Полный текст (3 155 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
من حقوق الزوج على الزوجة الإجابة إلى الفراش
ومن حقوق الزوج على المرأة التي ينبغي أن تنتبه لها غاية الانتباه وألا تقصر فيها: حق في وطئها.
فلابد أن تطيعه في الوطء، ففي البخاري عن النبي ﷺ قال: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح) أي زجر للنساء! وأي نهي للنساء! وأي تحذير للنساء من هذا الذي يحرم عليها أن تأبى الانقياد والطاعة لزوجها حينما يريد أن يقضي ما شرعه الله بينه وبينها مما يحقق بينهم سكناً ومودة؟! وفي لفظ للبخاري وأحمد وغيره: (فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح) يعني: إذا دعاها إلى فراشه فأبت؛ فبات غضبان؛ فإن الملائكة تلعنها حتى تصبح، وفي هذا يتجه وقوع اللعن، وقد وردت أحاديث كثيرة في لزوم طاعته إذا دعاها إلى فراشه، وأنها لا يسعها عصيانه ولو كانت على التنور، ولو كانت على ظهر قتب، ولو كانت في حال من الأحوال إذا احتاج الرجل إليها خاصة في هذا فإن هذا من أخص الحقوق بين الزوجين، ولتعلم المرأة أنها حينما تفرط في هذا فربما تفتح باباً إلى الزنا أو باباً من الفساد أو باباً من مرض القلب أو باباً من الأبواب التي لا تزال تتسع يوماً بعد يوم حتى تقع بالرجل في هاوية الانحراف والرذيلة، وتكون هي السبب وهي التي أشعلت شرارة البداية في هذا الانحراف، فلا يسع للمرأة أن تعصيه.
بل جعل ابن حزم طاعتها له في الوطء فرضاً تستحق اللعن إذا لم تقم به ما لم تكن حائضاً أو مريضة تتأذى بالجماع أو صائماً في فرض فإن امتنعت في غير عذر فهي ملعونة هذا كلام ابن حزم في المحلى.
стр. 632
من حقوق الزوج على الزوجة المبادرة في أمور الطهارة والنظافة
والطاعة أيضاً في أمور الطهارة كالاغتسال من حيض ونفاس، وله أن يجبرها على ذلك إن امتنعت؛ لأن تلكم الأشياء تمنع استمتاعه بها فله الحق في إجبارها على ما يمنع حقه، أي: أن هناك امرأة طهرت من الحيض فقال لها زوجها: اغتسلي.
معروف لماذا أمرها بالاغتسال؟ حتى يصيب منها ما شرع الله له معها، فإذا أبت فإن امتناعها من الغسل من الحيض مثلاً إنما هو معصية تستحق عليه اللعن والعياذ بالله، ولابد لها أن تبادر ويجب عليها ذلك؛ لأن امتناعها عن ذلك مما يفوت كمال استمتاعه بها.
كذلك مما يجب من الحقوق للزوج ومما يجب من أمور الطاعة فيما يأمر به الزوج الطاعة في أمور النظافة، في إزالة الوسخ والدرن وتقليم الأظافر وغيره مما تعافه النفس، وبعض العلماء يرى أن للزوج إلزامها به؛ لأن بقاء هذه الأشياء يمنع كمال الاستمتاع.
стр. 633
من حقوق الزوج على الزوجة طاعته في ترك النوافل إذا احتاج إليها
كذلك من حقه عليها أن تطيعه ولو في ترك نوافل العبادات، فامرأة شغوفة بقيام الليل، إذا احتاجها تشاغلت بالطهارة والوضوء والركوع والسجود، إن نومها في فراش زوجها وبجواره يرفعها درجات أعظم من درجات انشغالها بالنوافل والركوع والسجود من الطاعة.
وكان نساء السلف الصالح إذا أرادت إحداهن أن تشتغل بالتهجد في الليل وقفت عند رأس زوجها وقالت له: ألك بنا حاجة؟ وهذا من جمال الأدب في التعريض عند ذكر الحاجة بين الرجل وزوجته فإذا أرادها أشار إليها، وإن لم يردها دعت له ثم ذهبت تصلي وتتهجد قانتة قارئة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار.
أين ذلك الجيل؟ وأين نساء اليوم من ذلك الجيل؟
لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
يخبرني بعض من يتصل ويرسل وبعض من يتكلم عن أمور كهذه، منها أن بعض النساء أصبحت تقول: إياك أن تطلبني إذا استحكم مزاجك في طلب هذه الحاجة، لكن إذا اتفق مزاجي مع مزاجك ثم اتفقنا على قاعدة المفاوضات على فعل هذا الأمر فلنجتمع لتنفيذه، وكأنها اتفاقية تحتاج إلى أطراف ووكلاء وآخرين من جهات شتى! ما الذي عقد الحياة الزوجية بهذه الدرجة حتى أصبحت المرأة تستنكر وتستكبر إذا دعاها زوجها وتقول: لا؟ إذا كان مزاجك أو رغبتك أو حاجتك حضرت فإن حاجتي بعد لم تحضر؟ لا، لم يرد في الشرع هذا، بل الذي ورد أن تجيب وأن تطيع وإن كانت على ظهر قتب أو على تنور، حتى العبادة والطاعة إذا أرادت أن تصلي أو تصوم نفلاً وهو شاهد فليس لها أن تصوم ذلك إلا بإذنه، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) رواه البخاري وفي رواية: (لا تصوم امرأة وزوجها شاهد يوماً من غير رمضان إلا بإذنه) رواه أهل السنن إلا النسائي.
ويفهم من هذا الحديث جواز منع الرجل زوجته من صوم التطوع، وعليها أن تطيعه في ذلك، ويفهم أيضاً: أنه يحرم على المرأة أن تصوم النفل بدون إذن زوجها الحاضر؛ وسبب التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في كل وقت، وحقها واجب على الفور فلا يجوز لها أن تفوته عليه بانشغالها بنوافل الصوم وغيره.
وكذلك من فوائد هذا الحديث أن الزوج ليس له أن يأمرها بمعصية الله ، فإذا صامت قضاءً لصوم واجب عليها فلا يجوز له أن يجبرها على نقض صومها أو فطر ذلك اليوم الذي تصومه قضاءً في صيام واجب.
стр. 634
من حقوق الزوج على زوجته حفظ ماله
ومن الحقوق أيضاً: حق زوجها عليها في حفظ ماله، فمن النساء من وجودهن بركة، فإذا أقبلت على البيت رأيت البركة تعمره في شتى شئونه، بل تملأ جوانبه وأركانه: في حسن تدبيرها، واقتصادها، ورعايتها.
ومن النساء من دخولها بعض البيوت بوابة إلى الإعسار والفقر والمسكنة والمسغبة بسوء تدبيرها وعدم حفظها لمال زوجها؛ ولذلك فإن مما يُدعى به لمن تزوج امرأة أن يقال له: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير.
إذا كانت المرأة بركة على زوجها كانت سبباً -بإذن الله- في حفظ ماله ونمائه، وكانت سبباً في اقتصاد معيشته، وكانت سبباً في أن تكرمه وتعينه وتحفظه من أن يريق ماء وجهه حاجة للناس.
أما إذا ابتلي بامرأة مسرفة خراجة ولاجة، تعرف الأسواق، ولها مع الحوانيت والدكاكين وأصحابها مواقف ومشاهد مأثورة أو معروفة، فإنه لا هم لها إلا أن تكون يداً طالبة للمال في كل حال، لا ترحم زوجها، وإذا قصر في بذل المال لها فالويل ثم الويل له، هذا من دلائل شؤم المرأة، ولذا قال ﷺ : (إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاث: في المرأة، والدار، وفي الدابة) أي: أن المرأة ربما تكون شؤماً وربما تكون بركة.
في هذا الباب -وهو حق الزوج على المرأة في حفظ المال- يقول تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] قال قتادة في تفسير هذه الآية: مطيعات لله، ثم مطيعات لأزواجهن، وأصل القنوت دوام الطاعة، ثم قال: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء:٣٤] أي: حافظات لما غاب عنه أزواجهن من ماله، وما يجب من رعاية حاله، وما يلزم من صيانة نفسها له ذكره الجصاص في أحكام القرآن.
وقد ذكر الرازي أن الحفظ من وجوه: أولها: حفظ نفسها من الزنا.
والثاني: حفظ ماله عن الضياع.
والثالث: حفظ منزله عما لا ينبغي.
قال ﷺ : (خير النساء إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك -وقرأ هذه الآية ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]) ومما يستدل لهذا وأن المرأة مسئولة، وأن من حق الزوج عليها أن تحفظ ماله، وأن تحفظ متاعه، وأن تحفظ بيته قول النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) متفق عليه ومعنى رعاية المرأة لبيت زوجها: في حسن التدبير، والنصح، والأمانة في المال، وحفظ ما يدخل من القوت والطعام، فالمرأة أمينة على ذلك.
وهنا مسألة فيما يتعلق بحفظ المال، ينبغي للزوج أن يطلق لزوجته يد الثقة والأمان، وأن يطلق لزوجته يد الأريحية والكرم، فمن الناس من لو رأى زوجته أخذت من الطعام أو المتاع شيئاً إلى بيت أهلها أو عمتها الفقيرة أو خالتها الأرملة جُنَّ جنونه، وجحظت عيونه، واشرأب عنقه، وشخص بصره، وكاد أن يصيبه من الغم والهم ما لا يوصف! لماذا؟ بسبب أنها أخذت شيئاً من اللحم أو الطعام، أو شيئاً من الزاد لقريبة أرملة أو امرأة مسكينة في حال يرثى لها.
ينبغي للزوج ألا يكون بخيلاً، وليعلم أن البخل هو الذي يفسد الخصال بل يدفنها، والكرم هو الذي يغطي المعائب
تمتع بالسخاء فكل عيب يغطيه كما قيل السخاء
الرجل الكريم السخي كل زلاته مغفورة معفو عنها عند زوجته بسبب السخاء والكرم، أما البخيل فمهما بلغ فإن بخله سبب في دفن محاسنه وإظهار معايبه، لذا كان على الرجال أن يطلقوا يد الأمانة والثقة والأريحية والكرم للنساء فيقول: يا أمة الله! إذا طرق الباب فقير أو مسكين فأعطوهم من الطعام ما ترونه سبباً في دفع البلاء وشكر النعمة، والقربى إلى الله ، إذا علمت أن أهلك في حاجة إلى شيء من الطعام فأنت مأذون لك في أن تأخذي من زادنا وطعامنا ما ترين، إذا علمت من خالة فقيرة أو عمة أرملة أو مسكينة محتاجة فأعطيها ما ترين، فإنك مكان نفسي، بل لك الأجر بإذن الله .
стр. 635
من حقوق الزوج على زوجته خدمته وخدمة منزله
ومن الحقوق أيضاً: حق الزوج عليها في خدمته وخدمة منزله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ويجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وكذلك خدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة وهذا كلام جميل لـ ابن تيمية ﵀ مع أن هناك من أهل العلم من يقول: لا يجب على المرأة أن تخدم زوجها، والواجب عليه أن يهيئ لها من يعد طعاماً وشراباً ويخدمها، ولكن هذه المسألة خلافية قد توسط فيها ابن تيمية توسطاً جميلاً فقال: يجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف.
فلا يأتي إنسان يقول للمرأة وهو صاحب عمال وأعمال وغير ذلك ويأمرها يومياً أن تطبخ الطعام لعشرات، بل أكثر من ذلك من الوافدين والداخلين والخارجين إذا كان هذا يشق عليها مشقة بينة واضحة، فعليها أن تطيعه في المعروف.
من المعروف: أن تطهي طعامه، لكن ليس من المعروف أن تتحول إلى طباخة تطبخ يومياً لعشرين وثلاثين من العمال وغير ذلك.
من المعروف: أن تنظف البيت، لكن ليس من المعروف أن تتحول إلى عاملة لكنس الاستراحة ورشها والعناية بكل ما يحتاجه هو وشلته وأصحابه ورفاقه كل يوم لتظل طول اليوم مهينة مهيضة مكسورة ضعيفة، فلا القول بأن حقه عليها في الخدمة مطلق ولا القول بأنه ليس له عليها من الحق في الخدمة أيضاً، وإنما الوسط في ذلك كما سدد إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: ويجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة انتهى من الاختيارات.
وقال مثل ذلك أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف وأبو إسحاق الجوزجاني وغيره قال: وأدلة هذا القول ما رواه البخاري أن فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ أتت النبي ﷺ وقد سمعت أنه جيء إلى النبي ﷺ بسبي، وكانت قد مجلت يداها مما تقوم به من خدمة علي ﵁، والطحن على الرحى، وإعلاف فرس علي بن أبي طالب ﵁، فجاءت إلى النبي ﷺ تسأله خادماً فقال ﷺ : (ألا أخبرك بما هو خير لك من خادم؟ تسبحين الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين أربعاً وثلاثين، فذلك خير لك من خادم وخادمة).
ووجه الاستدلال أن فاطمة ﵂ لما سألت النبي ﷺ أن يعطيها خادماً من هذا السبي الذي جيء إليه به لم يقل ﷺ : إن من حقك على علي أو من واجب علي أن يخدمك أو أن يهيئ لك خادماً، ولم يأمر زوجها علي بن أبي طالب بأن يهيئ ذلك إما بإخدامها خادماً أو باستئجار من يقوم بذلك أو بتعاطي ذلك بنفسه، ولو كانت كفاية ذلك إلى علي ﵁ لأمره النبي ﷺ بذلك، ولكن قال: (ألا أخبرك بما هو خير لك من خادم وخادمة؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، وكبرا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا أربعاً وثلاثين) وفيه من الفوائد: أن الذكر يقوي البدن.
وأن الذكر والاستغفار خاصة من أسباب قوة البدن بإذن الله .
قال الطبري: يؤخذ منه أن كل من كانت له طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفاً أن مثلها يلي ذلك بنفسه ذكره ابن حجر في فتح الباري.
ويستدل أيضاً بحديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها قالت: كنت أخدم الزبير بن العوام ﵁ خدمة البيت كله، وكانت له فرس فكنت أسوس فرسه، وكانت تعلفه وتسقي الماء، وتخرج الدلو، وتعجن، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلاثة فراسخ.
والمسافة بعيدة، والحديث في البخاري.
