Полный текст (3 155 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
سرعة استجابة النبي ﷺ لربه
وهذه استجابة نبينا ﷺ وهو الوحيد الطريد الشريد الذي لا ناصر له إلا الله، ولا معين له إلا الله، يؤذيه أهل مكة، ويضعون الشوك في طريقه، ويلقون سلى الجزور على ظهره، فيخرج هائماً، ويخرج منطلقاً على وجهه لا يجد أحداً يعينه، فيذهب إلى عبد ياليل بن كلال في الطائف، فيغرون به السفهاء، ويصفون له سماطين يرمون أقدامه بالحجارة حتى أدموها، ذلك النبي خير من وطئت قدمه الثرى، أشرف الأنبياء والمرسلين، يقول له الله جل وعلا: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] هل قال: يا ألله لا يوجد إلا أنا، لم يبق إلا أنا، لا نصير، ولا معين، أنظرني حتى يكثر الأعوان، أنظرني حتى أجد قوة ومنعة؟ ماذا كان شأن نبينا ﷺ بعد ورود أمر الله؟ كان شأنه الاستجابة لما نزل قول الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] رقى إلى الصفا، ونادى قريشاً بطناً بطناً، وفخذاً فخذاً، واصباحاه، فاجتمعوا إليه، وقال: (لو قلت لكم: إني منذركم عن جيش يصبحكم، أو يمسيكم، هل أنتم مجربون عليَّ كذباً؟) قالوا: أبداً ما جربنا عليك كذباً، فقال: (إني رسول من الله إليكم، أن اعبدوا الله وحده لا شريك له) ودعوة الوحدانية هذه ليست أمراً يسيراً تفقهها قريش وتعرفها قريش، إنها تعني أن نلغي الحاكمية، وأن نلغي الطاعة، وأن نلغي الخضوع، وأن نلغي الاجتماع إلا لله، وعلى أمر الله، وعلى طاعة الله، هكذا فهمت قريش، فماذا كان جوابها؟ قال أشقاهم: تباً لك يا محمد، ألهذا جمعتنا سائر اليوم؟ استجاب النبي ﷺ ، وكانت استجابة إصرار، لا هوادة فيها، فلما رأوا عظم شأنه، وصدق عزيمته، وقوة تطبيقه ومضائه، قالوا: يا محمد! اعبد إلهنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فقال: (﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]) قالوا: يا محمد! إن كنت تريد مالاً أعطيناك، وإن كنت تريد جاهاً سودناك، وإن كنت تريد جمالاً زوجناك، وإن كان الذي بك رئيٌ من الجن عالجناك، فماذا قال؟ قال: (والله لو وضعتم الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته) استجابتي لله لا يصدني عنها شيء، ولا يردني عنها شيء حتى ولو تندق هذه السالفة.
فاعجبوا واعلموا وتبينوا عظم استجابة نبيكم ﷺ ! بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 772
استجابة الصحابة لأمر الله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا عليها بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة! أما استجابة الصحابة لأمر الله، فلهم في باب الاستجابة شأن عظيم جداً، كانوا يعلمون أن هذا القرآن ما نزل إلا ليتلى ويعمل به، ويكون كل واحد منهم قرآناً يمشي على وجه الأرض، ما نزل القرآن لكي يتزين به في المجالس، أو يعلق على الجدران، أو يتبرك بحروفه ورسمه، والله ما نزل إلا وحياً مباركاً، وشفاءً وإنقاذاً لأمة ضلت، وإبصاراً لأمة عميت، فعلموا أن الاستجابة هي الأمر الطبيعي لنزول هذا القرآن، فاستجابوا له، ولو كان ذلك على حساب ما تأصل وشربته القلوب من عاداتهم وتصرفاتهم وأفعالهم، لما نزل قول الله جل وعلا في شأن تحريم الخمر؛ والخمر تعرفون مكانتها عند العرب في الجاهلية، وما قبل الجاهلية، وأسلم الصحابة، ولم ينزل في تحريم الخمر شيء، وكان بعضهم لا زال يشربها، وكانوا يتغنون بها، وينشدون القصيد فيها، كان هذا شأن العرب في جاهليتهم، فلما نزل قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] لم يكن هذا قوياً في صرفهم، ولما ورد قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، لما بلغت هذه الآية أسماع الصحابة رضوان الله عليهم ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] ماذا كان شأنهم مع الاستجابة؟ كان بعضهم قد وضع مجةً من الخمر في فمه فأراقها، وكان بعضهم قد رفع الكأس إلى فيه، فرمى به، وكان بعضهم يملك الدنان العظيمة والزقاق الكثيرة، كان يملكها من الخمر المعتقة، فما كان منه إلا أن أراقها، قالت الرواة: سالت شوارع المدينة من الخمر من قوة استجابة الصحابة لأمر الله، وبعضهم لا زالت في فيه، وبعضهم رمى بها لتوه من يده، وبعضهم لازال قد شق دنانها، وكسر أوعيتها، هذه استجابة عجيبة، ما قال أحدهم: لو أكملت هذا الكأس الذي رفعته، ولم يقل الآخر: لو بلعت هذه الشربة التي مججتها، وما قال الآخر: لو فعلت بهذه شيئاً، لو أني خللتها، وجعلتها خلاً، لو أني بعتها على النصارى، لو أني بعتها على اليهود، لو أني فعلت بها كذا وكذا، لما سمعوا قول الله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] استجابوا فوراً، وأراقوها، وأبعدوها من دورهم ومجالسهم، ولما نزلت آيات الحجاب، ونزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] استجابت نساء الأنصار، واستجابت نساء المسلمين أجمعين، فخرجن كالغربان متلفعات بمروطهن على وجوههن وجيوبهن، ما تخلفت واحدةٌ منهن عن الاستجابة.
والاستجابة في تطبيق النبي ﷺ أيضاً، لما جاء أبو بكر الصديق لقي جمعاً من قريش، قالوا: هل سمعت ما قال صاحبك؟ زعم البارحة أنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء -يتضاحكون- ويقولون: الآن يكفر أبو بكر، يكذب صاحبه على هذا الخبر، إنا لنذهب إلى الشام شهراً، ونئوب منها شهراً، وصاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء، وعاد في ليلة واحدة، فقال أبو بكر الصديق: أوقد قال هذا؟ قالوا: نعم!!، قال: صدق، إنا نصدقه على خبر السماء، فكيف نكذبه على خبر الأرض؟! هكذا كانت الاستجابة في التطبيق، وفي المعاملة، هكذا كانت استجابة الأمة، وهكذا كان فعلهم واستجابتهم مع قول الله جل وعلا، كان أحد الصحابة ماضياً إلى المسجد، فسمع النبي ﷺ يخطب: (لا يبقين أحد منكم إلا ويجلس، فجلس في الطريق، فلما خرج النبي ﷺ ، قال: ما الذي أجلسك هنا؟ قال: سمعتك تقول: لا يبقين أحد منكم إلا ويجلس فجلست مكاني فور سماعي كلامك هذا يا رسول الله! فحمد النبي ﷺ ربه، ودعا له بخيرٍ وأثنى عليه) هكذا كانت الاستجابة سواء عرفوا العلة، أو لم يعرفوا العلة، سواء عرفوا السبب، أو لم يعرفوا السبب، والآن -يا عباد الله- نقول لأحدهم: إن الله حرم هذا فيقول: لماذا؟ تقول: إن الله شرع هذا فيقول: لماذا؟ تقول: إن الله نهاك عن هذا فيقول: لماذا؟ أين الاستجابة والانقياد، وأين الطاعة والخضوع؟ وأين الاحتكام لله وشرعه؟ وأين الاحتكام لسنة نبيه؟ أين نحن من الاستجابة يا عباد الله؟ أقول لأحدهم ذات يوم في مجلس جمعني به: إن الله حرم الربا، فقال: عندي مناقصة فلم أستطع أن أغطيها، فذهبت إلى بنك كذا، فاستدنت منه بفائدة قدرها كذا، ويقول: إنها ضرورة وحاجة، ماذا أفعل إذا لم أستدن؟ وقد تفوتني هذه المناقصة، فقلت: يا مسكين! الحاجة إما أن تموت فتدفعها بقدر ما يدفع الموت، الحاجة: أن تهلك، فتدفعها بقدر ما يدفع الهلاك، أما أن تريد ملايين فوق أخواتها في البنك، وتقول: إنها حاجة، وتحاج قول الله، وتحاج كلام رسول الله، بأنها حاجة فيما حرمه الله، ولعن آكله وموكله، وكاتبه وشاهديه من الربا.
أين استجابة أمثال هؤلاء يا عباد الله؟! تقول لأحدهم، وهو يتاجر بمحلات الفيديو وأشرطة الفيديو: يا مغرور، يا مسكين، يا مخدوع، إن الذي تبيعه حرام، إن الذي تأكل منه حرام، إن الذي تطعم أهلك حرام، إن الذي تنشره في المجتمع فساد، فيقول: وماذا أفعل بهذه الديكورات؟ وماذا أفعل بهذه الأشرطة؟ وماذا أفعل بهذه الأجهزة؟ أين نحن من الاستجابة يا عباد الله؟ كان الصحابة يستجيبون ولو على أرواحهم، دخل حنظلة بن أبي عامر بزوجته ليلة من ليالي الجهاد، فلما دخل بها في آخر الليل في هجيع الليل، صاح المنادي: يا خيل الله اركبي، فقام من أحضان زوجته جنباً لم يغتسل بعد، فأخذ سلاحه ولامته، وامتطى صهوة فرسه، ودخل ساحة الميدان استجابة فورية، لم يقل: ما زلت في شهر العسل، لم يقل: ما زلت عروساً، لم يقل: قد بنيت بامرأة، فوراً استجاب لأمر الله، فقتل شهيداً، فالنبي ﷺ في تلك الحالة يلتفت، ثم يعرض بوجهه، يقول الصحابة: (ما بالك يا رسول الله؟ فيقول: انظروا ما شأن صاحبكم حنظلة؟ قالوا: يا رسول الله! إنه ما زال عروساً قد بنى بزوجته البارحة، قال: إني رأيت الملائكة تغسله) استجابة فورية في أحلى ليالي العمر بالنسبة لكثير من الذين يظنون أنها ألذ وأحلى وأطيب من نعيم الجنة، وألذ وأحلى وأطيب مما عند الله، استجابةٌ فوريةٌ لأمر الله.
