← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تقسيم العصاة إلى مستور ومفضوح قال ابن رجب في تفصيل الكلام الذي مضى حتى لا يظن بعض الإخوة أن هذه دعوة لترك الفساد والمنكرات، وتهوين شأن أهل الحسبة والهيئات، والتثريب عليهم فيما يفعلون من الإمساك بالعصاة- يقول ابن رجب في تفصيل هذه المسألة: واعلم أن الناس على ضربين: أحدها: من كان مستوراً لا يُعرف بالمعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فإنه لا يجوز له هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها؛ لأن ذلك غيبة محرمة، وهو الذي فيه النصوص، ومثل هذا لو جاء تائباً نادماً وأقر لم يُفسر ولم يُستفسر منه، بل يُؤمر بأن يرجع فوراً ويستر على نفسه. وأما الثاني: فمن كان مشهوراً بالمعاصي، مُعلناً بها، داعياً إليها، لا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له في هذا، فذاك الفاجر المعلن وليس له ريبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره. أيها الأحبة! ينبغي أن نفرق فمن الناس من يقع في زلته الأولى أو خطيئته أو مشكلته التي وافقت أنها وقعت في يد أو في علم أو في اطلاع واحد من أهل الخير، الواجب حينئذٍ إذا لم يُعرف عن الرجل أنه من أهل الفساد ولا من أهل المعاصي ولا من الدعاة إلى الشر ولا من الدعاة إلى الخطيئة؛ فالواجب زجره بالموعظة، وتوبيخه بالنصيحة، والقول البليغ في حقه لعله يرتدع وينزجر ويُخوف، ثم بعد ذلك يُستر عليه حتى لا نتفاخر بأن كثيراً من المسلمين وقعوا في المعاصي، أو حتى لا يفشو أن هذا المجتمع قد بلغ به الفساد حتى فيمن يُظن بهم الخير. أما من كان داعية إلى المعصية، مروجاً لها، ناقلاً لها، مزيناً لها، كما يفعله بعض العصاة، تجده يعصي ويهتك ستر الله عليه ويجاهر ويأتي بالصور من الخارج، ويقول: هذه صورة مع الراقصة، وهذه صورة مع فلانة، وهذه صورة شرب، وهذه صورة منكر، وكنا في كذا، وفعلنا يوم كذا وكذ وكذا وطربنا وشربنا ورقصنا وسافرنا ورأينا وفعلنا وسهرنا وو الخ ثم يحض على المعصية ويدعو إليها، فذاك لا ينبغي تركه إذ أنه سوسة نخرة وسرطان في بدن الأمة فلابد من بتره وقطعه، إن لم تُفد فيه المواعظ والنصائح. قال الإمام مالك: "من لم يعرف منه أذىً للناس وإنما كانت منه الزلة فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عُرف بشر واشتهر به، أو فساد وعرف به فلا أحب أن يشفع له أحد، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحد" حكاه ابن المنذر وغيره. وقد ذكر النووي: أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به، أي: قد تكون في الرجل أمور من الفسق، فأمور جاهر بها وأمور سترها، فالأمور التي هي من الفسق التي سترها لا يجوز أن يعير بها جهاراً، والأمور التي من الفسق جاهر بها يعير أو يؤخذ بها جهاراً، وهذا من تمام الفقه والعلم. وإن النبي ﷺ لما جاء إليه المعترفون بأنفسهم، يأتيه ماعز، فيقول: يا رسول الله، زنيت فيدفعه ويقول: (لعلك قبلت، فيأتيه مرة أخرى فيقول: لعلك فاخذت فيأتيه مرة أخرى فيقول: لعلك كذا ثم يقول: انظروا بصاحبكم هل تشمون منه خمراً، أتعرفون عنه جنوناً؟) إن الإسلام لا يتشوف إلى هتك الأستار. بعض الناس يظن أن هذا الدين يتعطش لقطع الرقاب وقطع الأيدي، وأن الدين يتعطش لبطح الناس عند المساجد وجلدهم، وأن الدين يتعطش لفضح الناس أمام الملأ والمجامع، لا، ليس هذا من مقاصد الشريعة، بل إن من مقاصد التشريع الستر على الناس إلا من كان فاجراً ساعياً بالفساد بين المؤمنين فذاك رجل ينبغي أن يبعد وأن ينتبه لفسقه وشره. وإني أسأل الله جل وعلا بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل هذه الكلمات حجة لنا لا حجة علينا. ويا أيها الأحبة! أقولها مراراً: إن هذه الصحوة خاصة، والمسلمين عامة بحاجة إلى تربية في السلوك، إننا بحاجة إلى حُسن الخلق، إننا بحاجة إلى حُسن المعاملة، إن الأزمة أزمة معاملة والأزمة أزمة أخلاق، والمصيبة مصيبة أن كثيراً منا قد تعلم شيئاً كثيراً ولكن يجهل كثيراً من الخلق وحسن المعاملة.

стр. 667

الأسئلة

стр. 668

ضوابط في التعامل مع الوالدين السؤال فضيلة الشيخ سعد! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشهد الله أني أحبكم في الله، فضيلة الشيخ إني سلفي العقيدة، ولكن والدي ووالدتي يقعون في البدع ويحثوني عليها، وعلى الابتداع، وقد تعبت معهم في النصيحة حتى أن والدي ووالدتي يغضبان عليّ كثيراً لأنني سلفي، فماذا تنصحونني جزاكم الله خيراً؟ الجواب يا أخي الكريم! أسأل الله أن يحبك كما أحببتنا فيه، وإن من المصيبة أن يجد الإنسان من والديه وأقاربه أو جماعته من يصرون بإمعان وعناد على بعض البدع والأخطاء والضلالات. أما من الوالدين فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] بمعنى: أن أخطاءهم وبدعهم التي يقعون فيها لا تمنع من برهم، بل لا تسقط وجوب البر بهم، فواجبك أخي الكريم أن تأخذهم بالحسنى وباللين، وأن تسألهم حينما يدعوانك إلى بدعة من البدع أن تقول: ماذا تبتغون من هذه البدعة؟ يقولون: نريد الأجر والمثوبة. فتقول لهم: من الذي قال: إن فيها أجراً ومثوبة؟ فيقولون: إما أن ذلك عن الله أو عن رسوله ﷺ . فتقول: ولكن هذا لم يرد عن الله ولا عن رسول الله ﷺ ، بل ذلك مما ورد إما في الحديث الموضوع أو المكذوب أو في استنباط بعض الذين يستحسنون بعقولهم من الدين، وإنما الدين توقيف وعبادة واتباع وليس ابتداع، وإذا كنتم تريدون الأجر فعليكم بما كان عن الله وعن رسوله ﷺ . وأن تأخذهم باليُسر واللين والحكمة والموعظة الحسنة، لا تقل: يا أمي أنا سلفي وأنتي مجرمة، ويا أبي أنا سلفي وأنت كذا لا، إنما تأخذهم بالحسنى واللين، وداوم، بعض الناس يقول: نصحت فما استجيب لي. وإذا سألته كم مرة نصحت؟ قال: مرتين ونصف! يا أخي الكريم إذا كان أمر والديك يهمك بعناية واهتمام شديد، فإنك لن تألو جهداً في أن تصل إلى قلبيهما والتأثير عليهما بكل وسيلة من وسائل البر والهداية واللطف والكلمة الطيبة عسى الله أن يمنّ عليهم بالهداية، وإذا لم تتحقق الهداية المرجوة، فإن الله جل وعلا قد قال لنبيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] النبي كان يحب أن يموت أبو طالب على الإسلام، لكن أبا طالب مات مشركاً، خلافاً لما تزعمه بعض طوائف الضلال الذين ألفوا كتاباً وأسموه " أسنى المطالب في إسلام أبي طالب " ويدَّعون أنه من المسلمين.

стр. 669

نداء من البوسنة قبل هذا السؤال أخي الكريم! نداء جميل وطيب من إخواننا في مكتب الهيئة العليا، مفاده: أن إخواننا غير خافٍ عليكم ما يمر بهم في هذه الأيام من تسلط أعدائهم الكروات وأعدائهم الصرب وما هم فيه من مشقة في أحوالهم سواءً في مساكنهم أو في البرد الذي يمر بهم، أو مرض أطفالهم، أو موت عجائزهم وشيوخهم وكبارهم، لذا نهيب بإخواننا أن يتبرعوا لوجه الله جل وعلا، وكل في ظل صدقته يوم القيامة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] فأعينوا إخوانكم. وإني أبشركم -أيها الأحبة- أن الوضع منذ أشهر وليس منذ أسابيع قد تحول لصالح المسلمين في البوسنة والهرسك، وخذها قاعدة: إذا رأيت المفاوضات الدبلوماسية في أوروبا نشطة ومتحركة ومتتابعة لحل أزمة البوسنة والهرسك؛ فاعلم أن المسلمين في تقدم، إذا كان الكفار يذبحون في المسلمين تجد أن هذه المفاوضات تمشي مشي السلحفاة؛ أما إذا كانت الكفة لصالح المسلمين، فإن المفاوضات تمشي عجالاً، على الأقل يكسبون وقف إطلاق النار وهذا الكلام أنقله بما عرفت من كثير من المسئولين في حكومة البوسنة، ومنذ قرابة أسبوع جاءني أحد الشباب من أكثر من مدينة من سراييفو ومن جراشتا ومن زنيتسا ومن مستار ومن زرنيك ومن غيرها ويقول: إن الأوضاع لصالح المسلمين، إلا أن المسلمين في هذه المرحلة يركزون أولاً على القضاء على الكروات لماذا؟ لأن الكروات متداخلون مع المسلمين في كل شارع وسكة وطريق ومحل، وهؤلاء الكروات هم الذين دائماً ينقضون العهد ويدلون الصرب على المسلمين ويحددون المواقع، وهم شوكة في حلوق المسلمين في كل مكان؛ لأجل ذلك كانت الاستراتيجية الجديدة: القضاء على الكروات أولاً ثم تصفية الصرب ثانياً. ولذلك المعارك الآن بنسبة كبيرة جداً لا تقارن بين الكروات والمسلمين أكثر منها بين المسلمين والصرب. الأمر الآخر: أن كثيراً من الصرب ولله الحمد والمنة -وهذه بشارة- صاروا يبيعون الأسلحة ويبيعون الذخيرة، عندك مال أعطه الثقات أو اذهب أنت بنفسك معهم فهم مستعدون أن يجعلوك تقابل قائداً صربياً يبيعك دبابة ويبيعك ذخيرة ويبيعك أسلحة ويبيعك ناقلات، بل إن بعض قوات الأمم المتحدة يبيعون الوقود، بل قال بعضهم لأحد ضباط الأمم المتحدة: أما تخشى أن يعلم رؤساؤك بك؟ قال: إذا علموا فذلك ما كنت أبغي؛ لأني بعت لكم معاشر المسلمين من الوقود الشيء الكثير بأموال أتمنى أن أُفصل بسببه من الخدمة فأستمتع بالأموال التي جمعت! أكثر ما عندهم أن يعطوا عقوبة أو سجن أيام أو أشهر ثم يعود ليستمتع بالأموال التي جمعها، قال: وبقائي في المعركة خطأ، ولذلك إذا رأيتم الأعداء يبيعون السلاح ويتاجرون بأسلحتهم فاعلموا أن واقع المسلمين في خير، خاصة بعد تلك المحاولة الناجحة التي قادها عدد من الشباب العرب المسلمين، واستطاعوا أن يختطفوا نائب القائد الكرواتي في ليلة ليلاء، كما ذهب محمد بن مسلمة وجر كعب بن الأشرف من معصمه واستنزله من عُصم منزله، وأخذوا ذلك القائد ودخلوا به أسيراً، وأبلغوا قوات الأمم المتحدة، فجاءت الأمم المتحدة تفاوض على إخراجه قالوا: لا نسلمه لكم إلا رأساً على طبق إن لم تخرجوا لنا إخواننا الأسرى من العرب وغير العرب، وفعلاً تمت عملية المبادلة وسجلت بالفيديو وثائقياً ورأيتها بعيني. بعد تلك الحادثة أصبح كل مجموعة من الشباب يشتهون أعمالاً ومغامرات جميلة، الذي يذهب ويسرق له (نقيباً)، والذي يسرق له (ملازماً أول)، والذي يخطف له (ضابطاً) فقط، وآخر يذهب ويخطف (عريفاً) أو (جندياً) فيقولون: لم تأت بشيء، احضر واحداً محترماً! فالحاصل أن إخوانكم بحمد الله في تقدم. وأيضاً يقول أحد المسئولين في الحكومة البوسنية: قتلى الصرب من العسكريين أكثر من قتلانا العسكريين المسلمين، وقتلى المسلمين المدنيين أكثر من قتلى الصرب المدنيين لماذا؟ لأن الصرب في المعارك يموت منهم الكثير والمسلمون لا يضربون على مواقع مدنية آمنة، لكن الصرب يضربون المدينة ضرباً بالصواريخ وبالطائرات حتى تكون خراباً يباباً ثم يتجولون في الأسواق ويقولون: انتصرنا هذا ليس انتصار! مدينة تُضرب بالطائرات والمدافع الثقيلة سبعة أيام أو عشرة أيام ثم يدخلها الصرب يرفعون السلاح وهي مدينة فارغة! هذا كالذي قال: أنا قتلت ذلك الضابط. قال: لماذا لم تقطع رأسه؟ قال: وجدت رأسه مقطوعاً. فليست شجاعة أن يفتخروا أو يعدوها شجاعة في الانتصار على مدن فارغة خالية ليس فيها من الجنود أحد، والخلاصة وما وصلنا إليه أن تتبرعوا والصناديق عند الأبواب جزاكم الله خيراً.