وفيه أن النبي ﷺ رآها مع نفر من أصحابه فلم ينكر ذلك عليها، ولم ينكر على الزبير حالها معه، ولم يقل: يا زبير لم لا تُخدمها، لم لا تحضر لها خادمة؟ قال ابن حجر: والذي يظهر أن هذه الواقعة وأمثالها كانت حالة ضرورة، ووجه هذه الضرورة شغل زوجها الزبير وغيره من المسلمين بالجهاد وغيره مما يأمرهم به رسول الله ﷺ ، وكانوا لا يتفرغون لأمور البيت بأن يتعاطوا ذلك بأنفسهم، ولضيق ما بأيديهم على استخدام من يقول بذلك، فانحصر الأمر في نسائهم فكن - يعني: النساء- يكفينهم مؤونة البيت ومن فيه؛ ليتوفروا على ما هم فيه من نصر الإسلام، أي: ليظل الرجال منشغلين بالجهاد ونصر الإسلام -ثم قال- والذي يترجح: حمل الأمر في ذلك على عوائد البلاد فإنها مختلفة في هذا الباب.
وأنت تلاحظ أن ابن حجر اقترب من قول القائلين بإيجاب الخدمة على المرأة على النحو الذي يقضي به عرف الناس وعاداتهم.
والآن أصبح الكثير من النساء مخدومات بالخادمات، ولكن مع هذا كله نقول لأخواتنا: إن طبخ الزوجة لا يمكن أن يقارن في ذوقه وحلاوته وتلذذ الرجل به، وشعور الرجل بمكانة المرأة في منزله، لا يقارن بطبخ الخادمات، فإياك إياك أمة الله أن تسندي طبخ طعام زوجك إلى خادمة!! ومسألة أخرى: الرعاية والعناية بالأولاد، إياك ثم إياك أن تسندي مسألة الرعاية بالأولاد في نظافتهم وفي لباسهم، وفي الحديث معهم، وفي تأديبهم إلى الخادمات! وإلا فسوف يخرج جيل أعجمي غريب الطباع والعادات يقول ابن القيم ﵀: لما رأى النبي ﷺ أسماء والنوى على رأسها والزبير زوجها معه، لم يقل ﷺ : لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقره ﷺ على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم وهذا أمر لا ريب فيه، ذكره في زاد المعاد.
وقال عن حديث فاطمة: هذا أمر لا ريب فيه، ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة، وفقيرة وغنية، فهذه -يعني فاطمة - أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءت إلى النبي ﷺ تريد خادماً وتشكو إليه الخدمة فلم يقدم لها أو يعطها خادماً.
стр. 636
من حقوق الزوج على الزوجة ألا تأذن في بيته لمن يكره
كذلك من حقوق الزوج على امرأته: عدم إدخال من يكره الزوج إلى منزله إلا بإذنه، فعن عمر بن الأحوص بن شمير ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ: (ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهونه، ولا يَأْذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهونه، ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) رواه ابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح.
وفي البخاري أيضاً (لا يحل للزوجة أن تأذن لأحد رجل كان أو امرأة أن يدخل في بيت زوجها وهو حاضر إلا بإذنه) فهذه مسألة مهمة، بل إن بعض النساء تكاد أن تقول الزوج: أنت اختر: إما أن تسمح بدخول فلانة التي أنا أحبها ولو كنت -أيها الزوج- تكرهها وإلا فطلقها.
أي تقول: طلقني لا أقبل أن أبقى، يا إما فلان أو فلان! إن حق الزوج مقدم، ولا يمكن أن يوضع الزوج في الخيار الصعب يا فلان أو الطلاق أو يا فلانة أو الطلاق لا.
وكذلك ينبغي للأزواج أن يتعاملوا بمنتهى الأريحية ولين الجانب، وخفض الجناح، واللطف في المعاملة، فإذا علم أن زوجته تحب فلانة التي لا خطر من غشيانها بيته، أو علم أن زوجته تحب من أقاربها ومن محارمها فلاناً أو فلانة فعليه أن يتجنب الغيرة التي لا داعي لها، وعليه أن يتجنب البخل الذي لا موجب له، بل من كرمه الذي يسبب مزيد حب زوجته له أن يقول: أنا أسمح لك بدخول أهلك بدخول فلان وفلان من أقاربك، فالأصل في الناس الخير، والأصل في الناس العدالة، إلا من اشتهر بخبث وفسق وشر فيقول: أما فلان وفلان وفلان فلا أسمح ولا آذن بدخولهم بيتي حاضراً كنت أم مسافراً، حضراً أم سفراً، ليلاً أم نهاراً، بأي حال من الأحوال فإن ذلك من دلائل قيامه بالقوامة التي تفضي إلى إصلاح حال الزوج والزوجة.
стр. 637
من حقوق الزوج على الزوجة عدم الخروج من البيت إلا بإذنه
كذلك من حق الزوج على زوجته: ألا تخرج من بيته إلا بإذنه، كثير من الرجال اليوم يأتي إلى البيت: يا بنية أين أمك؟! والله لا أدري، خرجت إلى أين؟! لا أدري.
متى تعود؟! لا أدري.
وربما يجد ورقة معلقة عند باب الثلاجة أو عند السرير: أنا ذهبت إلى فلانة أو ذهبت إلى فلان أو آل فلان أو زواج بني فلان هل استأذنت من قبل؟! هل أشعرت زوجها من قبل؟! هل أخبرته بذلك من قبل؟! لا، إنما يكفي صورة من القرار للإشعار والإحاطة مع التحية، أما أن يكون للزوج الإذن في أن يقبل أو لا يقبل أو يرضى أو لا يرضى إطلاقاً لا، وهذا من انتهاك النساء لحقوق الرجال، من انتهاك الزوجات لحقوق الأزواج.
بل الواجب -مثلاً- أن تأخذ قاعدة عامة: إذا كان بيت أهلها أخوال أولاده قريب من بيته فيقول مثلاً: هذا إذن مفتوح أن تخرجي إلى أجداد أولادي أو أخوال أولادي في أي وقت تشائين ما دام الأمر متيسر، ولا حاجة إلى الإذن المتكرر في ذلك.
أيضاً أن يحدد مثلاً بالنسبة للمريض الفلاني والمريضة الفلانية من الأقارب فلك فرصة في الأسبوع أن تزوريها ما بين كذا وكذا، يعطيها إذناً مفتوحاً بهذا في وقت محدد بزمن، أما أن تخرج المرأة وتكن خراجة ولاجة وتأتي متأخرة يغالبه النوم والنعاس على فراشه وحده وهي غير موجودة، أين كنت اليوم؟ في الحديقة.
وأين كنت اليوم؟ في مناسبة.
وأين كنت اليوم؟ في زفاف.
وأين كنت اليوم؟ في حفلة.
وأين كنت اليوم؟!! ماذا بقي للرجال من الحقوق؟ إن بعض الرجال من أصبحت الخادمة هي التي تقوم بكافة حقوقه ما عدا الفراش! ولم يبق له من حق أو حظ من الزوجة إلا الفراش، هذا إن كانت تمنحه ما أوجب الله عليها له بطيب نفس ورضا خاطر.
فينبغي للأخوات وينبغي للمسلمات أن يتقين الله في هذه المسألة، وإن الله سبحان وتعالى قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] وما من شك إن تأكيد قرار الزوجة في البيت لحق الزوج، فإذا كان القرار أمراً عادياً لجميع النساء فإنه يتأكد ويتحتم بالنسبة للزوجة لحق الزوج في هذا القرار في البيت.
وقد جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (رأيت امرأة أتت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته؟ قال: حقه عليها ألا تخرج من بيتها إلا بإذنه) أين المرأة الآن التي تستأذن في كل أحوالها؟ أقول: إن هذا من الواجبات التي ضيعنها الكثير من النساء فنسأل الله لهن الهداية.
هذا أيها الأحبة: لا يعني أن يتسلط الرجل فيمنع زوجته من الخروج مطلقاً مع وجود الحاجة والمصلحة الشرعية، لكن يجب عليها ألا تخرج إلا بإذنه.
ولقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها) وفي الحديث (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) وهذا صريح في الدلالة على ضرورة إذن الزوج لخروج المرأة إذا كان للمسجد فما بالك بغيره؟ يقاس عليه سائر حالات الخروج لمصلحة شرعية، ولذا ترجم عليه البخاري ﵀ بقوله: باب في استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره.
قال الكرماني: فإن قلت: الحديث لا يدل في الإذن على الخروج إلى غير المسجد قلنا: لعل البخاري قاسه على المسجد.
والقرار في المنزل لا يعني عدم الخروج مطلقاً، قال ابن تيمية: والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لو خرجت للحج والعمرة، أو خرجت مع زوجها في سفر فإن الآية الكريمة وهي قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] نزلت في حياته ﷺ وقد سافر رسول الله ﷺ بزوجاته في حجة الوداع، فنعرف من هذا أو نعلم من هذا أن خروج المرأة لمصلحة أنفع من الجلوس في البيت بلا مصلحة، امرأة لو خرجت لسماع المحاضرة أو للدراسة في مدرسة تحفيظ القرآن الخيرية النسائية بعد العصر هل نقول: إن قرارها في البيت بين الجدران الأربعة والتلفاز والشاشة والهاتف خير من خروجها لحضور محاضرة في المسجد أو اشتراكها في مدرسة تحفيظ القرآن؟
الجواب
لا، إذاً يفهم من هذا أن القرار تؤمر به النساء من أجل ما يحفظها وينفعها، فإذا كان في خروجها مصلحة أو كان في خروجها حاجة أو كان خروجها لضرورة فإن ذلك لا يمنعها أن تخرج بإذن الله .
كذلك خروج المرأة لطلب العلم، فإن كان مفروضاً وجب وجوباً على الزوج أن يعلمها هذا العلم إن كان قادراً عليه، فإن لم يفعل وجب عليها أن تخرج ولو من غير إذنه، كذلك خروجها لقضاء حوائجها، يجوز لها أن تخرج إن لم يقم الزوج بذلك، ويكون خروجها من قبيل الضرورة فلا يملك منعها من ذلك.
وأنا في الحقيقة أقول لبعض الإخوة أو بعض الرجال جزاهم الله خيراً وشكراً لهم على غيرتهم: بعضهم يمنع المرأة تماماً من الخروج حتى لحاجاتهن الخاصة في لباسهن وفي أخص أحوالهن وأمورهن، فلا ينبغي للرجال أن يقول: أعطيني قائمة بما تحتاجين وأنا أشتريه ولا أسمح أن تخرجي أبداً! إذا كان هناك من الأمور ما تحتاج المرأة أن تباشر شراءه بنفسها فاجعلها تخرج واخرج أنت معها، يكون هذا من باب إكرامك لها واحترامها واحترامك لذوقها واحترامك لاختيارها، واختيارها لما يناسبها، وحفظها عما لا يليق بها أو ما تخشاه عليها هذا خير من أن تقول: أبداً، من الجدار إلى المقبرة، من البيت إلى القبر ولا يمكن أن تخرجي أبداً ليس هذا بحكمة، بل الأولى أن تنظر في حاجتها وأن تتحسس رغبتها، وإن المرأة العاقلة هي التي لن تخرج إلا حيث ترى أن في خروجها مصلحة، ومعلوم أن قرارها وعدم تعرضها للرجال وتعرض الرجال لها خير لها ولهم، ولكن إذا دعت الحاجة والمصلحة إلى ذلك فلا ينبغي أن نغلب باب القرار على هذه المصلحة الراجحة الظاهرة، أو هذه الضرورة الواضحة هذه مسألة مهمة.
هذه مسألة مهمة، وما أجمل قول القائل في شأن بعض النساء:
قالت الأرنب قولاً جامعاً كل المعاني
أشتهي ألا أرى الذئب ولا الذئب يراني
خير للرجال ألا يفتنوا بالنساء ولا يرونهن، وخير للنساء ألا يرين الرجال ولا يفتتنن بهم، لكن إذا كان ثمة حاجة فينبغي أن نكون على درجة من الحكمة ومعرفة عصرنا وأحوالنا، وما ينبغي وما لا ينبغي.
قال في كشاف القناع: ويحرم عليها الخروج بلا إذن زوجها، هذا إن قام الزوج بحوائجها التي لابد لها منها وإن لم يقم بها فلابد من الخروج للضرورة، وكذلك خروجها في السفر المندوب والواجب فله منعها في المندوب وليس له منعها في السفر الواجب كما ذكر الفقهاء، واختلفوا: هل يجب على الزوج أن يخرج معها في سفر الحج المفروض عليها أم أن الحج يسقط عنها أم أن الحج مسألة خلافية تذكر في بابها؟
стр. 638
من حقوق الزوج على الزوجة معاشرته بالمعروف
كذلك من أهم المسائل في حقوق الزوج على الزوجة وحقوق الرجال على النساء: معاشرة الزوجة لزوجها بالمعروف، فعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] قال: لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن -ثم قال- والآية تعم ذلك من الحقوق الزوجية.
قال الشيرازي في المهذب: ويجب على المرأة معاشرة الزوج بالمعروف من كف الأذى ونحوه لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩].
وهنا أشير بهذه المسألة التي أختم بها في باب المعاشرة ألا وهي: حسن الخلق بين الزوجين.
إن من الناس من تراه عفيفاً لطيفاً حلو اللسان، كريم المعشر، خفيض الجناح، لين الجانب إذا تجاوز باب بيته لكنه إذا عاد إلى الدار فسباب ولعان وطعان لا يكف عن الشتيمة، وأنا أقول لهذا: إذا كنت تحتسب على الله بصبرك على أذى الناس، وتحتسب على الله فيما تلقاه من أذية بعض من عرفوا بالرعونة في كلامهم ومواقفهم، تحتسب أن ذلك من الخلق الحسن الذي تتقرب به إلى الله: (إن من أقربكم مني مجالساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطِّئون أكنافاً).
أقول: فإن الزوجة التي هي متاع فراشك، والزوجة طاهية طعامك، وحاضنة ولدك، والزوجة التي تحفظ غيبتك، والزوجة التي هي أنسك وسكنك أولى بهذه المعاملة الحسنة، فإياك والسباب! وإياك الشتيمة! بعض الرجال لا يكف عن لعن المرأة صباح مساء أمام أولادها، بل وأعظم من ذلك يسب والديها الذين هما تحت الأرض في المقابر، وأسوأ من ذلك من تراه لا يرى لها قدراً فيسبها في مناسبة قد جمعت الأقارب والأباعد ليظهر رجولته وفحولته بسبها وشتمها وإهانتها، وأسوأ من ذلك من يضرب ويهدد بالطلاق عند كل صغيرة وحقيرة لا تستحق أن يلتفت لها الرجل ببصر فضلاً عن أن يتكلم عنها بلسان.