يا شباب الإسلام! يا رجال الأمة! يا معاشر المؤمنين! أتستجيبون لأمر الله؟ إن الله حرم اللهو والباطل، إن الله حرم الربا، وحرم الفساد والغيبة والنميمة وحرم السعي بالفساد في الأرض، أفتستجيبون لأمر الله؟ هل نقول: سمعنا وأطعنا؟ أم نقول: لماذا؟ وكيف؟ ولعل؟ ومتى؟ وربما؟ وأين وإلى آخره، ليست هذه من صفات المؤمنين، فإن كنا وكنتم مؤمنين، فلنستجب لله فوراً، فلنستجب لله في أنفسنا، وفي أعمالنا، وفي وظائفنا، وفي أسواقنا، وفي متاجرنا، وهذه الاستجابة وإلا فلا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم العن اليهود، اللهم العن اليهود، اللهم العن اليهود وأذنابهم وأعوانهم، ومن عاونهم يا رب العالمين، اللهم عليك بالنصارى، اللهم عليك بالفجار الفجرة، والفساق الفسقة، والكفار الكفرة، والرافضة المشئومين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحفظ اللهم إمام المسلمين، واحم حوزة الدين، وانصر المجاهدين، ووحد قلوب المؤمنين، وأصلح قلوب الشباب أجمعين، اللهم لا تدع لأحدٍ منا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيراناً إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته بمنك وكرمك وعفوك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً، فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم اجمع قلوبنا على طاعتك، واجمعنا اللهم في دار كرامتك، اللهم إنا نسألك من الفضل أقربه، ومن اللطف أعجبه، اللهم إنا نسألك من العافية حصولها، ومن النعمة تمامها ودوامها، اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصمةً، اللهم أغث قلوبنا، اللهم إنا نشكو إليك قلوباً لا تخشع، وأعيناً لا تدمع، ونعوذ بك اللهم من عمل ودعاء لا يرفع، اللهم ارحم قلوبنا القاسية، اللهم ارحم قلوبنا القاسية، اللهم أنزل عليها رحمةً من رحماتك، وسكينةً من فضلك، ومنةً من لطفك، اللهم اجعلها خاشعةً خاضعةً بكاءةً أوابةً أواهةً لك يا رب العالمين.
اللهم نشكو إليك قسوة القلوب، اللهم نشكو إليك بعداً عن الاستجابة، اللهم نشكو إليك بعداً عن الا
стр. 773
يا من تريد الهداية
إن الله تكفل لمن جاهد وصابر في طاعته أن يهديه صراطه المستقيم، وقد جعل سبحانه هذه الهداية سهلة وميسرة لمن طلبها، وصعبة وشاقة لمن حاد عنها ولم يبذل الأسباب المشروعة الجالبة لها، كمجالسة الصالحين وتحويل حماسه العاطفي إلى واقع عملي علمي يدعو فيه إلى الله .
стр. 774
أهمية الاستقامة على طاعة الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه، وعن الند، وعن المثيل، وعن النظير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، واعلموا أن لا نجاة إلا بها: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
معاشر المؤمنين: إن الهداية غاية العقلاء ووظيفة الأنبياء، ومنتهى آمال السعداء، وإن الاستقامة أولى وأجل مطالب العقلاء، فأما الهداية، فنحن نسألها ربنا في كل يوم سبع عشرة مرة في سبع عشرة ركعة فضلاً عن الرواتب والنوافل وغيرها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وأما الاستقامة فأمرنا بها، وأمر بها نبينا ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] وجاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله الوصية، ويسترشده النصيحة، ويطلب منه قولاً لا يسأل عنه أحداً قبله ولا بعده، فقال ﷺ موجهاً ذلك السائل: (قل آمنت بالله، ثم استقم).
أيها الأحبة في الله: إن الاستقامة على طاعة الله، والهداية بأمر الله ورسوله لمن أعظم أحوال السعداء، ومنازل العقلاء تلكم -والله- سعادةٌ من ذاقها بهداية واستقامة، ذاق شيئاً عجز عن ذوقه الأثرياء، وقصر دونه ذوو المناصب، ولم يبلغه ذوو الأحساب والأنساب، أليست الهداية والاستقامة جعلت بلالاً وهو عبد حبشي من أهل الجنة؟ ألم تجعل صهيب الرومي من أهل الجنة؟ ألم تجعل سلمان الفارسي من أهل الجنة؟ وما نفع أبا لهب أن كان ذا حسبٍ ومالٍ، وذا منصبٍ وجاهٍ في عشيرته، حيث قال الله عنه: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٣ - ٤].
من أراد السعادة، فليعلم أنها في طاعة الله، ومن أراد السعادة فليعلم أنها في لزوم أمر الله، ومن أراد السعادة، فليعلم أنها في اتباع رسول الله ﷺ ، ومن خالف ذلك فاته من السعادة بقدر ما خالف، وإن ظن أنه نال سعادة وهمية بمجاملة ممن حوله، أو بابتسامات زائفة، أو بضحكات مؤقتة، إذ القلب لا يملؤه إلا زاده، ولا يشبعه إلا طعامه، ولكل شيء مادةٌ تحركه، فالناقلات وقودها النفط، والطائرات وقودها النفط وما اشتق منه، والبطون وقودها الطعام يملؤها فيحرك الجوارح فيها، والظمأ يطفؤ بالمياه، وأما القلوب فليس وقودها بنفط ولا بطعام ولا بشراب، أما القلوب التي هي ملكة الجوارح إذا صلحت صلح الجسد كله بكل حواسه وجوارحه، وإذا فسدت، فسد الجسد كله بكل حواسه وجوارحه، فطعامها ووقودها ومادتها التي تحركها ذكر الله جل وعلا، فالسعادة مصدرها اتباع أمر الله ورسوله، والشقاء سببه كل إعراض عن الله ورسوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
стр. 775
الهداية سهلة على من طلبها وشاقة على من تجنبها
أيها الأحبة في الله: إذا كانت السعادة مطمعاً، والهداية أملاً يرنو إليه كل عاقل، فيا ترى هل السبيل إلى ذلك عسير أم يسير؟ الهداية يا عباد الله! سهلة ممتنعة، قريبة بعيدة، سهلة ميسرة، شاقة وحاصلة، فهي شاقة وبعيدة وعسيرة على من أراد أن يترك شهواته، وأن يترك ما عنده، وأن يترك ما تعلقت نفسه به من دون أن يعلق نفسه بطمع في ثواب الله، أو يخوف نفسه بعقاب من عذاب الله، أو يعلق نفسه برضى من عند الله جل وعلا، فمن ظن أن الهداية تسلك كيفما اتفق، وتنال بأي جهد من غير تفكر وتدبر في طلب ما عند الله من النعيم، والخوف مما عنده من العذاب والجحيم، وطلب ما عنده جل وعلا من الرضا التي إذا حصلت، فلا يضر العبد غضب الخلق وتغيرهم عليه:
إذا صح منك الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب ترابُ
من طلب السعادة والاستقامة والهداية بغير أن يفكر أنه ينال فيما يترك جنة عرضها السماوات والأرض، ورضاً من رب رحيم لا سخط بعده، وجنة لا يحول أهلها ولا يزولون، ونجاةٍ من عذاب أبدي سرمدي مقيم، فإن الهداية تكون عليه شاقة، تكون صعبة، تكون عظيمة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] وتكون الهداية سهلة، وتكون الاستقامة ميسورة، وتكون قريبة، وتكون حاصلة لمن إذا رأى حراماً تركه رغبةً أن يرى نعيماً مقيماً، وإذا عرض له حرامٌ تركه رغبةً أن ينال ثواباً عظيماً، ومن إذا دعي إلى حرامٍ، تركه طلباً لرضاً لا سخط بعده، ومن إذا تزخرفت له معصية تذكر نعم الله عليه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] ومن إذا تزينت له المعصية، قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣].
من جعل الهداية والسعادة والاستقامة بين عينيه في مقابلة رضا الله، وطلب نعيمه، والخوف من عذابه، وشكر نعيمه وآلائه، فإن الاستقامة أسهل ما تكون، وإن الهداية أيسر ما تكون، ولعل هذا -أيها الأحبة- مما يبين، أو يوضح، بل يدل عليه قول الله جل وعلا في وصفه ورضاه وتكريمه لصفوة خلقه وهم أنبياؤه ورسله حيث قال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] ما الذي وحدا بهم إلى الاستقامة، وإلى الهداية، بل والمسارعة في أسبابها، وطلب كل فعل مآله مرضاة الله؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] بل ويخضعون ويتضرعون لربهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
إن هذه المسائل مرتبطة ببعضها، فالمسارعة إلى الخيرات من أسبابها: الإلحاح في الرغبة، وفي طلب الجنة، والإلحاح في الرهبة، والاستعاذة من النار، والدوام على الخضوع والخشوع.
وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائرٌ ما دار حتى دارت الفلكان
стр. 776
أسباب البعد عن الهداية
أيها الأحبة: هذه مقدمة يسيرة نسوقها لكثيرٍ من أحبابنا وشبابنا وإخواننا وبناتنا وزوجاتنا، ولأقاربنا وقريباتنا يوم أن نرى منهم بعداً عن الهداية، وجفاءً عن الاستقامة، وتسويفاً للتوبة، وبعداً عن صراط الله المستقيم؛ فإننا نقول لهم: متى الهداية؟ ومتى الرجوع؟ ومتى الأوبة والتوبة؟
стр. 777
الاستقامة العاطفية والحماسية
وإنا لنبين أسباب بعدهم، بل ومن أسباب انحراف بعض المهتدين بعد هدايتهم، وانتكاس بعض المستقيمين بعد استقامتهم يعود إلى أمورٍ منها: أن العبد ربما بدأت استقامته عاطفة، وبدأت هدايته مشاركة، وبدأت توبته حماسةً دون أن ينظر إلى أنه بهذا ينال رضا الله، ويدع ما يشتهيه لأمر الله، ويترك ما يحبه لمحبوب الله، ويدع رغباته لما أمر به الله ورسوله؛ فإن من نظر إلى هذا الأمر بادئ ذي بدء، وتذكر أنه لا يمشي خطوة إلا لأن الله رضيها أو أمر بها، ولا يتقهقر خطوة إلا لأن الله نهى عن الإقدام إليها، من نظر أنه لا يلفظ كلمة، ولا ينفق ريالاً، ولا يكف يداً عن مال، ولا يسعى إلى مقصدٍ، ولا يحجم عن أمرٍ إلا لأن الله أمره أو نهاه، لأن رسول الله أرشده أو حذره، فحينئذٍ تكون هدايته واستقامته فوق مستوى استقامة الحماس العاطفي، والنشوة المؤقتة، والتأثير الآني الذي ربما زال بعد دقائق من الخطبة والمحاضرة والموعظة، إذا علم هذا وتحقق فإن من كانت هدايته مرتبطةً بالطمع فيما عند الله، والخوف من عذابه، فمهما تزخرف وتزين له من الأمور، فإن ضميراً حياً يعيش معه، وإن نفساً لوامةً تحاسبه، وإن قلباً رجاعاً يخاف به، وإذا ابتعد عن ذلك، فربما بكى حال الموعظة، وخضع حال المحاضرة، وأنصت حال الخطبة، فإذا خرج وولى نظر إلى معصية ولم ينظر ما حولها من عذاب توعد الله به من فعلها، وإذا نظر فاحشة أقبل إليها بشهوته، ولم يتذكر وعيداً توعد الله من اقترفه.
