Полный текст (3 155 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
العداء للإسلام من ثوابت السياسات اليهودية والنصرانية
أخيراً أيها الأحبة! ينبغي أن ندرك أن العداء للإسلام من ثوابت السياسات اليهودية والنصرانية، حتى وإن وقفوا معنا موقفاً يساعدنا ويساندنا، والحمد لله الذي سخرهم لنا فيه، لا يعني ذلك أن تبقى أمريكا حبيبة القلب والروح، أو تبقى دول الحلفاء حبيبة القلب، لا والله.
نحن نشكر الله أن سخرهم لنا في هذا المضمار ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣].
كلمات الشكر يمكن أن نزجيها لهم في صد هذا العدوان بمشاركتنا فيه، لكن أن نحبهم، أن نشعر في القلب بطمأنينة وارتياح وولاء وخضوع لهم، لا.
هذه مسألة من أخطر المسائل التي نحتاج إلى فهمها، والتفريق فيها في كل حال.
مسألة فاتت عليّ بالمناسبة فيما يتعلق بالشارع الإسلامي، في إحدى الدول قامت مظاهرات تريد المشاركة مع المجاهد الأكبر صدام حسين، لطرد القوات ومقاتلة الحلفاء، أحد المسئولين السياسيين في تلك البلد، أحضر سيارات وقال للذي سيذهب يقاتل مع صدام هذه سيارة يركبها، لم يقف إلا أربعة، فوجدوا أن السفارة العراقية قد أعطت هؤلاء المتظاهرين أجوراً على هذه المظاهرة، خذ استلم واذهب ظاهر مع الناس لا أقل ولا أكثر، فينبغي ألا ننزعج من هذه المسألة أبداً.
стр. 597
إيجابيات أزمة الخليج
стр. 598
اقتناء السلاح والتدرب عليه
وينبغي ألا نكره هذه المصيبة، فلعل أقل ما فيها أن الناس أصبحوا يحبون أن يقتنوا السلاح، أن يتدربوا على السلاح، أن يحدثوا النفس على الجهاد: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو؛ مات على شعبة من النفاق) أصبح الإنسان يشعر أن الدولة ليست هي كل شيء، نعم الدول من واجبها إعداد الجيش، القوة العسكرية اللازمة لصد العدوان، لكن لا يعني ذلك أن يبقى الإنسان امرأة.
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
أن يبقى الإنسان امرأة لا يعرف كيف يقاتل أو يدافع، أو يتدرب ويتطوع، أو يتمرن، لا.
(ارموا واركبوا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا) (ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا) (من تعلم الرمي ثم تركه، فتلك نعمة جحدها أو كفرها).
أمة جهاد: الرمي وصية أحد الصحابة: [علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل] أن تتعلم الرجولة، لعل هذه من الأمور التي بينت لنا حاجتنا إلى أن نتعلم حمل السلاح، وأن نتعامل معه جيداً.
стр. 599
كشف الصداقات العربية الزائفة
كذلك من الإيجابيات في هذه المحنة، كشف الصداقات العربية الزائفة، كنا نظن دول المواجهة والصمود والتصدي، وجبهة كذا وجبهة كذا، والقوة العربية والوحدة العربية، ومؤتمر القمة، والذي عنده تسجيل وثائقي بالفيديو لآخر مؤتمر قمة عربي عقد في بغداد، يقارن به الوضع الحالي في واقع الدول العربية، تضحك وتملأ فاك بالضحك، من الشعارات والكلام والعبارات الجوفاء، وفي نفس الوقت تجد الواقع الذين نعيشه:
وإخواناً جعلتهم سهاماً فكانوها ولكن في فؤادي
وإخواناً حسبتهم دروعاً فصاروها ولكن للأعادي
فمن نعمة الله أن الأمة عرفت أعداءها، وعرفت كيف تواجه وكيف تقف، وكيف تعطي وكيف تمنع وكيف تمول، كل هذه لعلها من الدروس التي نفيدها ونستفيدها من هذه القضية الخطيرة.
стр. 600
زيف الشعارات الجوفاء
كذلك من الدروس أيها الإخوة! لا حياة لنا، ولا عزة لنا، لا بقاء لنا بالشعارات الجوفاء، التراب العربي، والأرض العربية، والدم العربي، والكلام الفارغ كله أثبت فشله للمرة الخامسة والستين، ليس للمرة الثانية، العروبة في حرب سبعة وستين أتت بالمصائب في حرب الأيام الستة، في حرب ثلاثة وسبعين، لم تأتِ هذه العروبة على الأمة بخير أبداً؟ لأن التجمع على أساس العصبية والإقليمية تجمع فاشل أبداً.
لكن التجمع على الكفر يختلف، ألمانيا الشرقية لما هدم سور برلين ودخل الألمان الشرقيون إلى ألماني الغربية، فتح الألمان الغربيون لهم صدورهم، وفتحوا الكنائس لهم، وأخذوا يمدونهم ويعطونهم، وتذكروا قول الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣] ولاية حقيقة بين الكفار فيما يعتقدونه، أو على الأقل في عداوتهم للإسلام ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] إن لم نكن نحن على مستوى الولاء الكامل للعقيدة والدين؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
فلا بد أن ندرك أن دعاوى العروبة دعاوى فاشلة، وأنه لا يمكن أن نتحد إلا بالإسلام، لا يمكن أن نجتمع إلا على الإسلام، دعوى العروبة ودماء العروبة والكلام الفارغ، وجميع الشعراء الذين شاركوا في مهرجانات المربد الثقافية في العراق، وما يتعلق بها، وطالما تغنوا بأغصان الشجر العربي، والطير العربي، والعروبة وما أدراك ما العروبة، وكما يقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري أسكنه الله فسيح جناته، وجمعنا به في مستقر رحمته وإياكم، يقول: كانوا يدرسون الطلاب أنا عربي عربي أحب كل عربي، العروبة جروبة، ﵀ رحمة واسعة، كان يفقه هذه القضايا السياسية من سنين طويلة مضت، والآن يرى العرب هذه الشعارات التي كانوا يتغنون بها.
هذا ما جرته العروبة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلا بد إذا كان هناك ولاء وتجمع وتكتل، فليكن على سبيل الحق، وفي سبيل الدين وشعار الإسلام والعقيدة: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] أن نجتمع على دين، وأن نحمله بقوة عظيمة بإذن الله جل وعلا.
стр. 601
واجباتنا في ظل الأزمة
стр. 602
الدعاء والعمل الصالح
كذلك أيها الإخوة! من واجبنا في هذه المحنة أن نكثر من الدعاء ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] من الذي صرف هذه الصواريخ؟ شيء سقط في البر، وشيء يسقط رأسه التقليدي، وشيء يسقط في مكان ليس فيه أحد، أو في عمارة ليس فيها سكان، هذا الدعاء والقنوت، لعل الله جل وعلا أن يرحم الأمة به، ويا أخي لا تستقل شيئاً، يأتي يوم تصوم فيه، ما يدريك أن الله جل وعلا ببركة صيامك ذلك اليوم يرحم الله هذا الحي فيبعد الصاروخ عن هذا الحي قليلاً، سجودك وركعوك وصدقتك: (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب) لتدفع سبعين باباً من أبواب البلاء، لا تستقل عملاً أياً كان، بل عليك أن تجتهد بقدر ما تستطيع في بذل جميع الأعمال الصالحة، واجعلها أمامك لعل الله أن يتقبلها منك، وأن يدفع ذلك البلاء عنك: [ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بعمل صالح وتوبة].
стр. 603
التوبة والاستغفار
كذلك اكثروا من التوبة والاستغفار: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] دعاء الكرب: (لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين) دعاء ذي النون ودعاء الكرب: (لا إله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم) ينبغي أن نردده دائماً في صلواتنا، وفي قنوتنا، وفي دعائنا وفي سجودنا، بإذن الله جل وعلا.
كذلك من التوبة رد المظالم، حقوق الناس، أموال المساكين، الظلم، من كان ظالماً في مال أو في عرض، أو ظالماً لزوجه، أو لقريب، أو لضعيف، أو لفقير، فليتق الله وليقلع عن الظلم، كما في الحديث: (أن شاباً دفع امرأة عجوزاً على وجهها، فسقطت وانكسر إناؤها، فالتفتت إليه، وقالت: ستعلم يا غدر إذا وقفت بين يدي الله جل وعلا، فأعجب النبي ﷺ قولها، وقال: هلكت أمة؛ لا يقتص لضعيفها من قويها، أو لا ينصف المظلوم فيها) أو كما قال ﷺ .
العدالة في تطبيق الحدود (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها) ترك الربا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] التوبة إلى الله من هذه الأمور جميعاً هي من أسباب دفع البلاء ورفع الكربة والغمة عن الأمة أجمع.
стр. 604
الوقوف مع العلماء وولاة الأمر
وأقول أيها الأحبة: هذا أوان الوقوف مع العلماء ومع ولاة الأمر، ومع جميع المخلصين الغيورين على هذه البلاد، لا أن تقف غيرتنا عند قيادة امرأة، أو عند تمريض النساء، وعندما تأتي القضايا الكلية الكبرى، نجد من يهرب إلى مكة أو إلى المدينة، أو يعتزل يميناً ويساراً، لا.
هذا وقت العمل والجد والجندية والتطوع، اعرفوا هذا جيداً، ولندرك أن في هذا جهاداً في سبيل الله جل وعلا.
стр. 605
عدم التقليل من شأن العلماء المخالفين
ختاماً أيها الأحبة! قد يكون من أحبابنا أو من دعاتنا أو من علمائنا، من أخطأ تحليل الأحداث قبل الحرب، وقال مثلاً: لن تقوم حرب أبداً، فقامت حرب، أو قال: هذه القوات لن تقاتل، فقاتلت، وصدت شراً عظيماً أنتم رأيتموه بأعينكم، أو قلنا سيحدث كذا وكذا، فوجدنا خلاف ذلك، هل هذا الخطأ في التحليل، أو عدم الدقة في التحليل، هل هذا يقلل من شأن دعاتنا؟ أو يقلل من شأن علمائنا؟ كم هدى الله على أيديهم من الضلال، كم سهروا الليالي، كم تعبوا في الطلب والعمل والجد والتحصيل، لإفادة شبابنا وأبنائنا، كم تحملوا في سبيل الله، كم لاقوا لوجه الله جل وعلا، هل عند هذا، أو عند أتفه تحليل معين أو قضية معينة، نقول: لا.
فلان قال لا يوجد حرب في الشريط الفلاني، وقامت حرب.
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
هب أنه أخطأ، هل أخطأ متعمداً أم مجتهداً؟ أخطأ مجتهداً، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، فالخطأ في تحليل الأحداث قبل بداية الحرب ينبغي ألا يكون سبباً في الاستهزاء أو في التقليل من شأن بعض الدعاة أو العلماء حينما حللوا تحليلاً قد يكون فيه عدم دقة في تحليل الحدث، وما الذي حصل؟ إنسان رأى رأياً وتبين الأمر بخلافه، لا نسمع له شريطاً، ولا محاضرة، ولا نستفيد من دروسه ومواعظه، ولا من كتبه ومؤلفاته لا.
انتبهوا يا شباب الصحوة؛ حتى لا تضربوا، فتنشقوا فيما بينكم، وتختلفوا على أنفسكم، هذا اجتهاد مضى، فإن كان صواباً فلصاحبه أجران، وإن كان خطأ فلصاحبه أجر؛ لأنه معاذ الله أن يضلل أو يجتهد في التضليل أو الكذب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ختاماً: أسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا الاجتماع مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده معصوماً، وما سمعتموه إن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، أستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 606
عزة المسلم
العزة خلة نادى بها الإسلام، وغرسها في نفوس الناس، ونشرها في أنحاء الأمة، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (أحب من الرجل إذا سيم خطة خسف أن يقول بملء فيه: لا) ولقد هدى الإسلام إلى أسباب العزة وبيَّن أسبابها وموانعها التي تحول دونها ودون بلوغها، فالمؤمن عزيز وغيره ذليل، ومنبع العزة عند المسلم هو إيمانه بالله وتوحيده.
стр. 607
حقيقة العزة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله: أشكر الله ثم أشكركم على اجتماعكم في هذا المكان المبارك، ونسأل الله أن يجمعنا بكم في دار كرامته، وأسأله سبحانه ألا يحرمنا وإياكم أجر ما سألنا وقصدنا وطلبنا في هذا اللقاء، وهو أن يذكرنا الله فيمن عنده، وأن تحفنا ملائكته، وأن تتنزل علينا سكينته، وأن تغشانا رحمته، وأن نكون من عباده الصالحين المتواصين بالحق والصبر والثابتين عليه.
أحبتنا في الله: إنه لمن دواعي السرور والغبطة والمحبة أن يتشرف الواحد بالحديث بين أحبةٍ في الله، فيهم من هو خيرٌ منه، وفيهم من هم أعلم بالكلام منه، وفيهم من هم أحبابٌ يستفيد منهم ويفيدهم، ولا بد من هذا اللقاء، ولا بد من هذا الاجتماع، إذ فيه بإذن الله شحنةٌ إيمانية تحرك الهمم، وتدفع العزائم إلى القمم، وتدفع بالنفوس إلى مرضات الله ، وحسبنا أنه اجتماع على طاعة، وسلامة من الجلوس على معصية.
أحبتنا في الله: موضوعنا عن عزة المسلم يجعل سائلاً يتساءل الآن ليقول: أي عزةٍ تتحدث عنها في زمن الذل مقابل السلام؟ وأي عزة تتحدث عنها في زمن تسلط اليهود على أمة الإسلام؟ وأي عزة تتحدث عنها وكل يومٍ نسمع فيه أنباء المقابر الجماعية في البوسنة وكوسوفا وفي غيرها لأبناء المسلمين؟ وأي عزة تتحدث عنها وحرب الصوت والصورة والكلمة عبر القنوات الفضائية، لا تدع جداراً للحياء إلا هدمته، ولا تبقي سوراً للعفاف إلا صدعته وكسرته، فأي عزةٍ تتحدث عنها وشعوب المسلمين تحكمهم القوانين الوضعية، ويعرض بهم عن هدي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إلا من رحم الله وقليلٌ ماهم.
