← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الاستعداد لهذا الرحيل والسفر الطويل أحبابنا! أيها الإخوة! أيها الجمع الكريم! ألا نستعد لهذا الرحيل؟ ألم يأمرنا ربنا بأن نستعد ونعمل؟ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ألم يأمرنا نبينا بالمبادرة؟ فقال فيما رواه أبو هريرة قال ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً -أو قال: يمسي مؤمناً ويصبح كافراً- يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا) رواه مسلم. ألا نعمل قبل الرحيل؟ ألا نعمل قبل حلول الخسارة؟ ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] ويقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى:٤٥]. أيها الأحبة! من خرج في سفرٍ من أسفار الدنيا بغير زاد، ندم حيث يحتاج إلى الزاد فلا ينفعه الندم، وربما هلك، فكيف بمن رحل في سفر الآخرة مع طوله ومشقته بغير الزاد، فقد كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول وهو يتهجد الليل: آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فإذا شكا من قلة الزاد مَنْ زاده كثير، فكيف يقول من لا زاد له؟ يا جامع المال ما أعددت للحفر هل يغفل الزاد من أضحى إلى السفر فأين العمل؟ وأين التزود للرحيل؟ يروي أحد أصحاب محمد بن واسع قال: لما ثقل محمد بن واسع وحضره الموت، كثر الناس عليه في العيادة، قال: فدخلت، فإذا قومٌ قيام وقومٌ قعود، وآخرون داخلون وخارجون، فأقبل عليَّ، وقال: أخبرني ما ينفعني هؤلاء عني إذا أخذ بناصيتي وقدمي غداً وألقيت في النار؟ سبحان الله العلي العظيم! ذلك دأبهم، وذاك تهجدهم وصيامهم وإخلاصهم واقتداؤهم وجهادهم، وبذلهم وإنفاقهم ودعوتهم، ومع ذلك يقول: ما يغني عني هؤلاء إذا أخذ بناصيتي وأخذ بقدمي غداً وألقيت في النار؟ ثم تلا هذه الآية ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١]. قال ابن المنذر: سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه: ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، قال: كرر ذلك ستين مرة، وكان في خلوة أسمعه ولا يراني. فيا أيها الموقنون بالرحيل! يا أيها الذين تعلمون أنكم قادمون على الرحيل! ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠]. ويا أيها الموقنون بالرحيل! يا أيها الإخوة! ويا أيها الأخوات! ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٥ - ٥٨]. جهل أناسٌ حقيقة الدنيا وغاية وجودهم فيها، فتاهوا حيارى، وضاعوا في منحنيات الطريق، فلم يفيقوا إلا وملائكة الموت تسُل أرواحهم، عند ذلك تذكروا، والألم يعصر بالنفوس، والحسرة والندم تعصر القلوب، لقد تذكروا العمر المنقضي فيما لا يفيد ولا يجدي، فتأوهوا التأوه الذي لا يغني، وعلموا أنهم ضيعوا الحياة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].

стр. 387

كلام السلف عن زاد الآخرة قال مجاهد: خطب عثمان بن عفان، فقال: ابن آدم! اعلم أن ملك الموت الذي وكِّل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك مذ أتيت في الدنيا، وكأنه قد تخطى غيرك إليك وقصدك، فخذ حذرك واستعد له، ولا تغفل فإنه لا يُغفل عنك، واعلم يا ابن آدم أنك إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها، لن يستعد لها غيرك ولا بد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكل نفسك إلى غيرك والسلام. ويقول: أحمد بن إسحاق الحضرمي: سمعت صالحاً المري يتمثل بهذا البيت في قصصه: وغائب الموت لا ترجون رجعته إذا ذوو غيبةٍ من سفرة رجعوا قال: ثم يبكي ويقول: هو والله السفر البعيد فتزودوا لمراحله، فإن خير الزاد التقوى، واعلموا أنكم في مثل أمنيتهم، فبادروا الموت واعملوا قبل حلوله، ثم يبكي. كانوا يستعدون للرحيل؛ فعن أحمد بن عبد الله، قال: قيل لـ حاتم الأصم: علام بنيت علمك؟ قال: بنيت علمي على أربع: على فرضٍ لا يؤديه غيري فأنا به مشغول، وعلمت أن رزقي لا يجاوزني إلى غيري فقد وثقت به، وعلمت أني لا أخلو من عين الله طرفة عين، فأنا منه مستح، وعلمت أن لي أجلاً يبادرني فأبادره. كانوا يتزودون للرحيل، وكانت امرأة أبي محمد الفارس توقظه في الليل وتقول: قم يا حبيب، فإن الطريق بعيد وزادنا قليل وقوافل الصالحين سارت من بين أيدينا ونحن هنا ماكثون. تزودوا أيها الأحبة! ولنتزود أيها الأخ المحب! ويا أيتها الأخت الصالحة! أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فما أحوجنا إلى هذه التقوى التي هي نعم الزاد للراحلين! أيا أخيّ! وأيا أخيه! إن للعمر أيامه، وإن للحياة نهايتها، ولا ندري متى تنقضي أيام العمر ومتى تبلغ الحياة غايتها. إن الموت حقيقة لا يكابر فيها مكابر ولا يجادل فيها ذو العقل؛ لأن الموت مشاهدٌ مكرور، وإن كان الناس عنه غافلون أو متغافلون، ومع ذلك فكل حيٍ سبيله الموت والرحيل عن هذه الحياة. يا أخيّ! ويا أخيه! نحن قومٌ مسافرون، والطريق طويل، والعقبات كثيرة،، فلنتزود لآخرتنا من دنيانا، ولا تلهنا هذه الدنيا عن غايةٍ، فنضل عن الطريق. يا أخيّ! ويا أخيه! فلنتزود بتقوى الله، فإنه زادٌ سيصبح ثمنه غالياً، وترتفع سوقه، ويربح طالبه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. يا أخيّ! ويا أخيه! لا ألفينك أو تلفيني وقد انقضت حياتنا، وحان حيننا، وولت عنا الدنيا مدبرة، ونظرنا إلى ماضي أيامنا، فإذا بنا نشاهد ماضياً أليما، وأياماً سوداء قاتمة قضيناها في عصيان رب العالمين، وقد خدَعَنا من الحياة مظهرنا، وغرنا من الحياة زخارفها إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا المبادرة لا بد منها قبل حلول الأجل، وإننا مهما لهثنا، ومهما ركضنا، ومهما جمعنا، ومهما أسرعنا، فلن تنتهي الأشغال، ولن نبلغ الآمال، وستموت النفوس بأناتها وحسراتها، ما لم تكن مشغولة في طاعة الله، أوصى الشريف المحدث الرحال أبو محمد جعفر بن محمد العباس الذي توفي في عام (٥٩٨هـ) أوصى أن يكتب على قبره: حوائج لم تقض، وآمالٌ لم تنل، وأنفسٌ ماتت بحسراتها. إذاً فما الذي ينفعنا إلا عمل صالح ندخره للرحيل ونجعله الزاد، ونجعله سفينة النجاة في بحار الشهوات، في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟). فلا ينفعك أيها الأخ! ولا ينفعك أيتها الأخت! لا ينفع أحدٌ من المال إلا ما قدم لنفسه وأنفقه في سبيل الله ، فأما ما أكله ولبسه فإنه لا له ولا عليه؛ إلا أن يكون فيه نية صالحة، وأما ما خلفه وتركه فهو لورثته لا له، وإنما هو خازن لورثته، فأما ما أنفقه في المعاصي فهو عليه لا له، وكذلك ما أمسكه ولم يؤد حق الله فيه فهو عليه لا له.

стр. 388

ما ينفع المرء بعد موته إن الذي ينفعنا بعد موتنا أن نعمل عملاً صالحاً، فقد قال ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: (إذا مات الإنسان انقطع عمله) ستنقطع هذه الأعمال بحلول المنايا والرحيل والآجال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له) وقال الإمام النووي: قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الإنسان ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه سبباً فيه، أي: الولد والصدقة والعلم، فإن الولد من كسبه، وكذلك العمل الذي خلفه من تعليمٍ وتصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي في الوقف، وإن مما ينفعك بعد موتك وما بعد الرحيل ما بينه الرسول ﷺ في حديث قتادة: (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث ولدٌ صالح يدعو له، وصدقةٌ تجري يبلغه أجرها، وعلمٌ يعمل به من بعده) رواه ابن حبان، وقال ﷺ (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علماً علمه ونشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة. أيها الأحبة! ما دام الواحد كما أخبر ﷺ ينتقل من هذه الدنيا ويتبعه ثلاثة ماله وولده وعمله، فيرجع المال والولد، ولا يبقى إلا العمل، فعلينا أن نخلص لأنفسنا. قبل أن تكون مخلصاً لأصدقائك، وقبل أن تكوني مخلصة لصديقاتك، فلنري أنفسنا الإخلاص لأنفسنا، ولننقذ أنفسنا قبل أن ننفع غيرنا، ولنسع في فكاك رقابنا من النار قبل أن نفزع لغيرنا من الخلق، ألا وإن كل واحدٍ منا على خطر، فلنبادر بأن نقدم لهذه الأنفس عملاً صالحا قبل أن يأتي يومٌ لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً. مضى ما مضى، وانقضى ما انقضى، وبقينا فيما نستقبل فات ما فات والمؤمل غيبٌ ولك الساعة التي أنت فيها إذا كنا أمضينا بالأمس في إساءة ومعصية. فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنِّ بإحسانٍ وأنت حميد

стр. 389

قصيدة مؤثرة ويا أيها المسلم! أعيد عليك قصيدة قد قلتها من قبل، وليست لي، وإنما نقلتها لأحد السالفين، وهي مؤثرة وأي مؤثرة. خل ادكار الأربع والمعهد المرتبع والضاعن المودعِ وأدِ عنه ودعِ واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا ولم تزل معتكفا على القبيح الشنعِ كم ليلةٍ أودعتها مآثماً أبدعتها لشهوةٍ أطعتها في مرقدٍ ومضجعِ وكم خطىً خطفتها في خزيةٍ أحدثتها وتوبة نكثتها لملعبٍ ومرتعِ وكم تجرأت على رب السماوات العلا ولم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي وكم غمطت بره وكم أمنت مكره وكم نبذت أمره نبذ الحذا المرقَّعِ وكم ركضت في اللعب وفهت عمداً بالكذب ولم تراعِ ما يجب من عهده المتبعِ فالبس شعار الندمِ واسكب شآبيب الدمِ قبل زوال القدم وقبل سوء المصرعِ واخضع خضوع المعترف ولذ ملاذ المقترف واعصِ هواك وانحرف عنه انحراف المقنعِ إلام تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدعِ أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلصِ وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجاة القضا وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى وادكري وشك الردى وأن مثواك غدا في قعر لحدٍ بلقعِ آه له بيت البلا المنزل القفر الخلا ومورد السفر الألى اللاحق المتبع بيتٌ يرى من أودعه قد ضمه واستودعه بعد الفضاء وسعه قيد ثلاث أذرعِ لا فرق أن يحله داهيةٌ أو أبله أو معسرٌ أو من له ملكٌ كملك تبعِ وبعده العرض الذي يحوي الحيي والبذي والمبتدي والمحتذي ومن رعى ومن رعي فيا مفاز المتقي وربح عبدٍ قد وقي سوء الحساب الموبقِ وهول يوم الفزعِ ويا خسار من بغى ومن تعدى وطغى وشبّ نيران الوغى بمطلع أو مطمع يا من عليه المتكل قد زاد ما بي من وجل لما اجترحت من زلل في عمري المضيعِ فاغفر لعبدٍ مجترم وارحم بكاه المنسجم فأنت أولى من رحم وخير مدعوٍ دعي فأسأل الله أيها الأحبة! أن يمن علينا بالرحمة، أسأل الله أن يوقظنا من الغفلات، أسأل الله أن يوقظنا من القيل والقال، والكلام في الغادين والرائحين، لقد شغلنا بالبشر عن أنفسنا، وشغلنا بعيوب الناس عن عيوبنا، وشغلنا بأحداثٍ حولنا عن حدثٍ خطيرٍ يهمنا وهو رحيلنا، نسأل الله أن يستعملنا في طاعته، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله، قيل: وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه إلى عملٍ صالح، ثم يتوفاه عليه) نسأل الله أن يوفقنا إلى عملٍ صالح، وأن يتوفانا على عملٍ صالح على أحسن حالٍ ترضيه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأحبة! يقول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] ونحن في هذا المقام المبارك الطاهر نجمع بمنٍ من الله وكرم، بين حلقة أو روضة من رياض الجنة وهي ذكر وصلاة فريضة، وانتظار صلاة بعد صلاة، فإذا أتتمناها ببذل في سبيل الله، فلعل ذلك مما نعده للرحيل، وإني أدعوكم بما أوجب الله علينا من الحقوق لإخواننا في أموالنا أن نبذل لهم ما يسر الله من الصدقات والزكاة وأحبابنا أعضاء الهيئة العليا لمسلمي البوسنة والهرسك على الأبواب سيجمعون تبرعاتكم لإخوانكم المسلمين، فلا تظنوا أن القضية انتهت، وإن كان القتال وما أصاب القوم من الجراح والآلام والقروح من أجل المحافظة على الدين والمساجد والمعتقد، فإنهم بحاجة الآن إلى من يعلمهم العقيدة الحقة، وإلى من يبني مساجدهم، وإلى من يداوي مرضاهم ويعالج جرحاهم، فهم أيضاً في حاجة لا تقل عن حاجتهم الأولى إبان المعارك الطاحنة، لذا أيها الأحبة! أدعوكم ونفسي إلى البر والصدقة، وأظن أن الإخوة منسوبي الهيئة العليا لمسلمي البوسنة والهرسك على الأبواب، فجودوا وابذلوا لإخوانكم، أسأل الله أن يجعل ذلك ستراً لنا ولكم عن النار يوم القيامة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 390

