أفلام كرتون، أن يخيل للطفل أن لله جسماً معيناً، أو شكلاً معيناً، الدعوة إلى عقائد المانوية، القول: بإله النور وإله الظلمة.
الشر كثير يا إخوان، فكما تفضل الشيخ لا يكفي أن نتحدث على المنابر، أيضاً المجالس، كل الحاضرين الآن سوف يفرقون إلى مجالس منها مجالس عائلية، مجالس صداقات وعلاقات، فلماذا لا ننتبه؟ لماذا لا نحصر ما هي الملاحظات التي بدأنا نلاحظها على أطفالنا، فنتناصح بها ونوصي بها المدرسين.
مدرسة من المدارس يقول أحد الأطفال فيها: إن طفلاً تغيب عن المدرسة يومين، فقال المدرس للطالب: أين كنت يا فلان؟ قال: والله مات عمي ومات خالي، فقال المدرس: اقرءوا الفاتحة مرتين، مرة على روح عم زميلكم ومرة على روح خال زميلكم.
يا إخوان! الغزو في الداخل وفي الصميم لا أحد يستطيع أن ينكر هذا الكلام، فلا سبيل إلى علاجه إلا بماذا؟ أنغطي السماء بشراع؟! لا يمكن، الغزو داخل، لكن الحل هو الوعي والتنبيه واليقظة والمناصحة والتتبع، والله -يا إخوان- لو وصل الأمر إلى أن الواحد يأخذ قائمة بالأسئلة المتعلقة بالعقيدة ويسأل أولاده واحداً واحداً، كما كان الأولون كانوا بعد صلاة العصر والفجر ويقولون: تعال نعلمك الدين، من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ بأي شيءٍ تعرف ربك؟ سؤال مفصل وأسئلة جزئية في العقيدة؛ لأن الناس على خطر، وكانوا حديثي عهد في الجاهلية، في جهل، فالآن الجاهلية قد أطبقت عبر أقراص الكمبيوتر، أحد الطلاب جاء إليَّ من فترة في الكلية، فأخرج إليَّ صوراً استخرجها من شاشة الكمبيوتر الذي يعمل به، صور كنيسة، وصور صليب، وصور قداس، وصور شمعدان، وصور وصور كلها متعلقة بالكنائس، فاليوم الغزو يأتيك في قرص ديسك كمبيوتر، الغزو يأتيك من خلال البث الفضائي، يأتيك من مدرس صاحب مدرسة أهلية -سامحه الله- يستقدم ما هب ودب من الذين لا يعرف عن عقائدهم شيئاً، أنا لا أتهم كل من جاء إلى هذه البلاد، فيهم خير عظيم وفيهم غَيرة للدين إن شاء الله، لكن أيضاً ليست القضية أن نبحث عن أرخص مدرس أياً كانت عقيدته، ثم نخليه يدرس أبناءنا، وبعد ذلك يعلمه أموراً تخالف العقيدة.
أيضاً هذه من المداخل الخطرة، ولعل الله لو نتعاون مع بعض الشباب ومن يستطيع أن نتعاون وإياه لكي نحصر الملاحظات والمشاهدات التي بدأنا نراها على الأطفال والناس في مسائل العقيدة، حتى يؤلف فيها كتيب ويوزع وينشر، وتلقى في محاضرات ودروس وندوات، من أجل تنبيه الآباء لأبنائهم والأمهات لأبنائهن وبناتهن.
стр. 2966
حكم تقديم الأجرة عمن يحلق لحيته
السؤال
شخص حضر إلى أناسٍ وهم يحلقون لحاهم، ثم حاسب عنهم (أي: أجرة حلاقة اللحى).
فهل عليه إثمٌ مع أنه لم يرض بذلك؟
الجواب
أعوذ بالله! لا حول ولا قوة إلا بالله! لا بالله يا أخي الكريم، أنت تدفع أجرة الحجام أو الحلاق الذي حلق لحاهم، لا شك أن الذي حلقت لحيته آثم، أسأل الله لنا وله الهداية، لمخالفة صريح أمر النبي ﷺ : (وفروا اللحى، اعفوا اللحى، أكرموا اللحى) ولا شك أن الحلاق آثم، ولا شك أن صاحب المحل الذي فتح محل الحلاقة آثم فليتق الله، ولا شك أنك أثمت بهذا سامحك الله وعفا عنك، ولكن تصدق بمثلها فإن الحسنات يذهبن السيئات، وانظر أولاً إلى نفسك فاعف لحيتك بارك الله فيك.
стр. 2967
حكم الزواج من مال الزكاة
السؤال
شابٌ يريد الزواج ولكن إمكانياته ضعيفة، وعند الذهاب إلى الجمعية الخيرية وجد زكاة أموال.
فهل يجوز أخذ الزكاة من هذه الجمعية؟
الجواب
إذا كان فقيراً يستحق الزكاة يأخذ، وإذا كان غير فقير فلا يأخذ، الرسول ﷺ يقول: (ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله) فلتنظر إلى نفسك إذا لم تستطع.
فكذلك علينا جميعاً أن نسأل الله أن يوفقنا للخير والتعاون على البر والتقوى في أن نجتهد من المغالاة في المهور، وأن نبتعد عن البذخ والتبذير، وعن تجهيز البيوت بالأثاث الكبير الفاخر، فإن هذا مما يسبب عرقلة في الزواج، وكثرة العوانس، وقلة المتزوجين، وفي النهاية يؤدي إلى كثرة الشر والفساد نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
(أجاب على السؤال شيخٌ آخر).