أيها الأحبة في الله: ما أكثر الذين تحدثوا عن العزة؛ إن الآباء والأجداد الذين تحدثوا وتغنوا بالعزة القعساء والمجد الأشم كثيرون، ولكن في هذا الزمن الذي أصبح الحديث فيه عن العزة نادر، بل إن أعداء الإسلام لا يرضون من المسلمين إلا أن يكونوا أتباعاً وأذناباً وقردة وببغاوات، يقلدون ويرددون، ومن أراد أن ينفرد بمنهجه أو يتميز بسبيله، أو يتعلق بما أكرمه الله به، قابلوه بكل عبارات الأصولية والتطرف والإرهاب والتزمت والتعنت والتشدد والبلاء والتخريب والتدمير والفساد وغير ذلك.
نعم، كثير هم الذين يتحدثون عن العزة عازمين أو حالمين، صادقين أو واهمين، ولكننا -أيها الأحبة- نتحدث عن عزةٍ ليست آلة تتقلد، ونتحدث عن عزةٍ ليست لباساً يلبس، ونتحدث عن عزةٍ ليست قصوراً ودوراً تسكن، وليست أنهاراً تجري وتشق، وليست مناصب ومراتب وأحساب وأنساب، إنما نتحدث عن عزةٍ هي مرتبطةٌ بمن له العزة وحده لا شريك له، من استمده منه وحده العزيز الجبار جل وعلا، فهو العزيز، ومن طلبها من غيره ذل وانكسر (كأنما تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).
أحبتنا في الله: كان العرب قديماً يظنون أن العزة كائنةٌ في الهيئات والأشكال والأنساب والقوى والعدد يظنونها على الماديات قائمة، وعلى سلالات الأنساب متكئة؛ فأنت العزيز الكريم بشرط أن تكون قوياً غنياً عرق النسب، وقديماً قيل: إنما العزة للكافر، لكن كان من العرب عقلاء أذكياء يرون العزة خلاف ذلك، إذ يقول قائلهم:
تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليلٌ وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
العزة: خلةٌ نادى بها الإسلام وغرسها في نفوس الناس ونشرها في أنحاء الأمة؛ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: [أحب من الرجل إذا سيم خطت خسف أن يقول بملء فيه: لا].
ولقد هدى الإسلام إلى أسباب العزة، ولقد بين الإسلام أسبابها وبين موانعها، التي تحول دونها وبلوغها، فالمؤمن عزيزٌ وغيره ذليل، وهكذا أهل الإسلام: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٦] بعكس الكفرة الفجرة: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم:٤٣] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران:١١٢].
إن ارتكاب الآثام سبيل السقوط والإهانة، ومزلقةٌ إلى خزي الفرد والجماعة، وقد بيَّن سبحانه أن الهزيمة في غزوة أحد سببها ما ارتكبه البعض من مخالفات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٥٥] ولذا بيَّن أن مصاب المؤمنين من أنفسهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخيرٌ لنفسك عصيانها
إن الذلة والهوان هي ضد العزة، وسببها الإعراض عن الله وشرعه وهدي رسوله ﷺ .
стр. 608
معاني العزة في اللغة
العزة: صفةٌ من أوصاف الله تعالى واسمٌ من أسمائه؛ فهو العزيز، أي: الغالب القوي، وهو المعز الذي يهب العزة لمن يشاء من عباده، وقد تكرر وصف الله بالعزيز في القرآن بما يقارب تسعين مرة، وذكر الخطابي ﵀ في كتابه" شأن الدعاء " أن العز في كلام العرب على ثلاثة أوجه: الأول: معنى الغلبة والقهر؛ أي: يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال: عز الشيء يعز بكسر العين من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له ولا مثيل والله أعلم.
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن عزة الله متضمنةٌ للأنواع السابقة كلها، وهي: عزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وهو وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت.
الثاني: عزة الامتناع؛ فإنه الغني بذاته، فلا يحتاج إلى أحد، ولا يبلغ العباد ضره فيضروه، ولا نفعه فينفعوه، بل هو الضار النافع المعطي المانع سبحانه.
الثالث: عزة القهر والغلبة لكل الكائنات؛ فالله غالبٌ على كل شيء، والكائنات مقهورة لله خاضعةٌ لعظمته منقادةٌ لإرادته، فجميع نواصي العباد بيده، لا يتحرك منها متحرك، ولا يتصرف فيها متصرفٌ إلا بحوله وقوته وعزته وإذنه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول ابن الجوزي ﵀: قال بعض المفسرين: العزة في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: العظمة، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢].
الثاني: المنعة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩].
الثالث: الحمية؛ ومنه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦] وقول الله : ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص:٢].
وقد أشار سبحانه في كتابه المجيد أن العزة خلقٌ من أخلاق المؤمنين التي يجب أن يتحلوا بها ويحرصوا عليها، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، وقال عن عباده الأخيار: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح:٢٩] والشدة على الكافرين وعلى أعداء الله تستلزم العزة، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] وهذا يقتضي أن يكونوا أعزاء.
وهذه الآية: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران:١٣٩] تخبرنا وتعلمنا وتبين لنا أن الله يعلمنا إباء الضيم، وهو خلقٌ يفيد معنى الاستمساك بالعزة والقوة وعدم الرضا بالمذلة والهوان، وإن كنا ذكرنا أن القرآن كرر لفظة (العزيز) عشرات المرات، وأنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأنه القوي القاهر المتين الجبار، كأنه أراد بذلك وهو أعلم أن يملأ أسماع المؤمنين بحديث العزة والقوة، فإذا ما سيطر عليهم اليقين بعزة ربهم، استشعروا القوة في أنفسهم واعتزوا بمن له الكبرياء وحده في السماوات والأرض، وأبوا الهوان حين يأتيهم من أي مخلوق، وفزعوا إلى واهب القوى والقدر، يرجونه أن يعزهم بعزته، وكأن الله قد أراد أن يؤكد هذا المعنى في نفوس عباده حين جعل كلمة "الله أكبر" تتردد كل يومٍ في أذان الصلاة مراتٍ ومرات، وتترد أثناء الصلاة وفي التكبيرات والانتقالات، ونرددها في الصلوات كل يوم نشعر بذلك أن الكبرياء لله وحده، وأن عباده يلزمهم أن يلتمسوا العزة والقوة من لدنه، وأن يستوهبوا العزة من حماه ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ [فاطر:١٠] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦].
ربنا خالقنا يريد أن يهدينا إلى الطريق الذي يصون لنا عزتنا وكرامتنا، ربنا يريد لنا أن نبقى محصنين دون الرضا بالهوان، أو السكوت على الضيم، فأمرنا بالاستعداد والإعداد والتقوى بحفظ الكرامة والذود عن العزة، فقال لنا مولانا : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
نعم! القوة هي التي تجعل صاحبها في موضع الهيبة والاقتدار فلا تطأه الأقدام.
كن قوياً يحترم بين عربٍ وعجم
стр. 609
الإسلام دين العزة
أيها الأحبة: ديننا يعلمنا أننا أعزاء وإن لم نلبس إلا رديء الثياب، وديننا يعلمنا أننا أعزاء وإن لم يكن لنا في الأرصدة ريال ولا دينار ولا درهم، يعلمنا أننا الأعزاء وإن لم ننل شيئاً من المناصب والرتب ويعلمنا أننا الأعزاء وإن لم نرتبط بأنسابٍ وأحسابٍٍ يفاخر بها أهل الجاهلية، ديننا يعلمنا أن العزة فيمن تعلق بالعزيز وحده لا شريك له؛ فربنا يعلمنا الإقدام والثبات في مواطن اليأس، موقنين أن الله العزيز القوي معنا، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٠٤] ويقول سبحانه: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
لا تكن ذليلاً خواراً جباناً ضعيفاً، بل كن علياً شامخاً بإيمانك قوياً باعتقادك، مم يخاف المسلمون وهم يملكون أعظم شيء وهو الإيمان؟ القوة التي تتحطم عليها قوى الفساد والشرك والإلحاد، مم نخاف والله معنا ناصرنا ومؤيدنا؟ هذا موسى لما قاس أمر مجابهة فرعون بمقاييس البشر، قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] فجاءه الأمان من الله، إن الله معك، إن الله ناصرك، إن الله مؤيدك وحافظك، قال: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ولما رأى موسى قوة وجبروت وعزة وملأ وجند فرعون، وهيله وهيلمانه، أصابه شيءٌ من الخوف أو التردد، نعم هو رأى اجتماع القوم وعدتهم: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٤] قومٌ علوا وعزّوا بالباطل، وهكذا هم أهل الباطل يتعززون بأنفسهم وقواهم، فجاء لموسى من ربه: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه:٦٨] يا رب! هم ملايين وأنا واحدٌ، فيقول الله له: ((لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)) [طه: ٦٨] يقول: يا رب! هم أقوياء وأنا ضعيف، فيقول الله له: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه:٦٨] أنت الأعلى بإيمانك، وأنت الأعلى لأن الله معك، هكذا الإسلام يدعونا للعزة ولرفع الذل والمهانة والدون.
ليست هذه دعوةٌ -يا عباد الله- إلى بغيٍ وطغيان، وإنما الإسلام يريد أن نكون معتزين بأنفسنا وبإيماننا، ولن يكتفي ديننا بتحريضنا على إباء الضيم وإيثار العزة تحريضاً يقوم على الأمر الصريح أو التوجيه المباشر، بل عمد إلى ضرب القصص من الأمم الماضية التي رفضت التنازل عن المبادئ والعقيدة، لم تهن ولم تضعف ولم تستكن، بل صبرت وصابرت وكافحت وناضلت حتى ظفرت وانتصرت ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٨] ها هو الإسلام يريد من المسلم أن يتنازل ويتخلى ولو عن الوطن ومكان الأهل وملاعب الصبا ومراتع الطفولة، إذا كان البقاء في ذلك يورث الذل والمهانة والقهر:
حبك الأوطان عجز ظاهرٌ فاغترب تلق عن الأهل بدل
ليهاجر وليرحل إلى مكانٍ يجد فيه العز والحرية، حتى ولو كانت أحب الديار إليه، وأقرب مثالٍ على تحقيق ذلك: هجرة المصطفى ﷺ ، وهجرة أتباعه معه، من أحب البقاع إلى أنفسهم، هجروا الأموال والأوطان، بل والأولاد، كل ذلك كي لا يصيبهم في دينهم ذلٌ أو مهانة:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس العلقم
ولذلك عاب الله على قومٍ عاشوا بين ظهراني الكفار وديارهم، فقال سبحانه لأولئك الذين عاشوا في ديار الكفار أذلاء ولم يهاجروا طلباً لعزة الإسلام وعزة العبادة، قال تعالى في شأنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٧] بم ظلموا أنفسهم؟ بالبقاء بين ظهراني المشركين، ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:٩٧] إلا أن الله برحمته الواسعة عذر العاجزين الذين يفقدون القدرة على الانتقال، ولا يجدون وسيلة أو يهتدون حيلة، فقال سبحانه: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩] وهذا التعبير يشعر بكراهية الإسلام للمسلم أن يحتمل الهوان والذل، وذلك استنهاض للهمم حتى تبذل الجهد كله في التخلص من الهوان بأصنافه، هكذا الإسلام يريد المؤمن أن يعيش في عزةٍ وإباء وكرامة، لا ينزل مع الظالمين أو الضالين، ولا يسقط في التفاهات، بل يترفع عن المغريات، ويحفظ نفسه من المستنقعات الشركية والدنيوية.
стр. 610
منبع العزة عند المسلم
إن عزة المسلم تصدر من إيمانه وتنبع من ذاته، لا من الأشياء التي يمتلكها، فمن يكون مؤمناً فهو عزيز، ولذلك قال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] متى يحصل هذا العلو؟ متى تتحقق هذه العزة؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:٨] فهي لأهل الإيمان والإسلام دون غيرهم، بغض النظر عن أي شيءٍ أو وصف آخر، هذا ما فهمه المسلمون.
وإليك هذا الحديث الذي رواه الحاكم وغيره في قصة أسامة بن زيد ﵁، حينما ذهب حكيم بن حزام إلى السوق فوجد حلةً تباع، فقال حكيم: لمن هذه؟ فقالوا: هذه حلة ذي يزن، ملك من ملوك اليمن، فاشتراها بخمسين ديناراً ثم ذهب إلى الرسول ﷺ وأهداها إليه، فلبسها ﷺ ، فصعد المنبر بها فما رؤي من ذي حلة أجمل منه ﷺ يومئذٍ، ثم خلعها لأنه معرضٌ عن الدنيا، وألبسها أسامة بن زيد، ألبسها حبه وابن حبه ومشى بها في السوق، فرآه حكيم بن حزام وكان قبل إسلامه، فتعجب حكيم من أسامة الرجل الأسمر الصغير أبوه مولىً لرسول الله ومع ذلك يلبس حلة ذي يزن، فقال أسامة بن زيد: نعم والله لأنا خيرٌ من ذي يزن وأمي خيرٌ من أمه، وأبي خيرٌ من أبيه.
إذاً: أسامة الشاب الصغير الذي استصغره الناس سناً ونسباً وشكلاً، يشعر أنه أعظم منزلةً من ذي يزن ملك اليمن، لا لشيء إلا لأنه مسلمٌ وهذا كافر، وهذا هو مصدر العزة، إذا أيقن به المؤمن عانقه شعورٌ بالرفعة والقوة والفخر ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] وإذا أيقن المسلم بهذا أنف أن يخضع لغير الله، واستنكف أن يذل أمام سواه، فلا يتضعضع أمام قهر، ٍ ولا يهون أمام فقرٍ، وكأنه يردد قول القائل:
أيدركني ضيمٌ وأنت ذخيرتي وأظلم في الدنيا وأنت نصيري
فعارٌ على راعي الحمى وهو قادرٌ إذا ضاع في البيداء عقال بعير
الإيمان يجعلك في موقف العزة التي لا تقبل شكاً ولا تردداً، لأن المؤمن يأوي إلى ركنٍ شديد، وإلى منهجٍ صادقٍ واضحٍ جليٍ سديد، وإلى فعلٍ حميد.
الإيمان هو الذي جعل إبراهيم ﵇ في موقف القوي، ليقول للكثرة الكافرة التي أججت النار لتحرقه بها، يقول لهم وهو الذي قيد وربط ليرمى في النار، يقول لهم في كل عزةٍ: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء:٦٧] ليجعل الله الخسار والذلة لمن عاداه: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٧٠] كذلك يكون المؤمن معتزاً، يرى أنه القوي وأعداؤه الضعفاء، لا يتردد ولا يداخله الشك، ولا تهزه ألوان الأذى ولا التهديد، كل ذلك إذا تغلغل الإيمان فيه.
