Полный текст (3 155 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قصة تؤثر في بعض الفساق
وقصةٌ أخرى حدثني بها من كانت له واقعةٌ أيضاً قال: كنا في مجلسٍ وفيه طوائف من الشباب على اختلاف مناهلهم ومشاربهم، وفيهم الفُساق بكل ما تعنيه كلمة الفِسقِ من معنى، قال: فقمت أحدثهم عن شأن اللاجئين في أفغانستان وكيف تعرض لهم الشيوعيون، قال: وكان لاجئ طاعن في السن شيخ هرم كبير يحدثنا، ثم استعبر وبكى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: فشدني استعباره والتفت إليه وأمسكت به، قلت: أقسمت عليك يا شيخ لتخبرني ما الذي حصل لك، فحاول أن يتهرب ويعتذر فكنت لحوحاً في السؤال، قال: كنت في طريقي وقد قتلت زوجتي ومعي بناتي فاعترض لنا الروس ثم كبلوني مقيداً وأخذوا بناتي وجردوهن من ثيابهن ثم وقف الروس كالطابور واحداً تلواً الآخر يفعلون الفاحشة في بناتي وأنا والله أنظر ثم لما انتهوا منهن بعد أن أصابوا بناتي بما فعلوه من جرمٍ وحشي لا يُذكر، قال: قتلوا بناتي واحدة بعد الأخرى ثم أطلقوا سراحي لكي أموت غيظاً، ولكي أموت كمداً، ولكي أموت قهراً فإني والله كلما تذكرت هذه القصة لا أملك عبرةً تترقرق أو دمعةً تنزل أو شجاً يغص في حلقي، قال: فلما سمع من حولي من الشباب هذه القصة والله ما رأيت إلا دموعاً تتحدر وبكاءً وشهيقاً علا حتى غط المجلس فتأثروا بما كان يتحدث به عن وضع إخوانهم.
إذاً: فلا غرابة أن يتأثر شبابنا وأن يعودوا إلى الإسلام، وأن يئوبوا إلى حظيرته، وأن يكونوا من أعز أنصاره وأعوانه.
إن هذا الدين ليس حصراً على أمةٍ بعينها، أو فئةٍ بعينها، أو طائفةٍ بعينها.
إن الناس في توجههم إلى الله يتفاوتون قرباً وبعداً بحسب تقواهم لله، وكم من فاسقٍ تاب وأناب إلى الله! ونال منزلةً ما بلغها عابد من العباد! ولا زاهد من الزهاد! فاعتبروا يا أولي الأبصار! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 702
بعض ثمار الحكمة والموعظة الحسنة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ في الدين ضلالة؛ وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة! نسوق تلك المقدمة وتلك القصص لكي نعلم، ولكي نتيقن أنه ينبغي أن ننظر لكل شابٍ رأيناه، ولكل من عرفناه وهو على حالٍ من الفساد والمعصية، أن ننظر له بعين العطف، وأن ننظر له بعين الخوف، الخائفين عليه من عذاب الله، المشفقين عليه من النار، المحبين له ما أحببناه لأنفسنا من رضا الله والجنة، لا أن ننظر لمن كان عليه أثرٌ من آثار المعاصي والمنكرات نظرة العلو والتكبر، أو أن نخاطبهم خطاب السيد لعبده أو الأمير لمأموره، لا وألف لا، فإن الناس في هذا الزمان كلٌ قد استغنى بحاجته:
كلانا غنيٌ عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا
كلٌّ غنيٌ بما آتاه الله جل وعلا، فلا سبيل إلى النفوس إلا بالتواضع وخفض الجناح، وطلاقة الجبين والبشاشة الدائمة، ورقة العبارة، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، إن هذا لهو خير سبيلٍ يدخل به الدعاة إلى الله إلى نفوس الناس مهما كانت معاصيهم، ومهما تنوعت منكراتهم، ومهما تلون منكرهم وباطلهم.
منذ أسبوعٍ أو أقل وقفت عند محلٍ من محلات التسجيلات الإسلامية فإذا بي أجد شاباً صبيح الوجه عليه علامات الهداية والتقى ويشع من وجهه نور إيمانٍ، هذا ما رأيته، وإذا به يخبرني قال: هذا كان محلاً لي وكان قبل شهرين أو ثلاثة محلاً أبيع فيه أشرطة الغناء وأشرطة اللهو، فمنّ الله عليّ بحادثةٍ بسيطة تبت إلى الله مما كنت فيه، وما فعلت فاحشةً أبداً، لكني كنت غافلاً غفلةً عجيبة، ثم تبت إلى الله وقلبت هذا المحل من محل تسجيلاتٍ خليعة وماجنةٍ، ومن مزامير الشيطان إلى مكانٍ أنشر فيه كلام الله وسنة نبيه، وندوات العلماء، والمواعظ النافعة الصالحة.
إذاً أيها الأحبة! ليس بعيداً وليس غريباً مهما كان الإنسان فيما كان، ومهما بلغت درجته ومنزلته، إن شباباً الآن في أرض الجهاد هم من أبناء الأثرياء ومن أبناء الكبراء، ما الذي أخرجهم إلى أرض الجهاد، لم يقل أحدٌ: إن هذا فرض عينٍ على رءوسكم، لكن ما الذي أخرجهم قالوا: أردنا الجنة واشتقنا إلى الشهادة، وطمعنا أن تغفر لنا الذنوب عند أول دفعةٍ من الدم، ورغبنا أن نرى الحور العين حال الموت، وأن نُشفَّع في سبعين من أهل بيوتنا، ولا حاجة لنا في دنيا نحن فيها من المراكب والقصور، وكل نعيم العيش ووفير الفراش.
أيها الأحبة! اعلموا أن هذا الدين قوته ذاتية فاحملوه برفقٍ وهدوء وقدموه في ثوبٍ قشيبٍ جميل فإن النفوس سرعان ما تستجيب له.
أسأل الله جل وعلا أن يُعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يُبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، يا سميع الدعاء، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على الحق يا رب العالمين.
اللهم ما علمت في أحدٍ خيراً له ولأمته فقربه له، وما علمت في أحدٍ شراً له ولأمته فأبعده عنه، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا ميتاً إلا رحمته.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، اللهم جازه بالحسنات إحسانا، وبالسيئات عفواً وغفراناً، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر المجاهدين، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم وحد صفهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم سدد رصاصهم، اللهم أقم دولتهم على كتابك وسنة نبيك يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصرهم على اليهود، اللهم عليك بأعداء دينك الجعفرية والاثني عشرية، اللهم عليك بهم، اللهم مزقهم شر ممزق، اللهم أهلك بعضهم ببعض، اللهم أشعل نار الفرقة بينهم، وفتيل الفساد والخلاف في صفوفهم، اللهم اجعلهم بدداً، ولا تبقِ منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، فإنهم لا يعجزونك يا جبار السماوات والأرض.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 703
أهمية السنة
إن النبي ﷺ قد حثنا على الالتزام بسنته، وحذرنا من مخالفته واتباع البدع والضلالات، وقد بين الشيخ في هذه المادة بعض الأخطاء التي تقع بسبب التفريط بالسنة، وعدم الاهتمام بها، وركز الشيخ على المخالفات في باب الطهارة.
стр. 704
أخطاء في الوضوء مخالفة للسنة
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يكفره، وأصلي وأسلم على نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الأحبة في الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين! مرَّ بنا الحديث في واحدة من الجمع الماضية عن أهمية السنة واتباعها، وعن أهمية تعلم الإنسان لأحكام دينه، لكي يعبد الله وحده لا شريك له على بصيرة، إذ أن شرط قبول الأعمال: الإخلاص والمتابعة، فمن حقق واحداً منها، وضيع الآخر؛ فهو على خطر أن يكون عمله هباءً منثوراً، فكان لابد للمؤمن أن تكون أعماله وأفعاله وأقواله خالصةً لله وحده لا شريك له، صواباً على سنة نبيه ﷺ ، ومرَّ بنا الحديث حول بعض المغالطات والأخطاء الشنيعة الكثيرة المتعددة، التي يقع فيها كثير من المسلمين، مما ينعكس الأمر على عبادتهم، ومن ذلك الوضوء، فكثير من المسلمين يجهلون ويخطئون في تطبيق أحكام هذه العبادة، والتي لها أكبر الأثر حيث إنها شرط للصلاة، فإذا ضاع الشرط، فقد بطل المشروط، فكان لابد لنا أن نتم هذا الحديث، وقلنا بلاغاً للفائدة، وإسناداً للفضل لأهله: إن جملة هذه المعلومة لطالب من طلبة العلم كتبها واحتسبها لوجه الله جل وعلا، فمن باب نسبة الفضل إلى أهله نسأل الله أن يثيبه على ما جمع وأفاد.
стр. 705
اعتقاد وجوب مسح الرقبة في الوضوء
أيها الأحبة في الله! يخطئ بعض المسلمين بظنهم أن مسح الرقبة أمر واجب من واجبات الوضوء، ويحتجون في فعل ذلك بحديث نصه: (مسح الرقبة أمانٌ من الغل) قال النووي في المجموع: هذا حديث موضوع، وليس من كلام النبي ﷺ ، فعلم بهذا أن ما يفعله بعض المسلمين من مسحهم للرقبة من مقدمتها، أو خلفها، خلاف للسنة، بل بدعةٌ على عبادة الوضوء، فلينتبه لذلك.
стр. 706
اعتقاد أن الوضوء لا يصح إلا بغسل العضو ثلاث مرات
ومن الأخطاء التي وقع فيها كثيرٌ من المسلمين اعتقاد بعضهم أن الوضوء لا يتم إلا إذا كان ثلاثاً ثلاثاً، أي: غسل كل عضوٍ ثلاث مرات، وهذا اعتقاد خاطئ، قال البخاري في صحيحه: باب الوضوء مرة مرة، باب الوضوء مرتين مرتين، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وأورد تحت الباب الأول حديث ابن عباس ﵄، قال: (توضأ النبي ﷺ مرة مرة) وروى -أيضاً- في حديث عبد الله بن زيد ﵁: (أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين) وروى -أيضاً- من حديث عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً) وعن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، قال: (دعا رسول الله ﷺ بوضوء، فغسل وجهه مرةً، ويديه مرة، ورجليه مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم دعا بوضوء فتوضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من ضاعف الله له الأجر مرتين، ثم دعا بوضوء، فتوضأ ثلاثاً، وقال: هكذا وضوء نبيكم ﷺ والنبيين قبله) أو قال: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي) رواه ابن شاهين في الترغيب، وابن السكن، وله شواهد كثيرة، قال الصنعاني في سبل السلام: وله طرقٌ يشد بعضها بعضا، فدلت الأحاديث على جواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً.
стр. 707
خطأ زيادة غسل الأعضاء على ثلاث
ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المسلمين: الزيادة في عدد غسل أعضاء الوضوء، أو بعضها، أكثر من ثلاث مرات، وهذا يحدث من بعض الناس، فيعتقد أنه كلما أكثر من غسل أعضاء وضوئه، زاد أجره، وهذا وسوسةٌ وتلبيس من الشيطان، لأن العمل إن لم يكن مشروعاً فهو مردود؛ لما قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد) وإذا كان ذلك كذلك، فإن السنة في الوضوء ألا يجاوز المسلم غسل أعضائه أكثر من ثلاث مرات فقط.
стр. 708
عدم لزوم غسل الفرج عند كل وضوء
ومن الأخطاء الشائعة أيضاً اعتقاد بعض الناس أنه لابد من غسل الفرج قبل كل وضوء، ولو لم يحدث، وهذا خطأ شائع، والصواب أن يقال: من أدركته الصلاة، وقد سبق ذلك نومٌ، أو خروج ريحٍ من الدبر، فما عليه إلا أن يتوضأ، ولا يحتاج في ذلك إلى غسل فرجه، ومن اعتقد خلاف ذلك، فقد ابتدع في دين الله، إضافةً إلى أن ذلك من الوسوسة، وأما إذا أراد المسلم قضاء حاجته قبل الوضوء، ففي هذه الحالة يجب عليه غسل فرجه، وتنقية مكان البول والغائط، ويدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: (بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ من الليل، فلما كان في بعض الليل، قام النبي ﷺ فتوضأ من شنٍ معلق، توضأ وضوءاً خفيفاً) الحديث رواه البخاري، ولم يذكر ابن عباس ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قد غسل فرجه.
стр. 709
من الخطأ استقبال القبلة حال قضاء الحاجة وبناء المراحيض في اتجاه القبلة
ومن الأمور والأخطاء التي يقع فيها كثير من المسلمين: أنهم يستقبلون القبلة عند البول والغائط، وهذه مسألة قد عمت وعظمت بها البلوى، وشاعت في بيوت ومراحيض كثير من الناس، بل حتى عند المساجد، فيغفل البعض أو يتساهل البعض من المسلمين عند بناء بيوتهم عن تغيير اتجاه أماكن الخلاء خلافاً لجهة القبلة، بل إن بعضهم قد يتعمد ذلك، ولا يبالي بموضوع السنة، أو ما ورد في هذا، إذا كان هذا يوافق مخطط البناء، وهذا من المصائب التي ابتلينا بها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتساهل بعض المسلمين عند قضاء حاجته، فقد يكون مستقبلاً للقبلة ومع ذلك فلا ينحرف عن جهة القبلة يميناً أو يساراً، وهذا مما شاع في هذا الزمان، وفي هذا نصوصٌ صحيحة عن النبي ﷺ تحذر من ذلك: فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يولها ظهره، ولكن شرقوا، أو غربوا) رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن، وقوله: (شرقوا، أو غربوا) هذا بالنسبة للمدينة، أما بالنسبة لنا هنا، فإن من غرب، فقد استدبر أو استقبل القبلة، وكذلك من شرق.
فالمهم أن ينحرف الإنسان عن جهة القبلة، وأن يحرص على صرف مراحيض بيته عن جهة القبلة دبراً، أو قبلاً، واختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال عديدة: فمنهم من ذهب إلى القول بتحريم استقبال القبلة، أو استدبارها، وهذا هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، قال ابن القيم ﵀: لا فرق في قضاء الحاجة بين الفضاء والبنيان ببضعة عشر دليلاً، وقال الشيخ ابن قاسم: وهذا أصح المذاهب في هذه المسألة، وليس مع من فرق بينها ما يقاومها البتة، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، قال: وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا، ثم قال الشوكاني بعد ذلك: وهو الحق، أي: أن النهي في عدم استقبال القبلة بغائط أو بول هو الحق، لأن النهي يقتضي التحريم ولا صارف له، فلا وجه للحكم بالكراهة فقط.
