← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

مساوئ تعليم الفتاة بنظام الساعات عباد الله! ومع هذا كله وبالرغم مما تقرءونه وتسمعونه عن أهمية العناية بهذا الأمر، وخطر التهاون به، فإن تسيب الفتاة وإتاحة فرصة الانفلات بين يديها سانحة لا زالت قائمة، إن تسيب المرأة في بعض الدوائر وفي بعض القطاعات لا زال قائماً، ولا ندري من الذي يقف وراء هذا الأمر بعد كلام الله وبعد رسوله، ثم بعد الأمر والتعاميم الملكية السامية، لا ندري من الذي يقف وراء هذا ويماطل أو يسوف في سد ثغراته وتتبع منافذه بتعديل أو إصلاح، أتدرون أين هذا التسيب؟ إن صورة واحدة من صور هذا التسيب ظهرت جلية في جامعة الملك سعود في نظام الساعات الذي ثبت فشله، وثبت عدم صلاحيته، وثبت أثره في قلة تحصيل الرجل والمرأة، وفي ضعف المستوى العلمي، ذلك النظام الذي ثبت فشله أيضاً في المدارس الثانوية المطورة للبنين، والبنون أقل خطراً من البنات، ومع ذلك لاحظ المخلصون والتربيون والغيورون خطورته؛ لأن فيه فتح باب الجريمة والفاحشة بين الشباب، زيادة على ما فيه من التسيب والتفلت عن الانضباط التعليمي، فيخرج الشاب الساعة والساعتين عن مدرسته ولا تسأل عما يدور بينه وبين بعض المراهقين من أنداده وأضرابه. إذا كان هذا خطر نظام الساعات على البنين الذي ألغي وتم إلغاؤه بفضل الله، فما بالكم بنظام الساعات في تعليم الفتاة؟ عباد الله كم لهذا النظام من ضحايا بين البنات قتيلات وجريحات وأسيرات؟ غريرات دخلن الجامعة وما كن يعرفن الفساد والجريمة، وما كن يعرفن الانحراف والزيغ والهوى، والشذوذ والفاحشة، فتعلمنه من فئات من البنات ممن سبقهن بالدراسة سنوات، وتتابع نسل المعاصي على يد أرباب الهوى والشهوات، ومن يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين والمؤمنات، فهل لهذا التسيب من حد؟ هل لهذا التفلت من حد؟ هل يتحرك الغيورون من ولاة الأمور، وأولياء أمور كل فتاة في الجامعة للمطالبة بإلغاء هذا النظام، وتحويله بدلاً من ترفيعه وتعديله؟ وإن قالوا فيه ما فيه من الكلفة، أو فيه من التكلفة المادية نقول لمن قال هذا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:٢٨] تتبعوا رضا الله، ومن تتبع رضا الله، ومن آمن واتقى فتحت عليه بركات السماء، وظهرت له بركات الأرض. عباد الله! أتدرون ما نظام الساعات؟ أن تتخرج ابنتي وابنتك، وأختي وأختك، أو موليتي وموليتك من الثانوية فتلتحق بالجامعة فحينئذ لا تجد نظاماً يضمن لها أن تبدأ الدراسة في الصباح فتنتهي دراستها عند أذان الظهر، أو في ساعة محددة، إن نظام الساعات يعني أن تبدأ الدراسة في صباح هذا اليوم ثم تتعطل الفتاة ثلاث ساعات أو ساعتين ليس عندها درس أو محاضرة، ثم محاضرة قبيل الظهر، ثم محاضرة عند العصر، فما حظ ولي الأمر؟ ما حظ المسكين ولي هذه الفتاة؟ يرمي بها عند باب الجامعة في الصباح وتقول له: تنتهي آخر محاضرة عندي بعد العصر، أو قبيل المغرب، فيخرج الولي إن كانت فتاة طيبة لزمت عتبة قاعتها وما خرجت، وإن كانت غريرة أو جاهلة فضلاً عن كونها فاسدة أو منحرفة، فإنها تتلقى من صويحبات السوء وجارات الرذيلة ما تتعلم منهن به كيف تتصل في ساعات الفراغ بالشباب، وكيف تخرج إلى المطاعم، وكيف تخرج بحجة الذهاب إلى حاجة صغيرة أو كبيرة وماذا بعد ذلك؟ تخلو بالشباب، واسألوا هيئات الأمر بالمعروف، واسألوا هيئات النهي عن المنكر، كم ضبطوا من مئات، وأكثر من المئات من حالات الاختلاء المحرم، والخلوة بين فتى وفتاة وشاب وشابة لا تمت له بصلة، وبعد التحقيق والسؤال و الجواب من أين أخذتها؟ من بوابة الجامعة، من باب الجامعة، من باب الكلية. ساعتان أو ثلاث أو أربع أو أقل يحق لها في نظرها أن تسرح وتمرح بها كيفما شاءت، فيخرج بها أولئك الذئاب وأولئك المجرمون، ولا أكتمكم سراً، والله إن واحداً من الشباب ممن منَّ عليهم بالتوبة والهداية جاءني وأخبرني أنه في وقت ضلالته وماضي انحرافه كانت له علاقة بفتاة متزوجة تدرس في الجامعة لمدة ستة أشهر. كيف يأتي إليها؟ أتأتيها في بيتها؟ قال: لا. أتواعدها في السوق؟ قال: لا. قلت: إذاً أين؟ قال: عند الجامعة. يضعها زوجها وأنا أنتظره ثم تخرج لي بعد قليل، ويذهب بها ويقضي منها ويقضي زملاؤه منها أوطاراً، ثم يعود ليردها قبل نهاية آخر محاضرة لها، سواءً درست ذلك اليوم أو تغيبت، أو خرجت معه في وقت الساعات التي أتيح لها التسيب. أبعد هذا نظن أن في هذا النظام بركة؟ أبعد هذا نظن أن في نظام الساعات خيراً للفتاة سواءً في تعليمها أو عفتها، أو حيائها أو حشمتها، أو الوفاء لأهلها، أو حفظ نسبها أو فراش أهلها، أو مستوى تحصيلها؟ والله ليس فيه أي فائدة، ما الداعي إلى الإمعان والمكابرة والبقاء على هذا النظام وما فيه أدنى فائدة؟

стр. 737

منكرات في كلية الطب أيها الأحبة! هذه أقل صور شؤم نظام الساعات في الكليات النظرية، أما كليات الطب فلا تسأل عما أحدثه هذا النظام، لا تسأل عما أحدثه من حرج للبنات العفيفات، ولأولياء أمورهن، من جراء الاختلاط بالرجال في مواقف شتى أدناها كشف الفتاة العفيفة على عورة الرجال المغلظة، ومع كثرة المساس يقل الإحساس، وطول السهاد، وقرب الوساد، وقرب المقاعد، وقرب الأقسام، واللقاء في الأسياب والممرات، وطول وقت الدراسة يهيئ للفتاة أن تتحدث مع الفتيان، وما أكثر اللائي ضللن وانحرفن. معاشر المؤمنين! أترغبون أن تطلعوا على ما صرخت به المخلصات الغيورات من أخواتكم في كليات الطب وفي مختلف كليات الجامعة وفي السكن الجامعي؟ والله لا نحصي لكم عدد ما كتب في هذا الأمر، ولا نحصي عدد ما تلقينا من المكالمات الهاتفية من صرخات الغيورات يقلن: نريد أن نخدم بلدنا، نريد أن نخدم ديننا، نريد أن نخدم أمتنا فهلا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق الفساد عبر نظام الساعات، وعبر الخلوات، وعبر الاختلاط في الممرات وفي بعض القاعات؟ فيا معاشر المؤمنين! لمصلحة من يبقى هذا التسيب؟ ولمصلحة من يبقى هذا التفلت؟

стр. 738

منكرات في المستشفيات معاشر المؤمنين! إن الكلام عن المصائب والمهلكات التي يرقص عليها العلمانيون طرباً في كليات مختلفة يقصر مقام الخطبة عن ذكره، وأسوق لك شاهداً واحداً حصل لفتاة مسكينة في جناح أمراض النساء والولادة. ذات مرة زرت قريبة لي في مستشفى الملك خالد الجامعي وكانت في جناح أمراض النساء والولادة، وبجوارها فتاة يفصل بينها وبين الفتاة حاجز قماش، فسألت قريبتي هذه ما حال هذه الفتاة؟ قالت: لا تسأل عن حالها وعن بكائها وآلام نفسها وجرح مشاعرها البارحة! فقلت: كيف؟ قالت: نزل بها الرجال إلى الإشاعة وقد لبست روب المريض، والروب الذي يلبسه المريض يستر المريض من الوجه ستراً مكشوفاً ساتراً عارياً كاسياً، وأما الخلف فمكشوف بالكامل! قالت: وخرج بها من يقود السرير إلى مقر الإشاعة، ثم أمسك ببدنها وأوقفها أمام مقعد الإشاعة وهو يعدل مواقعها وشيعها ثم عاد بها إلى المكان نعم لقد أدى وظيفته، لكن من الذي أذن لرجل أن يفحص زوجتي أو زوجتك؟ أو يتعرض للمس أدنى قطعة من بدنها؟ من الذي جعل هذا الأمر أصبح شيئاً طبيعياً فرض نفسه؟ لا، إن من المسلمين من يظن أن الإنكار في كل مجال إلا إذا دخل المستشفى فعليك أن ترضى بالأمر الواقع، لا والله، إنما نرضى بما رضي الله به، ونرضى بما رضي الرسول ﷺ به، فما الذي يجعل هذه الفتاة المسكينة تتعرض لتجارب الشباب يدخلون عليها ويكشفون عليها ويجافون بين رجليها، وينظرون إلى عورتها المغلظة وسوءتها المغلظة بدعوى الكشف والفحص؟ أفلا يفحص الرجال على الرجال، والنساء على النساء؟ لماذا جرح المشاعر؟ ولماذا قتل الغيرة؟ ولماذا ذبح الشيمة والحياء؟ يا معاشر المؤمنين! لقد كان الجاهليون على كفرهم وضلالهم لا يقرون هذا في نسائهم، أفبعد أن هدانا الله للإسلام، ومن علينا به، وأسبغ علينا النعم والطمأنينة نرضى به ونحن في بلاد الإسلام وبين المسلمين؟ حاشا وكلا، إن الإصلاح منتظر وهو واجب ولا يعذر بتركه أحد أبداً. عباد الله! إن التفصيل في مقام ما يحدث للفتيات وللفتيان في كليات الطب وفي العلوم الطبية وفي المستشفيات، أمر ليس اليوم زمان تفصيله، ولكن أقول لكم يا عباد الله: لو تتبعنا ما نحن فيه لوجدنا بوناً شاسعاً بين ما نعتقده ونقول فيه: هذا حلال وهذا حرام، وبينما نراه واقعاً في مجتمعنا، فلماذا الانفصام النكد؟ ولماذا هذا التجافي والبعد بين النظرية والتطبيق وبين الفكر والسلوك؟ معاشر المسلمين! إن أقل واجباتنا أن ندعو الله ليلاً ونهاراً أن يهلك من كان سبباً في الإمعان والضلالة والإصرار على بقاء هذا النظام، ادعوا يا معاشر المؤمنين فإن دعاء الغيور مستجاب، ودعاء من كانت غيرته لله ولحرمات الله وللمؤمنين أحرى في الإجابة، ادعوا على من كان السبب، وادعوا على من أصر، وادعوا بالتوفيق والصلاح والعز والتمكين لمن كان سبباً في بداية إصلاح لهذا الأمر، وهذا ما نرجوه وما نتوقعه. وأما ما ذكرناه من وجوب الدعاء على من يحرصون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين مخالفين بذلك أمر الله وأمر رسوله، والأوامر والتعليمات السامية فإن أولئك من المنافقين، الذين ما خلا مجتمع منهم، وهل خلا مجتمع النبي ﷺ من المنافقين حتى يخلو هذا المجتمع؟ إن فيكم سماعين لهم، وإن فيكم من يتمنون في مجتمعكم الإرجاف، وإن فيكم من لا يألونكم خبالاً، وإن فيكم من يودون هوانكم، ويودون بعدكم عن دينكم ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 739