ها هو فرعون يهدد السحرة الذين انقلبوا عليه بين عشيةٍ وضحاها، فقال يهددهم: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٢٤] فماذا كان جواب أهل العزة الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فانقلبوا منذ أن كانوا من قبل سحرة، انقلبوا إلى أعزاء بالإيمان، فماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] لماذا؟ ما الذي جعلهم ينقلبون بهذا التحول الخطير؟ ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣] السبب أننا عرفنا الحقيقة، والسبب هو الإيمان وحده ولا شيء غير الإيمان.
إن قوة الإيمان تتضاءل أمام عزتها وقوتها قوة الشرق والغرب ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤] إن أي عزة تقوم على غير الإيمان بالله فهي عزةٌ واهية باطلة منقضية فانية متصدعة، وإن أي رفعة ومنعةٍ وقمةٍ وعلو تكون بغير الله، فهي زائلة عما قليل، تحول وتزول وتنتهي، حتى وإن استمرت في بغيٍ وطغيان، ولذا أبشركم بسرعة تصدع العزة الباطلة، وعزة الغرب بالباطل التي يتغطرسون بها على أمة الإسلام، يجوعون شعوباً ويدمرون آخرين، ويضربون دولاً ويحبسون المياه ويثيرون الفتن، ويحاربونهم بالاقتصاد ويسلطون الأفلام ويفسدون الإعلام ويخربون العقول، هم الآن يعيشون حالةً من عزة السيطرة في زمن العولمة، ولكن اسمعوا قول الله : ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧] مهما علا وتكبر فإن مصيره الهلاك ومصيره العقاب والبوار والدمار، لماذا يكون مصيرها هكذا؟ لأنها أممٌ قامت وعلت على الظلم والشرك والإفساد، والله لا يصلح عمل المفسدين.
стр. 611
العزة الكاذبة
أيها الأحبة في الله: حينما نجول في القرآن الكريم، نجده يتحدث عن أصناف من الناس ظالمٍ غاشمٍ أخذوا العزة الغاشمة الزائفة، ويظنون أنهم في عزةٍ ثابتةٍ مستقرة، كما أخبر الله عن شأن بعض الطغاة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] أي: حملته عزته الكاذبة الجائرة والتي هي شبيهةٌ بحمية الجاهلية، حملته على الإثم المنهي عنه، وأغرته بارتكابه، فماذا كان جزاؤه؟ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] المؤمن إذا قيل له: اتق الله، ذل وخضع لله فازداد بذلك عزة، والكافر إذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالإثم، إن الله قال لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] وكان عمر بن الخطاب إذا قيل له: اتق الله، ارتعدت فرائصه وخاف وارتجف، والظالم والفاجر والفاسق إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، فشتان بين عزة هذا وهذا، وشتان بين استقبال هذا وهذا للأمر.
هذا صنفٌ آخر من الناس اعتزوا وافتخروا بالمال وبالحدائق وبالذرية وبالأنساب، فأنساهم ما هم فيه من رفعة المال والقوة أن يعرفوا خالقهم، لما ملكوا ما ملكوا وجرت الأنهار من تحتهم وأينعت الثمار في نخيلهم ورأوا الفواكه تتدلى أغصانها في بساتينهم، اعتزوا عزة حمية الجاهلية، واستغناء عن الله ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ [الكهف:٣٤] ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً﴾ [الكهف:٣٥] انظروا إلى أي درجةٍ بلغت به عزة الطغيان والظلم والاستغناء! ماذا كان نتيجته بعد حوارٍ من صاحب يحاوره؟ يقول له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف:٣٧] أي عزةٍ تتعلق فيها؟ أي استغناءٍ أنت فيه من ربك الذي خلقك من تراب؟ (مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ [الكهف:٣٧ - ٣٨] ولو أنك يا هذا الذي غرتك دنياك وثمارك وأنهارك ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف:٣٩] يطول الحوار ويطول الجدال ويتردد السؤال، ومع ذلك هذا الذي استغنى بأنهاره وثماره وأشجاره، ما كان خبره؟ وما هي نتيجته؟ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ [الكهف:٤٢] أين من اغتر به؟ أين أنهاره؟ أين أنصاره؟ أين أعوانه؟ أين جنده؟ أين خدمه؟ أين حشمه؟ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾ [الكهف:٤٣] هذا شخصٌ نسب النعمة لنفسه واعتز بما عنده، حتى ابتلي وفتن بالأموال، ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] يذكره الذاكرون، يذكره الذين يخوفونه، لا تفرح ولا تطغى ولا تبطر ولا تمش في الأرض مرحاً، ولا تتكبر على الناس فما كان جوابه؟ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] فما كانت نتيجته؟ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص:٨١] وأبشروا عما قريب سيخسف الغرب بدورهم ولن يكون لهم من دون الله نصيراً، وأبشروا عما قريب هذه الأمم وهذه النظم التي تسلطت على المسلمين طولاً وعرضاً، شرقاً وغرباً، والله لن يكون لهم نصيرٌ من الله إذا حق عليهم عذاب الله ووعيده.
نعم.
ذهبت الأشياء والعدد والأعوان التي اعتز بها الظالمون والمعتدون على الخلق، هؤلاء الذين اعتضدوا على غير الله وجعلوا عزتهم بالناس، وجعلوا عزتهم بالآلات أو بالذرة، أو بالإلكترون أو بالإعلام أو بالقناة الفضائية، أو بالعولمة أو بأي شيءٍ أرادوه، ستنقلب عليهم ضداً ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم:٨٢] لقد جاء السحرة معتزين مغترين بعزة العبد الذليل فرعون، نعم فرعون لديه عزةٌ وقوةٌ ومنعةٌ لكنها جاهليةٌ زائلة باطلة؛ جاء أتباعه ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤] ظنوا أنهم قد تحصنوا بأمنع الحصون، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٤٥ - ٤٦].
إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر
هذا هو الكاذب الجاحد المخرف، لماذا يعبد الأصنام؟ لماذا يشرك بالله؟ ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ [مريم:٨١] اتخذوها تعززاً وتقوياً، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم:٨٢] والمراد بالضد هنا: ضد العز وهو الذل، أي: يكونون عليهم ضداً لما قصدوه وأرادوه، كأنه قال: وتكون الآلهة عليهم ذلاً ووبالاً، لماذا يجادل أهل الباطل عن باطلهم؟ والكفار عن كفرهم؟ وهذه الحرب الفكرية الإعلامية لماذا يتسلطون بها؟ السبب في ذلك عزةٌ زائفةٌ يشعرون بها ويجادلون لأجلها، وصدق الله العظيم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص:٢] هذا أحد المنافقين يقول: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] فيدعي لنفسه أنه هو الأعز، ورسولنا ﷺ أشرف الخلق، يزعم المنافق أنه الذليل، وكذب وأيم والله!
فما حملت من ناقةٍ فوق ظهرها أعز وأوفى ذمة من محمد
فهذا المنافق ينسب الذلة إلى رسول الله، عبد الله بن سلول رأس النفاق، فماذا كانت النتيجة؟ يقف له ابنه المؤمن على باب المدينة قائلاً: لئن لم تقر لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك ولو كنت أبي، فقال ابن سلول: ويحك أفاعلٌ أنت؟! قال: نعم.
فلما رأى منه الجد، قال: أشهد أن العزة لله ورسوله، نعم.
الآن آمن وقال ونطق كما قال فرعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠].
стр. 612
كل عزة قامت على باطل لابد أن تزول
أيها الأحبة: كل عزةٍ قامت على باطلٍ سوف تزول، وكل اعتزازٍ غير موصولٍ بالله فهو بوارٌ وخسار، ومهما ابتغى بعض الناس العزة بغير هذا الطريق فلهم الذلة، وأناس انتهجوا طرقاً وأحوالاً للوصول إلى عزةٍ أو منعة أو رفعة لكن بغير طريقٍ تمت للدين بصلة، فماذا كانت النتيجة؟ كان البلاء فيما طلبوه، وكانت الذلة فيما تبعوه، وكان البوار والخسار فيما سألوه، انظروا إلى المنافقين، لماذا يوالي المنافقون أعداء الله؟ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩] ولذلك وبعد هذا بآيات حذر الله عباده المؤمنين من طريق هؤلاء وصنيعهم، فقال سبحانه بعد ذكر النفاق وأحوال المنافقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ [النساء:١٤٤] ثم ذكر سبحانه مصير المعتزين بالكافرين الموالين لهم، فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء:١٤٥].
الذين يطلبون العزة من الكفار والمنافقين لن يجدوا عزةً عند أقوامٍ مساكنهم الدرك الأسفل من النار، هذه طريقٌ لا يريدها الله، وأي عزةٍ تأتي على منوالٍ لا يريده الله فهي ذلةٌ في الدنيا وهوانٌ في الآخرة، هذا فرعون الذي اعتز بالتراب والماء ونسي خالق السماء، يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] ما سبب العزة عنده؟ ما صلته بالعزة؟ ما مؤهلات العزة لديه؟ مارصيد العزة عنده؟ أرضٌ ومالٌ وجاهٌ وسلطة ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] انظروني في كثرة مالي وفي قوتي وفصاحتي، وفي المقابل يقول: انظروا إلى موسى في ضعفه وقلة ما في يده وشيءٍ من عيه، ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] وخدع الناس بهذه العزة الزائفة، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] فما كانت نتيجة هذه العزة التي أساسها الشرك والظلم والتدجيل، ما هي نتيجتها؟ ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٥ - ٥٦] إن أناساً طلبوا العزة والشهرة والرفعة عن طريق الإعراض والمحاجة لله ورسوله، هذا أبو جهل يمشي متبختراً مدعياً أنه أفضل وأعز أهل مكة وأكرمهم، فماذا كانت نتيجة عزته الواهمة والموهومة القائمة على الباطل؟ انظروا واسمعوا خبر عزته بكلام الله: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] والأثيم هو: أبو جهل، وكل من لف لفه وسلك مسلكه ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٩] أي عزةٍ تتعلق بها، أي عزةٍ تدعيها؟ يقال له هذا تهكماً وهو في حالٍ من الذل والهوان في الدنيا والآخرة.
стр. 613
عزة المسلم ورفعته في إيمانه وتوحيده
أيها الأحبة: عزتنا ورفعتنا وعلونا وشموخنا هو إيماننا وتوحيدنا وإسلامنا، من أسلم وآمن فقد علا وارتفع علواً يرفعه عن حياة أذلاء الأصنام والأوثان، الذين يخضعون لها، إن أي مسلمٍ هو في قمةٍ وعزة، وأي كافرٍ فهو في منتهى الذلة، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] إذا أشرك تنازل عن عزته وعليائه، وتأمل كيف قال تعالى: ﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج:٣١] لأن الإسلام نقله من حضيض الغبراء إلى شامخ العلياء، ولأن الإيمان يرفع المؤمن من مزبلة الوثنية إلى مقامات الإيمان والدين، نعم.
المؤمن في السماء علواً ورفعة وعزة، ولكن حينما يتنازل المؤمن عن إيمانه، وحينما يخدش إيمانه ويجرحه ويرتكب ما يقدح في إيمانه فهو يتنازل عن عليائه وعزته بقدر ما يرتكب من خدوشٍ أو تكسيرٍ في جدار إيمانه ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] إن هو ضل عن الإيمان ضلالاً كاملاً، إنسانٌ لا قيمة له، ذليلٌ أمام الخميلة والخميصة والمرأة والشهوة والخرافة، ليست العزة صراخ، وليست العزة كلمات وليست العزة صيحات وشعارات.
إن العزة أن تتزخرف لك امرأة ذات منصبٍ وجمال، فتقول: إني أخاف الله رب العالمين، إن العزة أن تكون الأنهار من الأموال تجري من تحتك وأنت عطشان جائع، فتقول: لا آكل إلا ما أحله الله.
إن العزة أن تلبس الخلق من الثياب وأنت مسئول عن خزائن اللباس الجديد فلا تسرق من اللباس متراً.
إن العزة أن تتصرف ولا حسيب ولا رقيب عليك فتجعل ربك رقيباً حسيباً، وتقول: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] من أراد الرفعة فليطرق باب الله العزيز القوي المتعال.
ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
إن مقام العبودية يحمل معنى العزة والرفعة، وإن الهروب من العبودية يعني الذلة والهوان للأعتاب والأحجار والأوثان، وكلما بعدت عن طاعة الله فأنت ذليلٌ بخلق الله، وكلما بعدت عن مرضات الله فأنت ذليلٌ لشهواتك وملذاتك.
أيها الأحبة في الله: لقد صدق ابن القيم ﵀ حيث قال:
هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطان
إن الإيمان هو الذي أعز ورفع وأعلى أمةً كانت شراذم مشتتة فجمعها، ضعيفة فقواها، جاهلة فعلمها، ذليلةً فأعزها، لقد نقلها من الذلة إلى العز، ونقلها من عتبات اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ومن يغوث ويعوق وسواع ونسر وغيرهم إلى منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] إن الإيمان وعزته هو الذي جعل بلالاً العبد الأسود سيداً يسمع الرسول ﷺ خشخشت نعليه في الجنة، ليكون مؤذن الإسلام الأول الذي تحفظ الملايين اسمه وتحب لونه، ما الذي رفعه؟ إن بلالاً لا يملك شجرةً طويلةً ولا لوناً ولا جمالاً، لكنه يملك شجرة الإيمان وجمال التقوى، يملك لا إله إلا الله، العلم سبيل العزة والرفعة والكرامة ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] التقوى: هي العزة والكرامة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] إن هذا القرآن الذي بأيدينا، وهذه السنة التي هي مدونةٌ محفوظةٌ بحمد الله، وهي ذكرٌ لنا، وسمعةٌ طيبةٌ لنا، وهي عزٌ لنا ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] يقول ﷺ : (إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخري).
أيها الأحبة: كم من أقوامٍ عاشوا في عزةٍ واهمين، فلما سطعت بروق عزة الإسلام والمسلمين جعلتهم في حضيضٍ من الذلة والهوان، عن جبير بن نفيرٍ قال: [لما فتحت قبرص رأيت أبا الدرداء يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء! تبكي في يومٍ أعز الله فيه الإسلام وأهله؟! قال: يا هذا، ما أهون الخلق على الله، بينما هي أمةٌ قاهرةٌ ظاهرة تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى].
نعم.