стр. 2968
حث على التبرع للمجاهدين
السؤال
نرجو من فضيلة الشيخ حث الناس على التبرع للمجاهدين؟
الجواب
يا إخوان: أبشركم ببشارةٍ وربما بلغتهم وهي أن معركة حمي وطيسها وأكرم الله بها إخوانكم المجاهدين وخاصةً شباب العرب في البوسنة وقتلوا فيها مائة صربيٍ على بكرة أبيهم، وذلك من فضل الله ، والمعنويات مرتفعة، والوطيس قد حمي واشتد، والأمر على أشده في مواقع عديدة وليس في مواقع، في جراتزا وفي بنتسا، وفي سربنتشا وفي سراييفوا وفي مستار، وفي بهاتش، وفي مناطق كثيرة، فأدعو إخواني ألا ينسوا قضايا إخوانهم المسلمين، ولعل من بركات هذه المحاضرات والخير الذي نجنيه منها بعد الجلوس والاشتغال بالطاعة عن المعصية وسماع الحق عن الباطل، ورجاء أن تحفنا الملائكة ويذكرنا الله في ملئه الأعلى، وتغشانا السكينة، ولعلنا أن نكون ممن يقال: انصرفوا مغفوراً لكم، من بركات ذلك أن نتعاون على التبرع والدعم والإعانة لإخواننا المجاهدين، وسيقف على أبواب هذا المسجد في جميع الأبواب عدد من الإخوة يجمعون التبرع الذي تجود به النفوس، فإن ذلك مما يذكي الأمر ويجعل الجهاد مستمراً يقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤].
يا أخي الكريم لا تبخل ولو بريال واحد، ما يدريك أن الريال هو الرصاصة التي تقتل قائداً من قواد الصرب، أو قائداً من قواد الظلمة والفجرة الذين يتآمرون على الإسلام والمسلمين، فينبغي ألا نكف عن البذل في سبيل الجهاد، وفي سبيل الدعوة، وفي سبيل أن تبقى هذه الشعلة القوية من الإيمان والخير والحماس في دين الله والجهاد مضيئة، الآن أعداء الإسلام يريدون أن يطفئوا روح الجهاد من الناس ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، حاولوا بالنظام العالمي الموحد، وحاولوا، وحاولوا، وأصبحت تعتبر جريمة تدخل -كما يسمونها- تدخل في شئون دول أخرى، وإذا استبيح شعب بأكمله كما حصل للشيشان لا أحد يستطيع أن يقول شيئاً؛ لأنها تسمى قضية روسية داخلية، لكن نحن نستطيع أن نفعل شيئاً وهو الدعاء السلاح الخطير، والأمر الثاني هو: البذل والتبرع، فإن الله ينفع بهذا نفعاً عظيماً، وكلنا جرب أثر النفع في أفغانستان يوم أن كانوا يجاهدون، ولما حصل ما حصل من الفتنة، واشتغل القوم بأنفسهم وببعضهم انصرف الناس عنه، وذلك دليل على أنه فيما مضى كانوا فعلاً يجاهدون، يريدون الشيوعية وسحقها وتدميرها، فلما انتهت ولم يكن الأمر بعد جلياً واضحاً نقياً في نفوسهم التفت الناس عنهم وانصرفوا.
يا أحبابنا: أنا أقول أيضاً: لا تنسوا الأرامل واليتامى والمعوقين والمجروحين وستجدون على الأبواب من يجمعون التبرعات لإخوانكم المسلمين في البوسنة، وهذه التبرعات ستكون بواسطتي وأنا عضو مسئول في الهيئة العليا لمسلمي البوسنة مصرح لي بالجمع، حتى لا يقول أحد: من أنت؟ وما هو دورك؟ فلا أحد يخشى من قضية جمع التبرعات، أنا مسئول عنها بمحضر بين ثلاثة توقع وتسلم للهيئة العليا.
стр. 2969
خطر الفضائيات
السؤال
قصاصة يبدو أنها من جريدة الرياض مجيباً عن زاوية ميادين خطر الفضائيات، يقول: تابع الآلاف من المشاهدين في الخليج خلال أيام العيد وعبر إحدى المحطات الخليجية عرضاً غنائياً هزيلاً لأحد المطربين اللبنانين يدعى علاء زلزلة -زلزل الله رأسه- وقد فوجئ المشاهد من خلال ذلك العرض السيئ وهو منقولٌ كما يبدو من أحد مهرجانات تستورا في لبنان، فوجئ بسابقةٍ غريبة على التقاليد المتبعة والمرعية في أكثر العروض والحفلات العربية، بل إنني لا أبالغ إن قلت إن تلك السابقة تعد شاذةً تتنافى وتتعارض مع القيم والأعراف والعادات والتقاليد العربية، وأظن أن أحداثها المشينة لم تحدث حتى للمطرب الأمريكي المعروف بحركاته الهستيرية الغريبة مايكل جاكسون.
الجواب
أيها الأعزاء إن ما حدث خلال الوصلات الغنائية لذلك المطرب وأكثر الخليجين شاهده على الشاشة التي يصلها إرسال المحطة المذكورة هو قيام عشرات الفتيات بتقبيل المطرب واحتضانه تماماً كما تظهره بعض اللقطات السينمائية المغرقة في إسفافها وإسقاطها السيئ، والغريب في تلك المشاهد المشينة التي نقلها العرض التلفزيوني الخليجي المخجل أن عائلات بأكملها ومعهم عائلهم قد قاموا بنفس العمل دون أي اكتراث لمشاعر المشاهد أو المجتمع العربي المحافظ.