إمكانية الإصلاح وإزالة المنكرات الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، الحمد لله مالك الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الذي لا يرد قدره بأمره وإرادته ومشيئته، ولا معقب لحكمه، لا يرد قدره راد إلا بأمره وبمشيئته، ولا معقب لحكمه، بأمره تقوم السماوات والأرض وبأمره تقوم الخلائق، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، واعلموا أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة! لا تظنوا أنكم وحدكم أمة من بين سائر الأمم تمتعت بالأمن والطمأنينة والنعيم والاستقرار لا، إن أمماً قبلكم قد تقلبت فيما تقلبتم فيه، وأمنت فيما أمنتم فيه، وذاقت لذة ما ذقتم لذته، وأمنت بما اطمأننتم في جنباته، ولكن غيروا فغير الله عليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. عباد الله! إياكم وإيانا أن نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩]. معاشر المسلمين! ينبغي أن نعرف أن الدنيا دول هي الحياة كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان ويسرك الزمان بطاعة الرحمن، ويسوءك الزمان بالانقياد لأولياء الشيطان. فيا معاشر المؤمنين! اجعلوا أمر دينكم أهم إليكم من الأسهم والسندات، واجعلوا أمر الشريعة والحياء والدين، وتعليم أبنائكم ما يسرهم، وبناتكم ما يحفظهن على نمط شرعي يرضي الله جل وعلا، اجعلوه أهم إليكم من مصالحكم الشخصية، ومن رواتبكم ومن أرصدتكم. عباد الله! أتظنون أن ما نراه في مجتمعنا سنجعله دليلاً على اليأس والقنوط، ونفض اليد عن هذا المجتمع البتة؟ لا والله، إن ما نراه في مجتمعنا يدعونا أن نمضي خطوات للإصلاح، يدعونا أن نتبصر وأن نصارح وأن نصدق وأن نظهر الحقيقة غير مغلفة ولا مزيفة، إن ما نراه في مجتمعنا يدعونا كما علمنا وتعودنا أن نقول كلمة الحق، ونرجو ونأمل أن نسمع أثراً ونرى عملاً بعدها؛ لأننا جميعاً في سفينة واحدة، أكبر مسئول في هذه البلاد وأصغر صغير فيها نعيش في سفينة واحدة، فإن سلمت السفينة فالجميع يسلمون، وإن عطبت السفينة فالكل يعطبون، إن أبحرت السفينة إلى شاطئ الأمان فبمرضاة الله واتباع أمر الله ورسوله، وإن غرقت السفينة فبالمنافقين وبطانة السوء والعملاء والدخلاء، الذين يزيفون الحقائق، والذين يجعلون كل ما نرى من واقع فيه بعد أو مخالفة عن أمر الله وشرعه يعللونه بما يرضي الأهواء والشهوات. عباد الله! سفينة المجتمع واحدة والغرق لا ينجو منه أحد بل يغرق الكل، والنجاة ينجو بها الجميع، إن الإصلاح سفينة الحياة، إن الإصلاح شعار الدعاة، إن الإصلاح سبيل الصادقين الغيورين، الذين يصدقون الحب والولاء لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. أنظن أن ما نراه من نظام الساعات هو ضربة لازب لا نستطيع أن نخرج عنها قيد أنملة أو نلتفت عنها يمنة أو يسرة؟ لا والله، هو نظام بشر، والبشر كل أنظمتهم نقص، إلا ما كان مؤيداً بالدليل والبرهان ومستنيراً بالوحي من كلام الله وهدي رسوله ﷺ . إن هذا النظام في أبسط الوسائل أن يغير، بل أن يجعل في بوتقة إطار شامل يحفظ المرأة ويجعلنا نقوم بمسئوليتها على نحو يرضي الله جل وعلا، إن جامعة البنات هي الحل الأمثل والحل الوحيد الذي يضمن لكل فتاة في كل تخصص نافع وفي كل مجال، وفي كل مهنة أن تقوم بأقصى درجات التفوق، وأعلى درجات التحقيق والتحصيل العلمي، لكي تنفع بلادها، ولكي تحفظ بيتها، ولكي تكون داعية في مجالها، ما الذي يمنعنا؟ والله لا يمنعنا من ذلك شيء، وإننا نزفها ونرفعها وننادي بها إلى من عرفناهم من ولاة الأمور بالغيرة والنجدة والشفقة، والساهرين على هذا المجتمع أن ينظروا في الأمر وأن يستعجلوا في تبديله وتغييره وإلغائه في ظل جامعة البنات، التي آن الأوان أن تشق طريقها، وأن يبحر قاربها، وأن تحتوي البنات أجمعين. إن تعليم البنات بفضل الله جل وعلا كما هو في الابتدائية والمتوسطة والثانوية يحكي أنموذجاً فريداً ليس في العالم الإسلامي وحده بل في العالم كله، فما الذي يمنع أن يكون تعليم الفتاة في الجامعة بشتى تخصصاتها ومجالاتها أيضاً أنموذجاً فريداً في العالم كله؟ والله لا يمنع من هذا شيء. لا نظن أن ليس في الإمكان أحسن مما كان، الإصلاح ممكن، والفرصة مواتية، والجميع لا نعرف فيهم إلا الصلاح وحسن القصد والنية في إصلاح المجتمع وحفظ بيضته، إلا المنافقين الذين يتسللون لواذاً، والذين لا همَّ لهم إلا الإرجاف والتثبيط، فاللهم عليك بالمنافقين، اللهم عليك بالمنافقين، اللهم ما علمت في منافق إرجافاً وتثبيطاً وتخويفاً في هذا المجال اللهم إنا نسألك أن تكشف صفحته، وأن تفضح طويته، وأن ترينا فيه عجائب قدرتك، اللهم لا تحرك فيه ساكناً، ولا تسكن فيه متحركاً، اللهم عليك به، اللهم عليك به. اللهم من علمت في هذه البلاد من منافق يتمنى لعلمائها وملوكها وأمرائها وعامتها ودعاتها والمحتسبين فيها، اللهم ما علمت في منافق إرجافاً وتثبيطاً اللهم عجل نهايته، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أذهب سمعه وبصره، اللهم أذهب سمعه وبصره، اللهم عطل أركانه، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وقارون وأبي بن خلف، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك. اللهم عليك بالخونة الذين يظهرون في لباس الناصحين للأمة وتنطوي نياتهم على إفساد البنات، وإفساد الشباب، وإفساد مختلف المجالات، اللهم عليك بالخونة، اللهم عليك بالخونة، اللهم عليك بالخونة، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم أصلح بطانتهم وقرب لهم من علمت فيه خيراً لهم ولأمتهم، وأبعد عنهم من علمت فيه شراً لهم ولأمتهم، اللهم مسكهم بكتابك وسنة نبيك، اللهم نور بصائرهم بما يرضيك، اللهم اهد قلوبهم إلى ما يرضيك، اللهم ثبتهم، اللهم وفقهم، اللهم أعنهم، اللهم أعنهم على ما تحملوا من مسئولية في رقابهم عن كل مسلم ومسلمة، وفتى وفتاة، وصغير وصغيرة، وكبير وكبيرة، اللهم أعنهم على تحمل هذه المسئولية بالتمسك بكتابك وسنة نبيك وتقريب أوليائك وطرد المنافقين أجمعين يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم اجمع شملهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم اعصم آراءهم، اللهم أقم دولتهم واكبت أعداءهم، اللهم انصر المجاهدين في كشمير وفي سيلان، وفي أثيوبيا وفي الفليبين، وفي فلسطين، وفي سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم احفظ بناتنا، اللهم احفظ بناتنا، اللهم احفظ زوجاتنا، اللهم من أراد بهن سوءاً وانحرافاً واختلاطاً وتبرجاً وفساداً اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين. اللهم احفظنا واحفظهن، اللهم استر على بنات المسلمين أجمعين، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين. ربنا لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

стр. 740

المقاييس الفاسدة إن الكثير من الناس يرتكبون أخطاءً عظيمة في مجتمعهم بسبب تصورهم أو قياسهم الفاسد، فالبعض يقيس أحوال بلاد الحرمين على أحوال مصر والجزائر وتونس، ويظن أن الدعاة في بلاد الحرمين سيقومون بما قام به الدعاة في تلك البلاد، وهذا من الأقيسة الفاسدة. وقد تحدث الشيخ عن الخطر الذي يحدق بالمجتمع في المملكة، وهو خطر المنافقين والعلمانيين الذين لا همّ لهم إلا الإضرار بالدعوة والدعاة، وتحريض الحكام على صفوة المجتمع، كما بين الشيخ همَّ الدعاة وهو نشر الإسلام، وإصلاح المجتمع.

стр. 741

القياس الفاسد مصدر الخطأ عند الكثير الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، القائل في محكم كتابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٥]. معاشر المؤمنين: معاشر المتقين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى فلا نجاة إلا بها قولاً وعملاً ومعاملة وظاهراً وباطناً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أيها الأحبة في الله يخطئ كثير من المثقفين ويخطئ كثير من العوام في إصدار الأحكام وتكوين التصورات حول كثير من القضايا والمتغيرات والأحداث التي هي صورة طبيعية من صور السنن الاجتماعي، ومصدر الخطأ عند كثير من الناس في تصوراتهم وأحكامهم، مصدر خطئهم هذا أنهم يقيسون الأمور بعضها على بعض قياساً متنافراً أو قياساً مع الفوارق، أو قياس أمور لا يصح أن يقاس بعضها على بعض، فترى الكثير منهم يقيس الصريح على المؤول والمؤتلف على المختلف، والمحكم على المتشابه، وكل هذه من الأقيسة الفاسدة، أولئك الذين يلوون أعناق النصوص ويجرون التصورات والأفكار إلى قياس فاسد، وتطبيق وقائع داخلية على أحداث خارجية هم الذين ينشرون في أذهان كافة أفراد المجتمع تصوراً وأفكاراً كلها إرجاف وتثبيط وتخويف. معاشر المؤمنين إن ما نراه من جهود علمائنا ودعاتنا، وولاة أمرنا، ينبغي أن نحرص على أن نجعل الهدف والغاية منه هو قصد الإصلاح، وقصد توجيه المجتمع إلى ما فيه كل خير، وما شذ أو خرج عن هذا القصد فلا حرج أن يقيم ويقوم، وأن يركز ويوجه ما دامت غاية الجميع الصغير والكبير والرفيع والوضيع والمسئول وغير المسئول، ما دامت الغاية هي إصلاح المجتمع والإبحار بسفينته إلى شاطئ الأمان وبر النجاة، يقول الله جل وعلا على شأن ذلك النبي الصالح الذي تناوشته ألسنة قومه بالتجريح، وتناولته أبصارهم حتى كادوا أن يزلقوه بها: يقول على لسانه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] والمصلح شأنه وغاية همه وتقييم سعيه إنما هو بهدفه، ذلك الهدف النبيل المنبعث من الإخلاص ومن صميم الدين، كما قال ﷺ : (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم). وما دام الأمر كذلك فكل سعي يراد به الإصلاح فمحله المُقَل، ومكانه الرءوس، وخطابه يلقى أسماعاً صاغية وأفئدة مستجيبة متأثرة، هكذا ينبغي أن يقابل خطاب الإصلاح، وهكذا ينبغي أن يستمع إلى خطاب المصلحين الغيورين، إن الله جل وعلا يقول في محكم كتابه: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤] والنجوى قد نهي عنها إلا بأحوال وشروط، ومع ذلك فالله جل وعلا يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فالمصلح قد يسلك هذا الطريق، وقد يسلك غيره من أجل المسارعة في إنقاذ المجتمع وإنقاذ أبنائه وبذل ما في وسعه من جهد وتضحية بكل ما يملك، حتى لا تهوي السفينة في بحار الظلمات.

стр. 742

قياس بلاد الحرمين على مصر والجزائر معاشر المؤمنين ينبغي أن ندرك أن كثيراً من الذين يتكلمون عن واقعنا من حديث المجالس أو من اللقاءات المنفردة أو الجلسات المحدودة أو غيرها، بعض المسلمين -هداهم الله- حينما يتحدث عن جهود الإصلاح وعن المصلحين في هذه البلاد، يقيس ما يدور هنا على ما دار في مصر أيام جمال عبد الناصر، ويقيس ما يدور هنا على ما يدور في الجزائر وتونس، ويقيس ما يدور هنا على ما يدور في سوريا وغيرها وهذا هو ما أقصده بقياس فاسد، وبتركيب أقيسة مختلطة، لا يوجد علة بين الفرع والأصل حتى تكون الجامعة في القياس. من أجل هذا -يا عباد الله- لما قيست هذه الأمور قياساً فاسداً أنتج ذلك تخويفاً، وأنتج ذلك إرجافاً، وأنتج ذلك شعوراً مخيفاً عند عند بعض الناس؛ والسبب في ذلك: هو ذلك القياس الفاسد، فما أن يرى جماعة من الدعاة أو يرى مجموعة من المصلحين يتبادر إلى ذهنه أن هؤلاء مثل أولئك الذين في تلك البلد الفلانية، ولست هنا أريد أن أطعن في الدعاة خارج هذه البلاد، ومعاذ الله أن تكون المنابر منزلاً أو مكاناً للطعن في الدعاة، بل إن المنابر من مهماتها الدعاء لهم، وسؤال الله أن يسدد خطاهم وأن يحقن دماءهم وأن يفك أسراهم، وأن يجبر كسيرهم، وأن يهدي ضالهم، وأن يجمع شملهم. ليس الحديث هنا مقصود به تجريح الدعاة هناك، ولكن الذي نريد أن نبينه هو ألا يقاس أمر في الخارج على أمر في الداخل، لماذا؟ لأن أولئك ونحن بيننا وبين أوضاعهم الفرق الواسع والبون الشاسع الذي لا يمكن معه قياس أحوالهم على أحوالنا، نحن في بلد مسلمة، نحن في دولة مسلمة، نحن في حكومة مسلمة، ندين الله جل وعلا بهذا، ونلقى الله به ولا ننزع يداً من طاعة، ونعتقد ما يعتقده أهل السنة والجماعة، ومن معتقدهم: أنهم يرون الجهاد وإقامة الصلوات والجمعة والأعياد مع الأئمة أبراراً كانوا أم فجاراً هذا هو معتقد أهل السنة، وهذا معتقد أئمة الدعوة، وهذا معتقدنا، وعليه قام الأمر، واستتب الحكم، ومضت شئون الأمة.