الأسئلة

стр. 391

طرق الاستعداد لوقت الرحيل السؤال ما هي الطرق السليمة للاستعداد لوقت الرحيل إلى الله ؟ الجواب معلومٌ أيها الأحبة! أن المسلم لا يدري متى أجله، ولكن إذا دنا الأجل دنواً بيناً، فله علامات، ولكن لنعلم أن هناك علامات جلية وواضحة وهناك أمارات، فمن ذلك بلوغ الستين (قد أعذر الله إلى امرئٍ بلغه الستين من عمره) كما في صحيح البخاري، وكما قال ﷺ : (أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك) فالذي بلغ الستين أو السبعين هو يمشي حقيقة في الفائدة، أما رأس المال فقد استوفاه، هو ميتٌ يمشي على وجه الأرض، وخيركم من طال عمره وحسن عمله، وكما يقول القائل: إذا الرجال ولدت أولادها وأصبحت أسقامها تعتادها وأنهكت من مرضٍ أجسادها تلك زروعٌ قد دنا حصادها فإذا رأى الإنسان مثل هذه العلامات الطبيعية، فلاشك أنه يعد نفسه في عداد المقبلين على الآخرة، ومن المؤسف أنك ترى أقواماً كباراً في السن كما يحدثنا الإخوة وخاصة الذين يعملون في الخطوط الجوية، يقولون: كم رأينا أناساً قد جاوزوا الستين وجاوزوا السبعين، والواحد منهم بعد أن بلغ ما بلغ من العمر، والمفترض منه أن يقبل على المسجد وعلى الركوع والسجود وتلاوة كتاب الله وانتظار الصلاة بعد الصلاة، تجده يعود في مراهقة مزعجة في آخر حياته، فيقضي حياته بين بومباي ومانيلا ودول أخرى يقضي عهراً وفساداً ومصائب، وكثيراً منهم من يعود محمولاً في تابوتٍ ليحدث أو يحكي قصة رحيلٍ سيئة مخزية ولا حول ولا قوة إلا بالله. كذلك يعلم الإنسان إذا حل به مرضٌ في الغالب أن صاحبه لا يشفى منه، هذه من دلائل أن الإنسان سوف ينتهي به الأمر إلى الموت، فلا بد أن يستعد ولا ينزعج للقاء الله ، بل ربما بعض الذي يصابون بمرضٍ في الغالب ينتهي بأحدهم إلى الموت، إذا علم بذلك أن تلك فرصة أن يعلم، أي الخير هو أم هذا الذي هو سادر في شهواته وغفلاته وملذاته ومعاصيه، ثم يأتيه الموت على أخبث حالٍ تخزيه عند الله يوم القيامة؟ والناس يبعثون على ما ماتوا عليه، فربما كتب الله لبعض الناس مرضاً قبل موتهم بأيامٍ أو أشهر ليكون لهم عبرةً وعظةً واستعداداً، يوصون فيه ويردون المظالم ويتوبون إلى الله، ويجتهدون في الطاعات، فتكون نهاية حسنة مع أن هذا المرض لا يزال بأحدهم حتى يخرج من الدنيا وما عليه خطيئة، وربما كانت له المنزلة من الجنة لا يبلغها بعمله، فيشدد عليه البلاء حتى يبلغها بما ابتلاه الله به. أيها الأحبة! فلنحرص دائماً على الاستعداد لهذا الموت، لأننا نموت في كل ليلة ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] فأنتم هذه الليلة سوف تموتون، وكلنا سنموت، ولكن أرواحاً تسرح، وأرواحاً تعود من جديد إلى أجسادها، فعلينا أن نستعد لذلك، وخير استعداد للموت هو البراءة والتوبة من السيئات والمنكرات، والاجتهاد في فعل الواجبات، وكما قال الله في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) لا نريد من كثير عمل، أولاً ترك المحرمات وفعل الواجبات، ثم إذا أردت أن تنال مزيداً من القربى عند الله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به الخ) فأول قربة البراءة من المحرمات والاجتهاد في الواجبات والطاعات يا أخي المسلم! وحينما نتكلم عن الاستعداد للرحيل، فليس ذلك بدعوة إلى أن يترك الإنسان مكسبه ومعيشته وعمله الذي يؤجر فيه، لأن الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، والذي يسعى على أولاده يطعمهم من الحلال، له بكل ما يطعمهم من ريالٍ أو درهمٍ حسنات، كما جاء في الحديث: (إنك ما أنفقت نفقة تبتغي بها وجه الله، حتى ما تضعه في فيّ امرأتك إلا كتب لك به الأجر) فذلك من الاستعداد للرحيل، لا نظن أن الاستعداد للرحيل الاعتكاف في الزوايا والصوامع والتكايا والأربطة، لا نظن أن الاستعداد للرحيل هو أن يبقى الإنسان متسولاً من الشحاذين، ويقول: أنا مستعد، لا، الاستعداد للرحيل أن تكون قوياً في دينك، قوياً في دعوتك، قوياً في طاعتك، قوياً في دنياك أيضاً: (والمؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).

стр. 392

علامات الموت السؤال هل للموت علامات؟ الجواب نعم، إذا نزل بأحدٍ الموت، فمن علاماته أن يشخص بصره، وربما فغر فاه، ومالت أرنبته -أرنبة الأنف- وبردت قدماه، وربما بعضهم يسمع لصدره شيء من الحشرجة أو الشهيق وغير ذلك، فكلها من العلامات الجلية، إذا نزل الموت يعرف بعلاماته، برود القدم؛ لأن الروح تنزع من القدم، ثم من الساق، ثم من الفخذ، ثم من الجوف، ثم يكون في الذروة يكثر الشهيق والزفير والحشرجة في الصدر، لأنها مرحلة النزع الأخيرة، ثم يشخص البصر لأن الروح تخرج مع الأنف، يقال: مات حتف أنفه، لأن الروح تخرج مع الأنف ثم يتبعها البصر، فنسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.

стр. 393

إمكانية ترك المعاصي وطريق ذلك السؤال سائل يقول: أنا شابٌ أحب الصلاح والالتزام، ولكني لا أستطيع ترك المعاصي ولا أقدر على الالتزام بالطاعات كلها، فما الطريق لذلك؟ الجواب أما دعوى عدم الاستطاعة على ترك المعاصي، فلا أظنها دعوى صادقة، ولو قال السائل مع حبه للالتزام: أنه يستسلم للمعاصي، لكان صادقاً، أما قضية أن الإنسان لا يستطيع، والله لو أن أحداً أتاك ليأخذ من جيبك ريالاً لدافعته مدافعة الأبطال الأشاوس، فلن تكون عاجزاً عن مدافعة شيطانك وهواك كما تقدر على دفع عدوٍ حسيٍ ولو كان قوياً جداً، فقضية عدم الاستطاعة في ترك المعاصي ليست بصحيحه، ولكن أنا أقول لك: كيف تستطيع أن تترك هذا؟ اترك الأسباب التي توصلك أو تذكرك أو تشغلك بذلك، فمثلاً: بعض الناس تجده يسافر مع رفقاء السوء، ثم يذهبون إلى مكان دعارة أو فساد، ثم يقول: أنا ما استطعت أن أمسك نفسي عن الزنا، لو أردت أن تمسك نفسك عن الزنا ما صاحبت جلساء السوء، ولو أردت أن تمسك نفسك عن الزنا ما ذهبت معهم إلى هذا المكان، تجد رجلاً يسبح في البنزين، ثم يقول: عجباً كيف أكون قابل للاشتعال، أنت تجمع على نفسك كل العناصر التي تنتهي إلى المعصية، ثم تقول: لا أستطيع أن أمسك نفسي عن المعاصي! لا. أنت تستطيع أن تصبر نفسك عن المعصية بمجاهدة النفس وإبعادها عن مكان المعصية، وجليس المعصية، وزمان المعصية، وظرف المعصية، وكل ما يتعلق بالمعصية، وحينئذٍ تكون قادراً بإذن الله ، نعم يجتمع في العبد أن يكون عاصياً وفي نفس الوقت أن يكون محباً للأخيار، قد يقول قائل: كيف هذا يحب الصالحين ولا يمسك نفسه عن المعاصي؟! بل يجتمع في الإنسان خيرٌ وشر، ويجتمع فيه إخلاصٌ ونفاق، ويجتمع فيه حقٌ وباطل، ويجتمع فيه خطأ وصواب، والذين ينظرون إلى الناس أو الدول أو المجتمعات أو الأفراد إما خير لا شر فيه، وإما شر لا خير فيه، فهم يجحفون أو ينافقون، ولكن العدل أن ترى في كل نفسٍ، وفي كل مجتمع، وفي كل دولة، وفي كل كبيرٍ وصغير، فيهم خير وفيهم شر ويتفاوتون بين القلة والكثرة في الخير والشر. فهذا الأخ الحبيب نقول له: جزاك الله خيراً، ونسأل الله أن يجعلك مع الصالحين بما أحببتهم، والمرء مع من أحب، كما جاء الرجل وسأل النبي، وقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال ﷺ : (المرء مع من أحب يوم القيامة) والآخر الذي جاء وسأل النبي ﷺ ، قال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت كثير عملٍ، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت يوم القيامة) ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٢٢] المرء مع من أحب يوم القيامة، فمن أحب الصالحين يكون معهم بإذن الله، ولكن لا ينال درجاتهم، وربما يحال بينه وبينهم إذا هو اقترف من الفواحش والآثام والكبائر والمنكرات ما يمنعه من البلوغ واللحاق بهم أو بمنازلهم ودرجاتهم. فيا أخي الحبيب! ما دمت محباً للخير وأهله، فجاهد نفسك، واعلم أنها لذة منقضية ويبقى إثمها، ولو صابرت النفس على الطاعة، لوجدت أنه تعبٌ قليل ويبقى أجره وثوابه بإذن الله . ثم اعلموا أيها الأحباب! أن كثيرً من الشهوات الموجودة يستطيع الإنسان أن يدفعها بالحلال، وأغلب شهوات الشباب اليوم هي شهوات في الغرائز والجنس، وتلك لا أسهل من دفعها بالزواج، ولكن الشباب، أو بعض الشباب أو بعض الناس هم الذين يصنعون القيود والأغلال والسلاسل على أنفسهم، فيشترط الواحد مئات الشروط في الزوجة التي يريد أن يتزوجها، وربما الفتاة تشترط مئات الشروط في الشاب التي تريد أن تتزوجه، وحتى يجد الفتى فتاته، وحتى تجد الفتاة فتاها، بين تلك الفترة إلى الزواج ربما البعض قد أشغل نفسه بمعصية أو زل زلة في معصية ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولو أنه بادر بسد النفس وحاجتها بالحلال، حتى وإن كان ما سد به النفس أقل مما كان يرجوه ويتمناه من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، لكان معاناً من الله، وكما في الحديث: (وثلاثة حقٌ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء) فالناكح الذي يريد العفاف أظنه لا يتردد أن يتزوج فتاةً ولو مطلقة أو كبيرة في السن، ولو فتاة عندها مشكلة من المشكلات، المهم أن يحصن نفسه، وسيجعل الله له بها قبولاً وعفة وإحصاناً، وإذا منَّ الله عليه بغنىً وسعة ثم رغب في أن يستزيد، فله أن يستزيد إذا كان قادراً على الباءة بشروطها، والعدل بحقوقه وواجباته، أما أن الإنسان يقول: لا أريد إلا كذا من الأوصاف، وحتى الآن لم أجد هذه الأوصاف إذاً لا بد أن أتمتع بالسفر والعبث والزنا والصور والأفلام وغير ذلك، نقول: لا يا أخي الحبيب! املأ نفسك بالحلال الذي شرعه الله وستجد ما يغنيك به الله عن الحرام.

стр. 394

ضوابط مجالسة الصالحين السؤال إنسانٌ يمنع أخاه من مجالسة الصالحين وحضور المحاضرات والدروس مع أنه على خيرٍ وعلى دين، فما العمل في ذلك؟ الجواب على أية حال يا أحبابنا! ونقولها بصراحة: لعل حادث تفجير العليا في مدينة الرياض كما علمت ونقل إلي أن أناساً اضطربوا، ومنهم من نكص على عقبيه، ومنهم من حلق لحيته، ومنهم من تراجع عن مجالس الصالحين، وآباء حذروا أبناءهم، فنقول لهؤلاء: لا، لا، لا، ليس هذا هو الحل، نعم، نحن نبرأ إلى الله من منهج التكفير، ونبرأ إلى الله من هذه الفعلات القبيحة الشنيعة، ونبرأ إلى الله من هذا الأسلوب، ونبرأ إلى الله من كل ما يخالف الشرع والحق والهدى الذي عليه كبار علمائنا الأجلاء، ندين ديانة لله بحبهم والثقة بمنهجهم ولا نتزحزح عن ذلك أنملة، لكن في المقابل يأتي أقوام يقول لك: إذاً الحل أن نحذر من التجمعات، نحذر من جلوس الشباب مع بعض، نحذر من رحلات الشباب إلى العمرة مع بعض، نحذر من رحلات الشباب إلى الحج مع بعضهم، نحذر من اجتماع الشباب في المساجد لقراءة كتاب الله أو الذكر أو الحلقات. لا، لا، لا، إذا أخطأ طبيبٌ فلا يمنع الطب كله، وإذا أخطأ رجل أمنٍ فلا يلغى الأمن كله، وإذا أخطأ رجل حسبة فلا تلغى الحسبة كلها، وإذا تصرف شابٌ وإن كان مظهره مظهر التزامٍ بالسنة، ومنهجه منهجٌ منحرف، فإن ذلك لا يعطل أو يعرقل في مسيرة الدعوة شيئاً، الدعوة إلى الله بأساليبها الشرعية، وضوابطها المرعية، وآدابها، علينا أن نستمر فيها، الكتاب النافع قراءة وتوزيعاً، الشريط النافع تسجيلاً وتوزيعاً، الموعظة، الرسالة. كل أساليب الدعوة لا بد أن تستمر كما هي، وألا تكون سبباً في النكوص والتراجع، فلنحذر من أن تكون سبباً في المشكلات أو المفاجئات، أو الأفكار المنحرفة، أو المناهج المستوردة، علينا أن نحذر منها، لكن ليس الحل أن نغلق كل خير بنيناه ونقول لا فائدة، لا، يا أحبابنا! ماذا نعمل في مواجهة الغزو الفضائي؟ الآن الهواء الذي نتنفسه ونتنقل فيه مملوء بالصور والكلمات والأصوات، سبعة وأربعين قناة فضائية باللغة العربية تبث مع مئات القنوات التي تبث باللغات الأخرى الأجنبية، نحن مستهدفون، وهي موجهة إلينا في ظل هذا الزخم الهائل من الحرب الإعلامية عبر المجلات والدشوش والأطباق والمستقبلات الفضائية، نأتي مع هذا ونقول: الحل أن نغلق مجالسنا، ومكاتبنا، وحلقات القرآن، واجتماعات الشباب ولقاءاتهم، لا، فالحل هو أن نحذر من المسالك الجائرة والمناهج المستوردة والأفكار المشبوهة، وأن تستمر الدعوة أصلب عوداً وأقوى مكانة وقدماً راسخةً بإذن الله ، وأما هذا الأخ الصالح الذي يحذر أخاه من مجالسة الصالحين، فنقول: يا أخي الحبيب! والله لئن جالسهم فهو في خير، ولو جالس الأشرار، لربما تمنيت أن يموت ولا رأيته على بعض الأحوال. أب كنت أعرفه وكان له ولد، يقول: كنت لا ألتفت لتربيته والعناية به، قال: فما كان من فترة إلا وتأتيني الأخبار عن فساده، ولواطه، وانحرافه، ومخدراته، قال فسألت الله إن كان في سابق علمه أن ليس له هداية أن يأخذ روحه، قال فما جاوز أسبوعاً إلا ضربته سيارة وتوفي. والله إني كنت معه في المقبرة وهو يقول: الحمد لله الذي أخذه، فيا أخي الحبيب! هل أنت تندم يوم أن يصحب أخوك جلساء صالحين يدلونه إلى الهدى؟ نعم أنا مع الذين إذا كان لأحدهم ولد أو أخ لا تسلم ولدك أو أخاك لأي جليس، إذا جاءت مجموعة شباب يزورون ولدك، فتقول لهم: أهلاً وسهلاً بالشباب، اجلسوا، ماذا عندكم يا إخواني؟ أين الكتب التي تقرءونها؟ ماذا تسمعون من الأشرطة؟ اخرج معهم في رحلة، إذا وجدت القوم عندهم أسرار ولف ودوران وأشياء مخبئة، فاعلم أنهم كما قال ابن مسعود: إذا رأيت القوم يتسارون في أمر دينهم، فاعلم أنما يؤسسون بدعة، حينئذٍ اسحب أخاك وابحث له عن جلساء طيبين غير هؤلاء، لأن دين الحق واضحٌ كالشمس، لا يحتاج إلى وزوزة أو سرية أو كواليس أو خنادق أو أماكن خفية، أما الذي عنده بدعة أو الذي عنده طريقة تخالف العلماء وتخالف الدعاة، وتخالف ما شرع الله من الدعوة إليه، فلا شك أنه سيضطر إلى السرية، وسيضطر إلى مثل هذه الأساليب، لكن نقول: إذا كنت مشفقاً خائفاً على أخيك، فليس الحل هو منعه، بل الحل أن تدخل في وسط زملائه وتنظر ماذا يقرءون وماذا يصنعون وأين يذهبون ومن يزورون وبمن يتأثرون؟ فإذا وجدتهم على منهجٍ صحيح، فالحمد لله، وإن وجدتهم على بدعة أو شرٍ، أو تفجير أو تكفير، أو عدوان أو ضلالة، فعليك أن تسحبه منهم ولو بلغت لحاهم ما بلغت، ولو بلغت ثيابهم ما بلغت، ولو بلغت أقوالهم ما بلغت.