أقول هذا أيها الأحبة! لكي نجعل استقامتنا خاضعةً منبعثةً هادفةً إلى أن كل فعلٍ فيها بأمر من الله، وكل إحجامٍ فيها بنهي من عند الله ورسول الله ﷺ ، وحينئذٍ تجد المستقيم والمهتدي يعتز باستقامته سواءً كان بين إخوانه المتدينين المستقيمين، أو بين إخوانه من سائر المسلمين، ولو كان فيهم العصاة، أو كان فيهم الظلمة، أو كان فيهم من هو بعيد البون والمسافة عن الاستقامة والهداية.
إن من دلائل الاستقامة الثابتة، والهداية الصحيحة أن تجد العبد فخوراً متشرفاً معتزاً باستقامته في أي مكان، وفي أي مقام، وبين أي قوم، وعند كل أناس، وتحت كل سماء، وفوق كل أرض، لأنه مرتبط بأمر الله: يا عبد! أن افعل، وبأمر رسول الله: يا عبد الله! أن افعل، ومنزجرٌ بنهي الله: يا عبد! لا تفعل، وبنهي رسول الله: لا تفعل، حينما يكون العبد مرتبطاً بهذا فلا يضيره، ولا يتردد أن يقيم شعائر دينه في كل مقام، وفي كل موقع، أما من كانت هدايته مشاركة جماعية، أو حالة حماسية، أو موجة عاطفية، نعم.
سينافس بين إخوانه من المتدينين، سيتحمس بينهم وعندهم ومعهم وإليهم ومنهم، ولكن بعد أن يخلو في مقامٍ قل فيه النصير، وندر فيه المعين، ولم يجد فيه من يعينه، ربما انتكس واستحى ظناً منه أن هذا حياءً، وربما تردد وتقهقر وتراجع، لأنه هناك لم يتذكر أنه إنما يقيم أمر الله ورسوله في أي موضع، وفي أي موقع، وفي أي حال.
هذه من أهم الأسباب التي من أراد بها هدايةً لا زيغ بعدها، واستقامةً لا انحراف بعدها، واستمراراً لا انتكاس فيه عليه أن يتذكر دائماً أن استقامته لله وبأمر الله، ومن الله وإلى الله، ومع ذلك كله، فلا حول له ولا قوة إلا بالله جل وعلا.
стр. 778
مجالسة قرناء السوء
الأمر الآخر يا عباد الله! الذي يلاحظ ملاحظة جلية، بل ويقطع بقوة أثره، وبأثر فعله على النفوس بين الذين يريدون الاستقامة، أو بين من استقاموا، فربما انحرفوا بعد ذلك: الجلساء، وليس هذا الأمر بغريب عليكم، ولكن ربما تساهل البعض به، فظن أنه بلغ منزلة لو خالط من خالط، أو جالس من جالس، فإنه لن يتأثر أبداً، وقد ظن جهلاً، وتوقع خطأ إذ أنه لا يوجد عبدٌ لا يتأثر إلا النبي ﷺ المعصوم من تأثير الناس عليه:
وبلوت أخبار الرجال فلم أجد رجلاً يؤثر دون أن يتأثرا
إلا النبي محمدٌ فجعلته علماً وسرت على هداه مكبرا
فيا أيها الأحبة: ربما أصيب العبد بانتكاسة بعد استقامة بسبب جلسائه، فإن المرء من جليسه، والطبع استراق، والبهائم -مع أنها أقل بدرجات كثيرة في وسائل العلم والمعرفة والتلقي ألا وهي الأسماع والأبصار- تتأثر ببهائم عجماوات، ليست من فصيلتها، وليست مما يشاكلها أو يشابهها، فما بالك بابن آدم الذي يجالس بني جنسه ينطق كما ينطقون، ويبصر كما يبصرون، ويأكل ويشرب كما يأكلون ويشربون، ويشتهي ما يشتهون، وله من المطامع مثلما لهم، أوليس هذا بأقوى دليلٍ على أنه يتأثر؟! والله إنه يتأثر إلا من ألح على ربه مستعيناً بخالقه سائلاً ربه خاصةً في سجوده: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك؛ لأن العبد على خطر عظيم، لا تأمننَّ على مهتد ضلالة، ولا تستبعدن على ضال هداية، وإن رأيت أحداً مهما كثرت ذنوبه، وتنوعت جرائمه، وتعددت خطاياه، وأسرف ومضى في المعصية إياك أن تتألى أو تستبعد هدايته، فما يدريك أن يكون أقرب منك وأقوى منك في الحق الذي بعث الله به نبيه، ولا تأمننَّ على مهتد ضلالة، أو معصية، أو صغيرة أو كبيرة، فإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن من استعان بنفسه ضل، ومن توكل على ما عنده انقطع، ومن اتصل بحبل البشر انقطع، ومن استعان بالله وتوكل على الله واستهدى بالله، هداه الله ووصله الله وكفاه الله وأعانه الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 779
الأسباب الجالبة للهداية والاستقامة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
стр. 780
حسن اختيار الجلساء
يا عباد الله: إن من أسباب الاستقامة وحصول الهداية وتحصيل السعادة على أمر الله، ولزوم طاعته وطاعة رسوله ﷺ : أن يعتني العبد بجلسائه، إن جالست من هم دونك، انحدرت إليهم انحداراً لا يقف عند حد، وإن جالست من هم أعلى منك قدراً في علمهم تعلمت منهم، وإن جالست منهم أعلى منك قدراً في عبادتهم، اجتهدت أن تصل إلى درجتهم في العبادة، وإن جالست من هم أعلى منك قدراً في سمتهم وتقواهم، نافستهم في الخشية في السر والعلانية، وإن خالطت غوغاء الناس وسذجهم وبسطائهم بمعنى: جعلتهم جلساءك في كل صباح، وفي كل مساء، وفي كل ذهاب وإياب، وفي كل حضر وسفر، ما زال عقلك في انحدار حتى تبلغ درجةً ربما لو سمعت من كلامك شيئاً قبل سنين، لأنكرت ما تقوله الآن بالنسبة لما قلته قبل سنين، وما ذاك إلا أن العصمة لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، وأما سائر العباد، فإن اجتهدوا في طاعة، نالوا الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ومن ضيع نفسه فقد خاب بتضييعها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] فمن ضيع النفس وأهملها وما زكاها، بل دساها، وتهاون بها، وجعل مرتعها في كل مجلس غيبة ونميمة، وجعل مناها وطربها في كل ذهاب لا فائدة فيه، وفي كل إياب لا مثوبة بعده، فإنه بذلك يتدسى، وينزل إلى منحدرات بعيدة، فالعاقل إذا طلب الهداية، عليه أن يعلم بأن هدايته استجابةً لله، وطاعةً لله، واستقامةً على أمر الله حتى لو ضل من ضل من العقلاء، أو انحرف من انحرف من الصالحين، أو تغير من تغير من الناس، لا تربط هدايتك بهداية فلان، ولا تجعل استقامتك باستقامة فلان، اجعل هدايتك لأن الله أمرك، واجعل بعدك عن المعصية، لأن الله نهاك هذا أولاً.
стр. 781
المحافظة على الجلساء الصالحين
والثاني: أن تحرص كل الحرص على من تجالس، لا يعني هذا الكلام أن يتكبر الصالحون، أو أن يتورع طلبة العلم والعلماء عن مجالسة العامة، لا.
لابد أن ينفر من فيه خيرٌ وصلاح لدعوة من ضل من العوام، ولدعوة من ضل من سائر الناس، بل والدخول عليهم في مواقعهم شريطة أن يكون العبد متحصناً بخيرٍ كثير، مستعداً بما عنده من علم وعبادة قبل أن يرد مواقع الذين يدعونهم، أما رجل اهتدى بالأمس، فأصبح يدعو الناس في مجلس فسق ولهو، سرعان ما ينحرف وينتكس ويتغير، أو شاب لم يطلب العلم إلا منذ أشهر، فذهب ليناظر أقواماً يسوقون ويمررون الشبهات الواحدة تلو الأخرى، فسرعان ما يزل ويزيغ وتصيبه الشبهة، وتقتله في مقتل قد يضل بعده، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أعني أن العبد لا يمنع حينما يكون عنده العلم والعبادة أن يدعو الناس، بل يصل إليهم في مواقعهم إذا أمن نفسه، وكلٌ بنفسه أدرى: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] قد تجد من نفسك في يوم من الأيام قوة عظيمة وقدرة على غشيان مجالس الفساق والسفهاء لدعوتهم ونصحهم وتخويفهم وتذكيرهم وإنذارهم، وقد تكون بعد هذا في يومين، أو ثلاثة أعجز من أن تقابل ولو معصية صغيرة، فإياك أن تذهب إذا وجدت من نفسك ضعفاً، أو من قلبك خوفاً، أو وجدت في حالك تردداً، إذ العبد لا يأمن أن يذهب غازياً، فيعود أسيراً مهزوماً، والعاقل من أدرك أن صلاح نفسه، وتحصيل نجاة نفسه مقدمٌ على سائر الناس أجمعين، هذا من الأمور المهمة.
ألا وإن مجالسة الناس على درجات، فجالسوا واحرصوا على مخالطة من ينفعونكم، وعلى غشيان مجالس تذكركم بالله، تجعلكم تديمون ذكر الله، وتستغفرونه وتسبحونه وتحمدونه وتكبرونه، فتلك مجالسٌ قد حفظت لكم من الخير شيئاً كثيراً، وإن الدقائق زائلة، والثواني ماضية، والساعات منقضية، فتخيل دقيقة الآن بين عينيك لك أن تقول في هذه الدقيقة: سبحان الله، والحمد لله والله أكبر، فتزول الدقيقة بهذه الكلمات، ولك أن تقول في هذه الدقيقة: فلان قال، وفلان قام، وفلان أعطى، وفلان منع، فتتولى وتمضي هذه الدقيقة بهذه الكلمات، وستجد يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران:٣٠] ستجد الخير والسوء، ستجد الخير والشر بين عينيها محضراً، ستجد هاتين الدقيقتين إن قلت فيها: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وستجد الأخرى إن قلت فيها: فلان أعطى وقام وعزل ومنع وولى، وغير ذلك.
فالعاقل من ينتبه لهداية نفسه، أوليس مقاصد العلماء في طلب العلم أن يعرفوا الحلال والحرام، لئلا يقعوا في معصية الله، أن يصيبوا أمر الله، أن ينالوا ثواب الله؟ فإن الإقبال على النفس، وتحصيل هدايتها هو من مقاصد ومطامع العلماء الأجلاء، إذ قد يقول قائل: إن الإقبال على النفوس، وتزكية الأنفس إنما هو من مقاصد علماء السلوك، أو علماء الأخلاق، أما العلماء الذين تخصصوا في الحلال والحرام، فأولئك ربما كان بحثهم في مسائل غير هذه، لا وألف لا.