إنه يدرك ما أصاب هؤلاء، إنما هو بسبب تركهم أمر الله، يقول تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر:٢٩] هذا الرجل الصالح والعبد الصالح يبين لقومه أن الذلة والسقوط من العلياء إلى الهوان، وأن الانتقال من العز والتسلط والملك في الأرض إنما هو بسبب الإعراض عن هدي الله وشرعة ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩].
إن الإسلام حينما دعانا إلى العزة هدانا إلى أسبابها وبين أسبابها وذكر موانعها، ومن أسباب العزة للمسلمين: الجهاد، وإن ما نراه من ذلة المسلمين اليوم هو أن الجهاد لم يقم على الوجه الذي شرعه الله (ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا أو ذُلوا) ويقول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم).
أيها الأحبة: إن هذا الدين يعلمنا العزة في كل أحوالنا حتى في الدفاع عن أدنى حقوقنا، إن المدافع عن نفسه وعرضه وأهله شهيد، كل ذلك ليقوى جانب العزة وليضعف جانب الذلة وليزول جانب الهوان، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة:٢٩] ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة:١٤] ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] كل ذلك حماية للوطن وللأنفس وللدين قبل ذلك وللمجتمع، جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ قال: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: لا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) رواه مسلم، قال ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
ليس من المستساغ أن يفرط المسلم في عزته وإبائه، أو يرضى بالذل أو القهر والهوان، إن المسلم لا يخشى فقراً، إن المسلم لا يمكن أن ينال ذلة أو أن تقع به الذلة، إذا كان مؤمناً حقاً لا يخشى ذلةً، وإن كان فقيراً لا يملك شيئاً، ولا يخشى ذلة وإن كان يواجه تسلطاً، ولا يخشى ذلة وإن كان ليس له حسبٌ أو نسبٌ أو مرتبة أو جاه، لأن العزة في هذه القلوب:
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني
تالله ما الدعوات تهزم بالأذى أبداً وفي التاريخ بر يميني
стр. 614
عزة النفس
أيها الأحبة في الله: إن المؤمنين يتزينون دائماً ويعتزون بزينة التعفف والقناعة، والرضا بقدر الله، أولئك لا يذلون لأحد ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة:٢٧٣] إن الوصول إلى مرحلة التعفف أمرٌ يحتاج إلى رصيدٍ كبيرٍ من الصبر والتجمل والتحمل لكل الظروف القاسية دون ضراعةٍ لأحدٍ إلا الله، وهكذا كان خيار خلق الله بعد أنبيائه كانوا على هذه الشاكلة؛ كانوا يعلمون أن عزة النفس لا يمكن أن تكون إلا بالتعفف عما في أيدي الناس، والتعفف عن الحاجة لهم قال ﷺ : (جاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغنائه عن الناس) أما الذين يظنون أن عزة النفوس لا تأتي إلا بعد شبع البطون وامتلاء الجيوب، فالغني عندهم هو الذي يملك أن يكون عزيزاً، وأما الفقير فهم يرونه ذليلاً خاضعاً ولا ينبغي له إلا أن يذل ويخضع في نظرهم، وفشت هذه المفاهيم في كثيرٍ من المجتمعات المعاصرة إلا من رحم الله، وفشا معها عند بعض الأغنياء الطغيان والتكبر، كما فشا معها عند بعض الفقراء الخلوع والمداهنة والتملق والنفاق، هؤلاء والله لا يعرفون إلى العزة سبيلاً.
إن اعتزازك بالله يجعلك أن تقدم حكمه وقرآنه وشرعه ودينه وأمر نبيه على كل القوانين، وعلى كل الشهوات وعلى كل الأهواء وعلى كل شيء، فلا ترضى بذلك بديلاً، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
أيها الأحبة في الله: إن أي إنسان يتنازل عن دينه ومنهج ربه وهدي نبيه ﷺ في مجالات الحياة، فإنه ينال الذلة في المجالات كلها، وأي مجالٍ فقدت فيه الاتباع والخضوع والانقياد لله ولرسوله فإنك تنال ذلةً في هذا المجال، فهو مكيال إن وفيت بالأداء والاتباع وفيت لك العزة، وإن طففت في الاتباع والانقياد حرمت من العزة ووقعت في الذلة بقدر ما غيرت وبدلت.
هذا ما تيسر جمعه في عجالةٍ قصيرةٍ حول هذا الموضوع، وإني لأعلم أن في القوم من هم بالمقال أعلم من القائل، وبالكلام أعرف من المتكلم، وفي الزوايا خبايا، وإن بني عمك فيهم رماح
وأيم الله ما نسب المعلى إلى كرمٍ وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اضمحلت وصوَّح نبتها رعي الهشيم
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل العزة والكرامة في الدنيا والآخرة، اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وارحم اللهم موتانا وموتى المسلمين، وأصلح اللهم ولاة أمورنا أجمعين، اللهم اهد ولاة أمورنا واجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم لا تفرّح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً يا حي يا قيوم، اللهم صل على محمدٍ وآله وصحبه.
стр. 615
الأسئلة
стр. 616
ضابط العزة في الإسلام
السؤال
ما هو ضابط العزة في الإسلام وخاصةً في هذا العصر؟
الجواب
ضابط العزة لدين الإسلام الانقياد لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فليس بعزيزٍ لو ادعى العزة وهو ذليل في حضيض الشهوات والمخالفات، هذا أولاً.
الثاني: أن هذه العزة بما تحمل صاحبها عليه من ترفع النفس عن سفاسف الأمور وذميم الأفعال والأقوال لا تدعو المسلم إلى احتقار الآخرين، أو التكبر عليهم، أو غمطهم أقدارهم، أو النظر إليهم بعين النقص والازدراء، بل من تمام العزة أن تكون إيجابيةً في الالتفاف لكل هؤلاء ممن يراهم من المخالفين والمتساهلين أو العصاة، ليقوم بما أوجب الله عليه تجاههم من واجب الدعوة إلى الله بالحكمة والرفق واللين والموعظة الحسنة، فإن ذلك لا يسقط من قدر عزته شيئاً.
لا تظن أن عزتك تتضعضع لو أنك مهما بلغت من الشهادات العليا، أومن ذوي المراتب والمناصب، لا تظن أن عزتك تتضعضع إذا ذهبت إلى قومٍ تنصحهم وتدعوهم إلى الله ، ولو في أركس المواقع أو أشدها ضلالاً أو أكثرها فساداً، ما دمت واثقاً بأنك تحافظ على نفسك وتسلم على إيمانك ودينك، لا تظن أن العزة تدعوك لتقول للعصاة: تعالوا تعالوا إلي هنا، وأما أنا فلا يليق بي أن أنزل إلى مستواكم أو مواقعكم أو أنديتكم أو استراحاتكم أو مجالسكم أو ديوانياتكم أو غير ذلك، لا.
إن بلوغك في أماكنهم وغشيانك لهم في مجالسهم لا يغض من قدر عزتك شيئاً أبداً.
стр. 617
العزة درجات
السؤال
هل للعزة درجات؟ أم هي عزةٌ واحدة؟
الجواب
لا شك أنها درجات، فبقدر عناية العبد لتحقيق أوامر الله ورسوله ﷺ فهو ينال منها أعلاها، وبقدر ما يقصر في ذلك تفوته من العزة بمقدار ما قصر.
стр. 618
العزة الحقيقية لدى المرأة
السؤال
لا شك أن للمرأة -أيضاً- عزة، فلو بينت أو ألقيت شيئاً من الضوء على ذلك، وأحياناً تفهم المرأة فهماً مغالطاً وهي أنها تغتر بنفسها وبلبسها فتسمي ذلك عزةً؟
الجواب
ليست العزة للرجال والنساء في لباسهم كما مر معنا، إنما العزة في طاعة الله ، والذلة في معصية الله، وكما قال الحسن البصري ﵀: [إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه] فليست العزة في مرتبةٍ ولا منصبٍ ولا جاهٍ ولا حسبٍ ولا جمالٍ ولا غير ذلك، إنما هي في طاعة الله ، وليس من العزة نشوز المرأة على زوجها، أو استنكافها عن طاعته، أو تكبرها عن الانقياد لأمره، أو نفورها عن كرامته التي جعلها الله له ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فانقياد المرأة لزوجها خضوعها، تبعلها، حسن عنايتها بخاطر زوجها، ذلك من صميم عزتها ولا يقدح في عزتها شيئاً، بل إن استنكافها ونشوزها وإعراضها عنه وعن حسن الأدب معه أو عن فراشه أو حاجته، لدليل ذلتها وطاعتها للشيطان واستنكافها أن تطيع الله لما أمر من طاعة زوجها.
كذلك من العزة التي نريدها للمسلمة اليوم أن تعتز بحجابها في مجتمعٍ أو في وسطٍ إعلاميٍ غارقٍ بالصور والأصوات والكلمات الداعية إلى التبرج، بل إلى التفسخ والإباحية والانحلال، وأي عزةٍ تراها وأي شموخٍ تراه في فتاةٍ أعظم من فتاةٍ تراها محتشمةً محجبةً صيّنةً دينّةً قاصرة الطرف عن كل ما حرم الله ، وإنا والله في خارج البلاد أو في داخلها حينما يمر الواحد في طريقٍ فيرى امرأة متحشمة متحجبةً صيّنةً عليها سماة الخلق والحياء والدين، لا يملك إلا أن يطأطأ داعياً لها بالعز والستر والتوفيق والسعادة وصلاح الذرية والزوج، وأيما امرأة يراها الواحد حاسرة متعطرةٌ متبرجةً لا يملك إلا أن يحوقل أو يحسبن فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 619
فهم العزة فهماً مقلوباً
السؤال
فضيلة الشيخ! كثيرٌ من الأسئلة تتحدث عن التشبه بالكفار في مثل: القصات ومثل التفحيط بالسيارات أو تقليدهم في لبسهم أو غيره، فيعتبره البعض أنه من التمكن والتقدم ومن العزة؛ لأن الغرب الآن في تقدم وتطور، فما هو توجيهكم حفظكم الله؟
الجواب
هذا من الفهم المقلوب في قضايا العزة، لو أن رجلاً قتل أباك أو جدك وكان لهذا القاتل سمةٌ في لبسٍ أو لهجةٍ أو صفةٍ معينة، أفيسرك أن تقلد هذا القاتل في لهجته ولبسه وعاداته وانحرافاته؟
الجواب
لا.
إنك تمقت كل ما يذكرك بهذا المجرم المعتدي، فمن ذا الذي يسره أن يقلد القتلة الذين أوسعوا المسلمين تجويعاًً وسفكاً وقتلاً وتشريداً وتدميراً، اليهود الذين امتلأت سجونهم بإخواننا الفلسطينيين، اليهود الذين هدّموا البيوت والدور على الأبرياء والفقراء والمساكين؛ تخيل أنك جالس في البيت وإذا بالجرافة تأخذ الجدار الذي أنت مستندٌ إليه ثم تحمل بقية أثاثك وعفشك وكل شيء في بيتك ويُرمى بها في الشارع، هذا هو الذي يدور الآن في فلسطين، ويؤيدهم النصارى ويؤازرونهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الأنفال:٧٣] فهل يسرنا أن نقلد سفلتهم أو أن نقلد المجرمين منهم والقتلة والسفاحين الذين هم في مجتمعاتهم.
للأسف أن بعض شبابنا أصبحوا يقلدون سفلة شباب الغرب، لم يقلدوا أناساً يتفقون مع عامة الناس، ليست القضية لبس بنطلون وكوت، لأن هذا أصبح منتشراً في العالم الإسلامي، لكن القضية أنهم يقلدونهم في أشياء أخرى، فتجد شاباً يضع السلسلة في يده أو على رقبته ويجعل قرطاً في أذنه اليمنى أو اليسرى ويجمع شعره ويجعله ظفيرةً كما تجعله النساء تقليداً، ليس كما كانت العرب تفعل من قبل إكراماً وترجلاً وغير ذلك، لا.
فهذه من المصائب، فالآن بدأت تظهر -ولا أقول: انتشرت حتى أكون دقيقاً في العبارة- بدأت تظهر علامات جماعات الهيبز، تجد أحياناً في الإشارة المرورية أربع دبابات سود من الدبابات الضخمة، وأصوات مزعجة وعليها شباب ظلماتٌ بعضها فوق بعض، شيء غريب جداً، وآخرين يرفعون صوت الموسيقى الغربية ويترنحون ويتراقصون طرباً ولهواً وغفلةً وكل ذلك تقليداً، وفي زمن العولمة ما يرى البارحة في أمستردام ربما يفعل صباحاً في قرية أو في بيتٍ أو في حارة، ما يفعل البارحة في جوتن بيرج أو في السويد أو في أي مكان، يفعل الصباح في قريةٍ أو في مدينةٍ صغيرة، فهذه مشكلة التبعية والهوان، وإن من مقاصد ديننا مخالفة أعداء الإسلام، بل صنف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتاباً عظيم القدر سماه: إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فينبغي علينا أن نتميز ونخالف اليهود والنصارى، بل ديننا لو تأملت كثيراً من الأمور لعلمت أننا نخالفهم في أشياء كثيرة جداً، وفي رسالة حجاب المرأة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، في فصل ذكر فيه بالأدلة -أي: جمعها بالاستقراء جمعاً مفيداً جميلاً لطالب علمٍ باحثٍ أو مستفيد- المواضيع التي فيها بالأدلة أن من ديننا ومن هدي نبينا ﷺ مخالفة الكفار:
إليك تعدو قلقاً وضينها
معترضاً في بطنها جنينها
مخالفاً دين النصارى دينها
فلا بد أن نعتني بهذه القضية، وأن نتجنب التشبه لا من رجالنا ولا من نسائنا، والحال عند بعض الرجال والنساء هو الفخر بالمسابقة إلى التقليد والتشبه.