стр. 395

دور الأسرة في تربية وتوجيه النشء أهم خطوة في إصلاح المجتمع هي تربية النشء وتحصينه، وهذه التربية هي مسئولية الأسرة، رجالاً ونساءً، فكل فرد راع ومسئول عن رعيته. وفي هذه المحاضرة بيان لبعض ما يجب أن يحصن منه الأبناء، مع توضيح لكيفية معالجة المنكرات وأهمية وجود القدوة في البيت وغير ذلك.

стр. 396

كيفية الحفاظ على المجتمع الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأحبة في الله! أحييكم جميعاً بتحية الإسلام الخالدة: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وأسأل الله في مستهل هذا اللقاء المبارك بمنه وكرمه أن يجعل اجتماعنا هذا مرحوماً، ويجعل تفرقنا من بعده معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً. إنها لبادرة مباركة وليست الأولى ولن تكون الأخيرة، أن نرى أنديتنا تتميز بحمد الله بالدعوة والتبني لأنشطة تربوية ثقافية فكرية نافعة تبني الخير والفضيلة في نفوس أبناء الأمة، وتحارب الشر والمنكر في صفوف أبناء الأمة. ولا شك أن كل مجتمعٍ على وجه الأرض لا يستغني عن هاتين الخصلتين، لا يستغني عن الأمر بالمعروف، ولا يستغني عن النهي عن المنكر، لا يستغني عن الدعوة إلى الخير، والتشجيع عليه، والحث على البذل فيه، ولا يستغني عن مقاومة رياح التغريب والفساد والشر التي أصبحت حرباً ضروساً شعواء واضحة بينة، وصلت كثيراً من المجتمعات، بل ودخلت كثيراً من البيوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد عُقِدت ندوات، وأقيمت محاضرات، وقيلت خطب، وكُتِبَت بحوثٌ وكلمات، وصاح المخلصون، ونادى الغيورون يحذرون ويقولون: إننا نواجه خطراً لم يزحف على الأرض، ولكنه جاء عبر السماء، هذا الخطر الذي لا يمر يوم من أيامنا، إلا وتزداد المشكلة تعقيداً في مواجهته، لقد كان الشر والفساد والبدع والانحراف يمكن مقاومتها فيما مضى بأن يغلق الواحد داره على نفسه وأهله، وكان بوسع الواحد أن يكون بمنأىً وفي بُعدٍ عن مثل هذه الشرور والآثام، أما والحال هذه في عصرٍ أصبح العالم فيه قرية واحدة صغيرة، فالذي في الصين يحدث الذي في طنجة، وكأنما يهمس في أذنه ليسمعه، والذين في أدنى الأرض يتكلمون مع الذين يحلقون في أعلى السماء، وأصبح الخبر يقع شمالاً فيدري به أهل الغرب في ثوان، ويقع الأمر في الجنوب فيعلم به أهل الشمال في دقائق، هذا واقع يحتاج إلى مزيد من البحث والفكرة، ويحتاج إلى مزيد من الوعظ والنصح والتفكير والتدبر في كيفية محافظة المجتمعات المتميزة بالفضيلة والحياء والعزة والكرامة والتدين والاستقامة، كيف تحافظ هذه المجتمعات على دينها وقيمها ومبادئها وأسسها في ظل هذا الاتصال الخطر. الجو الذي نعيش فيه مملوء بالصور والكلمات، ولا أدل على ذلك من أن أدنى وسيلة وهي ما يسمى بالدش يُنصب في سطح دارٍ فيترجَم لك هذا الهواء الذي تتنسمه وتعيش فيه وتتقلب فيه؛ يترجَم لك هذا الأثير إلى صورٍ وكلماتٍ تُبَثُّ وتُرْسَل بل ويُغْزَى بها من كثيرٍ من أقطار العالم، كان الناس يعرفون الحرب قنبلة تُقْذَف من طائرة، وكان الناس يعرفون الحرب دبابة تزحف على الحدود، وكان الناس يعرفون الحرب جيوشاً جرارة تهز الأرض هزاً حتى تدخل المدن، أما والواقع اليوم قد اختلفت فيه صور الحرب اختلافاً جذرياً، فأصبحت شعوبٌ تستسلم للحرب وتستقبلها، وتعانق أعداءها، وتحيي قاتليها، وتصافح الذين يهدمون العفة والكرامة في بيوتها من حيث لا يشعرون، وذلك عبر هذه الصور وهذه الكلمات التي تبث عبر الأثير. فأسألكم بالله أيها الأحبة، قولوا لي كيف نحافظ على نشئنا؟ كيف نحافظ على أولادنا وبناتنا؟ كيف نحافظ على المراهقين والمراهقات؟ كيف نحافظ على الشباب والشابات؟ أي وسيلة ناجعة تجدي؟ أنجعل رءوسهم في الرمال ونقول لهم: لا تبصروا، لا تنظروا، لا تسمعوا، لا تتكلموا، لا تختلطوا؟! هذا ليس بحل؛ وإنما الحل أيها الأحبة والعلاج هو: دور الأسرة في تربية النشء.

стр. 397

التربية حقيقة النجاح والنجاة إن من المسلمين الذين ولدوا في الغرب في أمريكا وفي أوروبا، وفي كثير من الدول الكافرة، التي يُعَدُّ العهر فيها أمراً طبيعياً، ويُعَدُّ الانحراف فيها أمراً ليس بغريب، ويُعَدُّ الفساد فيها أمراً يُستنكر على كل من بلغ سناً معينة ولم يرتكبه ولم يفعله، إن هناك بيوتاً، وأولاداً، ونشئاً، وأسراً، ورجالاً، ونساءً يرون الصورة النكراء العارية فيغض الواحد نظره وبصره عنها دون حاجة إلى واعظ يعظه، ودون حاجة إلى ولي يرشده أو يعده أو يعاقبه، ويرى أحدُهم الفساد والشر والمنكر والبلاء فيقوم في قلبه قائم المراقبة والخوف والخشية والتقوى لله فينحرف وينصرف ويبتعد وينأى بنفسه عن المنكر، دونما حاجة إلى محتسبٍ أو رقيبٍ، أو شرطيٍّ أو حسيب، أو غير ذلك. كيف وصل هؤلاء إلى هذه المرحلة؟ كيف بلغوا هذا النجاح؟ وأسميه نجاحاً لأنه ليس النجاح أن يكون عندك ولدٌ لا يوجد عنده الشر والمنكر والفساد؛ لكن لو خلا به أو حصل له أو تيسر له لم يتردد فوراً في اقترافه ومعاقرته وفعله، بل النجاح هو أن يكون لديك من الولد والنشء من لو أحاطت به الفتن من كل جانب وتزخرفت له المغريات، وفُرشت أمامه الفتن، وحلَّقت من فوق رأسه الشهوات، ثم غض بصره وصرف نفسه وقال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، هذا هو النجاح الحقيقي. ولا شك أن من العصمة ألا يقدر العبد على معصية، من العصمة أن يعجز العبد عن معصية ربما يريدها وربما يشتهيها وربما يتمناها، ولكن فوق ذلك كله أن تكون المعصية قريبة وهو يصرف نفسه عنها ويقول: معاذ الله معاذ الله ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨] كيف يكون هذا؟ بشيء واحدٍ وهو الذي ثبت بالتجربة والدليل، وقبل ذلك بالنص من الكتابة والسنة جدواه ونجاحه وعاقبته وفائدته ألا وهو: التربية الصالحة.

стр. 398

رحلة تحصيل الولد وأهمية الحفاظ عليه إنها رحلة طويلة يوم أن يسعى الواحد منا ليحصِّل نشئاً وذرية وولداً، وكلكم مر أو سيمر بهذه المرحلة. مَن الذي تزوج ولم يمر بهذه الرحلة الطويلة؟ أولاً: الهم والفكر والسهر الليالي الطوال في اتخاذ القرار. - ثم بعد ذلك: جمع المال، وما كلٌّ تيسر له المال حتى يتزوج به، فهذا يشتري صالون ويستدين سيارتين، ويستدين ثلاث (مونيكات) ويستدين من الناس، ويقترض من الناس، ويبقى زمناً يجمع المال، ويدخر من المرتب، ويحرم نفسه من بعض الأشياء، حتى يجمع المهر. - ثم بعد ذلك: رحلة في البحث عن المرأة، وبيتٌ يقبل، وبيتٌ يرفض، وبيتٌ بشروط، وبيتٌ لا يوافق، وبيت كذا، إلى أن يصل بيتاً يعطونه ويكرمونه ويوافقون على تزويجه. - ثم بعد ذلك: وليمة ومناسبة، وكرامة وعرس وحفلة. - ثم بعد ذلك: بناءٌ بالمرأة ودخولٌ بها. - ثم إنفاق عليها، وخوفٌ عليها، وإشفاق عليها. - ثم تبدأ عليها علامات الحمل، ويبدأ الإنسان يحمل في فكره بقدر ما تحمل المرأة في جوفها، إن كانت تحمل جنيناً ينمو، فهو يحمل في فكره هماً ينمو، والله ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] ولكن لا شك أن مَن تزوج فقد ركب البحر، ومن وُلِد له فقد كُسِر به، ليست المسألة سهلة، هم الذي لا زوجة له ليس كهم المتزوج، وهم المتزوج الذي عنده أولاد ليس كهم المتزوج الذي لا ولد له، ومن تزوج ورزق الولد عرف ذلك، ماذا بعد هذا؟ - إنفاق على المرأة، وعلاج، وفتح ملفات ومراجعات دورية، إلى أن يبلغ الجنين تمامه ويصل الأمر إلى غايته. - ثم يولد هذا المولود، والفرحة والبشائر والعقيقة. - ثم التربية والحليب، واللباس والدواء، والطعام والإنفاق، ويستمر الإنسان يصرف ويسهر الليالي الطوال على هذا الطفل؛ ما الذي أصابه؟! لم يأخذ رضعته، لم يشرب حليبه، ما أكل أكله، فيه بردٌ، فيه زكامٌ، فيه صداعٌ، فيه بلاءٌ ثم لا تزال أنت تعاني في تربية هذا الولد، والرحلة قد بدأت من قرار الزواج، ولا تزال في الرحلة، رحلة النشء هذه. - ثم يكبر الولد، ينمو رويداً. - ثم تدخله المدرسة وتعتني به. - ثم يأتي كثيرٌ من الناس إلى قرارٍ سفيه، قرارٍ حقير، قرارٍ تافه، قرارٍ ضار، قرارٍ مهلك، قرارٍ مدمر، يقول: خذوا هذا الولد وافعلوا به ما تشاءون، طبعاً هو لا يقولها بلسان المقال، بل يقولها بلسان الحال، وما الحال التي يقال بها هذا الكلام؟ إنها حال الذي يقول: خذوا الولد يا أبناء الحارة وتحدثوا معه بما تشاءون وكيفما تشاءون، واسهروا معه إلى أي وقت تشاءون، وخذي الولد أيتها الشاشة وحدثيه بما شئتِ من الأفكار والأفلام والمسلسلات التي تعرض عبر القنوات، وخذوا الولد يا جلساء السوء، وقولوا وافعلوا وتصرفوا وتكلموا واذهبوا وروحوا واغدوا به كيفما تشاءون. هذا حال كثيرٌ من الناس! أبعد هذه الرحلة الطويلة، تَدَيَّن المال، والزواج، والنفقة، والحمل، والولادة، والدواء، والغذاء، والكساء، ثم لما بلغ السن والغاية التي إليها مدى ما كان فيها يؤمل، لما بلغ هذه الغاية الجميلة التي يفرح الإنسان في بداية بلوغها أن يوجه الولد، أن يكون هذا الولد الذي أصبح خامة بيضاء، عجينة طرية، صفحة نقية، تقبل الكتابة بأي خط وتحفظ الفكرة بأي وجهة، وتقبل التوجيه على أي صورة؛ لما بلغت هذه المرحلة الذهبية من التقبل والاستجابة رمى بها عرض الحائط، وقال للمجتمع، وقال للقناة الفضائية، وقال للخادمة، وقال لجلساء السوء بلسان الحال لا بلسان المقال: افعلوا به ما تشاءون.