ونقف عند ذلك، طبعاً هذا الكلام يقولون: كلنا مسئولون عن خطر الفضائيات، في زاوية ميادين تناول الزميل فلان موضوع المحطات الفضائية تحت عنوان: خطر الفضائيات، وناقش فيه سلبيات بعض هذه المحطات، وتعقيب الأخ فلان من الجهة الفلانية جاء مجيباً عن كثير من التساؤلات، مؤكداً أن رب الأسرة هو المسئول الأول عن مواجهة أي خطر تربوي يمكن أن يداهم أسرته، هذا ما قالته رسالة الأخ في التعقيب المذكور: المكرم محرر الرأي للجميع المحترم: السلام عليكم، تعقيباً على موضوع خطر الفضائيات قرأت في (الرياض) يوم السبت ٢١/ ١٢/١٤١٥هـ موضوع ما حدث من إحدى القنوات الفضائية ويعتب كثيراً ويقول: ما ذنبنا وذنب بناتنا ونسائنا؟ فأقول: إن معظم الذي يقع عليك أنت وأنا أو هو، حيث سهلت دخول مثل هذه القنوات إلى بناتك ونسائك، ثم تطلب لأهل الفتن والشر أن يتأدبوا؛ كيف يكون ذلك؟ كلام جميل، ثم إنك وقد شاهدت بنفسك ما يغطي جميع الفضائيات، فبم خرجت من فائدة؟ إلا بمثل ما ذكرت، وأي شيءٍ يكون شره أكثر من خيره، لا ينبغي لعاقل أن يستخدمه فكيف ولعائلته التي هو مسئول عنها؟! ولقد خلق الإنسان لأمرٍ جليل.
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
فنريد منك ومن أمثالك الغيورين خطوات إيجابية لمواجهة مثل هذا الأمر الذي لا يتطلب منا التنظير الكلامي، بل العمل على إصلاح أنفسنا وبيوتنا ولا نسعى إلى نقل فساد الآخرين إلى منازلنا.
وأقول أيضاً: بل وإخراج هذه الأجهزة أيضاً؛ لأن الإنسان الذي يريد السلامة من الشر لا يقوم بفتح باب النافذة والباب للشر، ثم يقول: لماذا تأتون لنا بهذه الأمور؟ أو تفعلون ما تفعلون، الذي عليك أن تغلق بابك دون الشر وأن تحسن تربية أولادك، ثم بعد ذلك لا أظن أن الإنسان -بإذن الله- إذا اتخذ التدابير اللازمة سوف يقع.
وبالمناسبة لا تظنوا أن من ركب هذا الدش أنه يقع في ذلك، أحمد الله وأبشركم، من فترة برسالة خطية كتبها أحد الشباب إلى رجل كان في بيته دشين فأرسل الدشين إلينا في المسجد كاملةً وأرسل (الرسيفرات) المستقبلات والأجهزة كلها، وقال: كسروها فأنا تائبٌ بريءٌ منها، مع أنه اشتراها بمبالغ فوق ثلاثين ألف ريال، فلا تتصور -يا أخي- أن من وضع دشاً أنه ما عاد هناك أمل أن يتوب ويستغفر، لكن لو أنت كتبت رسالة، يعني: هذه الرسالة التي كانت سبباً في توبته، كان قبلها تسع رسائل مهدت الطريق، فجاءت الضربة القاضية في الرسالة العاشرة التي جعلته يستجيب بإذن الله ، فلا تتردوا في النصيحة، بالكلمة بالشريط بالرسالة الطيبة، ولعل الله ينفع الجميع.
نسأل الله أن يشفينا وإياكم من شر الذنوب والمعاصي.
وفي الختام نسأل الله أن يعيدنا في هذه المجالس مراراً وتكراراً مع علمائنا ودعاتنا، إنه على كل شيءٍ قدير، واجعلنا من المقبولين.
стр. 2970
كفى بالموت واعظاً
بدأ الشيخ هذه المادة بذكر قصة الرجل الذي مات في خطبة الجمعة في المسجد الذي كان يخطب فيه، وجعل هذه القصة منطلقاً لوعظ الناس وتذكيرهم بالموت، وأهمية الاستعداد له؛ مدعماً ذلك بآيات من كتاب الله وأبيات من الشعر.
стр. 2971
قصة الذي مات أثناء خطبة الجمعة
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يكفره، نرجو رحمته ونخشى عذابه، إن عذابه الجد بالكفار ملحق، له الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، لله الحمد كما هو أهله، لله الحمد والثناء حتى يرضى، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا، وكفانا وأوانا، ومن كل خيرٍ سألناه أعطانا، نشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، شهادة نرجو الثبات عليها والممات عليها حتى نلقاه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر الأحبة: القلوب بطبعها ميالة إلى اللهو والعبث، والمرح والغفلة ما لم يكن من الإنسان دافعٌ لمجاهدتها وتذكيرها وتخويفها، والإمساك بزمامها وخطامها:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع فيهما خصماً ولا حكماً فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
أيها الأحبة في الله: لم نجد واعظاً للقلوب كالموت، ولم نذكر زاجراً عن الذنوب كالموت: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤].
أيها الأحبة في الله: هادم اللذات، مفرق الجماعات، ميتم البنين والبنات: الموت:
هو الموت ما منه ملاذٌ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
الموت -يا عباد الله! - ما ذكر في كثيرٍ إلا قلله، ولا في شيء إلا بيَّن حقيقته، ولله الحكمة البالغة.
أيها الأحبة في الله: في الجمعة الماضية أثناء ما كنت أخطبكم على هذا المكان، وأنتم تستمعون في هذا المكان، دخل ملك الموت في هذا المسجد، وتخطى صفاً واحداً واثنين وثلاثة وأربعة حتى بلغ الصف السادس أو السابع من آخر هذا المسجد، وقبض روح عبدٍ من عباد الله كان شاهداً الصلاة والخطبة معنا، الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! لو تقدم ملك الموت صفاً واحداً لقبض روحك، ولو تقدم صفوفاً أكثر لقبض روحي، ولو تأخر صفاً واحداً لقبض روح شخصٍ آخر.