стр. 710
ترك الدهانات العازلة على أجزاء الوضوء دون غسلها
ومن الأمور التي يتساهل بها بعض المسلمين في شأن الوضوء: أن بعضهم يمس يده، أو يقع عليها نوعٌ من الدهان الذي تطلى به الحيطان، وهو ما يعرف بالبوية، وهذا النوع إذا وقع على اليد، يمنع وصول الماء إلى الجزء الذي يراد غسله، فيبقى الوضوء ناقصاً، لذا فإن على من وقع على يده شيء من هذا أن يبادر إلى إزالته قبل الوضوء بالمواد الخاصة التي تزيل هذه الدهانات وغيرها، ومن المواضع التي تقع فيها كثير من النساء ما يجعلنه على أظفارهن، وهو ما يسمى بالمناكير، هذا طلاء فيه سماكة بحيث يمنع وصول الماء منعاً باتاً، لذلك فيجب على المرأة التي تضع هذا الطلاء على شيء من أجزاء يدها أن تزيله قبل الوضوء حتى يعم الماء الجزء المغطى، فيكون الوضوء تاماً صحيحاً.
стр. 711
من الخطأ التيمم عند الحدث مع وجود الماء
ومن الأخطاء التي يقع فيها كثير من المصلين أن أحدهم إذا أحدث في مصلاه، ضرب بيده ما تحته من السجاد، ثم تيمم وصلى مع الجماعة، وهذا غالباً ما يحصل إذا كان الزحام شديداً بالمسجد، وقد يحصل كثيراً في الحرمين أو في المساجد الكبيرة، ويقع هذا عندما يكون الوقت بارداً، فيحدث الإنسان ثم يتكاسل عن الذهاب إلى مكان الوضوء ليتوضأ بالماء، أو يحدث هذا عند إقامة الصلاة، فيظن بعضهم أن إدراك الصلاة مع الجماعة بالتيمم أولى من الذهاب إلى الوضوء، فجميع ما تقدم ذكره مما يقع فيه كثير من الناس عن جهل أو حسن نية، والقول في ذلك: أن من ترك الوضوء بالماء مع إمكان حصوله على الماء، ثم عمد إلى التيمم؛ ففعله غير جائز، وصلاته باطلة، وذلك لأن الله تعالى لم يرخص في التيمم إلا عند فقد الماء، أو تعذر استعماله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]، فدلالة الآية صريحة على أن التيمم لا يجوز عند وجود الماء، وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء، ولو إلى عشر حجج -أي إلى عشر سنين- فإذا وجدت الماء، فأمسه بشرتك) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
ففي هذا الحديث بيانٌ أن التيمم لا يقوم مقام الماء إلا إذا فقد الماء، أما إذا وجد الماء أو سهل الحصول عليه ولو بجهدٍ، أو بشيءٍ من الكلفة في نواله قبل خروج الوقت، فلابد أن يتجه المسلم إليه، ولا بد أن يتوضأ، وألا يعدل عن الوضوء إلى التيمم.
قال ابن تيمية: وقد اتفق المسلمون على أنه إذا لم يجد الماء في السفر، تيمم وصلى إلى أن يجد الماء، فإذا وجد الماء، فعليه استعماله.
ومن الأمور التي ينبغي أن ننتبه لها -أيها الإخوة- وهو مرتبط بهذا: أننا نلاحظ كثيراً من المسافرين على قارعة الطريق، ورأيت هذا بعيني مراراً، وتراه ليس بينه وبين المدينة التي يقدم إليها إلا بضعة كيلو مترات، ثم تجده على الطريق يتيمم على جانب الطريق، ثم يصلي ومن معه، فواجب طالب العلم، وواجب من فقه حكم هذه المسألة أن يرشده وأن يبين له، وأن يقول: ليس بينك وبين المدينة التي تصلها إلا مسافةً قليلةً يمكنك أن تدرك الماء فيها قبل خروج الوقت، فعند ذلك ينبغي أن ننتبه لهذه المسألة، وعند ذلك نرشده، ولا يقع في خطأ يودي بالبطلان في صلاته.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 712
النوم المستغرق يبطل الوضوء
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، والتزموا سنة نبيكم ﷺ ، وعضوا عليها بالنواجذ، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
أيها الأحبة! ومن المخالفات التي يقع فيها كثيرٌ من المصلين والمسلمين أن أحدهم يأخذه النوم وهو في صلاة الجمعة، أو في مسجد من المساجد، فإذا أقيمت الصلاة خاصةً صلاة الفجر والجمعة، قام وصلى مع المسلمين، ولم يلق لنومه بالاً، ولم يعره اهتماماً، ولم يعرف ذلك المصلي أن بعض النوم قد ينقض الوضوء، فيصلي صلاةً بغير وضوء، فتكون صلاةً باطلةً غير صحيحة، ونسوق هنا فتوى لسماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز نسأل الله أن يمد في عمره، وأن يبارك له في وقته، وأن يمتعه بالصحة والعافية، نسوق هنا فتوى له في هذه المسألة سئل سماحته حفظه الله عن الذين ينامون في المسجد الحرام قبل الظهر والعصر مثلاً، ثم يحضر المنبه للناس يوقظهم، فيقومون للصلاة دون أن يتوضئوا، وهكذا بعض النساء أيضاً، فما حكم ذلك؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب سماحته بما نصه: النوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقاً قد أزال الشعور، لما روى الصحابي الجليل صفوان بن عسال المرادي ﵁، قال: (أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم).
أخرجه النسائي والترمذي واللفظ له، وصححه ابن خزيمة، ولما رواه معاوية ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (العين وكاء السه) قال ابن الأثير في النهاية: والسه: حلقة الدبر (العين وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء) أخرجه أحمد والطبراني، وفي سنده ضعف، لكن له شواهد تعضده كحديث صفوان المذكور، وبذلك يكون حديثاً حسناً، وبذلك نعلم أن من نام من الرجال أو النساء في المسجد الحرام، أو في غيره، فإنه تنتقض طهارته، وعليه الوضوء، فإن صلى بغير وضوء، لم تصح صلاته.
واعلموا -أيها الأحبة- أنه لا حاجة إلى الاستنجاء في النوم ونحوه كالريح، ومس الفرج، وأكل لحم الإبل، وإنما يجب الاستنجاء أو الاستجمار من البول والغائط خاصة، وما كان في معناهما قبل الوضوء، أما النعاس فلا ينقض الوضوء؛ لأنه لا يذهب معه الشعور، وبذلك تجتمع الأحاديث الواردة في هذا الباب، والله ولي التوفيق، انتهى جواب سماحته.
وعلى ذلك، فمن نام في مصلاه، فعليه إعادة الوضوء، فإن صلى ولم يعد، بطلت صلاته، أما من نعس، فلا يعيد وضوءه كما تقدم، والله تعالى أعلم.
стр. 713
من مس فرجه انتقض وضوؤه
ومن المخالفات التي يقع فيها كثيرٌ من المسلمين: أن بعض الناس عند فراغه من غسل الجنابة، وقبل أن يرتدي ملابسه تقع يده على فرجه، فلا يلقي لذلك بالاً، ويصلي بذلك الغسل ما لم يحدث، لكن هذا لم يعرف أنه إذا لامست يده فرجه قد انتقض وضوءه، وفي ذلك دليل روته بشرة بنت صفوان ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : (من مسَّ ذكره، فليتوضأ) أخرجه مالك وأحمد، وأهل السنن، وعلى ذلك فيقال لمن اغتسل: احرص ألا تمس يدك فرجك، لئلا ينتقض الوضوء، فإن مسست ذلك، فعليك إعادة الوضوء.
стр. 714
من الخطأ عدم الغسل من الجماع إلا إذا أنزل
ومن المخالفات -أيضاً- أن بعض الرجال إذا جامع أهله لا يغتسل، ولا يأمر أهله بالغسل إلا إذا أنزل، وهذا أمرٌ يقع كثيراً، ونكتشفه ونعرفه من كثرة الأسئلة حول هذا الموضوع، ويخطئ فيه الكثيرون، فالقول في ذلك- وبالله التوفيق- كان الأمر أولاً: ألا يغتسل الرجل إلا إذا أنزل، وألا تغتسل المرأة إلا إذا أنزلت، ودليله ما أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (الماء من الماء) قال الصنعاني: أي الاغتسال من الإنزال، فالماء الأول المعروف، والثاني: المني، لكن هذا الحديث قد نسخ بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل) متفق عليه، وزاد مسلم: (وإن لم ينزل) وفي لفظ أبي داود: (وألزق الختان بالختان) فهذا الحديث استدل به الجمهور على نفس مفهوم حديث (الماء من الماء) واستدلوا على أن هذا آخر الأمرين، بما رواه أحمد وغيره من طريق الزهري عن أبي بن كعب أنه قال: (إن الفتيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد) صححه ابن خزيمة وابن حبان، وقال الإسماعيلي: صحيح على شرط البخاري، وهو صريح في نسخ حكم حديث (الماء من الماء).
ومن أدلة كونه ناسخاً أيضاً حديث أبي هريرة منطوقٌ، وحديث أبي سعيد مفهوم، والمنطوق مقدمٌ على المفهوم.
أيها الإخوة! فافهموا أحكام هذه العبادة الجليلة، افهموا أحكامها لما ينبغي للمسلم أن يقوم بها لكي ينال أجرها كاملاً، وافهموا أحكامها لما يترتب عليها من عبادات جليلة كصلاة وطواف وغيرها، فربما أخلَّ الإنسان بذلك، فينتقل الخلل إلى ما بعده، وفقهوا ذلك أولادكم وبناتكم ومن رأيتموه مخالفاً لسنة نبيكم ﷺ ، فإن الجاهل قد يعذر بجهله، وتقوم الحجة على العالم إذا رآه واقعاً في جهل أو خطأ، فسكت عنه ولم يبين.
واعلموا -أيها الأحبة- أنه لا قيمة لكل ما سمعتموه إلا إذا اعتنينا به تطبيقاً ومتابعةً للسنة ودعوة وحرصاً على ذلك، أما أن يسمع الكلام، ثم يتعدى الآذان، فلا فائدة من هذا كله، ومن عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم، فمن اعتنى بالسنة وطبقها، فتح الله على قلبه آفاقاً وأبواباً جديدةً من العلم، وهذا ملحوظ في علماء السلف الصالحين.
نسأل الله جل وعلا أن نكون من التابعين لهم بإحسان، اللهم ألهمنا رشدنا، ووفقنا للعناية بأحكام ديننا، والاهتمام بالالتزام بسنة نبينا، ونعوذ بك اللهم من الزلل، ونعوذ بك اللهم من الضلال في أمر الشريعة والعبادة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! اللهم من أراد علماءنا بفتنة وشبابنا بضلالة، وولاة أمرنا بمكيدة، ونساءنا بتبرج وسفور واختلاط في الوظائف والتعليم، اللهم عليك به، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، واطرده اللهم عن أرضنا وبلادنا يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم عجل نصرهم، ووحد صفهم، واجمع شملهم، وألف بين قلوبهم، اللهم اقهر عدوهم، اللهم عجل دولتهم يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، وارحم اللهم المستضعفين في فلسطين، اللهم انصرهم على اليهود أعداء دينك، وأعداء أنبيائك ورسلك، اللهم عجل نصرهم، واكشف اللهم المحنة والكربة عنهم، اللهم رد المسجد الأقصى إلى أيدي المسلمين، واطرد اليهود عن أرض المسلمين يا رب العالمين! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً، فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم ثبتنا على دينك إلى أن نلقاك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى، من الزلل بعد الاستقامة، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين قاعدين، اللهم احفظنا بالإسلام في كل مكان، وفي كل عصر وزمان برحمتك يا أرحم الراحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 715
فاحشة الزنا
إن الله من إكرامه لعبده جعله معززاً مكرماً في أهله وماله وعرضه، وقد تكلم الشيخ عن أعظم فاحشة نهى الله عنها حيث قرنها بالشرك بالله، ثم بيَّن آثار هذه الفاحشة وسلبياتها على الفرد والمجتمع في الدنيا قبل الآخرة، وختمها بذكر وسائل يتقي بها المرء هذه الفاحشة والجريمة البشعة.
стр. 716
ذم الزنا في الشرع وموجباته
الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً يليق بجلال الله وعظيم سلطانه، نحمده سبحانه أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
معاشر الأحبة: يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ويقول النبي ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا).
أيها الأحبة في الله! جريمة الزنا فاحشةٌ منطلقها من غريزةٍ موجودةٍ في بني الإنسان، لكن صاحب تلك الغريزة لم يتحكم بها، ولم يجعلها منضبطةً على النحو الشرعي الذي جاء المسلم في كتاب ربه وسنة نبيه، ودين الإسلام لم يكبت الغرائز، ولم يطلق لها العنان، إن دين الإسلام لم يطلق للغرائز العنان تسبح حيث شاءت وكيف شاءت بلا حدود، ولا روادع تردعها من دينٍ أو خلقٍ أو عرف -كما هو الشأن في المذاهب الإلحادية التي لا تؤمن بدين، ولا فضيلة- وفي هذا انحطاطٌ بالإنسان إلى مرتبة الحيوان، وإفساد للفرد والأسرة والمجتمع، حينما يترك العنان طليقاً للغرائز تعبث كيف شاءت، ودين الإسلام لم يصادم الغريزة، ولم يكبتها كما هو الشأن في مذاهب الحرمان والتقشف والتشاؤم، كالرهبانية والمانوية، ومن فعل بالغريزة هذا الموقف، فقد وأدها، وعطل عملها، ووقع في منافاة الحكمة التي من أجلها ركبت في الإنسان، إن دين الإسلام جعل لهذه الغريزة حدوداً تنطلق في داخلها وضمن إطارها دون كبت مرذول، أو انطلاق مجنون.
أيها الأحبة في الله! إن دين الإسلام لم يجعل هذه الغريزة مكبوتةً ولم يجعلها طليقة، بل وظفها ضمن إطار نافع للفرد وللمجتمع، خلافاً لتلك الشرائع التي أباحت الانفتاح والانحلال، والعلاقات الاجتماعية المفتوحة.
أيها الأحبة! إن هذا الدين الذي يسر لهذه الغريزة سبيلاً من الحلال، ونهى صاحبها عن التبتل واعتزال النساء، هو الدين الذي حرم الزنا، وهذا هو الموقف العدل الوسط، فلولا أن شرع الزواج ما أدت الغريزة دورها في استمرار الإنسان وبقاء نوعه، وما نشأت الأسرة التي تتكون في ظلالها العواطف الاجتماعية الراقية، من المودة والرحمة والحنان والحب والإيثار.