стр. 620
الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين لا يمنع من التعامل التجاري مع الكفار
السؤال
هل من العزة أن يترك الإنسان البضائع التي تأتينا من الغرب؟ وهل توجد بعض الكتب أو المراجع التي تدلنا عليها في هذا الموضوع؟
الجواب
كون المسلم يشتري من الغرب أو يبيع أو يتاجر معهم؛ المعاملات المالية شيء، والولاء والبراء شيءٌ آخر، لا تظن أن الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين يمنع من التعامل التجاري والتعامل المالي مع الكافرين، النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي، وعامل المشركين وأضافوه، ودخل بيوتهم، وتوضأ من مزادة مشركة، ودعاه يهودي إلى خبز شعير ووكانت تأتيهم ثياب وربما لبسوها وسألوه ﷺ عن ملابسهم وعن أحوالهم فما حفظ في الهدي النبوي أننا نهينا، إلا ما ورد النهي عنه لذاته؛ كالثياب التي فيها الحرير -مثلاً- لغير حاجة، أو لبس الذهب أو ما كان فيه تشبهاً بالنساء، فهذا الأمر لا شك أنه من تمام الولاء، أنك إذا كنت بحاجة إلى عمالة أو بضاعة أو غير ذلك ووجدت حاجتك من بلادٍ مسلمةٍ فمن الأولى أن تكون حاجتك ومشترياتك وتوريداتك من بلاد المسلمين، من أي شيءٍ كان؛ عمال أو بضائع أو آلات أو أجهزة بدلاً من أن تقوي اقتصاد الكافرين، المقاطعة سلاح لو يجمع المسلمون على مقاطعة سلعة تجارية من سلع الكفار لأشعرناهم أن المقاطعة والبراء سلاح من أخطر الأسلحة، لكن المسلمين اليوم لا يستخدمون مثل هذا السلاح الفتاك ولا أدري ما السبب؟
стр. 621
الحث على التبرع للجنة تيسير الزواج
السؤال
لجنة تيسير الزواج معلمٌ على طريق الأسرة السعيدة الحقيقية، هذا اليوم سيكون بإذن الله الجمع لهذه اللجنة المباركة الفتية فنأمل من فضيلتكم حفظكم الله أن تحثوا الناس على هذا الواجب؟
الجواب
حقيقة إعانة الشباب على الزواج فيه من المصالح ما لا يخفى وما يضيق المقام عن حصره، وإن القليل مع القليل كثير، ينبغي أن نحرص على هذا وأن نشعر بأهمية هذا الأمر بتكثير نسل أمة محمدٍ ﷺ ، وفي إعداد الشباب وإعانتهم على غض أبصارهم وإحصان فروجهم، وكذلك الفتيات، والله يعلم مدى ما يعانيه الشباب والشابات من المعاناة من تأخر الزواج أو عدم القدرة عليه، لذا فإني أدعو كل إخواننا أن يجتهدوا ويقدموا ما يستطيعون، وأن يتعاونوا مع هذه اللجنة، وأعتبر هذه المحاضرة فرصةً بإذن الله مباركةً من جميع الأخوة جزاهم الله خيراً أن يساهموا في هذا المشروع، وستجدون على الأبواب من يجمع التبرعات وكذلك حتى في مكان النساء، فالله الله أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا خيراً تجدونه عند الله، وتصدقوا فإنها صدقةٌ نافعة قد تطفئ الخطيئة وتدفع غضب الرب، وترد أبواباً كثيرة من البلاء، وتنفعون بها أمتكم وإخوانكم أجمعين، فاجتهدوا جزاكم الله خيراً، فما نقص مال من صدقة، فاجتهدوا وأكثروا من الإنفاق والصدقة في هذا الباب.
стр. 622
الاعتراف بالتقصير
السؤال
هناك مجموعة من الأسئلة تكلمت عن كثير من الشباب أنهم أخيار وطيبون ويعملون الخير ولكن للأسف؛ يجدون في نفوسهم تقصيراً كثيراً من جوانب ضرورية وخاصةً من جهة الواجبات؛ فيفرطون -مثلاً- في صلاة الفجر، عندهم مشاكل مع أنفسهم في الخلوة، ذكر شخصٌ آخر أنه ينظر أحياناً إلى بعض المحرمات التي تعيق، فيقول: إنني حاولت مراراً وتكراراً أن أرجع إلى الله وألا أعود لمثل هذه القضايا، ولكن تتغلب النفس علي، فأرجو من فضيلتكم تبيين مثل هذا الطريق المناسب في هذه الأمور؟
الجواب
وجود مثل هذا النوع من الشعور دليل خيرٍ لأنه يندم على كل معصيةٍ اقترفها سراً، وليعلم العبد أن الله جمل العباد بستره فأظهر الجميل وستر القبيح، ولا نظن -أيها الأحبة- أن الصلاح أو الاستقامة هو توفير لحيةٍ أو تقصير ثوب، إنما هو صلاح السيرة والسريرة والظاهر والباطن والسر والعلانية، ولكن إن زلت القدم، أو حصلت الهفوة، فهل هذا يعني أن الواحد أصبح السبيل بينه وبين الصلاح والالتزام مقطوعاً، والهوة سحيقة والفجوة بعيدة، ولا يمكن أن يعود إلى ركب الخيار والأبرار؟
الجواب
لا.
وإني أحذر من وسوسةٍ شيطانيةٍ تأتي إلى بعض الشباب بعد أن يقع منه ما يقع من معصيةٍ أو زلةٍ أو هفوةٍ في ليلٍ أو ظلمةٍ أو غفلةٍ أو خلوةٍ أو غير ذلك، فيأتيه الشيطان ويقول: أنت بين أمرين: إما أن تستمر على التزامك الظاهر بعد الذي فعلت فتكون منافقاً، لأنك في الظاهر متدين وفي الباطن فعلت ذلك، وإما أن تسلم من النفاق فتكون كسائر الناس، احلق لحيتك، واسبل ثوبك، واسمع مثلما يسمعون، وانظر إلى ما ينظرون واسكت، ولا تأمر بمعروف ولا تنهى عن منكر حتى تسلم من النفاق، فيأتيه الشيطان من هذا الباب، فنقول: هذا باب ٌخطر، بل الواجب من زلت به قدمٌ أن يبادر إلى التوبة والاستغفار، فأنت مأجورٌ على اتباع السنة في ثوبك وفي إعفاء لحيتك، وأنت مخطئٌ فيما أذنبت من ذنب فبادره وعالجه بالتوبة والاستغفار ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن) ابحث عن الصحبة الصالحة، لا تطل خلوتك بنفسك، لا تجعل أغلب أيامك وأوقاتك بعيداً عن الطيبين ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] لا تكن قاصياً مبتعداً، إنما الذئب يأكل من الغنم القاصية، بهذه الأسباب مجتمعة بإذن الله فأنت تطفئ بالأعمال الصالحة نار السيئة، واجعل هذا ديدنك، إذا أذنبت فأتبع الذنب فوراً بأعمال صالحة: بقراءة قرآن بصدقة باستغفار بأفعالٍ خيرة، وقع الذنب مرةً أخرى في الأسبوع الثاني الحمد لله على ما ستر، فأتبعه بالعمل الصالح وبالتوبة وبالاستغفار ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٣] ارجع إلى الله غافر الذنب ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] ليست الرحمة للمسرفين، وأنت وقعت في ذنب أو ذنبين وأنت متدين تقنط من الرحمة؟ الرحمة لعباد الله أجمعين (ورحمتي سبقت غضبي) رحمة الله واسعة سبقت كل شيء، فتعلق برحمة الله ولا تكن ممن مردوا على المعصية سراً وإظهار الصلاح ظاهراً، لأن ذلك من دلائل النفاق والعياذ بالله، لكن إذا حصلت منك زلة أتبعها بالاستغفار من غير أن تكون عادة منك وتندم عليها وتقلع، حتى لو وقعت في مثله في المرة الثانية والثالثة، أقلع وبادر وتب إلى الله لكن لا تستمرئها وتجعلها شيئاً عادياً لا تبالي به ولا تأبه به، ما دمت تستغفر فأنت بخير، وبإذن الله إذا صدقت التوبة فلن تعود، أما من أدمنها وأصبحت ديدنه وعادةً له ولا يبالي، بل هو في الظاهر صالحٌ وفي الباطن فاجر، فيوشك أن يقع منه الحديث: (يأتي أقوامٌ يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وأعمالٍ كالجبال، يجعلها الله هباءً منثوراً) فعظم الأمر على الصحابة، فقال ﷺ : (إنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) ومن كان هذا دأبه وديدنه وطبعه، في السر ألوان من المناكر والمعاصي والفجور، وفي الظاهر يدعي الصلاح، فلا شك أن هذا نفاقٌ وعلى خطرٍ أن يحبط عمله في الآخرة، أما من كان مجتهداً في الصلاح ظاهراً وباطناً سراً وعلانية، ثم وقعت منه الزلة فإن ذلك يدعى إلى التوبة والإنابة والاستغفار، ولا يعد نفسه من المنافقين فيقنط من رحمة الله، أو يقول: ما عاد ينفعني العمل أبداً، إن الصحابي الذي شرب الخمر فجيء به إلى رسول الله ﷺ لما تكلم فيه أحد الصحابة قال: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به من خمر، فقال النبي ﷺ : (لا تعينوا الشيطان على أخيكم، فإني ما علمته إلا يحب الله ورسوله).
بالمناسبة ينبغي للطيبين أن يرحموا إخوانهم، أنا ألاحظ بعض الطيبين لو أن أحد إخوانهم من الشباب الطيب وقع في زلة أو في معصية أو مرت به ظروف، أو تغير أو أصابته حالة من الحالات -مثلاً- كان حديث المجالس، فيقال: فلان حلق لحيته، فلان أسبل ثوبه، فلان أصبح يتفرج فلان، ثم نشروا خزيه وعاره وأفعاله بين كل الطيبين وعادوه عداوةً لا يفتحون له باب العودة أبداً، سبحان الله العلي العظيم! الرسول ﷺ لما جيء له بهذا الصحابي الذي شرب الخمر هل قال له: نعم، أمامنا صحابي ووراءنا شارب خمر؟ ما قاله الرسول ﷺ وإنما قال: (لا تعينوا عليه الشيطان، فإني ما علمته إلا يحب الله ورسوله) فينبغي ألا نقسم مجتمعنا إلى أقسام وأحزاب، هؤلاء طيبون، وهؤلاء ملتزمون، هؤلاء علمانيون، وهؤلاء فجار، وهؤلاء، نحن أمةٌ واحدة ولا نريد أن نتقسم، فينا السابق بالخيرات وفينا الظالم لنفسه وفينا المقتصد؛ فمن وجدناه منا كان سابقاً بالخيرات فانقلب ظالماً لنفسه نقابله بالنصيحة، نتقرب إليه ونتودد إليه ونتألفه ونستضيفه من جديد ونهديه ونناصحه، ونصيحة السر: نصيحة الرسالة والمودة والمحبة، نعيد له مكانته من جديد، لا نتفرج عليه ونتشمت به ونذله ونخزيه، حتى إن بعض الشباب تراه لو أقبل عليه بعض إخوانه وقد حصلت منه زلة ما رد ﵇، ولو دعي في مجلس اصفهر في وجهه وقطب جبينه ونظره شزراً وأخذ يغمز ويلمز يمنةً ويسرة كأنه يريد طرده من المجلس، أو إذا قيل له: تعال واجلس معنا.
قال: فلان معكم، أنا لا أريد أن أحضر، لا يا فضيل بن عياض ويا إبراهيم النخعي، ما حصلت منك زلة أبداً، وما أخطأت أبداً، اتق الله ولا تعامل إخوانك بهذه الصيغة؛ مسلم زل، رب العالمين أرحم به منك ومنه، افتح له باب الأمل، وباب الرجاء وباب العودة حتى توظف طاقته من جديد، لو أن السيارة إذا خربت رميناها في المزابل وأحرقناها لما وجدنا سيارة توجد في الشارع، كل سيارة تخرب نعيد إصلاحها ونستخدمها مرة ثانية، كل شاب عندما يقع منه زلة نعيد تربيته ونستمر من جديد، وإصلاح خلل الصاحب والصديق أهون من البحث عن صديقٍ جديد، إصلاح الخلل الذي تراه في صديقك أو جليسك أو أخيك هذا أهون بكثير وأقل بكثير من مراحل البداية الجديدة، وإن كان هذا لا يمنع من أن ندعو الناس جميعاً لكن عندنا خلل في بعض المفاهيم الدعوية لعلنا أن نفردها في محاضرةٍ إن شاء الله.
стр. 623
الشيخ ابن باز قبل وفاته ﵀
السؤال
فضيلة الشيخ! كثيرٌ من يسأل عن أحوال وأخبار سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز؟
الجواب
والله لا أحد يسأل عن الشمس إذا طلعت، سماحة الشيخ شمسٌ مشرقة أسأل الله أن يمد في عمره وهو الآن في عمر التسعين، ماذا أقول وكلنا يكل وينقطع حينما يريد أن يباري جانباً من جوانب سيرة الشيخ:
فمن يباري أبا حفص وسيرته أمّن يحاول للفاروق تشبيها
الشيخ من يباريه في كرمه يكل، ومن يباريه في حلمه يكل، ومن يباريه في علمه يكل، ومن يباريه في صبره على الناس يكل، ومن يباريه في قضاء حوائج الناس يكل، ومن يباريه في تواضعه يكل، وأحمد الله أن أرانا في هذا الزمن أو في دبر هذا الزمن من آياته في عباده الصالحين المؤمنين ما يشهد ويؤكد أن هذا الدين يمكن أن تتحقق سماته وصفاته وأحكامه وأركانه وآدابه في مثل هؤلاء العلماء، سماحة الإمام لا يقوم العشرات من الشباب الأقوياء بالدور الذي يقوم به الآن، وإن كان ذلك من شيءٍ فإنما هو ببركة الله له وعليه وفيه بإذن الله .