стр. 399

عاقبة إهمال التربية في سن مبكرة ثم بعد ذلك: إذا بلغ الولد ست عشرة سنة، أين هو؟ لماذا تأخر؟ لماذا يسهر؟ لماذا وقع في التدخين؟ لماذا فعل هذه المعصية؟ لماذا ارتكب هذا المنكر؟ لماذا لا يسمع كلامي؟ لماذا يعق أمه؟ لماذا يقطع رحمه؟ لماذا يرتكب المخالفات؟ لماذا فشل في الدراسة؟ لماذا أخفق في التربية؟ لماذا؟! أنت الذي جنيت، يداك أوكتا وفوك نفخ، (على نفسها جنت براقش) كما يقال، أهملته وتركته وضيعته في سن التوجيه والاستجابة والتأثر والتقبل، ثم بعد ذلك تقول: لماذا لم يخرج لي ولد متفوق؟ لماذا لم يكن على مستوىً لائق؟ لماذا لم يصاحب جلساء طيبين؟ لماذا لم يكن مع الأخيار والأبرار؟ أنت الذي ارتكبت هذا. ولذا أيها الأحبة أقول: إن السياج المنيع والحصن الحصين للنشء إذا أردنا أن نفتخر به كما قال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] يعني: في الجنة، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] هذا أمر من أراده فعليه أن يعتني بالنشء من وقت مبكر. يقول العوام: (البر في رجب) هذا مَثَل معروف عند العامة، إذا أراد أحدهم أن يحج يختار ذلولاً، ومن رجب يبدأ يغذيها، ويبدأ يعلفها، ويبدأ يعتني بها حتى إذا جاء قبل الحج بشهر أو شهرين أو شهر ونصف، بدأت رحلة الحج الطويلة، حينئذ يكون فيما مضى قد أعدها، (البر في رجب) يعني: رجب وشعبان ورمضان، ثم شوال وذو القعدة تبدأ رحلة الحج، إذاًَ ثلاثة أشهر قبل الحج وهم يعلفون الدابة، ثم في شوال وبداية الأشهر الحرم يبدأ رحلة الحج على هذه، فكذلك الذي يريد أن يلتفت إلى الولد لا يضيعه في فترة الأربع سنوات، والخمس سنوات، والتمهيدية، والروضة، والابتدائية، والمتوسطة، ثم إذا بلغ الثانوية وخاتمتها، أو بداية الجامعة، قال: هذا ولد عنيد، هذا ولد عاق، هذا ولد لا يسمع، هذا ولد لا يطيع، ما الذي صيَّره؟! ما الذي غيَّره؟! كان أبوك رجلاً عامياً لا يعرف إلا أن يصدر في المنحات، ولا يعرف إلا أن يسوق الأباعر، ولا يعرف إلا أن يبيع ويشتري في البهائم، ومع ذلك أخرجك وأنتجك أيها الرجل المكتسب القادر الذي تعتني بالأسرة، ما كان عند أبيك شهادة جامعية، ومع ذلك رباك تربية قوية وهو لم يفقه ولم يدرس في جامعة أكسفورد ولا في جامعات عالمية ولا محلية، وأنت يا من درست وعرفت وتعلمت القراءة والكتابة ما أنتجت وما خرَّجتَ ولداً صالحاً، نعم الهداية بيد الله، لكن للشيء أسبابه، إذا فعلت السبب حينئذٍ تقول: الأمر بيد الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] نعم تقول هذا إذا بذلت غاية ما في وسعك من سببٍ وقدرة، أما أن تضيعه ثم تقول: ما كتب الله هذا، إذاً لا تتزوج وقل: ما كتب الله لي ولداً، ولا تَبْذُر وقل: ما كتب الله لي بُرَّاً ولا ثمرةً، ولا تفعل السبب وقل: ما كتب الله لي ربحاً ولا تجارةً، هذا ليس بصحيح.

стр. 400

أهمية التربية الروحية ومكانتها أيها الأحبة: لنحاسب أنفسنا على قضية النشء والتربية، إن من العار، والعيب أن نهتم ببيوتنا في الألومنيوم الموجود في النوافذ، والمجنو وكسرة المجنو والسنديان الموجودة في الأبواب، والموكيت والفرش والأثاث، أكثر من اهتمامنا بأولادنا، كثيرٌ من الناس لا يعدو غاية اهتمامه بولده أو بنته مسألة الطعام والشراب واللباس، أظن الذي عنده بهيمة لو اشتد البرد يُدْخِلها من الحوش إلى داخل البيت، وأظن أنه يعطيها ويسقيها ويعلفها صباح مساء فليس هذا بكثيرٍ على الولد بل هو من الواجبات الشرعية التي يحاسب عليها العبد عند الله إذا فرط فيها وضيعها، ويؤجر عليها إذا بذلها محتسباً لله، لكن القضية هي قضية التربية، أسألك بالله إذاً ما هي الفائدة من الولد؟ ما هي الفائدة من أن يكون لنا عشرة أولاد أو ولدان أو ثلاثة أو أربعة، إذا لم يكن ولداً يرفع الرأس، إذا لم يكن ولداً ينفع الأمة، إذا لم يكن ولداً بركة على نفسه وأمه وأبيه وأخواته وأسرته ومجتمعه فما الفائدة منه؟ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. وبعض الناس نسأل الله أن يحفظه ويهديه يقول: الزمان تغير، الوقت اختلف، لا، نحن الذين اختلفنا وضيعنا أسباباً كان آباؤنا وأجدادنا قد أمسكوا بزمامها، وثبتوا وأحكموا خطامها، وقادوها بحزمٍ وجدٍ حتى بلغوا نتائج طيبة في أنفسهم وذرياتهم، أما نحن فقد غلبنا السهر، والتواكل، والاشتغال بالأصدقاء والشلات والاستراحات، والسهر من بعض الناس عند الدشوش والقنوات، وعند وعند، والمرأة المسكينة مسئولة بهؤلاء الأطفال، والأطفال متمردون على هذه الأم الضعيفة، ثم بعد ذلك إذا بلغ الولد -كما قلت- غايةً عظيمة من السن قال: هذا ولد ما نفعني؛ لأنك أنت الذي ضيعته، لا تعب الزمان، ولا تعب الدهر ولا الشهر، ولا الليالي والأيام، العيب فينا نحن: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيبٌ سوانا وقد نهجو الزمان بغيرِ جرمٍ ولو نطق الزمان بنا هجانا أقول: إن كثيراً منا ربما اهتم بالسيارة، تلمَّع يومياً وتمسَّح ويدفع للعامل مائة ريال مقابل تنظيف السيارة، والخادمة في المنزل تلمِّع الألومونيوم والأبواب والأثاث وراتبها ستمائة ريال، وبعض البيوت فيها المُزارع ويدفع له ثمانمائة ريال، من أجل نباتٍ في الأرض ربما غفل عنه، فعاد هشيماً تذروه الرياح، لكنه لا يدفع شيئاً من أجل التربية، يا رجل! ألف ريال ادفعها من أجل العناية بهذا الولد في الدروس التي تنفعه لمراجعة ما تناوله صباحاً في المدرسة، لمذاكرة دروسه، لاجتهاده، لتفوقه، يقول: لا، تكفي المدرسة، أنا لا يمكن أن أصرف أكثر من هذا، سبحان الله العلي العظيم! الباب والنافذة والأثاث والمزرعة والحديقة في المنزل ومسح السيارة، المجموع ربما يُنْفَق عليه ألفي ريال، لكن الولد لا تُنفق عليه؟! هذه مشكلة عظيمة!

стр. 401

إهمال التوجيه سبب إخفاق في دراسة النشء لماذا أخفق الولد؟! لأنك لم تبذل له غاية الاهتمام، وأنا أثبت لك الآن الواقع، لماذا كثير من أولادنا الآن لا يحب المدرسة بل يبغض المدرسة، ويكره المدرسة، وتجد بعض الصغار كما سمعنا من بعضهم يقول: أتمنى أن المدرسة تسقط، أتمنى أن المدرسة تقع. يقول أحد الإخوة وهو مدرس: كنت في صغري إذا خرجت من مزرعتنا رأيت غرباناً تقف على جِيَف فيقول: كنت أقول: يا ليتني كنت غراباً ولا أذهب إلى المدرسة. وهذا يتمنى أن تأتي صاعقة من السماء وتَهدم المدرسة. وهذا إذا بلغ السادسة قال: خطُّوا خطين، ولن أكمل الدراسة. وهذا إذا بلغ الكفاءة قال: ما عاد هناك أمل، ابحثوا لي عن أي وظيفة من هنا أو من هنا، المهم أنني لا يمكن أن أواصل. لاحظوا: السبب واضح؛ السبب: أنه لا يجد كرامة وعزاً وفخراً في المدرسة، ولو كان من الطلاب الذين لهم التشجيع والكرامة والتأييد والمسابقة بالجواب، والثناء من المعلمين، لوجدت أنه يحب المدرسة، لكن إذا كنا نحن نهمله، ولا نعتني بواجباته، ولا نلتفت له، فإذا جاء في الفصل يسأل المدرس، فهؤلاء الطلاب يجيبون فرحين يرفعون أصابعهم، كلٌّ يقول: أستاذ! أستاذ! أستاذ! أنا الذي أجيب، وهذا الولد المسكين قد اختفى واحتجب بظهر زميله حتى لا يراه المدرس، فتُفَتَّش الكراسات والدفاتر فكلهم قد أجابوا إلا هو لم يُجِب، ويُشَجَّع القوم إلا هو يُهان، ويُفْخَر بالقوم إلا هو يُهْزَأ به، ويُجْعَل واقفاً أمام الجميع، عبرةً لكل متخاذلٍ متكاسلٍ ضعيف غبي لا يفقه ولا يفهم، مَن الذي يحب كل صباحٍ أن يُهَزَّأ، مَن الذي يحب كل صباحٍ أن يُهان، مَن الذي يحب كل صباحٍ أن يُثْنَى على غيره ويُذَم هو، أن يُمْدَح غيره ويُقَبَّح هو، أن يُكَرَّم غيره ويُذَل هو، ذلكم هو الولد الذي لم نلتفت له ولم نعتنِ بتعليمه، ولم ننتبه إلى ذلك، ثم بعد ذلك نقول: عجيب! الولد يكره الدراسة! فيقال: لا والله ستدرس والعصا على رأسك. فيرد: لا أدرس، فيقال: إلا تدرس، وهروب من البيت، ثم جلساء، ثم تبدأ القضية وهي مشكلة وحلقة بدايتها: إهمال النشء.

стр. 402

مكانة التربية في حياة النشء وليست قضية النشء كما قلت آنفاً هي الدواء واللباس والغذاء والشراب وغير ذلك، لا، التربية مهمة جداً، إن الولد الذي نلبسه اليوم ثوباً جديداً سيتحول الجديد إلى ثوبٍ خَلِقٍ بالٍ بعد أسابيع، والذي نشبع بطنه اليوم سيجوع غداً، والذي يتضلع رياً من الماء العذب سوف يظمأ غداً، لكن الولد الذي نملأ دماغه علماً وفكراً لن يضيع العلم أبداً، ولن يضيع الفكر أبداً، ولن تضيع المعرفة أبداً. وإن أردتم كلمة الحق، يا أيها الأحبة، يا أولياء الأمور، يا من رزقكم الله بالذرية، أنفقوا تسعة أعشار الدخل على التربية والتعليم، واجعلوا العشر الأخير في الطعام والشراب والدواء واللباس، لن يضير الولد أن ينشأ جائعاً، أو لا يلبس شيئاً فاخراً، أو لا يشرب ماءً نقياً، أو شيئاً فيه من الأخلاط أو غير ذلك لكن يضيره ويضره كثيراً أن ينشأ جاهلاً متخلفاً. وكل امرئٍ والله بالناس عالمٌ له عادةٌ قامت عليها شمائلُهْ تعودها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمرٍ أوائلُهْ هذه قضية ينبغي أن نعرفها تماماً. لقد خرج في مجتمعنا شبابٌ يصدق عليهم قول القائل: وأنت امرؤ فينا خُلِقْت لغيرنا حياتك لا نفعٌ وموتُك فاجعُ لو أصابته مصيبة لقيل: اجمعوا له من المسلمين المال حتى نحل مشكلته، لو فقد كِلْية ابحثوا له عن كلية، لو احتاج دماً تبرعوا أيها الناس حتى نعطيه دماً، لو أصابته علة: تصرفوا أيها الإخوة حتى نلتفت لعلته، لكن لما تبرعنا له، وجمعنا له، وانتبهنا له، ماذا قدم للأمة؟! ماذا قدم للمجتمع؟! ماذا قدم لنفسه في طاعة الله؟! ماذا قدم لأبيه وأمه من البر؟! ماذا قدم لإخوانه وأخواته من الصيانة والرعاية والعناية؟! ماذا قدم؟! الجواب صِفْر، هو محسوبٌ علينا، مصيبته وموته فاجعة، لكن حياته وعافيته ليس فيها منفعة للأمة، هذا هو الأمر الخطير أيها الأحبة.

стр. 403

دور المرأة في التربية إن للمرأة دوراً خطيراً وكبيراً وعظيماً جداً، وهذا الدور أيها الأحبة تَتَبَوَّؤُه المرأة وذلك لأن النشء والأولاد والصغار يمكثون مع المرأة (مع الأم والبنات والأخوات) أطول من مكثهم مع الرجال، ثم إن الناشئة الصغار أكثر التصاقاً بالأمهات من الآباء خاصة في فترة الطفولة، وهي فترة التقبل والاستجابة والتوجيه. وللمرأة أيضاً دورٌ في صناعة شخصية النشء صناعة مطردة متسقة ليس فيها انفصام ولا تناقض ولا ازدواج، إذا كانت المرأة مكملة لدور الرجل في التربية والعناية، أما إذا كانت المرأة هي الحارس التي تجعل الولد يجيد أدوار التمثيل أمام أبيه، من العقل والحياء والهدوء، فإذا خرج أبوه قالت: لقد ذهب أبوك افعل ما شئت. إذاً من النساء من تمارس دوراً تساعد فيه على تحقيق الازدواج والعياذ بالله، والانفصام في شخصية الطفل. متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنتَ تبنيه وغيرك يهدمُ؟! أنت تبني والأم غافلة، هذه مشكلة! إذاً فمسئولية الأسرة، في تربية النشء وفي توجيهه ليست مسئولية الرجل وحده بل تتحمل المرأة من ذلك عبئاً عظيماً وكبيراً، ومعلومٌ أن للمرأة دوراً حتى على الأزواج والرجال، فما بالك بأثرها على أولادها!