مقاصد العلماء وعلماء السلوك وعلماء الحلال والحرام، وعلماء الأخلاق، مقاصدهم الجليلة ألا يعصى الله، وأن يطاع الله، وأن يسير العبد على أمر الله ورسوله.
أقبل على النفس فاستكمل محاسنها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً أفنيت نفسك فيما فيه خسران
من طلب الهداية والاستقامة، فليحذر كل الحذر من مجالس إنما هي تردية تؤذيه ولا تنفعه، والعاقل أدرى بنفسه، فإن كنت يوماً قوياً فاغش من تسعى لجهادهم بالكلمة والموعظة والنصيحة، وإن وجدت نفسك ضعيفاً، فاحرص أن تنزجر أو تتقهقر حتى تجد من نفسك قوة.
كان بعض السلف إذا دعي إلى بعض المواقع والمجتمعات أو المقامات، وعلم أنه مقدمٌ على مجتمع يعظ فيه، أو يناظر فيه، أقام ليلته كلها قبل أن يغشى القوم، يسبح ويهلل ويكبر، ويصلي ويسجد ويقرأ القرآن، يتزود بزاد حتى إذا نزل ساحة من يدعوهم، نزل إليهم قوياً مؤثراً لا متأثراً، وكان بعضهم يسبق ذلك بصيامٍ وصدقات حتى يقوي نفسه بالطاعة؛ لأن النفس إذا قويت بالطاعة كانت قادرةً على الدعوة إليها، وإذا ضعفت في الطاعة، كانت عاجزةً عن الاستمرار عليها فضلاً عن أن تدعو غيرها إليها.
المجالس المجالس يا شباب الإسلام! المجالس المجالس يا أيها المسلمون! من جالس أقواماً نال صفاتهم شاء أم أبى، وإن المعصومين هم رسل الله، ومن أعانه الله وحفظ نفسه، فلينتبه لهذه المسألة.
لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجربِ
стр. 782
تحويل الاستقامة العاطفية إلى برنامج عملي علمي دعوي
والمسألة الثالثة في مسائل الاستقامة والهداية ألا وهي: تحويل وصرف هذه العاطفة والاستقامة والهداية إلى برنامج عملي علمي دعوي منظم، فما أكثر الذين استقاموا سنة أو سنتين، شهراً أو شهرين، ثم انتكسوا بعدها بيوم أو يومين!! وما السبب في ذلك إلا لأن استقامتهم أو توبتهم كانت بكاءً في ليلة سبع وعشرين في رمضان، أو بكاءً وحنيناً وخنيناً في ليلة تسع وعشرين، أو كانت لمجرد رحلة حج مع أقوام صالحين تأثر بعد ذلك، نعم.
وفي البكاء خير، وفي صحبة الصالحين في سفر العبادة خير، ولكن جاء الشر من جهة أنه لم يوظف هذا الخير، ولم يجعل هذا الخير في برنامج عملي، فمن ذاق الهداية والاستقامة، فعليه أن يحولها إلى برنامج علم وعمل، بمعنى أن تجعل لنفسك ومن نفسك في كل أسبوع محاضرتين، أو ثلاث تحضرها باستمرار كواجباتك اليومية من طعام وغداء، درسين أو ثلاثة من دروس التوحيد والفقه والسيرة، أو اللغة والفرائض، وغير ذلك حتى تستمر على الهداية، فإن من جعل مع الهداية طلباً للعلم، وحرصاً عليه، واجتهاداً فيه، تفتحت له آفاق بعيدة، وأدرك أن طريق الهداية طويل، وطريق الاستقامة طويل، من لم يتزود فيه بالعلم والعبادة، فربما انتكس في يومٍ، أو بعد قريب أو بعيد من الزمن.
فيا أيها العقلاء! ويا معاشر الشباب! أحذركم من التزام العاطفة، وأحذركم من استقامة مفاجأة، وأحذركم أن تكون استقامتكم والتزامكم بهذه العواطف المؤقتة الآنية التي تشبه شموعاً تجمعت، فلما قابلتها حرارة الفتنة والشهوة ذابت، أو كجبال من جليد يظن العبد حال بكائه وحال تأثره أنه مستعد أن يريق الدم في سبيل الله، وأن يبذل النفس والنفيس والغالي والرخيص في تلك اللحظات المشحونة المتأججة بالعاطفة، فلما زالت لحظة العاطفة التي كان فيها لو طلبت روحه لقدمها، جيء ليطلب منه كفٌ عن معصية، أو إعراضٌ عن خطيئة، ذابت تلك الجبال الثلجية أمام حرارة صغيرة من الصغائر، أو كبيرة من الكبائر، فالعاقل ينتبه لهذا، ويستعين بالله صباح مساء، ويلح على ربه في سجوده خاصة؛ أن يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك.
ألا وإن من أعظم النعم الاستقامة، ومن أخزى الخزي الحور بعد الكور، والزيغ بعد الهداية، والضلالة بعد الاستقامة.
стр. 783
التخلص من آثار المعاصي
ثم بعد هذا في مسائل الاستقامة والهداية: أن تكون صادقاً جاداً في الإقلاع والبعد عن كل معصية تبت منها، وعن كل ما يذكرك بهذه المعصية، وعن كل جليس يذكرك بها ما دمت في بداية هذه المرحلة، إذ النفس تتأثر تأثراً سريعاً، نعم.
إن من الناس من استقام شهرين، أو سنتين، ثم بعد ذلك زاغ، ولو فتشت وقلبت ونقبت في حقيقة استقامته، لوجدته تاب توبةً في تلك اللحظة، لكنه لم يتخلص من آثار ما تاب منه، لم يتخلص من بقية أشرطته، لم يتخلص من بقية أفلامه الخليعة، لم يتخلص من بقية مجلاته الماجنة، لم يتخلص من غنائه ولهوه، لم يتخلص من عاداته وسهره، لم يتخلص من كذا وكذا، فعادت من جديد تجذبه وتغزل له غزل النسيج بالمغزل حتى صارت بعد أن كانت خيطاً رفيعاً يقاومها، أصبحت حبلاً متيناً استطاعت أن تجره إلى الضلالة من جديد، فالعاقل ينتبه، العاقل يتخلص من كل ما يذكره بالمعصية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨].
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء المسلمين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءً، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء!
стр. 784
رسائل إلى الشاردين
هذه الخطبة بلسم شافٍ لأصحاب الهموم والغموم، فقد ذكر الشيخ أسباب زوال الغم والهم، كما ذكر أموراً من يقم بها يعش حياة طيبة سعيدة، ويتغلب على منغصات الحياة، فعش مع هذه الرسائل علك تجد ما يشفي غليلك!
стр. 785
أسباب السعادة
الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين! إننا نرى في حياتنا كثيراً من الرجال والنساء، والشباب والشيوخ، والشابات والعجائز يعانون من مرض وألمٍ غريب وعجيب، سريع في الحلول سريع في الزوال، ذلكم هو: الهم، والغم، والقلق، وشرود النفس، والخشية من المستقبل، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨].
أيها الأحبة: كم مرة رأينا ورأيتم فيها شاباً، أو كبيراً، أو مراهقاً، أو هرماً، يشكو هموماً وقلقاً، وتجد علامات الكآبة وآثارها بادية على وجهه، والشرود يذهب بأفكاره مشرقاً ومغرباً، وإذا تأملت حقيقة ما يدعوه إلى هذا الشرود، وهذا الهم والغم، لم تجد شيئاً كفؤاً لهذا كله، فلو كان الهم والغم لمسلمة اغتصبت بيد علج من العلوج الكفرة، أو لأجل يتيم قتل بلا ذنب، أو لأجل شعب شرد بلا جريمة، أو لأجل مظلومين أودعوا الزنازين بلا جرم، لربما كان لهذا الهم والغم سببٌ باعث عليه وأمر داعٍ إليه، ولكن العجب العجاب أن تجد هموماً وغموماً وقلقاً وخوفاً دون ما سبب يدعو إلى ذلك، بل إن ما حل بالمسلمين، وإن أثر على النفس فحزنت، وإن أثر على النفس فدمعت له العين وحزن له القلب، فإن ذلك لا يدعو إلى الجزع، ولا يدعو إلى السخط والدعاء بالويل والثبور، وإنما يدعو إلى مزيد من الجد والحزم والعزم لمواجهة الأقدار بالأقدار.
معاشر المؤمنين: فلنعلم -تماماً- أن هذه الهموم والغموم، وشرود النفس وخطراتها، وأفكارها ووساوسها، والقلق الذي يؤثر عليها، والكآبة التي تخيم على وجوه أصحابها ناتجة من أسباب، وقد جعل الله بأمره ورحمته أسباباً تدفعها وتزيلها، فإلى كل مهموم، وإلى كل مغموم، وإلى كل قلق خائف من المستقبل، وإلى كل من شرد فكره، وذهبت أفكاره حيص بيص، أو طارت خواطره مشرقة مغربة، فإليه نسوق هذه الوصفات الشرعية، والأدوية الإيمانية، والوسائل المجربة التي تجعل محل الهموم هماً واحداً نافعاً يسعى العبد في تحصيل ما ينفعه به، وتزيل الغموم، وتجعل محلها انشراحاً، وتزيل الكدر والخوف، وتجعل محلها تفاؤلاً.
أيها الشاكي وما بك داءٌ كن جميلاً ترى الوجود جميلاً
أيها الشاكي وما بك عيبٌ كيف تغدو إذا غدوت عليلاً
стр. 786
العمل الصالح سبب للحياة الطيبة
يقول الله جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] حياةً طيبة لمن؟: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
أيها المهموم أيها المغموم أيها الخائف من المستقبل! يا شارد الذهن قلق الخواطر متشتت الأفكار! عليك بالعمل الصالح؛ فإنه -بإذن الله- لا محالة مجلبة للحياة الطيبة والجزاء الحسن، والأمن والطمأنينة، إن لكل حسنةٍ ثواباً، ولكل سيئةٍ عقاباً، فاحرص على الحسنات ترى أثرها عاجلاً وآجلاً بإذن الله جل وعلا، أولست مؤمناً؟ بلى.