سأله رجلٌ موريتانيٌ قدم من المنطقة الشرقية وسأل الشيخ قال: يا شيخ! أنت رجل كبير في السن، وبرنامجك مشغول من قبل الفجر إلى ما بعد العشاء؛ تهجده قبل الفجر، ثم صلاة الفجر، وبعد الصلاة درس، وقد تعمدت مراراً أن أصلي الفجر خلفه في المسجد مراراً فإني أعجب ونحن شباب ما بلغنا الأربعين الواحد يراوح بين قدميه من تعبٍ في الوقوف، والشيخ كأنما هو سارية لا يتحرك، صلاة الفجر والشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ حريصٌ على السنة بالإطالة في صلاة الفجر والشباب يراوحون بالكعب، يعني: من طول القراءة والشيخ كأنه سارية لا يتحرك بل والله لو كان في المسجد طيرٌ لوقع على رأسه يظنه ليس بمتحرك، ثم بعد الصلاة درس إلى أن ترتفع الشمس أو إلى أول الضحى، ثم يعود إلى الإفطار في بيته والضيوف ينتظرونه من فقراء المسلمين وذوي الحاجات، وفرقٌ بين أن يكون ضيوفك من ذوي الجاه والمناصب والأثرياء والتجار فأنت تسبقهم وترحب وتفخر أنك تضيفهم، لكن إذا كان ضيوفك كل يوم وكل صباح ومساء الفقراء والمساكين وذوي الحاجات لا يمكن أن تصبر وتطيب، قل من يطيق ذلك، ثم يفطر معهم ويكرمهم ويدخل في البيت قليلاً ثم يذهب إلى الإفتاء -رئاسة الإفتاء- وبعد الصلاة جلسات الهيئة الدائمة، ويعود الظهر إلى البيت ليجد أن الضيوف من الفقراء وذوي الحاجات الغالب منهم ينتظرونه في الغداء فيتغدى معهم، ويلاطفهم ويسمع من حاجاتهم ويعرض عليه من معاريض الناس وحوائجهم، ثم يؤذن للصلاة فيقوم يصلي، ويلقي درساً بعد صلاة العصر، ثم يعود ليرتاح شيئاً من الوقت، ثم يستيقظ قبل أذان المغرب لصلاة المغرب ودرس بعد الصلاة أو درس عام في الدروس الرسمية العامة، ثم بعد العشاء تأتي الإذاعة والمقابلات واللجان والأوراق والمعاملات فلا يأوي إلى فراشه إلا وقد أنهكه العمل، وهذا كل يوم لا يعرف إجازة، فيقول هذا الموريتاني: يا شيخ! كيف تصبر على هذا؟ قال: فأعرض عني الشيخ، قال: فسألته ثانيةً وثالثةً وألححت عليه، قال: يا ولدي إذا كانت الروح تعمل فالجوارح لا تشعر.
هذا واضح الآن لو أن شخصاً لا تريده أو لا تحبه يوقفك يتكلم معك، انظر كم تحرك رجليك مرة وكل قليل تنظر الساعة وتتلفت وتمل وتتململ ولو أنك خلوت بحبيبك
إن يكن ليلي يوماً فلكم بت أشكو قصر الليل معه
الليل الطويل قصير دقائق كيف يمر بسرعة؟ لأنك خلوت بشيءٍ تحبه روحك فمضى الليل وأنت لا تشعر به، فكذلك الشيخ يعمل بروحه فجوارحه لا تشعر بذلك، كذلك من صلى صلاة الروح لا تمل جوارحه من الصلاة، أما الذي يصلي صلاة الجوارح وروحه غافلة سرعان ما يتململ في صلاته.
стр. 624
الدعاء بالمغفرة والنصرة
السؤال
نختم الأسئلة أن توجه كلمة بأن يرزقنا الله تعالى المطر وأن ينصر إخواننا المسلمين؛ لأن هناك من الأسئلة التي جاءت بالسؤال عن أحوالهم لكن الوقت لا يكفي في ذلك، وكذلك الدعاء على من وقف ضد المسلمين في كوسوفا وفي البوسنة وغيرها من الصرب وغيرهم؟
الجواب
الدعاء مطلوبٌ من الجميع، كلٌ يدعو في مواطن الإجابة وفي مواضع دعائه المختلفة، وإن كنا نسأل الله في كل أحوالنا بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، ألا يدع لنا وللحاضرين والحاضرات ذنباً إلا غفره، ولا هماً إلا فرجه، ولا ديناً إلا قضاه، ولا مريضاً إلا شفاه وعافاه، ولا حاجةً إلا يسرها، نستغفر الله ونتوب إليه ونسأله وهو الولي الحميد أن يسقينا الغيث وألا يجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم أغث العباد والبهائم والبلاد يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين يا رب العالمين يا أرحم الراحمين، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 625
حقوق الزوج
إن كثيراً من النساء يجهلن حقوق الأزواج عليهن، وهذا الموضوع عند الناس بين طرفي نقيض، فكان لابد من الاعتدال، والتركيز على بيان حقوق الرجال على النساء كما تقتضيه الشريعة المطهرة.
стр. 626
الحقوق الزوجية بين الإفراط والتفريط
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في مستهل هذا اللقاء أسال الله بأسمائه وصفاته أن يجعل لإخواننا وأخواتنا الحاضرين من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كما أؤكد على مسألة أنتم في غاية العلم بها، ولكننا لا نستغني عن ضرورة التذكير والتواصي ببيانها والحث عليها بين الفينة والأخرى، ألا وهي ضرورة العناية بحلَقِ الذكر ورياض الجنة، وعمارة المساجد بها، ولو لم يكن في ذلك من الفضل إلا أن تحفنا الملائكة، وتغشانا السكينة، وتتنزل علينا الرحمة، ويذكرنا الله فيمن عنده، لكان ذلك كافياً، فضلاً عما في هذه المجالس من الفوائد والفضائل والكرامات والدرجات.
ولعل بعض الأحباب قد زهدوا في الحرص على حضور حلق الذكر ورياض الجنة، وأقول لهم: لا تكتفوا بسماع هذه المواد والنصوص من الأشرطة فحسب، فالأشرطة وإن كانت نافعة، والصفحات الإسلامية التي امتلأت بها صفحات الإنترنت الآن وإن كانت نافعة، والبرامج المتنوعة وإن كانت نافعة؛ إلا أنها لا تحضرها الملائكة، أما حلق الذكر في بيوت الله، في المساجد فإن الملائكة تحضرها، وترتفع بأنباء عمَّارها إلى من يعلم السر وأخفى؛ ليزداد الحاضرون بذلك شرفاً، أن يذكروا في ملأ الله الأعلى، ثم ليكرموا بفضل من الله عظيم، تعمهم الرحمة، وتغفر ذنوبهم، وينصرفون وقد شهدت لهم الملائكة بذلك حتى تقول الملائكة: (يا ربنا! إن فيهم فلان بن فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة.
فيقول الله : وله غفرت معهم، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) هذه مسألة بين يدي الحديث في هذا الموضوع، وأوصي إخواني وأخواتي بالعناية بها، وألا يجعلوا سماع الشريط أو قراءة الكتاب مغنية أو كافية عن حضور هذه المجالس التي يلحظ الواحد جملة من الفوائد والآثار المباركة الطيبة على نفسه وعلى أهله حال حضورها.
أما موضوع حديثنا كما اختاره الإخوة: "حقوق الزوج" ولا أدري لم قصروه على ذكر حقوق الأزواج دون أن يذكروا حق الزوجات، ولعل السبب في ذلك أن الكثيرين أفاضوا في حقوق الزوجات على الأزواج، وحقوق النساء على الرجال، حتى كأن الكفة مالت بحقوقهن على حقوق الرجال، فلابد أن يعتدل الأمر بالتركيز والعناية على بيان حقوق الرجال على النساء، وحقوق الأزواج على الزوجات وذلك أمر محمود.
أحبتنا في الله: من الطرائف والغرائب أن هناك جمعيات ظهرت الآن في البلدان التي نالت شؤم السبق وليس قصب السبق في إعطاء المرأة حريتها، والتي رفعت لواء تحرير المرأة، ونادت بنبذ القوامة ورفع كل أمر أو نهي أو توجيه أو إرادة أو تصرف من قبل الرجال على النساء، في تلك البلدان أسست الآن وظهرت جمعيات هي جمعيات تطالب بمساواة الرجال بالنساء، وأول ما بدأت فتن التغريب والحرب الشعواء ضد الإسلام وأحكامه وشرائعه ومبادئه كان ينادون من خلال جمعيات تنادي بمساواة النساء بالرجال، أما الآن فلما بلغ الأمر، وطفح الكيل، وأصبحوا يعانون ما يعانون من ألوان العهر والفجور، والزنا والخنا، والانحراف والرذيلة والضلالة، وما تبع ذلك من تهدم الأسر، وضياع الأبناء، وكثرة أبناء الزنا وغير ذلك، فأصبحوا الآن من خلال جمعيات يؤسسونها ينادون بمساواة الرجال بالنساء خلافاً لما رفعوا عقائرهم به من قبل ينادون بمساواة النساء بالرجال.
والحقيقة أن كثيراً من النساء اليوم يجهلن حقوق الأزواج عليهن، وهذا الموضوع يتنازعه طرفا نقيض: طرف يرى تفلت المرأة وخروجها وتحررها كما يسميه من قوامة الزوج بلا حدود، من خلال ما نسمعه من ادعاءات مغرضة آثمة كاذبة خاطئة، وطرف متعسف غاشم لا يرى للمرأة حقاً، فاستعبد المرأة وأذلها، والحق أن العدل مطلوب، وقول الله وهو أحكم الحاكمين: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] والعاقل ينظر إلى العدل الذي جاءت به الشريعة من غير غلو ولا تفريط:
فلا تك فيها مُفرِطاً أو مفرِّطاًً كلا طرفي قصد الأمور ذميم
стр. 627
أسباب تفضيل الرجال وجعل القوامة فيهم
قال الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] والقوامة: من القوام على وزن فعال للمبالغة، يقال: هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما ذكره الرازي والقرطبي، والمقصود من قوامة الرجل على زوجته: قيامه عليها بالأدب الحسن والتدبير، والحفظ والصيانة، وتولي أمرها، وإصلاح حالها، والأمر والنهي فيما ينفعها، كما يقوم الولاة بالأمر والنهي على الرعايا، فقيم المرأة ومن له القوامة عليها هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إن ظهر ما يوجب ذلك.
وقد تقول امرأة وقد يقول قائل أيضاً: لماذا كانت القوامة للرجل على المرأة؟ إن الله سبحانه بين ذلك جلياً صريحاً في قوله سبحانه: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤] يعني: في أصل الخلقة، فالرجل أعطي من الحول والطول والقوة ما لم تعط المرأة؛ فلأجل ذلك كان التفاوت في التكاليف والأحكام والحقوق والواجبات مرتباً على ذلك التفاوت والاختلاف في الطبائع والفطر.
والسبب الثاني جلي من الآية وهو في تبيين القوامة للرجل على المرأة وهي قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فالرجل متحمل للنفقة، باذل للمهر، مسئول عن أشياء كثيرة.
ويذكر المفسرون أن من أسباب فضل الرجال أن فيهم الأنبياء، وأن الإمامة الكبرى والصغرى لا تكون إلا في الرجال، وأن الجهاد على الرجال، وأن الأذان والشهادة في الحدود، والولاية في النكاح، وأمر الطلاق والتعدد وزيادة السهم في الميراث كلها للرجال دون النساء، وكل ذلك من صميم الشرع وليس باجتهاد أو بشهوة أو برغبة، بل الذي خلق الذكر والأنثى هو الذي فضل الذكر على الأنثى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
ومن الواضح أن اختصاص الرجال بهذه الأحكام جاء نتيجة لاستعدادهم الجبلي الذي خصهم الله به، ولا يخفى -أيضاً- أن قوامة الرجال على النساء ليست من باب السيطرة، أو من باب الأمر والنهي اللا مسئول، والذي لا غاية ترجى منه، ولا فائدة تجنى من ورائه، بل الحقيقة أن هذه القوامة عائدة مصالحها، منتهية ثمارها إلى المرأة ذاتها، قال القرطبي بعد أن ذكر أسباب التفضيل: ثم فائدة تفضيلهم عائدة إليهن.
أي: فائدة تفضيل الرجال على النساء عائدة إلى النساء.
ولعلي أن ألخص كلام صاحب المنار إذ يقول: فالرجل الذي تحمّل القوامة بناءً على أساس الخلقة وما خص به وجبل عليه من الكسب والنفقة على الزوجة، فقد تيسر للزوجة القيام بوظيفتها الفطرية وهي الحمل والولادة، وتربية الطفل، وهي آمنة في سربها، مكفية ما أهمها من أمر رزقها، فيسر للمرأة كل ذلك بسبب حماية الرجل لها وإنفاقه عليها، وهذا جلي وواضح.
والقوامة -أيها الأحبة- تقوم على أساس المودة والرحمة، فالذي يعاشر المرأة ويعاملها من باب الغطرسة، ومن باب التلذذ والتفكه بالأمر والنهي، والأوامر التي لا فائدة من ورائها سوى إكمال نقص يشعر به الرجل يملؤه في الأمر والنهي الذي لا غاية ترجى منه، فإن هذا ليس من القوامة في شيء، إنما القوامة في الأمر الذي ينمي خلقاً، ويزرع أدباً، ويحفظ سمتاً، ويهدي دليلاً، ويصلح حالاً، وينشئ بيتاً، ويحمي كياناً، ذلك الأمر والنهي هو الذي يفيد بإذن الله ؛ فلأجل المودة والرحمة والسكن والراحة النفسية شرع الزواج، وشرع فيه أن تكون القوامة للرجال على النساء، فإن الله لما جعل في الزواج السكن والمودة والرحمة لم يكن لينقضه بقوامة الرجال وغطرستهم إن أسيء استخدامها، بل إنما جاءت القوامة تكميلاً لمسألة السكن والمودة والرحمة؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] فقوامة الرجل ورياستة التي قلدها يجب أن تكون مبرأة من التعسف في استعمال الزوج سلطته، ليس لك أن تستخدم هذه القوامة في إذلال المرأة والإضرار بها كما يظن كثير من الجهلة، بل إن القوامة والرياسة الزوجية أسسها المودة والرحمة، وضابطها إرادة الخير، فهي لم تشرع إلا لإعزاز المرأة والاهتمام بها، وتقويمها وتأديبها ولكن بضوابط، كأن تهمل حق الزوج فتحتاج إلى هذا الأدب.
وإن مما يفسد الحياة الزوجية استثقال كثير من النساء إن لم نقل جلهن قوامة الرجال عليهن، وكل امرأة تؤمن بالله رباً وتؤمن بأن الله عليم حكيم، كل أمره ونهيه قائم على مقتضى العدل -لأن الله لا يظلم- مشتمل على تمام الحكمة لأن الله لا يعبث، كل امرأة تؤمن بالله وتؤمن بذلك كله فإنها ترى طاعة الزوج باباً من أبواب العبادة، لا تنظر إلى الطاعة أنها باب من أبواب التعسف والغطرسة، أو من باب قهر النساء بأمر الرجال هذه مسألة مهمة.
ونحن اليوم في زمن كما جاء في صحيح البخاري (يأتي على الناس زمان يشربون الخمر فيسمونها بغير اسمها) نحن في زمن انتكست فيه كثير من المفاهيم، وتقلبت فيه كثير من الأمور، فأصبح المعروف عند البعض منكراً، والمنكر عند البعض معروفاً، وأصبحنا نجد من الغرائب والعجائب أشياء كثيرة! أليس الناس يرون أن عظماء الرجال هم الذين لا يخرجون وحدهم، بل الغالب أن معهم من الحشم والخدم والحرس من يأتمرون بأمرهم، ويستجيبون لتوجيهاتهم، ويحفظونهم ويقدمون لهم ما يشاءون ويريدون؟
الجواب
بلى.
لماذا لما كان الرجل حارساً للمرأة حامياً لها، وذلك من باب إكرامها وحشمتها والعناية بها لم يقال فيه: هذا من باب الاحترام وإنما قيل: هذا من باب التجسس؟! تكتب صحفية ماجنة مثلاً أو يكتب علماني فاسد مفسد لا يريد للمسلمين أن تظل مجتمعاتهم على درجة من الصيانة والرعاية والحفظ والتمام، لا يريد لهم ذلك فيقول: الرجل جاسوس يتابع المرأة، ولا تمنح المرأة أي ثقة بل لابد أن ينطلق الجاسوس تابعاً لها في كل مكان تخرج إليه.
لماذا لم يجعل الحشم الذي يمشون خلف العظماء من باب التجسس عليهم؟ لا، هؤلاء عظماء، ويستحقون الخدمة والحشمة والرعاية والصيانة، فكذلك المرأة جعلت في منزلة رفيعة بحيث أمر الزوج أن يكون معها في السفر فلا تسافر وحدها، وبحيث ألا يخلو أحد بها، فلا يخلو بها أحد من دون محرم، ولأمور كثيرة يراها الشرع الحنيف، ومن يفقه الشرع يرى أنها من تمام الرعاية والرفعة والكرامة والإجلال للمرأة، ويراها أعداء الإسلام وأذناب الغرب يرونها لانتكاس فطرهم ومفاهيمهم من باب التجسس والشك، ومن باب المتابعة والتنقيص لأمر المرأة! وكل ذلك مما يدخله تلاعب الألفاظ، والحقيقة أن ذلك هو الحق الذي شرعه الله في كرامة هذه المرأة، أن تخدم وأن ترعى وأن تصان وأن تحفظ، لا أن تكون سلعة لدعاية في منتج، حتى إطارات السيارات، وحتى بطاريات السيارات، وحتى أمور لا علاقة للمرأة في علاجها والتعامل معها جعلت المرأة سلعة أو دعاية في ترويجها، كل ذلك من باب احتقار المرأة عند أولئك، وإن كانوا أظهروا لها وسموها أنها المرأة المتحررة، والمرأة السعيدة، والمرأة التي تلبس ما شاءت، وتخرج متى شاءت، وتحدث من شاءت، وتتكلم مع من شاءت، وتفعل ما شاءت كل ذلك جعلوه في قالب قشيب جذاب تؤزه الدعاية والإغراء والفتنة، وتستهدفه الشهوة التي تجعل النساء في هذه الأحابيل ليكن فرشاً ومتاعاً وزهرات يمتص رحيقها من قبل الرجال، حتى إذا لم يبق من الرحيق شيء رمي بها في قارعة الطريق، ولا تجد من يلتفت إليها بأي حال من الأحوال.
حينما تجد الأساليب أو الميادين أو المجالات التي أقحمت فيها المرأة بغير طائل ولا مصلحة بل لمفسدة ومذلة، تعلم تماماً -إن رزقك الله النظر بعين البصر والبصيرة- أن المرأة استخدمت كسقط المتاع، وكأدنى وسيلة من أجل ترويج البضائع والحصول على الأموال.
إذا المرأة عرفت أن قوامتها عبادة كما تتعبد ربها بالصلاة والركوع والسجود والصيام، فإذا علمت أن قوامة الرجل عليها عبادة فإن ذلك يجعلها تسعد وتلذ بهذه القوامة، بل المرأة السليمة التي لم يفسد ذوقها ولا عقلها هي التي تشعر أنها بأمس الحاجة إلى قوامة الرجل عليها، بل الكثير من النساء اللائي يشكين من جور الزمان، وغلبة الملوان، وما يحصل لهن من الأذى والهوان تقول: يا ليت لها قيماً يحفظها ويصونها ولو أمرها ونهاها بما يتضايق منه كثير من النساء هذه المرأة العاقلة، لكن التي لم تقدر نعمة القوامة من قبل الرجل عليها فإنها تتمنى أن تتفلت؛ لأنها لا تنظر إلى القوامة والتعامل معها من باب التعبد؛ ولأنها لم تكتشف بعد حقيقة ما يؤول إليها من النفع من خلال هذه القوامة.
إذاً فلا بد أولاً من رضا النساء بحكم الله وشرعه فهو الأعلم بالأصلح للرجال وللنساء، ولذا جعل القوامة في أيدي الرجال فقال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠] حتى لو لم تظهر لنا بعض الحكم فلا بد أن نسلم ولابد أن نرضى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] أي مؤمن! يتعامل مع هذه النصوص الشرعية المعصومة بمقتضى التسليم والخضوع والانقياد لله ، والاتباع لنبيه ﷺ ، فإن المرأة المسلمة حيال ذلك لا تملك إلا الرضا والسعادة والتسليم، ومن كانت على غير هذا فإنها تضيق وتتبرم بهذه القوامة.
أيها الأحبة في الله! إن الله قد عظم حقوق الزوج على زوجته مع أن الله جعل لهن من الفضل والكرامة كما للرجال، إلا أنه جعل للرجال عليهن درج
стр. 628
الأحاديث الواردة في حقوق الزوج
ومن الأحاديث الواردة في هذا ما رواه أبو داود في سننه من قول النبي ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن) لما جعل الله لهم عليهن من الحق، ويؤكد ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ : أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: زوجها.
قلت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: أمه) رواه البزار والحاكم بل إن محافظة المرأة على حقوق الزوج يعد عملاً وعبادة جليلة تبلغ في ثوابها بالمرأة مبلغ ثواب الرجال من الجهاد في سبيل الله، ومصداق ذلك ما رواه ابن عباس ﵁ (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ -وفي بعض الروايات- أنها أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأشهلية قالت: يا رسول الله! أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال فإن يصيبوا أجروا، وإن قتلوا فهم أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك؟ قال ﷺ : أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج والاعتراف بحقه يعدل ذلك، وقليل منكن من يفعلن).
وجاء في بعض الروايات أن أسماء ﵂ جاءت فقالت: (يا رسول الله! ذهب الرجال بحظهم من الأجور: يسمعون حديثك، ويغزون معك، ونحن معاشر النساء طاهيات طعامكم، وغاسلات ثيابكم، وحاضنات أولادكم، فما لنا من ذلك يا رسول الله؟ -أي: ما لنا من الثواب والحظ والأجر؟ - فقال ﷺ وقد التفت إلى الصحابة رضوان الله عليهم فقال: هل سمعتم سؤالاً أحسن من سؤال هذه؟ قالوا: لا يا رسول الله! فالتفت إليها ﷺ فقال: اسمعي وأخبري من وراءك إن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله) أي: إن حسن المعاملة، وحسن الخضوع، وحسن الاستسلام للقوامة، وحسن الرعاية، وأن تكون امرأة عروباً متحببةً متوددةً إلى زوجها أن ذلك يجعل لها من الثواب ما يعدل ثواب من يجاهد ويغزو ويحج ويجلس مع النبي ﷺ .
بل قال النبي ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت) رواه الإمام أحمد والطبراني أليس ذلك كله دليل على عظم حق الزوج وعلى عظيم منزلته؟ فأين كثير من النساء عن هذا؟! إن كثيراً من النساء قد استطلن في أعراض أزواجهن غيبة ونميمة، وإن كثيراً من النساء قد امتلأن بغضاً وحقداً وكراهية على أزواجهن، إن كثيراً من النساء قد تسلطن في تحقير أزواجهن أمام أولادها وأولادهم، إن من النساء من تكون سبباً في تقزيم وتصغير وتحقير مكانة الزوج ومكانة الأب أمام أولاده من حيث تشكو وهي تدري أو لا تدري أنها تجعل التوجيه والريادة والسيادة لغير الوالدين من خلال هذا الكلام الذي تقوله، لعله بسبب حفنة من المال منعت ولم تعطها، أو بسبب مناسبة زفاف أراد زوجها ألا تحضرها لمنكر من المنكرات يعلمها في ذلك الزفاف، أو لأمر ومصلحة يقدرها الزوج ولا تقدرها المرأة.
يقول ابن قدامة في المغني ﵀: وحق الزوج عليها أعظم من حقها عليه لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] وكذلك صاحب كشاف القناع واستدل بالآية والحديث: فهو أمر عظيم متأكد لا جدال فيه، فأين الذين يحاربون القوامة اليوم زاعمينها استعباداً؟ أين هذا من هذا؟! وأين الذين يحاربون الأسرة ويزعمونها سيطرة وقيداً وقفصاً حديدياً؟! أين هم من إدراك هذه المسائل والفضائل؟! بل أين المرأة التي تنساق وراء دعاوى مضللة وشبه كاذبة من هذا؟ ألا تطمع المرأة في جنة عرضها السماوات والأرض؟ ألا تطمع في أن تصل عليها الملائكة وتدعو لها؟ ألا تطمع في أن يرضى ربها عنها؟ ألا تخشى من لعنات الملائكة المتتابعة؟ ألا تخشى من سخط الله عليها؟ ألا تخشى من عقوبة الله أن تحل بها بسبب نشوزها أو إعراضها أو ارتفاعها أو تكبرها عن طاعة زوجها والاعتراف بحقوقه؟!
стр. 629
حقوق الزوج على الزوجة
أيها الأحبة في الله! حقوق الزوج على الزوجة كثيرة:
стр. 630
من حقوق الزوج على الزوجة الطاعة
فمن ذلك: الطاعة، وهي الطاعة في المعروف والقوامة دالة على ذلك، وقد جاء في تفسير قول الله تعالى: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)) [النساء:٣٤] جاء في تفسير الآية: إن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية.
ذكره الجصاص والقرطبي، وإن أساس هذا الحق هو القوامة إذ أنه لا معنى لحق القوامة بدون حق الطاعة، مادام للرجل قوامة فله على زوجته أن تطيعه ولا تعصيه ما لم يكن أمره لها في معصية الله ، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] لاحظوا قوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٣٤] دل على أن الحق الذي لكم هو الطاعة، فإن فرَّطَتْ في هذا الحق والطاعة كان سبيلكم إلى إرجاع المرأة إليه الوعظ أولاً، ثم الهجر ثانياً، ثم الضرب غير المبرح ثالثاً.
قال الكاساني في البدائع: أمر تعالى بتأديبهن بالهجر والضرب عند عدم طاعتهن، ونهى عن ذلك إذا أطعن أزواجهن لقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] فدل على أن التأديب كان لترك الطاعة فدل على لزوم طاعتهن للأزواج.
وقول الله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] فالزوج كالأمير والراعي والزوجة كالمأمور والرعية؛ فيجب عليها بسبب كونه أميراً وراعياً أن تقوم بطاعته كما يجب عليه أن يقوم بحقها ومصالحها، ويجب عليها إظهار الانقياد والطاعة للزوج ذكره الرازي أيضاً.
بل إن صلاح المرأة في طاعة الزوج، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ [النساء:٣٤] فأثنى عليهن بصلاحهن، ووصفهن بعد الصلاح بالقنوت، والقنوت هو: الطاعة، والمرأة القانتة هي المطيعة، وتأمل حرف الألف واللام في الجمع بقيد الاستغراق فهذا يقتضي أن كل امرأة صالحة لابد أن تكون قانتة مطيعة ذكره الرازي.
ومعلوم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ففي البخاري عن عائشة ﵂ أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها، فتمعط شعر رأسها، فجاءت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقالت إن زوجها -أي: زوج ابنتها- أمرها أن تصل شعرها فقال ﷺ : (لا.
إنه قد لعن الموصلات -وفي رواية- الواصلة والمستوصلة) ومعنى تمعط شعرها: أي تمزق وتساقط، قال العيني: ووجه الدلالة أن الزوج طلب شيئاً غير شرعي فلم تجز طاعته فيه، ولو كان الطلب شيئاً شرعياً وجبت طاعته.
стр. 631
من حقوق الزوج على الزوجة الإجابة إلى الفراش
ومن حقوق الزوج على المرأة التي ينبغي أن تنتبه لها غاية الانتباه وألا تقصر فيها: حق في وطئها.
فلابد أن تطيعه في الوطء، ففي البخاري عن النبي ﷺ قال: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح) أي زجر للنساء! وأي نهي للنساء! وأي تحذير للنساء من هذا الذي يحرم عليها أن تأبى الانقياد والطاعة لزوجها حينما يريد أن يقضي ما شرعه الله بينه وبينها مما يحقق بينهم سكناً ومودة؟! وفي لفظ للبخاري وأحمد وغيره: (فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح) يعني: إذا دعاها إلى فراشه فأبت؛ فبات غضبان؛ فإن الملائكة تلعنها حتى تصبح، وفي هذا يتجه وقوع اللعن، وقد وردت أحاديث كثيرة في لزوم طاعته إذا دعاها إلى فراشه، وأنها لا يسعها عصيانه ولو كانت على التنور، ولو كانت على ظهر قتب، ولو كانت في حال من الأحوال إذا احتاج الرجل إليها خاصة في هذا فإن هذا من أخص الحقوق بين الزوجين، ولتعلم المرأة أنها حينما تفرط في هذا فربما تفتح باباً إلى الزنا أو باباً من الفساد أو باباً من مرض القلب أو باباً من الأبواب التي لا تزال تتسع يوماً بعد يوم حتى تقع بالرجل في هاوية الانحراف والرذيلة، وتكون هي السبب وهي التي أشعلت شرارة البداية في هذا الانحراف، فلا يسع للمرأة أن تعصيه.
بل جعل ابن حزم طاعتها له في الوطء فرضاً تستحق اللعن إذا لم تقم به ما لم تكن حائضاً أو مريضة تتأذى بالجماع أو صائماً في فرض فإن امتنعت في غير عذر فهي ملعونة هذا كلام ابن حزم في المحلى.
стр. 632
من حقوق الزوج على الزوجة المبادرة في أمور الطهارة والنظافة
والطاعة أيضاً في أمور الطهارة كالاغتسال من حيض ونفاس، وله أن يجبرها على ذلك إن امتنعت؛ لأن تلكم الأشياء تمنع استمتاعه بها فله الحق في إجبارها على ما يمنع حقه، أي: أن هناك امرأة طهرت من الحيض فقال لها زوجها: اغتسلي.