стр. 404

دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في التربية والتوجيه ثم إذا كان المسلم لم يستطع أن يوجه ولده، إذا كان المسلم عاجزاً عن التأثير والأمر والتوجيه والنهي لهذا الولد الذي هو في بيته، وأنت الذي تصرف عليه، وتنفق عليه وتعطيه وتلبسه وتكسوه وتعتني به؛ إذا عجزت عن توجيهه فلا شك أنك عاجزٌ عن توجيه الآخرين في المجتمع، إذا عجزت عن توجيه من لك عليه الفضل بعد الله، ومن لك عليه المنة بعد الله، ومن أنت السبب في وجوده بعد الله ، إذا عجزت عن توجيهه فقل لي بالله: كيف توجه من حولك؟! إذاً يفترض بالإنسان أن يكون واثقاً ثقة تامة مطلقة أنه قادرٌ على توجيه من عنده، وإذا كان الواحد عاجزاً كما قلت عن توجيه ذريته، وذلك أن النعمة والتربية والقوامة والولاية والمسئولية التي ألقيت على عاتقك تجاه هذا الولد، هي مظنة الجرأة والقدرة وعدم الخوف على هؤلاء، فيهون عليك أن تأمر وتنهى ولا تجد حرجاً في ذلك، فإذا عجزت عن توجيه هؤلاء فقل لي بالله من توجه؟! لقد وصف الله المؤمنين والمؤمنات بأنهم أولياء بعض، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] وهذه صفة عامة، وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محصوراً في الشارع أو في العمل أو في الوظيفة، أو في الاختلاط، أو في مستشفى أو في مكان ما، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شامل وعام، ومن أهم ذلك: الأمر والنهي والتربية والتوجيه والإرشاد داخل البيوت، من الناس من لا يعرف الأمر والنهي في البيت، لا يعرف كيف يوجه، لا يستطيع أن يكلم أولاده بلغةٍ لطيفةٍ، وكلمةٍ رقيقةٍ، وصدرٍ حنونٍ، وعينٍ كلها رضىً ومحبة ولطف، وهدية وقُرْب، وخفضِ جناح، ولينِ جانب، وتودُّدٍ وتألُّفٍ، لا يستطيع أن يقول: يا أبنائي! هذا يُسخط الله، هذا لا يجوز، يا أحبابي! هذا يغضب الله علينا، الله الذي أعطانا السمع أعطانا البصر. قليل من الناس من يناقش أولاده بهذه الطريقة، قليل من الناس من يقارن لأولاده، هل يوماً من الأيام أتيت لتعلم أولادك مقدار نعم الله ، إذا رأيت صورة إنسان مبتلىً، فيه إعاقة من الإعاقات، أحضر الصورة وأحضر أولادك وقل لهم: انظروا يا أطفالي، انظروا يا أولادي، هذا قد ابتلاه الله بهذا وأنتم قد عافاكم الله من كل ذلك، فاحمدوا الله، اشكروا الله ، وإذا طُلِب منك مساعدة فقير أو مسكين اجعل الولد الصغير هو الذي يذهب ليسلم المساعدة، وإذا أتى قل: يا أولادي، احمدوا الله أنكم لستم هذا المسكين السائل، وأنكم أنتم الذين تتصدقون، فلا بد من التربية والتوجيه والأمر والنهي بمختلف الأساليب والوسائل، هذه تنمِّي في قلوب الأطفال والنشء كيف يرعون نعم الله وكيف يشكرونها: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].

стр. 405

إمكان تغيير منكرات البيت ثم إن أي خطأ من الأخطاء أو منكر من المنكرات سواءً كان المرتكب له نشئاً صغيراً أو كبيراً أو من أهل البيت؛ لا بد أن يتضافر أهل البيت على تغييره، إن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) قد ترى منكراً في الشارع؛ لكن لا تجد من سبل التغيير إلا الإنكار بالقلب والإنكار باللسان، أن تأتي إليه وتقول له: يا فلان اتق الله، هذا يُسخط الله، ولا يُرضي الله ، لكنك في بيتك أنت قادرٌ على أن تغير بيدك، قادرٌ على أن تغير بلسانك، ولا شك أنك قادرٌ أيضاً على أن تنكر هذا بقلبك، ومن أنكر شيئاً بقلبه بان ذلك في قسمات وجهه وألحاظ بصره. والعين تعرف من عينَي محدثها إن كان من حزبها أم من أعاديها أيها الأحبة! إن القوامة للرجل على المرأة، والسلطة والإنفاق، كل ذلك داعٍ إلى احترام قول الزوج وقول الأب وقول الولي فيما أمر به ونهى في توجيه الناشئة، وكلما كان الإنسان أقدر على الأمر والنهي كان الإثم الذي يتعلق به ويلحقه بترك الأمر والنهي أعظم، هذا الذي إذا أمر أو نهى لا يُسمع له قد لا يتعلق بذمته من الإثم بترك الأمر والنهي بمثل ما يتعلق بذمة الذي إذا أمر أطاعه مَن حوله، وإذا نهى انزجر عما نهى عنه مَن حوله، وإذا رضي دنا مَن حوله، وإذا سخط خشي مَن حوله، هذا يتعلق برقبته من الإثم ويحاسبه الله على الأمر والنهي أضعاف أضعاف ما يحاسَب هذا؛ لأن كل واحدٍ ينال من الثواب بقدر ما يبذل، وعليه من المسئولية بقدر المنزلة التي يُعطَى إياها ويتحملها ويتبوَّؤها. أحبتنا في الله! إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان عاماً للأمة فهو أيضاً خاص في الرجل مع أهل بيته، ولذلك قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]

стр. 406

الإشفاق على المرء من النار أولى من الإشفاق عليه من المرض ونحوه يقول لي أحد الإخوة الأفاضل بالأمس القريب بعد صلاة العشاء كنا في شركة من الشركات، وكان عندنا عامل من العمال، فحصل أن هذا العامل انسكب على يده زيت ساخن، فأصاب يده شيء من آثار الحروق والآلام، وزيت يغلي. ما ظنك، زيت يغلي انسكب على يد عامل، مؤكد أنه سينسلخ شيءٌ من اللحم. يقول: كلنا جميعاً انزعجنا وأخذناه وذهبنا به إلى المستشفى وإلى الإسعاف، ووقفنا معه؛ لأنه من لا يَرحم لا يُرحم، حتى وإن كان هذا العامل كافراً! يقول: كان عاملاً كافراً؛ لكن في كل كبدٍ رطبة أجر، والراحمون يرحمهم الرحمن، ومن لا يرحم لا يُرحم، والبغي من بني إسرائيل دخلت الجنة بسبب كلب سقته بعد أن رأته يلعق الثرى من العطش، قال: فلما عالجناه، ووضعوا له الشاش التفت بعضنا إلى بعض، قال: سبحان الله! يوم انسكب على يده قطرة زيت كلنا قمنا نفزع له، والآن نراه كافراً، ومآله إلى جهنم، ولا أحد فزع له يدعوه إلى الإسلام والتوحيد، ما أحد فزع يدعوه إلى الإيمان حتى يتجنب نار جهنم، من قطرة زيتٍ أشفقنا عليه، وخفنا عليه، ورحمناه، وبادرنا بالذهاب به إلى المستشفى حتى لا تتضاعف إصابته، ونحن نعلم أنه إن مات على الكفر فلا شك أن مآله جهنم وساءت مصيراً، فلماذا لا نشفق عليه بدعوته إلى الإسلام؟! قال: فبدأنا ندعوه. وأقرِّب هذا المثال لك: لو أن قطرة من زيت انسكبت على يد أو قدم ولدك، لو أن شيئاً من الحريق أصاب طرفاً من أطراف بدن ولدك، ما الذي يقع؟ ستنزعج وتسهر وتخشى، ولن تدع طباً ولا سبيلاً ولا طريقاً لعلاج هذا الولد إلا وتبذله! وأنت تعلم يا أخي أن الله يقول: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦].

стр. 407

كل راع مسئول عن رعيته نعم. لا بد أن يتعلم الإنسان كيف يعتني ويلتفت، ثم لنتذكر جميعاً المسئولية العظيمة الخطيرة التي قالها ﷺ في الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر وقد خرَّجه الشيخان قال: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدها وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئولٌ عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته) لا أحد يُترك عبثاً، أنت مدير على أربعة موظفين راعٍ وسيسألك الله عن هذه الرعية، أنت مسئول عن منطقة راعٍ، والله يحاسبك عليها، أنت توليت وزارة راعٍ، والله يحاسبك عليها، أنت توليت زوجة وأولاد راعٍ، والله يحاسبك عليها، (ألا وكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته). ومن واجبنا أيها الأحبة أن نعتني بالرعية، وأن نلتفت إلى النصح والإرشاد فيها بلطيف القول، ورقيق العبارة وطيب الكلام، ومن تأمل سورة لقمان وما فيها من الوصايا التي أوصى بها لقمان ولده ووعظه بها وجد الأنموذج الأمثل والصورة الرائعة في نصيحة الأب لولده واحتسابه في التوجيه والإرشاد والتنبيه، اسمعوا إلى قول الله ! ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان:١٣] خذوا هذه الآية، وليقرر كل واحد منا أن يخلو بولده، إذا كان عندك مجموعة أولاد لابد من جلسة انفرادية لكل ولد على حدة، غير الجلسة الجماعية مع الأولاد في التوجيه والإرشاد، لأن كل ولد له صفات تختلف عن الآخر، ومن ثم له مشكلات تختلف عن الآخر، فلا بد من جلسات فيها وعظ وإرشاد وتوجيه وتنبيه. ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] وهذا من الخطاب الذي يُعَلَّم فيه الولد الخشية والخوف والمراقبة من الله ، وهذه مهمة، لا تظن أن الصغير لا يفقه ولا يفهم ولا ينتفع بهذا، إن كثيراً من الكبار عصمهم الله عن منزلقاتٍ خطرة وكبائر مدمرة ومصائب شنيعة، بسبب أن الأميِّين والأميَّات من الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، ربَّوا في نفوسهم أثناء الصغر كلمة الخوف والخشية، لاحظ أن الله يعاقب، ولاحظ الذي عليك، خوف الله، والله مطلع عليك، والملائكة تكتب أعمالك، وهو صغير يعظِّم في نفسه الخوف، حتى إذا قيل له في كبره وفي مسئوليته وفي توليه أمر أسرته وأمر بيته وأمر مَن حوله: اتقِ الله، يضطرب ويخشى ويخاف من الله ، ولقمان يقول لولده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] المعنى: لا تظن أن شيئاً يخفى على الله، لا تقل: هذه صغيرة، لا تقل: هذه لا يُلتَفَت إليها: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. من ربى في أولاده الصغار الخوف والخشية من الله، تراهم يتركون الكذب لأنهم تعلموا أن الله يغضب على الذي يكذب، ولا يسرقون لأنهم تعلموا من أسرتهم أن الله يغضب على السارق، ولا يقولون النميمة ولا يبدءون بفاحش القول أو سيئ الكلام؛ لأنهم يعلمون أن الله يبغض الفاحش البذيء، فما أجمل تربية النشء على ذلك!

стр. 408

عبد تقي من الجيل الأول كان غلام مملوك لأحد العرب في زمن عبد الله بن عمر، هذا الغلام يرعى الغنم في البرية، فجاء عبد الله بن عمر ومعه صاحبٌ له ذات يوم فرأى هذا الغلام يرعى بغُنَيماتٍ، فأراد عبد الله بن عمر أن يختبر هذا الغلام الصغير، وانظروا أثر التربية في النشء كيف تصنع المعجزات وتأتي بالعجائب، قال عبد الله بن عمر لهذا الغلام: يا غلام احلب لنا شاة من هذه الشاء فقال الغلام: يا سيدي أنا عبدٌ مملوكٌ، وهذه الغنم لسيدي، وليس فيها حليب. فقال عبد الله بن عمر وأراد أن يختبره: يا غلام اذبح لنا واحدة منها، ونعطيك مالاً. فقال الغلام -يريد أن يتأكد هل فهم ابن عمر الكلام أم لا-: قال: قلت لك يا سيدي: أنا عبدٌ مملوك والغنم ليست لي، وأنا راعٍ فيها. فقال عبد الله بن عمر، يريد أن يختبره أكثر: خذ هذا المال وإذا جاء سيدك فقل: أكلها الذئب. فصرخ الغلام صرخة ونظر شزراً بعينٍ تقذف الشرر وهو يهز يده في وجه عبد الله بن عمر قال: فأين الله؟ فأين الله؟ فأين الله؟ ما أجمل هذه التربية الممتازة لهذا الصغير المملوك! فأُعْجِب ابن عمر بهذه التقوى وهذه الخشية التي في نفس هذا الغلام الراعي المملوك الصغير فقال: وأين سيدك؟ قال: العشية يأتي. قال: فلبث وانتظر حتى جاء سيده، فقال ابن عمر للرجل: هذا غلامك؟ قال: نعم. قال: وهذه الغنم؟ قال: هي لي، وهو راعٍ فيها. قال ابن عمر: إني أريد أن أشتري منك هذا الغلام. قال: أبيعك. فاشتراه منه. قال: وإني أريد أن أشتري منك هذه الغنم. قال: خذ أبيعك. فاشترى منه الغنم، فالتفت ابن عمر إلى الغلام قال: يا غلام، أنت حرٌ لوجه الله، وهذه الغنم خذها لك جزاء تقواك لله. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].

стр. 409

أثر التقوى في الحفاظ على الذرية حينما نربي أولادنا على خشية الله وعلى التقوى والله لو أطبقت عليهم السماء فإن الخشية والتقوى والخوف من الله تحفظهم، واعلموا أن خير ما يحفظ الأولاد بعد موت آبائهم وأمهاتهم هو تقوى الله . أن تتقي الله فيهم، ولا تطعمهم إلا حلالاً، وأن تتقي الله فيهم وتربيهم التربية الحسنة: (احفظ الله يحفظك) يحفظ لك ذريتك وأولادك وأهلك، قال تعالى في صدر سورة النساء: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٩] والذي عنده أولاد صغار مساكين ماذا يفعل؟ قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] وقال تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩]. ولذلك في قصة موسى والخضر: ((فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ﴾ [الكهف:٧٧] موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾ [الكهف:٧٧ - ٧٨] الآيات، قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢]. والشاهد: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] فصلاحك في نفسك وصلاحك في تربية ولدك بإذن الله سببٌ لحفظ هذه الناشئة وحفظ هذه الذرية. أعود إلى وصايا لقمان ﵇ لولده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٦ - ١٩].