والإيمان يغرس في قلبك، وينسج في سويداء وشغاف فؤادك أن رزقك لو اجتمعت الإنس والجن على زيادته، ما زادوه قطميراً أو قليلاً أو كثيراً، وأن أجلك لو اجتمعت جيوش الأرض، وكان بعضهم لبعض ظهيراً على أن يحولوا بينك وبين آخر يومٍ من حياتك ليسبقوا الأجل بيوم أو ساعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أوليس الذي خلقك الله؟ أوليس الذي يرزقك الله؟ أوليس الذي يحييك الله؟ أوليس الذي يميتك الله؟ فعلامَ الهم إذاً؟ وعلامَ الحزن؟ وعلامَ الخوف؟ عجبت ذات يوم من موظف جاء تارة يبكي وتارة تسبقه عبراته، وساعة تتحدر دموعه على وجنته، وتارة في شرود، وتارة يرفع صوته، اشتعلت به هذه الهموم بسبب وظيفته، فجعلته يطلق زوجته، وربما حرم من أبنائه زمناً، وما السبب والباعث والداعي؟ إنه الخوف من رؤسائه، إنه الخوف من مسئوليه فما زال بعض الحاضرين في ذلك المجلس يؤنسه ويقربه ويذكره ويخوفه بأن أجله ورزقه بيد الله حتى اطمأن وعاد ساكن البال.
أيها الأحبة: لا داعي إلى قلق، ولا حاجة إلى خوف، ولا محل لجزع، إذا كان المؤمن راضياً مسلِّماً، إذا كان المؤمن متيقناً معتقداً بحديث النبي ﷺ الذي يرويه أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ فقال: إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر الملك بكتب أربع كلمات: برزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد).
فإذا كانت الأرزاق مقدرة، فوالله لا يزيدها قرب من سلطان، ولا يبعدها بُعدٌ عن سلطان، وإذا كانت الآجال محددة، فلا يدنيها دخولٌ في مهمة المعارك وحمى الوطيس وعند كعاب الأسنة، وعند رءوس السيوف، ولا يؤخر المنية نوم في الأقبية أو الخنادق أو الملاجئ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
فالإيمان -أيها الأحبة- والعمل الصالح مما يبعثان على الجرأة والشجاعة والطمأنينة، وعدم الخوف من كبير وصغير، ومسئول وقريب أو بعيد، عدم الخوف على رزق أو أجل، والإيمان يبعث في النفس رضى وقناعة، فلو فتحت للعبد كنوز ما طغى وما تجبر، وما صعر خده للناس، وما مشى في الأرض مرحاً، إذ أنه يعلم أنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولاً، إن وصف المؤمنين أن يكونوا راضين مسلِّمين: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] إذا علمت أن ما أصابك من مصيبة، فإنها في كتاب عند الله من قبل أن يبرأ الله الخليقة، فإن في علم الله أزلاً أن هؤلاء الخلق قبل أن يخلقوا معلومٌ ما يفعلون وما يتركون، وما يرزقون وما يصابون.
أيها الأحبة: الإيمان والعمل الصالح يبعثان النفس على السعادة وعلى الطمأنينة، ولا يجعلان في القلب مكاناً للهم والغم أبداً، واعلم -يا شارد الذهن! يا خائفاً من المستقبل! يا متألماً بهمٍ أو غم لأمر لا داعي له- اعلم أن كثيراً من الناس مهموم بلا شيء، مغموم لأجل لا شيء، مكدرٌ بلا قضية، مشغول بلا مهمة، إنما هي وساوس وأفكار وخطرات تذهب به وتغدو وتروح وتجيء، وربما يكون عنده من القدرات ما يستطيع به أن يفعل خيراً، أو يقدم شيئاً كثيراً، ومع ذلك قعدت به همومه ووساوسه على ألا يفعل شيئاً، ولم يكن حظه إلا الهم والغم.
стр. 787
الإحسان إلى الناس
ألا يا شارد الذهن! ألا يا قلق الضمير! ألا يا جزع القلب! ألا يا خائفاً من المستقبل!
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمُ فطالما استعبد الإنسان إحسانُ
الإحسان إلى الناس بالقول والعمل نافعٌ بإذن الله يورث محبة الخلق.
ومن أسباب السعادة: أن يكون الإنسان محبوباً بين أقرانه وأقاربه وجيرانه، ومن حوله، فاشتغل بالإحسان إلى الخلق بكل ما استطعت أن تشتغل به، ليس من شرط الإحسان إليهم أن تمد لهم ريالات ودراهم ودنانير، ولا من شرطه أن يكون الإحسان في حالة معينة، أحسن إلى الخلق بما استطعت، بأي عملٍ تستطيعه, وأسباب الخير كثيرة.
هل تعلم أسرة فقيرة مسكينة سجن عائلها، أو غاب وليها، أو مات عائلها، ألا فاشتغل بمثلها وبغيرها، اجمع ما استطعت من لباسٍ وأوصله إليهم في ليلة ليلاء، اجمع ما شئت من بطانيات، وأدخل بها عليهم في ليلة شاتية، اجمع ما استطعت من طعام، وأسعد وسد بها جوعتهم في يوم من الأيام، فإنك تجد بذلك سعادة تغمر فؤادك ونفسك كسعادة الصائم حين يفطر، وسعادة المتهجد حينما يبزغ الفجر.
أحسن إلى الناس؛ إن تجد كفيفاً فأعنه على قضاء حاجته، يوم تجده يذهب يمنةً ويسرةً في دائرة لا يعرف أين يقبل ويدبر، إن تجد أخرق لا يحسن أن يتصرف خذه معك، إن تجد عاملاً قد تصبب العرق على ثيابه وملابسه، وقد فاحت رائحة بدنه من كد التعب وشقاء العمل، فقف بسيارتك مهما كانت فارهة نظيفة معطرة واحمله معك، ولا بأس- إن لم تكن مرتبطاً على ميعاد- أن تذهب به إلى مكانه، ولو اقتضى ذلك منك مزيد ساعة، أو نصف ساعة، إنه عمل يجلب إلى نفسك السعادة، ويطرد الهموم، وتشعر أنك حققت شيئاً.
وما سبب هذه الهموم إلا أن بعض الناس يشعر أنه صفرٌ على الشمال، كمٌّ لا فائدة منه، جنسٌ لا يستفاد منه، فإذا شعرت أنك أفدت واستفدت، ونفعت وانتفعت، كان ذلك سبباً في سعادتك، ومن ثم لا بقاء للهم والغم في فؤادك، يقول الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] من الذي وعد؟ ملك من الملوك؟ أمير من الأمراء؟ وزير من الوزراء؟ قاضٍ من القضاة؟ لا.
بل الله الذي وعد.
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] والله لو وعدت بمنحة، أو وعدت بمال، أو بدرهم ودينار، لوجدت السعادة تغمر قلبك إن كنت محتاجاً، أو مرتقباً ذلك الموعود، فما بالك يوم أن يعدك الله بأجر، وليس أجراً فحسب، بل: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤].
﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤] كثيرٌ من الكلام لا فائدة منه، وكثيرٌ من السعي لا جدوى فيه, وكثيرٌ من العمل لا فائدة بعده إلا من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاحٍ بين الناس: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤].
стр. 788
احرص على ما ينفعك تكن سعيداً
يا شارد الذهن! ويا قلقاً من مستقبله! ويا قلق الفؤاد جزع النفس! اشتغل بما ينفعك من علم أو عمل، واختر أحب الأعمال وأيسرها إلى نفسك، وأقربها إلى مقدورك من أعمال، أو علم نافعٍ، فإنك يوم أن تشتغل بما ينفعك، سرعان ما تزول همومك وغمومك.
إن كثيراً من الخائفين والقلقين إذا أصابته مصيبة، أو حلت بساحته الهموم والغموم، انقطع عن عمله، واحتجب عن أصحابه، واعتزل عن أهله، وخلا بنفسه، ودخل حجرة انفرادية مظلمةً، لا يريد أن يسمع صوتاً، ولا يرى نوراً، وحاله كقول القائل:
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى وصوَّت إنسانٌ فكدت أطيرُ
قد لذت له الخلوة وأنس بها، وأنس بالعزلة، فبعد ذلك تجده لا يريد أن يرى أحداً، ولا يقابل أحداً، ولا يسمع صوتاً، ولا يأكل من الطعام إلا ما يسد رمقه، ظناً منه أن عزلته تدني فرجه، وظناً منه أن احتجابه يقرب راحته، وما درى أنه بذلك كمن رام تطهير الدم النجس بالدم، كمن أراد إزالة النجاسة بنجاسة أخرى، كمن أراد سداد الدين بدينٍ آخر، كمن أراد علاج المرض بمرض أشد منه.
يا قلق الذهن وشارد الفكر! إذا نزلت بك نازلةٌ أحدثت هماً وغماً، فلا تحتجب ولا تعتزل، وكن مع الناس، وخالط واصبر، وركِّز بدقة على أمر ينفعك من علم أو عمل تميل إليه نفسك بحسب قدرتك ومهارتك وكفاءتك، فإنك بذلك تشتغل بما بين يديك، وما هو أمام ناظريك عما يجيء ويقبل به الشيطان ويدبر من الوساوس والهموم في فؤادك، اشتغل بما تشتاق إليه وتطمئن إليه من عمل نافع أو مباح، فإن الواحد -وهذا مشاهدٌ معلومٌ بالحس والمشاهدة- إذا كان مشغولاً فتراه إذا نزلت به نازلةٌ الصبح فمضى في شغله وعمله، تجده قد نسي أغلبها الصبح، ونسي جلها المساء، فغابت شمسه وقد نسيها كلها، أما من قطع أعماله, واحتجب واعتزل، فإن هذه الهموم تفرخ وتولد أمثالها، وتزيد في مرضه، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 789
يومك يومك
ويا خائفاً من المستقبل! ويا شارد الذهن! ويا قلق الفكر! ويا مضطرب المواقف! عليك أن تهتم بعمل اليوم والساعة واللحظة، إن كثيراً من المهمومين والمغمومين إذا حدثته وجلست معه، وجدته لا يحدثك إلا عن أيام خلت وسنين مضت، أو يحدثك عن أهلةٍ لم تبزغ بعد، وعن أقمارٍ لم تكتمل بعد، وما هو في مقدورك، وقد يأتي ذلك الهلال أو ذلك البدر وأنت تحت الدنيا ولست فوقها:
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
اشتغل بساعتك، اشتغل بلحظتك، اشتغل بيومك، اشتغل بقضيتك، أما ما مضى فأمره إلى الله.