استعدوا يا عباد الله! ولمثل هذا فأعدوا، أسأل الله لميتنا الرحمة والغفران، ولذويه الصبر والسلوان، خرج من بيته إلى الجمعة لم يتخط رقبة، متطيباً متهيئاً، حادث أهله واستأنس بأطفاله، ثم اغتسل وخرج إلى المسجد، يقود سيارته بنفسه، وجيء بسيارته إلى البيت لا يقودها هو، لبس ثوبه بنفسه ولم يخلعه بل خلع منه، دخل هذا المسجد بنفسه وخرج محمولاً.
أيها الأحبة: بعد أن دخل الخطيب وأعلن التحية بالسلام مد ميتنا مصحفه إلى من كان بجواره، فأخذ المصحف من يده ووضعه على الرف الذي أمامه، ثم جلس قليلاً يستمع الأذان ثم الخطبة، وما هي إلا لحظة أو أقل من لحظة حتى اتكأ على ظهر كف يده، فظن الذي بجواره أنه ناعسٌ أو نائم، فالتفت إليه وأيقظه، فإذ به يسمع شيئاً أشبه ما يكون بشخير النائم، ثم بعد ذلك استلقى على قفاه، الله أكبر! (من مات يوم الجمعة أمن الفتان) الله أكبر! على هذه الميتة الطيبة في هذا المكان المبارك، في هذه الساعة المباركة، في يوم جمعة خير يومٍ طلعت عليه الشمس، بعد ذلك خرج أحدهم، وكنت أراقب الأحداث وأنا أخطبكم يا عباد الله، ولا أدري هل أركز على ما أقول، أم أنظر إلى ما يدور في آخر المسجد، وما ظننت أنها ميتة، بل توقعت أنه صرعٌ أو إغماء، أو ضعفٌ أو مرضٌ مفاجئ، عند ذلك جيء بقليلٍ من الماء فرش على وجهه فلم يستطع حراكاً، ثم اجتهد الذين من حوله وحملوه على أكتفهم متمدداً هكذا، ثم خرجوا به مع الباب الشرقي، وتوجهوا إلى الإسعاف، وماذا يجدي الإسعاف؟ وماذا يجدي الطبيب إذا حضرت ساعة المنية؟ لا ينفع الطبيب ولا الحبيب.
الموت إن كان بعيداً ينفعك أدنى قليلٍ من الدواء، وإن كان قريباً والله لو اجتمع أطباء الأرض وكان بعضهم لبعضٍ ظهيراً ما استطاعوا أن يردوا لك نفساً واحداً.
الموت!!
إن نام عنك فكل طب نافع وإن لم ينم فالطب من أغنى به
ذهبوا به إلى الإسعاف، فجيء بالطبيب ووضع المنشطات ومنشط نبضات القلب يظن أن الأمر شيء آخر، وبعد أن تحسس ميتنا عليه رحمة الله إذ به يقول لذويه: لقد توفي من دقائق معدودة، فلما حسبوها إذ به وقتها قاعدٌ في هذا المسجد.
الله أكبر يا عباد الله! كفى بالموت واعظاً!! كفى بالموت واعظاً!! كفى بالموت واعظاً!! بارك الله لي ولكم في القرآن الحكيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2972
الاستعداد للموت
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله على مننه وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل، وعن الند والنظير تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة: ليس الغريب هو الموت، بل الغريب ألا نستعد للموت! ليس العجيب النهاية، بل العجيب ألا نستعد للنهاية! ليس العجيب هو الفناء بل العجيب ألا نستعد لذلك! ما منا واحدٌ إلا ويعلم أن الموت نهايته، والقبر مكانه، واللحد مصيره، ولكن أين الاعتبار؟ وأين العظة؟ وأين الاستعداد؟ كلنا يعلم ذلك، لكن القليل الذي يستعد لهذا كله.
стр. 2973
ترك المعاصي
أيها الأحبة: ليس الاستعداد للموت بلزوم المساجد والبكاء فيها وعدم الخروج منها، لا.
ما هكذا نستعد للموت!! ليس الاستعداد للموت أن نقبع في البيوت ونترك أسباب الحياة، ونترك الجهاد والدعوة، ما هكذا الاستعداد للموت!! الاستعداد للموت -يا عباد الله! - بترك المنكرات أولاً، الاستعداد للموت -يا عباد الله! - بترك المعاصي أولاً، الاستعداد للموت برد المظالم إلى أهلها، برد الحقوق إلى أصحابها، كيف يطمئن نائمٌ وهو يعلم أن النوم ميتة: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢]؟ كيف يلتذ نائمٌ بنوم وفي رقبته ديونٌ معلقة، وهو يعلم أن الحقوق يوم القيامة لا تغتفر إلا برضا أصحابها؟ ومن ذا الذي يرضى بحسنة يوم القيامة إذا كنت لا تسمح بحسنة لأمك؟ وإذا كان أبوك لا يسمح بحسنة لك؟ فكيف تظن واحداً من سائر الناس يتنازل أو يرضى بحسنة يتركها أو يدخرها من أعمالك لتضاف إلى كفة ميزانه؟ حقوق الله مبنية على الصفح والمسامحة، وحقوق العباد مبنية على الضيق والمشاحة.
جاء رجل إلى النبي ﷺ ، قال: (يا رسول الله! أرأيت إن قُتلت في سبيل الله أتغفر ذنوبي؟ قال ﷺ : نعم، إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبرٍ تغفر ذنوبك، ثم ولى الرجل فدعاه النبي ﷺ مرة ثانية، فقال: كيف قلت؟ قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن قُتلت في سبيل الله أتُغفر ذنوبي؟ قال: نعم إن قتلت صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر تغفر ذنوبك إلا الدين، فإن جبريل أخبرني بذلك آنفا).
فيا عباد الله! الاستعداد للموت بإزالة الشحناء والعداوات والبغضاء من القلوب، الاستعداد للموت برد الحقوق والمظالم إلى أهلها، الاستعداد للموت بترك المعاصي والمنكرات، كيف نكون مستعدين للموت واللهو والطرب في بيوتنا وسياراتنا، نصبح ونمسي عليه، إلا ما شاء ربك من قليلٍ من العباد؟! كيف يكون الاستعداد للموت والكثير لا يعرفون صلاة الفجر مع الجماعة؟! كيف الاستعداد للموت والكثير لا يبالي بأمر الله في حلالٍ أو حرام؟! كيف نستعد للموت والكثير يحمل الحقد والبغضاء والشحناء في قلبه؟!
стр. 2974
بذل الحسنات والأعمال الصالحات
يا عباد الله: الاستعداد للموت يكون أيضاً ببذل الحسنات، وإعمال الأنفس بالصالحات، فإن هذه الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر، فهنيئاً لمن بنى داراً ينتقل إليها ولو تهاون في دارٍ يعبرها، إن التهاون في أمور الحياة البحتة قد لا يضر ما دام الإنسان يبني داراً باقياً فيها، أما أن نخرب الآخرة ونعمر الدنيا فذاك كما قال أحد السلف لما سئل: لماذا نحب الدنيا ونكره الآخرة؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فتكرهون أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب.
وهذا صحيح:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
كثيرٌ من الناس يكذب ويعق، ويختال ويحتال، ويختلس ويخدع ويخادع، ويتألق ويداهن من أجل عرضٍ من الدنيا أو حظٍ من الفانية، والله إن فعله لا يزيد ما قسم الله له شيئاً، وإن تَرْكَهُ ذلك لا يُنقص مما قسم الله له شيئاً، سيمضي وقد ناله ما قسمه الله له من الرزق، ويقدم على دارٍ قد أفسدها بالكذب والمداهنة، والتملق والنفاق، والمعصية والسكوت على سخط الله.
فيا أيها الأحبة: استعدوا لملاقاة الله، واستعدوا للموت، فإن الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، كثيراً ما يتساءل الناس: مات فلان!! هل أصابته جلطة؟ هل أصابته سكتة؟ هل كان مصاباً بالربو؟ هل كان مصاباً بكذا؟ والله يا عباد الله! ليست الأسقام إلا أسباباً، وإذا أراد الله حياة عبدٍ لو اجتمعت عليه الأسقام والأمراض ما نقص ذلك من أجله شيئا:
تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة
أكان في صاحبنا الذي قبضه ملك الموت في المسجد علة؟
فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر
وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
وكم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
فيا عباد الله: لا يعرف الموت صغيراً ولا كبيراً، لا يعرف الموت إلا من حلت منيته ودنت ساعته وقامت قيامته، عند ذلك تتوفاه ملائكة الموت، فإن كان من أهل الطاعة، إن كان من أهل الرضا، إن كان من الخائفين من الله فهنيئاً له، تخرج روحه كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، هل رأيتم سقاءً ينسكب الماء منه؟ هل تجدون صعوبة في أن ينسكب الماء من شعبة السقاء؟ ليس في ذلك صعوبة، هكذا تخرج روح المؤمن.
وأما الفاجر الكافر؛ فإن روحه تنتزع انتزاعاً كما ينتزع السفود من الصوف المبتل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أعدوا للموت يا عباد الله! استعدوا للخاتمة، استعدوا للآخرة، كم من أناسٍ عرفناهم صغاراً وكباراً فرق بيننا وبينهم الموت، فأعدوا لهذا واستعدوا، اعملوا صالحاً تلقوه، فإن الله يوم القيامة ليس بينه وبين العباد نسب، إنما الارتفاع والانخفاض والقرب والبعد بحسب الأعمال الصالحة.
أيا من تاجر في اللهو والملاهي! أيا من تاجر في الحرام والمحرمات! أترضى أن تفارق الدنيا وتقبض روحك ويلاقيك ملك الموت وأنت ممن ينشر الفساد في الأرض؟ أيا عاقاً! أيقبضك ملك الموت وأنت قاطعٌ لأمك وأبيك؟ أيا قاطعاً رحمه! أتقبضك ملائكة الموت وأنت على قطيعة رحم؟ أيا واقعاً في المعاصي والمنكرات! أيا مدمناً على الملاهي والملهيات! أيا مستهتراً بأمر رب السماوات! ألا تستعد لهذه الخاتمة؟ كفى بالموت واعظاً!! كفى بالموت واعظاً!! كفى بالموت واعظاً!! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرادنا بسوء فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اهد قلبه، اللهم مسكه بكتابك، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم لا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، ولا تفرح علينا ولا عليهم عدواً، اللهم اجمع صفنا وصفهم، ووحد كلمتنا وكلمتهم.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم فجازه بالحسنات إحسانا، وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم وحد شملهم، اللهم أهلك المنافقين من حولهم، اللهم إن المنافقين قد فعلوا فيهم فعلاً لم يفعله الروس والعملاء بهم، اللهم فأهلك المنافقين من حولهم، اللهم أهلك المنافقين من بينهم، اللهم طهر صفوفهم من المنافقين والعملاء والدخلاء، اللهم اجمع شملهم، وسدد رصاصهم، ووحد كلمتهم، برحمتك يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصر المجاهدين في الفليبين، اللهم انصر المجاهدين في جميع الأرض يا رب العالمين.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحةً وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2975
كلمة الشباب
في هذا الدرس تحدث الشيخ عن مشكلتين من مشاكل الشباب: الفراغ، واختيار الصديق.
وقد بين السبيل إلى القضاء على الفراغ، وكذلك وضح أهمية القرين الصالح.
وبعد ذلك أجاب عن أسئلة الشباب التي تحتوي على مشكلات يعاني منها أصحابها.
стр. 2976
الحث على التوبة والاستغفار
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد: أيها الإخوة: ما ثم فرق بيني وبينكم فأنا واحد منكم وشاب مثلكم، وفي الحقيقة قد يكون ما عندكم أكثر مما عندي ولم آت بجديد بالنسبة لكم، ولكن من الجميل أن يجتمع الشباب وأن يتذاكروا، وأن يتبادلوا النصيحة ويتباحثوا الفوائد بعضهم مع بعض، ففي بداية هذه الكلمة أحب أن أهنئكم ببلوغكم أواسط هذا الشهر الكريم، وأسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم على القيام والصيام، وأن يجعل لنا ولكم أوفر الحظ والنصيب.
كما لا يفوتني أن أذكركم بحديث نبي ﷺ حيث قال: (يوم أن صعد المنبر ذات يوم، فقال: آمين، آمين، آمين، فعجب الصحابة رضوان الله عليهم من هذا، فقالوا: يا رسول الله! قلت: آمين، ثم آمين، ثم آمين، سألوه عن معنى هذا التأمين، فقال: جاءني جبريل، فقال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم لم تغفر ذنوبه، فقلت: آمين، ورغم أنف امرئ أدرك والديه في الكبر أو أحدهما ولم يدخل الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصلِّ عليك يا محمد، فقلت: آمين).
فيا معاشر الإخوة: إذا لم تنطلق أرواحنا بالعبادة والتوبة والاستقامة والإخبات والخشوع والتضرع لله في هذا الشهر المبارك، التي تضاعف فيه الحسنات، وترفع فيه للناس الدرجات، وتصفد فيه الشياطين، وتغل مردة الجن فلا يصلون إلى بني آدم فيما كانوا يصلون إليه سابقاً، إذا لم يتب الإنسان في هذه الفترات الفاضلة والأيام الجميلة، والليالي التي تسمو بأرواح العبادة، فمتى يتوب؟ ومتى يستغفر الله؟ ومتى يستقيم على جادة الخير والصواب؟! أما بالنسبة حول الشباب فإن الشباب؛ بعضهم أدرى بمشاكل بعض، ولا شك أن أهم المشاكل التي تواجه أي شاب من الشباب: أولها: اختيار الصديق.
стр. 2977
مشكلة الفراغ عند الشباب
وثانيها: الفراغ، لا شك أن الفرغ هو الذي يولد المشكلات ولاشك أن الفراغ كما يقول الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده
فإذا وجد الشباب بحيويته وطاقته التي لم توجه، ووجد الفراغ، وأضيف إلى ذلك شيء من المال فإن الشاب -ولا حول ولا قوة إلا بالله- قد يقع في حضيض الهاوية، وقد يكون مع الذين لا خلاق لهم في الدنيا أو في الآخرة، ينبغي على كل شاب أن يحدد ما يملأ به فراغه، والشاب الذي لم يحدد هدفاً معيناً في حياته فإن أيامه ولياليه تذهب عليه سدى.
ومن المشاكل التي نواجهها لدى كثير من شبابنا، أنه يصبح يفطر يمسي يأكل ينام يخرج من البيت يدخل، وتدور الليالي والأيام والسنون والأعوام وما حدد هدفاً معيناً يصل إليه ولو كان بعيداً؛ المهم أن يحدد هدفاً، ولا تحقر نفسك أمام شيء، فإن من سار على الدرب وصل غايته، على أية حال أهم الأمور أن يعيش الإنسان لهدف ولغاية، ولا شك أننا بحمد الله جل وعلا مسلمون، وما خلقنا إلا لعبادة رب العالمين، ولكن أمامنا أهداف وغايات، وبين أيدينا وسائل توصلنا إلى هذه الأهداف والغايات، فمن منا حدد غايته في حياته؟! من منا حدد أمنيته وطموحه، وسعى جاداً بوسيلة مناسبة مشروعة ليصل إلى هذه الغاية وإلى هذا الطموح.
للأسف أن البعض أو أن الكثير يعيشون بلا غاية ولذلك لا غرابة أن نجد بعض شبابنا -ولعل من ينتسبون إلى بيوت الشباب أمثالكم ليسوا من أولئك- لا دراسة ولا عمل ولا وظيفة لا برنامج لا دورات تدريبية لا نشاط، لم ينخرط في تجنيد، في عسكرية، أو في أعمال فنية أو تدريبات مهنية، إنما هو عالة وعبء على المجتمع، بالعكس هؤلاء كما تقول التقارير والأبحاث العسكرية أنهم يشكلون النصاب الأعظم بالنسبة للجرائم أياً كان نوعها، تكثر هذه الجرائم مع الذين لا نصيب لهم لا في التعليم ولا في العمل ولا في الدورات التدريبية أو التعليمية أو العسكرية وغيرها.
إذاً: فلابد من تحديد الهدف والغاية، والذي لا غاية له في حياته يا إخوان لا قيمة له، أي: أنت تعيش لتأكل، والبهيمة تعيش ونسمنها لتأكل وإذا جاء وقت الحاجة ذبحناها وأكلناها، فلا فرق بين الإنسان الذي لا هدف له ولا غاية ولا يشعر أنه مسلم، يشعر بعقيدة ويشعر بإسلام ودين يعتز به ويسعى إلى دعوة الناس إليه، فإن هذا قد يكون من رعاع، وكما يقول إبراهيم بن أدهم: حينما حدد أناساً ينبغي أن يكون الإنسان واحداً منهم، يقول:
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتى كثير الجود محل فإن بقاءه خصب ونعمه
وموت الفارس الضرغام هدم فكم شهدت له بالنصر عزمه
وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمه
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق همج رعاعٌ وفيه إيجادهم لله حكمه
لله جل وعلا حكمة فيما ترون من الكثير من الرعاع، ومن الناس الذين لا يدركون حياة ذات هدف يسعون إليه ليشعروا بالحياة الكريمة، ولذلك فالإنسان الذي لا هدف له تجد أنه يشعر بشيء من الخضوع والذلة في نفسه، أنت حينما تأتي إلى إنسان منضبط في الوظيفة فيقول: والله -يا أخي- أنا منضبط بعملي، يشعر بكرامة نفسه وباحترام وقته، لكن إنسان لا عمل له مستعد أن يخرج مع هذا، ويسافر مع هذا، ويذهب مع هذا، ويقبع في البيت يومين ثلاثة مع هذا ولا نتيجة له، وفي يوم من الأيام قد يموت الذي يعوله فيعيش في أكثر المشاكل.
стр. 2978
بتحديد الهدف والعمل له يقضى على الفراغ
يا إخواني يجب أن نقضي على أهم مشكلة في مشاكل الشباب وهي الفراغ بتحديد الغاية والهدف، وفي نفس الوقت سلوك الوسيلة المناسبة المشروعة إلى ذلك، ولست أحدد هدف الشاب بشيء معين، ينبغي لكل شاب أن يكتشف الجانب الذي تبرز نفسه فيه، والمواهب والطاقات الكامنة في نفسه فيتوجه إليها، قد يحب أن يكون عسكرياً تحب أن تكون طياراً تحب أن تكون قائداً تحب أن تكون جندياً تحب أن تكون مدرساً، طبيباً، مهندساً، مهنياً، أي تخصص ينبغي أن تكتشف مواهبك في البداية، وفي الحقيقة لاَ أمْثلَ من بيوت الشباب والمراكز الصيفية ومراكز الأنشطة الدراسية وغيرها، فهي تكتشف الشباب وتكتشف مواهبهم، وبعد ذلك يستطيعون أن ينموا هذه المواهب فعلى ذلك: النقطة الأولى: تحديد الغاية والهدف، تحديد الوسيلة التي نسلكها، في نفس الوقت ينبغي ألا نلزم أنفسنا، يعني: هل ينبغي أن نكون كلنا علماء شرعيين، أو ينبغي أن نصير كلنا تجاراً، أو كلنا نصير أطباء أو مهندسين؟ لا ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف:٣٢] رب العالمين جل وعلا وزع هذه المواهب والطاقات بين الناس لحكمة، ولو كان من شاء أن يصل إلى أمر معين وصل لم يخدم أحدٌ أحداً ولم ينفع أحدٌ أحداً، كل الناس يبقون في درجة واحدة وتفسد مصالح الحياة، وبعد ذلك لا يبقى سبيل إلى عمارة الأرض، ولذلك جعل ربنا جل وعلا الناس والمواهب والطاقات درجات ليخدم فيها بعضنا بعضاً:
الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
أكبر إنسان في الدولة وأصغر إنسان فيها لابد أن يكون خادماً لبعض، هذا مدرس، وهذا مسئول، وهذا قائد، وهذا حاكم وهذا قاضٍ، وهذا وهذا، وكلٌ منهم يقدم خدمات للبعض، وبذلك يتكامل البنيان الاجتماعي والبنيان الإنساني في أي مجتمع من المجتمعات سواء كانت صغيرة أو كبيرة.
стр. 2979
اختيار الرفقاء والأصدقاء
الإنسان كما يقول علماء الاجتماع: اجتماعي بطبعه ولابد له من جلساء، ولابد له من أصدقاء.
وعند ذلك تأتي مشكلة ثانية من مشاكل الشباب، وهي اختيار الجليس والصديق، ولو أردنا أن نسأل أنفسنا الآن من بداية مراحل الدراسة الإعدادية -فلنترك الابتدائية لأنها في الغالب مراحل طفولة- أو بداية مراحل الثانوية إلى الجامعة إلى ما بعد التخرج، كم صديق تعرفنا عليه، والله في الحقيقة لنعجز أن نحصر هؤلاء الأصدقاء، ولكن هل ينطبق عليهم قول القائل: زينة في الرخاء، وعدة عند البلاء.
في الحقيقة النادر والقليل القليل من هؤلاء الذين نجدهم في هذا الزمن.
إذاً: فاختيار الصديق من أهم المشاكل التي تواجه الشاب، وكثيراً ما نجد شباباً وثقوا بأصدقاء وجلساء، وبعد ذلك وجدوا يوماً من الأيام أنهم أصيبوا بخيبة أمل وانتكاسة شعور حينما وجدوا أن هذا الصديق صديق مصلحة، وصديق تجارة وصديق هدف وغاية، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قد تكون هذه الغاية في مرحلة من مراحل العمر دنيئة وسيئة وخبيثة.
إذاً: فلننتبه إلى مسألة الجليس كما يقول الشاعر:
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذاً: لابد أن نمتثل قول الله جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] إذا كان هذا خطاب الله جل وعلا لنبيه المعصوم ﷺ وخاتم الأنبياء والمرسلين وأفضل الخلائق أجمعين، أليس من باب أولى أن نتخذ نحن جلساء صالحين أخياراً، وأريد أن أحدد مقياس الصلاح -والكمال لله جل وعلا- حينما تجد صديقاً كما يقول ابن قدامه في مختصر منهاج القاصدين: وخير الأصدقاء من غلبت حسناته على مساوئه، أهم شيء في هذا الصديق أن يكون صديقاً في الحق لا معيناً على الباطل، أن يذكرك إذا نسيت أمراً من أمور الدنيا والآخرة، وأن يعينك إذا ذكرت هذا الأمر، وبعد ذلك فالزم هذا الصديق وتمسك به فإنه نادر في هذا الزمان، وما كثرة الأصدقاء في هذه الأيام إلا وبال وقد تكون على البعض مصائب، كما يقول القائل:
عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب
الطعام والشراب الذي هو محبب للنفس كثير من الأمراض هي بسببها، إذاً: فهذا الصديق وكثرة الأصدقاء الذين لم نصاحبهم على أساس وعلى مبدأ معين فإننا في يوم من الأيام سنتأسف لصداقتهم ونعض على أصابع الندم والخيبة والويل لأننا صاحبناهم أو جالسناهم، وكم من صديق كان سبباً في هلاك صديقه.
هناك أناس لم يحددوا ميزان الصداقة وجالسوا أناساً لم يعرفوا حقائق نواياهم، وبعد ذلك وجدوهم في يوم من الأيام أصحاب مصائب وأصحاب أمور محظورة، يعني: ليس بعيداً عنكم أصحاب مخدرات وأصحاب مشاكل، ويوم من الأيام يقبض على هؤلاء ويقبض على من حولهم وكما يقال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
من كان مع الأخيار فله حظ معهم، ومن كان مع الأشرار فينال مما ينالون إما من سوء السمعة، وإما أن يكون شريكاً معهم في العقاب والعذاب عياذاً بالله.
إذاً: علينا -يا معاشر الإخوة- أن نكون دقيقين في تحديد الأصدقاء، ولو أراد الإنسان أن يحدد الصديق الذي يجده عند الحاجة والله إنك لن تجد صديقاً، لو ألمت بك حاجة من حاجات الدنيا اليسيرة وكتبت قائمة بأسماء الذين تعرفهم، تقول: أذهب إلى فلان؟ لا، والله لا آمن عليه، أذهب لفلان؟ ما عنده شيء، أذهب لفلان، ذاك لا يستطيع أن يساعدني، إذاً أين أصدقاؤك الذين تذهب معهم وتسافر معهم، يعني: الأصدقاء معك في حال نعمتك بعيدين عنك في حال حاجتك، ليس والله هؤلاء بأصدقاء، وإنما هم أعداء، وسرعان ما يتكشف لك أن صداقتهم سحابة صيف عن قريب تنقشع، وكما يقول الشاعر:
شيئان ينقشعان أول وهلة شرخ الشباب وخلة الأشرار
стр. 2980
حديث عن فترة الشباب وأهميتها
والأمر الثالث: فترة الشباب، وهي الفترة الذهبية؛ شباب العقل والقوة شباب الجسم والفهم، كل ذلك في مرحلة الشباب، من استطاع أن يستفيد في مرحلة شبابه فهو بإذن الله جل وعلا يستقيم على جادة سليمة وعلى طريق مستقيم إلى أن يتوفاه الله جل وعلا من هذه الدنيا بعد عمر طويل وأعمال صالحة، لكن الإنسان الذي ما استطاع أن يغلب نفسه في مرحلة القوة وفي مرحلة الشباب هل يستطيع أن يغلب نفسه في مرحلة الضعف؟ إذا قلنا: مرحلة الشباب هي أقوى مرحلة تستطيع أن تتخذ فيها القرار، وتستطيع أن تنفذ وأن تخطط وأن تعد الوسائل لأمنياتك، هذه مرحلة الشباب إذا كنت عاجزاً عن تحقيق أمانيك في مرحلة شبابك، فهل تحققها بعد أن تكون هرماً وبعد أن تكون في الأربعين والخمسين؟ إذاً -يا إخواني- ينبغي أن نستغل مرحلة الشباب، وأنا في الحقيقة أقول: إن الذي خرج من العشرين وصار إلى الثلاثين ولم يحدد هدفه ولم يحدد مركزه الاجتماعي في مجتمعه، ولم يحدد مستواه المالي ولا أقول: المال هو هدف، لا.
وإنما تعيش عيشاً هنيئاً كريماً فإن هذا يعيش خبالاً ووبالاً، أو يعيش كما يعيش كثير من الناس بلا هدف وبلا غاية، من العشرين إلى الثلاثين في الحقيقة ينبغي أن يسخر الشباب أهم نشاطاته ولا يعني أن يهمل المرحلة فيما قبلها.
ومرحلة الشباب هي أفضل مراحل العبادة، وهي أفضل مراحل الإنابة، وهي أفضل مراحل التوبة إلى الله ، والذي لم يتب إلى الله في شبابه لا يستطيع أن يتوب في المستقبل، لماذا؟ لأن النفس تشب على ما عودتها:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فالطفل لولا تعود أنه ينفطم عن ثديها وعما نسميه بالرضاعة وغيره، قد يكبر ويعيش وهذا الحليب معه في هذه القنينة أو في هذه الزجاجة إلى أن يكبر، ولا يرده إلا الناس، يستحي منهم وإذا عاد إلى بيته استعملها؛ لأن الشاب تعود على ذلك، النفس كالطفل إذا أهملتها شبت على كل ما ترتاح إليه من الخور والكسل والهوان وشهوات النفس، والذي يغلب نفسه هو الذي يفوز بالفلاح والنجاة إن شاء الله، يقول الشاعر:
وكل امرئ والله بالناس عالم له عادة قامت عليها شمائله
تعودها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمر أوائله
علماء السلف في طلب العلم يقولون: من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة، لكن الذي بدايته ضياع هل يجني من الشوك عنباً؟ لا والله ما يجني إلا شوكاً ومراً وغسليناً.
إذاً -يا إخواني- لا أحب أن نكثر الحديث وأحب أن أستفيد، والله إنها لفرصة سعيدة أن ألتقي بكم، وأسأل الله جل وعلا أن ينفع أمتنا بكم، وأن ينفع أمة الإسلام بالشباب.
следующие страницы →