هذه من المسائل المهمة في المعاشرة بالمعروف: أن يكون الرجل طيب اللسان، من الرجال ومن النساء من يغبطون على حسن عشرتهم مع بعضهم، فامرأة تقول: قد مكثت مع زوجي أكثر من عشرين عاماً والله ما سبني ولا شتمني ولا قال لي كلاماً يجرحني أو يؤذيني، نعم إن كره شيئاً سكت أو أعرض عن الطعام أو هجر الفراش! عشرين سنة! أليس هذا من الخصال التي يحتسبها صاحبها قربى عند الله ترفع درجاته وتثقل موازينه؟ بلى، إذاً فلماذا نرى بعض الناس لا يقيم لهذا الباب وزناً ولا يقدر له قدراً، بل ويربي أولاده على عقد نفسية من كثرة حلبات الصراع التي تعقد كل يوم بين الرجل وزوجته في تطاول بعضهما على بعض، وإهانة بعضهما لبعض وغمز ولمز بعضهما لبعض.
الجواب
من سمع زلة أن يتزاور عنها ذات اليمين وذات الشمال، وألا ينتصب لها ليتلقاها بلسانه قبل أذنه، والواجب على من قدر أن يعفو ويصفح ويتجاهل أن يكون ذلك خير له:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
كفى المرأة نبلاً أن تعد معايبها، إذا كان غالب خصالها وفعالها من المناقب التي خلت من المثالب فتشكر وتؤجر، وتلك درة مكنونة، وجوهرة مصونة، تستحق الدعاء والإكرام.
من المعاشرة بالمعروف: تقدير المواقف، امرأة حملت تسعة أشهر لا تلتذ بنوم، ولا تهنأ بطعام، ولا تقر لها عين في نوم متواصل، ثم تنتهي من الولادة لا تقدم لها أدنى هدية؟! والله لو اقترضت لها قرضة حسنة لم يكن ذلك كثيراً على امرأة كانت فراشاً لك، وحبلت منك، وحملت ولدك من صلبك في أحشائها تسعة أشهر ثم رأت الموت رأي العين في آلام الطلق والمخاض ثم بعد ذلك لا تبالي؟ من جلافة وغلظ ورعونة بعض الرجال أن المرأة تلد فلا يقف عند رأسها حال ولادتها، ولا يلزم أن يقف حال الولادة لكن أن يكون معها، أن يطمئن عليها، أن يوصلها بنفسه، أن يعتني بها، أن يأتي إليها بعد ولادتها، الناس يختلفون في ظروفهم وأحوالهم، بعضهم تلد ويمضي بعد الولادة أيام فلا يسأل ولا يطمئن ولا يعرف، بل ولا يقول: أروني هذا المولود وكأنه جاء من غير صلبه.
هذه من الأمور التي تجرح أفئدة النساء وقلوبهن، فينبغي للرجال وللنساء أن يحسنوا المعاشرة فيما بينهم بالمعروف.
وبالمناسبة: فإني ما رأيت شيئاً أفسد للب الرجل من نكران المرأة حسن صنيعه معها، كما قال ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل العاقل منكن! لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله قالت: ما رأيت منك خيراً قط!) لأن جحد المعروف وإنكار الجميل مما يفسد القلوب، فينبغي للمرأة أن تنتبه لذلك، فهناك من المواقف ما يستحق عليها الرجل الشكر، رجل كل صباح الساعة السابعة والنصف على سيارته في الطريق أمام إشارات المرور للوصول إلى العمل، وعمل مستمر ثمان ساعات ثم يخرج إلى البيت ليقبض آخر الشهر أربعة أو خمسة آلاف ريال وأين يذهب بها في الآونة الأخيرة؟ نهاية الشهر يصرفها على طعامك وشرابك وأولادك وهواء بارد في بيتك، وطعام لذيذ في مطبخك، أفلا يستحق الزوج إذا جاء بالطعام أن يقال: الله يخليك لنا، الله يحفظك، الله يجزيك خير، الله يبارك فيك؟ من النساء من إذا جيء إليها بطعام وشراب لماذا لم تحضر ذلك النوع الذي رأيناه في الدعاية في البارحة؟ فلا تشكره على ما أحضره وهي عالمة أنه لا يقدر على ما أخبرت به.
قل أن تسمع من النساء شاكرة لزوجها إذا قدم هدية العيد أو ملابس العيد أو الطعام أو الشراب، وكأنها وظيفة لا كرم له فيها ولا خيار، نعم هي واجبة عليه لكن حينما يرى الرجل من المرأة شكراً، جزاك الله خيراً، خلف الله عليك بخير، أسأل الله أن يجعل ما أنفقت علينا وعلى أولادنا في موازينك يوم أن تلقى الله، أكرمت وجوهنا، عففتنا عن الحرام، صنتنا عن إراقة وجوهنا، نسأل الله أن يحفظك وأن يبارك فيك، تجد أنه يندفع أكثر، ويحتسب أكثر، ويتلذذ بالأنفاق أكثر، فينبغي للمرأة أن تنتبه إلى هذه المسألة التي هي في غاية الأهمية.
стр. 639
من حقوق الزوج على الزوجة أن يؤدبها
آخر ذلك: حق التأديب سأختصره بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] حق الزوج على زوجته أن يؤدبها إذا نشزت واستنكفت عن طاعته، يؤدبها بالوعظ: يا أمة الله! يا بنت الأكرمين! يا بنت الأكارم! يا سليلة المجد! يا إلخ يعطيها من الإطراء والمديح، بعض النساء يكفيها كلمة فتنقاد، وبعضهن يكفيهن شيء من الإعراض أو شيء من الهجر، وبعضهن قد تحتاج إلى ضرب ولكن ينبغي لمن اختار هذا السبيل بعد إفلاس الوعظ والهجر في إصلاحها أن يضرب ضرباً غير مبرح، وأن تكون العملية أمر ظاهره الضرب لكن إذا دنت الأيادي إلى البدن -بدن الضعيفات النساء- فليكن شيئاً خفيفاً يدل ويعبر عما في النفس من عدم الرضا ولا يدل على حقد وحب انتقام؛ لأن بعض الناس من يخيل له أنه يصاول ويجاول في حلبة مصارعة، لابد أن يكون هو المتفوق والفائز في نهاية الجولة بفوز ساحق على خصمه لا.
لا تظن أن المرأة ند وخصم، بل ارحمها، وقد أذن النبي ﷺ في ذلك، ولكن لم يثبت عنه أنه ﷺ قد ضرب امرأة بيده ﷺ ، وينبغي للرجل أن ينتبه في مسألة الهجر فإن لها حدوداً وضوابطاً يضيق المقام بذكرها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله بأسمائه وصفاته أن يصلح زوجاتنا، وأن يصلح أحوالنا، وأن يجمع شملنا، وأن يسعدنا بزوجاتنا وأن يسعدهن بنا، وأن يجعلنا ممن قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] نسأل الله أن يجعلهن وأولادنا قرة أعين، وأن يجعل الجميع للمتقين أئمة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 640
الأسئلة
стр. 641
كتب ينصح بها في بداية الحياة الزوجية
السؤال
ما هي الكتب التي تنصحون بها في بداية الحياة الزوجية، وفقكم الله وسدد خطاكم؟
الجواب
هناك كتب كثيرة بالنسبة لمن هو مقدم على الزواج مثل كتاب العلامة الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني " آداب الزفاف في السنة المطهرة " وكتاب محمود بن مهدي الاستنبولي وهو تحفة العروس وكثير من الرسائل الآن الموجودة في معاشرة الزوجين، ويوجد رسالة جديدة ممتازة كونها حديثة الصدور للدكتور/ عبد الملك القاسم بعنوان " رسائل متبادلة بين الزوجين " أظنها مليئة بالنصوص الشرعية والأدلة القرآنية، وبلغة عصرية، وتعالج قضايا معاصرة.
النصوص القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة في أحكام الرجال والنساء وشروحها من كتب التفسير والسنة لمن أراد أن يتوسع، كل ذلك من المراجع التي يمكن أن يستفيد منها طالب العلم أو الباحث في هذا الباب.
стр. 642
جواز منع الزوجة من زيارة الأقارب إذا غلب عليهم الفساد
السؤال
هل للزوج أن يمنع زوجته من الذهاب إلى بيت أهلها إذا كان في بيتهم من أسباب الفساد كالدشوش والأغاني والأشرطة ونحو ذلك؟
الجواب
نعم، إذا كان في بيت أهلها ما يكون سبباً في فسادها وانحرافها، وفساد وانحراف أولاده فله أن يمنعها من ذلك، ولكن الذي أراه ألا يكون سبباً في قطيعة رحمها مع أهلها، فله أن يخصص في الأسبوع زمناً معيناً يذهب هو وزوجته وأولاده لزيارة أهلها والحديث معهم والجلوس معهم وقتاً يسيراً ثم يعود بأولاده حفاظاً على ما استثمره من المال والوقت والجهد في تربيتهم كي لا يضيع في سحابة يوم يدع أولاده عند أهل زوجته فيفسدون عليه ما كان يبنيه ويصلحه سالف أيامه.
стр. 643
حكم صيام التطوع للمرأة في حال وجود زوجها
السؤال
زوجتي تريد الصيام وتلح علي في ذلك، وأنا أرفض صيامها لأجل شدة الحر ووجود أطفال في يدها، وحاجتها إلى تجهيز الغداء بعد الرجوع من العمل فما حكم ذلك وفقكم الله؟
الجواب
إذا كان صيامها يمنعك حقاً أن تستمتع بها؛ فلا ينبغي لها أن تصوم وأنت شاهد، أما إن كان صيامها لا يفوت استمتاعاً أو كمال استمتاع بالنسبة لك وهي قادرة على ذلك قوية عليه سيما في البيوت التي فيها من وسائل التكييف والتبريد، والأدوات الكهربائية وغير ذلك فإني أنصحك أن تدعو لها وأن تعينها وأن تكون سبباً في هذه العبادة فربما أجرت أجراً كأجر صيامها وإن لم تكن أنت الصائم بسبب إذنك لها، جزاك الله خيراً.
стр. 644
شبهة التعدد والطلاق
السؤال
هذه سائلة تعرض شبهة تريد من فضيلة الشيخ كشفها وبيانها: وهي أن بعض النساء يقلن أن النساء مسكينات لأنهن يطلقن والأزواج يتزوجون عليهن متى شاءوا، فكيف الجواب على هذه الشبهة؟
الجواب
الحقيقة هذه:
إذا بَني ضرجوني بالدم من يلق آساد الرجال يكلم
شنشنة نعرفها من أخزم
ليست هذه الكلمات أول مرة تطرق مسامعكم أو مسامع غيركم، مما يفترى به على شأن المرأة في هذا الدين، والحقيقة أن الطلاق شرع لحكم عظيمة، ولا ينبغي أن يكون الطلاق حجة لصاحب شبهة يدعي من خلالها أن المرأة مظلومة، بل إن الطلاق حلال بغيض، ولا ينبغي للرجل أن يلجأ إليه إلا إذا تعذر إصلاح حال الزوجية وأصبح بقاء أحدهما مع الآخر أو بقاء بعضهما مع البعض سبباً لمزيد من النكد والشقاق الذي لابد له من الفراق.
فمثلاً لو أن المرأة هي التي ضاقت ذرعاً بالرجل، ولم تألفه نفسها وأرادت فراقه ثم قلنا: لا.
لا طلاق، لا فراق أبداً هل هذا من العدل؟ يظن البعض أن فصم العلاقة الزوجية هي بيد الرجل وحده لا، كذلك المرأة هي تملك طرفاً آخر، والقاعدة تقول: المتسبب في الفرقة يتحمل العوض.
فإذا طلق الرجل وفصم أو قطع العلاقة الزوجية بقرار الطلاق يفوته المهر فلا يرد إليه، والمرأة إذا فصمت العلاقة الزوجية بقرار المخالعة فإنها ترد المهر، فلم يقل أحد أن الرجل وحده هو المتحكم في العلاقة إيجاباً -إيقاعاً- وعدماً بدليل أن المرأة أيضاً لها الحق في ذلك ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] نعم، الطلاق يقع عليها ولكن أيضاً المخالعة، وليس الخلع والطلاق بمستحبين بشأنهما، بل يلجأ إليهما عند الضرورة وهذا مما يؤكد سمو الإسلام في شمول أحوال البشر كلهم، ما شرع الطلاق ليكون هو فاتحة الكتاب في العلاقة الزوجية، بل يكون هو خاتمة المطاف وكالكي في الدواء آخر العلاج، إذ أن من النساء من لو ظلت مع زوجها على حال من البغضاء والكراهية لأدى بها إلى فتنة لا تأمن بعدها على نفسها وعرضها وأخلاقها.
كذلك أن يتزوج متى شاء إنما أبيح للرجال أن يعددوا ليس لأجل أن يذلوا النساء، وإنما أبيح لهم أن يعددوا من أجل حفظ النساء، لكن المرأة بطبيعة جبلتها وغيرتها لا تقبل أن يتزوج عليها، لكن هل يعني أن غيرة المرأة وعدم رغبتها ورضاها بذلك يعطل مصلحة عظيمة ومقصداً عظيماً من مقاصد الشرع في إباحة التعدد التي لو لم يكن منها إلا حفظ المجتمع وحفظ نساء المجتمع وحفظ الرجال عن اللجوء إلى الزنا والانحراف والمخادنة وغير ذلك؟! لو لم يكن فيه من المصالح خاصة لمن يقدرون على الإنفاق والإعالة من الذرية والتكاثر تكثيراً لأمة محمد، ومصالح كثيرة وكثيرة جداً.
عائشة ﵂ جاء عنها أنها كانت في سفر مع النبي ﷺ فقالت حفصة: يا عائشة جربي جملي وأجرب جملك.
وكانت حفصة ذكية، وليس كذكاء عائشة لكن حفصة تعرف أن النبي ﷺ إذا عرس القوم أو نزلوا منزلاً ثم شدوا السير من جديد أخذ يمشي بالقرب من جمل عائشة، فـ حفصة تريد أن تنال هذه المكرمة وهذا الفضل فقالت: ألا تجربين جملي وأجرب جملك؟! وافقت، فلما ركبت عائشة جمل حفصة وركبت حفصة جمل عائشة ثم سار النبي ﷺ قليلاً فتوجه إلى جمل عائشة يظن أن عائشة فيه، يحبها، أحب النساء إلى النبي ﷺ عائشة وأحب الرجال إليه أبوها ﵁ أبو بكر، فلما جعل يده في الهودج قال: عائشة؟ قالت: لا، بل حفصة يا رسول الله تقول عائشة: [فطاش عقلي حتى أخذت أضع يدي في الحرمل لعل دابة تلدغني فأموت؛ من شدة الغيرة].
ولما بعثت إحدى الصحابيات -وأظنها حفصة - إلى النبي ﷺ بطعام في بيت عائشة أخذت الطعام ثم ضربت بالإناء الجدار حتى انكسر الإناء فضحك ﷺ وقال: (غارت أمكم، يا عائشة طعام بطعام، وإنا بإناء) فالله جبل النساء على الغيرة لتزداد شدة التعلق عند الرجل، هل نقول: إن هذا يعطل حكمة عظيمة من حكم الشريعة، ومقصداً عظيماً من مقاصد الملة في باب التعدد أو في باب الطلاق أو غيره؟
الجواب
لا.
ثم أيضاً المرأة التي تسلم تسليماً لا يخالطه ريب ولا شك بأن الله عليم وحكيم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ما دام أن الله يشرع لعلم ولحكمة وعدل شرع ذلك كله فلماذا نعترض على أحكام الله وشرعه؟ الشيخ ينبه إلى أن النبي ﷺ حياته فيها جانب بشري وجانب النبوة، أما الجانب البشري الصرف فمثلاً ميل قلبه إلى عائشة وقوله: (اللهم إن هذا قسمي فيما أملك ولا تلمني في ما لا أملك) بشريته في كونه ﷺ ينام، وكونه ﷺ يمارس من الوظائف الطبيعية في أبدان البشر كما يمارسه غيره، فهذا جانب بشري، ويؤكد ذلك ميله ﷺ إلى عائشة ﵂، وليس هذا من باب الظلم لأنه حاشاه ﷺ أن يظلم.
стр. 645
دور العلماء والدعاة تجاه فتوى التراخيص
السؤال
بالأمس القريب ظهر أحد المفتين في قناة الجزيرة وأخذ يعطي من التراخيص والفتاوى المرجوحة للمستمعين، فما دورنا ودور العلماء تجاه هذه الظاهرة الدخيلة من خلال القنوات الفضائية؟
الجواب
والله يا أحباب أنا في الحقيقة أدعو علماءنا الأجلاء الكرام أهل المنهج الصحيح، أهل الورع في الفتيا، أهل الحجة بالنص المعصوم وبالدليل أن يتصدوا لمثل ذلك، وفي مجالس شتى سمعنا هذا الكلام كثيراً ولكني أدعو علماءنا وأوصيكم أنتم أن تكتبوا إلى العلماء، تعود الناس ألا يرسلوا نصيحة إلا للحاكم أو للمسئول، لكن نصيحة للعالم قل أن تجد، فأنا أقول: ينبغي لكم أنتم جميعاً أن تكتبوا للعلماء وخاصة الذين لهم حسن عرض وإجابة في استيعاب السؤال وعرض الفتوى أن يشاركوا، ولا يلزم أن يشاركوا في الجزيرة ولا في اقرأ ولا وفي غيرها، أن تكون لهم مشاركة تلفزيونية لأن العالم يفرح إذا اكتظ المسجد بعشرات الآلاف طلاب علم وخمسة آلاف امرأة يسمعون المحاضرة فلعل بعض العلماء وفقهم الله لا يعلمون أن ساعة في البث التلفزيوني الفضائي يعني مخاطبة لما لا يقل عن عشرات الملايين من البشر في أنحاء العالم، وكثير من الناس لا يعلم عن أثر المشاركة التلفزيونية وأثرها.
طبعاً ليس بالضرورة أن نأتي بهم ونشارك وندخلهم في الاستديوهات لكن أن تأتي آلات النقل الفضائي حتى إلى بيوتهم وتأخذ فتوى منهم وتبث على الفضاء أو أن تسجل وتعاد هذا أمر مطلوب، نعم الشيخ عبد الله بن منيع جزاه الله خيراً له برنامج الإفتاء على الهواء، وبعض العلماء أيضاً الشيخ عبد الله البسام له برنامج يبث على الهواء، وهناك بعض العلماء لكن هناك أيضاً بعض العلماء أجلاء الحاجة إليهم ماسة، والناس يتأثرون بفتاوى علماء هذا البلد أكثر من غيرهم، بل قد ملوا من التخفيضات والتنزيلات والمجاملات، والدعاة والعلماء مأمورون أن يرفعوا الناس إلى مستوى الشريعة لا أن ينزلوا بالشريعة إلى منحط الناس وحضيضهم، فشتان بين أن نجامل وأن نتنزل يوماً بعد يوم في الأحكام الشرعية وقضايا الشريعة لتواكب وضع الناس، وضع الانحدار لا يقف عند أحد، لكن نحن مأمورون أن نرتفع بالناس إلى مستوى كمال الشريعة وسموها وجلالها، لا أن ننحط بالشريعة إلى مستوى انحطاط بعض الناس هذه مسألة.
على سبيل المثال: فتوى مصافحة النساء، فتوى تمثيل النساء، فتوى أغاني كل ذلك مما ينبغي ألا ينقاد الناس لما ينبني عليه من القول بجواز ذلك، واستفت قلبك إذا أفتاك الناس وأفتوك، كم من رجل يسمع فتوى تروَّق لها، وتأتي وفقاً لما يشتهيه في ظاهر لفظه ونطقه لكن قلبه يأباها وينكرها.
أنا أذكر أحد الكبراء استفتى عدداً من الناس فأعطوه فتوى أحفظ لماله وأقرب إلى نفسه، واستفتى واحداً فقال: لا، وأنا أخالف كل من أفتاك بهذا، ولا يجوز لك هذا، ولا ينبغي لك هذا، قال: فوالله ما كان مني إلا أن قذف الله في قلبي حب هذا الذي أفتاني بما يخالفني.
فلا تظن أن الناس بالضرورة يحبون من أعطاهم الترخيصات والتنزيلات في الفتاوى لا، بل إن الناس يحبون الذين يجدونه صلباً في الدين لكن كما قال الإمام المحدث أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري قال: إنما الفقه الرخصة من ثقة.
ليس الفقه الأحوط، يأتي أحدهم: حصل كذا أو كذا؟ أقول له: الأحوط أن تعيد الصوم.
حصل كذا أو كذا في الحج؟ الأفضل أن تعيد الحج، الأضحية صار فيها كذا؟ الأفضل أن تضحي غيرها وهكذا، ليس الفقه الأحوط، كل يفقهه، الأحوط أن تأتي بسيارة جديدة بدلاً من أن تصلحها، الأحوط أن تغير هذه المكينة بدلاً من أن تصلحها هذا كل يفقهه، لكن الفقه: الرخصة من ثقة، بالنصوص أن تقول: هذا مما يرضاه الله وهذا يأباه، والجرأة على الفتوى شأنها خطير نسأل الله أن يلهمنا وإياكم الفقه والعلم والعمل، وأن يجنبنا القول عليه بلا علم.
стр. 646
توجيهات على طريق الصحوة
ماذا نعني بمصطلح الصحوة؟ ولماذا نطلق مثل هذه التسميات؟ ولماذا نريد توجيه هذه الصحوة؟ إجابة هذه الأسئلة هي الجزء الأول من هذه المحاضرة، ثم بعد ذلك (التوجيهات المقصودة) وتتركز على: سلامة الصدر وإصلاح ذات البين ضوابط التستر على أهل المعاصي.
وتندرج تحت هذه العناصر الكثير من الفوائد المستقاة من النصوص الشرعية سواء في أصل المادة، أو في الإجابات عن الأسئلة.
стр. 647
مصطلح الصحوة وما يراد به
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأحبة في الله! أحمد الله جل وعلا إليكم، وأشكره على آلائه التي لا تحصى، ونعمه التي لا تنسى، وأسأله جل وعلا أن يجعل لنا ولكم من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، وأن يثبتنا على دينه ومرضاته إلى أن نلقاه، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا.
أيها الأحبة! ليس الحديث بين أيديكم في موضوع جديد عنكم، بل أنتم أهل البيان والفصاحة والبلاغة، وما بضاعتنا بين أيديكم إلا بضاعة مزجاة، فيا أيها العزيز جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا بدعوة صالحة وحسن ظن ومودة في الله ولله، عسى أن نكون في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
أما الحديث -أيها الأحبة- فهو عن توجيهات على طريق الصحوة، وليس لمثلي أن يُوجه أو يأمر أو ينهى ولكنني تلميذ من هؤلاء التلاميذ، وطالب من هؤلاء الطلبة، ودارس من هؤلاء الدارسين، سمعنا من مشايخنا وعلمائنا وقضاتنا ودعاتنا وولاة أمرنا ما ينبغي أن نفهمه وأن نفقهه، قال ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) وقال ﷺ : (نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فبلغها، فرب مبلغٍ أوعى من سامع).
الصحوة -أيها الأحبة- مصطلح يبدو أنه حادث ويراد به عموم العائدين الملتزمين بأمر الله بعد تفريط فيه، والمستقيمين على شرع الله بعد تهاون وتساهل به، ذكوراً كانوا أم إناثاً، صغاراً كانوا أم كباراً، عواماً ومثقفين على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم، وإذا تحقق ذلك فإن هذا المصطلح ما دام مفهوماً حادثاً جديداً فلا شك أن الناس يتباينون في فهمه أو تحديد معناه، وأرجو في بداية هذا اللقاء ألا نفهم أو يفهم أحد أننا حينما نطلق كلمة (الصحوة) أننا نقسم مجتمعنا هذا إلى أحزاب وفئات وفرق وجماعات شتى، بل الواقع والواجب أن نفهم جميعاً أننا أمة واحدة، مجموعة واحدة بعلمائها وقضاتها ودعاتها وشبابها وشيبها وولاتها وصغارها وكبارها، ولكن هذه الأمة بمجموعها فيها الظالم لنفسه، وفيها المقتصد، وفيها السابق بالخيرات.
إن بعض الإخوة ربما فهم معنى الصحوة أننا نقسم مجتمعنا إلى أحزاب أو جماعات، وأن هذا يعني: أننا سنقف يوماً ما على طرف، وسيقف بقية الناس على طرف آخر، وكلٌّ ينظر إلى صاحبه من بُعد، ويخاطبه من برج عاجٍ أو من منارة شاهقة، وما هكذا المؤمنون، بل المؤمنون يدنواً بعضهم من بعض ويخالط بعضهم بعضاً، ويزور صالحهم سيئهم لينصحه، ويعود طيبهم فاجرهم لينهاه، ويناصح عالمهم جاهلهم ليثقفه ويعلمه بما أوجبه الله جل وعلا عليه.
أيها الأحبة! إن هذا الأمر الذي أردنا أن نتحدث عنه وهو: هذه التوجيهات المتعلقة بهذه الصحوة المباركة وما هي إلا شيء من الملاحظات اليسيرة على عدد قليل ونزر يسير من أحبابنا وإخواننا وليس المقصود فئة أو حزباً أو جماعة كما قلت، وليس المقصود أشخاصاً بأعيانهم، وإني أعيذ نفسي وإياكم بالله أن نجعل بين هذا الكلام وبين قلوبنا للشيطان موقفاً أو مكانة أو وسوسة أو سوء ظن، فوالله ما أردنا إلا قصد السبيل والأمر لله جل وعلا.
أيها الأحبة! موجز الأمر أنها نصيحة لكل من وقع في خطأ مما سنسمع، أو فرط في واجب مما ينبغي أن نتصف به، فعلينا أن نتحلى به وأن نراجع أنفسنا.
стр. 648
توجيه الصحوة إلى سلامة الصدر
فأول ذلك وأهمه: سلامة الصدر من الحقد والإحن والغل والحسد، وذلك أمر عجيب وغريب! ربما وجدت اثنين من الصالحين أو من عامة المسلمين الذين ليس عليهم من سيما الفجور والفساد والمعاصي الشيء الكثير، ولكن ربما سمعت من لسان أحدهم استطالة في عرض أخيه، وغيبة وحسداً وحقداً وسوء ظن وتفسيراً للأمور على غير ظاهرها، وتجييراً للأحوال على ما لا يُراد منها، وبالجملة فإن ذلك من الأمراض الموجودة سواءً في بعضنا أو في غيرنا، المهم أن ذلك مرض ينبغي أن نعالجه وأن ننتبه منه.
وإن من صوره: الانقباض وعدم الانبساط، وعدم إفشاء السلام، وعدم لين الجانب، وعدم خفض الجناح، وعدم التواضع، وعدم حسن الظن وأمور كثيرة كلها بسبب عدم سلامة الصدر من الغل والحسد والحقد والبغضاء.
أيها الأخ الكريم! معاذ الله أن يكون في قلبي وقلبك شيء من الحسد على إخواننا، فالحاسد ليست له قضية، إن كنت في مصيبة رأيته شامتاً، وإن كنت في نعمة رأيته حاسداً، وإن كانت فيك خصلة من خير جحدها وأنكرها وأولها وجيرها، وقال: أراد كذا وقصد كذا وطلب كذا ومراده كذا، وتسلق وتسلط على فؤادك يريد أن يحكم على نياتك وخفياتك التي لا يعلمها إلا الله .
والحاسد إن كانت فيك خصلة شر هتك أستارها ونشرها وتحدث بها ونبأ بها الغادين والرائحين، ولن تجد هذا الذي يحمل الغل أو الحسد لن تجده يوماً من الأيام ناصحاً.
وإن صفات المؤمنين سلامة صدورهم على إخوانهم، بل وعلى الذين يأتون من بعدهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٩ - ١٠] أي: لا تجعل في قلوبنا غلاً وحقداً وحسداً، وإن سلامة الصدور لمن صفات أهل الجنة وما نريد بسعينا في صلاة وصيام وذهاب وإياب وحل وترحال وسفر وضعن وإقامة، إلا وجه الله ورضا الله ثم هذه الجنة التي هي دار النعيم ودار الخلود.
стр. 649
سلامة صدور أهل الجنة
أوليس الله جل وعلا قد قال في محكم كتابه في وصف عباده المؤمنين أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي: نزعنا من صدورهم كل حسد وبُغض، كما جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا خلص المؤمنون من النار حُبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل وأهدى منه بمسكنه من أحدكم في الدنيا).
هذه صفات أهل الجنة أن لا غل ولا حقد ولا حسد ولا ضغينة ولا كراهة ولا سوء ظن ولا إحن ولا تباغض في قلوبهم، بل قال جل وعلا: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
دخل عمران بن طلحة على علي بن أبي طالب ﵁ بعدما فرغ علي بن أبي طالب من أصحاب الجمل بعد فتنة فيها ما تعلمونه، وما يسعنا أمامه إلا أن نكف ألسنتنا، وأن نترضى عن جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وألا نلغِ بالقول والكلام في عرض أحدٍ من الصحابة الذين اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه وفضلهم بالصحبة، وقال ﷺ : (فإن أحدكم لو أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
بعد معركة الجمل دخل عمران بن طلحة على علي ﵁، فرحب به علي وقال: [إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]] انظروا ما أجمل سلامة الصدر بين الصحابة حتى وإن كان ما كان فيما مضى فكلٌ يعرف صدر صاحبه، وكلٌ يعرف سلامة قلب صاحبه.
ودُخل ذات يوم على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل كأنه الذهب فقال له: يا أبا دجانة، ما بال وجهك يتهلل؟ قال: [والله ما عملت عملاً أوثق عندي من خصلتين اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الخصلة الأخرى: فقد كان قلبي على المسلمين سليماً].
إن من سمات المسلمين صفاء النفس من الغش والحسد والغدر والضغينة، ثم لماذا الحسد؟ ولماذا الضغينة؟ إن القلوب زجاجات بلورية شفافة لامعة جميلة طاهرة طيبة، فلماذا نقذرها؟ أو نجعلها وسخة بهذه الأضغان والأحقاد وبسوء الظن مما يدفعنا إلى القيل والقال، ومن ثم تتشوه تلك القلوب الصافية وتعود شائبة بعد صفائها، كدرة بعد نقائها، خبيثة بعد طهارتها، سيئة بعد حسنها، فاسدة بعد صلاحها؟
стр. 650
الحسد وسوء الطوية من صفات الكفار والمنافقين
إن الحسد وسوء الطوية على المسلم لمن صفات الكُفار والعياذ بالله، ومن صفات المنافقين أعاذنا الله وإياكم، وذلك أمر قد يجهله كثير من المسلمين، بل قد يجهله بعض الطيبين، تجد رجلاً صواماً أو قواماً أو صالحاً لكنه إذا بدأ الكلام بلسانه في عرض فلان أو علان أو في هيئة أو في شخص أو في كبير أو صغير أو في عالم أو داعية أو في قريب أو بعيد نسي لسانه حتى يلغ في أمور لا قبل لهم بها، ربما تجد هذا الرجل فيه من الصلاح خير كثير، ويتورع عن أمورٍ ربما هي من المشتبهات أو يتركها زهداً وورعاً وربما نسي أنه وقع فيما أجمع علماء الإسلام بل ودلت النصوص على تحريمه وتضافرت الأدلة على المنع منه شرعاً؛ لأنه يغضب الله جل وعلا وهو الغيبة والاستطالة في أعراض المسلمين.
أقول: إن الحسد والحقد من أخطر الأمور، وإن الغِل والضغينة من صفات الكفار والمنافقين، فقد قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ [النساء:٥٤] وقال سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة:١٠٩] أي: الكفار ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] نعم أيها الأحبة، إن الحقد والحسد والبغضاء والضغينة لمن صفات المنافقين، ومن صفات اليهود والنصارى أهل الكتاب، ومن صفات الكفار الذين لا يألون المسلمين خبالاً ويودون عنتهم، وصدق الله حيث قال: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١١٩ - ١٢٠].
نعم من الذي يرضى أيها الأحبة! أيها الإخوة المؤمنون! أيها الإخوة المسلمون! من الذي يرضى أن يحمل في جنبات نفسه وفي طيات فؤاده وفي شغاف قلبه، من الذي يرضى أن يحمل خصلة هي من خصال الكفار ومن خصال المنافقين فيستطيل بلسانه ويتسلط ببغضه وينتشر بكراهيته وحقده وحسده على بعض إخوانه؟ وإن من أكثر الذين تراهم -والعياذ بالله- وقوعاً في الحقد والحسد والإحن والبغضاء تجد بعضهم لأن قريبه فاقه في المال أو لأن تربه -أي: واحد من أترابه- فاقه في العلم أو فاقه في منزلة معينة أو في مرتبة معينة أو في مكانة معينة، وما يدريك يا أيها الأخ الكريم أنه ربما فاقك ابتلاءً وربما فاقك استدراجاً، وربما فاقك لأمرٍ يعلمه الله، والله ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
стр. 651
بعض الآثار السيئة للحقد والحسد
إن الله جل وعلا قد قسّم بين العباد أرزاقهم ومراتبهم وأحسابهم وأنسابهم، وجعل أكرمهم عنده أتقاهم.
أيها الأحبة في الله! إن علاقة المسلم بإخوانه علاقة محبة، وعلاقة تفيض بمشاعر إيمانية أخوية ليست تقف عند حدود نفسه أو ذريته أو أقاربه، بل تمتد لتغمر من حوله، وتفيض على الآخرين سلامةً وحباً وأمناً، وتلك هي صفات الأمة المسلمة الذين: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] ولك أن تتخيل نفساً أو نفوساً عمرها الحقد بل خربها، وأفسدها الحسد ماذا تتصور أن يخرج منها؟ ماذا تتصور أن ينتج من قلوب فرخ فيها الغل والإحن والبغضاء والعداوة؟ هل ستجد أصحاب هذه النفوس يدعون لإخوانهم بظهر الغيب؟ أم تراهم يحسنون الظن بهم؟ أم تراهم يؤولون أفعالهم على خير وجه يُرضي الله؟ أم تراهم يكفون عن الغيبة عند عرض أعراضهم على الألسنة في المجالس؟ بل ستجد ما يدعو إلى ما هو أعظم من ذلك وأخطر: وهو والعياذ بالله الخصومة والعداوة التي إذا نمت وغارت وتجذرت جذورها وتفرعت أشواكها جعلت الإيمان يتناقص شيئاً فشيئاً، وكما قال ﷺ : (إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).
أيها الأحبة! بل إن هذا الحسد وذلك الغل وتلك البغضاء وتلك الإحن والعداوة، ربما امتدت بأصحابها إلى أن جعلتهم والعياذ بالله يقعون في صغائر، ثم يصرون عليها فتكون من الكبائر، ثم يقعون فيما يُسقط مروءتهم، ثم يلغون فيما يوجب اللعنة، وعلى أية حال فكل عين ساخطة تنظر من زاوية واحدة داكنة، تعمى عن الفضائل، وتضخم الرذائل، وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب، وقبول الأقاصيص والروايات التي لا زمام لها ولا خطام، ولا سند صحيح يدعمها من رواية الثقات أو العقلاء.
بل إن من عواقب ذلك الحقد ونتائج تلك البغضاء الوخيمة أن صاحبها ربما اشتهى وتلذذ وتمنى إيقاد نيران العداوة بين المؤمنين، وذلكم ما حذر منه النبي ﷺ حيث قال: (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، لكن بالتحريش بينهم).
أيها الأحبة! إن كثيراً من المسلمين لن يعبد صنماً ولن يطوف بقبر ولن يذبح لغير الله، فذلك مما يئس منه الشيطان بهؤلاء المسلمين في جزيرة العرب خاصة، ولكن الشيطان رضي وقنع منهم بما يحرشه لإفساد ذات بينهم، ولما يخرب به قلوب بعضهم على بعض حتى تبدأ النفوس تتطاول في أعراض بعضها، فتزاح وتمحو وتتسلط على حسناتها، فقد يكسب المرء حسنات ثم يخسرها بآلاف السيئات التي ارتكبها، فما ظنكم برجل يُتاجر في الصباح فيربح ألفاً، ويُقامر في المساء فيخسر خمسة آلاف؟! فإن ذلك لا يعد من الرابحين ولا من التجار، بل يعد من الخاسرين الذين تسلطوا على تجارتهم فأهدوها لغيرهم.
إن النفوس إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يشعب
احرص على حفظ القلوب من الأذى فرجوعها بعد التنافر يصعب
стр. 652
حرص الإسلام على إصلاح ذات البين
ولما كان الأمر بهذه الخطورة حرص الإسلام في هذا التشريع العظيم الجميل الرائع الذي لو كان من عند غير الله لوجد فيه الاختلاف الكبير، حرص هذا الدين، وحرص الشارع على إصلاح ذات البين، بل وأباح الكذب في إصلاح ذات البين، فإن النبي ﷺ قال: (ليس الكذاب الذي يقول كلمة فينمي خيراً أو ينقل خيراً) أي: أن تُزوِّر شيئاً من الكلام لإصلاح ذات البين بين مسلم ومسلم، بين رجل وزوجته، بين قبيلة وأخرى، بين سيد وآخر، بين موظف ورئيس، بين زميل وآخر، بين جندي وضابط، بين صغير وكبير، بين حاكم ومحكوم، بين عالم وغيره، إن كلمة طيبة لأجل إصلاح ذات البين حتى ولو لم تكن موجودة على أرض الواقع لا تعد من الكذب المحرم، بل يؤجر صاحبها والله جل وعلا يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤].
عجباً لهذه النجوى التي نُهي عنها: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة:١٠] ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة:٩] ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤] إلا في حالة إصلاح ذات البين ربما يكون في النجوى خير كثير: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤].
إن الله قد وعد بأجرٍ عظيم على إصلاح ذات البين، والنبي ﷺ بين أن ضد صلاح ذات البين هو أمر خطير، حالقة الدين، حيث قال ﷺ : (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى.
قال: إصلاح ذات البين -ثم قال- فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) رواه الترمذي والحديث صحيح.
أيها الأحبة! لماذا تكون هذه المعصية حالقة للدين؟ نعم، لأن أصحابها لا يتشفى أحدهم إلا بالكلام في عرض صاحبه، واستدراج الحديث، والدوران حول المواضيع رويداً رويداً، خطاً خطاً، دائرةً دائرةً، حتى تجد الذي في قلبه مرض يجر الحديث من بعيد لتنصب العبارة ويكون الحديث في نهاية المطاف ليكون في عرض ذلك الذي قد امتلأ قلبه عليه حقداً وحسداً؛ ولأجل ذلك نهى الإسلام عن هذا أيما نهي، فقد قال ﷺ : (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).
إن الإسلام حريص على أن يقطع أبواب الجفاء وأبواب القطيعة وأبواب الغلظة، إن الإسلام حريص أن يكسر هذه الأبواب ويمد الصلات بين المسلمين، وما ذاك إلا لأجل حفاظ قلوبهم على بعض، ولأجل المحافظة على حسناتهم.
стр. 653
أثر الشحناء في إزالة الحسنات
وإذا تأملت مزيداً من النصوص وجدتها تصب صباً مباشراً في هذه القضية لتحذرنا من القطيعة، لتحذرنا من العداوة، لتحذرنا من البغضاء، لتحذرنا من التساهل في أعراض بعضنا، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (تُفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا) رواه الإمام مسلم.
أيها الأحبة! لنكن صرحاء: إن بعضنا ربما وجد في قلبه ليس على فاجر من الفجار، بل على أخٍ من إخوانه الطيبين، والواجب أن نحمل المودة والمحبة لإخواننا الطيبين، وأما إخواننا العصاة، وإخواننا الذين أمعنوا وأسرفوا في الذنوب، فلهم منا جانب ننكره وهو إنكار معاصيهم، وما اجترحته جوارحهم، وما اقترفته أيديهم، ولهم منا جانب المحبة والمودة والشفقة، وجانب الرحمة الذي يدعونا إلى الدنو منهم، ومخاطبتهم باللين، ودعوتهم بالحكمة، ومجادلتهم بالحسنى عسى الله أن يردهم إليه رداً جميلاً، عسى الذي هدانا أن يهديهم، عسى الذي ردنا أن يردهم، عسى الذي منَّ على كثير من إخواننا أن يمن علينا وعليهم بالتوبة.
أيها الأحبة! إن من شؤم وسوء عاقبة الحسد أن حامل الحقد والغل والحسد لا يزال يتشفى بلسانه في عرض من يحقد عليه، حتى إن ذلك المسكين الحاسد ليأتي على جميع حسناته التي تعب في جمعها ثم يهديها إلى من اغتابه، يشقى بالعمل يجمعه، يُصلي الفجر، يمشي خطوات إلى المسجد، قد يذكر الله، يتصدق، يعمل أعمالاً صالحة، ربما يفعل خيراً كثيراً، ثم بعد ذلك قد يقع في زلة الحقد والحسد والبغضاء، وبذلك يُهدي هذه الحسنات إلى من تكلم في عرضه! إن القصاص من الغيبة، والقصاص من النميمة، والقصاص من الغل والحقد والحسد الموجب لذلك كله؛ لن يكون يوم القيامة بأعمال تُعطيها فلاناً، بل سيكون من أعمال قُبلت إذ أن الحساب يوم القيامة لن يكون بالدينار ولا بالدرهم، ولا بالركعة، ولا بالصوم، ولا بالحج الذي لا تدري هل قُبل أم لم يقبل؟ ولكن القصاص سيكون من حسنات مقبولة، يُسدد من دينك ويُقضى غرماؤك بلسانك الذي تسلط على عملك فأحرقها، سوف يُسدد من الحسنات والسيئات، فإن لم يكن ثم حسنات فإن القصاص سيكون من سيئاتهم التي هي حقاً يقيناً سيئات، ثم تُوضع على سيئات هذا، وصدق القائل حيث قال:
يشاركك المغتاب في حسناته ويعطيك أجري صومه وصلاته
ويحمل وزراً عنك ظنّ بحمله عن النُجب من أبنائه وبناته
وغير شقي من يبيت عدوه يعامل عنه الله في غفلاته
فلا تعجبوا من جاهلٍ ضر نفسه بإمعانه في نفع بعض عداته
وأعجب منه عاقل بات ساخطاً على رجل يُهدي له حسناته
ويحمل من أوزاره وذنوبه ويهلك في تخليصه ونجاته
إن هذا لعجبٌ عجاب أن تجد شخصاً يتسلط كل ليلة ليحمل عنك أوزاراً وذنوباً وآثاماً وخطايا، ما حملها بقرابة ولا بنسب ولا بهدية ولا بصلة، وإنما حملها عنك وتحملها عنك! ويوم القيامة يحملون أوزارهم ومن أوزار الذين يغتابونهم ويتكلمون فيهم، ومن أوزار الذين يضلون بسبب الوقوع في أعراضهم، يتحمل هذا يوم القيامة سيئات الآخرين ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٦] إذ أن لكل امرئ منهم مشغلة وقضية ودويهية وبلية أشغلته عن حاله، عساه أن يتحمل أوزار نفسه، وأن يتحمل سيئات ذاته، ثم تجده يتحمل أوزار الآخرين!
стр. 654
محبة الخير للناس
أيها الأحبة! ما الذي يحجبنا عن حب الخير للناس؟ ما الذي يمنعنا أن نحب للآخرين ما نحب لأنفسنا، وذلك من تمام الإيمان، حيث قال ﷺ فيما يرويه أنس بن مالك: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يُحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم.
أيها الأحبة! إن من تمام وصدق وصميم الإيمان أن نتمنى لإخواننا ما نتمناه لأنفسنا، أن نحب لهم ما نحب لأنفسنا، وتلكم والله معالم ضائعة، إن كثيراً عادوا وكثيراً اهتدوا وكثيراً تابوا، وكثيراً آبوا، لكن كثيراً حتى الآن لم تغتسل قلوبهم ولم تتنظف ولم تسلم ولم تطهر من هذه الذنوب والمعاصي، ناهيك عما حملوا ألواناً من المعاصي مع هذا الغل وذلك الحقد والحسد.
إن النبي ﷺ نهانا أن نتباغض، ونهانا عن كل سببٍ يدعو إلى البغضاء كالحسد والتناجش فيما بيننا، فقال: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا) وقال في حديثٍ آخر: (وكونوا عباد الله إخواناً).
стр. 655
صلة إفشاء السلام بسلامة القلب
لقد دلنا النبي ﷺ على ما يعمق المودة في نفوس بعضنا تجاه بعض، ألا وهو الابتسامة، والطلاقة والبشاشة، وإفشاء السلام، قال ﷺ : (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) أخرجه مسلم.
أقول: هذا مما يدل على إفشاء السلام والبداءة به من مظاهر المحبة والمودة، بل ومن الإصرار على تثبيت هذه المحبة بين المسلمين، وذلك أمر يتعوده الإنسان من نفسه:
لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادة سيف الدولة الطعن في العدا
عود نفسك على البشاشة، ستجد نفسك تحملها حتى في أحلك الأمور، وعود نفسك على إفشاء السلام، ستجد نفسك مسلماً على العامل والكبير والصغير، والرئيس والمرءوس، والعظيم والصعلوك، والأمير والوزير والفقير، عود نفسك على أن تلتفت لإخوانك بعين الرضا وعين التواضع وعين المحبة، ستجد أنك تمنحهم أشياء كثيرة.
إننا لا نملك مليارات ولو ملكناها ما وسعنا الناس بأموالنا: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم).
إن الشخص لو أراد أن يكسب جمعاً كهذا بأمواله لما استطاع أن يرضيهم بماله، لو أراد أن يرضيهم بهبات لما كان عنده ما يكفي لهبتهم وإعطائهم الجوائز والصلة، ولكنه يستطيع أن يُسخطهم جميعاً بكلام بذيء ساخط، ويستطيع أن يُرضيهم وأن يكسب محبتهم ومودتهم بكلمة ونصيحة وبشاشة ودعاء لهم ظاهراً وباطناً وسراً وعلناً.
وبمناسبة الحديث عن السلام، والانبساط وصلة ذلك بسلامة القلب أيها الأحبة يقول ابن عمر:
بني إن البر شيء هين وجه طليق وكلام لين
стр. 656
صور من البر وحسن الخلق ونقائض ذلك
إن البر ليس تفتيتاً للصخور إن البر ليس حملاً للجبال أو نقلاً لها إن البر ليس نقلاً للمياه إلى أعلى الجبال إن البر ليس تقسيماً للأموال، وإنما هو طلاقة في الوجوه وكلام لين، روى الترمذي، عن عبد الله بن المبارك أنه وصف حُسن الخلق فقال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى.
وقال جرير: [ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي].
بل إن بعض الناس لا تجده متبسماً أمام الآخرين، بل تجده يسخط ويغضب وينزعج ويقول: فلان أمره عجيب! كلما قدمت عليه تبسم في وجهي، فأي صلة بيني وبينه؟ وأي علاقة بيني وبينه؟ في كل حال إذا رأيته رأيته متبسماً!! أي أن بعض الناس لا يُحرم على نفسه البشاشة بل تجده يُنكرها حتى على من يُقابله بها والعياذ بالله، بل إن بعضهم إذا تبسمت في وجهه قال: متى المعرفة؟ وبعضهم إذا أطلقت أو لنت في الكلام معه قال: يبدو أنك طولتها أكثر من اللازم! وأنت لا تقصد إلا التحبب والتودد إليه فسبحان الله! إن هذه الأخلاق لهبات وصلات ومنازل ودرجات، فمن نالها نال خيراً كثيراً، وحسبكم قول النبي ﷺ : (إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم لا يفطر، ودرجة القائم لا يفتر) وقال ﷺ لما سئل عن أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق).
إن الناس مهما كثرت صلاتهم، فهي لهم يوم القيامة، لن يعطونا منها شيئاً، وجزاهم الله خيراً وأكثر من أمثالهم وتقبل منهم، وما أجمل سعيهم! وما أطيب صلاتهم وركوعهم وسجودهم! لكنهم لن يُعطونا من صلاتهم شيئاً، وما أجمل صيامهم! وإن عبادتهم لمما يرحم به الله الأمة، ولكنهم لن يعطونا من عبادتهم شيئاً، الذي يتعلق بنا تعلقاً مباشراً من أعمالهم ألا وهو -مع حبنا لهذا الخير الذي يعملونه- طلاقة الوجه البشاشة حسن الخلق لين الجانب التواضع المودة المحبة الإقبال بالوجه على الوجه عند اللقاء والسلام.
أذكر ذات يوم أني دخلت دائرة من الدوائر الشرعية، فقابلت رجلاً توسمت فيه خيراً فبدأته بالسلام وحييته به ومددت كفي مصافحاً له فإذا به -سامحه الله وجمعني به وإياكم في الجنة- يقابلني بوجه مكفهر، مقطب الجبين، ويسلم سلاماً رخواً ميتاً بارداً فتركته حتى خرج من تلك الدائرة، ثم أدركته قبل أن يبتعد عنها كثيراً، فقلت له: يا فلان هل تعرفني؟ قال: لا.
قلت: وما يضيرك أنك لا تعرفني؟ -أردت بقولي: هل تعرفني أي: هل سبق بيني وبينك عداوة؟ هل بيني وبينك شيء من المواقف التي تدعو إلى عدم الانبساط وعدم البشاشة؟ - قال: لا أعرفك.
قلت: إذاً لم يحصل بيني وبينك موقف كرهتني فيه أو كرهتك فيه؟ قال: لا.
قلت: يا أخي الكريم لماذا لا تحسن أخلاقك؟ لماذا لا تنبسط؟ لماذا لا تتبسم؟ لماذا لا تمد يدك مد الرجال عند المصافحة؟ لماذا لا تضع عينك في عين من أقبل عليك محبة وهشاً وبشاً به؟ أما أن تجد من الناس مَنْ إذا سلَّم عليك يده في اليمين ووجهه في السقف، أو يُعطيك يداً ويده الأخرى يصلح به شيئاً من حذائه، والرابع يُسلم عليك ولا يلتفت لك بأي حال من الأحوال.
إن عدم التفات هذا إلى حُسن الخلق لن يضيرك ولن يضيرني لكنه سيضيره هو، إنه يحرم نفسه خيراً كثيراً، وبوسع العبد إذا خرج من بيته أن يعود بحسنات أمثال حسناته في صلاته وصيامه، وأمثال حسناته في صدقاته وذلك بحسن خلقه ولين جانبه وتواضعه، ومحبة الخير لإخوانه المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) رواه الإمام مسلم.
وروى الخرائطي عن أبي عون الأنصاري قال: [ما تكلم الناس بكلمة شديدة إلا وإلى جنبها كلمة هي ألين منها تجزئ عنها] أي: أن الواحد مهما شدد في العبارة فإن بوسعه أن يختار من مفردات اللغة ومن جُملها ما يُفضي إلى تحقيق المقصود، وما يفضي إلى المرغوب دون الحاجة إلى الكلمة الشديدة، وكل أمر من الأمور لك أن تُعبر عنه بكلمة طيبة، ولك أن تعبر عنه بمعنىً مقبول:
تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
ذماً ومدحاً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير
في زخرف القول تزيين لباطله والحق قد يعتريه سوء تعبير
العسل إن تشأ قلت: ذا قيئ الزنابير، وإن تشأ قلت: هذا شهد النحل أو تقول فيه وصفاً جميلاً، ومن الذين يعتنون بحسن الخلق؟ من تراهم ينتقون العبارة الجميلة، يُقال: إن هارون الرشيد قال ذات يوم لأحد أبنائه وفي يده سواك: ما جمع هذا يا ولدي؟ فقال أحدهم: محاسنك يا أمير المؤمنين.
وقال للآخر: ما جمع هذه يا ولدي؟ قال: جمعها كِعاب الأسنة.
لم يقل: مساويك، خشية أن يكون الجمع فيه عبارة تدل بلفظ لا يليق أمام أمير المؤمنين أو أمام والدهم.
стр. 657
أحاديث نبوية في حسن الخلق
إن عناية الإنسان بمنطقه وعناية الإنسان بلفظه متحرياً بذلك حُسن الخلق مما يرفعه درجةً عند الله، وكما قال ﷺ : (إن من أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً).
وروى أبو نعيم في الحلية، عن حماد بن زيد قال: [ما رأيت رجلاً أشد تبسماً في وجوه الرجال من أيوب].
وفي الحديث المتفق على صحته، عن عبد الله بن عمرو، أن رجلاً سأل النبي ﷺ : (أي الإسلام خير؟ قال: أن تُطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) متفق عليه.
ذلك من خير الإسلام أن تبدأ بالسلام وتُعلن السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف.
وبالمناسبة أيها الأحبة! فإن وقوع بعض المسلمين في معصية لا يمنع من سنية بدئهم بالسلام، فتجد المسلم إذا قابل رجلاً حالقاً لحيته، قال: لا أبدأه بالسلام فهذا (حليق)! وبعضهم إذا رأى رجلاً مدخناً قال: أعوذ بالله، أبدأ بالسلام على رجل يدخن فلا أبدأه، وذلك من الجهل بالدين.
إن من واجبك أن تبش وتهش وتنبسط إليه وتبدأه بالسلام، وتسأله عن صحته، وإن كنت منكراً لما ترى من حلق لحيته أو مجاهرته بدخانه، فإنك بهذا تنصحه نصيحة طيبة فتنال الأجرين، لا يفوتك أجر البدء بالسلام وتنال أجر حُسن الخلق، والبسط وحُسن الصلة مع المسلمين، وأجر النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي معنى الحديث السابق قال النووي ﵀: ومعنى تُقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف أي: تُسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثير من الناس.
هذا في زمان النووي يقول: كما يفعله كثير من الناس الذين يخصون بالسلام من يعرفون، فما بالك بهذا الزمان؟ ما بالك بنا؟ بل لقد ضيعنا كلمة (السلام) حتى أن بعضنا يدخل على القوم، فيقول: كيف الحال؟ كيف الصحة؟ أهلاً بكم، صباح الفل، صباح الورد، صباح الياسمين، صباح القشطة، صباح كذا وصباح كذا! ونسي أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! بل إن بعضهم بالهاتف: السلام عليكم، أهلاً بفلان كيف الحال؟ تردد عليه مرتين أو ثلاثاً حتى لا يفوته أجر رد السلام، وهذه من الأمور التي تعود كثير منا عليها حتى فاته كثير من الأجر، ما الذي يمنع؟ صحبت ذات مرة شخصاً من إخواننا في سفر فعجبت من كثرة إفشائه السلام على الناس، ما التفت يمنة فوجد عاملاً أو كبيراً أو صغيراً إلا وألقى ﵇، فقلت له: أراك تكثر السلام! قال: هل كنت مشغولاً معك في حديث حتى أقطعه بهذا؟ هل تراني أقرأ؟ هل تراني أصلي؟ بدلاً من أن أقلب عيناي في الجدران والحيطان والرخام والمباني والعمائر والغادين والسيارات والرائحات والشكمانات وغير ذلك بدلاً من هذا كله أقول: السلام عليكم، ففي كل تسليمة أجر عظيم، وما ظنك لو عددنا كم مررنا على شخصٍ سلمنا عليه لوجدنا أننا في نهاية المطاف قد جمعنا مئات الحسنات بمجرد إفشاء السلام.
وقال ابن حجر في معنى السلام: أي لا تخص به أحداً تكبراً ولا تصنعاً بل تعظيماً لشعار الإسلام ومراعاةً لأخوة المسلمين.
وفي الحديث الذي له حكم الرفع ورواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن ابن مسعود أنه مر برجل فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن، فرد عليه، ثم قال: [إنه سيأتي على الناس زمان يكون السلام فيه للمعرفة].
وقال ابن بطال في مشروعية السلام على غير المعرفة: استفتاح للمخاطبة وللتأنيس ليكون المسلمون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد، وفي التخصيص ما قد يوقع في الاستيحاش، وربما سبب صدود المتهاجرين أو يشبه صدود المتهاجرين الذي نهى الله عنه.
لقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطيعة الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم) رواه الإمام أحمد في مسنده.
стр. 658
حاجتنا إلى قضايا السلوك والأخلاق
نعم أيها الأحبة! هذه من الأشياء التي ظهرت وانتشرت بين المسلمين، وكما أننا بحاجة إلى أن نفقه قضايا كثيرة قضايا إعلامية، وقضايا سياسية، وقضايا تربوية، وقضايا تعليمية، وقضايا اجتماعية؛ فنحن بأمس الحاجة إلى أن نتعلم هذه القضايا وهي قضايا المعاملة وقضايا السلوك.
إن عبداً من عباد الله يوم القيامة لن يضره إن جهل ما هي أبعاد اتفاقية غزة أو أريحا، على أيٍّ كان تحليلها أو تفسيرها، وليس هذا مقام بيان قول الإسلام فيها، إن عبداً من عباد الله لن يضيره يوم القيامة إذا جهل كثيراً من القضايا السياسية والاقتصادية والإعلامية، لكن سينفعه عند الله إن كان ممن يفشون السلام، سينفعه عند الله إن كان ممن ينبسطون بالبشاشة أمام إخوانهم، سينفعه عند الله إن كان ممن سلمت صدورهم من الغل والحسد والإحن والعداوات والبغضاء.
стр. 659
بطلان الافتخار بالأنساب أمام التقوى
ثم إن سلامة الصدور لمن دلائل الألفة والمحبة التي هي نعمة عظيمة امتن الله بها على المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] بل يمن الله جل وعلا على نبيه محمد ﷺ فيقول له: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣].
إن هذه الألفة والمودة وسلامة الصدر لمن أعظم النعم، وما ظنكم لو أن كلاًّ منا ركب رأسه وركب نعرته وركب عصبيته وركب جاهليته، وركب أسرته وقبيلته ومفاخره وأموره الجاهلية، لأصبحنا أعداءً متباغضين متناحرين، لكن نعمة الله جمعت شملنا، وألفت قلوبنا، ووحدت صفوفنا، ووالله إن من يفتخر بنسبه لأحقر عند الله من الجعلان والجنادب والهوام والتراب.
إن عبداً من عباد الله في أدغال أفريقيا من المتقين ليساوي آلاف الآلف في وسط نجد أو في شمالها أو غربها أو جنوبها إن كانوا من العصاة، وإن عجوزاً مؤمنة من أهل نجد لتساوي أهل الأرض إن كانوا عصاة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] بعض الناس فيه خساسة ودناءة، وفيه فجور وعصبية وجاهلية، يتزي ويفتخر بأصله ونسبه: أنا نجدي، أنا حجازي، أنا شمالي، أنا يماني، أنا غربي، أنا مدني، أنا كذا، أنا كذا والله ما قلت بقول فيه عصبية بجاهلية إلا قلنا لك: خسئت وخبت وخسرت.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
стр. 660
نماذج ممن رفعتهم التقوى
الذي نفتخر به هو الذي جعل بلال الحبشي، يُسْمع صوت نعليه في الجنة.
الذي نفتخر به هو الدين الذي جعل أبا لهب ذا الوجه الأحمر الملتهب من شدة بياضه يقال فيه: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣].
الذي نفتخر به ذلك الدين الذي قال لـ صهيب: (ربح البيع أبا يحيى).
الذي نفتخر به الذي نقل سلمان الفارسي من الفرس إلى آل البيت، فقال ﷺ : (سلمان منا آل البيت) إن من افتخر فخراً مجرداً عن العمل الصالح، فهو خسيس دنيء، وإننا لنقولها ولا كرامة ولا مودة ولا مكانة لمن افتخر بنسب جاهلي، وتباً لمن يفتخر بعظمٍ نخر، الذين يفتخرون بالعصبيات، وبالأنساب، الذين يصنفون الناس: هذا شمال وهذا جنوب وهذا غرب وهذا نجد وهذا وسط وهذا يمين وهذا يسار بماذا تصنفون الناس؟ بالعيون التي تُخرج القذى؟ بالأنوف المليئة بالمخاط؟ بالأجواف المليئة بالبول والبراز؟ بالأفواه المليئة بالبخر؟ بالآباط المليئة بالوسخ؟ بماذا يفتخر الناس حينما يصنفون بهذه العصبيات، إنما الفخر فخر من أطاع الله وعبد الله وسجد لله وصلى لله، والكرامة والله هي كرامة التقوى، ومن تمسك بغيرها ومن دعا بدعوى الجاهلية، فقد قال ﷺ : (أعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) أي: قولوها له صريحة حينما يفتخر بهذه العصبيات الجاهلية التي لا مكانة لها.
لقد وقف عطاء بن أبي رباح الذي هو إمام المناسك في زمنه، يقف الناس طوابير، خلف بعضهم كل ينتظر دوره في السؤال، وعطاء كان عبداً مملوكاً أعتقته سيدته، كان لا يرى إلا بعين واحدة، كان مفلفل الشعر، أسود اللون، كأنه غراب بين الناس، ثم لما جاء الخليفة يسأل قالوا: دونك الناس أيها الخليفة -أي: امسك في (الطابور) حتى يصلك (الطابور) وتصل عطاء بن أبي رباح - فوقف الخليفة وسأل عطاء بن أبي رباح فالتفت إلى أولاده، وقال: أي بني! اطلبوا العلم فقد جثا الخلفاء بركبهم عند العلماء هكذا يكون الدين هو الذي يرفع الدرجات ويرفع المنازل.
стр. 661
نقاء النفس من أسباب دخول الجنة
إن نقاء النفس أيها الأحباب! لمن أسباب دخول الجنة كما في الحديث الذي رُوي في مسند الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: (كنا يوماً جلوساً عند رسول الله ﷺ ، فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة.
قال: فطلع رجل من أهل الأنصار تنطف لحيته من الوضوء، قد علق نعليه في يده الشمال، فسلم، فلما كان من الغد قال ﷺ : يخرج عليكم من هذه الثنية أو من هذا الفج رجل من أهل الجنة؛ فطلع ذلك الرجل على مثل حاله، فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ : يخرج عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة؛ فطلع ذلك الرجل على مثل حاله، فلما قام النبي ﷺ تبع الرجلَ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فقال لذلك الرجل: إني لاحيت أبي -أي: كان بيني وبين أبي شيء من الملاحاة- فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تئويني إليك حتى تمضي ثلاث ليالٍ فعلت؟ قال: نعم.
قال أنس ﵁ فكان عبد الله بن عمرو يحدث أنه بات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار -أي: انقلب وتقلب على فراشه- ذكر الله ، وكبر حتى يقوم إلى صلاة الفجر.
فقال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً) صاحبه ثلاث ليال وثلاثة أيام يريد أن يرى منه كثرة صلاة وكثرة صيام وكثرة أعمال، قال: (فلما فرغنا من الثلاث وكدت أن أحقر عمله، قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر، لكني سمعت رسول الله ﷺ يقول ثلاث مرات: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت ثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بذلك فلم أرك تعمل).
وانظر إلى الصحابة كيف يتنافسون في العمل، وكيف يتبع بعضهم بعضاً ليتأسى ويقتدي وينتفع ويهتدي، بمن هو خير منه في العمل، أو بمن سبقه ببشارة من النبي ﷺ .
قال: (فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فاقتدي بذلك، فما رأيتك تعمل عملاً كثيراً، فما الذي بلغ بك ما قال النبي ﷺ ؟! قال: هو ما رأيت، غير أني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشاً ولا حسداً على خيرٍ أعطاه الله إياه، قال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق) وفي سند هذا الحديث مقال.
стр. 662
سوء الظن مدعاة للحقد
أيها الأحبة! إن مما يدفع بعض الناس ومما يجرهم والعياذ بالله إلى الأحقاد والإحن والغل؛ سوء الظن، وسوء الظن أمر منهي عنه، لقد عرفت كثيراً من الناس لو تناجى اثنان في مجلس لقال: نعم، إنهما يتناجيان فيّ، إنهما يتكلمان عني، يتكلمان في سيرتي، إنهما يحللان شخصيتي، إنهما يريدان أن يزنا شخصيتي.
فتجد بعض الناس لو التفت يمنة ويسرة قال: نعم، الآن يتكلمان فيّ.
بعض الناس مسكين عنده ضعف ووسوسة واهتزاز شخصية لدرجة أنه لو دخل على حوش غنم، فالتفت تيس إلى عنز قال: تكلموا فيّ! من سوء اهتزاز شخصيته أمام نفسه فعلاً، لا يُطيق أن يلتفت اثنان إلى بعضهما، ولو أن بعضهم فجأة أو خطأً حدق البصر فيه لحظة ثم عاد لقال: نعم، أراد أن يتأكد هل هو الذي يُتكلم فيه أنا أم الذي بجواري، أي: أنك تجده -والعياذ بالله- مسيئاً للظن، وقد نهى الله جل وعلا عن هذا، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ولماذا نسيء الظن بالآخرين سواءً في كلامهم أو في قولهم أو خطبهم أو مقالاتهم أو كتبهم أو مجالسهم أو مواقفهم؟ لماذا لا نحملهم على أحسن محمل؟ أوليس الأصل في كل مسلم براءة عرضه وسلامة جانبه؟ أوليس الأصل فيه البراءة، والشك طارئ والمعصية والخطيئة طارئة.
إذاً لماذا ندع الأمر الأصلي الثابت بيقين لأمرٍ حادث بشك، والقاعدة الفقهية تقول: اليقين لا يزول بالشك؟ وقال ﷺ : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث).
نعم إن كثيراً من الناس يحلل حساباته ويخلص بتقاريره واستنتاجاته بناءً على الظنون وبناءً على أشياء لا صحة لها ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [النجم:٢٨].
قال عمر بن الخطاب ﵁: [إن أناساً يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته من شيء، الله يحاسبه على سريرته، ومن أظهر لنا شراً لم نأمنه ولم نصدقه، ولو ادعى وقال: إن سريرته حسنة].
وإن حسن الظن لمن حقوق الأخوة التي هي من مناقب السلف الصالح، فهذا الشافعي ﵁ يروي أحد تلامذته وهو الربيع بن سليمان قال: دخلت على الشافعي ذات يوم وهو مريض، فقلت له: قوى الله ضعفك.
فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني.
فقال الربيع: والله ما أردت إلا الخير.
فقال الشافعي: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير.
أي: من حُسن ظن الشافعي بتلميذه أو بمن حوله.
قال: لو تكلمت فيّ كلاماً بلغ حتى درجة الشتيمة، لن أسيء بك الظن، وإني لأقول: إنك ما أردت وما قصدت إلا الخير.
وعلى ذلك فينبغي أن يُحمل كلام الإخوان وكلام الخلان والأصحاب والأحباب والإخوة وكلام عامة المسلمين فيما بينهم أن يحمل على خير محمل.
стр. 663
فقه الستر على المسلمين
أيها الأحبة! كذلك من التوجيهات المهمة المتعلقة بجيل الصحوة المبارك، بل وبعامة إخواننا المسلمين: مسألة الستر، الستر على المسلمين والأخذ بأيدي الذين يقترفون الإثم، الأخذ بأيديهم إلى الله جل وعلا، لينيبوا إليه سبحانه عله أن يقبل توبتهم بدلاً من هتكهم وتتبع عوراتهم وكشف مساوئهم وإعانة الشيطان عليهم.
قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب وهذا الكلام لا تنزعجوا منه فسوف يأتي فيه تفصيل.
روى معاوية عن النبي ﷺ أنه قال: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) رواه أبو داود وابن حبان.
إن الستر على المسلمين لمن الأمور المرغوبة، ومن الأمور المحبوبة، بل إن الدين شرع لنا ذلك، وستأتي من النصوص ما تعجبون من أن الإسلام لا يتشوف إلى فضح الناس، الدين لا يشتاق إلى هتك أستارهم، الشريعة لا تتمنى فضح عورات الناس، الدين لا يتمنى التشويش والتشهير بالناس إطلاقاً.
حدث أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم.
وحدث أبو برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في قعر بيته) رواه أبو داود.
أيها الأحبة! إن من المسلمين من يستره الله ثم هو بعد ذلك يهتك ستر الله عليه، المقترف العاصي المذنب المخطئ الذي وقع في معصية مطالب قبل غيره أن يستر على نفسه، إذا كان الإسلام يأمرنا أن نستر على العاصي، فإن العاصي هو مأمور أن يستر على نفسه، وليس بمأمور أن يفضح نفسه أو يتكلم.
إن من الناس من يظن أن التوبة لا تتم إلا بالصلاة في مسجد من المساجد عند شيخ من المشايخ وبين يديه، يقف ذلك الشاب الذي يريد الالتزام مطرقاً باكياً دامعاً حزيناً، فيقول: يا شيخ اسمع: إني مذنب وإني أريد التوبة، أولاً: فعلت كذا، ثانياً: سرقت كذا.
ثالثاً: اختلست كذا، رابعاً: عملت هكذا ليس هذا من الدين في شيء، ليس عندنا قسس ولا رهبان ولا كاردنلات ولا زعامات بابوية أو طقوس كنسية يأتي المذنب ليعترف بين يدي أصحابها، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] الأمر بين العبد وبين ربه لا يحتاج إلى واسطة سواءً في التوبة أو في الاستغفار أو في السلامة أو في الرجوع عن الذنب والخطيئة، قال ﷺ في الحديث الذي سمعه أبو هريرة من فهمه ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا، وقد بات يستره ربه، ثم يصبح يكشف ستر الله عليه) متفق عليه.
стр. 664
ستر الله في الدنيا والآخرة
وروى ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول له: عملت كذا وكذا.
فيقول: نعم.
فيقرره، ثم يقول الله جل وعلا: إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم) متفق عليه.
وفي رواية: (فيقرره بذنوبه، فيقول الله جل وعلا: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: أي رب أعرفه؛ فيقول الله: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم)، وفي رواية: (فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: أي رب أعرف.
فيقول: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيُعطى صحيفة حسناته) الله أكبر! رب غفور رحيم على العبد قادر، فيحلم عليه ويستره ويغفر له ويعطيه صحيفة حسناته راضياً مرضياً ليدخل الجنة.
стр. 665
ستر العصاة عند الصحابة
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لا يستر الله على عبدٍ في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم.
عمار بن ياسر من الصحابة يفهم هذا المعنى فهماً عظيماً، فتراه ذات يوم قد أخذ بسارق من اللصوص ثم يدعه ويقول: [أستره لعل الله أن يسترني].
وقال أبو بكر الصديق: [لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستر به عليه].
وكان يقول: [ولو رأيت رجلاً على حدٍ من حدود الله ما أخذته ولا دعوت له أحداً حتى يكون معي غيري].
وأشرف ابن مسعود على داره بـ الكوفة فإذا هي قد غصت بالناس، عبد الله بن مسعود لما أشرف على داره وجد الناس قد ملئوا الدار في رحباتها وجنباتها ومن حولها، فقال ابن مسعود: [من جاء يستفتينا فليجلس نفتيه إن شاء الله، ومن جاء يخاصم فليقعد حتى نقضي بينه وبين خصمه إن شاء الله، ومن جاء يريد أن يُطلعنا على عورة قد سترها الله عليه فليستتر بستر الله وليقبل عافيته، وليسرر توبته إلى الذي يملك مغفرتها، فإنا لا نملك مغفرتها ولكن نقيم عليه حدها ونمسك عليه بعارها].
وهذه امرأة تقول لـ عائشة: إن رجلاً أخذ بساقها وهي محرمة، فقالت: حجراً حجراً حجراً، وأعرضت بوجهها وقالت بكفها، ثم قالت عائشة: [يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكن ذنباً فلا تخبرن به الناس، ولتستغفر الله، ولتتب إليه فإن العباد يعيرون ولا يغيرون، والله يغير ولا يعير].
стр. 666
تقسيم العصاة إلى مستور ومفضوح
قال ابن رجب في تفصيل الكلام الذي مضى حتى لا يظن بعض الإخوة أن هذه دعوة لترك الفساد والمنكرات، وتهوين شأن أهل الحسبة والهيئات، والتثريب عليهم فيما يفعلون من الإمساك بالعصاة- يقول ابن رجب في تفصيل هذه المسألة: واعلم أن الناس على ضربين: أحدها: من كان مستوراً لا يُعرف بالمعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فإنه لا يجوز له هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها؛ لأن ذلك غيبة محرمة، وهو الذي فيه النصوص، ومثل هذا لو جاء تائباً نادماً وأقر لم يُفسر ولم يُستفسر منه، بل يُؤمر بأن يرجع فوراً ويستر على نفسه.
وأما الثاني: فمن كان مشهوراً بالمعاصي، مُعلناً بها، داعياً إليها، لا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له في هذا، فذاك الفاجر المعلن وليس له ريبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره.
أيها الأحبة! ينبغي أن نفرق فمن الناس من يقع في زلته الأولى أو خطيئته أو مشكلته التي وافقت أنها وقعت في يد أو في علم أو في اطلاع واحد من أهل الخير، الواجب حينئذٍ إذا لم يُعرف عن الرجل أنه من أهل الفساد ولا من أهل المعاصي ولا من الدعاة إلى الشر ولا من الدعاة إلى الخطيئة؛ فالواجب زجره بالموعظة، وتوبيخه بالنصيحة، والقول البليغ في حقه لعله يرتدع وينزجر ويُخوف، ثم بعد ذلك يُستر عليه حتى لا نتفاخر بأن كثيراً من المسلمين وقعوا في المعاصي، أو حتى لا يفشو أن هذا المجتمع قد بلغ به الفساد حتى فيمن يُظن بهم الخير.
أما من كان داعية إلى المعصية، مروجاً لها، ناقلاً لها، مزيناً لها، كما يفعله بعض العصاة، تجده يعصي ويهتك ستر الله عليه ويجاهر ويأتي بالصور من الخارج، ويقول: هذه صورة مع الراقصة، وهذه صورة مع فلانة، وهذه صورة شرب، وهذه صورة منكر، وكنا في كذا، وفعلنا يوم كذا وكذ وكذا وطربنا وشربنا ورقصنا وسافرنا ورأينا وفعلنا وسهرنا وو الخ ثم يحض على المعصية ويدعو إليها، فذاك لا ينبغي تركه إذ أنه سوسة نخرة وسرطان في بدن الأمة فلابد من بتره وقطعه، إن لم تُفد فيه المواعظ والنصائح.
قال الإمام مالك: "من لم يعرف منه أذىً للناس وإنما كانت منه الزلة فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عُرف بشر واشتهر به، أو فساد وعرف به فلا أحب أن يشفع له أحد، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحد" حكاه ابن المنذر وغيره.
وقد ذكر النووي: أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به، أي: قد تكون في الرجل أمور من الفسق، فأمور جاهر بها وأمور سترها، فالأمور التي هي من الفسق التي سترها لا يجوز أن يعير بها جهاراً، والأمور التي من الفسق جاهر بها يعير أو يؤخذ بها جهاراً، وهذا من تمام الفقه والعلم.
وإن النبي ﷺ لما جاء إليه المعترفون بأنفسهم، يأتيه ماعز، فيقول: يا رسول الله، زنيت فيدفعه ويقول: (لعلك قبلت، فيأتيه مرة أخرى فيقول: لعلك فاخذت فيأتيه مرة أخرى فيقول: لعلك كذا ثم يقول: انظروا بصاحبكم هل تشمون منه خمراً، أتعرفون عنه جنوناً؟) إن الإسلام لا يتشوف إلى هتك الأستار.
بعض الناس يظن أن هذا الدين يتعطش لقطع الرقاب وقطع الأيدي، وأن الدين يتعطش لبطح الناس عند المساجد وجلدهم، وأن الدين يتعطش لفضح الناس أمام الملأ والمجامع، لا، ليس هذا من مقاصد الشريعة، بل إن من مقاصد التشريع الستر على الناس إلا من كان فاجراً ساعياً بالفساد بين المؤمنين فذاك رجل ينبغي أن يبعد وأن ينتبه لفسقه وشره.
وإني أسأل الله جل وعلا بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل هذه الكلمات حجة لنا لا حجة علينا.
ويا أيها الأحبة! أقولها مراراً: إن هذه الصحوة خاصة، والمسلمين عامة بحاجة إلى تربية في السلوك، إننا بحاجة إلى حُسن الخلق، إننا بحاجة إلى حُسن المعاملة، إن الأزمة أزمة معاملة والأزمة أزمة أخلاق، والمصيبة مصيبة أن كثيراً منا قد تعلم شيئاً كثيراً ولكن يجهل كثيراً من الخلق وحسن المعاملة.
стр. 667
الأسئلة
стр. 668
ضوابط في التعامل مع الوالدين
السؤال
فضيلة الشيخ سعد! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشهد الله أني أحبكم في الله، فضيلة الشيخ إني سلفي العقيدة، ولكن والدي ووالدتي يقعون في البدع ويحثوني عليها، وعلى الابتداع، وقد تعبت معهم في النصيحة حتى أن والدي ووالدتي يغضبان عليّ كثيراً لأنني سلفي، فماذا تنصحونني جزاكم الله خيراً؟
الجواب
يا أخي الكريم! أسأل الله أن يحبك كما أحببتنا فيه، وإن من المصيبة أن يجد الإنسان من والديه وأقاربه أو جماعته من يصرون بإمعان وعناد على بعض البدع والأخطاء والضلالات.
أما من الوالدين فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] بمعنى: أن أخطاءهم وبدعهم التي يقعون فيها لا تمنع من برهم، بل لا تسقط وجوب البر بهم، فواجبك أخي الكريم أن تأخذهم بالحسنى وباللين، وأن تسألهم حينما يدعوانك إلى بدعة من البدع أن تقول: ماذا تبتغون من هذه البدعة؟ يقولون: نريد الأجر والمثوبة.
فتقول لهم: من الذي قال: إن فيها أجراً ومثوبة؟ فيقولون: إما أن ذلك عن الله أو عن رسوله ﷺ .
فتقول: ولكن هذا لم يرد عن الله ولا عن رسول الله ﷺ ، بل ذلك مما ورد إما في الحديث الموضوع أو المكذوب أو في استنباط بعض الذين يستحسنون بعقولهم من الدين، وإنما الدين توقيف وعبادة واتباع وليس ابتداع، وإذا كنتم تريدون الأجر فعليكم بما كان عن الله وعن رسوله ﷺ .
وأن تأخذهم باليُسر واللين والحكمة والموعظة الحسنة، لا تقل: يا أمي أنا سلفي وأنتي مجرمة، ويا أبي أنا سلفي وأنت كذا لا، إنما تأخذهم بالحسنى واللين، وداوم، بعض الناس يقول: نصحت فما استجيب لي.
وإذا سألته كم مرة نصحت؟ قال: مرتين ونصف! يا أخي الكريم إذا كان أمر والديك يهمك بعناية واهتمام شديد، فإنك لن تألو جهداً في أن تصل إلى قلبيهما والتأثير عليهما بكل وسيلة من وسائل البر والهداية واللطف والكلمة الطيبة عسى الله أن يمنّ عليهم بالهداية، وإذا لم تتحقق الهداية المرجوة، فإن الله جل وعلا قد قال لنبيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] النبي كان يحب أن يموت أبو طالب على الإسلام، لكن أبا طالب مات مشركاً، خلافاً لما تزعمه بعض طوائف الضلال الذين ألفوا كتاباً وأسموه " أسنى المطالب في إسلام أبي طالب " ويدَّعون أنه من المسلمين.
стр. 669
نداء من البوسنة
قبل هذا السؤال أخي الكريم! نداء جميل وطيب من إخواننا في مكتب الهيئة العليا، مفاده: أن إخواننا غير خافٍ عليكم ما يمر بهم في هذه الأيام من تسلط أعدائهم الكروات وأعدائهم الصرب وما هم فيه من مشقة في أحوالهم سواءً في مساكنهم أو في البرد الذي يمر بهم، أو مرض أطفالهم، أو موت عجائزهم وشيوخهم وكبارهم، لذا نهيب بإخواننا أن يتبرعوا لوجه الله جل وعلا، وكل في ظل صدقته يوم القيامة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] فأعينوا إخوانكم.
وإني أبشركم -أيها الأحبة- أن الوضع منذ أشهر وليس منذ أسابيع قد تحول لصالح المسلمين في البوسنة والهرسك، وخذها قاعدة: إذا رأيت المفاوضات الدبلوماسية في أوروبا نشطة ومتحركة ومتتابعة لحل أزمة البوسنة والهرسك؛ فاعلم أن المسلمين في تقدم، إذا كان الكفار يذبحون في المسلمين تجد أن هذه المفاوضات تمشي مشي السلحفاة؛ أما إذا كانت الكفة لصالح المسلمين، فإن المفاوضات تمشي عجالاً، على الأقل يكسبون وقف إطلاق النار وهذا الكلام أنقله بما عرفت من كثير من المسئولين في حكومة البوسنة، ومنذ قرابة أسبوع جاءني أحد الشباب من أكثر من مدينة من سراييفو ومن جراشتا ومن زنيتسا ومن مستار ومن زرنيك ومن غيرها ويقول: إن الأوضاع لصالح المسلمين، إلا أن المسلمين في هذه المرحلة يركزون أولاً على القضاء على الكروات لماذا؟ لأن الكروات متداخلون مع المسلمين في كل شارع وسكة وطريق ومحل، وهؤلاء الكروات هم الذين دائماً ينقضون العهد ويدلون الصرب على المسلمين ويحددون المواقع، وهم شوكة في حلوق المسلمين في كل مكان؛ لأجل ذلك كانت الاستراتيجية الجديدة: القضاء على الكروات أولاً ثم تصفية الصرب ثانياً.
ولذلك المعارك الآن بنسبة كبيرة جداً لا تقارن بين الكروات والمسلمين أكثر منها بين المسلمين والصرب.
الأمر الآخر: أن كثيراً من الصرب ولله الحمد والمنة -وهذه بشارة- صاروا يبيعون الأسلحة ويبيعون الذخيرة، عندك مال أعطه الثقات أو اذهب أنت بنفسك معهم فهم مستعدون أن يجعلوك تقابل قائداً صربياً يبيعك دبابة ويبيعك ذخيرة ويبيعك أسلحة ويبيعك ناقلات، بل إن بعض قوات الأمم المتحدة يبيعون الوقود، بل قال بعضهم لأحد ضباط الأمم المتحدة: أما تخشى أن يعلم رؤساؤك بك؟ قال: إذا علموا فذلك ما كنت أبغي؛ لأني بعت لكم معاشر المسلمين من الوقود الشيء الكثير بأموال أتمنى أن أُفصل بسببه من الخدمة فأستمتع بالأموال التي جمعت! أكثر ما عندهم أن يعطوا عقوبة أو سجن أيام أو أشهر ثم يعود ليستمتع بالأموال التي جمعها، قال: وبقائي في المعركة خطأ، ولذلك إذا رأيتم الأعداء يبيعون السلاح ويتاجرون بأسلحتهم فاعلموا أن واقع المسلمين في خير، خاصة بعد تلك المحاولة الناجحة التي قادها عدد من الشباب العرب المسلمين، واستطاعوا أن يختطفوا نائب القائد الكرواتي في ليلة ليلاء، كما ذهب محمد بن مسلمة وجر كعب بن الأشرف من معصمه واستنزله من عُصم منزله، وأخذوا ذلك القائد ودخلوا به أسيراً، وأبلغوا قوات الأمم المتحدة، فجاءت الأمم المتحدة تفاوض على إخراجه قالوا: لا نسلمه لكم إلا رأساً على طبق إن لم تخرجوا لنا إخواننا الأسرى من العرب وغير العرب، وفعلاً تمت عملية المبادلة وسجلت بالفيديو وثائقياً ورأيتها بعيني.
بعد تلك الحادثة أصبح كل مجموعة من الشباب يشتهون أعمالاً ومغامرات جميلة، الذي يذهب ويسرق له (نقيباً)، والذي يسرق له (ملازماً أول)، والذي يخطف له (ضابطاً) فقط، وآخر يذهب ويخطف (عريفاً) أو (جندياً) فيقولون: لم تأت بشيء، احضر واحداً محترماً! فالحاصل أن إخوانكم بحمد الله في تقدم.
وأيضاً يقول أحد المسئولين في الحكومة البوسنية: قتلى الصرب من العسكريين أكثر من قتلانا العسكريين المسلمين، وقتلى المسلمين المدنيين أكثر من قتلى الصرب المدنيين لماذا؟ لأن الصرب في المعارك يموت منهم الكثير والمسلمون لا يضربون على مواقع مدنية آمنة، لكن الصرب يضربون المدينة ضرباً بالصواريخ وبالطائرات حتى تكون خراباً يباباً ثم يتجولون في الأسواق ويقولون: انتصرنا هذا ليس انتصار! مدينة تُضرب بالطائرات والمدافع الثقيلة سبعة أيام أو عشرة أيام ثم يدخلها الصرب يرفعون السلاح وهي مدينة فارغة! هذا كالذي قال: أنا قتلت ذلك الضابط.
قال: لماذا لم تقطع رأسه؟ قال: وجدت رأسه مقطوعاً.
فليست شجاعة أن يفتخروا أو يعدوها شجاعة في الانتصار على مدن فارغة خالية ليس فيها من الجنود أحد، والخلاصة وما وصلنا إليه أن تتبرعوا والصناديق عند الأبواب جزاكم الله خيراً.
стр. 670
حكم هجر القرآن خشية النسيان
السؤال
إن كثيراً من الشباب يقول: أنا لا أريد أن أحفظ شيئاً من القرآن مخافة أن أنساه، وقد يكون الشباب في سيارة فعندما يريد أحدهم أن يشغل جهاز التسجيل على القرآن يقول الآخر: نشغله على الأناشيد لأن القرآن لن ننصت له فما هي نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟
الجواب
أولاً: يا أخي الكريم! هذه ملاحظة في بعض الأسئلة: "السماحة" لمن بلغ هذه الدرجة وهو سماحة الشيخ عبد العزير بن عبد الله بن باز أو من كبار العلماء كالشيخ ابن عثيمين متع الله بهم على طاعته، أما شأني وشأنك فقل: يا أخي، وعسانا أن نبلغ درجات الأخوة، كلمة "الشيخ" أيضاً كبيرة و"فضيلة" و"صاحب الفضيلة هذه كلها كبيرة، فيا أخي الكريم ينبغي أن نعرف قدر بعضنا ببعض، ووالله لو مدحتني أو مدحتك كل منا أدرى بذنوبه وبعيوبه ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤].
أما ما يقوله البعض أنه يُعرض عن القرآن مخافة أن ينساه، نقول: أنت احرص على حفظه واحرص على مراجعته، وإذا تفلت منك شيء فإنك على قدر جهدك تؤجر بإذن الله جل وعلا ولن تكون من الآثمين، إنما الذي يأثم من يُعرض عن القرآن ويقبل على غيره -والعياذ بالله- مع إمكانه أن ينال من القرآن خيراً عظيماً: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] نشتري لهو الحديث ونعرض عن القرآن، ونقول: إننا لو نسينا القرآن لأثمنا، ذلك من الفهم المنكوس المعوج! وقول الآخر: نسمع الأناشيد حتى لا نأثم في الانشغال عنها، نقول: اسمع القرآن وأنصت له يا أخي، وإذا بدا لك حديث فلو أوقفت المسجل وتحدثت مع من بجوارك وعدت إلى ذلك، ومن عود نفسه على شيء نفعه بإذن الله
وإن كلام الله أوثق شافع وأغنى غنى واهباً متفضلا
وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمر فتنجو من البلاء
ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ديماً وهطلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا
نعم ننصت للقيل والقال والكلام الزائد والناقص وقلّ إنصاتنا عن كلام الله، (ولكنها عن قسوة القلب قحطها) لو كانت القلوب لينة، ولو كانت المذاقات سليمة، لما ابتغت عن كتاب الله بديلاً، فنسأل الله أن يحبب إلينا وإليكم كلامه وكلام نبيه ﷺ .
следующие страницы →