فإن كنت بالأمس اقترفت إساءةً فثنِّ بإحسانٍ وأنت حميدُ
إذا كان ما مضى شهد عليك بمعصية، وزلة وخطيئة، وإثم وجريمة، فإن حاجتك هذا اليوم لعلاج ما مضى بأن تملأ اليوم بالتوبة، وبالذكر والاستغفار حتى يمحو ما مضى، وأقم الصلاة، يقول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
هكذا أيها الأخ المسلم: أنت بحاجة أن تتعامل مع الساعة، أن تتعامل مع اللحظة، وكما قال أبو بكر ﵁ وأرضاه لـ عمر بن الخطاب: [إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل] فحاجتك أن تعطي الليل وظيفته، وأن تعطي النهار وظيفته، فإنك بذلك تحصل خيراً كثيراً، اشتغل بساعتك، ما مضى إياك أن تكون جزعاً قلقاً فيه فقد مضى وانتهى، ولا تستطيع البشرية رد ثانية أو دقيقة أو أقل أو أكثر منه؛ لأنه مضى وانتهى، وأما المستقبل فلا تستطيع البشرية أن تجر شمس غدٍ إلى هذه الساعة، ولا تستطيع البشرية أن تجر ظلام الليلة المقبلة إلى هذه اللحظة التي نعيش فيها، فعليك أن تعيش ساعتك، عش يومك وعش لحظتك بعمل صالح بتوبة باستغفار بعمل نافع بوظيفتك بما أنت فيه، فإن ذلك مما يجعلك مطمئن البال، مرتاح النفس، مطمئن الضمير، وحينئذٍ لن يكون للهموم والغموم إلى نفسك سبيلاً، اشتغل بساعتك اشتغل بيومك اشتغل بما ينفعك.
إني وجدت كثيراً من الناس قد أفسد الشيطان عليهم أيامهم، فتجده ربما يفكر في ذنوبه التي سلفت، ولكنه في لحظة التفكير لا يقدم استغفاراً يمحو ذنوبه، ولا يقدم حسنة تمحو سيئاته، ولا يقدم صالحاً يستر زلاته أو يمحوها، مجرد تفكير في ما مضى دون أن يعالج ما مضى بفعل في حالته.
стр. 790
فكر في المستقبل على قدرك
وتجد الشيطان كثيراً ما جعل بعضهم يفكر في المستقبل، بل إن بعضهم بلغت به المخاوف والوساوس حتى أنه لا يكاد يخرج من بيته، أو لا يكاد يبيع أو يشتري أو يغامر أو يعمل عملاً نافعاً في مغامرة نافعة، تجده دائماً جباناً خواراً ضعيفاً متشائماً، الأصل في رؤيته السواد، والأصل في الناس الخيانة، والأصل في المعاملات الفشل، والأصل في التجارات الخسارة، فمثل هذا لا يتحرك قيد أنملة، ويموت في مكانه، ولو أنه تحرك لربح تارات، أو خسر تارة وربح بعدها تارات، لسلم تارات ولو أصيب بشيء لأصاب بعدها خيراً كثيراً، لكن هذا التشاؤم هو الذي جعله يعيش في دائرة الهم والقلق والغم؛ لأنه لم يتعد أفكاره وسعيه في تفكيره فيما مضى، وأما ساعته ولحظته وحالته التي هو فيها، تجده بعيداً عن التفكير فيها.
أيها الحبيب: اعلم أن من واجبك أن تفكر فيما هو مقدور بين يديك.
إن تعجب فعجبٌ حال كثير من الناس أفكاره متعلقة بما ليس في يده! وطموحاته قد بلغت ما يعجز عن الوصول عنه:
من مد طرفاً إلى ما فوق غايته ارتد خسآن منه الطرف قد حسرا
تعجب من أناس يريدون السطوح بلا درج! ويريدون الشهادة بلا علم! ويريدون الطب بلا تعلم! ويريدون التجارة بلا سعي! ويريدون الولد بلا زواج! ويريدون الثمر بلا غرس ولا زراعة! هذه من الآمال الغبية والطموحات الكاذبة، إن من كان عاقلاً في طموحاته، ستجده عاقلاً في وسائله التي يتخذها للوصول إلى هذه الطموحات.
نعم نحيي شباباً ورجالاً ونساءً، بلغت طموحاتهم عنان السماء.
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسامُ
طموحاتٌ ربما تجاوزت عند بعضهم حطام الدنيا وترابها ومتاعها الفاني إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ولذلك لما قال أحد السلاطين في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: إنك تريد حكمي وملكي، فقال ابن تيمية: أنا أريد حكمك وملكك! والله إن حكمك لا يساوي فلسين، إني أريد جنة عرضها السماوات والأرض، فمن أراد جنة عرضها السماوات والأرض، كيف يريد حطاماً ومتاعاً زائلاً وفانياً من عرض الدنيا، فالعاقل يشتغل بما يقدر عليه، وعليه أن يبتعد عما لا فائدة منه.
عجبت من أناس وشباب منذ سنين وأنا أعرفهم يضربون ويسعون، ويغدون ويروحون في أسباب التجارة، وما جمعوا شيئاً، ولا شك أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وقد جعل الله الأقدار بأسبابها، والأرزاق بأقدارها، ولكن لما تأملت أو تأمل عاقل غيري وجده أراد التجارة بالمليار قبل الريال، وبالمليون قبل المائة، يعرض عليه من الرزق أيسره، ومن الحلال أطيبه، ومن المقدور أيسره، فيعرض عن هذا، تأتيه من أرزاق الله أمورٌ كثيرة فلا يقبلها؛ لأنها من فئات المئات والعشرات، ولكنه يطمح في فئات الملايين وما بعدها، اشتغل بما لا يقدر عليه، وأراد قمة بلا سلم يفضي إليه، فتجده مضى معلقاً بجنون العظمة، وكبرياء الثروة، وأوهام الثراء والغنى، ففي ذات يومٍ تجده محطماً كسيراً معتزلاً مستوحشاً قلقاً؛ لأنه فكر وسعى فيما لا سبيل له إليه، وأعرض عما بين يديه، فلأجل ذلك اجتمعت الهموم في رأسه، واجتمعت المصائب بين عينيه.
стр. 791
وطن نفسك علىالابتلاء
واعلم أيها المسلم! أن العبد قد يقدر الله عليه المقادير: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] فالعاقل عليه أن يوطن نفسه على أن الدنيا موقع ابتلاء: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] الأصل فيها أن لذاتها مكدرة، وأن أحبابها يتفرقون، وأن أحياءها يموتون، وأن أصحاءها يسقمون ويمرضون، فلا تجزع بما يكون، أو قد يكون ولكن إذا نزل أمر من قدر الله، فلا تفكر فيما مضى، ولا تفكر خائفاً من المستقبل، بل كما قال ﷺ : (احرص على ما ينفعك، ولا تعجز، وإذا أصابك شيءٌ، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّرَ الله وما شاء فعل (أو قدَرُ الله وما شاء فعله) فإن لو تفتح عمل الشيطان).
إن هذا المعنى قد تجده عند بعض العقلاء، وقد تجده أيضاً عند بعض الكفار، إنك تعجب يوم أن ترى كافراً أصيب بمصيبة كشلل في طرفيه السفليين، أو كعمى في عينيه، أو بأمر من الأمور، إن بعض المسلمين حينما تحل به مصيبة كهذه، تظلم الدنيا في عينه، ويسود المستقبل في وجهه، ويتشاءم، ويشعر أن كل شيء فاته، والعجب أن تجد كافراً، أو كفاراً إذا حل بأحدهم شيءٌ من هذا، ذهب إلى معهد تأهيل المعوقين ليجد نفسه حالة سوية طبيعية قادرة على الاختلاط بالناس، يتعلم كيف يستخدم آلةً يركب بها السيارة، وكيف يقود سيارة تناسب أمثاله، وكيف يستخدم المواقف، ويصعد إلى أعلى العمارات، ويباشر أعقد العمليات، وتجد كثيراً من المعوقين أقدر من كثيرين من الذين يسمون أسوياء، وما ذاك إلا أن ذاك المعوق قد حمل قلباً نافعاً، وعقلاً متدبراً فيما يخص أمور حياته، فسبق بذلك ذلك العاجز المتشائم الضعيف، كم من مشلول سبق كثيراً من العدائين بفكره وعلمه وإنتاجه، وكم من كفيف سبق كثيراً من المبصرين، وكم من أصم وأبكم كان أحكم من كثير من الناطقين والسامعين، والسبب أن الواحد منهم تعامل مع علته، تعامل مع قضيته، تعامل مع ما حل به بأمر الله، ففاز بالأجر؛ لأنها مصيبة بقدر الله، فصبر عليها، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، هذا أولاً.
الثاني: ما جلس يبكي: أنا كفيفٌ، أنا معوقٌ، أنا أبكم، أو أصم، بل أخذ يتعلم كيف يتعامل مع الحياة، ومع الناس، ومع هذا الكون حتى ولو كان كفيفاً، أو معوقاً، أو أصم، أو أبكم.
العاقل يتعامل فيما يقدر عليه، ويجتهد فيما ينفعه، ويتعامل مع ما يستطيعه، وأما الاشتغال بالخيال، والاشتغال بالآمال التي لا يعقل إليها سبيل، فذاك من الجهل.
ويا شارد الذهن! ويا قلق الضمير! ويا جزعاً من مستقبله! يا من خلوت وحدك في حجرة ظلماء، أو ليلة ليلاء واحتجبت عن الناس! ماذا تفيدك خلوتك؟ وماذا تتذكر في عزلتك؟ تتذكر علان وفلان، أو تعيد صورة المشهد، أو الحادث، أو تعيد سيرة القضية من جديد، ولو أنك جعلت مكان هذا الخيال، ومكان هذه الوساوس وتلك الألفاظ التي تطلقها بين صوتٍ خفي ومسموع، لو جعلت مكانها ذكر الله جل وعلا، لكنت مطمئن القلب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
قال ﷺ : (من لازم الاستغفار، جعل الله له من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً) نعم.
بدلاً من الخلوة والوساوس والكلام الخفي والمسموع، كن مع الناس في المساجد، واسبقهم إلى الرياض، وكن متقدماً في روضة المسجد، كن جاداً في العبادة، مكثراً من ذكر الله؛ فإن الله جل وعلا يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني) إذا كنت تظن أن الله سيفرج عنك، فأبشر بالفرج، أتظن أن الله يتركك ويسلمك، وهذا ظنك بربك، وقد تعلقت بخلق ضعاف، فمن تعلق بشيء وكل إليه وعليه، فتوكل على الله، واستعن بالله، وأحسن ظناً بالله، من ظن أن الله يرزقه رزقه، من ظن أن الله يحميه حماه، من ظن أن الله ينصره نصره، من ظن أن الله ينتصف له ممن ظلمه نال حقه، من ظن أن الله معه فاز بمعية ربه، ومن ظن أنه متعلقٌ بشخص أو أشخاص، أو فرد أو أفراد، أو صغير أو كبير، فمن تعلق بشيء وكل إليه.
فيا أيها المسلم: أكثر من ذكر الله جل وعلا، ثم تأمل -يا شارد الذهن! ويا خائفاً من مستقبله- تأمل كم من الناس فوقك، وكم من الناس دونك في النعم! ربما رفعت بصرك فرأيت مئات من البشر في درجات أعلى منك، ولكن انظر إلى ملايين من البشر دونك أياً كان حاله، فكما قال ﷺ : (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم).
ذلك الذي أصابه الجزع والهم والهلع، والقلق والخوف، والشرود وهذا الهم، ربما كان بسبب أراد به يسابق أقواماً كتب الله -لابتلاء الله، أو لنعمة، أو لمحنة- أن يبلغوا درجة من الدرجات، أو مرتبة من المراتب، فحاول أن يبلغها فعجز، فظل محطم النفس، شارد الذهن، خائفاً من مستقبله، فلم ينل من ساعته إلا الخوف والهم، ولو أنه قال الحمد لله كم نعمةٍ أنا فيها، وغيري محرومٌ منها.
هل وراءك صربي يطاردك؟ هل وراءك هندوسي يرتقب خروج أهلك من بيتك، عياذاً بالله؟ هل تترقب قذيفةً تحل من السماء على بيتك؟ هل أنت مريضٌ بمختلف الأمراض وأشدها؟ لئن ابتليت في مرض في جزء يسير من بدنك لا يتجاوز واحد سنتيمتر، أو أربعة سنتيمتر من بدنك، فإنك معافىً في بقية بدنك، ولئن أخذ بصرك، فلا يزال سمعك ورجلك ويدك وقواك، وتنفسك وأجهزتك وكل ما عندك، وإن أخذت أقدامك، فأنت سميعٌ بصيرٌ، فصيحٌ منطيقٌ، جدلٌ خصمٌ مبينٌ، تستطيع أن تتنعم بهذه النعم كلها، فإياك أن تزدري نعمة الله بكثرة النظر، أو بالنظر إلى من فوقك، فإن من فوقك قد يكون أعداداً قليلة، ولكن انظر إلى من هم دونك، فتجدهم يبلغون ملايين، أو مئات الملايين.
стр. 792
الدعاء واللجوء إلى الله سبب للسعادة
ويا أيها الخائف! ويا أيها القلق! ويا أيها الشارد! أكثر من الدعاء، فإن النبي ﷺ أرشد إلى دعاء جميل، قال ﷺ فيما ثبت عنه من الدعاء: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، والموت راحةً لي من كل شر) رواه مسلم، وفي حديث آخر كان ﷺ يقول: (اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت).
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 793
التوكل على الله سبب للسعادة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة: لا نزال نسوق هذه الرسائل إلى ذلك الشارد الخائف الجزع القلق الموتور المرعوب من المستقبل، فنقول له: توكل على الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] إن من تعلق بغير الله انقطع، ومن سأل غير الله حرم، ومن اعتصم بغير الله خذل، ومن أراد أمراً بغير معونة الله لم يجد إلا نكداً وقد يجد قليلاً، ثم يكون القليل باباً إلى الكثير، اجعل طريقك إلى كل حاجة: سؤال الله، والاستعانة بالله، والتوكل على الله، فإنك محتاج، ومن احتجت إليه هو خلقٌ من خلق الله، وعبدٌ من عبيد الله، اسأل الله الذي خلقك وخلقه، وبيده ناصيتك وناصيته، وروحك وروحه، اسأل الله جل وعلا، فإن الله يسخر لك الكبير والصغير إذا تعلقت بالله.
وإنك لتعجب أن تجد مسلماً أشعث أغبر ذي طمرين مدفوعاً بالأبواب، إن غاب لم يفقد، وإن حضر لم يعرف، تجد ذات يوم أناساً من الكبار أو العظماء يرتادون بيته، ويقضون حاجته، وكيف بلغوا داره؟ وكيف قضوا حاجته ولم تظهر له صورة في صحيفة، ولم يظهر عنه إعلان، ولم تتكلم عنه نشرة، فما الذي جعل هذا الكبير، أو ذلك العظيم، أو ذلك القوي الغني يصل إلى داره؟ إنها دعوت سرت بليل بلغت عنان السماء، فسخر الله بها عبداً من عباده الأقوياء الأغنياء الأثرياء، فجعلهم يخرجون في تلك الليلة، أو في مثل تلك الساعة إلى بيته فيقضون حاجته، وما ظهر أمره إلى أحد أبداً:
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيبُ
стр. 794
لا تنظر إلى الحياة من زاوية واحدة مظلمة
ويا أيها الشارد! ويا أيها القلق! ويا أيها الخائف من المستقبل! لماذا تنظر إلى الأمور بكل عين متشائمة؟ لماذا تنظر إلى الأمور من زواياها الضيقة، ومن تضاريسها الصعبة؟ لماذا لا تنظر إلى الأمور من أوسع أبوابها، من أطيب زواياها، من أجمل أسمائها، من أبهى صورها؟ انظر إلى كل قضية ستجد أنك ترى لها بابين ووجهين.
تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
في زخرف القول تزيينٌ لباطله والحق قد يعتريه سوء تعبير
تقول: هذا مجاج النحل يعني: العسل تجد القضية الواحدة تنظر لها بمنظارين، تنظر إلى كل قضية بأصفى مناظيرها، وبأوسع أبوابها، وبأجمل زواياها، وبأسهل السبل إليها، وكان ﷺ إذا خير بين أمرين، اختار أيسرهما.
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد، وكان ﷺ يعجبه التفاؤل، وإن الذي ينظر إلى أموره بهذه العين، فثق أنه سيبقى سعيداً في حياته سعيداً في معاملته سعيداً في زواجه، أوليس ﷺ يقول: (لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منا خلقاً رضي منها آخر)؟ نعم.
قد تكره من زوجتك خلقاً معيناً، لكن إن نظرت إلى زوجتك ببوابة ذلك الخلق السيئ، وبمنظار تلك الخصلة السيئة، فلن ترى بعد الظلمة إلا ظلاماً، وإن تنظر إلى زوجتك بمقاييس وبأمور جيدة جميلة، وأخلاق طيبة فيها، فسترى أن تلك الخصلة السيئة هي في آخر مساحات النظر التي تنظر إليها.
ثم اعلم -يا أيها الخائف المتشائم! يا أيها المعتزل القلق البعيد الشارد عن الناس وعن نفسه- أن شرودك هذا ربما كان بسبب تفريطك بواجباتك، فإن من قام بواجبه، يفرح متى يسأله من كلفه بالواجب أن يقدمه، انظر إلى الطالب أياً كان مرتبته إذا كان قد أعد واجبه بأحسن وأبهى طريقة، ينتظر الساعة التي يسأله مدرسه: أين واجباتك؟ بل إذا غفل مدرسه عن الواجب، قال: إن علينا واجباً سألته فهاهو ذا أيها المعلم، تجد الموظف حينما يعد أعماله وأموره، يفرح متى يسأله مديره عن واجبات أسندت إليه.
تجد الشرطي أو رجل الأمن حينما يقوم بواجبه، يلذ حينما يسأله قائده عن مهمته، ولكن حينما تتساهل بواجبك وتضيع ما أسند إليك، وتهمل ما بين يديك، فإنك تكره من يسألك عن أعمالك، ولا تتمنى أن تقابل من تظن أنه سيستوقفك لحظة في عملك أبداً، قم بواجبك واسلم من اللوم، وقم بواجبك واسلم من الكلام قلَّ أو كثر، فإن التهاون والتفريط والتعدي كل ذلك يسبب الجزع والخوف والرغبة في البعد عن الآخرين، ثم يأتيك الشيطان ويقول لك: أنت قلق، عندك مرض نفسي، عندك مشكلة نفسية، عندك وعندك وعندك، وحقيقة مرضك أنك فرطت في الواجب، ولو قمت بواجبك في وظيفة، أو ميدان، أو أي مهمة كانت، فإنك ستكون سعيداً بإذن الله جل وعلا.
стр. 795
الدنيا قصيرة فلا تقصرها بالأكدار أيضاً
ثم يا أيها الخائف! يا أيها المتشائم! يا أيها المعتزل! يا أيها المسلم! تيقن أن الدنيا وإن طابت، فإنها قصيرة، فلا تطيلها بالأكدار، فقارن ما أنت فيه من النعم بما حل بك من مصيبة؛ ستجد أن نعمك أو أن النعم التي تحيط بك ملايين، وأن المصيبة واحدة، فلا تضيع ملايين بذرة، أو درجة واحدة، وإن كان همك، أو غمك، أو خوفك، أو شرودك، أو قلقك، أو جزعك بسبب أذى الناس لك، فاعلم أنه لن يسلم أحد، إن الأنبياء ما سلموا.
ليس يخلو المرء من ضدٍ ولو حاول العزلة في رأس الجبل
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً لقالت الناس هذا غير معتدلِ
فما عليك إلا أن تصبر، إن أناساً تجدهم في جزع، وفي قلق، وفي شرود وخوف، فإذا سألته قال: يتكلمون فيَّ، يقولون عني، يتناقلون سيرتي، يذكرون عني! يا مسكين! أتريد لنفسك ما لم يشأ الله أن يجعله لنفسه؟ لو شاء الله ما قال عبدٌ من عباده في جلاله كلمة واحدة، ومع ذلك: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] وقالت اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] أتريد لنفسك ما لم يكن لله؟ أتريد لنفسك ما لم يكن لرسل الله عليهم وعلى نبينا صلوات الله وسلامه؟ تجد من الناس من يجزع ويغضب؛ لأن الناس تكلموا فيه، يا مسكين! أفلا تأخذ العفو وتأمر بالعرف وتعرض عن الجاهلين.
يا مسكين! يا أيها المعتزل الشارد بسبب هذا! قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أليس لك في صلة من قطعك وإعطاء من حرمك، والعفو عمن ظلمك: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:٢٣٧] أليس لك في هذا عوض؟ فإن الله يجزيك به خير الجزاء.
اللهم اغفر لمن ظلمنا، اللهم اغفر لمن تكلم فينا، اللهم سامح من شتمنا، اللهم إنا نشهدك أنا نسامح من تكلم فينا، ومن سيتكلم.
ما الفائدة أن نجعل هذا القلب الصغير يحمل بغضاء وعداوات، ونحن نملك أن نملأه بالذكر والمحبة والوفاء، وسلامة القلب، وطيب الأنفس، حتى وإن تكلم من تكلم، حتى وإن قال من قال، حتى وإن افترى من افترى؟ اللهم سامحه إلا إن أراد بذلك فتنة في الدين وإساءة للدين وأهل الدين، اللهم فعجل عاقبته أو اهده قبل ذلك.
وأخيراً: ربما تجد بعض الناس قوله -كقول القائل يوم أن ترى شرود ذهنه، وقلق نفسه وجزعه وخوفه، وتألم نفسه- يقول:
نسجت لهم غزلاً رفيعاً فلم أجد لغزلي نساجاً فكسرت مغزلي
نصحت فما سمعوا، وأعطيت فما شكروا، وأمرت فما ائتمروا، وزجرت فما انزجروا.