стр. 410

الحفاظ على الأبناء من غزو الفضائيات أيها الأحبة: لا بد لكل واحد منا يجلس مع أولاده على انفراد، ولا يوجد خيار، إن لم توجهوهم أنتم سوف يوجههم جلساء السوء، أو الشاشة، أو القنوات الفضائية، أو كل من يرونهم أو يراهم من غادٍ ورائح، ولا أظن أن واحداً منكم يرضى أن يقال له: اترك ولدك لنا ونحن نتصرف فيه كما نشاء، نحن نأمر وننهى وندبر في أولادك كما نشاء، هل يوجد واحدٌ يرضى أن يخلو رجلٌ بابنته ساعاتٍ طوال يتحدث معها؟! طبعاً لا؛ هذه الشاشة تجلس مع البنات ساعات وساعات، فأسألك بالله هل أنصتَّ لما تقول الشاشة لهذه البنت؟ أقل الأحوال: كن جالساً وانظر ما الذي يحدث، هل هو يسر أم يضر؟ هل ينفع أم لا ينفع؟ لكن لا، الخطر المحسوس هذا نخشاه، لكن الخطر الذي يستتر بمجلة، بكتاب، ببث إعلامي، بشيء آخر، فهو مقبول، حتى بعض الناس لو جاء رجلٌ طيب أو شاب طيب يريد أن يأخذ ولده إلى حلقة تحفيظ قرآن أو إلى مكتبة يُشْكَر على عنايته، ما أقول إنه يُشْكر على منعه من ذهاب ولده مع الصالحين، لكن يشكر على تثبته ماذا تفعلون؟ وماذا تقرءون يا ولدي؟ وما هو الحديث الذي يُدار؟ وما هو الكتاب الذي تقرءون فيه؟ ومن هو مؤلفه؟ أعطني هذا الكتاب أتأمل فيه، هذا ليس بعيب أن يكون الرجل متثبتاً متأكداً من الأفكار التي تُتَداوَل وتُناقَش مع ولده، لكنه من الممكن أن الأفكار التي في كل القنوات الفضائية تدخل في ذهن ولده دون أن يكون على ذلك حسيب أو رقيب أو مطلع أو غير ذلك، وهذا وايم الله من أشد وأخطر أنواع البلاء. إن الله قال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] الأمر أمر الأولاد، أمر الناشئة بالصلاة: (مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرقوا بينهم في المضاجع) هذه التوجيهات، هذه التربية، هذه الآداب النبوية هل نعتني بها كما أمر الله، وكما شرع رسول الله ﷺ ؟ الواقع يشهد أن كثيراً من الناس ضيعوا ذلك وأهملوه. وعند الصباح يحمد القوم السُّرى (الذين اعتنوا بأولادهم وربوهم تربية طيبة) ولكنك لا تجني من الشوك العنب إذا أنت جعلت أولادك في مسبعة، وفي أرضٍ مليئة بالكلاب والذئاب، ثم تقول من أين نُهِش الولد؟! ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ ونام عنها تولى رعيهَا الأسدُ لا يُلام الذئب في عدوانه إن يكُ الراعي عدو الغنمِ

стр. 411

توجيه النشء بين الأمس واليوم أود أن أوجز ما تبقى من هذه الكلمات بمسمعٍ منكم أيها الأفاضل لأؤكد وأكرر أن الإسلام وهذه الشريعة المحمدية والهدي النبوي جاء مؤكداً على ضرورة التوجيه منذ نعومة الأظفار، ومنذ بداية السن، وليس بعد زمنٍ متأخرٍ كما يفعله كثيرٌ من الناس. إن النبي ﷺ رأى عمرو بن سلمة، كان غلاماً صغيراً تطيش يده في الصحفة، فأرشده النبي ﷺ ووجهه، قال: (يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) ثلاثة توجيهات، (يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك). من المؤسف أن تجد كثيراً من الآباء والأمهات اليوم لا يعتنون بتوجيه الناشئة بآداب الإسلام، لا في الطعام، ولا في الشراب، ولا في الدخول، ولا في الخروج، ولا في دخول الخلاء، ولا عند المبيت، ولا عند الاستيقاظ، لقد تعلمنا كما قلت من عجائز جدات وأمهاتٍ ما عرفوا الدراسة ولا يعرفون الألف من الباء. إذا أصبحنا بمجرد أن تشير الأم إشارة، يقول: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله، أول ما يصبِّح بذكر الله . وإذا أراد أن يأكل: مَسَكََت يده، ماذا نسيتَ؟ فيقول: نسيتُ باسم الله، ثم تطلق يده. وإذا أراد أن يقوم: مَسَكَت ثوبه، ماذا نسيتَ؟ قال: نسيتُ الحمد لله، يحمد الله بعد ذلك. إذا أراد أن يدخل: ماذا تقول؟ اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. هؤلاء الذين رضعوا الدين رضاعة، وعاشوا على الفطرة، ما دنَّستهم قنوات، ولا أفسدتهم ماديات، ولا غيرتهم عجائب وغرائب الزمان، علَّموا وخرَّجوا رجالاً وأجيالاً، وقادة وسادة، وأمراء وصالحين، ووزراء ومهندسين، وطيارين ومعلمين وكل التخصصات التي تحتاجها الأمة، تخرجوا من أمهات وآباءٍ أميين وأميَّات، وللأسف أن كثيراً من المتعلمين والمتعلمات اليوم لا يخرجون جيلاً مؤدباً يلتزم بآداب الإسلام وأخلاقه وتعاليمه. إن القضية ليست شهادة، وليست القضية مرحلة، وليست القضية مرتبة ولا جاهاً ولا نسباً؛ المسألة هي: العناية. هل يسرك أن يستمر عملك بعد موتك؟ هل تتمنى أن تُدفن في المقبرة ويكون هذا آخر عهدك ونهاية رصيدك وإقفال حساباتك في الأعمال الصالحة؟! أم تتمنى أن تكون ممن يجري لهم العمل الصالح حتى ولو بعد دفنهم وموتهم وفراقهم الدنيا، إن كنت كذلك فعليك بالولد الصالح بتربيته ونشأته، قال ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علمٍ ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولدٍ صالح يدعو له). لسنا جميعاً أثرياء حتى نقول: سنترك صدقات جارية، لسنا جميعاً علماء حتى نترك علماً يُنتفع به، لكن الكثير والغالب إلا النادر هو الذي يستطيع أن ينجب ولداً، فإذا استطعت الإنجاب فاجعله ولداً صالحاً يدعو لك بإذن الله، ويبقى لك.

стр. 412

العمل الذي يبقى بعد الموت هل يسرك أن يستمر عملك بعد موتك؟ هل تتمنى أن تُدفن في المقبرة ويكون هذا آخر عهدك ونهاية رصيدك وإقفال حساباتك في الأعمال الصالحة؟! أم تتمنى أن تكون ممن يجري لهم العمل الصالح حتى ولو بعد دفنهم وموتهم وفراقهم الدنيا، إن كنت كذلك فعليك بالولد الصالح بتربيته ونشأته، قال ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علمٍ ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولدٍ صالح يدعو له). لسنا جميعاً أثرياء، حتى نقول: سنترك صدقات جارية، لسنا جميعاً علماء حتى نترك علماً يُنتفع به، لكن الكثير والغالب إلا النادر هو الذي يستطيع أن ينجب ولداً، فإذا استطعت الإنجاب فاجعله ولداً صالحاً يدعو لك بإذن الله، ويبقى لك.

стр. 413

بعض صور التربية النبي ﷺ لما رأى الحسن، أراد أن يمد يده إلى الأكل من تمر الصدقة، ومعلوم أن آل البيت لا تصح لهم الصدقة، ولا الزكاة فهل تركه؟! لا. بل قال النبي ﷺ : (كِخْ كِخْ! أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة) يعلمه ويربيه، فلا بد أن نعلم أولادنا وأبناءنا هذه التوجيهات وهذه التعليمات. المرأة إذا رأت تصرفات سيئة من ولدٍ أو طفلٍ أو صغيرٍ لا بد أن توجهه وتعلمه الاحترام والأدب والرحمة. روى الحافظ ابن عبد البر عن أم الحصين أنها كانت عند أم سلمة ﵂ فجاء مساكين فقراء، فجعلوا يستعطون ويلحون وفيهم نساء فقالت هذه الصغيرة: [اخرجوا اخرجوا -طفلة تخرجهم من البيت، أبعدوا أبعدوا، وتحس أنها في معتصم وفي كرامة وهؤلاء فقراء ومساكين، فأخذت تتلفظ عليهم بهذه الكلمات، اخرجوا اخرجوا من بيتنا- فقالت أم سلمة ﵂: ما بهذا أمرنا يا جارية! ردي كل واحدٍ أو واحدة ولو بتمرة تضعينها في يدها] لا تطردي الفقراء، أعطي كل فقير ولو تمرة واحدة. كأن يأتي طفل صغير أو طفلة صغيرة فيقول: أبي أمي! عند الباب مسكين فتقول أمه: أغلق الباب في وجهه واتركه، فهذه تربية على القسوة، وتربية على وأد الرحمة في القلوب، لكن إذا قال الطفل: أبي أمي! عند الباب فقير عند الباب مسكين، تقول أمه: أسأل الله أن يغنيهم عنا وعن غيرنا، اذهب يا ولدي وافتح مكان التمر، وضع في هذا الصحن قليلاً من تمر، واذهب وافتح كيس الأرز وخذ منه، وليس بلازمٍ أن تعطيه عشرة ريالات، أو خمسين ريالاً، أو مائة ريال، ما كل واحد يستطيع أن يدفع نقوداً؛ لكنك لن تعجز، فلا ترد السائل ولو بتمرة، لا ترد السائل ولو بقبضة أرز، ولو بقبضة سكر ولو ببصلة تتصدق، يدفع الله عنك البلاء، تطفئ غضب الرب، تدفع ميتة السوء، وتربي ولدك على الرحمة بمثل هذا التصرف، هكذا كان الجيل الأول والصدر الأول يتعاملون ويعلِّمون.

стр. 414

كيفية معالجة منكرات البيوت روى الإمام ابن أبي شيبة عن عمر بن سعيد بن حسين قال: [أخبرتني أمي عن أبي قال: دخلت على أم سلمة ﵂ وأنا غلام وعليَّ خاتمٌ من ذهب، فقالت: يا جارية، ناولينيه، فناوَلَتْها إياه، فقالت: اذهبي به إلى أهله، واصنعي خاتماً من وَرِق -يعني: لا تلبسوه خاتماً من ذهب، مع أنه صغير، ما قالوا: صغير، لا بأس، بل يربونه حتى من الصغر على ما يجوز وما لا يجوز- فقلت: لا حاجة لأهلي فيه، قالت: فتصدقي به، واصنعي خاتماً من وَرِق]. لا بد من أن نتلطف ونحن نأمر وننهى ونربي هؤلاء الصغار؛ لأنهم يقبلون بالرفق وباللين بإذن الله ، لكن إذا تحول الأمر والنهي والإرشاد والتوجيه إلى تهديد، اسمع! إن رأيتك مرة ثانية تعمل هذا الشيء سأكسر أضلاعك، وأقطِّع جلدك، وأفعل بك كذا، وأجعلك لا تمشي، أساليب التهديد والوعيد للصغار أتدرون ما نتيجتها؟ إن التهديد ما عادت له قيمة، ما عاد له أي أثر. وبعض الآباء يرتكب حماقة لا يعلم بها، وهي: أن الولد يتصور أن أباه جبل عظيم ويرى الولد نفسه قطعة من حجرٍ صغيرة بالنسبة لهذا الجبل، ثم لا يلبث أن يرى الأب على هذا الولد خطئاً معيناً فيتحول هذا الجبل إلى صخرة أمام صخرة، وينزل وإياه في منازلة ومعركة يجعل نفسه نداً لهذا الولد، ويدخلان في حلبة ومصارعة مَن الذي ينتصر، سأفعل بك، سأجلدك، أو ربما بدأ بالضرب المبرِّح الذي لا ينفع، وذلك من الخطأ الفاحش، ما أجمل تأديب الصغار بالأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والحرمان أيضاً! يعني من الأساليب التي تستطيع أن تأمر بها وتنهى، ما يلي: أنه إذا لاحظت على هذا الولد الصغير خطئاً، وجاء يسلم عليك، قل له: لا أسلم عليك، أنا بيني وبينك مشكلة، أنت الله يصلحك فعلت كذا، كل إخوانك صلوا إلا أنت ما صليت، كيف تريدني أن أكلمك، وبكرة لا يوجد مصروف المدرسة -على الأقل تخوفه بذلك- لا تتحدث معي. الحرمان نوع من أشد أنواع التربية، وأقسى أنواع العقوبة التي هي مؤثرة، وليس فيها جرح أو خدش أو إفساد لأسس التربية وأصولها. وهنا مسألة مهمة وهي: معالجة الأولاد بالحب، معالجة الأولاد باللطف، اقنع وتأكد أن الولد يعلم تمام العلم أنك أيها الآمر الناهي تحبه، ويعلم تمام العلم أنك أيها الآمر الناهي غيورٌ عليه، ويعلم تمام العلم أنك أيها الآمر الناهي مشفقٌ خائفٌ عليه؛ حينئذٍ يستجيب لك بإذن الله .

стр. 415

بعض منكرات البيوت أيها الأحبة: كثيرة هي المنكرات في بيوت كثيرٍ من الناس اليوم، وهذا يستدعي أن ننتبه إلى التربية في وقتٍ مبكر: فمشكلات التدخين من المشكلات التي ربما نشأ عليها بعض الناشئة مما يرون ممن حولَهم، ولا بد من التربية المبكرة والتحذير المبكر من مثل هذه المشكلات. الغيبة والنميمة. دخول المجلات الخليعة والصور العارية. عدم التفريق بين الصغار والكبار في المضاجع. أخطاء خلوة السائق بالمرأة في البيت والسيارة. التشبه بالكفار. تقليد (التقليعات) الغربية. ترك الصلاة مع الجماعة. الخلوة بالهاتف سهراً. الخلوة بالأصنام والمجسمات المحرمة. وجود الخادمات الجميلات مع الشباب المراهقين. كثيرة هي المنكرات عند بعض الناس وفي بيوتهم، وما كأنهم يعصون الله أبداً، ولو قلتَ لأحدهم: اتقِ الله، خفِ الله، قال: وماذا نحن فاعلون يا أخي، أنت من يوم صبَّحت ومسَّيت وأنت تخوفنا بجهنم! ماذا أبقيتَ، أي عملٍ من الخير ترجوه -الله يهديك- بعد التوحيد، حتى بعضهم تجده مُخَلِّطاً يفقه، وربما يتساهل، ولو قادته الأمور إلى تخليطٍ أو إلى أمور تقدح في توحيده ربما ارتكبها ووقع فيها وهو لا يعلم أيها الأحبة.