عباد الله! إذا رأينا الإسلام قد حارب الزنا وشدد في النهي عنه، والتحذير منه، ذلك لأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب والجناية على النسل، وانحلال الأسر، وتفكك الروابط، وانتشار الأمراض السارية، وطغيان الشهوات، وانهيار الأخلاق، يقول ابن القيم ﵀: والزنا يجمع خلال الشر كلها، من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة وقلة الغيرة، فلا تجد زانياً معه ورعٌ، ولا وفاءٌ بعهد، ولا صدقٌ في حديث، ولا محافظةٌ على صديق، ولا غيرةٌ تامةٌ على أهله، فالغدر والكذب وقلة الحياء والخيانة، وعدم المراقبة، وعدم الأنفة للمحارم، وذهاب الغيرة، هي خلق الزاني.
ومن موجبات هذا الزنا: غضب الرب عليه بإفساده، ومن موجباته: سواد وجه صاحبه وظلمته، وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين، ومن موجبات الزنا: ظلمة القلب، وطمس نوره، وهو الذي أوجب طمس نور الوجه، وغشيان الظلمة له، ومن موجبات الزنا: الفقر اللازم، ومن موجبات الزنا: أنه يذهب حرمة فاعله، فيسقط من عين الله، وأعين عباده المؤمنين، ومن موجباته: أنه يسلب الزاني أحسن الأسماء وهو العفة والبر والعدالة، ويعطيه أضدادها، كالفجور والفسق والزنا والخيانة.
قال الإمام أحمد ﵀: لا أعلم بعد قتل النفس شيئاً أعظم من الزنا، وقد أكد حرمته بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٦٩ - ٧٠] وقد قرن الله الزنا بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] فأخبر عن فحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه، حتى استقر فحشه في العقول حتى عند كثير من الحيوانات، كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون، قال: [رأيت في الجاهلية قرداً زنا بقردة، فاجتمع القرود عليهما فرجموهما حتى ماتا].
стр. 717
آثار الزنا الخلقية والخُلقية
أيها الإخوة في الله! إن الزنا مرضٌ خُلقيٌّ خبيثٌ؛ لا يظهر ويشيع إلا في المجتمعات المنحرفة التي تدنت إلى رجس الجاهلية وقذارتها، وإن الزاني رجلٌ منحرفٌ قد مسخت فطرته وانقلبت، كيف لا والخالق قد قرنه مع المشركين وقاتلي الأنفس التي حرمها الله بغير حق! وكيف لا يكون الزاني كذلك وقد انتهك عرضاً! واستحل حرمةً! وزرع بذرةً في أرض غيره! ولو تبصرت بعين العقل، وتأملت بعين الفكر طفلةً ضائعةً شريدةً جاءت ثمرة مرة لشهوة لحظة، هذه الطفلة الغضة البريئة، أو هذا الطفل الغض البريء، ماذا جنى أحدهما؟ يفتح عينه على الحياة، فلا يجد إلا أحضان مومسةٍ تتلقفه، أية جريمة اقترفها أحدهما حتى يحرم من حقوق الرضاعة والنفقة والحضانة؟! أية جريمة اقترفها حتى يحرم من دفء الحياة ونعيمها بين أبوين شرعيين؟! أيها الإخوة! ليس هذا اعتراضاً على قدر الله، بل هو مضاعفة وتوجيه لإثم كل ذلك على الزاني الذي تسبب في ذلك وأحدثه في المجتمع، إن الزاني النجس قد يصور له وهمه أنه كالفراشة ينتقل من زهرة إلى زهرة، من امرأة إلى امرأة، من فتاة إلى فتاة، من غصن إلى غصن، لكن تصوره خاطئ، إنه -والله- كالكلب ينتقل من جيفة إلى جيفة قذرة، من جيفة نتنة إلى جيفة عفنة، يصور لنفسه أنه يعيش حياة الانطلاق والانفتاح، وفي الواقع أنه يعيش أسير المعصية، سجين الأوهام، يعيش ضائعاً تائهاً شريداً، لا يستطيع الإقدام على الزواج ومسئولياته كما يقدم الرجال، لأنه مصابٌ بنقصٍ في رجولته، وانحرافٍ في طبيعته، أما الزانية فإنها مخلوقةٌ شاذة، وشذوذها لا يتفق مع طبيعة الرجل العادية من الناحية العقلية والنفسية والجنسية والأخلاقية، فالزانية مسلوبة الشرف والعفاف ظاهرة اللؤم والخداع والنفاق، ترضي كل طارق، وتدعي حب كل زاني، تبتسم ابتسامةً ملؤها النفاق والخداع، وتقبل عن نفس سقيمة عليلة، وروح خادعة غاشة، ألقت برقع الحياء عن وجهها، ولبست ثوب الخبث والخديعة والرذيلة والخيانة، لا كرامة لها، ولا قوام لأخلاقها، عقيدتها فاسدة، ورأيها ضال، فلا تصلح أن تكون شريكة رجل مسلم مهذب النفس قويم الأخلاق، حسن الطباع، وصدق الله جل وعلا: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] إلا من تاب وأقلع، فإن التوبة تجب ما قبلها، وتمسح ما كان سالفاً قبلها، ويعود كل إنسان اقترف جريمة بعد توبته طاهراً مطهراً، إذا كانت توبته نصوحاً صادقة.
стр. 718
مصير الزناة في الدنيا
عباد الله! لقد ظهرت كثير من الأمراض التي لم تكن معروفة من قبل، بسبب شيوع الفاحشة وانتشارها، وكان آخر هذه الأمراض ما يسمى بمرض الإيدز أي: مرض نقص المناعة المكتسبة، فأنسى الناس كل الأمراض قبله، وأصبح ذلك المرض شغل الناس الشاغل، فانعقدت لأجله الندوات، وأقيمت المؤتمرات، وأجريت البحوث والمحاضرات للتوصل إلى علاج له، لكن دون جدوى، وقد أجمع الأطباء على أن هذه الأمراض كلها لا تنتقل إلا عن طريق العلاقات المحرمة، كالزنا والشذوذ واللواط، فتأمل -أيها المسلم- عظم خطر هذه الأمراض التي يسببها الزنا، الذي وصفه الله جل وعلا بأنه: ﴿فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] أرأيت كل عضو شارك في جريمة الزنا، أو في مقدماته، كيف يتلظى بالآلام الجسام، ويصاب بالبثور والأورام، أرأيت كيف يكون العقاب، وكيف يكون الجزاء من جنس العمل! صدق نبينا ﷺ : (ما ظهرت الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم) هل رأيتم عاقلاً يؤثر التنعم بلحظة ليعاني بها شقاء الدنيا والآخرة؟! هذا مصير الزناة في الدنيا، آلام رهيبة في الأجساد قد تنتهي بهم إلى الموت، وقد تسلمهم إلى أمراض يتمنون فيها الموت، وتخريب كامل العقول، قد يفضي بهم هذا إلى الجنون.
ولما كانت جريمة الزنا بشعة إلى هذا الحد، فرض الله جل وعلا عقوبة تناسبها، فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] وقد بين ﷺ أن هذا هو حكم الزاني غير المحصن، أي: غير المتزوج، أما المحصن فعقوبته الرجم بالحجارة حتى الموت، وقد فعل ذلك النبي ﷺ ، وطبقه وحكم به في زمانه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣١].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 719
تحريم دواعي الزنا ومقدماته
الحمد لله، الحمد لله الواحد المتفرد في الكمال والجمال والجلال، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
عباد الله! إن دين الإسلام إذا حرم شيئاً سد جميع الطرق المؤدية إليه، وحرم كل ما يفضي إليه من وسائل ومقدمات، وكل ما كان من شأنه أن يستثير الغريزة الهاجعة، ويفتح منافذ الفتنة على الرجال والنساء، أو يغري بالفاحشة، أو يقرب منها، أو ييسر سبيلها، فإن الإسلام حرمه ونهى عنه سداً للذريعة، ودرءاً للمفسدة، ومن ذلك أن الإسلام حرم خلو الرجال بالنساء، حرم خلو الرجل بالمرأة الأجنبية، وهي التي لا تكون زوجةً له ولا إحدى قريباته اللاتي يحرم عليه زواجهن حرمةً مؤبدةً، ليس هذا فقداً للثقة فيهما أو في أحدهما، لكنه تحصينٌ لهما من وساوس الشيطان، وهواجس الشر، قال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلون بامرأةٍ ليس معها ذو محرم، فإن ثالثهما الشيطان) هل يسمع هذا من يسمح لأخته منفردةً تذهب مع السائق؟ هل يسمع هذا من يسمح لزوجته تذهب مع السائق لوحدها إلى السوق؟ هل يسمع هذا من يسمح لابنته أن تخرج مع السائق في أي وقت شاءت؟ عباد الله! يحذر النبي ﷺ تحذيراً خاصاً من خلو المرأة بالحمو حتى ولو كان قريباً، والحمو هو: قريب الزوج، كأخيه وابن عمه، لما يحدث عادة من تساهل في ذلك بين الأقارب، وقد يجر أحياناً إلى عواقب وخيمة، لأن الخلوة بالقريب أشد خطراً من غيره، لتمكنه من الدخول على المرأة في البيت من غير نكيرٍ بخلاف الأجنبي، قال ﷺ : (إياكم والدخول على النساء! فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) فهل نسمع هذا يا عباد الله؟ إن مما يؤسف له أن أسراً عريقةً، ومجتمعاتٍ في قلب هذه المملكة الطيبة قد تساهلوا بهذا الأمر تساهلاً عجيباً، فترى الواحد منهم يدخل البيت في حال غيبة الرجل، سواءً كان الرجل في متجره، أو في وظيفته، فيأتي الضيف، فتستقبله المرأة، وتقدم له الطعام والشراب، وتجالسه وتوانسه وتؤاكله، ليس هذا بشهامة، وليس هذا بكرامة، وليس هذا بنخوة ولا بنجدة، إن الله أغير، وإن نبينا أغير، فلا تظنوا -يا عباد الله- أن بعض الناس حينما يقول: إن نساءنا بإكرامهن الضيف فذلك من الشهامة، ونحن أيضاً على غيرة في محارمنا، لا والله، إن الغيرة كل الغيرة أن نمتثل قول الله جل وعلا، وأن نمتثل قول نبينا ﷺ ، بعض الأسر يتهاونون في جلوس زوجات الإخوان بعضهم مع بعض، ويحتج بعضهم أن هذا يفضي إلى الحاجة إلى تقسيم مائدة الطعام والإفطار والعشاء وليكن الأمر كذلك، ما الذي يضير أن يتغدى أو يتعشى النساء في مكان والرجال في غرفةٍ أو في مكانٍ آخر؟ أيهما أولى: أن يكون هذا، أو أن يكون الأمر المحذور والخطر الشديد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فانتبهوا لذلك يا عباد الله! وإن مما حرمه الإسلام سداً لجريمة الزنا أن الإسلام حرم النظرة، حرم إطالة النظر من الرجل إلى المرأة، ومن المرأة إلى الرجل بشهوة، فإن العين مفتاح القلب، والنظر رسول الفتنة، وبريد الزنا، وقديماً قال الشاعر:
كل الحوادث مبدؤها من النظرِ ومعظم النار من مستصغر الشررِ
والمرء ما دام ذا عينٍ يقلبها في أعين الغيد موقوفٌ على الخطرِ
يسرُّ مقلته ما ضرَّ مهجته لا مرحباً بسرورٍ عاد بالضررِ
وحديثاً قيل:
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامُ فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
فاتقوا الله في قلوب العذارى فالعذارى قلوبهن هواءُ
ولهذا وجه الله أمره إلى المؤمنين والمؤمنات بغض البصر مقترناً بأمره بحفظ الفروج، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١] فأمر الله الرجال والنساء جميعاً بغض الأبصار، وحفظ الفروج، ويلاحظ أن الآيات أمرت بالغض من البصر، لا بغض البصر، ولم تقل: ويحفظوا من فروجهم كما جاء فيها: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] لأن الفرج مأمورٌ بحفظه جملة دون التساهل بشيء منه، أما البصر، فقد تجاوز الله للناس بشيءٍ منه رفعاً للحرج، ورعايةً للمصلحة، وذلك محصورٌ بنظرة الفجأة، فالغض من البصر ليس معناه إقفال العين، وإنما معناه: عدم إرساله طليق العنان يلتهم الغاديات والرائحات، والغادين والرائحين، ولذلك قال ﷺ : (يا علي بن أبي طالب لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة) وليس معنى هذا أنه يسمح للإنسان بأول نظرة، وإنما المسموح له نظرة الفجأة غير المقصودة، ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن نظر الفجأة، قال: (اصرف بصرك) وصدق نبينا ﷺ حيث يقول: (العينان تزنيان وزناهما النظر) إن النظر المتلذذ الجائع ليس خطراً على عفة الرجل فحسب، بل هو خطرٌ على استقرار فكره وطمأنينة قلبه كالذي يصاب بالشرود والاضطراب حال إطلاق نظراته، ولقد أحسن من قال:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابر
стр. 720
وسائل تقي من الزنا
كما أن من الوسائل التي تقي من الزنا: التبكير بالزواج خصوصاً للذين يدرسون في الخارج، تلك البلاد التي تفشت فيها الدعارة، وصارت الدعارة سمةً غالبةً لأهلها.
ومن الوسائل المعينة على حفظ النفس من فاحشة الزنا: الصيام لمن لا يستطيع الزواج، فقد قال ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء).
ومن الوسائل أيضاً وهي أهم الوسائل: العناية بأمر الصلاة، وأدائها في أوقاتها، والزيادة من نوافلها، فالصلاة صمام الأمان، ناهيةٌ عن الفحشاء والمنكر كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] ومن الوسائل أيضاً: معرفة أضرار الوقوع في جريمة الزنا، سواءً كانت أمراضاً نفسيةً، أو بدنيةً، أو عقليةً، أو دينيةً، ومن ذلك الابتعاد عن الصور العارية، ووسائل الإغراء، والمشاهد الخليعة، تلك التي تثير الغرائز وتحركها.
ومن الوسائل المعينة على تجنب تلك الفاحشة: الاستغراق في الأعمال المفيدة النافعة، فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة، شغلتك بالمعصية.
نسأل الله أن يحمينا جميعاً من مضلات الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداةً مهتدين.