стр. 670

حكم هجر القرآن خشية النسيان السؤال إن كثيراً من الشباب يقول: أنا لا أريد أن أحفظ شيئاً من القرآن مخافة أن أنساه، وقد يكون الشباب في سيارة فعندما يريد أحدهم أن يشغل جهاز التسجيل على القرآن يقول الآخر: نشغله على الأناشيد لأن القرآن لن ننصت له فما هي نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟ الجواب أولاً: يا أخي الكريم! هذه ملاحظة في بعض الأسئلة: "السماحة" لمن بلغ هذه الدرجة وهو سماحة الشيخ عبد العزير بن عبد الله بن باز أو من كبار العلماء كالشيخ ابن عثيمين متع الله بهم على طاعته، أما شأني وشأنك فقل: يا أخي، وعسانا أن نبلغ درجات الأخوة، كلمة "الشيخ" أيضاً كبيرة و"فضيلة" و"صاحب الفضيلة هذه كلها كبيرة، فيا أخي الكريم ينبغي أن نعرف قدر بعضنا ببعض، ووالله لو مدحتني أو مدحتك كل منا أدرى بذنوبه وبعيوبه ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤]. أما ما يقوله البعض أنه يُعرض عن القرآن مخافة أن ينساه، نقول: أنت احرص على حفظه واحرص على مراجعته، وإذا تفلت منك شيء فإنك على قدر جهدك تؤجر بإذن الله جل وعلا ولن تكون من الآثمين، إنما الذي يأثم من يُعرض عن القرآن ويقبل على غيره -والعياذ بالله- مع إمكانه أن ينال من القرآن خيراً عظيماً: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] نشتري لهو الحديث ونعرض عن القرآن، ونقول: إننا لو نسينا القرآن لأثمنا، ذلك من الفهم المنكوس المعوج! وقول الآخر: نسمع الأناشيد حتى لا نأثم في الانشغال عنها، نقول: اسمع القرآن وأنصت له يا أخي، وإذا بدا لك حديث فلو أوقفت المسجل وتحدثت مع من بجوارك وعدت إلى ذلك، ومن عود نفسه على شيء نفعه بإذن الله وإن كلام الله أوثق شافع وأغنى غنى واهباً متفضلا وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمر فتنجو من البلاء ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ديماً وهطلا ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا نعم ننصت للقيل والقال والكلام الزائد والناقص وقلّ إنصاتنا عن كلام الله، (ولكنها عن قسوة القلب قحطها) لو كانت القلوب لينة، ولو كانت المذاقات سليمة، لما ابتغت عن كتاب الله بديلاً، فنسأل الله أن يحبب إلينا وإليكم كلامه وكلام نبيه ﷺ .

стр. 671

من هدي النبي ﷺ في المحادثة والسماع والمزاح السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذه فتاة تبلغ من العمر عشرين سنة، ولقد رزقها الله بشاب صالح ولله الحمد، وسؤالها هو: إن زوجها -هداه الله- دائم الذكر لا يفتر عن ذكر الله حتى مع والديه، في أي محل وفي أي مكان، ولا يدع لها مجالاً في التحدث معه، بل يقول: اذكري الله، وإذا ركبت السيارة يذكرني بالله، وإذا أردت أن أتحدث معه قال لها: يا امرأة اتقي الله ودعكِ من الدنيا. ولا يحدثها محادثة الزوج مع زوجته فهل من نصيحة جزاكم الله خيراً؟ الجواب والله نقول لأخينا هذا: أسأل الله أن يجعلنا وإياك وزوجتك والسامعين والسامعات من الذاكرين الله والذاكرات، ونقول: إن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، فقد كان النبي ﷺ أكثر الصحابة ذكراً ومع ذلك كان يمازح صحابته، ويحدث صحابته، ويكلم عائشة ويؤانس زوجاته، ويتحدث معهم، ويداعب الصبيان ويلاعبهم ويحملهم ويسلم عليهم. فما أظنك وما أخالك يا أخي ستكون أبلغ وأكمل هدياً وسمتاً من نبيك ﷺ ؟! تقول عائشة: (كان رسول الله ﷺ يكون في بيته في حاجة أهله، يخصف نعله، ويحلب شاته، وإذا دُعي أو أقيمت الصلاة قام كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه). كان الرسول ﷺ يمازح الصحابة ويتحدث معهم، كان يستمع الشعر، وقال ذات يوم لـ أبي بكر الصديق: يا أبا بكر هل معك من شعر أمية من شيء؟ قال: نعم. قال: هيه -أي: أسمعني- فأسمعه بيتاً. ثم قال: هيه! فأسمعه ثانياً، فقال: هيه! فأسمعه ثالثاً، حتى أسمعه مائة بيت، فقال ﷺ : (كاد أمية أن يُسلم، أسلم شعره وكفر قلبه) وكان ﷺ يسمع الشعر، ولما جاءه كعب بن زهير يغنيه قصيدة غزلية في المسجد: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحول أتى بقصيدة كلها غزلية، فما قال النبي ﷺ : اذكر الله اذكر الله لا تسمعنا، اذكر الله اذكر الله، بل سمع القصيدة حتى بلغ قوله: نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول إلى أن قال: وقال كل خليل كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول قصيدة جميلة واستمع لها النبي ﷺ ، وكان ﷺ ربما تمثل شيئاً من الشعر فلا يستطيع، كان في غزوة بدر وهو من الشجعان الكارين على أعداء الله في الجهاد في سبيله، يلتفت وبجواره أبو بكر الصديق فيقول ﷺ : ونفلق هاماً ويقف لا يعرف بقية البيت، فيقول أبو بكر: ونفلق هاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما وذات يوم أراد النبي ﷺ أن يتمثل بشعر العباس بن مرداس السلمي الذي صفته الحقيقة: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان عباس في مجمع فالنبي يريد أن يتمثل بهذا فيقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع فيقول أبو بكر الصديق ﵁: أشهد أنك لرسول الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] أي: ما قال النبي ﷺ بيتاً شعرياً كاملاً على حله بكماله وتمامه، وذلك لأن الله قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩]. فيا أخي الكريم! هذا رسول الله يسمع الشعر ويقول جزءً أو شطراً من البيت، ويحدث أصحابه، ويؤانس أهله، ويسلم على الصبيان ويداعب الصغار وما قال: إني مشغول عن هذا كله. فأسأل الله لي ولك مزيداً من الذكر، ولكن اعط زوجتك حقها، فإن لأهلك عليك حقاً، وإلا يُوشك أن تنفر منك هذه الزوجة، ثم الله يعينك على المشروع الخيري لمساعدة المتزوجين متى سيصل دورك!

стр. 672

الحياء لا يأتي إلا بخير السؤال شيخنا الفاضل! غفر الله لك، إني أحبك في الله، وسؤالي: إني إذا سلمت على بعض الناس أنزل رأسي في الأرض حياءً منه، فهل هذا من سوء الخلق؟ الجواب الحياء لا يأتي إلا بخير، بعض الناس تجد عنده حياءً لدرجة أنه لا يستطيع أن يلقي بعينه في عين من حدثه، إذا كان هذا من باب الحياء، فسمع النبي ﷺ رجلاً يُكثر على صاحبه في الحياء، فقال: (دعه، لا تكثر عليه، إن الحياء لا يأتي إلا بخير). فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء فالحياء كله خير، ومن الناس وأنا أعرف أناساً فعلاً فيهم خجل عجيب وعجيب جداً، وكان ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، كان ﷺ -بأبي هو وأمي- من أشد الناس حياءً، والله يا إخواني نحن ربما أهمتنا سير بعض المتأخرين والمتقدمين، ولكننا نجهل سيرة النبي ﷺ ، نحن بأمس الحاجة إلى أن نقرأ دقائق تفاصيل سيرة المصطفى ﷺ ، وإنك والله إذا قرأت سيرته لتشعر أنك تعيش معه وتعيش بجواره، وتنظر إلى عذوبة لفظه وطيب أخلاقه ولين معشره وحلاوة كلامه ﷺ ، يقول أنس بن مالك: [خدمت النبي ﷺ عشر سنين، والله ما نهرني ولا كهرني، وما قال لي فيما فعلت: لمَ فعلت؟ وما لم أفعل: لم لم تفعل؟] وكان يقول: (يا أنيس) يداعبه ويلاطفه بالكلام الطيب ﷺ . فالحياء كله خير ولكن كان ﷺ أشد الرجال وأقوى الرجال وأشجع الرجال وأغير الرجال إذا انتهكت محارم الله جل وعلا، بعض الناس يعد من الحياء أن يترك قوماً لا يشهدون الصلاة، يقول: تركتهم حياءً منهم، ويجد أناساً على منكر فيتعداهم ويقول: استحيت أن أنصحهم، ويجد آخرين يقترفون المعصية ويتركهم ويقول: حياءً منهم لا، ليس هذا من الحياء ألبتة.

стр. 673

ضوابط في التعامل مع العصاة السؤال أنا إنسان بيني وبين أشخاص غير ملتزمين بالدين خصومة، فهل أرجع لهم وأصالحهم؟ الجواب والله يا أخي الحبيب هناك فرق بين الخصومة والمجالسة، نحن حينما نقول: أن يكون الواحد طيب البشر لين الجانب يخفض الجانب لإخوانه حتى للعصاة من باب تحبيب قلوبهم إليه ودعوتهم بالحسنى لا يعني ذلك أن يجالسهم مجالسة المتلذذ المتأنس بمعاصيهم ومنكراتهم، أقوام يعصون الله جل وعلا تمر عليهم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وابتسامة طيبة، وكيف حالكم، وكيف أولادكم؟ يا إخواني أوما تعلمون أن الله حرم هذا؟ يا أحبابي! أوما تعلمون أن النبي ﷺ قال كذا وكذا، يا أحبابي أوما تخشون الله جل وعلا، إن الله متعكم بكلام طيب، فإن بعض الناس بمجرد أن يرى نصيحة ينتهي عن المنكرات. لا يا أخي الكريم! حين تجد مثل هؤلاء فتخالطهم من باب دعوتهم إلى الله جل وعلا، أما مخالطتهم والأنس بهم، تتعشى معهم وتسهر معهم، وذهاب وإياب، أصبحت هذه مجالسة ومخاللة، اتخذتهم أخلاء، وتلك خطورة عظيمة والعياذ بالله. انتبه لنفسك وفرق بين هذا وهذا، فرق بين المقابلة والمعاشرة، المعاشرة والمصاحبة شيء، والمقابلة باللين والحسنى شيء آخر، فأصحابك هؤلاء إن أردت أن ترجع إليهم مرة أخرى من باب النصيحة، وتعود معك بطالب علم أو بشريط أو بكتاب، أو إخوة يعينون على نصحهم فيا حبذا، وأنت أدرى بنفسك، لئن كان جسمك بالبنزين مبللاً فلا ترجع إلى مواقع يتطاير منها الشرر، فربما انفجر الحريق في بدنك، وإن كنت تعلم أن المعاصي جفت من بدنك تماماً وأنك بعد الآن عندك حصانة وسلامة من الاحتراق بإذن الله، قوي في إيمانك وفي نصيحتك فلا بأس أن تغدو إليهم وعليهم وتنصحهم، ولكل مقام مقال، وصاحب المقام هو الذي يفسر ما يحتاج إليه المقام من عبارة وتصرف.

стр. 674

الصلاة من توقير الله وخشيته إقامة الصلوات والمحافظة عليها جماعة، ولكن الناظر إلى حال الأمة يجد التهاون في إقامتها بل وأحوال سيئة لا ينبغي أن يكون عليها المصلون. في هذا الدرس تجد الشيخ قد تحدث عن ذلك؛ إضافة إلى رسالة الشيخ ابن باز في الصلاة، والتحذير من تركها جماعة.

стр. 675

توقير الله وخشيته إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحدٌ في ربوبيته، فهو الخالق المدبر المتصرف المحيي المميت الرازق الباسط الخافض المعز المذل، بيده كل شيء وهو على كل شيءٍ قدير. هو الواحد في ربوبيته وألوهيته، فالصلاة له والسجود له، والحلف به، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والحاجة فيما عنده، والرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، وكل عبادةٍ دقت أو جلت فهي لوجهه سبحانه، لا يجوز صرفها لغيره. أشهد أن لا إله إلا الله واحدٌ في أسمائه وصفاته، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، نثبتها له سبحانه على الوجه الذي يليق به، آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، كان بنا براً رءوفاً رحيماً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، واعلموا أن التقوى: العمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. اعلموا أن التقوى: أن تعبد الله على نورٍ وهديٍ من الله ورسول الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، لخوفٍ وخشيةٍ من الله جل وعلا، وأن تتجنب ما يُسخط الله جل وعلا، تعظيماً لجلال الله، عرفاناً بقدر الله جل وعلا: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣]. أين النفوس التي تعرف الوقار للبشر، ولا تعرف الوقار لرب البشر؟! أين النفوس التي تعرف الهيبة من الرجال ولا تعرف الهيبة من رب الرجال؟! أين النفوس التي ترتعد فرائصها من ذكر فلانٍ وعلان ولا تضطرب خشيةً أو خشوعاً لذكر الله جل وعلا؟! يخوفونك بالذين من دونه فتخاف ويخوفونك بالله فلا تخشى؟! حاشا وكلا، معاذ الله أن يقوم في النفوس خوفٌ للبشر أعظم من الخوف من الله! معاذ الله! أن يقوم في النفوس رغبةٌ ورهبةٌ وإنابةٌ لبشرٍ أعظم وأكبر من الرهبة والإنابة من الله جل وعلا!: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠٢] هو أهلٌ أن يُخشى وأهلٌ أن يُذكر فلا ينسى، وأهلٌ أن يُطاع فلا يعصى. سبحانك ربنا! ما عبدناك حق عبادتك، سبحانك ربنا! ما شكرناك حق شكرك، سبحانك ربنا! ما أحلمك على عبادك، سبحانك ربنا! ما أوسع مغفرتك ورحمتك، كتب ربكم على نفسه الرحمة ورحمته سبقت غضبه، ومننه على العباد متتابعة، ومعاصي العباد إليه مرفوعةٌ متتابعة، ومع ذلك فهو يستر ويغفر ويقول لعبده: هلم إليّ عبدي، ويقول تعالى في محكم كتابه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣].

стр. 676

ترك صلاة الجماعة ينافي التوقير معاشر المؤمنين! إن كثيراً من الذنوب والمعاصي التي يقترفها كثيرٌ من الخلق في هذا الزمان، الباعث على تسلطها في نفوس أصحابها ألا وقار ولا هيبة حق الهيبة والخشية من الله جل وعلا، والدليل على ذلك أن الواحد من البشر ربما استحى أن ينظر إليه خادمه وهو يقارف معصيةً من المعاصي، ولا يستحي من رب العباد! ربما أحدهم يتوارى عن الطفل والمرأة والصغير عند ذنبٍ من الذنوب، ولا يبالي بأن الله لا يعزب عن علمه مثقالُ ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، وإن من الذنوب والمعاصي، التي عم البلاء بها في هذا الزمن من كثيرٍ من المسلمين ترك الصلاة مع الجماعة، تلك الفريضة الجليلة التي تلقاها النبي في المعراج من ربه بلا واسطة، تلك العبادة الجليلة التي هي مقياس الإيمان والنفاق في نفوس الناس، وكثيرٌ من العباد ونعوذ بالله أن نكون منهم في عداد المنافقين ولا يعلمون، لأن من صفات المنافقين التهاون بالصلاة، لا يذكرون الله إلا قليلاً: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]. والنفاق معاشر المؤمنين! من أعظم الدلالات عليه: أن يجد العبد في نفسه تثاقلاً عند القيام إلى الصلاة، نعم فالصلاة كبيرة وعظيمة إلا على الخاشعين: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] عظيمةٌ جداً ثقيلةٌ على النفوس التي تتكلفها. أما الذين يجاهدون نفوسهم لأجلها، أما الذين يجدون حرباً مع الشيطان عند القيام إليها، فأولئك على دلالة خير، لأن المجاهدة سبيل الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 677

حال الناس مع الصلاة جماعة الصلاة مع الجماعة أمرٌ تَساهل به كثيرٌ من الناس، ولو صلى الناس كلهم الصلاة مع الجماعة ما رأيت في مسجدٍ موطأ قدمٍ خالٍ من مصلٍ راكعٍ أو ساجدٍ أو مسبحٍ أو خاشع، ولكن الصلاة تشكو إلى ربها قلّةَ عمارها! اشتغل الناس بدنياهم، اشتغل الناس بأعمالهم، اشتغل الناس بتجارتهم، تزخرف القوم لمجالسهم، تبسم القوم لبعضهم في مجالس لهوٍ وغفلة وطرب. وكثيرٌ من الناس اشتغل بملهاةٍ لا تنفع ولا تشفع، وثقلت عليه الصلاة، إذا سمع النداء تثاقلت نفسه واضطربت، لا خشيةً أو خشوعاً، وإنما ضعفاً وخموداً وكسلاً، وحينما يسمع عزفاً لمطربٍ يهواه، أو لقينةٍ يطرب لأغانيها، اضطرب وتهلل وجهه، وصدق ابن القيم ﵀ فيما أورد في إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، حيثُ قال: تلي الكتاب -القرآن- وسُمع النداء وارتفع الأذان: تلي الكتاب فأطرقت أسماعهم لكنه إطراق ساهٍ لاهي وأتى الغناء فكالحمير تراقصُوا والله ما طربُوا لأجل الله دفٌ ومزمارٌ ونغمة شادنٍ فمتى رأيت عبادةً بملاهي ثقل الكتاب عليهمُ لما رأوا تقيده بأوامرٍ ونواهي ورأوه أعظم قاطعٍ للنفس عن لذاتها يا ذبحها المتناهي نعم كثيرٌ من الناس عند الصلاة إن قام إليها قام وليس مقامه قول القائل: أرحنا بها، وإنما يقول: أرحنا منها أرحنا منها، أقمها وانقر ركوعها، واستعجل سجودها، ولا تخشع في أركانها، ولا تطمئن في صفاتها وأوضاعها، دعنا ننتهي منها، هذه عبادة المتخلصين، هذه عبادة الذين يتبرمون، وإن مثل هذه العبادة لا تنفع صاحبها.

стр. 678

مصلون ولكن إن العبادة الحقة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]. ما بال بعض المصلين يرابي في البنوك! أين الصلاة التي تنهاه عن المنكر وتأمره بالمعروف وتزجره عن الفحشاء؟! ما بال بعض المصلين! العبث واللهو والمجون في بيته؟! ما بال بعض المصلين يصلي مع الناس في المساجد، ولسانه سليطٌ حاد على أولياء الله والدعاة إلى الله؟! ما بال بعض المصلين يصلي في المسجد أو يصلي كما ينقرها من يصلي، وتراه والعياذ بالله في وادٍ وهدي النبي ﷺ في وادٍ؟! لسانه مولع بالشتيمة، وقلبه مشربٌ بالفساد، وروحه متعلقةٌ بالمال، وأقصى أمانيه عرضٌ من الدنيا يسير، ومتاعٌ زائل، وحطامٌ فان! أهذه الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر؟! أين الصلاة يا عباد الله! أرونا صلاةً عند كثير من إخواننا في هذا الزمان؟! معاذ الله! أن نكون أمةً أوتينا النعم، فقابلناها بالجحود، وأوتينا الهدى، فقابلناه بالضلالة، وتبصرنا الصراط فتنكبناه إلى الغواية. معاذ الله! أن نكون أمةً أخذت الذي هو أدنى بالذي هو خير، نعوذ بالله أن نكون كذلك.

стр. 679

حال السلف مع الصلاة إن عروة بن الزبير ﵁ أصابته الآكلة -داءٌ يسري في شيءٍ من أطراف البدن- في بدنه، وفسد لحم رجله، وأصبحت على حالٍ من الضعف والمرض لابد من قطعها وبترها. قال الأطباء: يا عروة لو شربت مسكراً يزيل عقلك قليلاً حتى نقطع رجلك في حالٍ لا تشعر بها، فقال: [معاذ الله! أن أتداوى بحرام، إن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها!!]. فقالوا: لو تناولت شيئاً يغيب عقلك قليلاً (البنج ونحوه) فقال: [لا أغفل ساعةً عن ذكر الله أبداً] فقالوا: إن الآكلة تسري في جسدك ولابد من قطع رجلك، فماذا ترى؟ قال: [أنظروني! فإذا دخلت في الصلاة واستغرقت فيها فافعلوا ما بدا لكم] فلما دخل في صلاته واستغرق فيها واتصل بأسباب السماء، وغاب عن شهود أمور الدنيا، جاءوا إليه بسكينٍ كالجمر قد حميت على النار، تلتهب لما حولها، فوضعها على اللحم من ساقه، فجعلت اللحم يذوب في لحظات حتى بلغت العظم، ثم أتوا بالمنشار، وقد حمي أيضاً على النار، وجروا المنشار على عظم ساقه، فقطوعها، ولما بلغ المنشار نخاع ساقه، غُشي عليه ﵀. فلما أفاق وقد رأى ما بقي من رجله قد جُعل في زيتٍ وضمد من جراحه، قالوا: قد قطعنا رجلك، فقال: ائتوني بها، فلما جئ بها إليه، أخذها بين يديه وقبلها وقال: [الحمد لله أني لم أمش بها إلى فاحشة، الحمد لله أني ما مضيت بها إلى معصية]. لعمرك ما أدنيت كفي لريبةٍ ولا سبقتني نحو فاحشةٍ رجلي هكذا كان شأن الأوائل! كان ﷺ إذا صلى سمعوا له ولصدره أزيزاً كأزيز المرجل، وكان أبو بكر ﵁ رجلاً أسيفاً، إذا صلى بالقوم في جهريةٍ بكى في صلاته، فلا يسمع الناس صوته من نشيجه وبكائه، وصلى عمر فلما بلغ قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠]. سقط وعاده الناس أسبوعاً في بيته، هكذا كانت القلوب، وهكذا كانت إقامة الصلاة، وأما في هذا الزمن، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان، ولا حول ولا قوة إلا به!

стр. 680

واقع صلاة الفجر جماعة أين الناس في صلاة الفجر؟! ما الذي أخرهم عنها؟! ما الذي شغلهم عن صلاة الفجر؟! مسلسل! فلمٌ من الأفلام! شريطٌ من الفيديو! عبثٌ في البلوت! ماذا ترك الناس من الخير والفضل لأجل سهرٍ لا فائدة فيه. يسهر كثيرٌ من الناس، ويجعلون ساعاتهم مصوبةً عند وقت الدوام، أما الساعة السابعة فهي ساعةٌ مقدسة، لا يُمكن عند بعض الناس أن يتزحزح عنها أنملة، لا يستقدم عنها لحظةً ولا يتأخر عنها، أما صلاة الفجر، فالله المستعان!! والله يا عباد الله! لو أن الناس يعاقبون على التهاون بترك الصلاة مع الجماعة، ولو بلفت نظر، في ملف وظيفته، ويكون حضوره الصلاة مع الجماعة مقياسٌ وشهادةٌ وضابطٌ لترقيته، ولعلاوته، ولتقليده المهمة، ولتوليته المنصب، ولأجل ترفيعه من رتبة إلى رتبة، لو يجدون عرضاً قريباً أو سفراً قاصداً لحضروها، ولكن لأن الصلاة لا تجد من يسأل عليها، ولا تجد من يناقش لتركها.

стр. 681

إقامة الصلاة دليل التمكين تساهل كثيرٌ من الناس بالصلاة، ونحن أمة أُمرنا بأن نقيم الصلاة، وما مُكنا في الأرض إلا لإقامة الصلاة، وإن تركنا إقامتها بالمعنى الشرعي فحريٌ -ومعاذ الله أن نكون كذلك- أن يُزال عنا ما نحن فيه من تمكين: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. نعم، إن كنا نريد مزيداً من الطمأنينة، ومزيداً من الحفظ، ومزيداً من التأييد والنعم، فعلينا بإقامة الصلاة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]. أن يأمر كل واحدٍ منا ولده، وأهل بيته، أن يكون لبيوتنا صوتاً وجلبة، وصوتٌ للدعاء إلى هذه العبادة مع صلاة الفجر، أما حينما ترى الناس في الفجر من جهة هذا الصوب واحدٌ يمشي، وآخرٌ يمشي في ستر الظلام، وثالث ينحطُ مسرعاً، والله إن الواحد حينما يرى الناس آحاداً فرادى، غرباء في ساعة الفجر، يمرون في هذا الشارع إلى المسجد، إنك لتدعو الله لهم، وتقول: أسأل الله أن ينور وجوههم بطاعته، وتقول: (بشر المشائين إلى المساجد في الظلم، بالنور التام التام عند الله يوم القيامة). ولكن ما أقل المشائين إلى المساجد في الظُلم، أين المشاءون إلى الملاعب؟! مئات الآلاف! أين المشاءون إلى الأسواق؟! مئات الآلاف! اين المشاءون إلى الملاهي؟! مئات الآلاف! أين المشاءون إلى المساجد تعدهم على رءوس الأصابع!! وأكبر دليلٍ على هذا أن تحصر عدد السكان في حيك، وانظر عدد المصلين تجد (٣٠%) من أعضاء الحي لا يصلون أبداً، صلاة الفجر لا يشهدونها وبقية الصلوات قد يصلونها في البيوت، وهذا تركٌ لسنن الهدى، والصلاة مع الجماعة من سنن الهدى، ومن تركها فقد ترك هدى المصطفى ﷺ .

стр. 682

عذر من يتركون صلاة الجماعة الذين لا يشهدون الجماعة في المسجد، نسألهم بالله ما عذرهم؟ أهم من المعوقين أو المشلولين؟! لا والله! الواحد منهم لو ركل برجله جاريةً لسقطت، لو ركل برجله ساريةً أو عموداً لسقط من قوة بدنه، ولكنه أضعف مخلوقٍ عندما يسمع "حي على الصلاة، حي على الفلاح" والمصيبة أن بعضهم يدعي كمال الإيمان، ويثني على نفسه بمناقب المهاجرين والأنصار، حينما يتحدث وهو لا يشهد هذه الصلاة مع الجماعة، أهو مكفوف البصر، إن النبي لم يأذن لكفيف البصر أن يصليها في بيته. جاءه الرجل قال: (يا رسول الله! كبيرٌ في السن، كفيف البصر، طاعنٌ في العمر، ليس لي قائدٌ يقودني، الطريق إلى المسجد كثيرة الهوام والدواب والسباع، هل أصلي في بيتي يا رسول الله؟! قال: نعم، فلما ولى دعاه أخرى فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: إذاً فأجب). ولو جازت الرخصة لأحدٍ أن يصلي في بيته، لجازت لذلك الكفيف الذي لا يجد قائداً، لجازت لذلك الكبير الذي لا يجد من يدله في طريق مخوفةٍ بالهوام والسباع!! فيا عباد الله! ما الذي يُشغلنا عن صلاة الفجر؟ مسلسل السهرة؟! لو كان عندنا سفرٌ إلى بلادٍ قريبةٍ أو بعيدة، أو انتدابٍ يفوت الإقلاع في وقته، لجعلنا ثلاث ساعات، ساعة عند السرير، وساعة عند الباب، وقنبلة عند البوابة، حتى لا يفوت الإنسان الخروج إلى هذه المناسبة، أو إلى ذلك الانتداب، أو لتلك المصلحة. أما صلاة الفجر فهي كما يقولون: على حالٍ من البركة، وليس في الترك والتهاون بركة، إن قام لها قام لها، وإن صلاها في البيت صلاها في البيت، وإن صلاها في البيت في وقتها، أو صلاها بعد طلوع الشمس صلاها. يا عباد الله! إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، لو رأينا مدرساً يأتي إلى مدرسته عصراً، والناس يدرسون صباحاً فهل نقبل عمله! لو رأينا موظفاً يأوي إلى مكتبه في الليل والناس يداومون في الصبح، هل يقبل عمله؟ لا والله، فما دمنا لا نتساهل في حقوق البشر الضعفاء المخلوقين المساكين، فكيف نتهاون بحقوق رب البشر!! كيف نتهاون بها! وهي أوقاتٌ يسيرة من العمر، عشر دقائق، والله لو حسبت الصلاة منذ الإقامة حتى التسليم لوجدتها لا تتجاوز ربع ساعة أو عشر دقائق، وحريٌ بالمسلم أن يُبكر إليها؛ ليستغفر وينيبَ ويسبح ويهلل ويكبر ويغسل درن قلبه من الذنوب والمعاصي. أسأل الله جل وعلا ألا نكون من المنافقين، أسأل الله ألا نكون من المنافقين، أسأل الله ألا نكون من المنافقين الذين ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 683

رسالة من ابن باز إلى الأمة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار؛ عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة! بين يدي رسالةٌ من إمامٍ جليل، أجمعت القلوب على حبه، وتواطأت النفوس على التقرب إلى الله بمودته، وتواطأ الخلائق في مشارق الأرض ومغاربها على السؤال عنه، والطمأنينة لعلمه، والدينونة إلى الله جل وعلا بحبه في الله ولله، ذلكم سماحة العلامة مفتي العصر، إمام الدنيا، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وجه رسالةً إلى المسلمين أجمعين، مما لاحظ ورُفع إلى سماحته من تهاون المسلمين بالصلاة مع الجماعة. فقال حفظه الله ومتع به على طاعته: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين وفقهم الله لما فيه رضاه، ونظمني وإياهم في سلك من خافه واتقاه، آمين سلامٌ عليكم ورحمه الله وبركاته أما بعد: فإن من المنكرات الظاهرة ما يفعله الكثير من الناس، من التساهل بأداء الصلاة في الجماعة، والتهاون بذلك، ولا شك أن ذلك منكرٌ عظيم، وخطره جسيم، فالواجب على أهل العلم التنبيه على ذلك، والتحذير منه، لكونه منكراً ظاهراً!! لا يجوز السكوت عليه، ومن المعلوم أنه لا ينبغي للمسلم أن يتهاون بأمرٍ عظّم الله شأنه في كتابه العظيم، وعظّم شأنه رسوله الكريم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، ولقد أكثر الله سبحانه من ذكر الصلاة في كتابه الكريم، وعظّم شأنها، وأمر بالمحافظة عليها وأدائها في الجماعة، وأخبر أن التهاون بها والتكاسل عنها من صفات المنافقين، فقال تعالى في كتابه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]. وكيف تعرفُ محافظة العبد عليها؟ وتعظيمه لها وقد تخلف عن أدائها مع إخوانه! وتهاون بشأنها! قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وهذه الآية الكريمة نصٌ في وجوب الصلاة مع الجماعة، والمشاركة للمصلين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط، لم تظهر مناسبةٌ واضحة في ختم الآية بقوله سبحانه: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢]. فأوجب سبحانه أداء الصلاة في الجماعة حتى في حال الحرب؛ فكيف في حال السلم، ولو كان أحدٌ يُسامح في ترك الصلاة في جماعة، لكان المصافون للعدو والمهددون بهجوم العدو عليهم، أولى بأن يُسمح لهم في ترك الجماعة، فلما لم يقع ذلك؛ عُلم أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، ولا يجوز لأحدٍ التخلف عن ذلك، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً أن يصلي بالناس، ثم أنطلق برجالٍ معهم حزمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم) الحديث. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافقٌ عُلم نفاقه، أو مريض وإن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة). وفيه أيضاً عنه قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هذه الصلوات حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنها من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يُصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجلٍ يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوةٍ يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! ليس لي قائدٌ يلازمني إلى المسجد، فهل لي رخصةٌ أن أصليّ في بيتي؟ فقال له النبي ﷺ : هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجبه) وصح عنه ﷺ أنه قال: (من سمع النداء فلم يأتِ؛ فلا صلاة له؛ من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له؛ من سمع النداء فلم يأتِ؛ فلا صلاة له إلا من عذر). قيل لـ ابن عباس ﵄: [ما هو العذر؟ قال: خوفٌ أو مرض] والأحاديث الدالة على وجوب الصلاة في الجماعة، وعلى وجوب إقامتها في بيوت الله، التي أذن الله أن تُرفع، ويُذكر فيها اسمه كثيرةٌ جداً، فالواجب على كل مسلمٍ العناية بهذا الأمر والمبادرة إليه، والتواصي به مع أبنائه وأهل بيته وجيرانه وسائر إخوانه المسلمين، امتثالاً لأمر الله ورسوله، وحذراً مما نهى الله عنه ورسوله، وابتعاداً عن مشابهة أهل النفاق، الذين وصفهم الله بصفاتٍ ذميمة، منها تكاسلهم عن الصلاة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤٢ - ١٤٣]. ولأن التخلف عن أداء الصلاة في الجماعة من أعظم الأسباب إلى ترك الصلاة بالكلية، ومعلومٌ أن ترك الصلاة كفرٌ وضلالٌ وخروجٌ عن دائرة الإسلام؛ لقول النبي ﷺ : (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر ﵁، وقال ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) رواه الخمسة عن بريدة الأسلمي بإسنادٍ صحيح، والآيات والأحاديث في تعظيم شأنها ووجوب المحافظة عليها، وإقامتها كما شرع الله، والتحذير من تركها كثيرةٌ ومعلومة، فالواجب على كل مسلمٍ أن يحافظ عليها في أوقاتها، وأن يُقيمها كما شرعها الله، وأن يُؤديها مع إخوانه في الجماعة في بيوت الله، طاعةً لله سبحانه ولرسوله، وحذراً من غضب الله وأليم عقابه. ومتى ظهر الحق، واتضحت أدلته، لم يجز لأحدٍ أن يحيد عنه لقول فلان أو فلان؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ويقول سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. إن الذي يسمع الأدلة في وجوب الصلاة مع الجماعة ثم يترك الصلاة مع الجماعة لفتوى فلانٍ من الجهلة، أو فلانٍ من الظلمة الذين يظلمون أنفسهم؛ حريٌ أن يكون ممن خالف أمر الله، وعلى خطرٍ أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذابٌ أليم، هذا من كلامي وليس من كلام الشيخ ابن باز، هذه الجملة القصيرة، وأستأنف كلام الشيخ: ولا يخفى على من له أدنى بصيرة ما في الصلاة في الجماعة من الفوائد الكثيرة، والمصالح الجمة، ومن أوضح ذلك التعارف والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، وتشجيع المتخلف وتعليم الجاهل، وإغاظة أهل النفاق، والبعد عن سبيلهم، وإظهار شعائر الله بين عباده، والدعوة إليه سبحانه بالقول والعمل إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة في إقامة الصلاة. وفقنا الله وإياكم لما فيه رضاه، وصلاح أمر الدنيا والآخرة، وأعاذنا جميعاً من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ومن مشابهة الكفار والمنافقين إنه جوادٌ كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اللهم أعز الإسلام، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم اجعلنا للصلاة من المقيمين، واجعلنا عليها من المحافظين، واجعلنا لأركانها وسننها وواجباتها من المقيمين، اللهم تقبل صلاتنا، اللهم تقبل صلاتنا، اللهم تقبل صلاتنا، وأعنا عليها، وأذقنا لذتها وحلاوتها، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم لا تدع لمسلمٍ في هذا المسجد وغيره ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا يتيماً إلا تكفلت به، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا أسيراً إلا فككته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم أصلح شأن ولاة الجهاد، اللهم أصلح أمراء الجهاد، اللهم أصلح قادة الجهاد، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحد كلمتهم، اللهم اطفأ الفتنة من بينهم، اللهم أدر دائرة السوء على من أشعل الفتنة بينهم، ال

стр. 684

حصائد الألسن جوارح الإنسان هي أدوات لتحصيل الخير أو لاكتساب الآثام، وأشهرها في تبديد الحسنات، وتكثير السيئات؛ اللسان، فهو ثعبان بين فكي الإنسان. على أن فلتات اللسان وزلاته مرصودة كلها مهما هانت ودقت، وإن كانت مثقال حبة من خردل. وهذه الخطبة تسلط الأضواء على بعض آفات اللسان، وكيفية معالجتها، والتعامل مع أصحابها.

стр. 685

أهمية الانتصار على الأعداء الداخليين الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحدٌ في ربوبيته، فهو الخالق المدبر الرازق، المحيي والمميت والمعز والمذل، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو على كل شيءٍ قدير، لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحدٌ في ربوبيته فالتوكل عليه والاستعانة به، والطمع في ثوابه، والرغبة في جنانه، والخوف والرهبة من عذابه، الحلف به، والذبح له، والطواف له، والسجود له، والركوع له، وكل دقيقٍ وجليلٍ من أمر العبادة يصرف له وحده لا شريك له، ولا يُصرف لغيره. فهو أغنى الشركاء عن الشرك، واحدٌ في أسمائه وفي صفاته، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أنكم ملاقوا الله بكل أعمالكم، بنظراتكم وأسماعكم وخطواتكم وما اجترحته أيديكم، وبكل كلمةٍ نطقتم بها وتكلمتم بها، اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلمو أن الله جل وعلا، يبسط لعبده الصحائف، فيرى العبد ما قدم من حسناته وسيئاته: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] والله لن تضل الموازين والصُحف عن سيئةٍ من سيئاتنا، أو حسنةٍ من حسناتنا، أو ذرةٍ من خيرٍ أو شرٍ اقترفناها. فيا معاشر المؤمنين! ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أيها الأحبة في الله! إن كثيراً من الناس يظن أن انتصاره على أعدائه في الخارج هو دليل التحكم والسيطرة، وليس هذا بقولٍ سديد على إطلاقه، فإن للعبد أعداءً من داخل بدنه، وإن للعبد أعداء من داخل نفسه، إذا استطاع أن ينتصر عليهم، فهو على ما سواهم أقدر بإذن الله جل وعلا. أيها الأحبة في الله! إن كل واحدٍ منا فيه نقاط ضعفٍ لا يدري هل ينتصر عليها، أو يزيلها، أو يتحكم بها، حتى لا تؤدي -والعياذ بالله- إلى سوء خاتمته، وضلال سعيه، وعاقبته الوخيمة فيما يأتي ويذر. أيها الأحبة! إن الإنسان لا يدري من أين يؤتى، إن هامان أتي من وزارته، وقارون أتي من ماله، وفرعون أتي من ملكه وتجبره، وكل واحدٍ على خطرٍ أن يؤتى من داخل نفسه، ونحن يا عباد الله، فينا وفي بدننا -هذا الجسم الذي نتحرك به- تارةً نقول ضعيفاً مسكيناً، وتارةً ترى فيه من العجائب ما الله به عليم: دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر وتحسب أنك جسمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبرُ

стр. 686

اللسان نقطة الضعف الأولى نحن يا معاشر المؤمنين! فينا من نقاط الضعف ما يُمكن أن يكون سبباً لسوء الخاتمة، وفينا من جوانب الخير ما نرجو أن يكون سبباً لحسن العاقبة، ولن نستطيع أن نتكلم عن كل الجوانب التي تكون سبباً لسوء الخاتمة للإنسان من داخل نفسه، ألا وإن منها: جارحة صغيرة جداً، تكمن في مكانٍ خفي، تظهر تارةً فتلدغ، وربما التوت تارةً فتلسع، وربما صمتت فأُجرت، وربما نطقت فذكرت، آلا وهي اللسان!! هذا اللسان، القطعة الصغيرة، من عصبٍ وشُعيراتٍ ولحمٍ لا تراها بارزةً في وجه الإنسان، أو في جسمه، بل هي كامنة، ولكن تارةً تخرج فتلدغ صاحبها قبل أن تلدغ الآخرين، وآفات اللسان كثيرة، وكما قال معاذ ﵁: (أونحن مؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا يا رسول الله؟! فالتفت إليه النبي ﷺ وقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على مناخرهم يوم القيامة في جهنم، إلا حصائد ألسنتهم!). اللسان ذلك الثعبان، أو ذلك الذي ينطق بذكر الرحمن، إما نعمةٌ أو نقمة: احذر لسانك أيها الإنسانُ لا يلدغنّك إنه ثعبانُ ربما عثر الرجل بقدمه أو سقط به جواده، أو زل به درج بيته، أو هوى من أعلى طابقٍ في منزله، وربما قام صحيحاً سليماً معافى، وربما زل زلةً لم ير منها ورماً، ولم ينسكب منها دماً، ولكنها تهوي به في النار سبعين خريفاً، في الحديث: (إن الرجل ليلفظ بالكلمة، لا يُلقي لها بالاً، تبلغ به من سخط الله أن يهوي في النار سبعين خريفاً، فهو يجلجل في النار إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليلفظ بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالاً، تبلغ به أعلى الدرجات في مرضات الله جل وعلا). فاللسان أيها الأحبة! ذلك الذي نتزين به في المجالس، ونتنافس به في الفصاحة، وكل يُظهر نفسه منطقياً فصيحاً، وقد نسي قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. وربما غفل الإنسان عن الحافظين الذين يكتبون كل دقيقٍ وجليلٍ مما ينطق: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١١].

стр. 687

بعض آفات اللسان معاشر الأحبة! آفات اللسان كثيرة، والباعث على كثيرٍ منها أن يُظهر الإنسان نفسه، أو أن يبرز بين العامة، أو أن يتصدر المجالس، أو أن يُشار إليه بالبنان، أو أن يُلحظ بالعيان، وكلها آفاتٌ وظلمات بعضها فوق بعض. فأولها: ربما استساغ الرجل الكذب رغبةً في التصدر في المجلس، وربما تحدث وتكلم ليلتفت إليه، ونصيحتي قبل هذا، إذا كُنت في مجلسٍ ورأيت من الحاضرين من يكفيك الكلام فيما تريد أن تقوله، فاحمد الله جل وعلا، أن وكل بالكلام الذي في قلبك رجلاً يقوله بدلاً منك، أي كرامةٍ أعظم من هذه، لا تحرص أن تكون متكلماً في كل حال، إلا إذا تعين المقام، أو خشية أن يضيع المجلس في الباطل، أو يقوم الناس عن مجلسٍ لم يذكروا الله تعالى فيه، فربما تعين عليك الكلام ابتداءً، وأنت المسئول عن ذلك. لكن إذا كنتَ في مجلسٍ وفي قلبك كلامٌ ورأيت من تكلم به بدلاً منك، فاحمد الله أن وكل بكلامك رجلاً ينطق به غيرك.

стр. 688

آفة الكذب من آفات اللسان: الكذب، تلك الخصلة القبيحة الذميمة، قال ﷺ : (يطبع الرجل على الخصال كلها، ليس الكذب والخيانة) أي سوى الكذب والخيانة، وسئل ﷺ : (أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم، قالوا: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم، قالوا: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا) لأن الكذب خصلةٌ قبيحةٌ ذميمةٌ جداً. وحسبكم أن النبي ﷺ في الحديث الصحيح قال: (إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يُكتب عند الله كذاباً) وأنتم تعرفون الوعيد الشديد للكاذبين. والكذب -أيها الأخوة- أصبح في هذا الزمان من أهون ما تساهل الناس به، حتى بدأ المنظرون، وبدأ المتفلسفون والمتفيهقون يُفصلون الكذب في غير ما فُصل في شرع الله جل وعلا، فمنهم من سمى (كذبة إبريل) ومنهم سمى الكذبة البيضاء، ومنهم من سمى كذبةً حمراء، إلى غير ذلك. وكل هذا مرفوضٌ في دين الله جل وعلا، (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً وينمي خيراً) الكذب هنا جائز، أن تعرف أن فلان بن فلان، في قلبه عداوة، وفي نفسه إحن على فلان بن فلان؛ فتأتي إليه، وتقول للأول: عجبتُ من كلامٍ قاله صاحبك فلان في مجلسٍ من المجالس، لقد أثنى عليك، وذكر فيك خصالاً حميدة، وتقول شيئاً من هذا، فليس هذا من الكذب الحرام، بل هو من عين ذات الإصلاح الذي تؤجر به عند الله جل وعلا: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]. (والكذب في الحرب) والحرب خُدعة، ثلاثيةٌ في الشكل: (وحديث الرجل امرأته) إذا تحدث الرجل بكلامٍ وخرج فيه عن الحقيقة؛ لكي يكسر من ضعف المرأة وما قد يؤدي إلى شرٍ أكبر، وليتق الله في هذا، وليكن ما خرج به عن الحقيقة في حديث أهله بقدر حاجة الإنسان إلى الدواء، لا أن يُصبح دائماً منذُ أن يدخل إلى أن يخرج، وهو يروي الأحاديث المكذوبة الموضوعة، رأى ولم ير، سمعَ ولم يسمع، قيلَ ولم يُقل، فُعل ولم يُفعل، ويظن أن الحديث مع المرأة من أوله إلى آخره ينبغي أن يكون كذباً في كذب، لا. لكن لو شجر بين الرجل وأهله خلاف، أو حصل موقفٌ قد لا تقدره المرأة بضعفها، فاحتاج أن يزوّر عليها شيئاً من الحقيقة، أو يوري فيها فلا حرج، أما أن يكون الإنسان راويةً للكذب من غير حاجة، ويحتج بحديث الرجل لامرأته، فليس هذا مما فهمه أولو الألباب من حديث رسول الله ﷺ .

стр. 689

آفة المجازفة في إطلاق الكلام الآفة الثانية: الكلام الذي يُطلق جزافاً، والعبارات البراقة، والكلمات الرنانة، التي يلفظ بها الإنسان، لكي تسجل له في سطور التاريخ، والله إنها تُسجل، ولكن هل يجدها في صحائف حسناته أم في صحائف سيئاته؟ وأقولها وبكل صراحة، وأوجه من هذا المنبر كلمةً إلى كل صحفي من الصحفيين، وكل صاحب عنوانٍ من العناوين، أن يتقي الله في العبارة التي تُنشر عنه، وكل كلمةٍ يكتبها في أسطر مقاله، أقول لنفسي، وأقول لهم، وأقول لكم: اتقوا الله فيما تكتبون، فإن من علم أن كلامه من عمله، لم يسره أن يتكلم إلا بما يطمع أن يراه في موازين حسناته: وما من كاتب إلا سيفنى ويُبقي الدهر ما كتبت يداهُ فلا تكتب بخطك غير شيءٍ يسرك في القيامة أن تراهُ مما قرأت في عددٍ من المجلات والجرائد، كاتباً تكلم عن أهداف أحد اللاعبين فقال: أهداف اللاعب الفلاني، تلك التي تجعل الأعمى يُبصر، والأبكم يتكلم، عجبتُ لهذا اللاعب! وعجبتُ في الحقيقة لهذا المتكلم، فقد لا يكون للاعب ذنب!! متى كان هذا اللاعب عيسى بن مريم؟! يبرئ الأكمه والأبرص بأهدافٍ يسجلها! أما يتقي الله هذا الذي يقول هذا الكلام! أهدافٌ تجعل الأعمى يبصر! والأبكم يتكلم! والأصم ينقلب سمعياً! أين تريد أن ترى هذه الكلمة يا عبد الله؟! تريد أن تراها في صفحة الحسنات، أم في صفحة السيئات؟! اتقوا الله يا معاشر الكتاب! ويا معاشر الصحفيين! وهذه نصيحة ومحبة، هذا نداءٌ من القلب إلى القلب، ومن الروح إلى الروح، حتى لا تُفسر أنها فضيحةٌ أو تشهير. معاشر المؤمنين! وآخر يقول: من تقرب إلى نادينا شبراً نتقرب إليه ذراعاً!! عجباً! ولن أجزم بسوء قصد قائله، فإن قصد بهذه العبارة شيئاً من اللفظ والبيان الذي يتكلم به، بعيداً عن قصد الحديث، الذي جاء فيه أن الله جل وعلا، يفرح بتوبة عبده: (فلئن تقرب إليه العبد شبراً تقرب الله إليه ذراعاً) إن كان بعيداً عن قصد الحديث، فنقول: خير لك أن تعبر بشيءٍ بعيدٍ عن النصوص والحروف والرسوم التي جاء فيها البيان الرباني والنبوي والشرعي. فلنرفع مقام الشريعة، ولنرفع مقام الأحاديث، ولنرفع مقام كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وإن قصد المتكلم، أنه يُحاكي قول الله: من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، فهي والله من الكلمات التي تهوي بصاحبها، وكم سمعنا فلتاتٍ جرت على الألسنة! والله لو جلستُ مجلساً فقام واحدٌ يضحك، أو يتهكم، أو يستهزئ أو يصوغ شيئاً من عبارات الدعابة والمزاح، بنص مرسومٍ من المراسيم لاعترضت عليه، حتى لا تُصبح النصوص والمقالات عرضة الهزال والعبث!! فكيف نسكت أن يُتكلم بشيءٍ فيه محاكاةٌ في باب هزلٍ من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ؟!! ومما يجري على الألسنة، قول كثيرٍ من الموظفين عن مديره العام حينما يُسأل عن صلاحياته، أو عن تصرفاته، فيقول: فلان لا يُسأل عما يفعل، تعالى الله تعالى الله؛ أن يشبه الضعفاء المساكين في تصرفاتهم بصفات الله وأسمائه جل وعلا، قد يقول قائل: ولماذا التشنج أيها المطاوعة؟ كما يقول بعضهم: لماذا هذا التوتر، كل عبارة تفسرونها. أقول: والله يا أخي! لو أردت أن تحاكي في كلامك كلام زعيمٍ أو رئيس لما استطعت أن تنبس ببنت شفة، فاعرف قدر الله جل وعلا، ولا يكن قدر كلام الرؤساء والعظماء في قلبك أعظم من قدر كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولم أنقل هذه جزافاً بل بأذني سمعتها، والتفت إلى قائلها، وقلتُ: اتقِ الله، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون هو من يفعل كل فعلٍ ويعمل كل عملٍ وفي فعله وعمله منتهى العدل لا ظلم فيه، ومنتهى الحكمة لا عبث فيه، ومنتهى الرحمة لأن رحمته سبقت غضبه، أما المسكين الحقير المخلوق الضعيف التافه، فأي حكمةٍ وأي عدلٍ وأي صفاتٍ جمعت أحسن الأمور في كلامه؟!! فلننتبه لهذه العبارات، ولننتبه لهذه الكلمات التي يُطلقها بعض الناس جزافاً وهم لا يشعرون والعياذ بالله، إننا لا نجزم أنهم يقصدون محاكاة كلام الله وكلام رسوله، ما شققنا عن القلوب، وخذوها نصيحة: تورع حتى في محاسبة المخطئين، واحسب لهم ألف عذرٍ وألف سبيل، ولكن بيّن إن كان الهدف هذا، فالويل ثم الويل مما قصدوا به، وإن كان الهدف ذاك، فالأولى والأحرى والواجب أن يُتجنب بكلام الله وكلام رسوله عن مقام العبث والهزل أو غير ذلك.

стр. 690

آفة الاستهزاء بالدعاة ومن آفات اللسان يا معاشر المؤمنين! ما نسمعه كثيراً كثيراً، من الذين يستهزئون بالدعاة إلى الله جل وعلا، من الذين يتهكمون بقناديل الصحوة الإسلامية، ومشاعل النور في دياجير الظلام، ونسيم العبير، في روائح الفتن المنتنة، أولئك الذين يتهكمون بالشباب الصالحين، أو بالدعوة إلى الله جل وعلا، فهم على خطرٍ عظيم، وهي من آفات اللسان، ترى الواحد منهم ربما تصدق بمليون ريال، وربما صلّى الفجر مع الجماعة لا تفوته، وربما قرأ القرآن وربما فعل كثيراً من الحسنات، لكن إذا جلس أطلق لساناً طلقاً حاداً على أولياء الله، فأخذ يستهزئ بهذا، ويتهكم بذاك، ويتكلم بهذا، فيُعطى هذا من صدقاته، وذاك من قراءته، وذاك من صلاته، فما بقي له من حسناته شيء، وهذه من صور الجهل عند كثيرٍ من الناس، أن يعمل عملاً صالحاً ثم يضيعه على الناس أجمع، والله ما رأيت تاجراً إذا أشرقت الشمس ذهب إلى متجره، وإذا غابت الشمس عاد وجيبه مليئاً بالنقود والدنانير والدراهم، فإذا جلس في المجلس أخذ يُوزع على الناس يمنةً ويسرة من غير حسابٍ واحتساب، أتعدون هذا من العقلاء؟! لا والله. فكذلك من الناس من يجمع الحسنات ولكنه يفرقها في مجلسٍ واحد! لو قدرنا أنه كسب ألف حسنة، لكنها في مجلسٍ بعد المغرب أو العشاء يصرف ألفاً ومائتي حسنة، فيصبح رصيده بالسالب، ويعود مديناً بمائتي حسنة، تُؤخذ من حسناته، أو يطرح من سيئاتهم على سيئاته! فانتبه لنفسك يا أخي! واحفظوا أعمالكم، ولا تبطلوا أعمالكم، إن المسلم مأمورٌ أن يحفظ عمله، وإن من أخطر ما تُصرف به الأعمال ودرجاتها جُزافاً هباءً: الكلام في المجالس، والغيبة والنميمة التي حصدت الحسنات، ربما ترى الرجل طيباً أو غير طيب، صالحاً أو غير صالح، لكن لا يلتفت إلى مسألة الغيبة والنميمة، قد تجد رجلاً قليل العبادة، لكن عنده من الحسنات أكثر مني ومنك، لماذا؟ قد يكون عنده بعض الذنوب؟! وقد يكون عنده من الحسنات أكثر مني ومنك، لماذا؟!! قد لا يكون من الذين يتكلمون في أعراض الناس البتة، فهذه مسألةٌ مهمةٌ جداً جداً يا عباد الله! أن يتكلم الإنسان إما بالغيبة والنميمة، أو أن يستهزئ بإخوانه في الله، أو أن يتكلم في أعراضهم، أو أن يتكلم بعض الناس في المجالس، ولا هم له إلا هؤلاء الأخيار، من الناس من إذا جلس مجلساً، يقول: رأيتُ مطوعاً وقف هكذا، ورأيتُ معقداً جلس هكذا، ورأيتُ متشدداً قال هكذا! أما رأيت سكيراً قُبض عليه من قبل الهيئة يوماً ما؟! أما رأيت مرابياً قد أوغل في الربا؟! أما رأيت فاجراً جعل بيته ماخوراً للدعارة؟! ما رأيت مرتشياً مجرماً يسلب أموال المسلمين، ولا يرقب فيهم إلاً ولا ذمة؟! ما رأيت فاجراً يسعى بإفساد ذات البين؟! هل ضاقت الصور عن كل سيئٍ فما أبصرت إلا هذا المتبع للسنة؟! هذا التقي النقي الورع الزاهد العابد! الذي قصر -في نظرك أو نظر غيرك- ربما في شيءٍ ليس من الواجبات، ربما في المستحبات في باب العلاقة، ولكنه قد أكمل الأمر فيما بينه وبين ربه! أو كاد أن يُكمل الأمر صلاحاً واستقامة، لا زنا ولا خمر ولا رشوة ولا ربا ولا فساد، ولا ملاهي ولا صور محرمة، ولا مجلات ٍخليعة، فما تتسلط إلا على مثل هذا! هذه من آفات اللسان يا معاشر الأحبة. أسأل الله جل وعلا أن يحفظ لي ولكم أعمالنا، اللهم احفظ لنا أعمالنا، اللهم احفظ لنا أعمالنا، اللهم احفظ لنا أعمالنا، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 691

واجب الأمة تجاه المجازفين بالكلام الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله! إن من واجبنا يوم أن نرى فلتات اللسان وزلات البيان أن لا ننتقد الناس في مجالسنا بين أربعة جدران، لا يسمعنا ولا يبصرنا أحد. بل إن من واجبنا يوم أن نرى من يزل ويتهوك في كلامٍ يحاكي فيه كلام الله جل وعلا في مقامٍ لا يليق، أو يحاكي كلام المصطفى ﷺ في مقامٍ لا يليق، أو ينقل الأقاويل يكذبها ويختلقها ويصدقها وينقلها! أو من نرى يستهزئ ويضحك ويعبث، من واجبنا أن ننصحه، من واجبنا أن ننصحه، ولتكن النصيحة فيها خط الرجعة. فإذا قرأت مقالاً فيه شيءٌ من هذا الزلل، فاكتب لصاحبه: قرأت لك في جريدة كذا، أو في مجلة كذا، أو سمعتُ لك في ندوة كذا، أو في جلسة كذا، كلاماً قلتَ فيه يا أخي هذه العبارات، فإن كان المقصود بها كذا وكذا، فإني أخوفك عاقبتها، ومغبة ما تنتهي إليه، وإن كان المقصود أمراً غير هذا، فالذي أتمنى وأرجو أن يكون التعبير بغير هذه العبارة، وختاماً أتمنى أن يكون كلامك في مرضاة الله وطاعته. ليس من واجبنا أن نُحكم النقد ولا نفهم العلاج، ليس من مهماتنا فقط أن نتحسس الخلل ولا نعرف كيف نعالج هذا الخلل والداء والمرض، لا.

стр. 692

معرفة الداء والدواء، واللين في النصيحة من واجبنا أيها الأحبة! أن نعرف الداء والدواء، وفي حال العلاج لابد أن نُحسن الظن، بعض الناس ربما قال: وأنت لم تقصد إلا كذا، وقد ثبت لنا من البينات والقرائن ما لا يدع مجالاً للشك أنك قصدت كذا، واعلم أن من فعل ذلك فعاقبته كذا وكذا، فإذا بصاحب الرسالة أو صاحب الكتابة يقرأ بياناً مسبقاً أنه أصبح من أهل جهنم وساءت مصيراً، وهذا أمر لا يجوز أبداً. فعلينا أن نتلطف، علينا أن نكون في مستوىً طيبٍ من اللباقة حال النصيحة: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. دخل واعظٌ على أحد الخلفاء أو الملوك، فقال: إني محدثك ومشددٌ عليك، فقال الملك أو الخليفة: على رسلك، لقد بُعث من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني، بُعثَ موسى وهارون إلى فرعون، ومع ذلك قال الله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] فالقول اللين مطلوب، حتى لا يُصاب الإنسان بعزة الباطل، فتأخذه العزة بالإثم. يا عباد الله، واجبنا يوم أن نرى زلات اللسان وآفات اللسان في مقالٍ أو في جريدة، أو في صحيفة، أو في مجلس، من واجبنا أن نُرسل أو نُكلم، أو نُهاتف صاحبها، ونكلمه كلاماً ليناً ونفتح له خط الرجعة، ولا نبين له أنا شققنا عن قلبه، أو نحكم أننا عرفنا مقاصده، حاشا وكلا، فلا يعلم خائنة الأعين أو ما تخفي الصدور إلا الله جل وعلا. فنقول: إن كان المقصود كذا فهذا لا يجوز، وإن كان المقصود غير ذلك، فالأولى والأحرى والمظنون بمثلك وأمثالك أن يسلكوا سبيلاً للتعبير غير هذا، وخير للعبد أن يقول كلاماً يُوضع في موازين أعماله. ذات مرةٍ سألتٌ واحداً من الصحفيين، أسأل الله أن يهديه، وأن يهدي قلبه، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين إنه أرحم الراحمين، كان يكتب في مجلةٍ من المجلات، وكنتُ أتابع أسابيع كان يكتبها فقابلته: وقلت: يا أخي الكريم! يوم القيامة إذا وقفت أنا وأنتَ وسائر الناس والصحفيين ورؤساء التحرير، وكل ملكٍ وأمير ووزيرٍ وحقيرٍ وصعلوكٍ وفقير، إذا وقفنا بين يدي الله جل وعلا؟ وجيء وقيل فلان بن فلان، ثم قدمت هذه الأسابيع التي كتبتها في الجريدة الفلانية، هل يسرك أن تلقى الله جل وعلا بها؟ فقال: لا والله لا يسرني أن ألقى الله بها، قلت: يا أخي الحبيب! يا أخي الكريم! إذاً لماذا؟! لماذا تجتهد في كتابة شيءٍ يأخذ من وقت ومن بصرك ومن فكرك، ثم في النهاية تتبرأ منه؟! ولا يسرك أن تلقى الله به يوم القيامة.

стр. 693

أهمية التواصل مع أصحاب الأخطاء فيا معاشر المؤمنين! فلنعرف كيف ننصح، وكيف نُعالج زلات اللسان، خاصةً إذا وجدناها تقترب من الاستهزاء أو السخرية بالأبرار والأخيار، واجبنا أن نكون إيجابيين، لا أن نتحدث بين أربعة جدران، ما جلست مجلساً إلا وتسمع خبرين أو ثلاثة؛ في المجلة الفلانية، في الجريدة الفلانية كذا؛ السؤال الأول: من ذهب إلى رئيس تحرير الصحيفة؟ لا تجد من ذهب، من اتصل بكاتب المقال؟ لا تجد من اتصل، عجيبٌ والله! (أسدٌ عليّ) لا، أريد رجلاً حينما يعرف الخلل، يتابع الخلل بنصيحة، فوالله لو تتابع الناس على صاحب المنكر، أو من يُخشى عليه أن يقع في المنكر، لتردد ألف مرة، قبل أن ينشئ باطله ومنكره. منذُ أيامٍ قليلة شابٌ مرّ عليه بعض الشباب فوجدوه يعمل ديكورات في محله، فالتفتوا، وإذا بالرجل يؤسس تسجيلات أغاني، فنزل إليه عدد من الشباب يا أخي الكريم، يا أيها الوجه الطيب، يا ابن العائلة الكريمة، والله ما يسرنا أن ينسب إليك هذا، وكيف تبيع حراماً، وتتصدق بحرام، وتكسو أهلك حراماً، وتسقي أطفالك حراماً، يا أخانا الحبيب! حوله إلى تسجيلاتٍ إسلامية، يا أخانا الحبيب! اسلم من مغبته، انظر إلى مشروعٍ غير هذا؛ وهو مصممٌ على عمله؛ فجاء زلفةٌ أو كوكبةٌ من الأخيار بعدهم ونصحوه، ثم جاء من بعدهم ونصحوه، حتى وقف الآن متردداً إن كانت همته في فتح محله مائة في المائة، فالآن لا تجد عنده من الهمة إلا عشرين أو ثلاثين في المائة، لن أقول انتهى لأول وهلة، لأن بعض الناس، يظن أنه يوم أن ينصح واحداً سوف يسقط صريعاً باكياً خاشعاً نادماً تائباً!! ليس بالضرورة، أن يقبل النصيحة في الوهلة الأولى أو الثانية أو الثالثة، لكن تتابع النصيحة يؤثر فيه ويقول، أكل هؤلاء على حقٍ وأنا على نشازٍ من الباطل؟! فكذلك الكاتب أو الصحفي أو المتكلم، يوم أن يُنصح، ويومَ أن يخاطب بخطابٍ رقيق، وبعبارةٍ طيبة، فحينئذٍ سترى بإذن الله منه استجابة، ولماذا لا يستجيب؟! هل خرج من الإسلام؟! هل زال الإيمان عن قلبه بالكلية؟! لا والله! هل هو من اليهود والنصارى؟! لا والله! إذاً: فكثرة المناصحة بالأمر بالتقوى، والتخويف من عذاب الله، والترغيب في ثواب الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فحينئذٍ حريٌ بأن يؤثر على هذا وغيره. أرجو أن نكون إيجابيين، أرجو أن نكون عاملين، أرجو أن نكون تنفيذيين، لا مجرد نُقاد ومتكلمين يا معاشر الأحباب المؤمنين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً وأراد بعلمائنا فتنة، وأراد بشبابنا ضلالة، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً واختلاطاً في الوظائف والتعليم، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم مزقه كل ممزق، اللهم شتت شمله ما علمتَ فيه إصراراً على ذلك، واهده اللهم عاجلاً بمنك وكرمك يا رب العالمين إن علمت فيه هدايةً وخيراً. اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم أصلح مضغة قلوبهم، اللهم اهد بنات المسلمين، اللهم وفق علماء المسلمين، اللهم احفظ علماءنا، اللهم احفظ علماءنا، اللهم احفظ علماءنا، اللهم احفظ سرج أرضنا، وقناديل زماننا، ومشكاة مجتمعنا، اللهم احفظ علماءنا، اللهم سددهم في القول والعمل، اللهم سددهم في القول والعمل، اللهم متعهم بالصحة والعافية، اللهم متعهم بالصحة والعافية، اللهم ارزق عامة الناس فقه منزلة العلماء، اللهم ارزق عامة المسلمين فينا معرفة منزلة علمائنا، اللهم اهد عامة المسلمين فينا إلى معرفة منزلة علمائنا ودعاتنا، يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح ولاة أمرنا، اللهم أصلح ولاة أمرنا، اللهم اجمع شملهم، اللهم اجمع شملهم، ولا تُفرح علينا ولا عليهم عدواً، ولا تُشمت بنا ولا بهم حاسداً، اللهم اجمع شملهم وأعوانهم وإخوانهم على طاعتك يا رب العالمين، اللهم اهدهم، اللهم اهدهم، اللهم اهدهم، وحبب الكتاب والسنة إلى قلوبهم، اللهم اجعلهم ممن أخذوا الكتاب بقوة، اللهم قرب لهم بطانة الخير، واطرد وأبعد عنهم بطانة السوء، اللهم ما علمت في رجلٍ خيراً لهم، فقربه منهم وزده قرباً، وما علمتَ في رجلٍ شراً لهم ولأمتهم اللهم أبعده عنهم، وافضح دسيسته وسريرته يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم اجمع شملهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم اجمع شمل قادتهم على الحق، اللهم بصرهم بالهدى، ومسكهم بالكتاب المبين، وعجل قيام دولتهم، وعجل نصرهم، وفك أسرهم، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً ومناً وغفراناً، يا رب العالمين. اللهم اشف أخانا في الله، اللهم اشف أخانا في الله، اللهم اشف أخانا في الله، اللهم اشفه عاجلاً غير آجل، اللهم رد العافية إليه، اللهم رد العافية إليه، في أطرافه وسمعه وبصره يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، اللهم لا تدع لنا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، اللهم لا تدع لنا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته ووفقته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

стр. 694

فطرة الله فطر الناس جميعاً على توحيد الله، والشرك والفساد طوارئ لا يستبعد زوالها، فمهما ابتعد الإنسان عن ربه، ظل احتمال عودته وارداً؛ لأنه الأصل. استبعد الصحابة إسلام عمر فأسلم، ولم يدرك عمر هداية سهيل، فاهتدى. فكم أسلم من مارق! وكم تاب من فاسق وسارق! وكم في نفوس الناس من خير تحجبه المعاصي! وفي هذه الأسطر بيان شيق لكل ذلك.

стр. 695

فطرة الإنسان على التوحيد إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين! لا يشك مسلمٌ أن البشرية وأن من خلق الله من بني الإنسان إنما وُلد على الفطرة، وأن ما يصيبه من التغير أو التحريف أو التبدل، إنما هو لأسبابٍ أهمها: هذه البيئة المحيطة به، والتي ينعكس لونها وصبغتها على سلوكه وتصرفاته ومعتقداته، يقول النبي ﷺ : (كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو يمجسانه، أو ينصرانه) ولم يقل ﷺ : أو يمسلمانه، لأنه مفطور ومولودٌ على الإسلام أصلا، ويقول الله جل وعلا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]. ويقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]. فنحن معاشر الأحبة قد أخرجنا من صلب آدم كأمثال الذر، وأشهدنا ربُ العزة جل وعلا على ربوبيته لنا وشهدنا بذلك، فالفطرة والدينونة بالوحدانية لله جل وعلا أمرٌ شهدنا به على أنفسنا، وفُطرنا عليه، ولله الحمد والمنة إنها لمن أعظم النعم. معاشر الأحبة! قد يعجب قائلٌ من هذا الكلام لما يراه من أبناء المسلمين من انحرافٍ عن الإسلام، وبعدٍ عن تعاليمه ووقوعٍ فيما نهى عنه، كيف يكون هذا موافقاً لما فُطروا عليه، وموافقاً لما جبلوا عليه، وموافقاً لما أقروا به لله ! نعم أيها الأحبة في الله! لا عجب ولا غرابة فإن هذا الاعتراف والإقرار، إنما تكون درجة كماله ودرجة تمامه بحسب انقياد العبد لله جل وعلا في تصرفاته وفي دقيق أعماله وجليلها.

стр. 696

إمكان الرجوع إلى الفطرة في كل الأحوال أيها الأحبة في الله! نسوق هذه المقدمة، لكي ندخل بها إلى قضيةٍ ينبغي أن نُسلم بها، وهي أنه مهما كان في شخص من بني آدم أو مهما كان في أي إنسان من بني البشر، من الفساد والانحراف والشذوذ والبعد عن كتاب الله وسنة نبيه، ما دام أصل الإسلام باقياً في قلبه، وما دام جذر التوحيد باقياً في قلبه، فإنه ينبغي أن نسلم أن لا غرابة ولا بعد أن يعود إلى الاستقامة وإلى الهداية بين عشيةٍ وضحاها، وألا نستبعد عليه الهداية مهما كانت معصيته، وألا نستبعد عليه الاستقامة مهما كانت جريمته؛ لأن هذا أمرٌ معلقٌ بقلبه وقلب هذا العبد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، وإن الناس أنفسهم يظلمون. أيها الأحبة! قد ترى شاباً لم يترك زناً إلا فعله أو خمراً إلا شربه، أو رباً إلا أكله، أو زوراً إلا شهد به، أو عقوقاً إلا فعله أو قطيعةً إلا ارتكبها، أو جريمة من الجرائم إلا حدثت منه، وإن الواحد ليعجب كيف يُدعى مثل هذا إلى الله كيف ندعو رجلاً أو شاباً كهذا إلى الله . نعم أيها الأحبة! له حق الدعوة وله حق الهداية، هداية الدلالة والإرشاد؛ لأن العباد أمروا بالبلاغ ((فإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)) [آل عمران:٢٠]. ثم اعلموا بعد ذلك أن دين الإسلام ينتشر في النفوس وينتشر في المجتمعات وفي الأمم والدول بقوته الذاتية، قبل أن يكون الجُهد مسنداً إلى أبنائه، إن في ديننا قوةً ذاتية، هي التي تدفع بنفسها وتنتشر بقوتها التي أودعها الله في هذا الدين، وإلا فلو أن الأمر عائدٌ إلى جهد أبنائه أو جهاد رجاله، والله ما كان له هذا الانتشار، وما كان له هذا الصيت الذائع، لكنها قوة الإسلام بذاته، قوةٌ ذاتيةٌ تدخل في سويداء القلوب فتؤثر على هذه المضغة فينعكس التأثير هدايةً مطبقةً على الجوارح، ولذلك أمثلةٌ كثيرة من القديم والحديث.

стр. 697

دروس وعبر من إسلام عمر ينبغي ألا نستبعد هداية بشرٍ من البشر مهما كانت معاصيه، ومهما لج في ألوان الشهوات والمنكرات، كان اثنان من الصحابة رضوان الله عليهما قبل إسلام عمر بن الخطاب ﵁ يتحدثان فيه، فقال أحدهما للآخر: لعلك طمعت في إسلام ابن الخطاب، فقال: إي والله إني لأطمع في إسلامه، فقال: والله لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر هذا. ثم تدور الأيام دورةً قليلة فيأتي عمر بن الخطاب ﵁ يضرب دار الأرقم بن أبي الأرقم بيدٍ قويةٍ غليظة فيرتجف الصحابة داخل الدار، فيقوم أشجع القوم وأكمل الرجال ﷺ فيفتح الباب، ثم يأخذ بتلابيب عمر ويقول: (أما آن لك يا ابن الخطاب أن تسلم، ثلاثاً) فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، بعد أن دخل على أخته وزوجها وفي أيديهما رقعةٌ من القرآن يقرءان فيها، فحاول عمر أن يمسها، فأبعدت المرأة هذه الرقعة عنه؛ فضربها على وجهها حتى سقط القرط، ثم قال: إني أريد أن أسمع، فقالت: أنت مشركٌ نجس لا تمسها، ثم أسمعوه شيئاً من الآيات التي فيها، فدخل الإسلام قلبه وتوجه إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكانت القصة كما تعرفون، بعد أن كان من أعتى الناس على الرسول وأصحابه عاد من أقوى الناس حباً لنبي الله ﷺ وأصحابه. فلما أسلم قال: أي قريشٍ أكثر للخبر ذكراً ونشراً؟ قالوا: فلان بن فلان، فذهب إليه يطرق بيته، فقال: قم يا فلان أما علمت أني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فاخرج وأخبر بها من وراءك، تحدياً وقوةً وثباتاً وصموداً، ولما أراد ﵁ أن يهاجر كان بعض الصحابة يهاجرون خفيةً ولواذاً، أما هو ﵁ فقد جاء إلى قريش وهم عند الكعبة فقال: [يا معشر قريش! من سره أن تثكله أمه، فليلحقني ببطن هذا الوادي، فإني مهاجر] والله ما لحقه أحدٌ أبداً، وهو ذلك الغليظ الشديد، الذي كان يرعى إبل الخطاب وكان أعرابياً شديداً صلباً. انظروا كيف هذب الإسلام النفوس، وانظروا كيف طوعها وذللها لطاعة الله، كان يمشي ذات يومٍ مع أصحابه فجاءت امرأة عجوز، قالت: يا عمير، فالتفت إليها وكأن الصحابة وجدوا في أنفسهم من مقالتها شيئاً، فالتفت إلى المرأة العجوز وأذعن برأسه وطأطأ إليها، ثم أخذت به لحاجتها متنحيةً عن الطريق، فقالت: يا عمر بن الخطاب كنت تدعى عميراً والآن سُميت عمر قد ولاك الله أمر المسلمين، يا عمر بن الخطاب، ثم أخذت تعظه، ثم أخذت تذكره وكأن الصحابة ثقل عليهم قولها على أمير المؤمنين ﵁، فعندما عاد إليهم قال: أتعجبون من ذلك لها؟! هذه التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أفلا أسمع لها؟! هذه المجادلة التي جاءت تجادل في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاورها وزوجها من فوق سبع سماوات وتقول عائشة: [جاءت المجادلة إلى رسول الله ﷺ تجادل في زوجها وتشتكي إلى الله، جاءت عند رسول الله، والله ما بيني وبينها ورسول الله إلا الستر، لا أسمع شيئاً من كلامها، وسمع الله كلامها من فوق سبع سماوات] فسبحان من لا تخفاه خافية، ولا تشتبه عليه الأصوات، ولا تختلف عليه اللغات. أيها الأحبة! أعجيبٌ بعد هذا أن نطمع في هداية شاب ضل الطريق؟! لا وألف لا، فلنكن على ثقة ولنكن على اطمئنان، أن قوة هذا الدين إذا وجدت من يحملها بأسلوب بلاغٍ مناسب فإنها والله تنفذ في الحجر الصلد والصخور الصماء، فكيف بقلوب بني آدم حينما يبذل الإنسان سعياً ولو قليلاً، فما أقرب الناس إلى الهداية!

стр. 698

سهيل بن عمرو خطيب في الجاهلية والإسلام وقصةٌ أخرى مما يدلك على أن الناس في أقرب الأحوال إلى دينهم لو وجدوا ما يحركهم: جاء سهيل بن عمرو مندوب قريش يفاوض النبي ﷺ في صُلح الحديبية، فقال ﷺ : اكتب باسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم إلا رحمان اليمامة، فقال ﷺ : اكتب باسمك اللهم، ثم قال: اكتب من محمدٍ رسول الله، قال: لو شهدنا أنك رسول الله ما قاتلناك، قال: فاكتب من محمد بن عبد الله، ثم أملى الشروط التي من أهمها: أن من خرج من المسلمين من مكة إلى المدينة يرده الصحابة إلى مكة. الحاصل أن عمر بن الخطاب ﵁ كان واقفاً فاشتد غضبه وغلا غيظه، فقال: يا رسول الله! ألسنا المؤمنين؟ قال: نعم، قال: أليسوا بالكافرين؟ قال: نعم، قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا يا رسول الله؟! أفلا تدعني أخلع ثنية هذا الكافر وكان سهيل بن عمرو خطيباً مصقعاً إذا تكلم في قريش سمعت وتأثرت بكلامه، فقال عمر: أفلا تدعني أخلع ثنيتيه ليكون أثرماً، فلا يكون بلاغة الخطاب والكلام منه كما يريد، فقال ﷺ : (لعل الله أن يُريك منه يا عمر موقفاً يُعز الله به الإسلام وأهله) فعجب عمر من هذا الكلام أي موقفٍ بعد هذه المفاوضة، وما هي إلا سنين قليلة ثم يموت ﷺ ، فترتد قبائل العرب وتهم قريش بالردة، فيقوم سهيل بن عمرو بعد أن أسلم وقال: يا معشر قريش! أما تستحوا أن تكونوا آخر من أسلم وأول من يرتد، فخجل القوم على نفوسهم وكانت كلمته مؤثرةً في قريش، وتذكر عمر ﵁ مقالة النبي ﷺ : (لعل الله أن يريك منه موقفاً أو يوماً يعز الله به الإسلام) هذا فيما يتعلق بالقديم.

стр. 699

توبة سارق وأما فيما يتعلق بأحوال السلف فالقصص في ذلك كثيرة، منها: أن رجلاً من الصالحين كان ممن يسرقون ويتسورون البيوت والدور، فتسور ذات يومٍ داراً في هجيعٍ مُظلمٍ من الليل، فلما أن وضع رجله على الجدار إذ بصاحب الدار من الذين يتهجدون ويقومون الليل ويقرءون قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] ثم بكى الرجل وهو متسلقٌ السور، فقال: بلى آن بلى آن، أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، فعاد من ليلته وطلب العلم وحسنت حاله وأصبح من أجل العلماء والسلف الصالحين.

стр. 700

توبة شاب معاصر وفي عصرنا الحاضر: أذكر لكم قصة شابٍ معروفٍ من هذه البلاد؛ كان قد صرف في أسبوعين فقط أربعةً وستين ألفاً، أنفقها في أسبانيا وفي المغرب بين ألوان الفساد والمنكرات، وحدث ولا حرج عما تعنيه هذه الكلمة، ثم دخل ذات يومٍ ليزور مآثر إسلامية في الأندلس فلما دخل وكانت بجواره فتاةٌ رشيقةٌ حسناء وهي تعرض عليه وتقول: هذا مسجد المسلمين حولناه إلى كنيسة، وهذا ثم لفت نظره إلى قوس من صناعة المسلمين مكتوبٌ عليه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ثم تأثر شيئاً قليلاً لم يظهر عليه، ثم قالت له تلك المرشدة: وذاك هو المنبر الذي كان يخطب عليه الخليفة ويسير الجيوش ليغزونا في فرنسا وأوروبا فما هي إلا لحظات حتى طاش جنونه وابتعد عنها، ثم اتجه إلى المنبر فوجده قد شمع بالشمع الأحمر فاخترقه وصعد ثم مسك بهذا المنبر وأخذ يصرخ بما لا يعرف، وأخذ يصيح بما لا يعقل، وهو يهز هذا المنبر من شدة تأثرٍ في نفسه لم توافقه العبارات أن يُفصح عنه ثم نزل باكياً وحجز من يومه إلى بلاده وعاد إلى وطنه، ثم أصبح الآن من خيرة شباب الجهاد في أفغانستان والله رأيته بعيني شاباً كصقرٍ في عليائه، إذا قلب نظراته كأنما يقتنص فريسةً، قد شُغفت نفسه بالجهاد والقتال، وترك ذلك العُهر والدمار والفساد. فليس غريباً على الله يا عباد الله؛ وليس بعيداً على أبناء المسلمين أن يعودوا لدينهم، وأن يحملوا رايته وأن يجاهدوا في سبيل إعلائه مهما بلغوا ومهما كان منهم.

стр. 701

قصة تؤثر في بعض الفساق وقصةٌ أخرى حدثني بها من كانت له واقعةٌ أيضاً قال: كنا في مجلسٍ وفيه طوائف من الشباب على اختلاف مناهلهم ومشاربهم، وفيهم الفُساق بكل ما تعنيه كلمة الفِسقِ من معنى، قال: فقمت أحدثهم عن شأن اللاجئين في أفغانستان وكيف تعرض لهم الشيوعيون، قال: وكان لاجئ طاعن في السن شيخ هرم كبير يحدثنا، ثم استعبر وبكى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: فشدني استعباره والتفت إليه وأمسكت به، قلت: أقسمت عليك يا شيخ لتخبرني ما الذي حصل لك، فحاول أن يتهرب ويعتذر فكنت لحوحاً في السؤال، قال: كنت في طريقي وقد قتلت زوجتي ومعي بناتي فاعترض لنا الروس ثم كبلوني مقيداً وأخذوا بناتي وجردوهن من ثيابهن ثم وقف الروس كالطابور واحداً تلواً الآخر يفعلون الفاحشة في بناتي وأنا والله أنظر ثم لما انتهوا منهن بعد أن أصابوا بناتي بما فعلوه من جرمٍ وحشي لا يُذكر، قال: قتلوا بناتي واحدة بعد الأخرى ثم أطلقوا سراحي لكي أموت غيظاً، ولكي أموت كمداً، ولكي أموت قهراً فإني والله كلما تذكرت هذه القصة لا أملك عبرةً تترقرق أو دمعةً تنزل أو شجاً يغص في حلقي، قال: فلما سمع من حولي من الشباب هذه القصة والله ما رأيت إلا دموعاً تتحدر وبكاءً وشهيقاً علا حتى غط المجلس فتأثروا بما كان يتحدث به عن وضع إخوانهم. إذاً: فلا غرابة أن يتأثر شبابنا وأن يعودوا إلى الإسلام، وأن يئوبوا إلى حظيرته، وأن يكونوا من أعز أنصاره وأعوانه. إن هذا الدين ليس حصراً على أمةٍ بعينها، أو فئةٍ بعينها، أو طائفةٍ بعينها. إن الناس في توجههم إلى الله يتفاوتون قرباً وبعداً بحسب تقواهم لله، وكم من فاسقٍ تاب وأناب إلى الله! ونال منزلةً ما بلغها عابد من العباد! ولا زاهد من الزهاد! فاعتبروا يا أولي الأبصار! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 702

بعض ثمار الحكمة والموعظة الحسنة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ في الدين ضلالة؛ وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة! نسوق تلك المقدمة وتلك القصص لكي نعلم، ولكي نتيقن أنه ينبغي أن ننظر لكل شابٍ رأيناه، ولكل من عرفناه وهو على حالٍ من الفساد والمعصية، أن ننظر له بعين العطف، وأن ننظر له بعين الخوف، الخائفين عليه من عذاب الله، المشفقين عليه من النار، المحبين له ما أحببناه لأنفسنا من رضا الله والجنة، لا أن ننظر لمن كان عليه أثرٌ من آثار المعاصي والمنكرات نظرة العلو والتكبر، أو أن نخاطبهم خطاب السيد لعبده أو الأمير لمأموره، لا وألف لا، فإن الناس في هذا الزمان كلٌ قد استغنى بحاجته: كلانا غنيٌ عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا كلٌّ غنيٌ بما آتاه الله جل وعلا، فلا سبيل إلى النفوس إلا بالتواضع وخفض الجناح، وطلاقة الجبين والبشاشة الدائمة، ورقة العبارة، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، إن هذا لهو خير سبيلٍ يدخل به الدعاة إلى الله إلى نفوس الناس مهما كانت معاصيهم، ومهما تنوعت منكراتهم، ومهما تلون منكرهم وباطلهم. منذ أسبوعٍ أو أقل وقفت عند محلٍ من محلات التسجيلات الإسلامية فإذا بي أجد شاباً صبيح الوجه عليه علامات الهداية والتقى ويشع من وجهه نور إيمانٍ، هذا ما رأيته، وإذا به يخبرني قال: هذا كان محلاً لي وكان قبل شهرين أو ثلاثة محلاً أبيع فيه أشرطة الغناء وأشرطة اللهو، فمنّ الله عليّ بحادثةٍ بسيطة تبت إلى الله مما كنت فيه، وما فعلت فاحشةً أبداً، لكني كنت غافلاً غفلةً عجيبة، ثم تبت إلى الله وقلبت هذا المحل من محل تسجيلاتٍ خليعة وماجنةٍ، ومن مزامير الشيطان إلى مكانٍ أنشر فيه كلام الله وسنة نبيه، وندوات العلماء، والمواعظ النافعة الصالحة. إذاً أيها الأحبة! ليس بعيداً وليس غريباً مهما كان الإنسان فيما كان، ومهما بلغت درجته ومنزلته، إن شباباً الآن في أرض الجهاد هم من أبناء الأثرياء ومن أبناء الكبراء، ما الذي أخرجهم إلى أرض الجهاد، لم يقل أحدٌ: إن هذا فرض عينٍ على رءوسكم، لكن ما الذي أخرجهم قالوا: أردنا الجنة واشتقنا إلى الشهادة، وطمعنا أن تغفر لنا الذنوب عند أول دفعةٍ من الدم، ورغبنا أن نرى الحور العين حال الموت، وأن نُشفَّع في سبعين من أهل بيوتنا، ولا حاجة لنا في دنيا نحن فيها من المراكب والقصور، وكل نعيم العيش ووفير الفراش. أيها الأحبة! اعلموا أن هذا الدين قوته ذاتية فاحملوه برفقٍ وهدوء وقدموه في ثوبٍ قشيبٍ جميل فإن النفوس سرعان ما تستجيب له. أسأل الله جل وعلا أن يُعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يُبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، يا سميع الدعاء، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على الحق يا رب العالمين. اللهم ما علمت في أحدٍ خيراً له ولأمته فقربه له، وما علمت في أحدٍ شراً له ولأمته فأبعده عنه، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا ميتاً إلا رحمته. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، اللهم جازه بالحسنات إحسانا، وبالسيئات عفواً وغفراناً، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر المجاهدين، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم وحد صفهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم سدد رصاصهم، اللهم أقم دولتهم على كتابك وسنة نبيك يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصرهم على اليهود، اللهم عليك بأعداء دينك الجعفرية والاثني عشرية، اللهم عليك بهم، اللهم مزقهم شر ممزق، اللهم أهلك بعضهم ببعض، اللهم أشعل نار الفرقة بينهم، وفتيل الفساد والخلاف في صفوفهم، اللهم اجعلهم بدداً، ولا تبقِ منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، فإنهم لا يعجزونك يا جبار السماوات والأرض. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 703

أهمية السنة إن النبي ﷺ قد حثنا على الالتزام بسنته، وحذرنا من مخالفته واتباع البدع والضلالات، وقد بين الشيخ في هذه المادة بعض الأخطاء التي تقع بسبب التفريط بالسنة، وعدم الاهتمام بها، وركز الشيخ على المخالفات في باب الطهارة.

стр. 704

أخطاء في الوضوء مخالفة للسنة الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يكفره، وأصلي وأسلم على نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد أيها الأحبة في الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين! مرَّ بنا الحديث في واحدة من الجمع الماضية عن أهمية السنة واتباعها، وعن أهمية تعلم الإنسان لأحكام دينه، لكي يعبد الله وحده لا شريك له على بصيرة، إذ أن شرط قبول الأعمال: الإخلاص والمتابعة، فمن حقق واحداً منها، وضيع الآخر؛ فهو على خطر أن يكون عمله هباءً منثوراً، فكان لابد للمؤمن أن تكون أعماله وأفعاله وأقواله خالصةً لله وحده لا شريك له، صواباً على سنة نبيه ﷺ ، ومرَّ بنا الحديث حول بعض المغالطات والأخطاء الشنيعة الكثيرة المتعددة، التي يقع فيها كثير من المسلمين، مما ينعكس الأمر على عبادتهم، ومن ذلك الوضوء، فكثير من المسلمين يجهلون ويخطئون في تطبيق أحكام هذه العبادة، والتي لها أكبر الأثر حيث إنها شرط للصلاة، فإذا ضاع الشرط، فقد بطل المشروط، فكان لابد لنا أن نتم هذا الحديث، وقلنا بلاغاً للفائدة، وإسناداً للفضل لأهله: إن جملة هذه المعلومة لطالب من طلبة العلم كتبها واحتسبها لوجه الله جل وعلا، فمن باب نسبة الفضل إلى أهله نسأل الله أن يثيبه على ما جمع وأفاد.

стр. 705

اعتقاد وجوب مسح الرقبة في الوضوء أيها الأحبة في الله! يخطئ بعض المسلمين بظنهم أن مسح الرقبة أمر واجب من واجبات الوضوء، ويحتجون في فعل ذلك بحديث نصه: (مسح الرقبة أمانٌ من الغل) قال النووي في المجموع: هذا حديث موضوع، وليس من كلام النبي ﷺ ، فعلم بهذا أن ما يفعله بعض المسلمين من مسحهم للرقبة من مقدمتها، أو خلفها، خلاف للسنة، بل بدعةٌ على عبادة الوضوء، فلينتبه لذلك.
следующие страницы →