стр. 416

أهمية اقتران العلم بالعمل إذاً لا بد أن نعتني بهذه الأسرة، وأن نعتني بهؤلاء الناشئة، ولنتأكد أن أخطر شيء في التربية هي: مسألة التناقض. إنه ليس من اللائق أن يدعو الأب والأم الأسرة والنشء إلى الخير وهم يتجافون عنه، أو ينهوهم عن الشر وهم مبتلَون به، فمن فعل ذلك فقد استحق اللوم والتعنيف الشديد، وإنما كان التشنيع على هذا الصنف من الناس لكونهم عالِمين بوجوب ما تركوا أو بتحريم ما اقترفوا، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]. وما أجمل قول الشاعر: يا أيها الرجل المعلم غيرَه هلا لنفسك كان ذا التعليمُ! تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح بها وأنت سقيمُ لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك يُقبل إن وعظت ويقتدى بالقول منك ويَنفع التعليمُ وقال الآخر: وغير تقيٍ يأمر الناس بالتقى طبيبٌ يداوي الناس وهو عليلُ وقال الثالث: ومن نهى عما له قد ارتكب فقد أتى مما به يُقْضَى العَجَبْ فلو بدا بنفسه فذادها عن غيها لكان قد أفادها

стр. 417

بعض وسائل توجيه النشء لا بد أن ننتبه إلى مسائل في توجيه النشء: وهو استخدام الحوار والمناقشة، وليس أسلوب التجريح:- قد يكون الولد ارتكب الخطأ لأول وهلة وهو لا يعلم أنه خطأ (ليس المرء يولد عالماً) وإنما يتعلم ممن حوله، كثير من الأبناء يرتكبون أخطاء لا يعلمون أنها أخطاء، فما يمكن أن تبدأه بالسب والشتم والضرب وغير ذلك، بل للأسف أن بعض الآباء ربما سب ولده ولعنه وشتمه وشتم والديه، وشتم أهله وأمه وأهل أمه، هذه والعياذ بالله من الموبقات المهلكات. كذلك في التربية الطيبة: المشاركة الأسرية:- لا بد أن يكون لهذا الطفل شيء من الدور في البيت، تكلفه بمسئولية صغيرة، تجعله يقوم بعمل، قد يكون الطفل يحب أن يجلس معك وأنت في مكتبك، ليس هناك مانع، أعطه أوراقاً وقل له: صف هذه فوق بعض، ابحث له عن درج كتب، وقل له: انقل هذه الكتب من ذا المكان إلى ذا المكان، وإذا أكمل أعطه جائزة، ابحث له عن شغل معين وإن كنت ستفعلها ثانية، لكن كونه يأتي وأنت مشغول فتقول له: هيا انقلع، يا ولد، لا أرى وجهك، تعالي يا أمه خذيه لا يشغلنا، هو يريد أن يتعلم شيئاً منك، يريد أن يأنس بك، يريد أن يستفيد من تصرفاتك، سوف يقلدك فيما تفعل، الصغير يقلد الكبير، أعطه قلماً وورقة فارغة وقل له: اكتب، ارسم، دعه يجلس معك قليلاً، يألفك ويأنس بك ويسمع منك، وبين الفينة والأخرى ابتسامة، قبلة لهذا الصغير، توجيه، كلمة طيبة، وكما قلت: ما أثر أحدٌ على ولده بشيء كتأثير الأب على ولده بالحب، الإقناع أن هذا الولد محبوبٌ له مكانة، ومنزلة عند والده بإذن الله ينفعه. - ثم هنا مسألة وهي: المصارحة:- المنكرات التي تشيع في مجتمع من المجتمعات، لا بد أن نصارح الأبناء بها. مثلاً: في مجتمع من المجتمعات، يسمع الإنسان أنه يكثر فيه المخدرات، لا بد أنك تأتي بالولد وتقول له: يا ولدي، هناك شيء اسمه المخدرات، وتصارحه، المخدرات أصنافٌ وأشكال وهي: كذا وكذا وكذا، وتسبب للإنسان جنوناً وهستيريا وسهراً، ومن علاماتها كذا، والذين يوقِعون الناس في المخدرات من أساليبهم: تجد واحداً ما يعرفك ويهديك شيئاًَ، يبدأ يهديك قلماً، أو يعطيك شراباً ما تدري ما هو، لا بد أن تغرس في نفسه جانب الخوف والحذر، ليس الخوف من كل شيء، بل الخوف من الأشرار أو على الأقل الحذر، الخوف من المنكر ذاته والحذر من أصحابه، فذلك أمرٌ مطلوب. كذلك مصارحة الأم للبنت: يا بُنية! ذُكِر أن فتاة لعبت بالهاتف، وكان نهايتها أنها هُدِّدت بالفضيحة، ثم خرجت مع هذا الذي غازلها بالهاتف، ثم قتلها، وفعل بها، لا بد من التخويف، لا بد من المصارحة لأي مشكلة ظهر أنها انتشرت أو ظهرت، أو فشت في مجتمعٍ ما. بعض الأبناء مساكين لا يعرف شيئاً اسمه: اللواط، وهو قد يوجد في بعض المجتمعات والعياذ بالله، وقد ينتشر. فما الذي يمنع أن الأب يحذر: يا ولدي هذه من المعاصي التي خسف الله بها قوماً وعذبهم، وأرسل إليهم جبريل وجعل عالي قريتهم سافلها، وحصل كذا كذا، هذه الجريمة القبيحة التي فيها وفيها وفيها، لا بد أن يُحَذَّر منها، ويُبَغَّض إلى نفسه فعلُها، ويُحَذَّر منها قبل أن تبدأ عنده كوامن الشهوة والغرائز وغير ذلك، من أجل ماذا؟ من أجل أن لا تفعل به وهو لا يدري، وللأسف بعض الناس يقول: لا، هذا لا يعرف شيئاً، أنا ما أقول لك: ابدأ بشرح المنكرات له؛ لكن إذا كنت في مجتمعٍ وعلمت بذلك، يعني: بعض المدارس للأسف كما يخبرني بعض المديرين فيها أنه وجد أطفالاً معهم مخدرات، أليس من حق الناشئة البقية أن يحذَّروا من المخدرات حتى لا يُعْدِي بعضهم بعضاً؟! بعض المدارس وقع فيها بعض الأطفال في مثل هذه الانحرافات الخُلُقية! أليس من حقهم أن يحذروا من مثل هذه الأمور؟! فلا بد أن يُلْتَفَتَ إلى ذلك وبأسلوب المصارحة، وبحسن التوجيه، وبالكلمة الطيبة، والعبارة الرقيقة كما قلت، فذلك بإذن الله ينفع نفعاً عظيماً. أسأل الله أن يجعل لنا ولكم من ذرياتنا قرة أعين، وأن يجعلنا للمتقين أئمة. ونسأله سبحانه أن لا يرينا في ناشئتنا وأولادنا وبناتنا سوءاً ولا مكروهاً ولا عاراً ولا كريهة يا رب العالمين. نسأل الله أن يجمعنا وذرياتنا وإياكم في جنات النعيم. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تجعل هذا الاجتماع خالصاً لوجهك؛ في موازين أعمالنا يوم نلقاك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا واحفظ اللهم ولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا، وحكامنا وعلماءنا، ولا تفرِّح علينا ولا بنا عدواً، ولا تُشْمِت بنا حاسداً. اللهم من أراد بولاة أمرنا وعلمائنا شراً وفتنة ومكيدة، اللهم فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 418

الأسئلة

стр. 419

دور الأندية في تربية النشء السؤال فضيلة الشيخ، إنا نحبك في الله! ما هو دور الأندية في تربية النشء مع العلم أن هناك نظرة متغيرة للأندية، ما توجيهكم حفظكم الله؟ الجواب الأندية لها دورٌ كبيرٌ جداً، والقائمون عليها يتحملون مسئولية عظيمة أمام الله ؛ لأن الدولة وولاة الأمور قد مكَّنوا هذه الأندية بإمكانيات لا تكاد توجد في كثير من المرافق. فبناءً على ذلك لا يمكن أن يكون هذا الدور الذي لأجله وبموجبه مُنِحت هذه الأندية الإمكانيات الضخمة إلا لأجل بناء المواطن الصالح، ولأجل ذلك تتحمل الأندية مسئولية التربية والمشاركة في نشر الكتاب النافع، الشريط النافع، إقامة المحاضرات النافعة، وهذا مما يُشْكر لهذا النادي المبارك، نادي الأنوار بـ حوطة بني تميم، جزاكم الله والقائمين عليه خير الجزاء. ومما أعرف وأعلم أن ثمة أندية كثيرة تعتني بهذا الجانب لكن المنتظَر ما هو أكثر من ذلك. أي نادٍ ستعلم في لائحة نظامه أو في مهماته أنه نادي رياضي وثقافي واجتماعي. الدور الرياضي معروف بمختلف أصناف اللعب الرياضية. لكن أين الدور الثقافي؟! وأين الدور الاجتماعي؟! لا بد أن يكون هناك دور ثقافي، وهذا يعتمد على جرأة الأخيار والصالحين، للمشاركة في هذه الأندية واستغلالها، هذه ميزانية للنشاط الثقافي، وهذه ميزانية للنشاط الرياضي، وهذه ميزانية للنشاط الاجتماعي، فلا بد أن يتنافس الجميع على قدم وساق؛ كلٌ يأتي بأروع الأدوار وأفضل النتائج، محققاً لها من خلال ما رُصِد له من هذه البنود، وهذا أمرٌ نافعٌ ومتيسرٌ وممكن. أما النظرة إلى أن الأندية شر فهذا ليس بصحيح، الأندية ما هي بأصنام، ولا هي بوحوش ولا بعفاريت، الأندية مبانٍ، إن عمرها الأخيار فهي خيرة، وإن عمرها الأشرار فهي شريرة، إن دعت إلى خيرٍ فهي خيرة، وإن دعت إلى شرٍ فهي شر، والعاقل ينبغي أن يستفيد منها، ولا بأس أن يُستفاد منها رياضياً بالقدر الذي يَبني الأبدان التي تقوى وتنشط في طاعة الله ، وحتى من واجب الأنشطة الثقافية أن توجه هؤلاء النشء الذين ربما ظن بعضهم أن التفوق والتميز الرياضي هو الهستيريا الرياضية والجنون الرياضي، إذا فاز فريق على فريق، فهذا يطلع بسيارته ويقطع الإشارة ويؤذي الناس، ويطلع بالعلم، وربما كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) يجعلها على (الصدَّام) أو على (الرفرف) أو تسقط في الشارع وتدوسها السيارات، مع أن ولاة الأمور جزاهم الله خيراً عمموا للدوريات بمنع هذا الفعل، ومن فعل ذلك سيعاقب عقوبة شديدة حتى لا تهان كلمة التوحيد، ولكن مع هذا أيضاً لا بد أن تكون هناك أدوار متكاملة، والدور الاجتماعي للأندية مطلوب جداً.

стр. 420

تقصير الناس في التربية القرآنية السؤال فضيلة الشيخ التربية على القرآن الكريم والارتباط به من خلال الحلقات التي تمتلئ بها مساجدنا ولله الحمد هي أعظم التربية؛ ولكن الناس مقصرون في ذلك من خلال عدم إرسالهم إليها أو متابعتهم إذا كانوا ممن يستفيدون من هذه الحلقات، ما تعليقكم على ذلك يا فضيلة الشيخ؟ الجواب يكفي في حلقات تحفيظ القرآن قول النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فالعناية بكتاب الله تعلُّماً وتعليماً وحفظاً وتجويداً وتلاوةً هو من خير ما يبني النفوس، وفعلاً إذا امتلأ قلب الفتى الناشئ بذكر الله نشأ على سمت ووقار واستقامة وصلاح، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (وشابٌ نشأ في طاعة الله). حلقات تحفيظ القرآن تُعوِّد الشباب أن ينشَئوا على طاعة الله، تعودهم أن يتعلقوا بقلوبهم في المساجد: (ورجلٌ قلبه معلقٌ في المساجد) فذلك من الخير العظيم. وأوصي إخواني جميعاً أن لا يقصر واحدٌ منا عن إرسال ولده إلى حلقة تحفيظ القرآن، لا تقصر في هذا الجانب، بل الواجب أن تبادر بإرسال ولدك إلى هذه الحلقة، لأنه لو يحفظ كل يوم أربعة أسطر أو نصف صفحة بإذن الله تعالى خلال زمنٍ يسير ستجد ولدك شاباً يرفع رأسك، وتفتخر، وتقول: هذا ولدي يحفظ عشرة أجزاء، قم يا ولدي استفتح بالقرآن الكريم في هذه المناسبة، في زواج أو مناسبة، أو حفلة يحضرها أمير أو وزير أو كبير، أو شيخ أو قاضٍ أو عالم، أو غير ذلك، افتتح بالقرآن الكريم، ويرتفع رأسك عزاً وكرامة أن ولدك هو الذي يفتتح هذا الحفل الكبير بالقرآن الكريم، وأنهم قالوا: فلان ولد فلان بن فلان؛ لكن لو أن ولدك ما يعرف إلا أغانٍ و (مالالوج) هل يسرك أمام الناس؟ يقال: والآن معنا المغني الصغير فلان ولد فلان، قم غنِّ، أهذا يرفع الرأس؟! طبعاً لا، والله ما يرفع الإنسان رأسه أن ولده مطرب أو رقاص أو فنان، لكن يرفع رأسك أن ولدك من حَفَظَة كتاب الله ، ويرفع رأسك أن يكون ولدك من الأخيار الأبرار الذي يُدْعَون إلى مجالسٍ يحضرها الوجهاء والكرماء والعلماء.