أيها الإخوة في الله! اسمعوا وانقلوا عنا هذه الكلمة: إن من نشر فيلماً خليعاً، أو مسلسلاً كان سبباً في وقوع شابٍ في جريمة الزنا، لهو أيضاً آثمٌ كما يأثم الزاني، لأن النبي ﷺ قال: (من دعا إلى هدى، فله أجره وأجر من تبعه إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى وزرٍ، أو ضلالةٍ، أو إثمٍ، فعليه وزره، ووزر من فعله، أو تبعه لا ينقص من أوزارهم شيئاً) أو كما قال ﷺ .
فليذكر أولئك الذين يبيعون أفلاماً خليعةً، وأشرطةً هابطةً أنهم سوف يحملون أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم، ألا ساء ما يزرون، إن العبد ليثقل كاهله بذنوبه وحده، فكيف بعبد يجيء يوم القيامة قد حمل وزر نفسه وأوزار آلاف من البشر الذين اشتروا منه الأفلام؟ وإن من شارك في هذه المحلات بيعاً وشراءً وإدارةً، وتسويقاً، وتصويراً، وإنتاجاً وإخراجاً، لهو آثم أيضاً، لهو داخلٌ في الوزر أيضاً، وكذلك من شارك في وضع الصور العارية، والصور الفاتنة على غلاف المجلات، أو في بطون أوراقها، وكان بسبب ذلك أن وقع بعض الشباب في جريمة الزنا، فهو والله آثم، هو والله آثم، هو والله آثم بفعله.
فاتقوا الله يا عباد الله! وافهموا ذلك جيداً، وانقلوه لكل بائع لهذه الأشرطة، وأخبروا به كل ضال مضل يضع الصور الخليعة في طيات المجلات والصحف، إن العبد لا يدري ماذا يختم له، فكيف بمن وقع في هذه الجريمة، وجرائم غيره يحملها على نفسه عياذاً بالله من ذلك.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أراد بمجتمعنا فتنة، اللهم من أراد في مجتمعنا انحلالاً وإباحيةً، اللهم من أراد بمجتمعنا ضلالة، اللهم اشغله بنفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! قبل ختام الحديث في هذا الباب نضيف جملةً أخيرة، وهي أن فتاة خرجت مستعطرةً متزينةً كما يقع الآن في هذا الزمان، من كثير من الفتيات، تلبس لبساً ضيقاً شفافاً يحجم مفاتنها، وقد فتحت شيئاً من ساقها، وأبدت شيئاً من نحرها، وتهاونت بظهور ذراعيها، فاستهان شابٌ بالنظر إليها، ولم يجد سبيلاً إليها، فوجد سبيلاً إلى غيرها، لهي أيضاً آثمةٌ معه في جريمة الزنا، لأنها المتسببة، لأنها هي التي أثارت غريزته، ومن ذلك أيضاً يا عباد الله أن كثيراً من الناس يتهاونون في ترك الخادمات لوحدهن في المنازل مع أبنائهم من الشباب، هذا خطر عظيم، هذا خطر جسيم، لا تظنوا الشباب ملائكة، لا تظنوهم معصومين أبداً، بل هم ذوو الغرائز، وهم في قوة الشباب، وعنفوان الشهوة، في لحظة يغيب فيها العقل، وينكسر فيها الحياء، وينطلق صمام الأمان، فتقع الفاحشة، لأن أهل البيت خرجوا وتركوا فتاةً وإن كانت أجنبيةً خادمةً، تركوها لوحدها والبيت مليء بالشباب، وإننا -والله- سمعنا بآذاننا، وعرفنا من أفواه كثيرٍ من الناس أنه حصلت جريمة الزنا بهذه الطريقة، بوجود الخادمة لوحدها في المنزل، والشاب ما كان يفكر أبداً في الزنا، لكنه دخل وخرج، ثم عاد مرةً ثانيةً وثالثةً، فوجد الخادمة لوحدها، وليس في البيت أحد، فزين له الشيطان سوء عمله، فوقع في هذه الجريمة، ثم جاء يبكي تائباً مستغفراً، فكيف حال كثير من الناس حينما يتركون الباب على مصاريعه، خاصةً أولئك الذين يستقدمون الخادمات الكافرات، إن الواحدة منهن لا ترد يد لامس، ولا تمانع أن تنال ولو شيئاً قليلاً من المال مقابل أن يقع منه ومنها ما يحقق شهوته وشهوتها، فاتقوا الله في ذلك يا عباد الله، راقبوا بيوتكم جيداً، وكونوا على مستوى المسئولية التي تحملتموها في أسركم وأولادكم وبناتكم، كذلك لا تتساهلوا بخروج الفتاة وحدها مع السائق، فمن كان مضطراً إلى هذا السائق، فليخرج محرماً مع الفتاة، أو جمعاً من النساء يمنعن الخلوة.
اللهم من أراد بولاة أمرنا فتنة، وبعلمائنا مكيدة، وبشبابنا ضلالة، وبنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم أدر عليه دائرة السوء، وافضحه على رءوس الخلائق يا رب العالمين! اللهم من أراد نشر الزنا في المجتمع بالدعوة إلى الاختلاط في الوظائف والتعليم، اللهم عليك به فإنه لا يعجزك، اللهم عليك به فإنه لا يعجزك، اللهم اقصمه قصماً، اللهم اقطع دابره يا رب العالمين! اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، قولوا: آمين.
стр. 721
نعمة العقل
ما أنزل الله من دين إلا وجعل فيه ما يحفظ على الناس مالهم وأعراضهم، وأعظم من هذا عقولهم التي بها مناط تكليفهم؛ لذا كان من حكمته أن حرم الخمر في ديننا.
وإن كان للخمر في القديم ضرر مقصور على البعض، فإن له في زماننا أضراراً وأضراراً، خصوصاً وقد ظهرت ألوان من المسكرات، والمخدرات
стр. 722
اهتمام الشرع بمصالح المسلمين
الحمد لله القائل في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١] والصلاة والسلام على رسول الله القائل: (اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، وهي مفتاح كل شر) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، والقائل صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وسلم تسليماً كثيراً: (إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومبتاعها، وشاربها وآكل ثمنها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها ومستقيها).
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
واعلموا يا معاشر المؤمنين أن الله جل وعلا ما شرع للعباد شيئاً إلا لأنه يحقق مصالحهم، فما أمر بشيء إلا لمنفعتهم فيه، وما حرم شيئاً إلا لضررهم أو حصول ما يضرهم بفعله، وهذه الشريعة الغراء، والكتاب المنزل والسنة المحمدية كلها وحي يوحى، وكل دقيق وجليل فيها يشهد أنها دين حق من عند الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
أيها الأحبة! شرع الإسلام مصالح العباد وما يحفظها، فشرع ضروريات تدور كثير من الأحكام عليها، أولها حفظ الدين، ولأجل ذلك كان الشرك أعظم فتنة، والفتنة أكبر من القتل، وشرع القتال والجهاد لدفع الشرك: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] وكما قال ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) كل ذلك لأجل الحفاظ على ضرورة الدين وأهميتها وعظم منزلتها وحاجة البشر إليها؛ إذ بدون الدين يعيش الناس همجاً رعاعاً، بل بهائم، بل البهائم أهدى منهم سبيلاً.
وشرع في هذا الدين حفظ العرض؛ ولأجل ذا حرم الزنا وحرم كل سبب يفضي إليه قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] وأمر الناس بغض الأبصار وحفظ الجوارح ونهوا عن إشاعة الفاحشة.
وشرع في هذا الدين حفظ المال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] وقال جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] حفظاً على أموال العباد ومقتنياتهم وثرواتهم.
وشرع في هذا الدين حفظ النفوس فشرع القتل للقاتل، والقصاص من المعتدي؛ لأجل ذا لا يجد الناس سعادة ولا طمأنينة يأمنون فيها على أموالهم وأعراضهم وأديانهم وحقوقهم إلا في ظل هذا الدين.
стр. 723
تحريم الشرع للخمر
وشرع أيضاً في هذا الدين العظيم الذي لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً حفظ العقل؛ لأجل ذا حرمت الخمرة، وحرم كل مسكر، وكان وعيداً من الله لمن شربها وأزال هذا العقل وأذهبه باختياره أن يعذبه بعصارة أهل النار كما في الحديث: (من شرب الخمرة كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال.
قيل: وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار وما يسيل من قيحهم وصديدهم وفروجهم).
أيها الأحبة في الله! هذا الدين عظيم، وكل تشريع فيه يزيدنا إيماناً وعظمة وثقة وحباً في التضحية والفداء لأجله، هذا الدين عظيم، وما قيمة الحياة بدونه.
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء له قرينا
стр. 724
سبب تحريم الخمر
أيها الأحبة! حرمت الخمر لأنها تذهب العقل، والعقل مناط التكليف، إن الشارع لم يسقط التكليف عن المعوق أو عن المشلول أو عن الأعمى أو الأعرج أو الأصم أو الأبكم، لكن زائل العقل حتى ولو اكتملت قواه وجوارحه دون عقله سقط عنه التكليف، وما ذاك إلا لأن مناط التكليف العقل، ولأن ارتباط العبادة بالعقل، فكيف يكون مصير عبد يعمد باختياره إلى إزالة مناط التكليف وإزالة محل العبادة فيه.
ولهذا كان جواب أهل النار أنهم أضاعوا عقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] لهم عقول لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، عطلوا العقول فكان مآل ذلك إلى النار وساءت مصيراً.
أيها الأحبة في الله! دعاء ونداء إلى من تعرفونه قد عاقرها سراً، وأرخى الستر، وأسدل الحجب، ودعا الندامى، وأدار الكأس
اهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل
كيف يعمد عاقل كرمه الله بهذا العقل أن يزيل هذه الكرامة بعمده واختياره، يحرم نفسه خمراً في الجنة، وكما في الحديث: (من شربها ولم يتب منها لم يشرب خمر الجنة أبداً) ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] وخمر الجنة لا تذهب بالعقول ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩].
стр. 725
أضرار الخمر على الأمة وشبابها
أيها الأحبة! ماذا يفوت الأمة؟ وماذا يحصل من الشر العظيم والوباء العميم بالتساهل بهذا الداء العضال والتهاون في وجوده وعقوبة متعاطيه ومعاقريه؟ كم تكسب الأمة من إنتاج أبنائها وحصاد عقولهم لو سلمت من هذا الوباء وذاك المنحدر الآسن؟! أليس في الخمرة هدر طاقات الشباب في هذه المحرمات؟ أليست تفوت اغتنام واستغلال القوة في البناء والدفاع والتعليم والأمن والدعوة؟ أليست تضيف أعباءً جساماً على أجهزة الأمن والقضاء والعدالة؟ يقول أحد الفضلاء: زرت سجناً من السجون فتوجهت إلى عنبر أهل الخمور والمخدرات والمسكرات فوجدت كوكبة ليست بالقليلة فقلت: يا سبحان الله! أولئك لو كانوا طليعة في جهاد، أو سرية في دعوة، أو جيشاً في نشر عقيدة، أو دعاة في محاربة بدعة، أو قادة، أو معلمين، أو بنائين، أو صناع، أو أي مهنة من المهن كم يكون نفعهم في الأمة، وكم يكون نفع الأمة منهم؟ ولكن بقطرات تتلوها قطرات.
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
فلا يفيق صاحبها منها، قطرات تلو قطرات يسكر صاحبها فيرى أنه يدبر البيت الأبيض، ويأمر ويزمجر في الكرملين، وينهى ويبطش في الشانزلزيه، وكما قال البدوي الأول:
وإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
يسكر على خيال من العظمة وجنونها ويفيق على هوان من الذلة بألوانها! وحسبكم أن شارب الخمر يفوته أعظم مصلحة وهي انقطاعه عن ذكر الله وعن التفكر في مخلوقات الله والتسبيح والتحميد والتكبير لله جل وعلا.
وإن الذي دعا إلى الحديث عنها أنها دبت وسرت سريان النار في الهشيم في بعض المجتمعات وبعض البيوت، حتى إن بعض من ينسبون أنفسهم إلى صنف معين أو فئة معينة يرونها من كمال الحسب ومدارج الرتب، وما هي إلا دركات تفضي إلى النار ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 726
أضرار الخمر وحكم الشرع فيها وفي أمثالها
لقد تكلم السلف والخلف في هذا فذكر ابن القيم والذهبي رحمهما الله، الأول في حادي الأرواح، والآخر في كتاب الكبائر ما فيها من الضرر الواقع فعلاً والصريح والمستنبط فيه: فأولها: اغتيالها للعقل، وكثرة اللغو على شاربها، وإسراف المال، وبذل المال في غير محله، وهي رجس من عمل الشيطان، موقعة للعداوة والبغضاء بين الناس، بل تجعل صاحبها يرتكب ما هو أعظم من ذلك، وقد قلت وأعيد: أن شاباً شرب الخمرة فجاء وزنا بأمه بعد إكراهها وإجبارها على ذلك! يحدثني بهذا قاض من القضاة الذين حكموا بقتل هذا الواقع فيها وشربها (ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه) نسأل الله لنا ولكم السلامة في الدنيا والآخرة.
ثم إنها داعية إلى الزنا، وربما دعت -كما قلت- إلى الوقوع على المحارم من بنات وأخوات.
أما ذهاب الغيرة عن صاحبها فلا تسل، وسبيل الديوثية إلى داره ميسر يوم أن يقع فيها ويدمنها، ناهيك عن ما تورثه من الخزي والندامة والعار والفضيحة مع أنها تكسوه أقبح الأسماء والصفات، وتسلبه أجمال الأوصاف والنعوت.
أما هتكها للأستار فعجيب! وقد كذب ذلك الشاعر الذي قال:
وللسر مني موضع لا يناله جليس ولا يفضي إليه شراب
فكم ظهرت الفضائح، وهتكت الأستار، وشاعت الأسرار؛ بسبب كأس تلاها ثمالة.
أيها الأحبة! وحسبكم أنها أم الخبائث، والعجب في أقوام يجادلون في أنواع جديدة ومشتقات طارئة ويرون أن الخمر ليست إلا من العنب فحسب، فتجد بعض المعاندين الذين يعلمون علم اليقين حرمة ما يعاقرونه ويتعاطونه، وجحدوا بحرمته واستيقنت ذلك أنفسهم ظلماً وعلواً، ويلحق بهذا أولئك الذين يصرون على تعاطي المخدرات وما وافقها وأفضى إلى ما أفضت إليه، أو من يتعاطون القات وما شابهه في أحكامه، ولقد أجاد الشيخ/ حافظ بن أحمد الحكمي لما سئل عن القات والمخدرات والمسكرات والدخان أيضاً، فقال مجيباً بأبيات جميلة رقيقة لأولئك المتشككين في حكمها وبيان حقيقتها:
يا باحثاً عن عفون القات ملتمساً تبيانه مع إيجاز العبارات
كله لما شئت من وهن ومن سلس ومن فتور وأسقام وآفات
كله لما شئت من لهو الحديث ومن إهلاك مال ومن تضييع أوقات
لقد عجبت لقوم مولعين به وهم مقرون منه بالمضرات
في الدين والمال والأبدان بل شهدوا بسكرهم منه في جل المقامات
إني أقول لشاريه وبائعه إن لم يتوبوا لقد باءوا بزلات
كذا الدخان بأنواع له كثرت وغير ذلك من نوع الدنيئات
داء عضال ووهن في القوى ولها ريح كريه مخل بالمروءات
أليس في آية الأعراف مزدجر لطالب الحق عن كل الخبيثات
والنهي جاء عن التبذير متضحاً وعن إضاعة مال في البطالات
دع ما يريبك يا ذا اللب عنك إلى ما لا يريبك في كل المهمات
أيها الأحبة! آفاتها عجيبة، ولقد ذكر الشيخ البيحاني من علماء اليمن ﵀ رحمة واسعة: أنها تخدر المراكز العصبية العليا، فيصاب شاربها بالجنون وضيق النفس والقلق الذي لا ينقطع، فيتداوى منها بها فيدخل دائرة الإدمان حتى يموت على ذلك، إلا أن يتداركه الله برحمة وتوبة.
ثم إنها تنبه القلب تنبيهاً شديداً يعقبه الضعف والهبوط المفاجئ، وتضعف مناعة الإنسان، وتعرضه للعدوى بكل مرض من الأمراض، ومدمن الخمر معرض للإصابة بالسل أكثر من غيره، ونسبة نجاح العمليات الجراحية في مدمني الخمر قليلة جداً، وقد أجري فحص دقيق في مستشفيات عدة للأمراض العقلية في أنحاء مختلفة من العالم، وقد أسفر الفحص أن ما يقرب من (٥٠%) من نزلاء تلك المستشفيات من أهل الخمور وسلالة المتعاطين لها.
ثم إنها تتلف الكبد والكلى، وتسبب الضعف العقلي والجسمي والعصبي والجنسي أيضاً.
стр. 727
أرقام تثبت أضرار الخمر
أيها الأحبة! لا أريد أن أطيل في ذكر أضرارها فائذنوا للأرقام أن تتحدث، وللإحصائيات أن تفصح؛ لأنني لا أظن كثيراً من الذين يتعاطونها خاصة في مجتمعنا يشكون في حرمتها، ولكن يزين لهم الشيطان الخلوة بها، أو ظنهم أن بعض جيرانهم لا يعلمون بها، ولقد علمت وعلم كثير من المحبين لإخوانهم وجيرانهم أن هناك من يظن أن ستره بها يعينه على التمادي والإدمان لها، وقد جهل المسكين أنه ربما خرج ذات يوم باختياره فأفصح عن نفسه وأبان عن ذاته وهتك الستر تحت الإدمان.
يقول الدكتور " هاينت " من منظمة الصحة العالمية: إن عدد الذين تقضي عليهم الخمر أكثر بملايين من عدد الذين يموتون من المجاعة في حزام الجفاف بـ أفريقيا.
ويقول الدكتور " كيف بول ": إن بريطانيا خسرت مليون إنسان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بسبب تدخين السجائر.
وأضيف نداءً إلى المدمنين على الدخان الذين يقعون في هذا بفتوى: إنها مكروهة.
سئل أحد علماء الشام من قبل رجل من العامة قيل له: يا شيخ! ما حكم الدخان؟ فقال: أريدك أن تذهب إلى الأطباء، النطاسيين الحكماء، واسألهم: هل فيها نوع نفع أم هي ضرر قاطبة؟ فإذا أخبروك بضررها قلت لك: إن الله قال في وصف نبيه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] وقلت لك قول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) قاعدة كلية في كل شيء ترِد حتى على مسائل التدخين، أن ما ضر فهو ممنوع ومنهي عنه ومحرم، ولعلماء نجد وعلماء الجزيرة قاطبة فتاوى ورسائل وكلمات مهمات في أحكام هذا.
أعود إلى الإحصائيات لنسمع ما تقول: أعلن وكيل وزارة الصحة الأمريكي: أن عدد الذين يموتون في الولايات المتحدة بسبب التدخين سنوياً يقدرون بنحو (٣٥٠) ألف شخص، وقدرت زيادة أيام العطالة والبطالة عن العمل وملازمة الفرش للمرض بسبب التدخين بـ (٧٧) مليون يوم عمل و (٨٨) مليون يوم في ملازمة الفراش، و (٣٠٦) ملايين يوم من العمل المحدود، أي من عدم التوظيف الكامل للقوة، أي من عدم العطاء الكامل بسبب التدخين والخمور والمخدرات.
وفي بعض الدول الأوروبية سرير واحد من كل ثلاثة أسرة في المستشفيات العامة يحتله ويرقد عليه مصاب بأمراض تسببها الخمور، أما الاضطرابات النفسية نسبتها بين أولاد المدمنين ثلاثة أضعاف نسبتها بين أولاد الأولياء الأسوياء، وتقول إحصائيات طب الأطفال الأمريكية في العدد الخاص عن المخدرات والخمر والجنس ما يلي: (٩٣%) من الشباب بين الثانية عشرة إلى السابعة عشرة من العمر في هذه السن شربوا الخمر، وبلغ عددهم (٢١.
٤) مليون فتى وفتاة، منهم (١.
٢) مليون يتعاطون الخمر يومياً.
(١٣) مليون من الشباب من سن الثانية عشرة إلى السابعة عشرة يتعاطون المريوانا، منهم (١.
٢) مليون يتعاطونها يومياً، (٨) ملايين مراهق يتعاطون أقراص الإمنتمين ومشتقاته بالفم وأحياناً بالحقن والوريد، يبلغ عدد الحالات المسجلة في الدوائر الطبية رسمياً لمرضى السيلان مليون حالة سنوياً، بينما تذكر مصادر أخرى أن العدد الحقيقي (٣) ملايين من الشباب (ربع هذا العدد الإجمالي).
زيادة نسبة (٨٠٠%) في الحالات المشتبهة لسرطان عنق الرحم للفتيات البالغ أعمارهن ما بين الخامسة عشر إلى الثانية والعشرين عاماً، وذلك فقط في الأعوام ما بين (١٩٧٠م) إلى (١٩٩٤م) خلال أربع سنوات (٨٠٠%) الاشتباه بحالات سرطان عنق الرحم.
في عام (١٩٨٣م) بلغت حالات الاعتداء على الأطفال جنسياً مليون طفل، لدرجة أن هذا أصبح تجارة منظمة يبلغ دخلها ما بين (٥٠٠) إلى (١٠٠٠) مليون دولار سنوياً، ويعمل في هذه المهمة والوظيفة الدنيئة آلاف المصورين والكتاب والمؤلفين والأطباء وبعض القسس والرهبان أيضاً ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤].
وأستأذنكم أن أخرج قليلاً فأقول: ترقبوا سقوط المجتمعات الغربية مجتمعاً تلو الآخر، إن هذه الأنظمة ليس في حقيقتها وصلبها ما يدعو إلى البقاء، ولكل شيء نهاية، لقد عاشت هذه الأنظمة بعضها مائتين عام، وإن العد التنازلي قادم، لا تظنوا أن العد التنازلي واقع، ولا تظنوا أن البلاء بتسلط الأعداء على المسلمين، بل إن البلاء بين الكافرين أنفسهم ناهيك عن حقيقة ما هم فيه من الضيق والضنك والانتحار والقلق.
стр. 728
ما يعانيه الغرب من الخمر والمخدرات
والله لو أن العالم الغربي صورته أجهزة التلفزة وأقلام الصحفيين، وكتب المؤلفين، وأفلام السينما وقصص الروائيين لو صورت هذا المجتمع على حقيقته لقوم لا يؤمنون إلا بالشاشة والإذاعة لرأيتم أن الغرب بجميع دوله أحقر من النجاسات والعذرات، ولكن الغرب لا يظهر في الشاشات إلا الصور المصطنعة المفتعلة من البشاشة المزورة؛ من التكافلات المختلطة من الاتصال، وحقيقة ما هم فيه على النقيض من ذلك أيضاً.
وحدثني بعض من له اطلاع إعلامي أن فيلماً أنتج بعنوان "أمريكا الوجه الآخر" صور لك ذلك المجتمع الآسن بما يدل على زواله وقرب انقسامه وفنائه وتدهوره، ولكن ما هو الحل؟ أين الطريق؟ أين المخرج؟ هل من سفينة تبحر بأولئك المبتلين إلى بر النجاة وشاطئ الأمان؟ لا حاجة إلى اجتهاد:
عطايانا سحائب مرسلات ولكن ما وجدنا السائلينا
وكل طريقنا نور ونور ولكن ما رأينا السالكينا
الطريق إلى الجنة هو النجاة من هذا، لكن الجنة باتت عند كثير من الخلق رخيصة، وكما قال ابن القيم:
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان
стр. 729
علاج الإسلام للمسكرات والمخدرات
أيها الأحبة! العلاج في الإسلام، ولقد سعت كثير من الدول بأبحاثها ومختبراتها وكتابها ومؤسساتها التربوية والإعلامية إلى محاربة هذه المخدرات، فجوبهت بالجرائم والدفاع المستميت عن هذا المشروب المخدر والمسكر، في ولاية من الولايات الأمريكية قبل قرابة ستين عاماً أراد حاكم الولاية بقانون أن يمنع الخمر، فكثرت حالات التهريب والترويج وتحدي أجهزة الأمن والمطاردات والقتل والاغتيالات؛ فعاد راغماً إلى إصدار قانون آخر يبيح الخمر للناس من جديد بعد زيادة أعداد من يتعاطونها.
والسبب واضح: لأن النفوس ما لم يكن فيها شرطي في الباطن، وجندي في الضمير، ورقيب عتيد يخشى الله ويستحي من الله كما قالت تلك البنية بعد أن أصدر عمر بن الخطاب مرسوماً يمنع فيه خلط اللبن بالماء، وقد تعود الناس هذا ليبيعوا ويكسبوا، فامتنعت تلك البنية بعد صدور قرار ولي الأمر عمر بن الخطاب ﵁ فقالت أمها: لم لا تمذقين اللبن بالماء يا بنية؟ قالت: أما علمت أن أمير المؤمنين أمر ألا يمذق اللبن بالماء؟ فقالت: وأين أنت من عمر؟! إن عمر لا يراك ولا يرانا.
وكان عمر ﵁ يتفقد أحوال رعيته، وكان في تلك اللحظات التي دار فيها ذلك الحوار الإيماني العجيب عند باب تلك الفتاة وأمها، فسمع البنية تقول: إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا.
بهذه النفس التي تراقب الله في السر والعلن، ما احتاج الناس إلى جواسيس أو رقابة أو شرط أو تفتيش في منع الخمر وتحريمها، كلمة ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] فكان الذي رفعها إلى فيه يردها، وكان الذي أودعها فمه يمجها، وهم يقولون: انتهينا ربنا انتهينا.
ذلك الإيمان به يعلى الجهاد، وبه يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه تحفظ الحقوق وتصان الأعراض، وتسعد النفوس، وتطمئن البشرية، وبغير هذا الدين، بغير هذا الإيمان فإن الناس لن ينزجروا عن كثير وكثير من المخالفات والجرائم ومن بينها المسكرات والمخدرات.
أيها الأحبة! يقول أعداؤنا: إن العلاج عندكم أنتم يا معاشر المسلمين، فهذا كاتب غربي ومستشرق أمريكي اسمه أفران فوجان يقول مخاطباً المسلمين: أرجو أن تنجحوا في الاستفادة من دينكم وقوانين شريعتكم، وليس هذا من أجلكم فحسب بل من أجل الإنسانية، إن لديكم مبادئ أصيلة من دينكم فبإمكانكم أن تنجحوا.
ويقول آخر وهو " جيمس بولدوين ": إن المعجزة التي حصلت: ذلك أن المدمنين الذين أثقلتهم الكحول والمخدرات يتغيرون فجأة عندما يعتنقون الإسلام، كما أصبحنا نرى الذين لم يسمعوا قبلها برسالة الإسلام يتعرفون عليها ويؤمنون بها ويتغيرون، لقد استطاع الإسلام تحقيق ما فشلت فيه أجيال من متخصصي العمل الاجتماعي، واللجان، والقرارات، والتقارير، ومشاريع الإسكان، ومراكز الترفيه، ألا وهو شفاء وإنقاذ السكارى والمتشردين وكسب الذين غادروا السجون وإبقاؤهم خارجها، إنه الإسلام الذي جعل الرجال أطهاراً والنساء فاضلات، وأعطى الرجال والنساء الاعتزاز والرصانة اللذين يحيطانهم كالنور الدائم! يقول هذا كافر من الكفرة، والحق ما شهدت به الأعداء.
أيها الأحبة! إن ذلك من ما يدعونا أن نتشبث بديننا، وأن نتمسك بديننا، وأن نعلم أنا أمة إن أردنا أن ننافس الناس بأعدادنا فقد هلكنا؛ لأن الكفار والمشركين والمجوس والهندوس والوثنيين أضعاف المسلمين، إنا لا نقاوم الناس بكثرة عدد، وإن أردنا أن نتفوق أو أن نحفظ أنفسنا بسلاح فما أظن أحداً يحفظ نفسه بسلاح يصنعه عدوه، ولكن إن حفظنا أنفسنا بدين، بحفظ الله (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) نحفظ أنفسنا بهذا الدين، نحفظ أنفسنا بهذه الشريعة، بكل ما جاءت به من تشريع اقتصادي وسياسي واجتماعي وإعلامي وتربوي وكل جانب من جوانب الحياة.
وإن الذين لا يزالون يرددون النظريات الغربية أو يرونها أطروحة تحل مشكلاتنا؛ أولئك يمثلون وقد هدم المسرح، ويصفقون وقد خرج الجمهور، ويعيدون رواية قومية فاشلة، وعلمانية ساقطة، وبعثية زنيمة، فلا خلاص إلا في الإسلام ولا نجاة إلا بالإسلام ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 730
سريان الداء في المجتمع ونتيجته
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بالإسلام وتعلقوا بالإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة! أتعلمون إلى أي حد قادت المخدرات أتباعها وأذنابها ومتعاطيها ومروجيها؟ لقد بلغ بأحدهم أن يبقى حارساً عند الباب والمروجون يفعلون بزوجته!! لقد قادت المخدرات أناساً استدرجوا بناتهم الصغيرات لتفعل بهن الفواحش! لقد قادت المخدرات أناساً أن يُفعل بهم اللواط عياذاً بالله من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم احفظنا بحفظك، ولا تكلنا إلى أنفسنا، الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً.
لقد قادت المخدرات شباباً إلى سرقة متاع وأثاث بيوت أهليهم من أجل حقنة أو حفنة أو سيجارة من حشيش أو هروين أو غير ذلك! لقد سرى ذلك الداء العضال والسم الزعاف حتى إلى الفتيات، وأصبح بعضهن يغري بعضاً، ويدعو بعضاً بعد أن اجتاحت أعداداً كبيرة من الشباب.
стр. 731
واجبنا تجاه هذا الداء العضال
إنني من هذا المكان أقول: إن الإعلام لا يزال مقصراً في إعطاء هذا الجانب المكان الكافي والوقت المناسب لمحاربته وتحذير الناس صغاراً وكباراً من شره.
إن الإعلام يدخل كل دار بلا استئذان، وعليه أن يجعل أوقات الذروة والساعات الذهبية لمكافحة هذا الداء العضال، لمكافحة هذا المرض والسم الزعاف الذي انتشر سراً بين كثير من الناس وأصبحت تفجع وتفاجأ بأن بيت بني فلان فيه الأطهار والأبرار يقع فيه فتى أو فتاة في أضرار وأسر هذه المخدرات!
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
وقعوا فيها قبل أن يحذروا منها، قبل أن يعرفوا عنها، استدرجوا إليها، استنزلوا من عصم مواقعهم إلى أوحالها ودركاتها فوقعوا فيها وهم لا يعلمون، ولما علموا دخلوا دائرة الإدمان، ولا سبيل إلا بالتوبة، ولا سبيل إلا بالرجوع والإنابة إلى الله جل وعلا.
وأنتم يا معاشر المصلين! خير من يملك حِبالاً ترمون بها إلى الذين يصارعون الموج غرقى يوشك أن ينحدروا إلى قاع أبحر المسكرات والمخدرات، الدعوة إلى الله من أهم الأسباب التي تبين للناس أخطار هذا الداء العضال، الشريط الإسلامي والكتاب والنشرة الموثقة من الأسباب المهمة التي ينبغي أن نقوم جميعاً يداً واحدة لنشرها بين الناس، وإن الواقع يحتاج إلى إصلاح في القاعدة كما يحتاج إلى إصلاح في درجات أخرى، والقاعدة: هم الناس، هم العامة، هم أبنائي وأبناؤك، أخواتي وأخواتك، أقاربي وأقاربك.
لابد أن نسعى إلى إصلاح هذا الواقع لا أن نتفاخر بدش يجر عشرين قناة أو أربعين محطة:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
تصوروا لو أن الأفلام المتحركة أو ما يسمى بالكرتون الذي يستغرق من البث الإعلامي قرابة الساعة أو أكثر من الساعة يومياً أعطي مثله أو محله أنشودة في التحذير من المخدرات، وقصة في التحذير من المخدرات، ورواية في سوء عاقبة أهل المخدرات، وأحكام وأحاديث وندوات في الأوقات الذهبية، أقول: في الأوقات الذهبية؛ لأن الحديث أثناء خروج الناس من بيوتهم لا يراه إلا نزر يسير، والشاشة جمهورها عريض فلا حاجة أن يخاطبوا عبرها يوم أن يجتمعوا حولها هذا من النصح والتناصح، لا خير فينا إن لم نتناصح، بل نكون خونة، وأقول هذا لكم أنتم لتتقدموا ببرامجكم الإعلامية إلى كل كاتب وروائي ومحدث وواعظ ومتكلم وطالب علم، عليك السعي أن توجد ساعة أو بضع ساعة ليكون لك صوت في نداء الناس وتحذيرهم من هذا الشر الذي ابتلي به الناس.
ثم أيضاً نحتاج أن نخاطب الذين يستهدفون بالمخدرات في مواقع تجمعاتهم، لا أن نقيم ندوة يحضرها من الأساتذة والمربين والأفاضل فنقول لهم: هذه أضرار المخدرات، أولئك يعلمون عنها علماً أكثر مما يتكلمه المتكلم، بعبارة أوضح: أين يجتمع الشباب؟ على مدرجات الملاعب الرياضية، فليرحل فريق من الدعاة إلى الملاعب الرياضية، وليأخذوا ما استطاعوا ولو بين الشوطين ليقولوا للشباب: هذا سم زعاف تستهدفون به، وليقولوا للشباب: احذروا قبل أن تقعوا، فدرهم وقاية خير من قناطير العلاج، نحدث الشباب في كل مكان يجتمعون فيه، أما أن تكون ندوة المخدرات أمام خمسة أئمة، وعشرة مؤذنين، وأربعة أساتذة، وثلاثة موجهين كل هؤلاء ما وقعوا ولن يقعوا بإذن الله فيها، الحديث لمن وقع أو في الطريق إلى الوقوع ذلك أمر مهم يجب أن نعلمه أيها الأحبة.
وختاماً: فإن مستشفيات الأمل تدعو كل ذي غيرة، وكل ذي كلمة، وكل ذي قلب رحيم، وكل ذي محبة لإخوانه أن يزورهم ويهديهم الكتاب، والشريط، والنشرة الموثقة، والكلمة الطيبة، والدعوة الصادقة.
ما أكثر الملتزمين! ما أكثر المتدينين! ما أكثر الصالحين في مجتمعنا! ولكن أخشى أن نكون كما في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة).
والله لو أن كل عشرة من الشباب المتدين جعلوا لهم برنامجاً في سجون الأمل وفي الإصلاحيات، وجعلوا لهم أصدقاء من أهل السجن لماذا لا نشكل جمعية أصدقاء السجناء، نتعهدهم بالزيارة، بالكلمة، بالشريط، بالدعوة، بالحديث، لماذا لا ينظم الشباب حفلات ترفيهية هادفة واعظة نافعة مرحة تجر أولئك إلى الالتزام والاستقامة؟ لماذا لا ينظم الشباب المتدين برامج العناية والرعاية اللاحقة أول ما يفرج عن سجين المخدرات يتولاه أولئك الأخيار حتى لا يعود من جديد إلى قافلة السكر والمخدرات.
إن المصيبة أن تجد كثيراً من النزلاء قد حل السجن قبل هذه المرة الأخيرة سبع مرات أو خمس مرات أو ثلاث مرات هنا مشكلة، هنا حلقة مفقودة، هنا قضية ينبغي تحديد السؤال عنها، وتشخيص العلاج لها: الرعاية اللاحقة.
أيها الأحبة! من السهولة أن نقول: تلك مسئولية الإعلام وحده، أو مسئولية الداخلية وحدها، أو مسئولية الجهات التربوية وحدها، علينا أيضاً مسئولية ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١].
وختاماً: هذه نصيحة من رجل بيننا وبينه قرون، أبعثها بالنيابة عنه، هو ابن رجب الحنبلي، من علماء المسلمين، يقول ﵀: يا شارب الخمر لا تغفل، يكفيك سكر جهلك، لا تجمع بين خطيئتين، يا من باشر هذه النجاسة بفمه اغتسل منها بالإنابة، وقد زال الدرن، طهروا درن القلوب بدمع العيون، فما يجلوها إلا التوبة، يا من درن قلبه بوسخ الذنوب لو اغتسلت بماء الإنابة لتطهرت، لو شربت من شراب التوبة لوجدته شراباً طهوراً، يا أوساخ الذنوب، يا أدران العيوب هذا مغتسل بارد وشراب، مجالس الذكر للمذنبين، شراب المواعظ، شراب المحبين، ترياق المفرطين ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] قد أدرنا عليكم شراب التشويق ممزوجاً بماء التخويف فبالله لا يبقى أحد منهم إلا وقد أناب إلى الكريم الوهاب، أليس من أهل الشراب من يبكي؟ أليس منهم من يضحك؟ أليس منهم من يطرب؟ أليس منهم من يتملق الناس ويتعلق بهم؟ أليس منهم من تثور نفسه فلا يرضى إلا بأن يطلق أو يضرب بالسيف ومنهم من ينام؟ فهكذا شراب المواعظ يعمل في السامعين: فمنهم من يبكي على ذنوبه، ومنهم بعد توبته من يضحك ويعجب من سالف عهده، ومنهم من يفرح لمحبيه وأحبابه، ومنهم من يتشبث بأذيال التائبين الواصلين لعله يعلق خطام راحلته على قطارهم، ومنهم من لا يرضى حتى يبت طلاق الدنيا ثلاثاً، أو يقتل هوى نفسه بسيف العزم، ومنهم من لا يدرى:
أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم وكيف يطيق النوم حيران هائم
فلو كنت يقظان الفوائد حرقت محاجر عينيك الدموع السواجم
بل أصبحت في النوم الطويل وقد دنت إليك أمور مفظعات عظائم
تسر بما يفني وتفرح بالمنى كما سر باللذات في النوم حالم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم
وتدأب في ما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم
أيها الأحبة! فلنكن عناصر فاعلة، ورموزاً نافعة في معادلة إصلاح المجتمع، علينا أن نقوم بدورنا تجاه هذه الأمة التي بليت بفتن تشق صفوفها في داخلها، وتفرق اجتماعها، وبليت بمنافقين يتربصون بنا الدوائر وينصبون الفخاخ ويفرقون الشمل، وبليت بأعداء ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران:١٢٠] فيا أحبابنا انفعوا، اعملوا، اسعوا، ابذلوا، ادعوا، ناصحوا، أعينوا، ادعوا الله، فإن لم تستطيعوا أن تفعلوا من ذلك شيئاً فلا تكونوا أعواناً للباطل على أهل الحق، ولا تكونوا دعاة للباطل من حيث لا تشعرون (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم جنبنا الخمر وأسبابها، اللهم جنبنا المخدرات وسبيلها، اللهم اشف المدمنين، اللهم اهد المروجين، اللهم عاف المتعاطين، اللهم سلمهم من دائها وبلائها، وتب علينا وعليهم يا رب العالمين، اللهم أعن رجال الأمن على مزيد من الحيطة والحذر والتفتيش الدقيق الذي لا يحابي أحداً في التفتيش والمحاسبة على كل ما يرد عبر أي حد أو مرفأ أو ميناء أو مدخل، اللهم ارزقهم الغيرة على دينهم وعلمائهم وولاة أمرهم وعامتهم والمسلمين أجمعين.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في الفليبين، اللهم اجمع شمل المجاهدين في أفغانستان، اللهم أصلح حال المجاهدين في أفغانستان، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا، ولا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، ربنا أعنا وثبتنا ولا تفتنا.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته يا واسع المغفرة، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.
اللهم صلِّ على محمد، اللهم صلِّ على الحبيب، اللهم صلِّ على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، اللهم صلِّ على من بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد فيك حق جهاده، اللهم صلِّ عليه وسلم تسليماً كثيراً ما تتابع الليل والنهار، وما ذكره الذاكرون الأبرار والأخيار، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥] ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 732
الحل الأمثل
مسئولية إصلاح المجتمع يتحملها كل فرد بحسب قدرته، والتقاعس عن الصدع بكلمة الحق هو سبب هلاك الأمة.
ومن أعظم مسئوليات الأمة: المحافظة على المرأة في كل شئونها، ومحاربة الاختلاط، ومنع الفساد في الجامعات والمستشفيات.
وهنا دعوة لإصلاح تعليم الفتاة الجامعي، وإلغاء نظام الساعات لما فيه من المفاسد، وبيان إمكانية ذلك، وبعض المقترحات بهذا الخصوص.
стр. 733
المسئولية المشتركة بين المسلمين
الحمد لله معز من أطاعه ومذل من عصاه، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، الحمد لله وعد الصادقين بالجزاء والنعيم، وتوعد المنافقين بالعذاب والجحيم، الحمد لله على آلائه التي لا تحصى، وعلى نعمه التي لا تنسى، اللهم لك الحمد كلما قلنا لك الحمد، اللهم لك الشكر والثناء، ولك الشكر والثناء كلما قلنا لك الشكر والثناء، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله خلق العباد من العدم، وهو أعلم بما يسرهم ويضرهم، وهو أعلم بمصالحهم وما يفسدهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
أشهد أن لا إله إلا الله أكمل الدين وأتم النعمة، ولم يجعل في هذا الكتاب نقصاً، لا يلحقه الباطل ولا يدركه، ولا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، أشهد أن لا إله إلا الله، من شرع فوق ما أمر الله فقد كفر، ومن ترك شيئاً من أمر الله عاصياً فقد فسق وجحد، ومن ترك شيئاً من أمر الله جاحداً ومنكراً فقد أشرك.
أشهد أن لا إله إلا الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حذر الأمة من كل صغير وكبير يجلب الشر والفساد والهوان إليها، وأرشد الأمة إلى كل صغير وكبير يحقق لها السعادة والأمن والطمأنينة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن معاملة الله بالصدق هي النجاة ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] واعلموا أن القدوم بين يدي الله قريب، وأن الوقوف بين يدي الله للسؤال كائن لا محالة، فمن عمل فسوف يسأل ومن سئل فليجب، ومن أجاب فهو بأمر ربه برحمة الله إن تداركته الرحمة والنعمة، ومن لقي ربه مفرطاً مستهزئاً مستهتراً مضيعاً متهاوناً مصراً مكابراً فالويل ثم الويل له.
معاشر المؤمنين! هذا الدين دين الإسلام، دين يقيم لمعتنقيه وأتباعه اعتباراً، ويقيم لهم وزناً، ويعد لهم حساباً، وذلك أن الإسلام يرى في المسلمين المكلفين أهلية لتحمل المسئولية، فيربي المسلم على الإيجابية والعطاء، ولا يتربى الشخص في هذا الدين على السلبية والحرمان، أو الأنانية والأثرة، أو حب الذات والانزواء عليها؛ لأجل ذلك فالمسئولية في هذا الدين ليست مسئولية تقع على كاهل فرد بعينه، أو وزارة بعينها، أو مسئول بعينه، وإنما هي مسئولية على المكلفين أجمعين، وواجبنا أن نتحمل مسئولياتنا، وأن نظهر بدين ربنا أعزة كرماء، كيف لا، والله قد أخذ العهد والميثاق على كل من حمل من هذا العلم شيئاً أن يبينه ولا يكتمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] وتوعد الله أولئك الذين يحملون العلم فيسكتون عليه والذين يعرفون الحق فينصرفون إلى ما سواه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩].
واعلموا يا معاشر المؤمنين أن المسئولية ليست على العلماء والدعاة وتلامذتهم فحسب، بل هي عليكم جميعاً، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الحاكم راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية ومسئولة عن أبنائها، والأب راع ومسئول عن أسرته، وكل من تولى أمراً فهو راع ومسئول، فهو مالك ومحاسب، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] هذه مسئولية الحكام، وهذه مسئولية الولاة والأمراء، ومسئولية العلماء الذين تمكنوا وتولوا وتحملوا عبئاً ثقيلاً، مسئولية وتركة عظيمة سيسألون بين يدي الله بعد تمكينهم: هل أمرتم بالمعروف؟ وهل نهيتم عن المنكر؟ وهل أقمتم الصلاة؟ وليست هذه المسئولية عليهم فحسب، بل على كل من يسمع هذه الآية، وكل من يسمع هذا الكلام، وكل مصل وكل مسلم عليه مسئولية من ذكر أو أنثى، يقول الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] فإن حق الإيمان وثمرته الولاية، ونتيجة الولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه المسئولية عظيمة جداً، وليست في جانب واحد بعينه، بل مسئولية في شتى المجالات والميادين، والأزمنة والأمكنة، والمواقع والمناسبات، مسئولية في كل جانب لإقامة الحجة ونصب الدليل وبيان المحجة، ونصيحة الأمة وكشف الغمة، والشر كل الشر، والبلاء كل البلاء، والفتنة كل الفتنة إذا تخلى وتنصل وتحلل، إذا تخلى من تعلق الأمر برقبته عن تحمل المسئولية حاكماً كان أو محكوماً، صغيراً أم كبيراً، أميراً أم حقيراً.
عباد الله! إن هذه المسئولية ألا وهي بيان حكم الله في كل صغيرة وكبيرة، ومسئولية بيان ما يرضي الله في كل جانب وفي كل مجال، ومسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مما تظافرت وتواترت به النصوص، فعن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂، زوج النبي ﷺ ، قالت: دخل عليها ﷺ فزعاً يقول: (لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها- فقالت أم المؤمنين ﵂: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث!) والخبث يا عباد الله: هو كل باب إلى الانحلال والاختلاط والزنا والفاحشة.
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وقال الصديق ﵁: وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) أبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 734
سبب هلاك الأمة
عباد الله! إن الجبن والخوف والتهاون والتقاعس عن الصدع بكلمة الحق هو سبب هلاك الأمة، وما أهلكت أمة من الأمم بعذاب عامة إلا لسكوت الأخيار والأبرار والأغيار، إلا لسكوت القلة القليلة فيها عن بيان حكم الله في كل واقعة ونازلة، في كل مجال وزمان ومكان.
إن صدع العلماء والدعاة والخطباء والأغيار، إن صدعهم بكلمة الحق هو صمام الأمان الذي يحفظ الناس فلا يصيبهم السوء ولا يقع ولا يحل بهم البلاء، وإن سكت الغيورون، وتنصل المسئولون، وكل آثر الأثرة، وحب الذات والأنانية، وانزوى على ذاته واهتم برصيده وأسهمه، وتعلق بمنصبه وترقيته، واشتغل بضياعه وزوجاته، فلا تسأل عن هلكته ولا تسأل عن هلكة الأمة بعده، إذا ضاع العالم ضاعت الأمة، وإذا تاه الدليل فلا تعجب إذا تاه الركب
تاه الدليل فلا تعجب إذا تاهوا أو ضيع الركب أذناب وأشباه
стр. 735
مسئولية المحافظة على المرأة
عباد الله! إن المجالات الحساسة الخطرة التي تتحمل الأمة فيها أعظم المسئوليات، ألا وهي مسئولية المحافظة على المرأة، وصد كل حملة تواجه المرأة عبر الجريدة أو المجلة، عبر الفلم أو المسلسل، وتفنيد كل شبهة، سواءً كانت شبهة الأقلام أو شبهة الأصوات أو الجمعيات، أو الشعارات والتيارات.
إن من أعظم مسئوليات الأمة المحافظة على المرأة، وصد كل حملة توجه لها، وتفنيد كل شبهة تثار حولها، وفرض كل نظام يحفظ حياءها وعفتها، ويمنع تسيبها واختلاطها، كيف لا؟ كيف يقول قائل: لا؟ والأمر من الله يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] ويقول الله: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ويقول الله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] ويقول الله: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ﴾ [النور:٣١] وغيرها من الآيات الآمرة بالمحافظة على المرأة، الناهية بالدليل والمفهوم عن إهمالها وتضييعها.
عباد الله! كيف لا تتحمل الأمة وكيف لا يتحمل المجتمع مسئولية المحافظة على المرأة؟ وقد اعتبر الإسلام حقوقها ومنزلتها ومكانتها في العبادة والثواب والحقوق والملكية، وجعل لها أوفر الحظ في الحسنات، وأعلى المنازل في الدرجات، لقاء سيطرة على مملكتها، وبذل الحقوق الواجبة لزوجها، وحسن تربية أولادها؟ كيف لا تتحمل الأمة مسئولية المحافظة على المرأة، والمرأة لباس الرجل وهو لباسها؟ والمرأة سكن الرجل ومستقر طمأنينته ومودته وصلته في غاية الرحمة بينها وبينه؟ كيف لا تتحملون وكيف لا يتحمل المجتمع مسئولية المحافظة على المرأة المسلمة؟ وهي التي في صلاحها كل خير، وهي الجوهرة والدرة التي يتألق بها الرجل في معاشرتها بالمعروف، فيوصى بها خيراً وحسنى، ويعرف كرم الرجال ولؤمهم من حسن معاشرة النساء وعدمه؟ عباد الله! كيف لا نحافظ على المرأة المسلمة والنبي يوصينا بها خيراً، والبر بها من أعظم القربات، وعقوقها من أعظم الكبائر؟ كيف لا نحافظ على المرأة ولنا أوفر الأجر في تأديبها وتعليمها؟ قال ﷺ : (من كانت له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان، فعلمهن وأدبهن واتقى الله فيهن، فله الجنة البتة) أبو داود والترمذي.
عباد الله! لقد سمعتم الآيات والأحاديث، واعلموا أن تفلت المرأة بعد هذا خطر عظيم وشؤم عميم، كيف لا، والنبي ﷺ يقول: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) ويقول: (فاتقوا النساء واتقوا الدنيا فإن أول فتنة بني إسرائيل إنما كانت في النساء) ونهى عن الاختلاط بها، فقال ﷺ : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).
عباد الله! لم يقف الأمر عند هذا فحسب، بل تعلقت المسئولية بكل من ملك القرار، أو أدار الجهاز أو تحكم في الحوار، ولقد عرفنا وعلمنا أن الأوامر والتعليمات صدرت من ولاة الأمر في هذه البلد لمنع التسيب وقطع أسبابه ودابره، حتى لا تختلط المرأة بالرجال في أي مجال، صدر التعميم المبارك برقم (٢٩٦٦) وتاريخ (١٩/ ٩/١٤٠٤هـ) في هذا الموضوع، ونصه: نشير إلى الأمر التعميمي رقم (١١٦٥١) في (١٦/ ٥/١٤٠٣هـ) المتضمن أن السماح للمرأة بالعمل الذي يؤدي إلى اختلاطها بالرجال سواءً في الإدارات الحكومية أو غيرها من المؤسسات العامة أو الخاصة، أو الشركات، أو المهن ونحوها، أمر غير ممكن سواءً كانت سعودية أو غير سعودية؛ لأن ذلك محرم شرعاً، ويتنافى مع عادات وتقاليد هذه البلاد، وإذا كان يوجد دائرة تقوم بتشغيل المرأة في غير الأعمال التي تناسب طبيعتها، أو في أعمال تؤدي إلى اختلاطها بالرجال فهذا خطأ يجب تلافيه، وعلى الجهات الرقابية ملاحظة ذلك والرفع عنه، انتهى بنصه.
стр. 736
مساوئ تعليم الفتاة بنظام الساعات
عباد الله! ومع هذا كله وبالرغم مما تقرءونه وتسمعونه عن أهمية العناية بهذا الأمر، وخطر التهاون به، فإن تسيب الفتاة وإتاحة فرصة الانفلات بين يديها سانحة لا زالت قائمة، إن تسيب المرأة في بعض الدوائر وفي بعض القطاعات لا زال قائماً، ولا ندري من الذي يقف وراء هذا الأمر بعد كلام الله وبعد رسوله، ثم بعد الأمر والتعاميم الملكية السامية، لا ندري من الذي يقف وراء هذا ويماطل أو يسوف في سد ثغراته وتتبع منافذه بتعديل أو إصلاح، أتدرون أين هذا التسيب؟ إن صورة واحدة من صور هذا التسيب ظهرت جلية في جامعة الملك سعود في نظام الساعات الذي ثبت فشله، وثبت عدم صلاحيته، وثبت أثره في قلة تحصيل الرجل والمرأة، وفي ضعف المستوى العلمي، ذلك النظام الذي ثبت فشله أيضاً في المدارس الثانوية المطورة للبنين، والبنون أقل خطراً من البنات، ومع ذلك لاحظ المخلصون والتربيون والغيورون خطورته؛ لأن فيه فتح باب الجريمة والفاحشة بين الشباب، زيادة على ما فيه من التسيب والتفلت عن الانضباط التعليمي، فيخرج الشاب الساعة والساعتين عن مدرسته ولا تسأل عما يدور بينه وبين بعض المراهقين من أنداده وأضرابه.
إذا كان هذا خطر نظام الساعات على البنين الذي ألغي وتم إلغاؤه بفضل الله، فما بالكم بنظام الساعات في تعليم الفتاة؟ عباد الله كم لهذا النظام من ضحايا بين البنات قتيلات وجريحات وأسيرات؟ غريرات دخلن الجامعة وما كن يعرفن الفساد والجريمة، وما كن يعرفن الانحراف والزيغ والهوى، والشذوذ والفاحشة، فتعلمنه من فئات من البنات ممن سبقهن بالدراسة سنوات، وتتابع نسل المعاصي على يد أرباب الهوى والشهوات، ومن يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين والمؤمنات، فهل لهذا التسيب من حد؟ هل لهذا التفلت من حد؟ هل يتحرك الغيورون من ولاة الأمور، وأولياء أمور كل فتاة في الجامعة للمطالبة بإلغاء هذا النظام، وتحويله بدلاً من ترفيعه وتعديله؟ وإن قالوا فيه ما فيه من الكلفة، أو فيه من التكلفة المادية نقول لمن قال هذا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:٢٨] تتبعوا رضا الله، ومن تتبع رضا الله، ومن آمن واتقى فتحت عليه بركات السماء، وظهرت له بركات الأرض.
عباد الله! أتدرون ما نظام الساعات؟ أن تتخرج ابنتي وابنتك، وأختي وأختك، أو موليتي وموليتك من الثانوية فتلتحق بالجامعة فحينئذ لا تجد نظاماً يضمن لها أن تبدأ الدراسة في الصباح فتنتهي دراستها عند أذان الظهر، أو في ساعة محددة، إن نظام الساعات يعني أن تبدأ الدراسة في صباح هذا اليوم ثم تتعطل الفتاة ثلاث ساعات أو ساعتين ليس عندها درس أو محاضرة، ثم محاضرة قبيل الظهر، ثم محاضرة عند العصر، فما حظ ولي الأمر؟ ما حظ المسكين ولي هذه الفتاة؟ يرمي بها عند باب الجامعة في الصباح وتقول له: تنتهي آخر محاضرة عندي بعد العصر، أو قبيل المغرب، فيخرج الولي إن كانت فتاة طيبة لزمت عتبة قاعتها وما خرجت، وإن كانت غريرة أو جاهلة فضلاً عن كونها فاسدة أو منحرفة، فإنها تتلقى من صويحبات السوء وجارات الرذيلة ما تتعلم منهن به كيف تتصل في ساعات الفراغ بالشباب، وكيف تخرج إلى المطاعم، وكيف تخرج بحجة الذهاب إلى حاجة صغيرة أو كبيرة وماذا بعد ذلك؟ تخلو بالشباب، واسألوا هيئات الأمر بالمعروف، واسألوا هيئات النهي عن المنكر، كم ضبطوا من مئات، وأكثر من المئات من حالات الاختلاء المحرم، والخلوة بين فتى وفتاة وشاب وشابة لا تمت له بصلة، وبعد التحقيق والسؤال
و
الجواب
من أين أخذتها؟ من بوابة الجامعة، من باب الجامعة، من باب الكلية.
ساعتان أو ثلاث أو أربع أو أقل يحق لها في نظرها أن تسرح وتمرح بها كيفما شاءت، فيخرج بها أولئك الذئاب وأولئك المجرمون، ولا أكتمكم سراً، والله إن واحداً من الشباب ممن منَّ عليهم بالتوبة والهداية جاءني وأخبرني أنه في وقت ضلالته وماضي انحرافه كانت له علاقة بفتاة متزوجة تدرس في الجامعة لمدة ستة أشهر.
كيف يأتي إليها؟ أتأتيها في بيتها؟ قال: لا.
أتواعدها في السوق؟ قال: لا.
قلت: إذاً أين؟ قال: عند الجامعة.
يضعها زوجها وأنا أنتظره ثم تخرج لي بعد قليل، ويذهب بها ويقضي منها ويقضي زملاؤه منها أوطاراً، ثم يعود ليردها قبل نهاية آخر محاضرة لها، سواءً درست ذلك اليوم أو تغيبت، أو خرجت معه في وقت الساعات التي أتيح لها التسيب.
أبعد هذا نظن أن في هذا النظام بركة؟ أبعد هذا نظن أن في نظام الساعات خيراً للفتاة سواءً في تعليمها أو عفتها، أو حيائها أو حشمتها، أو الوفاء لأهلها، أو حفظ نسبها أو فراش أهلها، أو مستوى تحصيلها؟ والله ليس فيه أي فائدة، ما الداعي إلى الإمعان والمكابرة والبقاء على هذا النظام وما فيه أدنى فائدة؟
стр. 737
منكرات في كلية الطب
أيها الأحبة! هذه أقل صور شؤم نظام الساعات في الكليات النظرية، أما كليات الطب فلا تسأل عما أحدثه هذا النظام، لا تسأل عما أحدثه من حرج للبنات العفيفات، ولأولياء أمورهن، من جراء الاختلاط بالرجال في مواقف شتى أدناها كشف الفتاة العفيفة على عورة الرجال المغلظة، ومع كثرة المساس يقل الإحساس، وطول السهاد، وقرب الوساد، وقرب المقاعد، وقرب الأقسام، واللقاء في الأسياب والممرات، وطول وقت الدراسة يهيئ للفتاة أن تتحدث مع الفتيان، وما أكثر اللائي ضللن وانحرفن.
معاشر المؤمنين! أترغبون أن تطلعوا على ما صرخت به المخلصات الغيورات من أخواتكم في كليات الطب وفي مختلف كليات الجامعة وفي السكن الجامعي؟ والله لا نحصي لكم عدد ما كتب في هذا الأمر، ولا نحصي عدد ما تلقينا من المكالمات الهاتفية من صرخات الغيورات يقلن: نريد أن نخدم بلدنا، نريد أن نخدم ديننا، نريد أن نخدم أمتنا فهلا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق الفساد عبر نظام الساعات، وعبر الخلوات، وعبر الاختلاط في الممرات وفي بعض القاعات؟ فيا معاشر المؤمنين! لمصلحة من يبقى هذا التسيب؟ ولمصلحة من يبقى هذا التفلت؟
стр. 738
منكرات في المستشفيات
معاشر المؤمنين! إن الكلام عن المصائب والمهلكات التي يرقص عليها العلمانيون طرباً في كليات مختلفة يقصر مقام الخطبة عن ذكره، وأسوق لك شاهداً واحداً حصل لفتاة مسكينة في جناح أمراض النساء والولادة.
ذات مرة زرت قريبة لي في مستشفى الملك خالد الجامعي وكانت في جناح أمراض النساء والولادة، وبجوارها فتاة يفصل بينها وبين الفتاة حاجز قماش، فسألت قريبتي هذه ما حال هذه الفتاة؟ قالت: لا تسأل عن حالها وعن بكائها وآلام نفسها وجرح مشاعرها البارحة! فقلت: كيف؟ قالت: نزل بها الرجال إلى الإشاعة وقد لبست روب المريض، والروب الذي يلبسه المريض يستر المريض من الوجه ستراً مكشوفاً ساتراً عارياً كاسياً، وأما الخلف فمكشوف بالكامل! قالت: وخرج بها من يقود السرير إلى مقر الإشاعة، ثم أمسك ببدنها وأوقفها أمام مقعد الإشاعة وهو يعدل مواقعها وشيعها ثم عاد بها إلى المكان نعم لقد أدى وظيفته، لكن من الذي أذن لرجل أن يفحص زوجتي أو زوجتك؟ أو يتعرض للمس أدنى قطعة من بدنها؟ من الذي جعل هذا الأمر أصبح شيئاً طبيعياً فرض نفسه؟ لا، إن من المسلمين من يظن أن الإنكار في كل مجال إلا إذا دخل المستشفى فعليك أن ترضى بالأمر الواقع، لا والله، إنما نرضى بما رضي الله به، ونرضى بما رضي الرسول ﷺ به، فما الذي يجعل هذه الفتاة المسكينة تتعرض لتجارب الشباب يدخلون عليها ويكشفون عليها ويجافون بين رجليها، وينظرون إلى عورتها المغلظة وسوءتها المغلظة بدعوى الكشف والفحص؟ أفلا يفحص الرجال على الرجال، والنساء على النساء؟ لماذا جرح المشاعر؟ ولماذا قتل الغيرة؟ ولماذا ذبح الشيمة والحياء؟ يا معاشر المؤمنين! لقد كان الجاهليون على كفرهم وضلالهم لا يقرون هذا في نسائهم، أفبعد أن هدانا الله للإسلام، ومن علينا به، وأسبغ علينا النعم والطمأنينة نرضى به ونحن في بلاد الإسلام وبين المسلمين؟ حاشا وكلا، إن الإصلاح منتظر وهو واجب ولا يعذر بتركه أحد أبداً.
عباد الله! إن التفصيل في مقام ما يحدث للفتيات وللفتيان في كليات الطب وفي العلوم الطبية وفي المستشفيات، أمر ليس اليوم زمان تفصيله، ولكن أقول لكم يا عباد الله: لو تتبعنا ما نحن فيه لوجدنا بوناً شاسعاً بين ما نعتقده ونقول فيه: هذا حلال وهذا حرام، وبينما نراه واقعاً في مجتمعنا، فلماذا الانفصام النكد؟ ولماذا هذا التجافي والبعد بين النظرية والتطبيق وبين الفكر والسلوك؟ معاشر المسلمين! إن أقل واجباتنا أن ندعو الله ليلاً ونهاراً أن يهلك من كان سبباً في الإمعان والضلالة والإصرار على بقاء هذا النظام، ادعوا يا معاشر المؤمنين فإن دعاء الغيور مستجاب، ودعاء من كانت غيرته لله ولحرمات الله وللمؤمنين أحرى في الإجابة، ادعوا على من كان السبب، وادعوا على من أصر، وادعوا بالتوفيق والصلاح والعز والتمكين لمن كان سبباً في بداية إصلاح لهذا الأمر، وهذا ما نرجوه وما نتوقعه.
وأما ما ذكرناه من وجوب الدعاء على من يحرصون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين مخالفين بذلك أمر الله وأمر رسوله، والأوامر والتعليمات السامية فإن أولئك من المنافقين، الذين ما خلا مجتمع منهم، وهل خلا مجتمع النبي ﷺ من المنافقين حتى يخلو هذا المجتمع؟ إن فيكم سماعين لهم، وإن فيكم من يتمنون في مجتمعكم الإرجاف، وإن فيكم من لا يألونكم خبالاً، وإن فيكم من يودون هوانكم، ويودون بعدكم عن دينكم ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 739
إمكانية الإصلاح وإزالة المنكرات
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، الحمد لله مالك الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الذي لا يرد قدره بأمره وإرادته ومشيئته، ولا معقب لحكمه، لا يرد قدره راد إلا بأمره وبمشيئته، ولا معقب لحكمه، بأمره تقوم السماوات والأرض وبأمره تقوم الخلائق، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، واعلموا أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة! لا تظنوا أنكم وحدكم أمة من بين سائر الأمم تمتعت بالأمن والطمأنينة والنعيم والاستقرار لا، إن أمماً قبلكم قد تقلبت فيما تقلبتم فيه، وأمنت فيما أمنتم فيه، وذاقت لذة ما ذقتم لذته، وأمنت بما اطمأننتم في جنباته، ولكن غيروا فغير الله عليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
عباد الله! إياكم وإيانا أن نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩].
معاشر المسلمين! ينبغي أن نعرف أن الدنيا دول
هي الحياة كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
ويسرك الزمان بطاعة الرحمن، ويسوءك الزمان بالانقياد لأولياء الشيطان.
فيا معاشر المؤمنين! اجعلوا أمر دينكم أهم إليكم من الأسهم والسندات، واجعلوا أمر الشريعة والحياء والدين، وتعليم أبنائكم ما يسرهم، وبناتكم ما يحفظهن على نمط شرعي يرضي الله جل وعلا، اجعلوه أهم إليكم من مصالحكم الشخصية، ومن رواتبكم ومن أرصدتكم.
عباد الله! أتظنون أن ما نراه في مجتمعنا سنجعله دليلاً على اليأس والقنوط، ونفض اليد عن هذا المجتمع البتة؟ لا والله، إن ما نراه في مجتمعنا يدعونا أن نمضي خطوات للإصلاح، يدعونا أن نتبصر وأن نصارح وأن نصدق وأن نظهر الحقيقة غير مغلفة ولا مزيفة، إن ما نراه في مجتمعنا يدعونا كما علمنا وتعودنا أن نقول كلمة الحق، ونرجو ونأمل أن نسمع أثراً ونرى عملاً بعدها؛ لأننا جميعاً في سفينة واحدة، أكبر مسئول في هذه البلاد وأصغر صغير فيها نعيش في سفينة واحدة، فإن سلمت السفينة فالجميع يسلمون، وإن عطبت السفينة فالكل يعطبون، إن أبحرت السفينة إلى شاطئ الأمان فبمرضاة الله واتباع أمر الله ورسوله، وإن غرقت السفينة فبالمنافقين وبطانة السوء والعملاء والدخلاء، الذين يزيفون الحقائق، والذين يجعلون كل ما نرى من واقع فيه بعد أو مخالفة عن أمر الله وشرعه يعللونه بما يرضي الأهواء والشهوات.
عباد الله! سفينة المجتمع واحدة والغرق لا ينجو منه أحد بل يغرق الكل، والنجاة ينجو بها الجميع، إن الإصلاح سفينة الحياة، إن الإصلاح شعار الدعاة، إن الإصلاح سبيل الصادقين الغيورين، الذين يصدقون الحب والولاء لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
أنظن أن ما نراه من نظام الساعات هو ضربة لازب لا نستطيع أن نخرج عنها قيد أنملة أو نلتفت عنها يمنة أو يسرة؟ لا والله، هو نظام بشر، والبشر كل أنظمتهم نقص، إلا ما كان مؤيداً بالدليل والبرهان ومستنيراً بالوحي من كلام الله وهدي رسوله ﷺ .
إن هذا النظام في أبسط الوسائل أن يغير، بل أن يجعل في بوتقة إطار شامل يحفظ المرأة ويجعلنا نقوم بمسئوليتها على نحو يرضي الله جل وعلا، إن جامعة البنات هي الحل الأمثل والحل الوحيد الذي يضمن لكل فتاة في كل تخصص نافع وفي كل مجال، وفي كل مهنة أن تقوم بأقصى درجات التفوق، وأعلى درجات التحقيق والتحصيل العلمي، لكي تنفع بلادها، ولكي تحفظ بيتها، ولكي تكون داعية في مجالها، ما الذي يمنعنا؟ والله لا يمنعنا من ذلك شيء، وإننا نزفها ونرفعها وننادي بها إلى من عرفناهم من ولاة الأمور بالغيرة والنجدة والشفقة، والساهرين على هذا المجتمع أن ينظروا في الأمر وأن يستعجلوا في تبديله وتغييره وإلغائه في ظل جامعة البنات، التي آن الأوان أن تشق طريقها، وأن يبحر قاربها، وأن تحتوي البنات أجمعين.
إن تعليم البنات بفضل الله جل وعلا كما هو في الابتدائية والمتوسطة والثانوية يحكي أنموذجاً فريداً ليس في العالم الإسلامي وحده بل في العالم كله، فما الذي يمنع أن يكون تعليم الفتاة في الجامعة بشتى تخصصاتها ومجالاتها أيضاً أنموذجاً فريداً في العالم كله؟ والله لا يمنع من هذا شيء.
لا نظن أن ليس في الإمكان أحسن مما كان، الإصلاح ممكن، والفرصة مواتية، والجميع لا نعرف فيهم إلا الصلاح وحسن القصد والنية في إصلاح المجتمع وحفظ بيضته، إلا المنافقين الذين يتسللون لواذاً، والذين لا همَّ لهم إلا الإرجاف والتثبيط، فاللهم عليك بالمنافقين، اللهم عليك بالمنافقين، اللهم ما علمت في منافق إرجافاً وتثبيطاً وتخويفاً في هذا المجال اللهم إنا نسألك أن تكشف صفحته، وأن تفضح طويته، وأن ترينا فيه عجائب قدرتك، اللهم لا تحرك فيه ساكناً، ولا تسكن فيه متحركاً، اللهم عليك به، اللهم عليك به.
اللهم من علمت في هذه البلاد من منافق يتمنى لعلمائها وملوكها وأمرائها وعامتها ودعاتها والمحتسبين فيها، اللهم ما علمت في منافق إرجافاً وتثبيطاً اللهم عجل نهايته، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أذهب سمعه وبصره، اللهم أذهب سمعه وبصره، اللهم عطل أركانه، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وقارون وأبي بن خلف، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك.
اللهم عليك بالخونة الذين يظهرون في لباس الناصحين للأمة وتنطوي نياتهم على إفساد البنات، وإفساد الشباب، وإفساد مختلف المجالات، اللهم عليك بالخونة، اللهم عليك بالخونة، اللهم عليك بالخونة، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم أصلح بطانتهم وقرب لهم من علمت فيه خيراً لهم ولأمتهم، وأبعد عنهم من علمت فيه شراً لهم ولأمتهم، اللهم مسكهم بكتابك وسنة نبيك، اللهم نور بصائرهم بما يرضيك، اللهم اهد قلوبهم إلى ما يرضيك، اللهم ثبتهم، اللهم وفقهم، اللهم أعنهم، اللهم أعنهم على ما تحملوا من مسئولية في رقابهم عن كل مسلم ومسلمة، وفتى وفتاة، وصغير وصغيرة، وكبير وكبيرة، اللهم أعنهم على تحمل هذه المسئولية بالتمسك بكتابك وسنة نبيك وتقريب أوليائك وطرد المنافقين أجمعين يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم اجمع شملهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم اعصم آراءهم، اللهم أقم دولتهم واكبت أعداءهم، اللهم انصر المجاهدين في كشمير وفي سيلان، وفي أثيوبيا وفي الفليبين، وفي فلسطين، وفي سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم احفظ بناتنا، اللهم احفظ بناتنا، اللهم احفظ زوجاتنا، اللهم من أراد بهن سوءاً وانحرافاً واختلاطاً وتبرجاً وفساداً اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين.
اللهم احفظنا واحفظهن، اللهم استر على بنات المسلمين أجمعين، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين.
ربنا لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
стр. 740
المقاييس الفاسدة
إن الكثير من الناس يرتكبون أخطاءً عظيمة في مجتمعهم بسبب تصورهم أو قياسهم الفاسد، فالبعض يقيس أحوال بلاد الحرمين على أحوال مصر والجزائر وتونس، ويظن أن الدعاة في بلاد الحرمين سيقومون بما قام به الدعاة في تلك البلاد، وهذا من الأقيسة الفاسدة.
وقد تحدث الشيخ عن الخطر الذي يحدق بالمجتمع في المملكة، وهو خطر المنافقين والعلمانيين الذين لا همّ لهم إلا الإضرار بالدعوة والدعاة، وتحريض الحكام على صفوة المجتمع، كما بين الشيخ همَّ الدعاة وهو نشر الإسلام، وإصلاح المجتمع.
следующие страницы →