معروف لماذا أمرها بالاغتسال؟ حتى يصيب منها ما شرع الله له معها، فإذا أبت فإن امتناعها من الغسل من الحيض مثلاً إنما هو معصية تستحق عليه اللعن والعياذ بالله، ولابد لها أن تبادر ويجب عليها ذلك؛ لأن امتناعها عن ذلك مما يفوت كمال استمتاعه بها.
كذلك مما يجب من الحقوق للزوج ومما يجب من أمور الطاعة فيما يأمر به الزوج الطاعة في أمور النظافة، في إزالة الوسخ والدرن وتقليم الأظافر وغيره مما تعافه النفس، وبعض العلماء يرى أن للزوج إلزامها به؛ لأن بقاء هذه الأشياء يمنع كمال الاستمتاع.
стр. 633
من حقوق الزوج على الزوجة طاعته في ترك النوافل إذا احتاج إليها
كذلك من حقه عليها أن تطيعه ولو في ترك نوافل العبادات، فامرأة شغوفة بقيام الليل، إذا احتاجها تشاغلت بالطهارة والوضوء والركوع والسجود، إن نومها في فراش زوجها وبجواره يرفعها درجات أعظم من درجات انشغالها بالنوافل والركوع والسجود من الطاعة.
وكان نساء السلف الصالح إذا أرادت إحداهن أن تشتغل بالتهجد في الليل وقفت عند رأس زوجها وقالت له: ألك بنا حاجة؟ وهذا من جمال الأدب في التعريض عند ذكر الحاجة بين الرجل وزوجته فإذا أرادها أشار إليها، وإن لم يردها دعت له ثم ذهبت تصلي وتتهجد قانتة قارئة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار.
أين ذلك الجيل؟ وأين نساء اليوم من ذلك الجيل؟
لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
يخبرني بعض من يتصل ويرسل وبعض من يتكلم عن أمور كهذه، منها أن بعض النساء أصبحت تقول: إياك أن تطلبني إذا استحكم مزاجك في طلب هذه الحاجة، لكن إذا اتفق مزاجي مع مزاجك ثم اتفقنا على قاعدة المفاوضات على فعل هذا الأمر فلنجتمع لتنفيذه، وكأنها اتفاقية تحتاج إلى أطراف ووكلاء وآخرين من جهات شتى! ما الذي عقد الحياة الزوجية بهذه الدرجة حتى أصبحت المرأة تستنكر وتستكبر إذا دعاها زوجها وتقول: لا؟ إذا كان مزاجك أو رغبتك أو حاجتك حضرت فإن حاجتي بعد لم تحضر؟ لا، لم يرد في الشرع هذا، بل الذي ورد أن تجيب وأن تطيع وإن كانت على ظهر قتب أو على تنور، حتى العبادة والطاعة إذا أرادت أن تصلي أو تصوم نفلاً وهو شاهد فليس لها أن تصوم ذلك إلا بإذنه، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) رواه البخاري وفي رواية: (لا تصوم امرأة وزوجها شاهد يوماً من غير رمضان إلا بإذنه) رواه أهل السنن إلا النسائي.
ويفهم من هذا الحديث جواز منع الرجل زوجته من صوم التطوع، وعليها أن تطيعه في ذلك، ويفهم أيضاً: أنه يحرم على المرأة أن تصوم النفل بدون إذن زوجها الحاضر؛ وسبب التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في كل وقت، وحقها واجب على الفور فلا يجوز لها أن تفوته عليه بانشغالها بنوافل الصوم وغيره.
وكذلك من فوائد هذا الحديث أن الزوج ليس له أن يأمرها بمعصية الله ، فإذا صامت قضاءً لصوم واجب عليها فلا يجوز له أن يجبرها على نقض صومها أو فطر ذلك اليوم الذي تصومه قضاءً في صيام واجب.
стр. 634
من حقوق الزوج على زوجته حفظ ماله
ومن الحقوق أيضاً: حق زوجها عليها في حفظ ماله، فمن النساء من وجودهن بركة، فإذا أقبلت على البيت رأيت البركة تعمره في شتى شئونه، بل تملأ جوانبه وأركانه: في حسن تدبيرها، واقتصادها، ورعايتها.
ومن النساء من دخولها بعض البيوت بوابة إلى الإعسار والفقر والمسكنة والمسغبة بسوء تدبيرها وعدم حفظها لمال زوجها؛ ولذلك فإن مما يُدعى به لمن تزوج امرأة أن يقال له: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير.
إذا كانت المرأة بركة على زوجها كانت سبباً -بإذن الله- في حفظ ماله ونمائه، وكانت سبباً في اقتصاد معيشته، وكانت سبباً في أن تكرمه وتعينه وتحفظه من أن يريق ماء وجهه حاجة للناس.
أما إذا ابتلي بامرأة مسرفة خراجة ولاجة، تعرف الأسواق، ولها مع الحوانيت والدكاكين وأصحابها مواقف ومشاهد مأثورة أو معروفة، فإنه لا هم لها إلا أن تكون يداً طالبة للمال في كل حال، لا ترحم زوجها، وإذا قصر في بذل المال لها فالويل ثم الويل له، هذا من دلائل شؤم المرأة، ولذا قال ﷺ : (إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاث: في المرأة، والدار، وفي الدابة) أي: أن المرأة ربما تكون شؤماً وربما تكون بركة.
في هذا الباب -وهو حق الزوج على المرأة في حفظ المال- يقول تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] قال قتادة في تفسير هذه الآية: مطيعات لله، ثم مطيعات لأزواجهن، وأصل القنوت دوام الطاعة، ثم قال: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء:٣٤] أي: حافظات لما غاب عنه أزواجهن من ماله، وما يجب من رعاية حاله، وما يلزم من صيانة نفسها له ذكره الجصاص في أحكام القرآن.
وقد ذكر الرازي أن الحفظ من وجوه: أولها: حفظ نفسها من الزنا.
والثاني: حفظ ماله عن الضياع.
والثالث: حفظ منزله عما لا ينبغي.
قال ﷺ : (خير النساء إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك -وقرأ هذه الآية ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]) ومما يستدل لهذا وأن المرأة مسئولة، وأن من حق الزوج عليها أن تحفظ ماله، وأن تحفظ متاعه، وأن تحفظ بيته قول النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) متفق عليه ومعنى رعاية المرأة لبيت زوجها: في حسن التدبير، والنصح، والأمانة في المال، وحفظ ما يدخل من القوت والطعام، فالمرأة أمينة على ذلك.
وهنا مسألة فيما يتعلق بحفظ المال، ينبغي للزوج أن يطلق لزوجته يد الثقة والأمان، وأن يطلق لزوجته يد الأريحية والكرم، فمن الناس من لو رأى زوجته أخذت من الطعام أو المتاع شيئاً إلى بيت أهلها أو عمتها الفقيرة أو خالتها الأرملة جُنَّ جنونه، وجحظت عيونه، واشرأب عنقه، وشخص بصره، وكاد أن يصيبه من الغم والهم ما لا يوصف! لماذا؟ بسبب أنها أخذت شيئاً من اللحم أو الطعام، أو شيئاً من الزاد لقريبة أرملة أو امرأة مسكينة في حال يرثى لها.
ينبغي للزوج ألا يكون بخيلاً، وليعلم أن البخل هو الذي يفسد الخصال بل يدفنها، والكرم هو الذي يغطي المعائب
تمتع بالسخاء فكل عيب يغطيه كما قيل السخاء
الرجل الكريم السخي كل زلاته مغفورة معفو عنها عند زوجته بسبب السخاء والكرم، أما البخيل فمهما بلغ فإن بخله سبب في دفن محاسنه وإظهار معايبه، لذا كان على الرجال أن يطلقوا يد الأمانة والثقة والأريحية والكرم للنساء فيقول: يا أمة الله! إذا طرق الباب فقير أو مسكين فأعطوهم من الطعام ما ترونه سبباً في دفع البلاء وشكر النعمة، والقربى إلى الله ، إذا علمت أن أهلك في حاجة إلى شيء من الطعام فأنت مأذون لك في أن تأخذي من زادنا وطعامنا ما ترين، إذا علمت من خالة فقيرة أو عمة أرملة أو مسكينة محتاجة فأعطيها ما ترين، فإنك مكان نفسي، بل لك الأجر بإذن الله .
стр. 635
من حقوق الزوج على زوجته خدمته وخدمة منزله
ومن الحقوق أيضاً: حق الزوج عليها في خدمته وخدمة منزله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ويجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وكذلك خدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة وهذا كلام جميل لـ ابن تيمية ﵀ مع أن هناك من أهل العلم من يقول: لا يجب على المرأة أن تخدم زوجها، والواجب عليه أن يهيئ لها من يعد طعاماً وشراباً ويخدمها، ولكن هذه المسألة خلافية قد توسط فيها ابن تيمية توسطاً جميلاً فقال: يجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف.
فلا يأتي إنسان يقول للمرأة وهو صاحب عمال وأعمال وغير ذلك ويأمرها يومياً أن تطبخ الطعام لعشرات، بل أكثر من ذلك من الوافدين والداخلين والخارجين إذا كان هذا يشق عليها مشقة بينة واضحة، فعليها أن تطيعه في المعروف.
من المعروف: أن تطهي طعامه، لكن ليس من المعروف أن تتحول إلى طباخة تطبخ يومياً لعشرين وثلاثين من العمال وغير ذلك.
من المعروف: أن تنظف البيت، لكن ليس من المعروف أن تتحول إلى عاملة لكنس الاستراحة ورشها والعناية بكل ما يحتاجه هو وشلته وأصحابه ورفاقه كل يوم لتظل طول اليوم مهينة مهيضة مكسورة ضعيفة، فلا القول بأن حقه عليها في الخدمة مطلق ولا القول بأنه ليس له عليها من الحق في الخدمة أيضاً، وإنما الوسط في ذلك كما سدد إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: ويجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة انتهى من الاختيارات.
وقال مثل ذلك أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف وأبو إسحاق الجوزجاني وغيره قال: وأدلة هذا القول ما رواه البخاري أن فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ أتت النبي ﷺ وقد سمعت أنه جيء إلى النبي ﷺ بسبي، وكانت قد مجلت يداها مما تقوم به من خدمة علي ﵁، والطحن على الرحى، وإعلاف فرس علي بن أبي طالب ﵁، فجاءت إلى النبي ﷺ تسأله خادماً فقال ﷺ : (ألا أخبرك بما هو خير لك من خادم؟ تسبحين الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين أربعاً وثلاثين، فذلك خير لك من خادم وخادمة).
ووجه الاستدلال أن فاطمة ﵂ لما سألت النبي ﷺ أن يعطيها خادماً من هذا السبي الذي جيء إليه به لم يقل ﷺ : إن من حقك على علي أو من واجب علي أن يخدمك أو أن يهيئ لك خادماً، ولم يأمر زوجها علي بن أبي طالب بأن يهيئ ذلك إما بإخدامها خادماً أو باستئجار من يقوم بذلك أو بتعاطي ذلك بنفسه، ولو كانت كفاية ذلك إلى علي ﵁ لأمره النبي ﷺ بذلك، ولكن قال: (ألا أخبرك بما هو خير لك من خادم وخادمة؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، وكبرا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا أربعاً وثلاثين) وفيه من الفوائد: أن الذكر يقوي البدن.
وأن الذكر والاستغفار خاصة من أسباب قوة البدن بإذن الله .
قال الطبري: يؤخذ منه أن كل من كانت له طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفاً أن مثلها يلي ذلك بنفسه ذكره ابن حجر في فتح الباري.
ويستدل أيضاً بحديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها قالت: كنت أخدم الزبير بن العوام ﵁ خدمة البيت كله، وكانت له فرس فكنت أسوس فرسه، وكانت تعلفه وتسقي الماء، وتخرج الدلو، وتعجن، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلاثة فراسخ.
والمسافة بعيدة، والحديث في البخاري.
وفيه أن النبي ﷺ رآها مع نفر من أصحابه فلم ينكر ذلك عليها، ولم ينكر على الزبير حالها معه، ولم يقل: يا زبير لم لا تُخدمها، لم لا تحضر لها خادمة؟ قال ابن حجر: والذي يظهر أن هذه الواقعة وأمثالها كانت حالة ضرورة، ووجه هذه الضرورة شغل زوجها الزبير وغيره من المسلمين بالجهاد وغيره مما يأمرهم به رسول الله ﷺ ، وكانوا لا يتفرغون لأمور البيت بأن يتعاطوا ذلك بأنفسهم، ولضيق ما بأيديهم على استخدام من يقول بذلك، فانحصر الأمر في نسائهم فكن - يعني: النساء- يكفينهم مؤونة البيت ومن فيه؛ ليتوفروا على ما هم فيه من نصر الإسلام، أي: ليظل الرجال منشغلين بالجهاد ونصر الإسلام -ثم قال- والذي يترجح: حمل الأمر في ذلك على عوائد البلاد فإنها مختلفة في هذا الباب.
وأنت تلاحظ أن ابن حجر اقترب من قول القائلين بإيجاب الخدمة على المرأة على النحو الذي يقضي به عرف الناس وعاداتهم.
والآن أصبح الكثير من النساء مخدومات بالخادمات، ولكن مع هذا كله نقول لأخواتنا: إن طبخ الزوجة لا يمكن أن يقارن في ذوقه وحلاوته وتلذذ الرجل به، وشعور الرجل بمكانة المرأة في منزله، لا يقارن بطبخ الخادمات، فإياك إياك أمة الله أن تسندي طبخ طعام زوجك إلى خادمة!! ومسألة أخرى: الرعاية والعناية بالأولاد، إياك ثم إياك أن تسندي مسألة الرعاية بالأولاد في نظافتهم وفي لباسهم، وفي الحديث معهم، وفي تأديبهم إلى الخادمات! وإلا فسوف يخرج جيل أعجمي غريب الطباع والعادات يقول ابن القيم ﵀: لما رأى النبي ﷺ أسماء والنوى على رأسها والزبير زوجها معه، لم يقل ﷺ : لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقره ﷺ على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم وهذا أمر لا ريب فيه، ذكره في زاد المعاد.
وقال عن حديث فاطمة: هذا أمر لا ريب فيه، ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة، وفقيرة وغنية، فهذه -يعني فاطمة - أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءت إلى النبي ﷺ تريد خادماً وتشكو إليه الخدمة فلم يقدم لها أو يعطها خادماً.
следующие страницы →