стр. 421

التشبه بالغربيين في الملبس السؤال فضيلة الشيخ! يلاحظ على البعض من الشباب صغار السن لبسهم (أقباعاً) على رءوسهم وكذلك لبسهم قمصان رياضية تحمل كلها عبارات مخالفة لشريعتنا السمحة، حتى أنهم لا يعرفون معناها، حتى وصل بهم الأمر لارتداء هذه الألبسة في الصلاة، والله أمرنا بأخذ الزينة عند كل مسجد، أرجو التنبيه عن هذه الظاهرة، جزاكم الله خيراً! الجواب هذه الظاهرة ليست مشكلة وحدها، يعني: لو زالت هذه الظاهرة ستأتي ظاهرة جديدة، والسبب هو: أن هناك قبولاً لرياح التغريب، الغرب يدفع أعاصير ورياحاً شديدة إلى بلاد الشرق عبر القنوات الفضائية، والذي يعرض الليلة في القناة ستجده غداً يباع في بعض محلات الرياضة، والشبابُ يلبسونه ويرتدونه، وأصبح الآن المشهد مألوفاً، الشباب الذين رأيناهم في باريس وفي بروكسل وفي استكهولم، وفي أمستردام رأينا أمثالهم وأشكالهم في شوارعنا، والسبب: أن العالم كما قلتُ قرية واحدة، هذا لابسٌ قبعةً وهذا لابسٌ قبعةًَ، وهذا لابسٌ فانيلة الشِّيْنْهَابِيْز (٣٤) لوناً، أشكال وألوان، ولابسٌ له سروالاً بشكل مزعج، وحالة سيئة، وربما والعياذ بالله تجد بعضهم في بعض الأماكن فاتحاً السيارة وفاتحاً الزجاج، ومولِّعاً الموسيقى الغربية التي لا يفقه منها شيئاً، فقط لكي يرتاح، ولو أنها تلعنه وتسب أباه فإنه يرتاح معها وهو لا يدري، لا يفقه شيئاً أبداً، هذه مصيبة، ليست المشكلة قبعةً، أو قميصاً، أو سروالاً، أبداً. المشكلة أن هناك رياح تغريب وافدة تحتاج إلى تصدٍّ قوي جداً، نحتاج إلى أن نقنع هؤلاء الشباب من خلال الإذاعة والتليفزيون والمدارس والأندية والمساجد وخطب الجمعة لنقول: إن هذه هجمة تغريبية تمسخ وجه الأمة وجيل الأمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يا أحبابي لو أن رجلاً ينتمي إلى قوم قتلوا أباك، أو قتلوا أمك، أو قتلوا جماعتك، أو آذوك وسبوك وشتموك وقذفوك، هل يسرك أن تتزيا بزيهم؟! أو تقلدهم في سمتهم؟! أو فيما هو من خصائصهم؟! الجواب لا، لا يسرك أن تقلد أعداءك، الذين يذبحونك ويؤذونك، فما بال أبنائنا يتشرفون، بل ويفتخرون أنهم يقلدون أعداءنا الذين ذبحوا المسلمين في البوسنة، وجوعوهم في الصومال، وآذوهم في بقاعٍ كثيرة من الأرض. هنا خلل في التفكير، والخلل في التفكير يجعل الجوارح تتحول باتجاهات معاكسة للإنسان، في بدن الإنسان عضو صغير اسمه الطحال، من وظائف الطحال في الجسم: تصنيف الفيروسات التي تهاجم الجسم، فإذا جاءت فيروسات تهاجم الجسم فوراً يعلن الطحال حالة النفير ويصدر مضادات داخلية هو الذي يحددها بمعادلات ومقادير، ومن ثم يتسلط عليها لقتلها، لكن إذا اختل الطحال، أصبح يرى أن كريات الدم البيضاء والصفائح ميكروبات فيتسلط عليها ويقتلها، ويكون هذا خللاً ولا يعالجه الأطباء إلا بمحاصرة شديدة لدور الطحال أو استئصاله تماماً، وكذلك إذا صار الخلل في عقلية الناشئة وأصبحوا يرون أعداءهم أصدقاء، ويرون الذين يؤذونهم قريبين لهم محبين لهم، ويرون الذين يسبونهم ويشتمونهم يرون السب والشتم مديحاً وثناءً تلك مشكلة تحتاج إلى معالجة عقلية، ليست القضية معالجة القميص والقبعة، القميص والقبعة شكل من الأشكال ومظهر من المظاهر، القضية هي المصدر الذي صدرت منه هذه التصرفات من القبعة ولبس القميص وغير ذلك. وأنا أقول وأقترح، ورددت هذا مراراً على منبر الجمعة وفي كثيرٍ المحاضرات: إنه كما يوجد عندنا أسبوع المرور وأسبوع الشجرة، وأسبوع مكافحة الإيدز، نحتاج إلى أسبوع وأسابيع لمكافحة التغريب وتعليم الناشئة كراهية الغرب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] نعلم الناشئة كيف يكرهون الصفات الذميمة القبيحة الخسيسة في الغرب، لكن أيضاً يتعلمون كيف يصنعون الصاروخ الذي صنعه الغرب، والآلة التي صنعها الغرب، والحاسوب الذي صنعه الغرب، بمعنى أن الأمور السيئة التي جاء بها الغرب نحتاج إلى أسابيع ودورات إرشادية عبر مختلف وسائل الإرشاد والتوجيه والتعليم؛ لزرع بغضائها وكراهيتها في نفوس أبنائنا وبناتنا، وإلا فإن الأمر ينذر بخطرٍ، وأسأل الله أن يدفعه عن الأمة أجمعين.

стр. 422

تربية المواشي وتربية الأولاد السؤال فضيلة الشيخ! أود في هذه المناسبة أن تلقي الضوء على بعضٍ من الآباء الذين يهتمون ببناء الاستراحات ووضع حظائر للمواشي، ويتركون تربية أولادهم فما تعليقكم على ذلك؟ الجواب هذه من المضحكات؛ أن الواحد يهتم بتربية البهائم ولا يهتم بتربية أولاده، فعلاً ربما بعضهم تجده ذاك اليوم متهللاً، لأن البقرة جاءت بعجل، والشاة الفلانية جاءت بسخلة، لكن ولده ماذا حفظ! المستوى الشهري للدراسة! هل يثني عليه المدرسون أو لا! ربما بعضهم يفتخر، يقول: عنده تيس ما دخل زريبة إلا يريح الذي فيها، هذه مصيبة، يفتخر بهذا التيس، ويفتخر بالعنز التي فعلت كذا، أما عندك أولاد تفتخر بهم وتعلمهم القرآن؟! أما عندك جيل تفتخر به وتعلمه ما ينفعه؟! مصيبة أن العقول تدنت إلى الاهتمام بالحديقة، شجرة أو شجرتين في البيت، وتلميع الألومونيوم، وتلميع الباب، وتمسيح السيارة؛ لكن الولد لا ما يُلَمَّع ولا يُعْتَنى به ولا يُلْتَفَت إليه، وكذلك تُرَبَّى المواشي، وما نقول: تربية المواشي حرام، بالعكس هذه تجارة ورزق وحلال، وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (يا أم هانئ اتخذي غنماً فإن فيها بركة) والغنم فيها بركة، والدليل على ذلك أن الكلبة تأتي بتسعة، ومع ذلك الكلاب تكاد تنقرض، قليلة جداً، ولا أحد يُؤكِّلها، والغنم من آدم إلى يومنا هذا والناس تأكلها والغنمة ما تجيء إلا بواحد أو اثنين، ومع ذلك تتناسل وتتكاثر، هذا دليل على أن فيها بركة، وفيها رزق، وكثير من الناس فتح الله عليهم بعد الخسارة إلى ربح وتجارة بسبب الغنم والإبل، والمواشي والنعم فيها خير وبركة؛ لكن الأمر الذي ينتقد هو أن تجعل اهتمامك بالبهيمة أكثر وأعظم من اهتمامك بولدك، فهذا هو العيب، ليس العيب في أن تتاجر بالغنم، بل هذا مفخرة وكرامة.

стр. 423

كيف نتخلص من الرسيفر السؤال فضيلة الشيخ، امرؤٌ رجع إلى الله وتاب كيف يتخلص الإنسان من جهاز الرسيفر؟ هل يبيعه على من يريده سواءً كان مسلماً أو كافراً؟ أم يرجعه على المحل الذي اشتراه منه ويبيعه عليه مرة ثانية؟ أرجو الإفادة وجزاكم الله خيراً! الجواب الرسيفر الذي هو جهاز استقبال البث له واحد من حلين: إما أن يُرْسَل إلى جمعية إسلامية في الخارج تستقبل به البث من المملكة العربية السعودية؛ لأنه من خلال زياراتنا للخارج نلاحظ الجمعيات الإسلامية تفرح أن يكون عندها جهاز بث تستقبل به البث الفضائي السعودي، بث التراويح في رمضان والقيام، بث خطبة الجمعة من الحرم المكي، ومن الحرم المدني، بعض البرامج الدينية التي تُبَث، فإن استطعت أن ترسله إلى جمعيةٍ تستفيد منه فهذا خير. وإلا انظر إلى الوايتات التي تقف تبيع ماءً، فضعه تحت الإطار، هذا أحسن حل.

стр. 424

أسباب انتشار المخدارت وأضرارها السؤال فضيلة الشيخ، أرجو أن تذكر وترشد عن ضرر المخدرات التي انتشرت في المجتمع، والتي هي سبب الانحراف والهلاك! الجواب لا يوجد ولد بات بريئاً وأصبح مجرماً، بات صالحاً وأصبح مروجاً للمخدرات، نام ليلة طيباً وأصبح في الصباح الباكر مجرماً، المخدرات انتشرت بأسبابٍ عديدة منها: إهمالنا في التربية. ومن الأسباب: خيانة الأمانة، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] وكون الرجل يعرف عن شخص يروج مخدرات ويبيعها ويسكت عليه والله إنه خائن خائن خائن لله ولرسوله وللمؤمنين، وسوف يخاصمه المسلمون أجمعون يوم القيامة على خيانته وصمته وسكوته، كل من يعلم عن شخص يبيع المخدرات، ويروجها ويسكت عنه سيلقى الله وهو الله عليه غاضب، سيكون خائناًَ خيانة لله وخيانة للرسول وخيانة للأمة أجمع، الإنسان لو خان صديقَه نبذه صديقُه ولا يقبله، فما بالك بمن خان كل المجتمع رجالاً ونساءً، ذكوراً وإناثاًَ. المخدرات شرها مستطير، والحديث عنها يطول، وكم من رجلٍ كان غنياً ثرياً في وظيفة وعزٍ وكرامة، وسعة ودعة ونعمة وسعادة مع زوجته وأولاده تحولت به الحال إلى أن يفصل من وظيفته لكثرة غيابه، وأن ينقطع عنه التكسب بسبب تصرِّعه وسقوطه ضحية هذا المخدر، ثم يتسلط عليه من حوله ويعبثون بماله، ثم يبدأ يبيع من أثاث بيته ويشتري منها المخدرات، ثم تهجره زوجته لأنها لم تعد تجد رجلاً كفؤاًَ، وربما بعضهم وقد وقع هذا كما أخبرني منذ قرابة شهر تقريباً قابلت الشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله وإياكم في جدة فقص لي قصة رجل قال: كان رجلاً موظفاً في وظيفةٍ مناسبةٍ طيبةٍ، وكان عنده زوجة سعيدة جميلة طيبة وعنده بُنَيَّة، وكان سعيداً، تصوروا ما الذي حصل؟ جاء أحد هؤلاء المجرمين الخونة، وزين له هذا المخدر، لا بدعوى أنه مخدر بل بدعوى أنه مريح للأعصاب، ويعين على فك الإجهاد الذي يعاني منه بعض الناس في العمل، ولذلك إذا أعطاك أحدٌ حبوباً وقال: لاحظ أنها طيبة، إذا طلعت من العمل تعبان كلها وسترتاح، اعلم أن ذلك ربما أراد بك شراً، والمرة الأولى الذين يروجون المخدرات يعطونك مجانياً؛ لكن المرة الثالثة أو الثانية ربما يبدءون في تشغيل فاتورة الحساب. ولذلك الواحد إذا عُرض عليه دواء من أحد، يا أخي ما بينك وبين المستوصف أو الطبيب خطوات، تقول: والله فلان أعطاني الدواء هذا، هل آكله أم لا؟! لا تأكله، ولا تأخذ إلا من صديقك الذي تثق في دينه وأمانته ونشأته، وتعرفه، ولا يخالجك شك في إخلاصه لك، فلا بأس، لكن يأتيك واحد رأيتَه مرة أو مرتين في العمل، أو راجعك أو شيء، وقال: والله يا أخي تفضل، كأنك تعبان، ماذا في عينك؟ -قد لا يكون فيك شيء- ماذا في عينك، أكيد عليك علامات الإرهاق الشديدة، أنت والله حالتك صعبة جداً، يا أخي أنا أعرف واحداً كان مثلك، مديراً ومسئولاً ومشغولاً وكذا، فأعطاه أحدهم حبوباً مريحةً جداً، وسليمة، وأثبتت لجنة الطب الأولمبي أنها لا تؤثر على جهاز المناعة، ولا إجهاد البدن، ولا غير ذلك. فيقول له: خير أعطنا، ائت بها. ثم يأخذ له علبة أو علبتين. فيقول: يا أخي! الله يريحك في الجنة، ريَّحتني. وبعد ذلك ينقطع عنه، يبحث عنه، أين هذه الحبوب، ائتوا بها، ردوها، هاتوها. يقول له: حَسَنٌ أنا أدبرها لك، بل ويقول له: تعال ومرَّ عليَّ في البيت -لكي يعرف البيت-. ومرة ثالثة يقول: لاحظ الحقيقة هذه حبوب أصبحت ثمينة وغالية، ولكن هذا الشريط بمائة ريال، يأخذ الشريط بمائة، المرة الثانية الشريط بثمانمائة، بألف، ولا يزال يأخذ يأخذ، ولا يستطيع تركها أبداً، فيبدأ يسهر بها، تحمر عيونه، يخمل في عمله، يتأخر، يفصل من وظيفته. يقول الشيخ سعيد: فوقع لهذا الرجل بالضبط مثل هذه القصة، قصة طويلة وتفاصيلها خاتمتها أنه جاء إليه الرجل، قال: ما ترك شيئاً في البيت، حتى حلي زوجته باعه، باع الأثاث، والمواد الكهربائية في البيت باعها، قال: فجاءه الرجل، قال: يا أخي أينك؟ أرجوك أعطني حبوباً من هذه التي عندك، اجعلني أرتاح. قال: ما عندي شيء. قال: دعنا ندخل، ما أمر إلا وفيه حلاَّل. فلما دخل صاح الرجل على زوجته: يا فلانة أعطينا الشاي. أرسلت الطفلةَ الصغيرة بالشاي، دخلت الطفلة الصغيرة بالشاي وضعت الشاي وذهبت. وقال الرجل: ألا تريد أن تشتري؟ قال: ما عندي نقود، من أين أعطيك؟ قال: تعطيني هذه البُنَيَّة الآن وأعطيك الذي تريد. قال: فما كان منه أن دعاها وأغلق الباب، وأغلق باب المجلس، ومكنه منها، وأخذ مقابل ذلك حبوباً مخدرة. يا إخواني ماذا تتصورون من المخدرات التي تجعل الرجل يبيع عرضه وبنته ووجهه وأسرته وكرامته ودينه؟! لا شك أنها شرٌ مستطير، ولذلك أقول: لا بد أن نحذر الأبناء من شرها، كما قال الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا وقع فيها الرجل وهو لا يعلم، ولذلك من الواجب على كل مدرسة وكلية ومعهد رجالاً ونساءً، ذكوراً وإناثاً، ودوائر صحية وعسكرية وأمنية ومدنية، وجميع القطاعات أن تكرر التحذير والعرض، وكشف الأساليب والخدع التي من خلالها يروج أهل المخدرات سمومهم حتى لا يقع الناس بها. أسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه من الشر وأسبابه.

стр. 425

المعصية في الخلوة السؤال فضيلة الشيخ، أنا ولله الحمد شابٌ ملتزم، وأدرس في حلقات للقرآن الكريم ومع خيرة الصحبة، ولكن ما ألبث أن أترك أصحابي الخيرين الذين يذكرونني بالآخرة، ما ألبث أن أعود إلى البيت فأنظر للتلفاز فتثور غرائز الشهوة والمنكرات وهكذا، فما نصيحتكم لي جزاكم الله خيراً؟ الجواب الذي أوصيك به وصية الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. الزم هؤلاء، صحبة الخير الذين يقودونك إلى مرضاة الله ، ولا تنفرد بنفسك ما دمت تعلم أنك إذا خلوت تسلطت إلى المنكرات والصور العارية، والأمور التي لا ترضي الله ، لا تخل بنفسك: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، (المرء قويٌ بإخوانه ضعيفٌ بنفسه). فالزم هؤلاء الأخيار، ولا تفارقهم، واجعل جل وقتك معهم. ولا تسمح لنفسك أن تخلو إلا لأمر لا بد لك منه، أو في قضاء حاجات أهلك قبل إخوانك، وهم مقدمون في ذلك. ثم بعد ذلك اجعل جل وقتك ما استطعت لمجالس الخير. والعاقل الذي يريد الخير والثواب والعلم والفضيلة لن يجد وقتاً حتى يملأ به كل هذه البرامج التي تتزاحم أمام وقته، لكن الفارغ فارغ، والإنسان بين خيارين: إما الحزم. وإما الضياع. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →