← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

واقع الشباب العلمي وأما واقعهم العلمي والتعليمي فليس بمعزل عن واقعهم الاجتماعي والتربوي، بل بعض ذلك يدعو إلى الفساد في البعض كما أن صلاح الجانب التربوي والاجتماعي داعٍ بإذن الله إلى الصلاح والتميز في الجانب العلمي والفكري، فبعض شبابنا في أمر العلم والفكر لا يعدون أبداً ولا يدرون ماذا يدور على أرض الواقع، بل لا يعرفون من هم الأعداء سواء كانوا من القريبين أو البعيدين ولا يعرفون كيف يميزون بين الحق والباطل والخطأ والصواب، وبعضهم لو سألته عن ملة من الملل، أو نحلة من النحل، أو مذهب من المذاهب، أو طائفة من الطوائف، لظن أنها طبخة أو وجبة أو أكلة تباع في المطاعم والبوفيهات، ولا يعرف ما هي أبداً، والسبب أن عزلته الشعورية وأن الشللية التي عاشها مع مجموعة من الشباب جعلته في هذا الوضع لا يعرف شيئاً من أمر الواقع، بل روتينه اليومي طعامه وشرابه وشهوته وشلته، وإذا مسته حبال الحاجة وأصبح يذوق حرارة الحاجة لم يكن عنده ما يؤهله ليتسنم ما يستحق لأجله شيئاً يكرم به، فلا يتردد أن يلتفت ذات اليمين وذات الشمال ليسرق من هذا ويأخذ من هذا ويكذب على هذا ويختلس من هذا ويفعل ما يفعل مع هذا من أجل أن يغطي به احتياجه، وما هي إلا مدة ثم ينكشف أمره وينفضح شأنه ويظهر على حقيقته، إن بعض الشباب قد ودعوا التعليم وداعاً وطلقوه طلاقاً لا رجعة فيه، والسبب أنهم عكفوا طيلة الليالي ليس على طلب القرآن وتفسيره والحديث وفقهه، والتجربة وتطبيقاتها، والنظرية ونتائجها، والمعادلة ورموزها، لا. إنما سهروا على نحر هذا وصدر هذا وذراع هذه وساق هذه ومن هذه إلى هذه، وعين لا تشبع من نظر: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر سهروا في الليل على هذه الفضائحيات، فلما جاء الصباح إذا بأجسامهم أثقل من الجدران الساقطة لا يستطيع حراكاً، ولا يستطيع أن يرفع رأسه بل قد دعي إلى ما هو أعظم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فلم يجب، ثم دعي إلى العلم، فلم يجب، ثم دعي إلى السبب وكسب الرزق، فلم يجب، وظل هذا ديدنه ودأبه وطبعه وهجيراه، لا يفارقه ولا يبرحه إلى أن تمر به السنون ليرى أن من حوله قد سبقوا، وليرى أن الجادين المثابرين المتسابقين قد بلغوا وحمدوا السرى، وعند الصباح حمدوا السرى؛ لأنهم جدوا واجتهدوا، وأما هو فقد أصبح جثة راقدة على فراشه، لم يبد حراكاً، ولم يرفع بالعلم رأسه ولم يشرح بالفقه صدره فأصبح هذا شأنه وهذا حاله، هذا حال طائفة من شبابنا.

стр. 352

واقع الشباب في الالتزام والعبادة وأما طائفة من الشباب فأمرهم مع العبادة أمر عجيب، يهون على أحدهم أن يمشي عشرة كيلومترات يومياً طلباً للرشاقة وتخسيس البدن وتنحيفه وتنقيص الوزن، ولكن يعجز بل يشق عليه أن يمشي عشر خطوات إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة، مستعد أن يمشي عشرة كيلو متر ويتفاخرون في المجالس واللقاءات أنا أمشي يومياً خمسة كيلو متر أنا أمشي يومياً عشرة كيلو متر وأنقص من الوزن يومياً كذا وأفقد من الوزن كذا من السعرات الحرارية، فكم خطوة مشيتها إلى المسجد، لا، المسجد في نظر بعضهم لا يستحق هذا المسير لكن تخسيس الوزن والحقيقة أنه تخسيس القلب والفؤاد ليس تخسيساً للوزن كما يسمى هو تخسيس للقلب والفؤاد، لست بهذا ضد المشي وضد الرياضة وضد اللياقة وضد الرشاقة، بل نحن جميعاً علينا أن نمشي وأن نتقوى وأن نجعل هذه العقول والقلوب تجمع معها أبداناً قويةً نشطة فاعلة، لكننا ضد أولئك الذين أقدامهم تسابق فحول المرثون لكنها معوقة حسيرة كليلة عن شهود الصلاة مع جماعة، لسنا مع أولئك الشباب الذين يتسابقون في رفع الأثقال، يجمع الواحد همته ويتدرب زمناً وربما أخذ يشرب الماء بمقدار ويضع السكر في طعامه بمقدار ويترك ما تشتهي نفسه ويشرب ما يعافه بدنه من أجل المحافظة على هذا الوزن وطريقته وهيئته ولياقته وكمال جسمه كما يسمى، لكنه لم يجاهد نفسه دقيقة ليقول: رب إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن، لم يجاهد نفسه لحظة ليقول: معاذ الله، وليتذكر نعم الله عليه فلا يصرف نعماً آتاه الله إياها في أسباب سخطه، إن مجاهدة النفوس على رفع الأثقال أمر يسير، لكن مجاهدة النفوس من أجل السلامة من مجالس اللهو والخنا والعفن والزنا أمر على بعضهم جد عظيم، بل يعلن أحدهم وكثير منهم عجزهم ويقول: إني عاجز عن هذا أبداً، يا سبحان الله! أطقت حمل الأثقال والسير على الأقدام المسافات الطوال، وعجزت عن المشي إلى صلاة الجماعة، ومجاهدة النفس عن معصية الله !! هذا واقع بعض شبابنا اليوم، ولنكن صرحاء أن منهم من يعد بالتوبة ويرجو الإنابة ولكن إذا ذهب الشتاء إذا زال حر الصيف إذا انتهى من العطلة الصيفية إذا حج ومتى يحج؟ إذا تزوج ومتى يتزوج؟ إذا وإذا وإذا: تسألني أم الوليد جملا يمشي رويداً ويجيء أولا يريد أن يتوب لكنه قائد للسفهاء! يريد أن يهتدي لكنه في زمرة الضعفاء! يريد أن يستقيم لكنه في عداد الضائعين المنحرفين! ويريد دواء آلياً أتوماتيكياً نووياً سريعًا لا يكلفه المجاهدة لحظة، والله قد جعل الطريق إلى الهداية بالمجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، نعم، الحضارة الغربية بمكتشفاتها ومخترعاتها قد اخترع أساطينها أشياء كثيرة: السيارات السريعة، الطائرات المحلقة، الغواصات التي تبحر في ظلمات البحار، الإلكترونيات، العجائب المخترعات، لكنهم لم يخترعوا شيئاً يخلق الإرادة في نفس الإنسان الذي ينتظر الهداية بكبسولة دواء وجرعة شراب، ولقمة طعام أو إبرة في العضل والوريد، فما أطول ما ينتظر في أمر الهداية لكن الذي يريد الهداية جاداً صادقاً عليه أن يجاهد نفسه حتى يحصلها، والواقع شاهد على أن أولئك إذا أراد أحدهم أي أمر من الأمور بنصيحة طبيب، أو كاتبٍ أو بأمر قرأه في قصاصة مجلة أو جريدة أو في لقاء رآه في شاشة فضائية وقالوا: لن تستطيع أن تصل إلى هذا الشيء إلا بالحرمان من كذا وفعل كذا والتدريب على كذا، عذب نفسه حتى يبلغ ذلك، وربما سمعته يتصل على الفضائية ويقول لذلك الذي يتسيد الحوار: فعلت ما وجهت وقمت بما نصحتم، وفعلت ما أمرتم، ولكنني لم أحقق النتائج المطلوبة، لكنه لم يستجب لأمر الله وهو أمر محتم عليه واجب لا تردد فيه أن يستجيب له.

стр. 353

انعدام الهدف في حياة الشباب واقع طائفة من شبابنا اليوم يشهد غيبة للأهداف فترى الواحد لا هدف له، حياة رتيبة روتينية، ما هي الأهداف؟ ما هي الأماني؟ ما هي الغايات؟ لا قريبة ولا بعيدة، ولا متوسطة الأجل، ولا بعيدة الأجل، لا يهدف ولم يرسم لنفسه غاية يسير إليها، بل لسان حال بعضهم كما يقول الأول: من نام على الدرب وصل وليس من سار على الدرب وصل، "وسأبقى سائراً إن شئت هذا أو أبيت" ولا يدري عما سوى ذاك، وإن فقد الانتماء لا شك يتبعه غياب الهدف ويتبعه أيضاً احتقار المرء لعقله بل ويتعدى ذلك إلى جعل العقل مستودعاً للتوافه، ثم ترى العجب العجاب من السذاجة والبساطة في النظرة إلى الأحداث في الواقع فلا تراه يهتم بها، وإن تابع بعضها فلا يستطيع أن يفسرها تفسيراً صحيحاً أو تفسيراً عقلياً، بل ما يقوله الناس يودع في عقله وليس له إلا كما يقول الناس وحاله كحال الأول: وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد فهو مع الناس إمعة لا يستطيع أن يملك لنفسه قرارا.

стр. 354

التقليد والتبعية في حياة الشباب وبعض الشباب في واقعهم الأخلاقي والسلوكي ترى ما يندى له الجبين من التقليد والتبعية والتسابق المحموم ليكون في مقدمة المنفذين الفاعلين المترجمين لهذه التي تسمى الموضة، ويقابل ذلك أنانية وأثرة وحب للذات واحتيال وهروب من الحقيقة والصدق وغرور وإعجاب في ظاهر الأمر لا في حقيقته، يؤكد ذلك أن الكثير منهم أن يلفت نظر الآخرين إليه بما يفعله من هذه الأمور المقيته القبيحة، وإلا لو كان يملك الشيء الثمين لما احتاج أن يزوق ويزين ظاهره بالتوافه التي تلفت الأنظار إليه، وخذوا على سبيل المثال مظاهر التقليد والتفحيط وإزعاج الناس والمعاكسات، بل والتخنث عند بعض الشباب ما هو في الحقيقة إلا شعور بالخواء، ويقين بالفراغ الداخلي الروحي القلبي، ولا يستطيع أحد أن يلفت نظر الناس بخوائه، ولا يستطيع أحد أن يلفت أنظار الناس بكذبه، ولا يستطيع أحد أن يلفت أنظار الناس بضعف شخصيته، وهزيمته النفسية، فكان لابد أن يحدث شيئاً يدعو الناس إلى الالتفات إليه، فما الذي يدعو الناس إليه؟ يريد أن يكون فناناً! يريد أن يكون مطرباً! يريد أن يكون مفحطاً يتحدث به، يريد أن يلفت أنظار الغاديات والغادين والرائحات والرائحين حتى يشار إليه، ولو كان يملك في الداخل الكنز الثمين لما احتاج إلى هذه الأمور التافهة التي يعرضها على القوم في ظاهر أمره وظاهر سيرته، وطائفة من الشباب قد أولع بالمجاهرة ولا يبالي بمعصية الله سراً كانت أو جهراً، بل هو من شرار الناس الذين يسترهم الله ثم يصبح يهتك ستر الله عليه، يقول: فعلت البارحة كذا وفعلت البارحة كذا، يهمه رأي الآخرين فيه، كل شيء يهون إلا أن ينتقده الآخرون، وكل شيء يسوغ ويستساغ إلا أن يوجه له أحد نصيحة، أما أن يعيش بفكر مستقل وشخصية متزنة قائدة لا مقودة، سيدة لا مسودة، متقدمة لا تبعية فيها؛ فبعيد هذا عن أمره، والعجب أن رأي الآخرين فيه كما قلت يهمه أكثر من أن يرضى الله عنه أو يرضى عنه رسوله، وحكم الآخرين عليه أعظم في نفسه من حكم الله ورسوله عليه، والحق الذي ينبغي أن يكون عليه الشاب المتسلح بكتاب ربه وسنة نبيه ألا يبالي بنباح الكلاب وعواء القطط، وصفير ومكاء وتصدية العابثين واللاهين، بل كما قال المتنبي: أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم ما دمت على حق وعلى يقين بأنك على حق، فافعل ما اعتقدته وتيقنته وتعلم أنه يفضي بك بإذن الله إلى مرضاة الله وجنة عرضها السماوات والأرض وإن خالفك المخالفون، وإن انتقدك المنتقدون، ما دام هذا شأنهم فلا يضرك، واجعل لسان حالك كما يقول الأول: إذا رضيت عني كرام أحبتي فلا زال غضباناً علي لئامها وواقع بعض شبابنا اليوم احتقار للذات، وضعف وتقوقع وانزواء وخشية من مواجهة الآخرين، بل ترى الواحد يعيش بهذه النفسية ويظن أنه فاشل عاطل باطل لا يستطيع وليس بكفء، وليس بحقيق ولا جدير أن يقدم شيئا، أو أن يفعل شيئا، وربما كان منعكس تربوي عبث في نفسه، وأثر عليه، وجعله يميل إلى الانزواء والتقوقع، أو تظل أسير غلطة من أحد أبويك إلى أن تموت وأنت منعزل متقوقع، لم لا تضرب في جنبات هذه الأرض؟ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥].

стр. 355

كيف نتعامل مع هؤلاء الشباب طائفة من الشباب أغواهم الشيطان، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢] ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] وينبغي ألا نكابر أو ننكر أن عدداً ليس بالقليل وقعوا في ما ذكرت، ولكن السؤال هل ننصب بيننا وبينهم سوراً حديدياً وندعو ذا القرنين ليبني بيننا وبينهم سدا لا يستطيع له أحد نقبا؟ لا، وإنما هؤلاء الشباب نحن بإذن الله قادرون على أن نصل إليهم، فلئن وصل الباطل إلى النفوس وما كان الباطل أمراً فطرت عليه النفوس أصلاً، فالحق أدعى لأن تقبله النفوس، والنفوس قد فطرت عليه، ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فليس بغريب أن تعود المياه إلى مجاريها، وأن يعود الشباب إلى الصلاح والاستقامة إذا نحن أخذناهم باللين والحكمة والموعظة الحسنة والرفق في معاملتهم واللطف معهم، ونحن يوم أن نكون صرحاء في وصف واقع بعض الشباب فإن هذا لا يعني أننا قساة أو نمارس القسوة في علاجهم، فإن الذي يصف مرضاً فتاكاً مهما وصف الفتك بأبشع العبارات فإن هذا لا يعني أنه عدوٌ للمريض إذا أراد أن يعالجه. لذا أحبتي في الله! أقول وبكل يقين: إن هذه النفوس كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] اعلموا أن هذه النفوس لو وجدت كلمة الحق إلى ثغرة من ثغرات قلوبهم سبيلا لو أن كلمة الحق طرقت أسماعهم في حالة صفاء، لو أن واحداً استطاع أن يصل إليهم وهم في حال تفرغ ذهن وخلوة من هذه الشهوات لاستطاع أن يصل إليهم، والدليل على ذلك أنك إذا زرت قوماً في عزاء فنصحتهم ووعظت شبابهم، وهم لما يجف قبر أبيهم أو قبر أمهم بعد مصيبة الموت التي حلت في دارهم، تراهم أسرع استجابة من السيل إلى منحدره، والسبب أنهم استمعوا إليك في لحظة ما كان يزاحم حديثك عندهم صورة ولا قينة ولا مسلسل ولا فيلم ولا لهو، فأطيب شيء ينبغي لنا ونحن بصدد دعوة هؤلاء الشباب الذين وصفنا طرفاً من واقعهم أن نأتي إليهم في حال الصفاء، ولا يعني ذلك أن ننتظر متى يموت أحد منهم أو أحد أقاربهم ثم لا نجد وسيلة لدعوتهم إلا في العزاء لا، لكن ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦]، لا تظنوا أحبتي في الله أن أساليب الدعوة موقوفة على أن نجتمع في المسجد ويقوم أحدنا يتكلم، ربما هذه من أقوى أساليب الدعوة، لكن رجلاً ليس بفصيح، وليس بخطيب مفوه، وليس برجل يشار إليه بالبنان، أو يشخص إليه بالعيان، يأخذ ورقة في ساعة من ليل أو نهار، فيكتب رسالة مدادها الحرقة والإخلاص والمحبة والرأفة والشوق والمودة والنصح لهذا المدعو، ثم يبعث بها ولو لم يكن معها هدية ثم يبعث ثانية وثالثة ورابعة، والله ما أسرع ما تجدون إجابة هؤلاء؛ لأنك لم تنصحه في ملأ ولم تفضحه بين الناس، إنما خاطبته ربما قرأ الرسالة في حين صفاء وسكون وهدوء من نفسه، ثم توافق إجابة فيستجيب لأمر الله وبإذن الله .

стр. 356

الشباب الصالح في المجتمع وطائفة من الشباب وليسوا بقليل ولله الحمد والمنة، فالخير في مجتمعنا كثير وفي أنفسنا كثير، وواجبنا أن نكثره وأن نحافظ على كثرته، والشر في مجتمعنا وفي أنفسنا كثير، ومن واجبنا أن نقلله وأن نزيله وأن نمحوه وأن نجاهد في تقليله، ألم يقل النبي ﷺ : (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا) إذاً لا نكابر فعندنا من الشر ما عندنا، لكننا مأمورون بإزالته ومجاهدته وتقليله، فتقليل الشر ضرب من ضروب الخير. أحبتي في لله! أقول إن طائفة من الشباب ولله الحمد والمنة هم ليسوا بقليل على صراط مستقيم، وعلى هدىً وعلى إمام مبين، ولكن بعضهم كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]، بعضهم يحسب أن كل صيحة عليه، وأن كل أدنى مشكلة صغيرة لابد أن تحيط به وهو يرى أهل الباطل يتخطون الحواجز والسدود ويفعلون ولا يخشون ولا يخافون، وهو إذا أراد أن يمشي خطوة للدعوة والإصلاح، والتوجيه والإرشاد؛ ارتعدت فرائصه، واضطرب فؤاده، وخشي من نسيم الريح إذا هب حوله، لماذا يا أخي؟ أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟! قبل أن تكون مستقيماً مهتدياً كان الناس يتحدثون عن عجائب سطوك وغرائب لهوك وعجائب فعلك! عنيد صنديد، ذو بأس شديد، ولما من الله عليك بالهداية أصبحت حملاً وديعاً تخاف من أي شيء! (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام) نريد من تلك القوة التي كانت يوماً ما في الشر وفي العناد وفي اللهو وفي الغفلة وفي المعصية، نريد أن تسخرها بحكمة وفطنة وذكاء لتبني بها بدلاً مما كنت تهدمه من قبل، ولترشد وتصلح بها بدلاً مما كنت تفسد به من قبل، نعم ما فتئ الأعداء يرمون الصالحين بألوان القذائف والتهم، فتارة هم الأصوليون، وتارة هم الإرهابيون، وتارة هم المتطرفون، وتارة هم الذين يفسدون على المجتمعات أمنها، وتارة هم الذين يهددون الأمن الاقتصادي في البلدان وتارة وتارة، ولكن ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠]، وأي عاقل هو ذاك الذي يزعجه نهيق الحمير أو نباح الكلاب ليرده عن هدى مستقيم وصراط مبين قد أمره الله أن يمضي عليه وأن يسلكه؟

стр. 357

حاجة الشباب إلى العلم المؤصل أخي الحبيب! طائفة الشباب الصالحين لا يكفينا صلاحهم، بل نريد مع الصلاح علماً أصيلاً مؤصلاً مدللا بالدليل من الكتاب والسنة، دأبهم فيه الطلب والدأب المستمر والتزاحم في حلق الذكر عند ركب العلماء، ليعرفوا الحق على أصوله وبأدلته ويعلموا أن ما سواه الباطل، فكثير من الشباب صالحون متدينون لكن ليس لهم في العلم إلا حظ نزر يسير قليل قليل، وليس أولئك الذين نريد، بل نريد مع الصلاح علماً، لا نريد عاطفة بلا علم فإنها عاصفة، ولا نريد علماً بلا تقى فإنه فجور، لكن نريد مع الصلاح العلم الذي يجعلك تميز بين الغث والسمين، والصحيح والسقيم، والحق والباطل؛ لأننا لو حدثناك اليوم عن عشرين ملة ضالة فحفظت وعلمت وأيقنت أن عشرين ملة سمعت شأنها من أهل الضلال، ثم نبتت نابتة ضلالة جديدة برقم جديد، الرقم واحد وعشرون، من الذي يخبرك أنها على ضلالة أو على هدى؟ لكن إذا عرفت الحق ولا سبيل إليه إلا بالعلم والطلب علمت أن ما سواه الباطل، ولذلك فإني أدعو الذين يدرسون الطلاب المذاهب والتيارات المعاصرة ألا يقضي أغلب الفصل الدراسي في تعداد وذكر وتفصيل المذاهب المنحرفة قبل أن يعرف الطالب ما هو المذهب الحق عند أهل السنة والجماعة أو ما هو المنهج الحق الصحيح عند أهل السنة والجماعة، اعرف الحق أولاً ثم تعرف أن ما سواه الباطل، أما أن تتعلم: باطل وباطل وباطل، فإذا جاء باطل جديد ما عرفته هل هو باطل أم حق، لكن إذا عرفت الحق أولاً علمت أن ما سواه هو الباطل.

стр. 358

دفع الناس إلى علياء الدين ثم أخي الحبيب! نريد من هذه الثلة المباركة الطيبة من الشباب المستقيم الصالح، نريد منهم أن يرفعوا الناس إلى علياء الدين، وألا ينزلوا بعلياء الدين إلى حضيض الناس، وهذا فرق عظيم فإننا رأينا وسمعنا وشاهدنا أصنافاً من البشر أصبح همهم أن يكيفوا الدين وأحكامه وأدلته لتوافق ما يفعله الناس من الضلالات، وهذا ضلال وخطأ، والصواب أن ترتفع بالناس إلى علياء الدليل لا أن تنزل بالدليل من عليائه إلى مستوى الناس؛ لأن الناس في أحوال متقلبة ودروب متشعبة والحق هادٍ يهديهم ويدلهم، فلا بد أن ترفعهم وأن تنهض بهم ليسعدوا بعلياء الدليل وعزته، لا أن تكيف أدلة الشريعة ونصوصها إلى ما يشتهون وإلى ما يتمنون، واعلموا أننا في هذا السبيل نجد كثيراً ممن يخالفوننا، لكن كما قال الشاطبي ﵀: نعظم الجوامع ونجتهد في الفروع، فجوامع وأصول الشريعة نعظمها ونحترمها ونلتقي عليها ولا نرضى أن نكسر الولاء، لأجل الخلاف في مسألة فرعية، ونجتهد في الفروع محترمين لأهل الاجتهاد اجتهادهم فذلك خيرٌ بإذن الله .

стр. 359

نصائح للشباب الملتزم وهنا أقول لهؤلاء الثلة المباركة من الشباب: إياكم أن يتسلل الشيطان إلى قلوبكم فيقول: مساكين شبكة الإنترنت زوارها يتراوحون ما بين المائتي مليون إلى أربعمائة مليون، والقنوات الفضائية يشاهدها مئات الملايين، وأنتم لا تزالون على خطبة يحضرها ألف مصلي منهم ثلاثمائة تغسل أكفانهم ينتظرون الموت وأنتم لا تزالون لا هم لكم إلا المحاضرات في المساجد والندوات في المدارس وتوزيع الشريط أو كتيبات أو نشرات أو مكاتب دعوة وتوعية جاليات، أو هذه الأساليب التي تسمونها إرشاداً ووعظاً وتوجيهاً، نعم، جاء الشيطان لبعضهم وقال له هذا، ولكن الله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]، فهذه كلمة حق طيبة وهذا حق يمكث فينفع الناس، وأما ما تتحدانا به أو يوسوس به الشيطان من الهزيمة أمام الشبكة العنكبوتية والقنوات الفضائية، فإن الله قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد:١٧]، والله إن كلمة من جملتين: آية وحديث، في مسجد ليس فيه إلا عدد قليل من الناس لتفعل فعلاً لا يخطر على بالكم، فاستمسك بالذي أوحي إليك، ولا تفرط بالحق الذي أكرمك به ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]، إياك أن تزهد في كتاب الله بآياته أو تزهد في حديث رسول الله ﷺ ، وتقول: نحن لم يبق لنا إلا أن ننتظر نزول المسيح ليقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقاتل المشركين واليهود، لا (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فإن له بذلك أجراً) يخاطبك الرسول ﷺ ويقول: لو كنت ترى أمارات الساعة قد بدت في قيامها وبيدك فسيلة نخل لا ترمِ بها وتقول: قامت الساعة بل إن استطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها فإن له بذلك أجراً.

стр. 360

حاجة الأمة إلى القدوة إذاً أخي الحبيب اجتهد في ذلك وإياك والتفريط والإرجاف، وهذا الذي يردده الشيطان من خلال وسوسة على لسان إنسي أو جني أو غيره، ثم اعلم أخي الحبيب أن الساحة اليوم خالية من أهل القدوة والسيادة والريادة إلا من نزر يسير إلا من ﵏، وقليلٌ ما هم، فاعلم أن الأمة بحاجة إليك وبحاجة إلى قدوةٍ لعلك أنت هو، بحاجة إلى المجددين لعلك أنت واحد منهم، إذ إننا نشكو إلى الله مصيبتنا في فقد علمائنا ونقص أطراف الأرض فينا، ولكن عسى الله أن يأجرنا في مصائبنا وأن يخلفنا خيراً منها. أخيَ! تأمل في إصلاح ذاتك وأصلح سريرتك وطيب سرك قبل علانيتك، وباطنك قبل ظاهرك: يا من يطالب غيره بفضائل وهو الذي يبدو إليها أحوج ما فاز من نشر الفضيلة مرشداً وخيوله تشكو الهزال وتعرج لو أنصف الإنسان في أقواله وفعاله لبدا الضيا والمخرج لو أصلح الإنسان بدءاً نفسه عم الرضا والحق حقٌ أبلجُ

стр. 361

أدب التعامل مع المخالف وحاجة الجميع للإصلاح ثم احرص أخي الحبيب على أن تصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، كن سبباً لإصلاح ذات البين في إخوانك واحذر أن تكون معول تفريق وهدم، إن بعض الشباب على ما فيه من الصلاح ينشر الفرقة وهو لا يدري، ولم يؤمر إذا رأى المختلفين أن يتفرج عليهم كتفرج الذين يشاهدون حلبة المصارعة يشجع هذا على هذا أو هذا على هذا، لا، بل هو مأمور إذا رأى الخلاف بين إخوانه بما قاله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤]، إياك أن تفر من عصبية إلى عصبية، وأن تمقت تحيزاً فتتحيز في الظلم، واجعل هدفك أن تكون منتصراً للحق داعية إليه في كل حال وفي كل أوان، واحذر أن تجعل الخلاف بينك وبين إخوانك خلافًا شخصياً، فبعض الناس إذا اختلف معه أخٌ صالحٌ مثله في مسألة فرعية انقلب الخلاف من خلاف اجتهادي إلى خلاف شخصي يبيح الغيبة ويبيح العرض، ويسقط الواجب، ويدعو إلى المقت والحسد، ويملأ القلوب بالبغضاء والشحناء والعداوة، بل اجتهد في طلب الحق، فإن قدم لك بدليله فانسلخ مما أنت عليه، ولأن تكون ذنباً في الحق خير أن تكون إماماً في الباطل. أحبتي في الله! واقع شبابنا من الطرفين بحاجة إلى الإصلاح، ولا نزكي أنفسنا، فالصالحون بحاجة إلى تزكية أنفسهم، ونحن أول المدعوين إلى ذلك، والظالمون لأنفسهم بحاجة إلى أن يقلعوا عن الضلالة وظلم أنفسهم ويعودوا إلى الله عوداً حميداً، فإن كان واقعنا يشهد بتقصيرنا وتفريطنا إلا أننا لا نقول: إن الوقع صفحة سوداء غمامة قاتمة، ضباب كثيف، لا سبيل للسير فيه، لا، بل في الواقع خيرٌ وفي الواقع شر، والخير كثير، وحقيق أن يزاد وأن يحافظ عليه، والشر كثير وحقيق أن يجاهد وأن يكافح وأن نتواصى في إنكاره وإبعاده عن مجتمعنا، وأما الأمل فأن نكون على ما أراده الله جميعاً كلنا سواء من كان مقتصداً أو سابقاً للخيرات أو ظالماً لنفسه بالآمال، أن نحول النقص إلى كمال والضعف إلى قوة والجهل إلى علم والفرقة إلى اتفاق والتفرق والإحن إلى سلامة الصدور والمحبة والأمل، أن نقضي واثقين بنصر الله ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]. أسأل الله بمنه وكرمه، أن يعز الإسلام والمسلمين، اللهم يا حي يا قيوم يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما تريد! اللهم هازم الأحزاب! منشئ السحاب! منزل الكتاب! خالق الخلق من تراب! نسألك اللهم أن تمنحنا الأمن في دورنا وأوطاننا، وأن تصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأن تجمع شملنا وحكامنا وعلماءنا ودعاتنا، وألا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في فلسطين والشيشان، اللهم آمن روعاتهم واستر عوراتهم واحفظ ذرياتهم اللهم انصرهم نصراً مؤزرا، اللهم اجعل ما استولى عليه الروس من أرض إخواننا جمرة ملتهبة في قلوبهم حتى يلفظوها، اللهم يا حي يا قيوم اجعل سلاح الروس في صدورهم، وكيدهم في نحورهم، وتدبيرهم تدميراً لهم، اللهم لا تجعلهم يفرحون بمترٍ دخلوه في أرض المسلمين، اللهم اقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا، اللهم إنهم ينكرون وجودك، ويدعون لك الصاحبة والولد، اللهم فأرنا فيهم عجائب قدرتك، وأنزل بهم بأسك وبطشك وعذابك ورجزك وأليم عذابك، إله الحق آمين، اللهم انصر إخواننا وثبت رميهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وشمائلهم، ومن فوقهم ونعوذ بعظمتك اللهم أن يغتالوا من تحتهم، اللهم اجمع على الحق كلمتهم، وأقم على التوحيد دولتهم، اللهم اجعل من مات منهم شهيداً في الجنة واحفظ اللهم الأحياء منهم وأقر أعينهم بنصر عاجل يا رب العالمين، اللهم صلَّ على محمد وصحبه وآله، وجزاكم الله خيراً.

стр. 362

العقول المعطلة إن أشد ما يطمس العقل البشري: هو التعصب الجامد المظلم لما كان عليه الآباء، جهلاً أو تجاهلاً لقول الله: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). إن الذين لا يقبلون الحق بحجة اتباع الآباء والأجداد لا ينفع معهم حوار الفكر والمنطق؛ لأن عقولهم مازالت في خزائن الآباء والأجداد معطلة فليحذر الذين يصرون على اتباع الآباء والأجداد، ويخافوا أن يطبع الله على قلوبهم وأن يأخذ سمعهم وأبصارهم.

стр. 363

احتجاج الأبناء بمنهج الآباء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، هو ربنا واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].

стр. 364

رد الحق تقليداً للآباء معاشر المؤمنين! إن منطق الجاهلية وأهلها هو: رد الحق إما لضعف الداعي إليه، أو لفقره، أو لقلة أعوانه وأنصاره، أو لأن أهل الباطل من أهل الجاهلية قد درجوا ومضوا على هذا الباطل وألفوا آباءهم وأجدادهم يفعلونه، وتلكم عقدة مرض كثير من المصرين على الذنوب والمعاصي، وعقدة مرض كثير من المتحمسين للبدع والمخالفات، وعقدة كثير من الذين لا يرغبون إصلاح أنفسهم وأوضاعهم، وهذا مرض قد بينه القرآن في غير ما موضع من كتاب الله، ولو تأمل أولئك المعاندون منطق الحق لعلموا وتيقنوا أن الحق أبلج والباطل لجلج، ولكنه كما قال ربنا : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠] يدعون إلى الله فيأبون، ويحتجون بما ألفوا عليه آباءهم ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] فأولئك يمتنعون عن قبول الحق بحجة ما درج عليه آباؤهم وأجدادهم. قال ابن كثير: وإذا قيل لهؤلاء الكفرة: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال، قالوا: بل نتبع ما ألفينا ووجدنا عليه آباءنا، من عبادة الأصنام والأنداد، فقال ربنا منكراً عليهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [البقرة:١٧٠] أي الذين يقتدون ويقتفون أثرهم ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] يعني: هم يصرون على ما وجدوا عليه الآباء، ولو كان آباؤهم ليس لهم عقلٌ ولا هداية. ويقول أيضاً: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة:١٠٤] أولئك الذين إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وترك ما حرمه، قالوا: حسبنا ويكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد، أيكفيكم ما وجدتم عليه آباءكم حتى ولو كان آباؤكم لا يعلمون شيئاً ولا يعقلونه ولا يهتدون إليه، فكيف تتبعونه إذاً؟!!

стр. 365

استدلالهم على فعل الفاحشة بفعل الآباء وأخبث من هذا: أن بعضهم يفعل الفاحشة والمنكر ويصر عليها ويحتج على فعلها، بل ويستدل على جواز فعله بما وجد عليه آباءه وأهله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٨ - ٢٩]. قال ابن كثير في معنى هذه الآية: وكانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثياب لبسوها، ويتأولون ذلك أنهم لا يطوفون في ثيابٍ عصوا الله فيها، وكانت قريش -وتسمى: الحمس- يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسياً طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوباً ولم يعره أحمسيٌ ثوباً طاف عرياناً، وربما كانت المرأة من غير قريش تطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً يستره وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله وأكثر ما كن النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرعٍ منه، فأنكر ذلك عليهم ربنا ، وبين كذبه وما يدعون بقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] فرد عليهم بقوله: ((قُلْ)) أي: يا محمد ((إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) [الأعراف:٢٨] بل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل:٩٠] إن الله لا يأمر بالفحشاء، إن هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة والله لا يأمر بمثل ذلك: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]. وإن العبرة في نصوص القرآن والسنة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا أردنا أن نطبق هذه الآيات على واقعنا اليوم لوجدنا بعض المسلمين هداهم الله يفعلون بعض المنكرات، ويرتكبونها، ويصرون عليها، بحجة فعل آبائهم لها، بل ويستدلون بفعل آبائهم على جوازها وإباحتها. كذلك الحال في كثير من المعاصي والمنكرات، والبدع والخرافات، بل وما وقع فيه الناس في كثير من العادات والأعراف، وخذ على سبيل المثال: بدع الموالد، وبدع الإسراء والمعراج، وبدع الهجرة، وكشف النساء وجوههن لغير المحارم، ومصافحة النساء للرجال في كثير من البلدان، ومخالطة الرجال لغير المحارم أيضاً، والإسراف في الولائم والحفلات والمناسبات، وكثير من العادات التي لا تجوز مما يصدق عليه أو يصنف في شأن العادات، أو العقائد أو غير ذلك، تجد أن الذي يفعلونه يحتجون بفعل آبائهم وأجدادهم. إن الله مقت أولئك وبين شأنهم فقال فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج:٣] إذا أقيمت عليهم الحجة، ونصبت لهم المحجة، ووصف لهم الصراط، ودعوا إلى الهدى؛ يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١] لم يكن لهم حجة إلا اتباع آبائهم.

стр. 366

علاج المقلدين للآباء والأجداد وخير علاج لهؤلاء المقلدين المصرين على التقليد هو حوارهم وردهم إلى العقل الصحيح؛ لأن العقل الصحيح لا يتعارض مع النقل الصريح، يقول الله في شأن حوار إبراهيم لقومه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٤] لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال ولذا قال: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] أي الكلام معكم كالكلام مع آبائكم. والعجب يا عباد الله! في هذا الزمان الذي درس فيه كثير من الخلق وتعلموا، وفقهوا، ودرسوا ألواناً من العلوم، وفنوناً من التقنية، وأضراباً مما بلغت إليه البشرية في علوم الاختراعات والاتصالات والإلكترونيات، تجد الواحد منهم طبيباً أو مهندساً أو صيدلياً أو متخصصاً في أجهزة الحاسوب وهندسته؛ فإذا جاء الأمر مع شيء يتعلق بالآباء والأجداد، ألغى عقله الذي يحل به أعقد المعادلات واتبع طريقة الآباء والأجداد، إنها مصيبة عجيبة أن تجد من أولئك -الذين درسوا وتعلموا- إصرارهم على ما يفعله آباؤهم. لو أن طائفة من المصرين على فعل الآباء والأجداد، من الأميين، والجهلة، من الذين لم يتعلموا فلربما يعذرون بشيء من الجهل، وتقوم عليهم الحجة بالبيان والدعوة، أما أن يُدْعى طائفة من الذين تعلموا ودرسوا أدق المعادلات، وأعقد المعاملات، وإذا جيء إلى حوارهم في أمر يتعلق بعادات أو أمر يدعون فيه إلى الدين، قالوا: وجدنا عليه آباءنا: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠].

стр. 367

حال الأنبياء والرسل في مواجهة التقليد ولكن ينبغي أيها الأحبة أن ننتبه عامة وأن ينتبه الدعاة خاصة أن قضية التقليد والعصبية والإصرار على فعل الآباء والأجداد لمن العوائق والحوائل العظيمة التي تقف دون قبول الأتباع للمتبوعين، وتقف دون قبولهم للحق ومعرفته، بل كثيراً ما تدفعهم هذه العصبية لعادات الآباء إلى الإصرار على الباطل ومواجهة الداعي في طريق دعوته، لذا فليعلم هذا، وإن الحوار والمناظرة لهو الحجة النقلية والدليل المنطقي، والشفاء العاجل لمكافحة هذا الداء، فبهذه الوسائل يمكن أن يحرر أولئك الذين قيدوا وغلت عقولهم بأسر التقليد، وبهذا يخرجون من قوقعة العصبية.

стр. 368

إبراهيم يجادل قومه إن إبراهيم ﵇ لما جاء يحاور قومه قال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] فأجابوه: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣] فقال إبراهيم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] فاستفهمه المقلدون: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:٥٥] فأجابهم في صميم الحوار والقضية، فقال: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦] ثم سألهم أخرى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٧٠] فقالوا: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١] فاستفهمهم ليوبخهم وليقلع جذور التقليد وعروقه من قلوبهم، فقال: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء:٧٢] هل هذه الأصنام والأوثان وما تعبدونه من دون الله: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٢ - ٧٣] فأجابوه مرة أخرى في غفلة المقلد وأسر التقليد: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤] واستمر ﵇ يحارب هذا التقليد فيهم. ولكن الله قد بين لنا تأكيداً لحال أولئك أن إذا وجدت أيها النبي أو أيها الداعي أو أيها العالم أو أيها المرشد ما عليه من إصرار هؤلاء فلا تك في مرية من الحق الذي أنت عليه، بل الداء فيهم وليس فيك، والعيب فيهم وليس في منهجك، والعلة في طريقتهم وليس في شرعك: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود:١٠٩] فلا تك في مرية، لا تك في شك من أمرك، فإن هؤلاء يعبدون الباطل والجهل والظلال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٠].

стр. 369

اختصام التابعين والمتبوعين في النار إننا نوجه النداء للمصرين على الأخطاء، المصرين على الضلالة، المصرين على الفساد، نوجه النداء إليهم إن كانوا يحتجون بمن سلف، أو يستدلون بفعل من سبق: فإن هذا لا ينجيهم ولا ينفعهم ولا ينقذهم؛ إذ سيأتي يوم يتبرأ فيه المقلَّد من المقلِّد، والتابع من المتبوع، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٧] ماذا ستفعلون في هذه الكرة؟ ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧] ولات حين مندم، ولا ينفع حينئذٍ الندم ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [البقرة:١٦٧] أعمال التابعين والمتبوعين ﴿حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]. وأشد ذلك أن يقف التابعون، القائدون والمقودون، المُقَلِّدُوْن والمُقَلَّدُون في حوار ومناظرة وجدل، فريقان في النار يختصمون: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ [غافر:٤٧] الأتباع الأذناب المقلدون ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٧ - ٤٨] إنهم يحاجونهم ويقولون: لقد صدقناكم وسودناكم وجعلنا لكم الجاه والرتبة والمنزلة وقدمناكم أمامنا وسرنا تبعاً خلفكم فهل أنتم مغنون عنا نصيباً قليلاً أو شيئاً يسيراً من عذاب النار، فما كان من المستكبرين إلا أن قالوا: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨]. وقال في موضع آخر يبين حال هذه المشاكسة والمناظرة والمجادلة بين التابعين والمتبوعين: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] يلعن بعضهم بعضا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] فيقول الجبار : ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]. ويوم تقلب وجوه أهل النار فيها يقولون: يا ليتنا أطعنا الله ولم نتبع القادة! يا ليتنا أطعنا الله ولم نتبع الأسلاف والأجداد! ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٦ - ٦٧] ولا تنفع هذه البراءة. بل وأعظم من هذا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١] يقول علامة المغرب ابن عبد البر المالكي ﵀ بعد أن ساق بعض هذه الآيات: إنها لا يستدل بها على الكفار وحدهم، فقال وقد احتج بهذه الآيات في إبطال التقليد: ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل فكفر، أو قلد رجل آخر فأذنب، أو قلد رجل آخر في مسألة من مسائل الدنيا فأخطأ وخسر، كان كل واحد ملوماً على تقليده بغير حجة، لأن كل ذلك تقليدٌ يشبه بعضه بعضا. ومعنى كلام ابن عبد البر أي: أن هذه الآيات يستدل بها على ذم التقليد والمقلدين حتى وإن كانت واردة في حوار ولجاجة وخصومة بين الكفار وأهل الكفر.

стр. 370

أثر التقليد على العقل يقول ابن الجوزي ﵀: دخل الشيطان على هذه الأمة في عقائدها من طريقين: الأول: طريق التقليد للآباء والأسلاف، والثاني: الخوض فيما لا يدرك غوره، ويعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخليط، فأما الأول وهو التقليد للآباء فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه، والصواب قد يخفى، والتقليد أسلم، وقد ضل في هذا الطريق خلق كثير، هذا مما يوسوس به الشيطان، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم الذين قادوهم على ضلالة فضلوا ضلالاً بعيداً. ثم يقول ابن الجوزي ﵀: واعلم أن المقلِّد غير واثق بالمقلَّد، وفي التقليد إبطال منفعة العقل. وهذا بيت القصيد في حديثنا، إن كثيراً من المقلدين للكلمات أو للأفكار أو للقضايا من غير إعمال لعقولهم فيها، إذ إن بعض الناس يقبل القول بمجرد أن فلاناً قاله، ولا يعرضه على عقله، ولا يقلبه ولو شيئاً يسيراً. يقول ابن الجوزي: وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأن العقل إنما خلق للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة. قال ابن تيمية ﵀: وأما التقليد الباطل المذموم فهو قبول قول الغير بلا حجة. ثم ساق بعض الآيات في ذلك فقال: فهذا الاتباع والتقليد الذي ذمه الله هو اتباع للهوى؛ إما للعادة والنسب، كاتباع الآباء، وإما للرئاسة كاتباع الأكابر والسادة والمتكبرين، وقد بين الله أن الواجب الإعراض عن هذا التقليد إلى اتباع ما أنزله على رسوله فإن الرسل حجة الله التي أعذر بها إلى خلقه. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتبصرين، الذين يلزمون الحق إذا عرفوه، ويردونه إلى الذين يستنبطونه إذا أشكل عليهم. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 371

نوح ومحمد ﵉ وكيف عالجا خطر التقليد الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة. معاشر المؤمنين! وإن مما يدرج بالتقليد ويتبع به هو انسياق بعض الناس وراء الأعراف، وجريهم وراء العادات السقيمة الضارة الفاسدة، وهو ما تعارفه الناس أو ساروا عليه من قول أو فعل أو ترك يخالف هدي الإسلام أو كماله، إن للأعراف البشرية مكانة عظيمة عند الأمم التي تسودها تلك الأعراف، ولقوة تلك الأعراف كانت قوانين تحكم بين الأمم والشعوب، وكانت جداراً صلباً صد كثيرين عن اتباع دين الله والانقياد له. وقد قام الصراع المرير بين الشرائع الإلهية وحملتها من الأنبياء والدعاة والعلماء وبين الذين عادوهم من الزعماء وأتباع الضلالة الذين يزعمون أن تراث الآباء والأجداد هو المقدس المصان، ويأبون أن يمسه أي تغيير أو تبديل، وهنا تقف الأعراف والعوائد البشرية حاجزاً أمام دعاة الإصلاح في مختلف العصور، فترى دعاة الحق مظلومين منبوذين لأنهم يدعون الناس إلى الرجوع إلى الدين الحق وترك ما يخالفه ولو كان من عادات الآباء وأعرافهم. إن هذه الأعراف والعادات التي اختطها البشر، وتلقاها اللاحقون عن السابقين، باتت ديناً يتبع، وشرعة لا تخالف، وميراثاً يحرص عليه حرصاً عظيماً، يصل إلى درجة أن تسفك في سبيل الحفاظ عليه الدماء، وتزهق النفوس وتهدر الأموال، وهذا ديدن أرباب الضلالة عبر تاريخ البشرية الطويل: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]. هذه الأعراف يصنعها في كثير من الأحيان طواغيت يشرعون من دون الله، وظلمة يستبدون من بين الناس، يتنفذون في أقوامهم، ويجرون التعامل بما لديهم من النفوذ والسلطان، ومن خرج عنها آذوه وأسروه وقيدوه، ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧] هم قادتهم في الضلالة، هم قادتهم في الفساد والانحراف، فإذا قال أولئك الضلال قولاً أصبح طريقة متبعة وبذلك يشرعون، وإن كثيراً من الغوغاء والعامة لا يفقهون هذا الأمر ولا يدركونه، والله ينكر هذا بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. إن نوحاً ﵇ أقام ألف سنة إلا خمسين عاماً في قومه يدعوهم إلى الله، فما الذي صدهم؟ وما الذي ردهم؟ ومن الذي حجب الهدى عن أعينهم؟ قالوا: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] لا تدعوا آلهة عبدها الآباء والأجداد ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢٣] فلما رأى نوح ما فعلوا، وجرب فيهم أساليب الدعوة وألوانها قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]. بل ومن الأمثلة التي في شريعتنا وفي ديننا: ما كان بين محمد ﷺ وقومه، جاءهم بالحق الأبلج، والملة السمحاء، والشريعة الغراء، فنابذه العرب الِعداء، ورموه عن قوس واحدة، عذبوا صحابته، آذوه وحاصروه، وأصبحوا يقولون: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص:٦ - ٧] فاحتجوا بما كان في ملتهم الأولى وطريقة آبائهم وأجدادهم إن هذا إلا اختلاق، ولكن العرب بعد جهد شديد أبصروا الحق وأقلعوا عما اعتادوه وتعارفوا عليه من عادات وأعراف جاهلية، ثم علت كلمة الله واستنار الناس بنور الحق، وجاهد العرب الأمم الأخرى حتى أخرجوهم من هذه العادات التي حبستهم في قواقع الظلمات. إن المتأمل في كثير من الأمور الشركية والبدعية سيجد أنها من الأمور المتوارثة المنقولة عن الآباء والأجداد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص:١ - ٦]. لقد قامت الحجة على هؤلاء بالدعوة والحوار وبيان بطلان عادات آبائهم وأجدادهم، وهذا واجبنا أيها الأحبة أن نناظر الناس الذين يحتجون بما ألف عليه الآباء والأجداد، وأن نقول: فضلاً فضلاً، مهلاً مهلاً، رفقاً رفقاً، أعطونا عقولكم، وضعوها على ألسنتكم، وانطقوا بما تفهمونه من واقع هذا العقل، أخرجوا العقول من خزائن الجدات، وأخرجوا العقول من صناديق الأجداد، أخرجوها من الأقبية والسراديب وحينئذٍ ستفهمون الحق وتعرفونه. إن الذين لا يقبلون الحق بعد هذا كما قلنا في أول هذه الخطبة إما يردونه لإصرار على فعل الآباء والأجداد، وقد لا ينفع معهم حوار الفكر والمنطق؛ لأن الفكر لم يدع من خزائن جداتهم ليوضع في حوار أو على ألسنتهم حال المناظرة: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود:٦٢] فهم يصرون على فعل الآباء، أو أنهم يرون ضعف الداعي إليه، وأخبث من ذلك أن الذين يصرون على العادات والتقاليد الضالة المضلة لا يزال الواحد فيهم حبيباً أليفاً صديقاً جليساً أنيساً إلا إذا بين لهم بطلان ما يفعلونه فيقولون له حينئذٍ: كنا نقدرك قبل هذا والآن سقطت من أعيننا لما نهيتنا عما كنا نتبع فيه آباءنا، وإنها لنفس الحجة التي قالها فرعون وملؤه لموسى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس:٧٨].

стр. 372

نصيحة إلى كل مقلد فيا عباد الله! اعلموا أن أشد ما يطمس العقل البشري هو التعصب الجامد المظلم الذي يحبس صاحبه في قمقم القديم الذي كان عليه الآباء، أو يحبس صاحبه في واقع درج عليه أكثر الناس، وقد نسي قول الله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فلا تعتبر بالكثرة ولو تواتروا على فعل المنكر، ولا تعتبر بالكثرة ولو قلدوا آباءهم وأجدادهم، إن أكثر الأولين قد ضل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]. فالحذر الحذر من التعصب الذي يجعل الواحد ينطق بمنطق أعوج! إن تعصب قريش قادها لما عرض عليها الحق أن قالت: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] لم تقل: إن كان حقاً فاهدنا إليه، أو وفقنا، أو ثبتنا عليه، قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] انظروا إلى هذا المنطق الأعوج الذي أنتجه الإصرار على فعل الآباء، وأنتجه حجب الفكر والحوار والمناظرة عن أن يقاد إلى أمر فيه خير أولئك، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، فلا غرابة في هذا لأنهم حجبوا عقولهم عن الهدى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥]. ألا فليحذر المصرون على اتباع الآباء والأجداد، ألا فليحذروا وليخافوا الله أن يطبع على قلوبهم، أو أن يمسخهم، أو أن يأخذ أسماعهم وأبصارهم؛ فإن الذي يجادل في الحق بعدما تبين، ويعاند ويصر على طريقة الآباء والأجداد لممن يقع في المشاقة لله ورسوله، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥]. معاشر المؤمنين! ثم دعوة وهمسة وكلمة إلى أولئك الذين يجعلون عقولهم لعناوين الصحف، ويجعلون عقولهم للنشرات الإخبارية، ويجعلون عقولهم لتحليل غيرهم في ثنايا الجرائد والمجلات، فإذا جئت تحاور أحدهم وجدته يحاورك بمنطق عمود الجريدة، أو بمنطق موضوع المجلة، أو بمنطق إرشيف الغلاف، أو بمنطق حجة قالها كاتب، ألا فيا عباد الله! إن كل واحد يحشر يوم القيامة وحده، فلن يحشر رئيس تحرير ووراءه قراؤه، ولن يحشر قائدٌ ووراءه أتباعه، ليحاسب الرئيس أو القائد أو الزعيم بالنيابة عن هؤلاء، لا وألف لا، سيحاسب كل بما أوتي، ويؤاخذ بما فعل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] فرداً فرداً ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام:٩٤]، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. إن كل واحد منا سيحاسب في فهمه، وطريقته، وقراراته، وأعماله، هو وحده ولن ينفعه أن يقول: تبعت فلاناً أو علاناً، ألا فحكم العقل الصحيح، وإن العقل الصحيح لا يتضارب ولا يتعارض مع الدليل الصريح الصحيح أيضاً. أسأل الله أن يبصرنا وإياكم بالحق، وأن يرزقنا استثمار عقولنا واستذلال هذه العقول وألا تكون هذه الرءوس جماجم وخزائن للمعلومات يفكر الآخرون بالنيابة فنودعها ما يقولون، يخطط الآخر بالنيابة فتنفذ جوارحنا ما يريدون، وإنما نسأل الله أن تكون أفكارنا وسكناتنا وخطراتنا وخطواتنا منبثقة من تفكير مهتدٍ بهدي صريح وشرعٍ جميل لكي نلقى الله بنية (وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم إنا نعوذ بك أن نرى في مجتمعنا فتنة، أو أن نرى بعلمائنا مكيدة، أو أن نرى بولاة أمرنا مصيبة، أو أن نرى بشبابنا وبناتنا تبرجاً وضلالاً وسفوراً، اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن والفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. اللهم انصر المسلمين في أرومو التي لا يعرف كثير من المسلمين عن حالها، وحال خمسة وثلاثين مليون مسلم فيها شيئاً، اللهم انصرهم على من عاداهم من النصارى والوثنيين يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين في كشمير، وفي الفليبين، واجمع شملهم في أفغانستان، وأصلح شأنهم وانصرهم في طاجكستان، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، ورد المسجد الأقصى إلى أيدي الموحدين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة، اللهم عليك باليهود والصرب. ربنا مزقهم واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً يا رب العالمين. اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم لا ساتر لمن فضحت فلا تفضحنا، ولا فاضح لمن سترت فاسترنا، اللهم ثبتنا وأعطنا، وأكرمنا ولا تحرمنا بمنك وكرمك يا رب العالمين. الله اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم اهد بناتنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا واجمع شملنا يا رب العالمين، لا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأصحابه وآله.

стр. 373

الرحيل الإنسان في هذه الحياة مسافر في رحلة حتمية، لا يملك إيقافها، ولا التراجع عنها، ورحيل الإنسان عن الدنيا حقيقة مُرَّة، يعلمها الأحياء علم اليقين وإن تجاهلوها، وسيذوقون مرارتها يوماً ما. وفي هذه المحاضرة تجلية لحقائق الموت والرحيل من الكتاب والسنة وأقوال السلف؛ متضمنة أمثلة من حسن الخاتمة وسوئها، وطرق الاستعداد للرحيل التي لا يستغني عن التفكر فيها كل ذي فكر.

стр. 374

الرحيل بين مراتب اليقين الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أرسله الله إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب أن يجعل للحاضرين والحاضرات في هذا المكان من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة. اللهم لا تدع لي ولهم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها وأعنت على قضائها، اللهم لا تدع لهذه الوجوه ذنباً إلا غفرته، ولا تدع فيهم تائباً إلا قبلته، ولا لأحدٍ منهم ميتاً إلا رحمته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحةً وهبته وأسعدته يا رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه. أحبتي في الله! نهاية هذا العام وأفول شمسه، ساقطة في مغيب بحر التاريخ، إشارة إلى الزوال والرحيل والفراق من هذه الدنيا، ورحيل هذا العام يذكر لا محالة برحيل الجميع، يذكر لا محالة برحيل العافية عن الأبدان، ورحيل النور عن الأبصار، ورحيل الكلمات عن الألسن، ورحيل السمع عن الآذان، ورحيل النبض عن الأفئدة، ورحيل الخفقات عن القلوب، ورحيل الحركات عن الأطراف والجوارح، رحيل هذا العام ورحيل كل عامٍ يذكر بأننا كما عشنا ورأينا وعلمنا وعرفنا الحياة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؛ فسوف نذوق الفراق حق اليقين، بعد أن عرفناه علم اليقين وعين اليقين، نحن الآن نعيش في هذه الحياة، والحياة بالنسبة لنا علم اليقين، فنحن نرى الأحياء ونرى أنفسنا، ونعيش الحياة حق اليقين؛ لأننا نرى الحياة في جوارحنا وأبداننا وحركاتنا وحواسنا وفي ذواتنا وما خلق الله فينا، فإن هذه الحياة نعيشها بعلم اليقين وحق اليقين، وكما عشنا الحياة علماً وعيناً وحقاً، فسوف نعيش الفراق علماً وعيناً وحقاً. أما الفراق بعلم اليقين: فنحن نعلم أننا نفارق أقواماً. وأما الفراق بعين اليقين: فإننا فقدنا وما عدنا نرى، بل دفنا ووارينا أحباباً وفارقناهم. وبقي الفراق بحق اليقين: وهو أن نذوق الفراق، وأن نتجرع ذلك الفراق، ولا بد لنا من ذلك شئنا أم أبينا، طال بنا الدهر أم قصر نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح كل بطاحٍ له يوم على الدنيا بطوح لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح رحيل هذا العام يذكر برحيل الصالحين، ويذكر بالأسى على فراقهم، ورحيل هذا العام يذكر برحيل المجرمين، والعبرة بزوالهم، ورحيل هذا العام يذكرنا بحتمية فراقنا وزوالنا وانتقالنا من هذا الدار. هو الموت ما منه ملاذٌ ومهربُ متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلَّ الردى مما نرجيه أقربُ رحيل هذا العام أيها الأحبة في الله! يذكرنا بما قاله حبيبنا المصطفى ﷺ : (جاءني جبريل ﵇، وقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) رحيل هذا العام يقول للسادرين: لا تفرحوا بمرور الليالي والأيام: يسر المرء ما ذهب الليالي وإن ذهابهن له ذهابُ

стр. 375

أثر الأحداث في غفلة الشباب عن الرحيل أيها الأحباب! لقد مرت بنا أحداث شغلت الكثير من الناس، بل شغلت الكثير من الشباب الطيبين الصالحين، شغلتهم في البحث والسؤال، والقيل والقال، فأورثت عند بعضهم الجدل، وأضعفت عند الكثير العمل، واستحكمت بنا الغفلة، وذهلنا عن أمورٍ لا بد منها ولا مناص عنها، وسنسأل عنها ومنها الرحيل، وهانحن نتذكرها بقرب رحيل هذا العام، ولما غفلنا عن هذا جاءت نهاية العام تذكرنا بها. الرحيل أمرٌ محتومٌ لا مناص منه ولا محيد عنه، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] ويقول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ويقول تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ويقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] ويقول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] ويقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧]. كان عمر بن عبد العزيز ذات يومٍ وهو فوق كرسي الخلافة يقرأ كلام الله ، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧] نزل عن كرسي خلافته وقبض بيده على لحيته وأخذ يحرك ذقنه ويحرك لحيته ويقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٦ - ٢٠٧] وأخذ يرددها وهو يبكي.

стр. 376

عبر من رحيل العام أيها الأحبة! رحيل هذا العام شاهدٌ على الكادحين جميعاً ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] يقول ابن كثير ﵀ في تفسير القرآن العظيم: المؤمن يكدح ثم إلى الجنة، والكافر يكدح ثم إلى النار. رحيل هذا العام يمضي بسجلاته وصحائفه شاهدةٌ لنا أو علينا، شاهدةٌ لأقوامٍ بالحسنات وشاهدةٌ على آخرين بالسيئات، أقوامٌ مشغولون بالطاعة، وهم غداً في الجنة في شغلٍ فاكهون برحمة الله، وأقوامٌ مشغولون بلا مهمة مشغولون بالسهر ولكن في غير طاعة الله، ومشغولون بالجهد والمجاهدة، ولكن في معصية الله، في متابعة الأفلام والقنوات التي يرون فيها ما يضر ولا ينفع، ويخزي منظره، ولا يستطيع الناظر تغييره، مشغولون باللهو الباطل، مشغولون بالغفلة والسهر، ثم النوم عن الصلاة مع الجماعة، ومشغولات من النساء في الذهاب والإياب والتطواف، والتسيار والتجوال في الأسواق، مشغولات في الجولات في كل المناسبات، تجوالٌ لا يعرف الكلل ولا الملل، مشغولات عن بيوتهن أو عن تربية أبنائهن على طاعة الله ، مشغولون عن حقوق أوجبها الله عليهم في البر والصلة والقيام بحقوق من ولاهم الله شئونهم.

стр. 377

الرحيل الدوري إن هذا الرحيل يذكرنا برحيلٍ نعيشه في كل يومٍ وليلة، أوليس الله يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢] برحيل هذا العام لا بد أن نتذكر الرحيل الحق لأنفسنا ولأبداننا، ولقد أمرنا نبينا ﷺ أن نتذكر الرحيل فقال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وإننا كما قرأنا الآية آنفا نعيش هذا الرحيل في كل يومٍ أو في كل ليلة، فإن الله يتوفى هذه الأنفس حين موتها الموتة الصغرى في نومها، فيمسك التي قضى عليها الموت، أي: يمسك التي قضى عليها الرحيل الحقيقي والميتة الحقيقية، فلا تعود الروح إلى مضجع صاحبها، ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى. ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام:٦٠] فقد أخبر سبحانه أن كلاً من النفسين الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم، ولكن من كتب لها الرحيل الحقيقي لا تعود إلى مضجع صاحبها، ولكن عند الرحيل، تمر النفس بسكرات، وتمر بآهاتٍ وأنات، وكما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] للرحيل سكرات، يلاقيها كل إنسان رجلٍ وامرأة وفتىً وفتاة حال الاحتضار، وهذه السكرات هي كربات وغمراتٌ حال الرحيل، وإنها لحقٌ، ولو نجى منها أحد أو سلم لنجى منها رسول الله ﷺ ، فقد كان في مرض موته ﷺ يدخل يده في ركوة أو علبة فيها ماء ويغطس أنامله في الماء، ثم يمسح بها وجهه ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) رواه البخاري، ولكن قبل الرحيل يفاجأ أقوامٌ بغصص، ويفاجأ أقوامٌ بمفاجئاتٍ عجيبة، ومفاجئاتٍ مهولة، وأقوامٌ يرون سعادة وسروراً.

стр. 378

صور من رحيل الصالحين كان أبو بكر الصديق ﵁ يقرأ ذات يومٍ سورة الفجر، فلما بلغ قول الله : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] لما تلاها أبو بكر ﵁ قال: (يا رسول الله ما أطيب حظ من يقال له هذا! وما أحسن هذا! وما أجمل هذا! فقال ﷺ : وإنك يا أبا بكر ممن يقال له هذا) وإنك يا أبا بكر ممن يُقال له: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] لمثل هذه الحال يطيب الرحيل، ويسعد الرحيل، ويجملُ الرحيل، ويفرح صاحب الرحيل برحيله، ومع أن هؤلاء قد لقوا البشرى من النبي ﷺ إلا أن ذلك ما غرهم، بل زادهم من ربهم خوفاً ووجلاً وإشفاقا، فلقد دخلت عائشة ﵂ على أبيها أبي بكر ﵁ في مرض موته، فلما ثقل عليه الأمر واشتدت به السكرات، قالت عائشة ﵂: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فكشف أبو بكر ﵁ وجهه، وقال ﵁: [ليس كذلك يا ابنتي، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]] هكذا يرحل الصالحون، يلهجون بكلام الله وذكره، هكذا يرحلون لأن الملائكة تبشرهم برضوانٍ وروحٍ وريحان ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] هذه الولاية الحقيقية لهؤلاء في الدنيا ولهم في الآخرة، وماذا بعد لهم في الآخرة؟ ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. أيها الأحبة! رحيل الصالحين بحب ولذة، رحيل الصالحين عن الدنيا شوقٌ إلى لقاء الله ، واستعدادٌ ومسابقة ومبادرة، فلقد روى الإمام أحمد في مسنده أن سلمى مولاة النبي ﷺ قالت: اشتكت فاطمة ﵂ شكواها التي قبضت فيها، تقول سلمى: فكنت أمرضها، فأصبحت يوماً كأمثل ما رأيتها في شكواها تلك، قالت: وذهب علي ﵁ لبعض حاجته، فقالت فاطمة ﵂ لـ سلمى: يا أمة اسكبي لي غسلاً، قالت سلمى: فسكبت لها غسلاً فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثم قالت فاطمة: يا أمة! أعطيني ثيابي، قالت: فأعطيتها جديد لباسها، فلبستها، ثم قالت: يا أمة! قدمي لي فراشي وسط البيت، قالت سلمى: ففعلت، فقامت فاطمة ﵂ فاضطجعت واستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها، ثم قالت: يا أمة إني مقبوضة الآن، إني مقبوضة الآن، وقد تطهرت فلا يكشفني أحد، فقبضت مكانها، قالت: فجاء علي فأخبرته بذلك، انظروا إلى هذا الاستعداد، انظروا إلى هذا الاطمئنان، انظروا إلى هذه اللذة التي يجدونها عند رحيلهم، فليت شعري على أي حال يكون رحيلنا. وأما رحيل الكافرين الفاجرين فهو رحيلٌ في أسوأ حالٍ وأخبث خاتمة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣] وما ذكرته الآية يحدث أنه إذا بشر ملائكة العذاب الكافر بالعذاب والنكال والأغلال، والسلاسل والجحيم وغضب الرحمن، من شدة الفزع والخوف والهلع تتفرق روح الفاجر في جسده وتتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، وإني لأذكر حادثةً هي مما يصنف للاستعداد للرحيل وحب الرحيل، وليست مما يذكر في الخوف، وليست مما يذكر في سوء الخاتمة. أعرف صديقاً لنا وهو أحد الدعاة في مدينة الرياض من إخواننا الصالحين، وله أبٌ صالحٌ قد جاوز ثلاثة وثمانين عاماً، وكنت أراه وإذا سألته وقلت له: كيف أنت يا أبا عبد العزيز؟ قال: والله إني لفي أسعد حال وأطيب حال، وإني أعد نفسي من الأموات ولا أعد نفسي من الأحياء، يقول: إني أعد نفسي من الأموات وأنا أمشي على وجه الأرض، ووفاته كانت قبل أقل من سنة، يقول ولده: كان ضحىً في القرية، فاشتد به المرض فأتاه أحد أبنائه وأخذه وضمه إليه، وأراد أن يسنده إلى صدره ويتهيأ لكي يذهب به إلى المستشفى، فقال أبو عبد العزيز: لا تذهب بي إلى المستشفى هذا هو الموت، هذا هو الحق، هذا هو الحق، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والله إني ما كرهت هذه الساعة، والله إني ما كرهت هذه اللحظة، والله إني فرحٌ بلقاء الله، والله إني فرحٌ بلقاء الله، قال: فأخذ يردد أيماناً بكل طمأنينة وبكل يقظة وبكل لذة، يقول: والله ما كرهت هذه الساعة وأنا مستعدٌ لها، أشهد أن لا إله إلا الله، لا تذهب بي إلى المستشفى، قال: ومن الضحى وهو يذكر الله حتى فاضت روحه حول الظهر. الله أكبر! انظروا إلى هذا الاستعداد، انظروا إلى هذه النفس التي تطمئن عند الوفاة، لو أن أحداً أصابه ما أصابه لقال: أين المستشفى؟ أين التنشيط الدماغي؟ أين وأين؟ ولا بأس بهذا وكلها من الأسباب؛ لكن من كان مستعداً للقاء الله، لا يضيقه أن تنزل به ملائكة الموت في أي لحظة، يقول هذا الرجل الذي ذكرت لكم قصة وفاته: ما تركت قيام الليل ثلاثاً وخمسين عاماً، وأما من بداية تكليفه إلى أن بلغ الثلاثين قال: كنت أوتر قبل النوم حتى رآني رجلٌ من الصالحين قال: يا أبا فلان أنت ممن يشار إليه، وتوتر قبل النوم! إذاً أنت لا تتهجد آخر الليل، قال: فكانت نصيحة قذفها الله في قلبي وأحدثت في نفسي استجابة، فما تركت قيام الليل منذ ذلك اليوم، قال ولده: وما عهدته يؤذن أو ينادي المنادي إلا وهو في المسجد، على ما يكون الناس فيه من حديثٍ أو قيلٍ أو قال أو مقال، إذا دنا وقت الصلاة يقول: اشتعل في قلبه أمرٌ يزحزحه ويطرده عن المجالس حتى لا تهدأ له نفسٌ ولا يقر له بالٌ، ولا تقر له عينٌ إلا إذا دخل المسجد، فمثل هؤلاء يلذون بالرحيل، ويستعدون للرحيل ونحن لا بد أن نوقن بهذا الرحيل، لا بد من استقرار هذه الحقيقة في نفوسنا، حقيقة أن الحياة محدودة مؤقتة بأجلٍ ثم تأتي نهايتنا، يموت الصالحون ويموت الطالحون، يموت المجاهدون، ويموت القاعدون، يموت الشجعان الذين يأبون الضيم، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بكل ثمن، الكل يموت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] لكن الفارق بين نفسٍ وأخرى في المصير ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].

стр. 379

أقوال السلف عن الرحيل وحقائقه يقول الإمام ابن القيم ﵀ في كتاب الفوائد: الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حطٌ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار، ويقول أيضاً: الناس على هذه الدار على جناح سفرٍ كلهم، وكل مسافرٍ فهو ظاعنٌ إلى مقصده، ونازلٌ على من يسر بالنزول عليه، وطالب الله والدار الآخرة، إنما هو ظاعنٌ إلى الله تعالى في حال سفره، ونازلٌ عليه عند القدوم عليه، فهذه همته في سفره وفي انقضائه ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. قال أبو بكر الصديق ﵁ في خطبة له: تفكروا يا عباد الله! فيمن قبلكم أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد نسوا ونسي ذكرهم، فهم اليوم كلا شيء، فتلك بيوتهم خاوية، وهم في ظلمات القبور، هل تحس منهم من أحدٍ أو تسمع لهم ركزاً. وأين من تعرفون من أصحابكم وإخوانكم، وقد وردوا على ما قدموا فحلوا الشقاوة والسعادة؟ إن الله ليس بينه وبين أحدٍ من خلقه نسبٌ يعطيه به خيراً، ولا يصرف عنه به سوءاً إلا بطاعته، واتباع أمره، وإنه لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة. وقال عبد الله بن المفضل التميمي: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن صعد المنبر فحمد الله فأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإنما في أيديكم أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يومٍ وليلة تشيعون غادياً أو رائحاً إلى الله تعالى، وتضعونه في صدعٍ من الأرض، ثم في بطن الصدع غير ممهدٍ ولا موسد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، وأسكن التراب، وواجه الحساب، فقيرٌ إلى ما قدم أمامه، غنيٌ عما ترك بعده، وعن مجاهد قال: مررت مع عبد الله بن عمر فقال: يا مجاهد! يا خربة أين أهلك؟ قال: فناديت يا خربة! أين أهلك؟ ما فعل أهلك؟ فلم يجبني أحد قال: ثم تكلم ابن عمر وقال: ذهبوا وبقيت أعمالهم، وعن شرحبيل بن مسلم عن أبي مسلم الخولاني أنه كان إذا وقف على خربة أي: على الأطلال، قال: يا خربة! أين أهلك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم، وانقطعت الشهوات وبقيت الخطيئة، يا بن آدم ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة. إن الرحيل أيها الأحباب! حقيقةٌ مرةٌ قاسيةٌ رهيبة، تواجه كل حيٍ فلا يملك لها رداً، ولا يستطيع لها أحدٌ دفعاً، وهي تتكرر كل لحظة، يواجهها الكبار والصغار، الأغنياء والفقراء، الأقوياء والضعفاء، الملوك والوزراء، الأمراء والفقراء، يقف الجميع منها موقفاً واحداً، لا حيلة لا وسيلة لا قوة لا شفاعة، لا دفع ولا تأجيل، الكل مرجعهم إلى الله، فما لهم مرجعٌ سوى هذا المرجع، وما لهم مصير سوى هذا المصير، والتفاوت إذاً يكون في العمل والنية، وفي الاتجاه والاهتمام، أما النهاية فواحدة، الموت في الموعد المحتوم والأجل المقسوم، قال الضحاك بن مزاحم: قال عبد الله بن مسعود: ما منكم إلا ضيف، وماله عارية، والضيف مرتحلٌ، والعارية مردودة إلى أهلها. فما أهل الحياة لنا بأهلٍ ولا دار الحياة لنا بدارِ وما أموالنا والأهل فيها ولا أولادنا إلا عواري وأنفسنا إلى أجلٍ قريبٍ سيأخذها المعير من المعار أيها المنهمك في الدنيا! أيها المكب على غرورها، المحب لشهواتها، الغافل قلبه! لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره، وإذا ذكر بالموت كرهه ونفر منه، أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. أيها الأحباب! الذي يعطى منكم أرضاً، فيسورها ويغرس فيها شجراً، ويحفر فيها بئراً، ويبني فيها داراً، ويطيبها ويزينها ويعدها تجده يشتاق إلى البقاء فيها، ويكثر الذهاب إليها، ويدعو الناس إلى ضيافته فيها، ويكثر الحديث في المجالس عنها، لا شغل له ولا هم إلا الحديث عن استراحته أو عن أرضه التي اعتنى أو تعب فيها، وأما الذي أوتي أرضاً فلم يسور فيها ولم يحفر بها بئراً ولم يغرس بها شجرة فلا يبالي أن تكون موقعاً للغربان على الجيف، ولا يبالي أن تكون مرتعاً للكلاب، ولا يبالي أن تكون موضعاً لرمي الزبالات والقمامات والأوساخ فيها، فما الذي جعل الأول يشتغل بهذه الأرض، وجعل الثاني لا يبالي بما يوضع فيها؟ الأول زينها وعمرها فأشغلته فاهتم بها، والثاني ضيعها ولم يهتم بها فلم يبال بما يوضع فيها، فكذلك هي الآخرة بالنسبة لنا، الآخرة أرضنا، من زرع في آخرته شجراً، من غرس في آخرته غرساً، من حفر في آخرته الآبار، من بنى في آخرته داراً، أشغلته وأهمته وذهب كل يومٍ إليها واستعد لها، وحدث الناس بها، واهتم بها وجعلها همه، وأما الذي لا يهتم بآخرته، فلا يتمنى أن يسمع عنها كلاماً ولا يرغب أن يسمع عنها حديثاً، ولا يدعو أحداً إليها، ولا يهتم بها، فهل أيها الأحبة! نفطن لما نحن قادمون عليه، إن الرحيل مصيبة.

стр. 380

أثر تذكر الموت في ترك الدنيا ونعيمها الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الجامع الصحيح ﵀ رحمة واسعة كان يلقي درساً في الحديث على طلابه في بخارى فبلغه نبأ وفاة الإمام الدارمي ﵀، فأجهش وأطرق بالبكاء وسمع طلابه نشيجه وبكاءه، ورأوا دموعه تنحدر على وجنتيه ولحيته، فلما رفع رأسه قالوا: ما الخطب يا أبا عبد الله، فقال بصوتٍ وهو أسيف، قال في صوتٍ فيه نشيج: إن تبق تفجع بالأحبة كلهم وفناءُ نفسك لا أبا لك أفجع إن بقينا نفجع بموت أحبابنا، وإن فجعنا بموت أنفسنا، فتلك والله فاجعة عظيمة، فالرحيل مصيبة، وسماه الله مصيبة، ولكن أعظم من مصيبة الموت والرحيل، مصيبة الغفلة عن الموت والرحيل، ومصيبة الإعراض عن ذكره، ومصيبة عدم الرغبة في سماعه، وقلة التفكير فيه، وترك العمل لما بعده. عمر بن عبد العزيز يكون في فراشه مع زوجته، ثم يتذكر الرحيل فيقوم عنها ويبكي، يتذكر رحيله في تلك اللحظات التي يغفل فيها الغافلون، وذكر الرحيل من أهم الأمور التي تلين بها القلوب القاسية، إن تذكر الرحيل يردع الإنسان عن ارتكاب المعاصي، ويجعله يترك الفرح بالدنيا ويهول المصائب فيها. قال الحسن البصري: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لبٍ فرحاً، وما ألزم عبدٌ قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا في عينه وهان عليه كل ما فيها، وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: إن هذا الموت قد أفسد على الناس نعيمهم فالتمسوا نعيماً لا موت فيه، وقد أخذ النبي ﷺ بمنكب عبد الله بن عمر فقال: (كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: [إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك] رواه الإمام البخاري.

стр. 381

زيارة القبور وفجائع الموت إن تذكر الرحيل وما بعده من سؤال القبر وظلمته، وضمته ووحشته، والبعث والحشر مما يوقظ النفس من نومها، ويوقظها من رقدتها، وينبهها من غفلتها، فتنشط وتتابع السير، وخير وسيلة لتذكر الرحيل زيارة منازل الراحلين، زيارة القبور والاعتبار بأحوالها. أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر انظر إلى قبر ملك من الملوك، وبجواره قبر فقير من الفقراء، ثم بعد ذلك قبر وزير من الوزراء، ثم قبر صعلوك من الصعاليك، ثم قبر مسكين من المساكين، ثم قبر فلان وعلان، هل ترى بينهم فرقاً؟ هل ترى لأحدهم مزية على أحد؟ قال ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقل هجراً) رواه الحاكم. يقول ابن عمر: (أتيت رسول الله ﷺ عاشر عشرة، فقال رجلٌ من الأنصار: من أكيس الناس وأكرم الناس يا رسول الله؟ فقال ﷺ : أكثرهم للموت ذكراً وأشدهم استعداداً له، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة) رواه ابن ماجة وغيره. أيها الأحبة! كان محمد بن واسع إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: ما ظنك برجل يرحل إلى الآخرة مرحلة، وعند الرحيل لأقوامٍ صياحٌ ونواح، وعند الرحيل لأقوامٍ حسرات وأنات، وعند الرحيل لأقوامٍ فضائح ومخاز، وعند الرحيل لأقوام بشائر وجوائز، فرحماك رحماك يا رب العالمين بنا عند هذا الرحيل وقبله وبعده.

стр. 382

ذكر الرحيل في القرآن والسنة حسراتٌ عند الرحيل لأقوامٍ ضيعوا وفرطوا وأسرفوا، لأقوامٍ منعوا حقوق الله قال الله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١٠ - ١١] قال ابن كثير: كل مفرطٍ يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئاً يسيراً ليستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات كان ما كان وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه. وعند رحيل الفاجر يدعو على نفسه بالويل، ويدعو على نفسه حين تحمل جنازته، ويدعو على نفسه حين يتحرك به، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق) رواه البخاري، ويؤيد ذلك أن الفاجر يندب حظه ويدعو بالويل والثبور على نفسه، فعن أبي هريرة فيما رواه النسائي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا وضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدموني قدموني، وإذا وضع الرجل السيئ على سريره، قال: يا ويلي أين يذهبون بي؟ أين يذهبون بي؟) كأن الفاجر والكافر عند رحيله يقول: لم تستعجلون بي؟ وأين تذهبون؟ وأين ستضعونني؟ كأن الفاجر يقول لمغسله: وما أعجلك في الغسل؟ وما أسرع ما انتهيت من هذا التغسيل؟ وما أسرع ما وصلتم وبلغتم المقبرة؟ وما أسرع ما دفنتموني؟ وأما المؤمن فكأنه يقول: لم تتأخرون بالصلاة علي؟ لم تتأخرون في تغسيلي؟ لم تتأخرون في تجهيزي؟ قدموني قدموني، أيها الغاسل! أسرع، أيها الدافن! أسرع، يا من يجهز هذه الجنازة! لا تتأخر؛ لأنه يرى من نعيم الله ما ينتظره المزيد بعد ذلك. ألا وإن الخوف من الرحيل المخزي، ألا وإن الخوف من سوء الرحيل قد أقض مضاجع الصالحين، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ما يشهد أن المؤمن إذا حضره الموت، بشر برضوان الله وكرامته، وأن الكافر إذا حضره الموت، بشر بعذاب الله وعقوبته، رواه البخاري ومسلم.

стр. 383

الخاتمة الحسنة والخاتمة السيئة لحظات الخاتمة هي التي أقضت مضاجع القوم، فحرمتهم نوم الليل والعيش الهادئ، فلم يغتروا بعبادتهم مع كثرتها، ولا بصلواتهم مع خشوعها، ولم يغتروا بكثرة ما أنفقوا من أموالهم في سبيل الله، ولم يغتروا بكثرة صيامهم في الهواجر، ولم يغتروا بكثرة قيامهم في الثلث الأخير من الليل، عن سالم بن بشر أن أبا هريرة ﵁ بكى في مرضه فقيل له: يا أبا هريرة! ما الذي يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي بعد سفري وقلة زادي، وإني أصبحت في صعودٍ مهبطٍ على جنة أو نار لا أدري إلى أيهما يؤخذ بي. خوف الصالحين من سوء الرحيل هو الذي أقض مضجعهم، وجعلهم يزهدون في هذه الدنيا، فالمؤمن لا بد أن يسيطر عليه هاجس الخوف ومن سوء الرحيل، وهاجس الخوف والحذر من أسباب سوء الرحيل، وهكذا كان الصالحون يخشون سوء الخاتمة، ويسألون الله أن يتوفاهم على الإسلام إذ ربما غلب على الإنسان ضربٌ من الخطيئة، وربما غلب عليك نوعٌ من المعصية، أو جانبٌ من الإعراض، أو نصيبٌ من الافتراء، فملك قلبك وسبى عقلك، وأطفأ نورك، وأرسل عليك حجباً، فلم تنتفع بتذكرة، ولم تنجع فيك موعظة، وربما جاءك الموت وأنت على ذلك، فسمعت النداء وأنت في مكانٍ بعيد ولم تتبين المراد ولم تعلم ما أراد وإن أعاد عليك وأعاد. قال ابن أبي حمزة في شأن الخاتمة: هذه التي قطعت أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حسن الحال؛ لأنهم لا يدرون بما يختم لهم، كان الصحابة يخافون من ساعة الرحيل، أفلا نخاف نحن يا معاشر المفرطين؟ كان الذين بلغوا وجاوزوا القناطر يخشون من سوء الرحيل، أفلا نخاف نحن مستودعات الخطيئة، ومخازن الغفلة واللهو عن طاعة الله وذكره؟

стр. 384

صور من رحيل الصالحين روي أن حذيفة بن اليمان ﵁ عند احتضاره قال لـ ابن مسعود ﵁: قم فانظر أي ساعة هي؟ فقام ابن مسعود، فقال: قد طلعت الحمراء- أي الشمس- فقال حذيفة: أعوذ بالله من صباح إلى النار، أعوذ بالله من صباحٍ إلى النار، وروي أن أبا هريرة ﵁ بكى عند موته، ثم قال: والله ما أبكي حزناً على الدنيا ولا جزعاً من فراقكم؛ ولكني أنتظر إحدى البشريين من ربي بجنة أم نار، ولما حضرت بلالاً ﵁ الوفاة، قالت امرأته: واحزناه! فقال: بل وا طرباه! غداً نلقى الأحبة، محمداً وحزبه، ولما توفي عبد الله بن المبارك سنة (١٨١هـ) بعد انصرافه من الجهاد وله من العمر ثلاثٌ وستون سنة، لما احتضر قال ابن المبارك لمولاه نصر: اجعل رأسي على التراب، فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت ما كنت فيه من النعيم وهأنت ذا تموت فقيراً غريباً، قال: اسكت! فإني سألت الله أن يحييني حياة الأغنياء وأن يميتني موت الفقراء، ثم قال له: لقني ولا تعد علي ما لم أتكلم بكلامٍ ثانٍ، ثم فتح ابن المبارك وضحك، وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، وتشهَّد ثم فاضت روحه، لماذا قال: لمثل هذا فليعمل العاملون؟ لقد رأى البشارة مع ملك الموت يبشره برضوانٍ وروحٍ وريحان، وربٍ راضٍ غير غضبان، يروي مطرف اللحظات الأخيرة من عمر الإمام القدوة سلمة بن دينار، يقول: دخلنا على أبي حازم سالم الأعرج -أي: سلمة بن دينار - لما حضره الموت، فقلنا: كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، راجياً لله، حسن الظن به، إنه والله ما يستوى من غدا أو راح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدمها أمامه قبل أن ينزل به الموت حتى يقدم عليها فيقوم لها وتقدم له مع من غدا أو راح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظ له فيها ولا نصيب، وأتى صفوان بن سليم إلى محمد بن المنكدر وهو في الموت، فقال: يا أبا عبد الله! كأني أراك قد شق عليك الموت، فما زال يهون عليه الأمر حتى كأن وجهه المصابيح، ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك، ثم قضى وفاضت روحه ﵀. رحيل الصالحين بشائر، رحيل الصالحين كرامات، رحيل الصالحين فوزٌ وسعادة وحبور، وهذه صورة لرحيل أحد الصالحين وهو عمر بن عبد العزيز، تقول فاطمة بنت عبد الملك: كنت أسمع عمر بن عبد العزيز ﵀ في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار، اللهم اخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار، قالت: فقلت له يوماً: يا أمير المؤمنين! ألا أخرج عنك عسى أن تغفي شيئاً فإنك لم تنم؟ قالت: فخرجت عنه إلى بيتٍ غير البيت الذي هو فيه قالت: فجعلت أسمعه يردد ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] تقول: سمعته يرددها مراراً، ثم أطرق فلبث طويلاً لا يسمع له حس، فقلت لوصيفٍ له كان يخدمه: ويحك انظر ما الذي حل بـ عمر؟ فلما دخل صاح، قالت: فدخلت عليه فوجدته ميتاً قد أقبل بوجهه على القبلة ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينيه ﵀. وأقوامٌ يتكلمون عند الرحيل من هول ما يجدون، وأقوامٌ يندمون على ما فرطوا، وأقوامٌ يقولون عبراً ومواعظ عند موتهم، فلما نزلت بـ عبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه، لما نزل به الموت، قيل له: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: أجدني كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤] وروي أن المأمون أمر برمادٍ، فجيء به إليه، فمده وافترشه لما حضرته الوفاة، واضطجع عليه وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من زال ملكه، يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.

стр. 385

صور من سوء الخاتمة نعوذ بالله -أيها الأحبة- من سوء الخاتمة، ونسأل الله حسن الرحيل وحسن الخاتمة، فإن أقواماً لا يزالون في لهواتهم وغفلاتهم سادرين حتى تأتيهم الخاتمة على أسوأ حالٍ أو تجعلهم يرددون أسوأ حالٍ كانوا يفعلونها في الدنيا، فقد أخرج البيهقي في الشعب عن الربيع بن برة وكان عابداً بـ البصرة، قال: أدركت الناس بـ الشام وقد قيل لرجلٍ لما حضرته الوفاة: قل: لا إله إلا الله، فقال: اشرب واسقني، كان شراباً للخمر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقيل لرجلٍ بـ البصرة: يا فلان، قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول ويغني: يا رب سائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجابِ وهذا القائل هو رجل طلبت منه امرأة أن يدلها على حمام منجاب، فدلها إلى منزله وذهب يأتي بشيء ونسي إغلاق بابه، فخرجت وقد تعلق بها، فجعل يدور بالأسواق يبحث عنها ويردد هذا البيت، فمات على أخذة حال فعل وهو تلك الفعلة الشنيعة مات وهو يردد هذا البيت، وهو يغني. وذكر الإمام ابن الجوزي ﵀ في كتابه الثبات عند الممات أن رجلاً احتضر، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال هو كافرٍ بلا إله إلا الله، وقيل لآخر وهو يحتضر: قل: لا إله إلا الله، فقال: حيل بيني وبينها، وصدق الله العظيم: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] ويقول ابن الجوزي أيضاً: وسمعت آخر وهو في مرض الموت يقول: ربي يظلمني ربي يظلمني، من سوء ظنه بربه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 386

الاستعداد لهذا الرحيل والسفر الطويل أحبابنا! أيها الإخوة! أيها الجمع الكريم! ألا نستعد لهذا الرحيل؟ ألم يأمرنا ربنا بأن نستعد ونعمل؟ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ألم يأمرنا نبينا بالمبادرة؟ فقال فيما رواه أبو هريرة قال ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً -أو قال: يمسي مؤمناً ويصبح كافراً- يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا) رواه مسلم. ألا نعمل قبل الرحيل؟ ألا نعمل قبل حلول الخسارة؟ ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] ويقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى:٤٥]. أيها الأحبة! من خرج في سفرٍ من أسفار الدنيا بغير زاد، ندم حيث يحتاج إلى الزاد فلا ينفعه الندم، وربما هلك، فكيف بمن رحل في سفر الآخرة مع طوله ومشقته بغير الزاد، فقد كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول وهو يتهجد الليل: آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فإذا شكا من قلة الزاد مَنْ زاده كثير، فكيف يقول من لا زاد له؟ يا جامع المال ما أعددت للحفر هل يغفل الزاد من أضحى إلى السفر فأين العمل؟ وأين التزود للرحيل؟ يروي أحد أصحاب محمد بن واسع قال: لما ثقل محمد بن واسع وحضره الموت، كثر الناس عليه في العيادة، قال: فدخلت، فإذا قومٌ قيام وقومٌ قعود، وآخرون داخلون وخارجون، فأقبل عليَّ، وقال: أخبرني ما ينفعني هؤلاء عني إذا أخذ بناصيتي وقدمي غداً وألقيت في النار؟ سبحان الله العلي العظيم! ذلك دأبهم، وذاك تهجدهم وصيامهم وإخلاصهم واقتداؤهم وجهادهم، وبذلهم وإنفاقهم ودعوتهم، ومع ذلك يقول: ما يغني عني هؤلاء إذا أخذ بناصيتي وأخذ بقدمي غداً وألقيت في النار؟ ثم تلا هذه الآية ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١]. قال ابن المنذر: سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه: ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، قال: كرر ذلك ستين مرة، وكان في خلوة أسمعه ولا يراني. فيا أيها الموقنون بالرحيل! يا أيها الذين تعلمون أنكم قادمون على الرحيل! ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠]. ويا أيها الموقنون بالرحيل! يا أيها الإخوة! ويا أيها الأخوات! ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٥ - ٥٨]. جهل أناسٌ حقيقة الدنيا وغاية وجودهم فيها، فتاهوا حيارى، وضاعوا في منحنيات الطريق، فلم يفيقوا إلا وملائكة الموت تسُل أرواحهم، عند ذلك تذكروا، والألم يعصر بالنفوس، والحسرة والندم تعصر القلوب، لقد تذكروا العمر المنقضي فيما لا يفيد ولا يجدي، فتأوهوا التأوه الذي لا يغني، وعلموا أنهم ضيعوا الحياة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].

стр. 387

كلام السلف عن زاد الآخرة قال مجاهد: خطب عثمان بن عفان، فقال: ابن آدم! اعلم أن ملك الموت الذي وكِّل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك مذ أتيت في الدنيا، وكأنه قد تخطى غيرك إليك وقصدك، فخذ حذرك واستعد له، ولا تغفل فإنه لا يُغفل عنك، واعلم يا ابن آدم أنك إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها، لن يستعد لها غيرك ولا بد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكل نفسك إلى غيرك والسلام. ويقول: أحمد بن إسحاق الحضرمي: سمعت صالحاً المري يتمثل بهذا البيت في قصصه: وغائب الموت لا ترجون رجعته إذا ذوو غيبةٍ من سفرة رجعوا قال: ثم يبكي ويقول: هو والله السفر البعيد فتزودوا لمراحله، فإن خير الزاد التقوى، واعلموا أنكم في مثل أمنيتهم، فبادروا الموت واعملوا قبل حلوله، ثم يبكي. كانوا يستعدون للرحيل؛ فعن أحمد بن عبد الله، قال: قيل لـ حاتم الأصم: علام بنيت علمك؟ قال: بنيت علمي على أربع: على فرضٍ لا يؤديه غيري فأنا به مشغول، وعلمت أن رزقي لا يجاوزني إلى غيري فقد وثقت به، وعلمت أني لا أخلو من عين الله طرفة عين، فأنا منه مستح، وعلمت أن لي أجلاً يبادرني فأبادره. كانوا يتزودون للرحيل، وكانت امرأة أبي محمد الفارس توقظه في الليل وتقول: قم يا حبيب، فإن الطريق بعيد وزادنا قليل وقوافل الصالحين سارت من بين أيدينا ونحن هنا ماكثون. تزودوا أيها الأحبة! ولنتزود أيها الأخ المحب! ويا أيتها الأخت الصالحة! أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فما أحوجنا إلى هذه التقوى التي هي نعم الزاد للراحلين! أيا أخيّ! وأيا أخيه! إن للعمر أيامه، وإن للحياة نهايتها، ولا ندري متى تنقضي أيام العمر ومتى تبلغ الحياة غايتها. إن الموت حقيقة لا يكابر فيها مكابر ولا يجادل فيها ذو العقل؛ لأن الموت مشاهدٌ مكرور، وإن كان الناس عنه غافلون أو متغافلون، ومع ذلك فكل حيٍ سبيله الموت والرحيل عن هذه الحياة. يا أخيّ! ويا أخيه! نحن قومٌ مسافرون، والطريق طويل، والعقبات كثيرة،، فلنتزود لآخرتنا من دنيانا، ولا تلهنا هذه الدنيا عن غايةٍ، فنضل عن الطريق. يا أخيّ! ويا أخيه! فلنتزود بتقوى الله، فإنه زادٌ سيصبح ثمنه غالياً، وترتفع سوقه، ويربح طالبه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. يا أخيّ! ويا أخيه! لا ألفينك أو تلفيني وقد انقضت حياتنا، وحان حيننا، وولت عنا الدنيا مدبرة، ونظرنا إلى ماضي أيامنا، فإذا بنا نشاهد ماضياً أليما، وأياماً سوداء قاتمة قضيناها في عصيان رب العالمين، وقد خدَعَنا من الحياة مظهرنا، وغرنا من الحياة زخارفها إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا المبادرة لا بد منها قبل حلول الأجل، وإننا مهما لهثنا، ومهما ركضنا، ومهما جمعنا، ومهما أسرعنا، فلن تنتهي الأشغال، ولن نبلغ الآمال، وستموت النفوس بأناتها وحسراتها، ما لم تكن مشغولة في طاعة الله، أوصى الشريف المحدث الرحال أبو محمد جعفر بن محمد العباس الذي توفي في عام (٥٩٨هـ) أوصى أن يكتب على قبره: حوائج لم تقض، وآمالٌ لم تنل، وأنفسٌ ماتت بحسراتها. إذاً فما الذي ينفعنا إلا عمل صالح ندخره للرحيل ونجعله الزاد، ونجعله سفينة النجاة في بحار الشهوات، في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟). فلا ينفعك أيها الأخ! ولا ينفعك أيتها الأخت! لا ينفع أحدٌ من المال إلا ما قدم لنفسه وأنفقه في سبيل الله ، فأما ما أكله ولبسه فإنه لا له ولا عليه؛ إلا أن يكون فيه نية صالحة، وأما ما خلفه وتركه فهو لورثته لا له، وإنما هو خازن لورثته، فأما ما أنفقه في المعاصي فهو عليه لا له، وكذلك ما أمسكه ولم يؤد حق الله فيه فهو عليه لا له.

стр. 388

ما ينفع المرء بعد موته إن الذي ينفعنا بعد موتنا أن نعمل عملاً صالحاً، فقد قال ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: (إذا مات الإنسان انقطع عمله) ستنقطع هذه الأعمال بحلول المنايا والرحيل والآجال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له) وقال الإمام النووي: قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الإنسان ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه سبباً فيه، أي: الولد والصدقة والعلم، فإن الولد من كسبه، وكذلك العمل الذي خلفه من تعليمٍ وتصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي في الوقف، وإن مما ينفعك بعد موتك وما بعد الرحيل ما بينه الرسول ﷺ في حديث قتادة: (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث ولدٌ صالح يدعو له، وصدقةٌ تجري يبلغه أجرها، وعلمٌ يعمل به من بعده) رواه ابن حبان، وقال ﷺ (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علماً علمه ونشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة. أيها الأحبة! ما دام الواحد كما أخبر ﷺ ينتقل من هذه الدنيا ويتبعه ثلاثة ماله وولده وعمله، فيرجع المال والولد، ولا يبقى إلا العمل، فعلينا أن نخلص لأنفسنا. قبل أن تكون مخلصاً لأصدقائك، وقبل أن تكوني مخلصة لصديقاتك، فلنري أنفسنا الإخلاص لأنفسنا، ولننقذ أنفسنا قبل أن ننفع غيرنا، ولنسع في فكاك رقابنا من النار قبل أن نفزع لغيرنا من الخلق، ألا وإن كل واحدٍ منا على خطر، فلنبادر بأن نقدم لهذه الأنفس عملاً صالحا قبل أن يأتي يومٌ لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً. مضى ما مضى، وانقضى ما انقضى، وبقينا فيما نستقبل فات ما فات والمؤمل غيبٌ ولك الساعة التي أنت فيها إذا كنا أمضينا بالأمس في إساءة ومعصية. فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنِّ بإحسانٍ وأنت حميد

стр. 389

قصيدة مؤثرة ويا أيها المسلم! أعيد عليك قصيدة قد قلتها من قبل، وليست لي، وإنما نقلتها لأحد السالفين، وهي مؤثرة وأي مؤثرة. خل ادكار الأربع والمعهد المرتبع والضاعن المودعِ وأدِ عنه ودعِ واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا ولم تزل معتكفا على القبيح الشنعِ كم ليلةٍ أودعتها مآثماً أبدعتها لشهوةٍ أطعتها في مرقدٍ ومضجعِ وكم خطىً خطفتها في خزيةٍ أحدثتها وتوبة نكثتها لملعبٍ ومرتعِ وكم تجرأت على رب السماوات العلا ولم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي وكم غمطت بره وكم أمنت مكره وكم نبذت أمره نبذ الحذا المرقَّعِ وكم ركضت في اللعب وفهت عمداً بالكذب ولم تراعِ ما يجب من عهده المتبعِ فالبس شعار الندمِ واسكب شآبيب الدمِ قبل زوال القدم وقبل سوء المصرعِ واخضع خضوع المعترف ولذ ملاذ المقترف واعصِ هواك وانحرف عنه انحراف المقنعِ إلام تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدعِ أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلصِ وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجاة القضا وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى وادكري وشك الردى وأن مثواك غدا في قعر لحدٍ بلقعِ آه له بيت البلا المنزل القفر الخلا ومورد السفر الألى اللاحق المتبع بيتٌ يرى من أودعه قد ضمه واستودعه بعد الفضاء وسعه قيد ثلاث أذرعِ لا فرق أن يحله داهيةٌ أو أبله أو معسرٌ أو من له ملكٌ كملك تبعِ وبعده العرض الذي يحوي الحيي والبذي والمبتدي والمحتذي ومن رعى ومن رعي فيا مفاز المتقي وربح عبدٍ قد وقي سوء الحساب الموبقِ وهول يوم الفزعِ ويا خسار من بغى ومن تعدى وطغى وشبّ نيران الوغى بمطلع أو مطمع يا من عليه المتكل قد زاد ما بي من وجل لما اجترحت من زلل في عمري المضيعِ فاغفر لعبدٍ مجترم وارحم بكاه المنسجم فأنت أولى من رحم وخير مدعوٍ دعي فأسأل الله أيها الأحبة! أن يمن علينا بالرحمة، أسأل الله أن يوقظنا من الغفلات، أسأل الله أن يوقظنا من القيل والقال، والكلام في الغادين والرائحين، لقد شغلنا بالبشر عن أنفسنا، وشغلنا بعيوب الناس عن عيوبنا، وشغلنا بأحداثٍ حولنا عن حدثٍ خطيرٍ يهمنا وهو رحيلنا، نسأل الله أن يستعملنا في طاعته، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله، قيل: وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه إلى عملٍ صالح، ثم يتوفاه عليه) نسأل الله أن يوفقنا إلى عملٍ صالح، وأن يتوفانا على عملٍ صالح على أحسن حالٍ ترضيه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأحبة! يقول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] ونحن في هذا المقام المبارك الطاهر نجمع بمنٍ من الله وكرم، بين حلقة أو روضة من رياض الجنة وهي ذكر وصلاة فريضة، وانتظار صلاة بعد صلاة، فإذا أتتمناها ببذل في سبيل الله، فلعل ذلك مما نعده للرحيل، وإني أدعوكم بما أوجب الله علينا من الحقوق لإخواننا في أموالنا أن نبذل لهم ما يسر الله من الصدقات والزكاة وأحبابنا أعضاء الهيئة العليا لمسلمي البوسنة والهرسك على الأبواب سيجمعون تبرعاتكم لإخوانكم المسلمين، فلا تظنوا أن القضية انتهت، وإن كان القتال وما أصاب القوم من الجراح والآلام والقروح من أجل المحافظة على الدين والمساجد والمعتقد، فإنهم بحاجة الآن إلى من يعلمهم العقيدة الحقة، وإلى من يبني مساجدهم، وإلى من يداوي مرضاهم ويعالج جرحاهم، فهم أيضاً في حاجة لا تقل عن حاجتهم الأولى إبان المعارك الطاحنة، لذا أيها الأحبة! أدعوكم ونفسي إلى البر والصدقة، وأظن أن الإخوة منسوبي الهيئة العليا لمسلمي البوسنة والهرسك على الأبواب، فجودوا وابذلوا لإخوانكم، أسأل الله أن يجعل ذلك ستراً لنا ولكم عن النار يوم القيامة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 390

الأسئلة
следующие страницы →