стр. 743

المداهنة في دين الله لا تجوز لكن هذا لا يعني المداهنة، ولا يعني النفاق، ولا يعني السكوت عن كلمة الحق، بل إن أخلص الناس في صدق معتقده تجاه ولاة الأمور بما يوافق معتقد أهل السنة والجماعة، إن أخلص الناس في شأنه هذا هو أصدقهم عبارة، وأقربهم نصيحة ولو كانت قاسية: وإذا صرخت بوجه من أحببتهم فلكي يعيش الحب والأحباب لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأبدان بالعلل ويبقى الود ما بقي العتاب إن العتاب والنصيحة والخطاب، مع أن النبي ﷺ كان في مجتمع كفار قريش يتلقفون الأفواه، ويتلقفون الزلة ويتلقفون الخطأ من صحابته، أو من سلوكه ﷺ ، وحاشاه وهو المعصوم ولكن بتفسيرهم الخاطئ، ومع ذلك إن الله جل وعلا لم يقل هذا نبي، ولا يمكن أن ينزل قرآن يتلى إلى يوم القيامة فيه العتاب للنبي ﷺ حتى لا تستغله قريش، ويستغله الأكاسرة والقياصرة فسكت عن عتابه ﷺ ، بل ورد العتاب وجاء الخطاب بألذ صوره! بألذ أساليبه وألين عباراته! قال الله جل وعلا يعاتب نبيه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] وهذا من ألذ وألين أساليب العتاب، فبشره بالعفو وبشره بالمغفرة قبل العتاب معه في شأن أسرى بدر: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]. ويقول الله جل وعلا معاتباً الصحابة: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] ويقول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] خطاب من الله لصحابة رسول الله، ولم يكن سبباً في منع نزول هذا الخطاب أو لم يمتنع أن تنزل هذه الآيات التي فيها خطاب العتاب على الرسول والصحابة حتى لا تقول قريش أو يقول الكفار أو يقول المرجفون: إن الله عاتب نبيه أو عاتب أصحاب نبيه، بل جاء الخطاب وجاء العتاب: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:١ - ١٠] كلها آيات مليئة بألين العتاب وأجمل الخطاب! وكله صواب من كلام رب الأرباب جل وعلا. ومع ذلك لم يمتنع أن تنزل هذه الآيات خشية أن يقال على الرسول أو على صحابته: إن هذا مما يرجف بالصحابة أو مما يضر بمجتمع الدولة الإسلامية في المدينة، ما دام الأمر كذلك -أيها الأحبة- فلنعود أنفسنا على سماع كلمة الحق مع وضوح منهجنا. إن الذين يقيسون مجتمعنا هنا على المجتمعات الخارجية قياسهم فاسد، ومن أفسد التصور أفسد الحكم والعمل، وما دامت تلك البلاد في مجتمعات أحوالها إما كافرة أو جاهلية أو ظلمات بعضها فوق بعض، فإننا ندين الله ونعتقد بأن هذا المجتمع مجتمع مسلم، ولا يعني المجتمع المسلم ألا توجد فيه خطيئة، ولا يعني المجتمع المسلم ألا توجد فيه معصية، وليس بالضرورة ألا يوجد في المجتمع المسلم منافقون.

стр. 744

المنافقون والعلمانيون وخطرهم على المجتمع إن هذا المجتمع مع صبغته الإسلامية وصفته الإسلامية لا يمتنع أن يوجد فيه العلمانيون، ولا يمتنع أن يوجد فيه المنافقون، كيف نغالط الحقائق أو نزور الأمور على أنفسنا ونقول: ليس في مجتمعنا منافقون أو علمانيون وقد وجدوا في عهد النبي ﷺ ، ولو سلم مجتمع من المنافقين لكان أولى المجتمعات سلامة من المنافقين أصحاب الوجوه الذين يدخلون بوجه ويخرجون بوجه، ويظهرون بكلام ويبطنون ضده، ويصدق فيهم قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦] لو سلم المجتمع من أولئك الذين يودون العنت والمشقة لنا، ولا يألوننا خبالاً، وفيهم وفي مجتمعهم سماعون لأهل الباطل وأهل الضلالة، وربما يفرحون مع أذنابهم أو من ينتسبون إليهم في أفكارهم شرقاً وغرباً على كل مصيبة كانوا يتربصون الدوائر بها على المسلمين والمؤمنين. فيا معاشر المؤمنين ينبغي أن نفهم جيداً أننا في مجتمع يختلف عن سائر المجتمعات، وهذا المجتمع من أول خصائصه أن العالم الإسلامي ينظر إليه نظرة تختلف عن النظرة لسائر الدول والبلدان، إذا قلنا: المملكة العربية السعودية هل سيتبادر إلى أذهان السامعين المجوسية؟ أو النصرانية؟ أو اليهودية؟ أو يتبادر إلى أذهان الناس القاديانية والباباوية والنصيرية والدرزية؟ لا. لا يمكن أن يتبادر إلى ذهن من سمع اسم هذا البلاد إلا دين الإسلام، وإذا ذكر الإسلام فأول بلاد تتبادر إلى الذهن هي هذه البلاد، وليس غروراً ولا إطراءً ولا إسرافاً في المديح، إن الإسلام والبلاد هذه وجهان لعملة واحدة، إن الإسلام وهذه البلاد هما وجهان لعملة واحدة، ولا يعني ذلك سلامة مجتمعنا من الأخطاء والنقائص أو انعدام وجود المنافقين في المجتمع، فهذه أمور قد وجدت في عصور الخلافات الراشدة، وفي عهد النبوة صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وفي سائر عصور التاريخ. إذاً فما واجبنا؟ واجبنا أن نبدأ بكل صدق وبكل حق لإصلاح مجتمعنا، نحن في بيت قد أسس بنيانه وأقيمت أركانه واستتب نظامه، فما شأننا إلا أن نصلح الخلل في نوافذه، وأن نصحح الخلل في أبوابه، وأن نتتبع ثغرات النقص في جوانبه، هذه صرخات الدعاة، وصرخات المصلحين، وهذه صرخات الغيورين التي فسرها الفجار وفسرها الفساق بأن وراءها ما وراءها، وبأنها تريد الضلالة وتريد الفساد، وتريد أن ينفرط نظام عقد هذا المجتمع أو أن تنقلب طمأنينته قلقاً وفزعاً لا والله، ما هكذا شأن الدعاة، ولا شأن الأبرار، وما هكذا شأن الأخيار، مع أننا وفي قرارة علمنا أن هذا لم يدر بخلد أحد إلا بخلد المنافقين.

стр. 745

المنافقون يطعنون دائماً بالدعاة والعلماء نعم. المرجفون الذين منهجهم منهج إمامهم الشيطان الذي يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]. المرجفون منهجهم في هذه المسألة وإمامهم في هذا المنهج هو منهج الشيطان، ما يرون من خير إلا ويفسر بضده، ويفسر بأسوأ التفسير والاعتبار، وإذا ظهر في المجتمع ضلالة أو بداية انحراف أو جنوح إلى الفساد والغواية أو تخللاً ودخولاً في قلب أبناء المجتمع وفي جسده الذي هو يصارع أنواع العدوى الوافدة والمستوردة والمحلية، إذا رأى الغيورون فساداً حل بالمجتمع ماذا يقولون؟ لماذا تفسرون الأمور تفسيراً عكسياً؟ لماذا أنتم -أيها الدعاة- تفسرون الأمور تفسيراً عكسياً؟ لماذا لا يظن بالدعاة إلا فساد الأمور؟ لماذا لا يظن بالدعاة إلا كل تصور فاسد قد قيل هذا على ألسنة كثير من المخدوعين أو الجاهلين أو المغرضين، لما ظهرت دعوات مستوردة ووافدة تدعو إلى اختلاط المرأة بالرجل، ماذا قالوا يوم أن وقف الدعاة ووقف الأخيار والمخلصون أمام هذه الدعوات؟ يقول العلمانيون وأذنابهم: لماذا أنتم -يا معاشر الدعاة- لا تفسرون الأمور إلا بكل فاحشة، وبكل رذيلة وبكل فساد؟ ونقول لهم أيضاً، نقول للمرجفين: لماذا تفسرون كل خطوة وكل صرخة وكل تضحية بغال ونفيس من أجل إصلاح المجتمع، مع اعتقاد كاعتقادنا بأهم شئون ديننا أن مجتمعنا مسلم، نقول لهم: لماذا تفسرون هذه الاتجاهات الإصلاحية والدعوات نحو الإصلاح بإثارة الفزع والقلاقل والفتن وتقليب شأن المجتمع بعد طمأنينته؟ نعم. نرد عليهم في باب مقام خطابهم بمثله، وإلا فالحجة فوق رءوسهم دامغة، والحق أبلج والباطل لجلج. وحسبنا -يا معاشر المسلمين والمؤمنين- أننا نؤمن بسلامة موقف كل أبناء هذه الأمة في اتجاهها لعقيدتها ودينها، واقتدائها بنهج نبيها في شتى مجالات حياتها. أما أولئك فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، نعم. يريدون الدين في جانب ولكن لا حاجة إلى الدين في جانب آخر، لا تقال صراحة وإنما مغلفة مزيفة، أولئك ليسوا من أهل هذه البلاد، ليسوا من أهل هذا المجتمع، إلا أن يدينوا بما يدين به المؤمنون لله بأن الحكم لله: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام:٦٢] ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] إلا أن يدينوا بهذه في كل صغيرة وكبيرة.

стр. 746

همّ الداعية أن ينتصر الإسلام فيا معاشر المؤمنين إن ما نسمعه وما نراه من جهود الدعاة ومن نصائحهم ومن خطابهم، ومن توجيههم إنما هو لوجه الله، لا يريدون بذلك جزاءً ولا شكوراً، لا يريدون قرضة، ولا خطاً عريضاً في الجريدة، ولا زاوية أسبوعية، ولا مكافأة مالية، ولا مرتبة وظيفية، وإنما يريدون وجه الله، كما قال أحد السلف: وددت أن هذا الخلق أطاع الله وأن جسمي قرض بالمقاريض. الداعية من السلف الصالح يقول: قطعوا جسمي بالمقاريض -أي: بالمقص- قطعة قطعة في سبيل أن يعود الناس إلى الله، والإمام العابد المجاهد/ عبد الله بن المبارك يقول: وددت أني أكون فداءً لأمة محمد. ووالله إن الدعاة والمخلصين يودون أن يكونوا فداءً لهذه الأمة في سلامة دينها ونقاء عقائدها، واجتماع شملها ووحدة صفها واجتماع كلمتها، ولو كانوا هم الفداء بذلك، ولكن كما قال القائل: نسجت لكم غزلاً رفيعاً فلم أجد لغزلي نساجاً فكسرت مغزلي بعض الناس لا يرى إلا أن كل صيحة وكل كلمة وكل صرخة وراءها ما وراءها، ووراء الأكمة ما وراءها، إنا لا نعني بذلك أن تعطل العقول، ولا أن نلغي سبر الأقوال والمقاصد والكلمات، ولكن ما أسر عبد سريرة إلا أظهرها الله على لمحات وجهه وفلتات لسانه، إنك لترى وتفرق بين خطاب المخلصين والمنافقين، وتفرق بين الذين يدّعون حقيقة الإخلاص دعوى زور وبين الذين هم يمثلون حقيقة الإخلاص لهذه الأمة. فلو قبل مبكاها بكيت صبابة بسعدى شفيت النفس قبل التكلم ولكن بكت قبلي فهيج للبكا بكاها فقلت الفضل للمتقدم ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، نعم. إن الدعاة حينما يذرف أحدهم دمعة خرجت من قلبه قبل أن تخرج من عينه، وحينما يقول كلمة تلجلجت في صدره وتفاعلت في سويداء فؤاده قبل أن تخرج على لسانه، أما أولئك الذين يريدون بالكلمات أي مصلحة من مصالح الدنيا فنقول لنا ولهم ولأنفسنا ولغيرنا: سيجمع الله الأولين والآخرين في مقام واحد، ويقول سبحانه: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨] حتى الصدق أنت مسئول عن الصدق فيه: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨] وسينكشف غداً الذين كانوا على حقيقة الإخلاص والولاء لله ولرسوله ولكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم، سينكشف أولئك وينكشف الذين يدّعون هذا. ولست هنا أفرق مجتمعنا لكني أقول: إن المجتمع لا يخلو من المنافقين، لا يخلو من المرجفين، لا يخلو من المثبطين الذين منهجهم عدة الشيطان الأمر بالفحشاء والتخويف من الفقر. نسأل الله أن يحفظنا وأن يجمع شملنا وشمل ولاة أمرنا وحكامنا وعلمائنا على ما يرضيه، إنه سميع مجيب. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 747

فرح المؤمن الصادق بعودة الناس إلى الله الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله إن الدعاة إلى الله، إن الآمرين بالمعروف، إن الناهين عن المنكر، من فرط غيرتهم على دينهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم وعلمائهم وولاة أمرهم وعامة المسلمين أجمعين، صغيرهم وكبيرهم، صالحهم وفاسقهم طالحهم وبرهم، إن أولئك من فرط غيرتهم على المجتمع تجد الواحد منهم يحترق ليل نهار، ويسعى ذهاباً وإياباً، ويصبح ويمسي ويحل ويرتحل، يستبشر بشارة عظيمة، يوم أن يرى ضالاً هداه الله، أو منحرفاً عاد إلى المسجد، أو عاقاً بر بوالديه، أو قاطعاً وصل رحمه، أو مجرماً تاب وآب إلى الله جل وعلا، أما أعداء الدين وأعداء الأمة وأعداء المجتمع فيفرحون بما نشر من الفساد وشاع من الفاحشة في المجتمع، فأي هذين أحب إلى القلوب؟ إن قلوب البهائم ليست قلوب البشر تميل مع من أحسن إليها وداوى جراحها، وجبر كسورها وأصلح شأنها وأطعمها نصيحة صادقة، وسقاها وداً خالصاً، أما الذين يدعون الإخلاص دعوى لا حقيقة لها، فإن ابتسمت الوجوه أمامهم ابتسامة صفراء أو هزت الرءوس أمامهم هز المنافقة والمداهنة، فليس أولئك لهم مكان في قلوب الناس.

стр. 748

التدرج في الإصلاح سنة كونية معاشر المؤمنين والذين ترونهم من فرط غيرتهم على إصلاح مجتمعهم ليسوا أيضاً من البله أو من الحمقى، أو من الأغبياء الذين يفرحون ويريدون أن يصلح المجتمع بين عشية وضحاها، إن الله جل وعلا من سننه التدرج، ما خلقت السماوات والأرض في يوم واحد: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] وما نزلت الأحكام جملة واحدة، وإنما نزلت تدريجية ونزل التشريع فيها متدرجاً، وإن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن فقال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) ولم يقل: إن أول ما تدعوهم إليه توفير لحاهم، أو الصدقة أو الزكاة، بل قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) الأولى: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والثانية: الصلوات الخمس: (فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم إلى آخر ما جاء في الحديث) فالتدرج في التشريع والتدرج في الإصلاح سنة ماضية، والدعاة يوم أن يقولوا: إن المجتمع بحاجة إلى أن تتظافر جهود العلماء والولاة والمفكرون، وأساتذة الجامعات وأرباب التجارب الطويلة والخبرات النافذة، يوم أن يقولوا: ينبغي أن تجتمع هذه العقول وهذه الجهود، لا يقولون: إن المجتمع سيصلح بين عشية وضحاها. حينما نتكلم عن إصلاح البنوك أو عن التخلص من الربا، لا يعني ذلك أن ينتهي الربا في يوم وليلة، وإن كنا نسأل الله صباح مساء ألا يبقي للربا بقية في دينار ولا درهم، لكن التدرج أمر طبيعي مطلوب، وكذلك في إصلاح الإعلام، أو في إصلاح التعليم أو في إصلاح كثير من المجالات، واضرب لما شئت من كل مثل تصل به إلى فائدة التدرج حتى في إصلاح الفرد، إنك يوم أن تدعو شاباً وهو لم يرتبط بأجهزة ولا بمؤسسات ولا بدوائر عدة، لا يعقل أن تبدأ في إصلاحه في أموره كلها، أو أن تبدأ بصغير ذنوبه قبل أن تلاحظ كبيرها، فخذ على سبيل المثال رجلاً لا يصلي ويدخن ويسبل ويسمع الغناء ويشرب المسكرات، فهل من العقل أن تبدأ بإصلاح إسبال ثوبه أو بتوفير لحيته؟ هذا جنون، تبدأ فيه بأن يصلي مع المسلمين، بأن يحضر الصلاة مع الجماعة، ثم تبدأ به في إصلاح كثير من أحواله، ثم يأتي الحديث عن تدخينه ويأتي الحديث عن سماع الأغاني واللهو، ويأتي الحديث عن شربه للدخان بعد حديثه عن المسكرات وغيرها. إن الدعاة ليسوا أغبياء، ويفهمون أمور التدرج فهماً طبيعياً، وأيضاً خطابهم مع كل فرد في إصلاحه بأن يتدرج، وليس بالضرورة إما أن نصر على عشرة ذنوب أو أن نقلع عنها فوراً، نعم. نتمنى ونود ونشتهي وندعو أن يتوب العبد من كل ذنب في ساعة واحدة، وأن يعود إلى الله جل وعلا عوداً سريعاً حميداً، ولكن -يا معاشر المسلمين- إذا لم يتحقق ذلك إما أن نقول: تب منها جميعاً أو ابق عليها جميعاً لا. فلئن قال: أتوب من خمسة وأسأل الله الذي فتح علي بالتوبة من الخمسة أن يتوب علي في ما بقي منها فهذا أمر مطلوب، وهذا أمر مشروع، وهذا أمر مقبول، الذي أردناه أن نفهم أننا لن نفرط بمجتمعنا، ولن نتساهل بأمر مجتمعنا، وسنظل نصرخ ونتكلم ونقول ما نعتقد أنه يرضي الله جل وعلا، وتبرأ به الذمة نصيحة لولاة الأمر ولعامة المسلمين وإلا فستشهد المنابر علينا يوم القيامة أننا ارتقيناها فداهنا ونافقنا فيها، ستحاسبنا المنابر يوم القيامة أننا وقفنا عليها ولم نؤدِ صميم الكلمة بصدق وإخلاص إلى عامة المسلمين وصغيرهم وكبيرهم. فيا معاشر المؤمنين هذا تعقيب على الجمعة الماضية يوم أن نقول: إن الإسلام قد أمرنا بأن نتحمل مسئولياتنا، ومن أهم مسئولياتنا المحافظة على المرأة حتى لا تقع في التفلت والتسيب، وإن جوانب التفلت والتسيب قد تبدو موجودة في بعض الثغرات الموجودة، في بعض المجالات الموجودة فإنها دعوة إلى الإصلاح، دعوة إلى أن نمضي خطوة إلى الأمام، ولأن نوقد شمعة في الظلام خير من أن نلعن الظلام ألف مرة، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة هذا لمن جمع الهمة وعزم القصد وأخلص النصيحة للمسلمين أجمعين. اللهم لا تفرق جمعنا، اللهم لا تشتت شملنا، اللهم لا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً.

стр. 749

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في رغد العيش وأمن البلاد أيها الأخوة في الله إنكم في بلاد ليست كسائر البلدان في مساحتها، قارة كبيرة، أطرافها مترامية، وسكانها بفضل الله جل وعلا مسلمون وإن كان مضى من عهدهم وعصرهم من الثارات القبلية والصيحات العرقية ما مضى فقد وحد الله شملها، وجمع أطرافها بدعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب، ومن وقف معه صادقاً مخلصاً محمد بن سعود ﵏ جميعاً، وتوالى الأمر على هذه البلاد تعثر تارة وتقوم تارة، أما وقد قامت بفضل الله جل وعلا وتفيئنا ظلالها وتفكهنا بثمارها، واستفكهنا سماءها ومشينا بأرضها وأكلنا خيراتها بفضل الله وحده، بفضل الله وحده، بفضل الله وحده، ثم بجهود المخلصين أجمعين، لن ننسب الفضل إلى أحد بعينه، بفضل الله أولاً، ثم بفضل جهود المخلصين أجمعين مجتمعة من علماء وولاة أمر ومصلحين وغيورين وآمرين بالمعروف ودعاة وناهين عن المنكر. لم جمع الله لنا هذا كله؟ أمن المعقول أن نتساهل بهذا الخير، الذي نعرف أن سببه هو دين الله جل وعلا، الذي نعرف أن سببه هو التمسك بالعقيدة، الذي نعرف أن سببه إقامة الصلوات في المساجد، الذي نعرف أن سببه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل سوق وفي كل طريق، تلك الشعيرة والركن العظيم الذي لم يسلم من ألسنة الناس في المجالس، ولم يسلم من افتراءات الكذبة واختلاف المزيفين، تجد كل يفتري ويؤلف ويختلق فسقة يتفكه بها ويتندر بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وما علم أولئك السفلة وأولئك الجهلة الذين يتندرون بالهيئات والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ما علموا أن أمنهم في بيوتهم، وأن الناقلات التي تجلب خيرات البلدان إلى أسواقهم وأن حدودهم الآمنة، وأن استتباب الأمن في مجتمعهم إنما هو بأسباب من أهمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود:١١٦]. المترفون والفاسقون والمنافقون يتبعون ملذات الانحراف، ولتهلك السفينة، وليهلك المجتمع، وليهلك كل من في المجتمع من أجل غانية لا توقف في السوق، ومن أجل فاجر لا يساءل حينما يشتبه فيه، هكذا يريدون: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧]. تذكروا دائماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] وتذكروا دائماً أن البلدان التي تشتعل فيها الحروب الآن، ويشكو أصحابها من المجاعات ويتضوعون من الأسى والعطش، ويتقلبون في الكهوف من البرد والزمهرير، كانوا يوماً مثل حالكم هذه، كانت الأمم قبلكم فيما أنتم فيه الآن، من كل خير يجبى إليهم ثمرات الدول إلى أسواقهم، والآن غيروا فغير الله عليهم، غيروا أحوالهم فغير عليهم من الأمن إلى الخوف، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الاجتماع إلى التشرد.

стр. 750

لابد أن يكون المسلم غيوراً على دين الله عباد الله: اثبتوا على دينكم، وتمسكوا بدينكم، وكونوا غيورين على نعمة الله، كونوا غيورين على نعمة الله، إن الله يغار، وغيرة الله أن يزني عبده أو تزني أمته، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله عليه، وقال ﷺ : (أتعجبون من غيرة سعد بن عبادة؟ والله إني لأغير من سعد، والله أغير مني) كونوا هكذا على مستوى الغيرة، ونطالب كل مسلم بالغيرة ولو كان حليقاً أو مدخناً أو يسمع الغناء أو يسبل ثوبه؛ لأن هذه معصية فرعية جزئية، لكن التهاون بأمر الدين مصيبة عظيمة، ربما مصيبة الذي يدخن أو يسمع الغناء على نفسه، لكن حينما تهدم عرى الإسلام ويسكت عن المنكر، وتنتشر الفواحش ويكثر الفساد، ويشيع الخبث ويفشو الخنا هذا جرح بل سرطان، وشتان بين من بأصبعه جرح ومن ببدنه سرطان. هكذا فلنكن غيورين على هذه النعمة، أليس عندكم أطفال؟ أما عندكم بنيات صغيرات؟ تمشي البنية في ثوبها فتتعثر وتسقط؟ أليس عندك ولد صغير يغاغي بأبيه وأمه حينما يلقاك قادماً من عملك؟ أما تخشى الله في هذا الطفل؟ أما تخشى الله في بنيتك؟ أما تخشى الله في أخواتك وإخوانك: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٩] والله إني لأجلس أحياناً فيمر أولادي أمامي الصغار هذا يحبو وهذا يمشي ويتعثر وهذه تبكي فآتي إلى الصغير وأضمه، وإلى الذي يحبو فأشمه، وإلى الذي يرضع فأعطيه حليبه، وأقول: ها أنا اليوم عندهم، قد بكوا فدنوت لأعالج جراحهم، قد بكوا فدنوت لأسكت بكاءهم، لكن يا ترى ماذا يخبئ المستقبل؟ ماذا يخبئ المستقبل؟ والليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيب يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحاراً نعم نعد شيئاً واحداً يحفظ هؤلاء الأطفال الصغار ويحفظنا ونشكر به نعم ربنا: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] إن نتق الله جل وعلا، وتقوى الله هي خير ضمان لهؤلاء الأطفال الذين نراهم، إياك أن تفكر فقط بنفسك، فكر بالجيل الذي بعدك، تصور حال أبنائك وأبناء أبناك وأطفالك وأحفادك، تصور حالهم هل يدومون على هذه النعم التي أنت فيها؟ فإن أردت ذلك لهم فكن غيوراً على دين الله، حتى يتفيئوا النعم التي تنعمت بظلالها وأرضها وسمائها. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم لا تفرّح علينا عدواً، اللهم لا تشمت بنا حاسداً، اللهم اجمع شملنا في هذه البلاد، اللهم اجمع شملنا في هذه البلاد خاصة، اللهم اجمع شملنا في هذه البلاد خاصة وحكامنا وعلماءنا وولاة أمرنا، اللهم اهدهم، اللهم اهدهم، اللهم اهدهم، اللهم أصلح قلوبهم، اللهم قرب من علمت فيه خيراً لهم، وأبعد عنهم من علمت فيه شراً لهم، اللهم قرب لهم من يبشرهم بالخير ولا يخوفهم منه، اللهم قرب لهم من يعينهم على الخير ولا يعينهم على ضده، اللهم قرب لهم من يعينهم على ما يرضيك يا رب العالمين. اللهم اهد شباب المسلمين ونساء المسلمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا فضلك، اللهم لا تحجب عنا بمعاصينا رحمتك، اللهم إن كثرت ذنوبنا فإن فضلك أكثر، وإن كثرت معاصينا فإن رحمتك أكبر، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم إن بالعباد والبهائم والبلاد من الجوع والعطش واللاؤاء ما لا يكشفه إلا أنت، اللهم اكشفه عنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 751

الشباب والرياضة في هذا الدرس يتطرق الشيخ إلى موضوع (حال الشباب رياضياً عند الفوز). فمع الفوز والانتصار تكون مشاعر الفرح والسرور، لكن عندما يزيد الشيء عن حده ينقلب إلى ضده، وهنا كانت فاجعة الحدث الرياضي الذي حصل في البلاد نتيجة ما قام به الشباب من تصرفات سيئة مع نشوة الفرح بفوز فريقهم الرياضي؛ أدت إلى ارتكاب كثير من المعاصي والمحرمات في الطرق والشوارع.

стр. 752

فاجعة الحدث الرياضي الحمد لله الذي نصر عباده المؤمنين بإعلاء كتابه وسنة نبيه، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين! منذ ثلاثة أسابيع تقريباً مرَّ على الساحة حدث رياضي أشغل الأمة شغلاً عجيباً، وكانت نتائجه مخزية -والله- أمام الله، وليس الاعتراض أو المناقشة على المباراة أو على الدوري، فالكلام في هذا في مناسبة أو في مقام أو مكان آخر، وليس حقاً أن نفرد هذه المباراة، أو هذا الموضوع بالمناقشة ونترك ما قبله أو ما بعده سليماً منها، لكن الذي نناقشه ونطرحه أمام إخواننا المسلمين ليأخذوا العظة والعبرة والدرس هو ما نجم عن ذلك الحدث، فكم أشغلت سيارات الإسعاف في تلك الليلة، وكم أشغلت أجهزة الأمن في تلك الليلة؟ وكم ارتكب من معصية في تلك الليلة؟ وكم حدث، وكم صار، وكم مضى، وكم وكم؟ وزد وقل ما شئت فوق ذلك من أمور لا يليق هذا المقام بذكرها، ولولا أن يخشى الإنسان أن يقع في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩] لسردنا عليكم أقوالاً وأحداثاً سمعنا بها، ولولا ما قيل أنه: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) لسمعتم من ذلك المزيد والمزيد، ولكن: يكفي اللبيب إشارةٌ مرموزةٌ وسواه يدعى بالنداء العالي

стр. 753

سوء تصرف الشباب أيها الأحبة في الله! لقد امتلأت الأسواق، وازدحمت الطرقات، وأوذي المسلمون من قبل فئة قليلة من الشباب هداهم الله، وردهم إلى الحق رداً جميلاً، وليس عجيباً من أولئك، وليس بدعاً في سلوكهم، وليس غريباً في تصرفاتهم، فلا يأتينك من وادٍ إلا سيله، وكل إناء بالذي فيه ينضح، والألسنة مغاريف القلوب، فما سمعتم من الصيحات والأهازيج والهتافات إنما ذاك أمرٌ أخرجته الألسنة، وقد كان موفوراً قابعاً في الصدور والقلوب، وما رأيتم من التصرفات والأفعال، فذاك مبلغ أفعالهم، ومبلغ ما يدور بخلد الكثير منهم. إذاً يا عباد الله! لا ننتظر من أولئك الذين أشغلوا عباد الله ليالي معدودة يدورون بالطبول والأعلام، ويجوبون الشوارع والطرقات بالأهازيج والصيحات، بل وأشد من ذلك يعتدون على الأبرياء من الذين لا ساغية لهم ولا راغية، ولا ناقة لهم في هذا الأمر ولا جمل، فهذا هو العجب، وهذا هو الخطر، وهذا هو عين المصيبة. هل بلغ بالشباب جنون الكرة إلى حدٍ تغلق فيه الطرقات؟! هل بلغ بالشباب جنون الكرة إلى حدٍ توقف فيه السيارات في الشوارع؟! والله يا عباد الله! إن هذا أمر لا يليق السكوت عليه ولا يجوز ولا ينبغي؛ لأن العاقبة التي بعده وخيمة، ولأن خطر السكوت أعظم، يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] فما حال هؤلاء مع الاستجابة؟ أترون الاستجابة لله ولرسوله أن تكون بهذا الأسلوب، أو بتلك الوسيلة، أو بهذه الطريقة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] ثم يقول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]. والله، ثم والله، ثم والله، إن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، فلا يستبعدن أقوامٌ عاقبة هذه الأفعال الشنيعة، ولا يستبعدون قرب حدوثها ما لم يراجعوا ربهم، وما لم يتوبوا، وما لم نأخذ جميعاً على أيدي الظالمين، وعلى أيدي المستهترين من أولئك الشباب. أيها الإخوة! لو كانت عقوبة الأفعال والجرائم تنزل خاصة بهم، لكان الأمر هيناً ميسوراً، لكن العقوبة إذا نزلت عمت، ويبعث الناس على نياتهم يوم القيامة. عباد الله! لا ننتظر من أولئك الشباب أن يعظوا الناس في المساجد، فالكلاب لا تجيد غير النباح، ولا ننتظر من أولئك الشباب أن يكونوا أئمةً أو هداةً مهتدين في ذلك الوقت؛ لأن القطط لا تجد غير المواء، لكن المصيبة أن يسكت كل واحدٍ منا، وألا يمسك بتلابيب من يراه من الشباب مخوفاً له بالله ألا تتق الله، ألا تخشى الله في نعمة الله، شبابك، قوتك، سلطتك، أيديك، وأرجلك، أعينك، وسمعك، وبصرك، أكل هذا الذي خلقه الله تسخره في معصية الله؟ فما حالك لو سلب منك شيء واحد من هذا؟

стр. 754

اتخاذ آيات الله هزواً ولعباً بعد الحدث أيها الأحبة! إن الأمر الذي هو أدهى وأمر أن اتخذت آيات الله هزواً ولعباً بعد هذا الحدث الرياضي: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] تقال وترفع هذه الآية فوق تهنئة بالفوز في هذا الحدث الرياضي، متى أصبحت آيات الله هزواً ولعباً؟! قولوا ما شئتم، تكلموا كيفما شئتم إلا كلام الله الذي نزل من فوق سبع سماوات، إلا كلام الله الذي يكفر من استهزأ به، إلا كلام الله الذي يكفر من جحد حرفاً واحداً منه، إلا كلام الله الذي يكفر من غالطه أو عانده، إلا كلام الله الذي نزل به أجل الأملاك جبرائيل على نبينا ﵊، إلا أفضل الذكر الذي حفظه الله، إلا هذا الكتاب الذي جعله الله تبياناً لكل شيء، فلا وألف لا، لا يوضعن على تهنئة بفوز، ولا في حدث رياضي، فهذا كتاب الله، وهذه سنة نبيه جاءت لتنقذ أمةً عميا، ولتبصر أمةً ضالةً، وجاءت لترفع شعوباً ذليلةً، ولتحكم العدل في الأمم المظلومة، ما جاءت لأحداث رياضية، أو لمناسبات كهذه، أفلا يتقي الله من يستشهد بهذا، أفلا يخشى الله من يستشهد بهذا. على أية حال أيها الإخوة: لا عجب ولا غرابة إذا كان الذي يضع هذه الآية فوق هذا الإعلان ممن لا حظ لهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ . فلا تجنين من شوكٍ عنباً وإن من زرع شيئاً حصده نحن أيها الشباب! نحن أيها الإخوة! نحن أيها المسلمون! ما الذي زرعناه في شبابنا حتى نجني منهم هذه الهتافات، وهذا التصفيق والإزعاج، وهذا الذهاب والإياب في الطرقات والشوارع، وإيذاء المسلمين، وانتهاك بعض حرماتهم. أسأل الله جل وعلا أن يكفينا شر العقوبة، أسأل الله جل وعلا أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، أسأل الله جل وعلا ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 755

الأخذ على أيدي الشباب الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين! ينبغي أن نعلم أن الكلام والخطب والندوات والمحاضرات التي تشجب هذا الحدث، أو تشجب ما ينجم عنه من إزعاج وهتافات وصرخات وويلات ليست توجه اللوم إلى المسئولين، وإنما توجه اللوم إلى أبطال هذه الأحداث من الشباب الذين لم يكن لهم حظٌ من التربية السليمة والعلم النافع والقدوة الحسنة، وهذه الخطب والندوات والمحاضرات توجه إلى المسئولين من باب الأخذ على أيدي هؤلاء السفهاء، ووالله إنا لنعلم أن كل منصف وكل غيور على هذه البلاد ومن فيها من مسئولين ومواطنين، والله لا يرضون بهذا الأمر، ولا يدينون الله جل وعلا به، بل ويكرهونه ويبغضونه أشد الكره، هذا ما علمناه عنهم، ولكن أيها الأحبة! أيكفي أن ننتقد هذه الأحداث؟ أيكفي أن ننتقد هذه المظاهر بعد ذلك الحدث الرياضي؟ لا والله، لو خطبنا ألف خطبة، وطبعنا ألف رسالة، وأرسلنا ألف داعية، والأمور تمضي كما هي، هذا لا يجدي، ولا ينفع شيئاً، لكن الذي يجدي هو أن نعلم أن ما رأيناه نتيجة تربية مهملة، نتيجة شباب قد ضيعهم آباؤهم وأمهاتهم، نتيجة شباب اجتمع لهم الفراغ، واجتمعت لهم الجدة، واجتمع مع ذلك الصحة والشباب، فلا عجب أن نرى ذلك. أيها الأحبة! لأن نوقد شمعةً واحدةً في الظلام خيرٌ من أن نلعن الظلام ألف مرة، ولا نسرف في اللوم على أولئك الشباب، والله إن الكثير منهم لفي سكرة، وهل تلوم سكراناً على تصرفاته، إن الكثير منهم لفي غفلة، وهل تلوم غافلاً على ما يبدر منه؟ إن الكثير منهم لفي غطيط عميق، وهل تلوم نائماً فيما ينجم من نومه؟ إذاً أيها الأحبة! لابد أن نعود إلى قلوبهم شيئاً فشيئاً رويداً رويداً مناقشةً هادئةً، إذ إن مناقشة الأمور بعد هدوء الأوضاع هذا خيرٌ وأخف، كان بوسع الكثير أن يستلم هذا الحدث في خطبه، أو في مناسباته، أو في كلمات المساجد بعد هذا الحدث فوراً، لكن ترك الأمور حتى تهدأ، وحينما تعود البصيرة والبصائر إلى العقول لكي نناقش أولئك الشباب من تسبب في سرعة جنونية، فأودى بحياة أسرة إلى غرفة الإنعاش، ما الذي جنى من ذلك؟ من تسبب في هذا الهتاف والتطبيل، ثم كانت الحادثة دهس روحٍ بريئةٍ راحت الروح إلى بارئها، ما الذي استفاد من ذلك؟ إني رأيت عقلاء في سن العقل والرشد والله إني لأشك هل ترى عيني حقاً، أم أن في عيني غبشاً، أهذا رجلٌ بطوله وعرضه وسنه ينشر علماً على سيارته؟ أين العقول؟! أين القلوب؟! أين الأفئدة؟! إذاً نحن بحاجة إلى أن نبصر شبابنا إلى أن نناقشهم، وهي مسئولية الخطباء، ومسئولية المدرسين، ومسئولية الموجهين، ومسئولية الوعاظ، ومسئولية كل من له دور في لقاءاته بالشباب أن ينبه أولئك على هذا الأمر، أما أن ندعي أن هذه الغضبة نتيجة هذا الحدث الرياضي، فلا نكذب على أنفسنا؛ لأن الأحداث الرياضية السابقة كثيرة واللاحقة أكثر، لكن نحن نناقش ونشجب ونستنكر أيضاً ما يحدث من جراء تلك الأحداث، والكلام في الحدث الرياضي ذاته، ليس الحديث فيه إليكم، بل الحديث فيه إلى من له الأمر والنهي فيه. فيا عباد الله! نسأل الله جل وعلا أن يأخذ بأيدينا إلى دعوة شبابنا بالحكمة والموعظة الحسنة، بالرفق واللين ولطف الجانب، وخفض الجناح، لكي نواجههم ونقابلهم، ونسألهم عما جنوا واستفادوا من جراء ذلك الجنون، ومن جراء تلك التصرفات العجيبة.

стр. 756

انتقاد الرياضيين للدعاة وغيرهم أيها الإخوة! إنه ما من أمر علا شأنه إلا وكانت النهاية بعد ذلك سقوطٌ في هوة الانحدار الشديد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قد تمضي الأمور طبيعية، أما إذا بلغ هذا التشجيع جنونه، وبلغ أوجه، وأصبح حدثاً طبيعياً، ما حدث بعد ذلك الحدث الرياضي والله ليس بعد هذا إلا طامة أو هامة أو بلية نسأل الله أن ينجي المسلمين منها، والأسوأ من ذلك أن تجد من يناقش في هذه الأمور، أو من ينصح في هذه الأمور، يقال له: أنت لست من أهل الحس الرياضي إنك لست من الذين خالطت الكرة دماءهم وشرايينهم. أسأل الله ألا يخالط دماءنا ودماءكم إلا شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذه التي نفتخر بأن تخالط دماءنا وقلوبنا وعروقنا، أما ما سوى ذلك، فلا مكان له في الدماء والقلوب والشرايين يا عباد الله. أيها الأحبة! أيعيرون العقلاء بأنهم ليس لهم من الحس الرياضي ما يستطيعون أن يتفاعلوا به أمام هذه الأحداث، عجباً والله وألف عجب!!. إذا عيَّر الطائي بالبخل مادر وعيَّر قس بالفهاهة باقل وقال السهى للشمس: أنت ضئيلةٌ وقال الدجا: يا صبح لونك حائل وطاولت السحب السماء سفاهة وفاخرت الأرض الحصى والجنادل فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ ويا نفس جدي إن دهرك هازل فإن كنت تبغي العز فابغ توسطاً فعند التناهي يقصر المتطاول والله ما بعد تناهي هذا التشجيع وهذا الجنون إلا قصور وخطر عظيم وعاقبة وخيمة، ما لم نتب ونئوب إلى الله تعالى. فإن كنت تبغي العز فابغ توسطاً فعند التناهي يقصر المتطاول توقى البدور النقص وهي أهلةٌ ويدركها النقصان وهي كوامل ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلت حتى ظن أني جاهل فيا عجباً كم يدعي الفضل ناقصٌ ويا أسفاً كم يدعي النقص فاضل فيا عباد الله! أيكفي أن نكون كما قال، أيكفي أن نتجاهل، أيكفي أن نسكت، أيكفي أن ندس الرءوس في الرمال؟ لا، إننا ولله الحمد والمنة في بلاد تسمع فيها كلمة الحق، وتسمع فيها كلمة الصراحة، فقولوا ما شئتم ما دام الأمر في إصلاح الأمة، وإصلاح البلاد والعباد، وإصلاح شباب المسلمين بضوابطه الشرعية، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وأساليب الدعوة والنصيحة المشروعة. ينبغي أن ننصح شبابنا، ونوجههم، وأن نطرح هذا الحدث أمامهم في الأندية الرياضية وفي المدارس، وعبر وسائل الإعلام، وعبر الصحف والمجلات ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، أما أن نشتم الأحداث، وننتقد المظاهر والنتائج من دون تقديم أي خطوة إلى الأمام في ذلك، فهذا فعل الضعفاء، (أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل) لا ينفع هذا بأي حالٍ من الأحوال. أسأل الله أن يهدي شباب المسلمين، وأن يردنا إلى الحق رداً جميلاً، وأن يجمعنا بأحبابنا وولاة أمورنا، ونسأل الله أن يهديهم إلى العمل بكتابه وسنة نبيه، نسأل الله أن يجمع الجميع في دار رحمته وكرامته، وأن يأخذ بأيديهم إلى أسباب مرضاته، وأن يهيئ لهم بطانة صالحة. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى واسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، نسألك اللهم أن تحفظ شبابنا، نسألك اللهم أن تردهم إلى الحق رداً جميلاً، نسألك اللهم أن تفتح على بصائر قلوبهم، اللهم إن كان عندهم غير هذا لطالوه وفعلوه، اللهم فغير ما في قلوبهم من الشقاء إلى السعادة، ونسألك اللهم أن تملأ قلوبهم نوراً وهدىً ويقيناً، فأولئك الشباب-والله- ليسوا بأعداء لنا، ولا ننظر إليهم نظرة احتقار أو انتقام أو عداوة، بل هم إخواننا ومن بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، لكننا نسأل الله أن يهديهم، وأن يمنَّ عليهم، وأن ينفع بهم، وأن يهديهم لبر والديهم، ونفع مجتمعاتهم وبلدانهم يا رب العالمين. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، واجمع شمله وإخوانه وأعوانه على كتابك وسنة نبيك يا رب العالمين. اللهم اهد شباب الأندية، اللهم اهد شباب الأندية، اللهم اهد شباب الأندية الرياضية، اللهم اجعلهم من عبادك الصالحين، اللهم اجعل أنديتهم موئلاً ومكاناً للطاعة والذكر والتسبيح، اللهم اجعلها أماكن للدعوة، ومساجد لصلواتك، ومحاريب لذكرك وعبادتك يا رب العالمين، وليس ذلك عليك يا ربنا بعزيز، فلقد هيأت أن تكون الكنائس التي فتحها المسلمون في التاريخ، ونال المسلمون شرف فتحها وجعلوها مساجد بمنك وكرمك، اللهم فليس عزيزاً عليك، وليس عزيزاً على قوتك وإرادتك يا رب العالمين، ليس عزيزاً أن يكون شباب هذه الأندية من عباد الله الصالحين الذين يجعلونها أماكن لتربية الشباب وهدايتهم، وتوجيههم لما فيه صلاح أبدانهم وأديانهم وبلدانهم برحمتك يا رب العالمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً، فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم صل وسلم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 757

الإشاعات أيها الإخوة: هذه رسالة تبين خطر مرض اجتماعي خطير، له أثر خبيث في إفساد القلوب وإثارة الشحناء ونشر العداوات، ذلكم المرض هو مرض الشائعات، تعيشون مع هذا الموضوع لتتبينوا خطر هذه الإشاعات على الأفراد والمجتمعات، ولتحذروا من وسائل نشرها والترويج لها، ثم تتعرفوا على الواجب عليكم تجاه هذه الإشاعات.

стр. 758

خطر الإشاعات على الأمم والمجتمعات الحمد لله، الحمد لله الذي مدح عباده الصادقين في القول والعمل، وأمرنا بأن نكون معهم، فقال جل من قائل عليم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن مما ابتليت به كثير من الدول والمجتمعات في هذا الزمان مرض اجتماعي خطير له أثر خبيث في إفساد القلوب، وإثارة الشحناء، ونشر العداوات، وإفساد الأحوال بين الراعي والرعية، ذلكم المرض هو مرض الإشاعات، أو مرض الشائعات، الإشاعات المختلقة، والأخبار الملفقة يسمعها بعض أفراد المجتمع من بعض، فيعملون بها عمل الجن يوم يسترقون السمع من خبر السماء، فيسمعون كلمة واحدة، فيزيدون عليها مائة كلمة، ثم ينقلها الناس في الآفاق، وينقلها بعضهم إلى غيرهم حتى تصبح إشاعةً يسير بها الركبان والسيارة بين الغادين والرائحين، والذي ينبغي أن يعلمه كل مسلم غيور على الأمن الخارجي والداخلي، غيور على الأمن النفسي لكافة أفراد مجتمعه وأمته، أن نشر الإشاعات التي لا أصل لها ولا حقيقة لها ولا زمام ولا خطام مما قد يسبب ويثير الخوف والبلبلة بين أفراد المجتمع، ولا ينبغي للمسلم أن يتحدث في المجالس والاجتماعات بكل ما سمعه، أو نقل إليه من هذه الشائعات، ولا ينبغي له أن يتتبع أثر هذه الإشاعات كأنه حفيٌ عنها، أو مكلفٌ بها: (فبئس مطية الرجل زعموا، وكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] فالتثبت من الأخبار مأمورٌ به شرعاً.

стр. 759

إشاعة التعديل والزيادة في الرواتب أيها الأحبة في الله: نسوق هذه الكلمات عتاباً لطائفةٍ من بعض المسلمين الذين نقلوا ورددوا إشاعةً لا حظ لها من الصدق، ولا نصيب لها من الحقيقة، تلكم هي إشاعة التعديل، أو الزيادة في رواتب الموظفين في الدولة، وما سيصحبها من ارتفاع في أسعار المواد الغذائية، والمعونات الحكومية على الأغذية والمؤن الرئيسية، حتى راجت وشاعت هذه الشائعة، وسرى بها قصاص المجالس، ورواة المناسبات، بل وزوروا وأخرجوا مسيراً للرواتب على الوضع الجديد حتى أصاب الذعر والهلع طائفة من الناس، فانقضوا مسرعين إلى مراكز التموين التجارية، ليشتري أحدهم ستين كيساً، ويشتري الآخر مائة كيس من كل صنف ونوع، ولا اعتراض لأحد على فعل غيره بشراء ما يشاء من هذه المؤن، لكن الاعتراض أن يكون هذا الفعل وهذا التصرف رداً لفعل الإشاعة التي بلغت ذلك المبلغ من نفس من وصلت إليه، فصدقها، وقد يكون لها أثر آخر على من ضعفت نفسه من التجار، فظن أن الأغذية والمؤن سترتفع أثمانها، ومن ثم يمسكها ويحتكرها متربصاً بها ارتفاع الأسعار، ولولا أن هذه الإشاعة لم يكن لها أثر يذكر في نفوس كثير من الأفراد، لحصل أكبر من ذلك، ولرأيتم عجباً عجاباً من ارتفاع الأسعار، واحتكار الأقوات، وارتفاع أسعار المعيشة بدون أدنى سبب يذكر، أو علم قطعي، وإنما بناءًً على شائعة مضللة مكذوبة.

стр. 760

العبرة من حادثة الإفك لقد جاءت الشريعة بكف الألسنة عن كل حديث لم يتحقق من حدوثه، حتى ولو كان لذلك الحديث نوع ارتباط بحدث معين، أو واقعة بعينها، وظل الناس في تحليلها وتعليلها، يقول الله جل وعلا في شأن شائعة الإفك التي رميت بها زوج النبي ﷺ عائشة العفيفة ابنة الصديق الطاهرة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١١ - ١٢] إلى أن قال سبحانه: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٥ - ١٩]. أيها الأحبة في الله: ومع وضوح الفارق بين حادثة الإفك والإشاعات التي تظهر في زماننا، إلا أن هناك جامعاً أو رابطاً يدعو إلى أخذ العبرة واستلهام الدروس من القصة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالذين يروجون الإشاعات وينشرونها بين الناس، لا شك أنهم عصبةٌ متجمعةٌ ذات هدف واحد، قد يكون بعضهم مخدوعاً، وقد يكون بعضهم يظن أن فعله حسناً، وبعضٌ مغرر به في نشر الإشاعة أو الشائعة، ومهما كان في هذه الإشاعة من شر وخطر، فمن خلالها ينكشف أذنابها ومروجوها ومزيفوها، وينكشف للمجتمع فئة تكيد له في الخفاء، وأفراده لا يشعرون حتى تلقى تلك الفئة التي تنشر الشائعة جزاءها، ويعتبر بها من حدثته نفسه، أو سولت له أن يمارس ذلك الدور الشرير في صفوف مجتمعه، ومن خلال تلك الآيات يتضح لنا أن المسلم العاقل لو أعمل عقله، واستنار بهدي ربه، لانكشف له زيف كل إشاعة تظهر في مجتمعه ولو لم يكن في خطر الإشاعة إلا أن فيها نوعاً من إشاعة الخوف والجزع والقلق، والهلع والفاحشة في المجتمع المسلم، لكان ذلك حرياً بردها، ودفعها مع من جاء بها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 761

أثر الإشاعة على النفوس الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ؛ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة: حينما نتحدث عن الإشاعة والشائعات، لسنا نتكلم عن فراغ، وإنما دعا إلى الحديث عنها ظن كثير من المسلمين بصدقها وبأحقية مزاعمها، وتصديق غوغاء الناس وفئام السذج لها، ومن تتبع ما حصل فيما مضى من الإشاعات والشائعات، لوجد أن الكثير منها قد راج على البسطاء، وانتشر بين العامة، وكان له في النفوس أثر كبير، وهذا مما لا ينبغي ولا يجوز، أرأيتم إذا صدق الناس شائعة غبية كاذبة في مدة مضت، وهي أن رجلاً حلف كاذباً، فانقلب إلى ثعبان، وهذا رقم هاتفه، فأخذ الناس يتصلون بالهاتف، ثم يرد على الهاتف رجل يسمع له فحيح كفحيح الأفعى، هذه شائعة ذاعت وانتشرت بين كثير من الناس والسذج والبسطاء، ثم بعد ذلك ذاع غيرها من الإشاعات والشائعات، ومنذ أيام ليست بالبعيدة شاع وذاع بين الناس مسير للرواتب وأنها ستزيد، وأن أسعار المؤن سترتفع، وأن التجار سيحتكرون، وأن المؤونة عن الأغذية والأدوية سوف ترفع، فانهلع الناس، وجزعوا، وانقضوا إلى مراكز التموين وأماكن الأغذية ليشتري بعضهم بالمائة والمائتين، ويستدين بعضهم ما لا طاقة لهم به، لكي يشتري ويخزن ويجمع، إن السبب في كل ذلك هو الإشاعة الكاذبة التي صدقها الناس وراجت بينهم، وبعد أيام، أو بعد أشهر، أو سنة تأتي شائعة وتقول: إن هذه الدولة ستدخل حرباً عظيمةً، وما يدريكم قد يصدقها الناس، أو تلفق شائعة، فيقال: إن دولة كذا سوف تضرب هذه البلاد، أو إن هذه البلاد ستدخل في حرب مع كذا، فيصيب الناس الهلع والجزع من إشاعات مختلقة، وشائعات مزعومة مكذوبة. إذاً: فالإشاعات خطرها عظيم، إن الإشاعة يوم أن تتمكن في نفوس الناس، ويصدقوا بها، قد تكون سبباً أن تهجر مدينة بكاملها تحت أثر الإشاعة والشائعة، ما ظنكم لو سمع أهل مدينة بأن حرباً سوف تصبحهم، أو تمسيهم، والله لا يبقى في تلك الليلة أحدٌ إلا وقد هاجر وسافر تحت شائعة مكذوبة. إذاً فالذي ينبغي لنا ألا نصدق هذه الشائعات وأن نردها، وأن نستخفّ بها، وأن ندفعها بكل ما أوتينا من عقل وحزم، وأن نبين أثرها وخطرها على الأمم والدول والأفراد والمجتمعات.

стр. 762

وسائل نشر الإشاعات أيها الأحبة: وسائل نشر الإشاعات كثيرة جداً.

стр. 763

وسائل الإعلام المعادية فمن وسائل نشر الإشاعة: وسائل الإعلام المعادية من الأفلام التي تصنع فكراً، أو تصورواً معيناً، فتنتج إشاعة، أو شائعة فكرية يظن الناس فيها الكثير والكثير، ويتصورون الكثير الكثير، ويتصرف بعضهم بموجب ظنه وتصوراته، ثم إذا انكشف الصباح وزال الظلام، تبين أن ما في رأسه مجرد شائعات وإشاعات قد صنعتها أفلام مضللة، وأفكار مستوردة.

стр. 764

وكالات الأخبار الكاذبة ومن وسائل نشر الإشاعة أيضاً: بعض وسائل الإعلام المسموعة والمرئية التي تكون معادية للأمة، ومعادية للأفراد والمجتمعات، فتلك تنقل أخباراً كاذبةً، وتنقل أخباراً مزيفةً مضللةً، وبعد ذلك يكون لها أكبر الخطر في نفوس المجتمع من حيث إثارة القلق والهلع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 765

الصحف والمجلات ومن وسائل نشر الإشاعة أيضاً: بعض الصحف والمجلات التي لا يفتأ فيها ذوو الأقلام المأجورة، وذوو الأفكار المستوردة أن يكتبوا ما سمعوه، وأن يكتبوا ما نقل عن الغرب، وأفكار الغرب والشرق مما يكون معادياً وسبباً لإثارة الشر والويلات في مجتمع من المجتمعات.

стр. 766

المنشورات ومن أسباب نشر الإشاعات، أو الشائعات: المنشورات، والمنشورات -أيها الإخوة- على نوعين، فمنشور مأذون بتوزيعه ومسموح بطبعه من الأجهزة المسئولة من رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، كالمنشورات التي تحث على الصلاة مع الجماعة، وتبين أخطار تركها، وكالمنشورات التي تبين خطر الربا وتحث على اجتنابه، وكالمنشورات التي تحث المسلم على فعل الخيرات، وتجنب المعاصي والمنكرات، فهذا منشورٌ مباركٌ، ويشكر الإنسان على توزيعه؛ لأنه حقٌ، وقد أذن به وأذن في توزيعه على سائر الناس، أما المنشورات التي لا حقيقة لها، أو المنشورات التي لم تأذن جهة رسمية، أو دائرة مسئولة بتوزيعها، ففي توزيعها خطر عظيم، وفي توزيعها ضلالة على المجتمع، وأقل ما يكون فيها إغلاق باب النصيحة بين الحاكم والمحكوم وبين الراعي والرعية، وإن مما يؤسف له أن ترى كلمة تدس تحت باب، أو في زجاجة سيارة، أو في كتاب من مسجد، وهي كلمة حقٍ، فإن كانت حقاً، فما الذي يرد صاحبها أن يتكلم بها مع مسئول كبيراً كان أو صغيراً؟ وإن كانت باطلاً، فلا حاجة لنا في نشر الباطل في مجتمعنا، وقد يظن البعض أن فعله هذا من باب نصيحة المجتمع، ووالله إن في هذا ضرراً عظيماً، قد يتضرر به من لا دخل له فيه ولا ناقة له فيه، ولا جمل، وهو كما يقول القائل: رام يفعل فضرَّ من غير قصدٍ ومن البر ما يكون عقوقا فالبعض قد يظن أن نشر ورقة غير مأذون بها، يظن أن فيه دعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيسعى في نشرها وترويجها، وقد نسي أن فيها خطراً وأذىً وابتلاءً وامتحاناً لغيره، فهو يفعل أفعالاً ليست تحت السمع والبصر، ولكن الذي يجني ويلة فعله هو غيره من الذين لا ساغية لهم ولا راغية.

стр. 767

الواجب علينا نحو الإشاعات إذاً: أيها الأحبة! فلنعرف أن الشائعات والإشاعات بجميع أنواعها منبوذة مرفوضة، وأن وسائلها ينبغي أن تدفع، وأن ترد بكل ما أوتينا من قوة، حفاظاً على أمن مجتمعنا، وإبقاءً لدوام الصلة بين الحاكم والمحكوم، وبين الراعي والرعية، هل سمعتم أن رجلاً دخل برأسه إلى حاكمٍ، فخرج من غير رأسٍ يوم أن نصحه؟، لا والله، إذاً ما المصلحة، وما الفائدة في نشر منشور غير مأذون به؟ ومهما كان فداحة الخطر، ومهما كانت عظم المصيبة، فإنه ينبغي للمسلم ألا يتردد في تقديم النصيحة أياً كانت كبيرةً، أو صغيرةً بالأسلوب الشرعي المرعي، ينبغي أن يقدمها، ولا يخشى في الله لومة لائم، فهذا أهون عليه، وهذا أبرأ لذمته، وهذا أيسر له ولغيره من أن يوزع شيئاً غير مأذون به، أو في جنح الظلام، أو ليس تحت السمع والبصر. أسأل الله جل وعلا أن يأخذ بأسباب أمتنا إلى ما يرضيه، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، يعز فيه الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، ويذل فيه أهل المعصية، ويذل فيه أهل الباطل، وأهل الفساد، وأهل الفاحشة، وأصحاب المنكرات. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرادنا بسوء فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم احفظ علماءنا، اللهم احفظ دعاتنا، اللهم احفظ شبابنا الداعين إليك يا رب العالمين، اللهم اجمع جهودهم، ووحد شملهم، وسدد رأيهم، وصوب نشاطهم وجهودهم على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم لا تدع لأحدٍ منا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ساعياً إلا وفقت سعيه فيما يرضيك يا رب العالمين. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح مضغة قلبه، اللهم قرب له بطانةً صالحةً، اللهم من علمت في بشر خيراً له فقربه منه، وما علمت في بشر شراً له ولرعيته، فأبعده عنه، واجمع اللهم شملنا وشمله، وأعواننا وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين، وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأراضين بقدرتك، اللهم لا تشمت على الجميع عدواً، الله لا تشمت بالجميع حاسداً، ولا تفرح على الجميع عدواً بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم صل وسلم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم والله يعلم ما تصنعون.

стр. 768

الاستجابة لله لقد أمرنا الله في كتابه بالاستجابة له ولرسوله ﷺ إذا دعانا لما يحيينا، وأن الله إذا أمر بأمر فإنه لا خيار لأحد فيه، وإنما عليه أن يقوم به، وقد كان رسول الله ﷺ أسرع الناس استجابة لأمر الله ، وكان أصحابه مثلاً للاستجابة رضوان الله عليهم.

стр. 769

سرعة الاستجابة لله الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه، وعن الند، وعن المثيل، وعن النظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله حق التقوى، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٤ - ٢٥]. معاشر المؤمنين! من تأمل هذا المنهج القرآني والنبوي الذي جاء به النبي ﷺ من ربه الكريم الحكيم، وجد أن هذا المنهج الشرعي قائمٌ على الاستجابة، قائمٌ على التنفيذ، قائمٌ على التطبيق، قائمٌ على المبادرة بالاستجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وهكذا كان شأن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، كان شأنهم المتابعة، وكان شأنهم التنفيذ، وكان شأنهم التطبيق، ما وقفوا يوماً يحتجون، أو يعترضون، أو يفرضون الشبه، أو الحجج على أمر الله، وشرع الله، وشرع نبيه ﷺ ، وفي هذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] إذا ورد أمر الله، فلا خيار لك أيها العبد، إذا ورد شرع الله، فلا خيار لكِ أيتها الأمة، إذا ورد أمر الله، فلا خيار لمجتمع من المجتمعات أن يفعل أو لا يفعل، أن يختار أو لا يختار، لا يبقى أمامه إلا أن يقول: سمعت وأطعت، ولا يبقى للأمة أن تقول إلا: سمعنا وأطعنا، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] وما شأن الذين لا يستجيبون؟ وما شأن الذين يترددون بعد ورود أمر الله في الاستجابة؟ ما شأن الذين يسوفون الاستجابة؟ ما شأن الذين يؤجلون الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله؟ إنهم بين أمرين، أو أكثر: أولها: ما ورد في الآية الآنفة الذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] فمن لم يستجب لأمر الله، ومن لم ينقد لشرع الله، ومن لم يخضع لأمر الله، فقد يحال بينه وبين الاستجابة، وقد يحال بينه وبين القدرة والإمكان. إذاً: فلا يجوز لأحد أن يؤخر الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فإن لم يحل بينهم وبين ذلك، وقد يمهل له، ثم يكون شأنه شأن المجرمين، وينطبق عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] فمن لم يستجب لأمر الله، فهو على أحد الخطرين: ١ - إما أن يحال بينه وبين قلبه. ٢ - وإما أن يجمع مع ذلك أن يولى سبيل الظالمين، وأن يصلى جهنم مع المجرمين، وساءت مصيراً له ولأزواجه ولأشباهه وأذنابه وأضرابه.

стр. 770

سرعة استجابة الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عباد الله! المبادرة بالتنفيذ صفة من صفات المؤمنين، وهي صفة الأنبياء، وهي صفة الرسل، وهي صفة الملائكة البررة ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] يقول الله في شأن استجابة النبي إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما أراه الله في المنام أن يذبح ابنه، علم ذلك النبي الأواه الحليم، علم أن رؤيا الأنبياء حق، وإن كانت تقتضي ذبح فلذة الكبد، علم أن رؤيا الأنبياء حق، وإن كانت تقتضي أن تمر الشفرة الحادة على حلق الابن البار في حين انقطاع من الولد والذرية: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] يعني: أريد أن أذبحك بالسكين، وأضجعك كما أضجع الشاة، لأني رأيت هذا في المنام، ورؤيا الأنبياء حقٌ، ورؤيا الأنبياء وحيٌ ولا بد من تنفيذها حتى ولو كانت تقتضي إبانة رأسك عن جسدك يا ولدي! هذا شأن استجابة النبي، فماذا قال ذلك الولد البار؟ ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] وأنا أعينك على الاستجابة، وأنا أعينك على تطبيق أمر الله ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] هكذا كانت استجابة إبراهيم ﵇ لرؤيا رآها، وهو يعلم أن رؤيا الأنبياء حقٌ ووحيٌ، ولم يقل: أعوذ بالله من الشيطان، هذه أضغاث أحلام، أو هذه منامات مختلطة، بل قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فانظروا إلى هذه الاستجابة الفورية، ولو كانت على حساب فراق الأب والابن، ولو كانت على حساب إبانة الرأس عن الجسد، ويقول الله جل وعلا في شأن إبراهيم أيضاً: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] يؤذن في وادٍ سحيقٍ، يؤذن في وادٍ لا يرى فيه أحداً، يؤذن في وادٍ لا يرى إلا الجبال والتلال، يؤذن في وادٍ لا يرى إلا الحجر والحصى، نعم. استجاب لأمر الله، وكان البلاغ على الله جل وعلا، فجعل أفئدةً من الناس تهوي إلى هذا البيت حتى لا تكاد تجد لحظةً واحدةً يخلو فيها بيت الله من طائفٍ، أو عاكفٍ، أو راكعٍ أو ساجدٍ، فما أعظم هذه الاستجابة، وما أقواها، وما أجلها يا عباد الله.

стр. 771

سرعة استجابة النبي ﷺ لربه وهذه استجابة نبينا ﷺ وهو الوحيد الطريد الشريد الذي لا ناصر له إلا الله، ولا معين له إلا الله، يؤذيه أهل مكة، ويضعون الشوك في طريقه، ويلقون سلى الجزور على ظهره، فيخرج هائماً، ويخرج منطلقاً على وجهه لا يجد أحداً يعينه، فيذهب إلى عبد ياليل بن كلال في الطائف، فيغرون به السفهاء، ويصفون له سماطين يرمون أقدامه بالحجارة حتى أدموها، ذلك النبي خير من وطئت قدمه الثرى، أشرف الأنبياء والمرسلين، يقول له الله جل وعلا: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] هل قال: يا ألله لا يوجد إلا أنا، لم يبق إلا أنا، لا نصير، ولا معين، أنظرني حتى يكثر الأعوان، أنظرني حتى أجد قوة ومنعة؟ ماذا كان شأن نبينا ﷺ بعد ورود أمر الله؟ كان شأنه الاستجابة لما نزل قول الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] رقى إلى الصفا، ونادى قريشاً بطناً بطناً، وفخذاً فخذاً، واصباحاه، فاجتمعوا إليه، وقال: (لو قلت لكم: إني منذركم عن جيش يصبحكم، أو يمسيكم، هل أنتم مجربون عليَّ كذباً؟) قالوا: أبداً ما جربنا عليك كذباً، فقال: (إني رسول من الله إليكم، أن اعبدوا الله وحده لا شريك له) ودعوة الوحدانية هذه ليست أمراً يسيراً تفقهها قريش وتعرفها قريش، إنها تعني أن نلغي الحاكمية، وأن نلغي الطاعة، وأن نلغي الخضوع، وأن نلغي الاجتماع إلا لله، وعلى أمر الله، وعلى طاعة الله، هكذا فهمت قريش، فماذا كان جوابها؟ قال أشقاهم: تباً لك يا محمد، ألهذا جمعتنا سائر اليوم؟ استجاب النبي ﷺ ، وكانت استجابة إصرار، لا هوادة فيها، فلما رأوا عظم شأنه، وصدق عزيمته، وقوة تطبيقه ومضائه، قالوا: يا محمد! اعبد إلهنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فقال: (﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]) قالوا: يا محمد! إن كنت تريد مالاً أعطيناك، وإن كنت تريد جاهاً سودناك، وإن كنت تريد جمالاً زوجناك، وإن كان الذي بك رئيٌ من الجن عالجناك، فماذا قال؟ قال: (والله لو وضعتم الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته) استجابتي لله لا يصدني عنها شيء، ولا يردني عنها شيء حتى ولو تندق هذه السالفة. فاعجبوا واعلموا وتبينوا عظم استجابة نبيكم ﷺ ! بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 772

استجابة الصحابة لأمر الله الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا عليها بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة! أما استجابة الصحابة لأمر الله، فلهم في باب الاستجابة شأن عظيم جداً، كانوا يعلمون أن هذا القرآن ما نزل إلا ليتلى ويعمل به، ويكون كل واحد منهم قرآناً يمشي على وجه الأرض، ما نزل القرآن لكي يتزين به في المجالس، أو يعلق على الجدران، أو يتبرك بحروفه ورسمه، والله ما نزل إلا وحياً مباركاً، وشفاءً وإنقاذاً لأمة ضلت، وإبصاراً لأمة عميت، فعلموا أن الاستجابة هي الأمر الطبيعي لنزول هذا القرآن، فاستجابوا له، ولو كان ذلك على حساب ما تأصل وشربته القلوب من عاداتهم وتصرفاتهم وأفعالهم، لما نزل قول الله جل وعلا في شأن تحريم الخمر؛ والخمر تعرفون مكانتها عند العرب في الجاهلية، وما قبل الجاهلية، وأسلم الصحابة، ولم ينزل في تحريم الخمر شيء، وكان بعضهم لا زال يشربها، وكانوا يتغنون بها، وينشدون القصيد فيها، كان هذا شأن العرب في جاهليتهم، فلما نزل قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] لم يكن هذا قوياً في صرفهم، ولما ورد قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، لما بلغت هذه الآية أسماع الصحابة رضوان الله عليهم ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] ماذا كان شأنهم مع الاستجابة؟ كان بعضهم قد وضع مجةً من الخمر في فمه فأراقها، وكان بعضهم قد رفع الكأس إلى فيه، فرمى به، وكان بعضهم يملك الدنان العظيمة والزقاق الكثيرة، كان يملكها من الخمر المعتقة، فما كان منه إلا أن أراقها، قالت الرواة: سالت شوارع المدينة من الخمر من قوة استجابة الصحابة لأمر الله، وبعضهم لا زالت في فيه، وبعضهم رمى بها لتوه من يده، وبعضهم لازال قد شق دنانها، وكسر أوعيتها، هذه استجابة عجيبة، ما قال أحدهم: لو أكملت هذا الكأس الذي رفعته، ولم يقل الآخر: لو بلعت هذه الشربة التي مججتها، وما قال الآخر: لو فعلت بهذه شيئاً، لو أني خللتها، وجعلتها خلاً، لو أني بعتها على النصارى، لو أني بعتها على اليهود، لو أني فعلت بها كذا وكذا، لما سمعوا قول الله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] استجابوا فوراً، وأراقوها، وأبعدوها من دورهم ومجالسهم، ولما نزلت آيات الحجاب، ونزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] استجابت نساء الأنصار، واستجابت نساء المسلمين أجمعين، فخرجن كالغربان متلفعات بمروطهن على وجوههن وجيوبهن، ما تخلفت واحدةٌ منهن عن الاستجابة. والاستجابة في تطبيق النبي ﷺ أيضاً، لما جاء أبو بكر الصديق لقي جمعاً من قريش، قالوا: هل سمعت ما قال صاحبك؟ زعم البارحة أنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء -يتضاحكون- ويقولون: الآن يكفر أبو بكر، يكذب صاحبه على هذا الخبر، إنا لنذهب إلى الشام شهراً، ونئوب منها شهراً، وصاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء، وعاد في ليلة واحدة، فقال أبو بكر الصديق: أوقد قال هذا؟ قالوا: نعم!!، قال: صدق، إنا نصدقه على خبر السماء، فكيف نكذبه على خبر الأرض؟! هكذا كانت الاستجابة في التطبيق، وفي المعاملة، هكذا كانت استجابة الأمة، وهكذا كان فعلهم واستجابتهم مع قول الله جل وعلا، كان أحد الصحابة ماضياً إلى المسجد، فسمع النبي ﷺ يخطب: (لا يبقين أحد منكم إلا ويجلس، فجلس في الطريق، فلما خرج النبي ﷺ ، قال: ما الذي أجلسك هنا؟ قال: سمعتك تقول: لا يبقين أحد منكم إلا ويجلس فجلست مكاني فور سماعي كلامك هذا يا رسول الله! فحمد النبي ﷺ ربه، ودعا له بخيرٍ وأثنى عليه) هكذا كانت الاستجابة سواء عرفوا العلة، أو لم يعرفوا العلة، سواء عرفوا السبب، أو لم يعرفوا السبب، والآن -يا عباد الله- نقول لأحدهم: إن الله حرم هذا فيقول: لماذا؟ تقول: إن الله شرع هذا فيقول: لماذا؟ تقول: إن الله نهاك عن هذا فيقول: لماذا؟ أين الاستجابة والانقياد، وأين الطاعة والخضوع؟ وأين الاحتكام لله وشرعه؟ وأين الاحتكام لسنة نبيه؟ أين نحن من الاستجابة يا عباد الله؟ أقول لأحدهم ذات يوم في مجلس جمعني به: إن الله حرم الربا، فقال: عندي مناقصة فلم أستطع أن أغطيها، فذهبت إلى بنك كذا، فاستدنت منه بفائدة قدرها كذا، ويقول: إنها ضرورة وحاجة، ماذا أفعل إذا لم أستدن؟ وقد تفوتني هذه المناقصة، فقلت: يا مسكين! الحاجة إما أن تموت فتدفعها بقدر ما يدفع الموت، الحاجة: أن تهلك، فتدفعها بقدر ما يدفع الهلاك، أما أن تريد ملايين فوق أخواتها في البنك، وتقول: إنها حاجة، وتحاج قول الله، وتحاج كلام رسول الله، بأنها حاجة فيما حرمه الله، ولعن آكله وموكله، وكاتبه وشاهديه من الربا. أين استجابة أمثال هؤلاء يا عباد الله؟! تقول لأحدهم، وهو يتاجر بمحلات الفيديو وأشرطة الفيديو: يا مغرور، يا مسكين، يا مخدوع، إن الذي تبيعه حرام، إن الذي تأكل منه حرام، إن الذي تطعم أهلك حرام، إن الذي تنشره في المجتمع فساد، فيقول: وماذا أفعل بهذه الديكورات؟ وماذا أفعل بهذه الأشرطة؟ وماذا أفعل بهذه الأجهزة؟ أين نحن من الاستجابة يا عباد الله؟ كان الصحابة يستجيبون ولو على أرواحهم، دخل حنظلة بن أبي عامر بزوجته ليلة من ليالي الجهاد، فلما دخل بها في آخر الليل في هجيع الليل، صاح المنادي: يا خيل الله اركبي، فقام من أحضان زوجته جنباً لم يغتسل بعد، فأخذ سلاحه ولامته، وامتطى صهوة فرسه، ودخل ساحة الميدان استجابة فورية، لم يقل: ما زلت في شهر العسل، لم يقل: ما زلت عروساً، لم يقل: قد بنيت بامرأة، فوراً استجاب لأمر الله، فقتل شهيداً، فالنبي ﷺ في تلك الحالة يلتفت، ثم يعرض بوجهه، يقول الصحابة: (ما بالك يا رسول الله؟ فيقول: انظروا ما شأن صاحبكم حنظلة؟ قالوا: يا رسول الله! إنه ما زال عروساً قد بنى بزوجته البارحة، قال: إني رأيت الملائكة تغسله) استجابة فورية في أحلى ليالي العمر بالنسبة لكثير من الذين يظنون أنها ألذ وأحلى وأطيب من نعيم الجنة، وألذ وأحلى وأطيب مما عند الله، استجابةٌ فوريةٌ لأمر الله. يا شباب الإسلام! يا رجال الأمة! يا معاشر المؤمنين! أتستجيبون لأمر الله؟ إن الله حرم اللهو والباطل، إن الله حرم الربا، وحرم الفساد والغيبة والنميمة وحرم السعي بالفساد في الأرض، أفتستجيبون لأمر الله؟ هل نقول: سمعنا وأطعنا؟ أم نقول: لماذا؟ وكيف؟ ولعل؟ ومتى؟ وربما؟ وأين وإلى آخره، ليست هذه من صفات المؤمنين، فإن كنا وكنتم مؤمنين، فلنستجب لله فوراً، فلنستجب لله في أنفسنا، وفي أعمالنا، وفي وظائفنا، وفي أسواقنا، وفي متاجرنا، وهذه الاستجابة وإلا فلا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم العن اليهود، اللهم العن اليهود، اللهم العن اليهود وأذنابهم وأعوانهم، ومن عاونهم يا رب العالمين، اللهم عليك بالنصارى، اللهم عليك بالفجار الفجرة، والفساق الفسقة، والكفار الكفرة، والرافضة المشئومين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحفظ اللهم إمام المسلمين، واحم حوزة الدين، وانصر المجاهدين، ووحد قلوب المؤمنين، وأصلح قلوب الشباب أجمعين، اللهم لا تدع لأحدٍ منا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيراناً إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته بمنك وكرمك وعفوك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً، فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً. اللهم اجمع قلوبنا على طاعتك، واجمعنا اللهم في دار كرامتك، اللهم إنا نسألك من الفضل أقربه، ومن اللطف أعجبه، اللهم إنا نسألك من العافية حصولها، ومن النعمة تمامها ودوامها، اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصمةً، اللهم أغث قلوبنا، اللهم إنا نشكو إليك قلوباً لا تخشع، وأعيناً لا تدمع، ونعوذ بك اللهم من عمل ودعاء لا يرفع، اللهم ارحم قلوبنا القاسية، اللهم ارحم قلوبنا القاسية، اللهم أنزل عليها رحمةً من رحماتك، وسكينةً من فضلك، ومنةً من لطفك، اللهم اجعلها خاشعةً خاضعةً بكاءةً أوابةً أواهةً لك يا رب العالمين. اللهم نشكو إليك قسوة القلوب، اللهم نشكو إليك بعداً عن الاستجابة، اللهم نشكو إليك بعداً عن الا

стр. 773

يا من تريد الهداية إن الله تكفل لمن جاهد وصابر في طاعته أن يهديه صراطه المستقيم، وقد جعل سبحانه هذه الهداية سهلة وميسرة لمن طلبها، وصعبة وشاقة لمن حاد عنها ولم يبذل الأسباب المشروعة الجالبة لها، كمجالسة الصالحين وتحويل حماسه العاطفي إلى واقع عملي علمي يدعو فيه إلى الله .

стр. 774

أهمية الاستقامة على طاعة الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه، وعن الند، وعن المثيل، وعن النظير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، واعلموا أن لا نجاة إلا بها: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. معاشر المؤمنين: إن الهداية غاية العقلاء ووظيفة الأنبياء، ومنتهى آمال السعداء، وإن الاستقامة أولى وأجل مطالب العقلاء، فأما الهداية، فنحن نسألها ربنا في كل يوم سبع عشرة مرة في سبع عشرة ركعة فضلاً عن الرواتب والنوافل وغيرها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وأما الاستقامة فأمرنا بها، وأمر بها نبينا ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] وجاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله الوصية، ويسترشده النصيحة، ويطلب منه قولاً لا يسأل عنه أحداً قبله ولا بعده، فقال ﷺ موجهاً ذلك السائل: (قل آمنت بالله، ثم استقم). أيها الأحبة في الله: إن الاستقامة على طاعة الله، والهداية بأمر الله ورسوله لمن أعظم أحوال السعداء، ومنازل العقلاء تلكم -والله- سعادةٌ من ذاقها بهداية واستقامة، ذاق شيئاً عجز عن ذوقه الأثرياء، وقصر دونه ذوو المناصب، ولم يبلغه ذوو الأحساب والأنساب، أليست الهداية والاستقامة جعلت بلالاً وهو عبد حبشي من أهل الجنة؟ ألم تجعل صهيب الرومي من أهل الجنة؟ ألم تجعل سلمان الفارسي من أهل الجنة؟ وما نفع أبا لهب أن كان ذا حسبٍ ومالٍ، وذا منصبٍ وجاهٍ في عشيرته، حيث قال الله عنه: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٣ - ٤]. من أراد السعادة، فليعلم أنها في طاعة الله، ومن أراد السعادة فليعلم أنها في لزوم أمر الله، ومن أراد السعادة، فليعلم أنها في اتباع رسول الله ﷺ ، ومن خالف ذلك فاته من السعادة بقدر ما خالف، وإن ظن أنه نال سعادة وهمية بمجاملة ممن حوله، أو بابتسامات زائفة، أو بضحكات مؤقتة، إذ القلب لا يملؤه إلا زاده، ولا يشبعه إلا طعامه، ولكل شيء مادةٌ تحركه، فالناقلات وقودها النفط، والطائرات وقودها النفط وما اشتق منه، والبطون وقودها الطعام يملؤها فيحرك الجوارح فيها، والظمأ يطفؤ بالمياه، وأما القلوب فليس وقودها بنفط ولا بطعام ولا بشراب، أما القلوب التي هي ملكة الجوارح إذا صلحت صلح الجسد كله بكل حواسه وجوارحه، وإذا فسدت، فسد الجسد كله بكل حواسه وجوارحه، فطعامها ووقودها ومادتها التي تحركها ذكر الله جل وعلا، فالسعادة مصدرها اتباع أمر الله ورسوله، والشقاء سببه كل إعراض عن الله ورسوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].

стр. 775

الهداية سهلة على من طلبها وشاقة على من تجنبها أيها الأحبة في الله: إذا كانت السعادة مطمعاً، والهداية أملاً يرنو إليه كل عاقل، فيا ترى هل السبيل إلى ذلك عسير أم يسير؟ الهداية يا عباد الله! سهلة ممتنعة، قريبة بعيدة، سهلة ميسرة، شاقة وحاصلة، فهي شاقة وبعيدة وعسيرة على من أراد أن يترك شهواته، وأن يترك ما عنده، وأن يترك ما تعلقت نفسه به من دون أن يعلق نفسه بطمع في ثواب الله، أو يخوف نفسه بعقاب من عذاب الله، أو يعلق نفسه برضى من عند الله جل وعلا، فمن ظن أن الهداية تسلك كيفما اتفق، وتنال بأي جهد من غير تفكر وتدبر في طلب ما عند الله من النعيم، والخوف مما عنده من العذاب والجحيم، وطلب ما عنده جل وعلا من الرضا التي إذا حصلت، فلا يضر العبد غضب الخلق وتغيرهم عليه: إذا صح منك الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب ترابُ من طلب السعادة والاستقامة والهداية بغير أن يفكر أنه ينال فيما يترك جنة عرضها السماوات والأرض، ورضاً من رب رحيم لا سخط بعده، وجنة لا يحول أهلها ولا يزولون، ونجاةٍ من عذاب أبدي سرمدي مقيم، فإن الهداية تكون عليه شاقة، تكون صعبة، تكون عظيمة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] وتكون الهداية سهلة، وتكون الاستقامة ميسورة، وتكون قريبة، وتكون حاصلة لمن إذا رأى حراماً تركه رغبةً أن يرى نعيماً مقيماً، وإذا عرض له حرامٌ تركه رغبةً أن ينال ثواباً عظيماً، ومن إذا دعي إلى حرامٍ، تركه طلباً لرضاً لا سخط بعده، ومن إذا تزخرفت له معصية تذكر نعم الله عليه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] ومن إذا تزينت له المعصية، قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]. من جعل الهداية والسعادة والاستقامة بين عينيه في مقابلة رضا الله، وطلب نعيمه، والخوف من عذابه، وشكر نعيمه وآلائه، فإن الاستقامة أسهل ما تكون، وإن الهداية أيسر ما تكون، ولعل هذا -أيها الأحبة- مما يبين، أو يوضح، بل يدل عليه قول الله جل وعلا في وصفه ورضاه وتكريمه لصفوة خلقه وهم أنبياؤه ورسله حيث قال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] ما الذي وحدا بهم إلى الاستقامة، وإلى الهداية، بل والمسارعة في أسبابها، وطلب كل فعل مآله مرضاة الله؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] بل ويخضعون ويتضرعون لربهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. إن هذه المسائل مرتبطة ببعضها، فالمسارعة إلى الخيرات من أسبابها: الإلحاح في الرغبة، وفي طلب الجنة، والإلحاح في الرهبة، والاستعاذة من النار، والدوام على الخضوع والخشوع. وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائرٌ ما دار حتى دارت الفلكان
следующие страницы →