يا أيها المحب! لا تنتظر من الناس شكراً، اشكر الله جل وعلا، اشكر الله ، وافعل المعروف لوجهه، ولا تنتظر من أحد الناس شكراً، لا تقل: ليتني لم أفعل معروفاً، فإني لم أر من صاحبه إلا تنكراً أو تسلطاً، لا.
بل احمد الله أن أسديت معروفاً، وأن أعانك على فعل معروف، واحمد الله أنك معطٍ لا آخذ، وأنك نافعٌ لا منتفع، وأنك يدٌ عليا ولم تكن يداً سفلى، لا تنتظر الشكر من أحد، فإنك إن انتظرت من الناس شيئاً، طال بك الانتظار، ولن ينفعك الناس بشكر أو مديح أو هجاء، ولكن ينفعك ابتغاء ما عند الله .
стр. 796
حياتك من صنع أفكارك
واعلم أن حياتك من صنع أفكارك، نحن الآن في هذا المسجد لو جلسنا نفكر أن جنوداً على الأبواب، وأفواه البنادق توجه من النوافذ، هذا التفكير سيجعلنا نرتعد ونحن في أماكننا، ونضطرب ونحن في مواقعنا؛ لأننا فكرنا بطريقة أورثت الخوف في نفوسنا، والفكر له أثر على الجوارح والسلوك، ولكن فكر بطريقة متفائلة سعيدة، ستخرج واثقاً مطمئناً.
حياتك من صنع أفكارك، فاجتهد في أن يكون فكرك دائماً بتفاؤل ورضا، وبحسن ظن من الله.
стр. 797
الجدية في الحياة سبب للسعادة
وأخيراً: كن جاداً في حياتك تكن سعيداً، إن كثيراً من الذين تراهم في هم وغم وقلق ليس عندهم بالمعنى الطبي مشكلة نفسية، وإنما هو كسل وتهاون، فترى الواحد منهم نائماً والناس في أعمالهم، وتراه خارجاً والناس آيبون إلى بيوتهم، وتراه مستيقظاً في الليل والناس على فرشهم نائمون، وتراه يغدو والناس رائحون، ويروح والناس غادون.
إن الله جل وعلا خلق هذا الكون بنظامٍ مطرد متسق، فجعل الليل لباساً، وجعل النهار معاشاً، وجعل الليل لتسكنوا فيه، وجعل النهار مبصراً، وجعل للكون دورة، وللنجوم دورة، وللأفلاك دورة، وللكائنات والنباتات والموجودات دورة متناسقة، من عبد الله حق عبادته وجد أنه يدور في ذات الفلك، ويسير في ذات التيار، أما من عصى الله، وأعرض عن ذكره، فإن له معيشةً ضنكا، وتجده يدور بالاتجاه المعاكس، ولك أن تتأمل أحدهم يفطر قبل غداء الناس بنصف ساعة، ويتغدى قبل عشاء الناس، نحن لا ننتقد الناس، فهم أحرار صاموا أم أفطروا، أم قدموا الغداء أو الفطور، ولكن نقول: تجد أن هذا قد اضطرب ميزان حياته، ومن اضطرب ميزان حياته، فلا تعجب إن أصابه الهم والغم، كن جاداً، كن غادياً من الصبح
وقد أغتدي والطير في وكناتها.
(بورك لأمتي في بكورها) اغتنم صباحك، اغتنم يومك، عد وقت الظهيرة: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) خذ راحةً بين الظهر والعصر.
ألا وإن نومات الضحى تورث الفتى خبالاً ونومات العصير جنونُ
ألا إن بين الظهر والعصر نومةٌ تحاك لأصحاب العقول فنونُ
استفد من العصر، اجلس مع أهلك، استفد من المغرب، عد إلى بيتك مبكراً، عد إلى زوجتك، إلى فراشك مبكراً ستجد الحياة طيبة لذيذة، ستجد أن اليوم طويل وطويل، وتنجز فيه أعمالاً كثيرةً، أما أن تنام قبل الفجر بساعتين أو ساعة، ثم تضيع الفجر، ثم لا تستيقظ إلا قبل الظهر، وتذهب إلى أسواق، فتجد أطيب البضاعة قد بيعت، والموظفين قد خرجوا، والناس في آخر وقت العمل لا يعطونك إلا من آخر ما في طاقتهم من البذل والعمل، ثم تضيق إذا ردوك وما أنجزوا أعمالك، أو تضيق إذا لامك مسئولك ومديرك، ثم تجلس ساعات تعض على الأقلام وتقطع الورق، وتعض أصابع الندم، وتنتظر وقت الخروج وتعود، وتجيء لتقبض راتبك وأنت في قرارة نفسك ما أديت حقه، وما قمت بواجبك، فإن ذلك كله يورث في نفسك هذه الهموم، وهذه الغموم، فكن جاداً منضبطاً معتنياً بوقتك، محترماً لنفسك، فإنك بذلك تكون سعيداً.
أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك؛ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء الضعفاء إليك؛ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء الضعفاء إليك؛ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 798
الواقع والأمل
إن وظيفة الداعية مقتصرة على هداية الدلالة، أما هداية التوفيق فإنها لله وحده.
ولأجل ذلك جاءت هذه المادة مبينة أهمية الفأل والأمل، وعدم اليأس والقنوط حتى آخر اللحظات.
كتاب الله يدعو للتفاؤل وعدم القنوط، وحسن الظن بالله.
أنبياء الله متفائلون في دعوتهم من غير قنوط أو يأس.
نبي الله محمد ﷺ يضرب أروع الأمثلة في تفاؤله، والأمل يحدوه في دعوته.
وأخيراً يجب أن يُعلم أن المسلم مأمور بالتفاؤل، وأن الدعوة لا تعرف اليأس ولا الملل أبداً.
стр. 799
وظيفة الداعية
الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه، جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تحصى، وآلائه التي لا تنسى، خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى فهي وصية الله لكم وللأمم قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
معاشر المؤمنين: إن من المسلمين -هداهم الله- من إذا رأى أحدهم منكراً يرتكب، أو حرمة تنتهك، أو حقاً يضيَّع، أو رأى فتنة حلت، أو مصيبة نزلت، أصابه ذلك باليأس والقنوط، ونزل به من الجزع، وحل به من سوء الظن وكثرة التشاؤم وانعدام التفاؤل ما لا يعلمه إلا الله، وربما أصابه بعد ذلك إحباط وقعود عن الدعوة إلى الله ظناً أن الدنيا مدبرة، وأن الناس لا ينفع فيهم وعظ ولا إرشاد، وأن القيامة قد دنت، واقتربت الساعة وانشق القمر، وأن الناس لا ينفع فيهم وعظ ولا زجر، ولا نهي ولا أمر، إن هذا مما يحل ببعض النفوس عند بعض إخواننا هداهم الله.
وينبغي أن نعلم أيها الأحبة: أن الدعوة إلى الله عبادة وسنة وشريعة ربانية ماضية، لا يضرها أن يقبل الناس على الطاعة أو يدبروا عنها، أو أن يصيب الناس مد وجزر في إقبال أو إدبار عن دين الله جل وعلا، إذ إن وصية الله للأنبياء ولورثة الأنبياء وهم العلماء، ولمن ولاهم الله أمور المسلمين أن يقوموا على هذه الدعوة، عبادة، وحسبة، وامتثالاً لأمر الله ، وليسوا بمحاسبين ولا مسئولين عن النتائج المترتبة، إذ الهداية إلى الله ليس للبشر منها إلا هداية الدلالة، وأما هداية التوفيق فمن الله وحده: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
فإذا رأيت مسلماً أصابه من الكآبة ما خيم على قسمات وجهه، وحل به من خيبة الأمل ما ظهر على سلوكه وتصرفاته، فرأيته عاجزاً في الدعوة بعد أن كان نشيطاً، ورأيته ضعيفاً في الحسبة بعد أن كان قوياً، ورأيته متشائماً بعد أن كان متفائلاً، ورأيت الأمر الذي في نفسه؛ من الغيرة على دين الله، وإنكار المنكر، ودعوة الضالين، وغشيان أهل المعاصي في مجالسهم ودعوتهم إلى الله قد تبدلت وتحولت في نفسه إلى عزلةٍ وتقوقعٍ وبعدٍ عن غشيان الناس ونصيحتهم، فاعلم أن قد أصابه من هذا الأمر ما أصابه، وربما يعود ذلك إلى جهله بسنة الله في الكون، وعدم علمه بسنن الله في حياة البشر أو عدم فقهه وفهمه لنصوص الكتاب والسنة.
ولكنا يا عباد الله! إذا عدنا ورجعنا إلى المعين الذي لا ينضب ولا يتغير ولا يتكدر، إذا عدنا إلى الشريعة الغراء التي علمتنا أدق أمور حياتنا، في معاملاتنا ودخولنا وخروجنا، فلن نعدم أن نجد في هذه الشريعة ما يرشدنا ويبعث في نفوسنا الأمل والعمل حيال ما نرى ونسمع من إدبار الناس، أو ضعفهم، أو تهاونهم وجهلهم، أو قعودهم عن طاعة الله، أو حدوث التشاؤم والقعود عن الدعوة حال مصيبة أو فتنة أو نازلة.
стр. 800
كتاب الله يدعو للتفاؤل
إن كلام الله مليء في إرشادنا بالتفاؤل، وذلك الأمر الذي لم يفارق أنبياء الله في دعوتهم أممهم، لقد لازم التفاؤل أنبياء الله في طريقهم ودعوتهم وتعاملهم مع قومهم، وحينما نستعرض صوراً من هذا، نجد أن هذا التفاؤل إما جاء ابتداءً وإما جاء انتهاءً، وإما جاء لازماً أو ثمرة كرجاء وأمل، وترقب للفرج بعد الشدة.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
ولرب نازلةٍ يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج
ليس للأنبياء، وليس للعلماء، وليس لكل مسلم يهتدي بهدى الله، ليس له في أيام الرخاء أنفع من الشكر والثناء، وليس له في أيام البلاء أنجع من الصبر والدعاء، وإن ذلك مما يجعل المسلم ينطلق نشيطاً قوياً مهما تتابعت الفتن أو تواترت المصائب من بين يديه أو من خلفه، أوليس ربنا يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦] أوليس الله يقول: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق:٧] إن الأمور إلى الله، وإن المقادير بيد الله ، وإذا علمت أن كل ما يجري مما تحب وتكره هو بقضاء الله وقدره، وأن الله لا يقدر عبثاً، وأن الله لا يقدر ظلماً، وأن الله لا يقدر إلا بتمام رحمته التي سبقت غضبه ووسعت كل شيء، أصابك بعد ذلك من الطمأنينة ما كان معدوماً عندك قبل ذلك، ففي الحديث عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كنت خلف النبي ﷺ يوماً، فقال لي: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).
قال ابن رجب ﵀ في هذا الحديث: في قوله ﷺ : (وأن الفرج مع الكرب) يدل على أن العبد متعبد بالصبر في انتظار الفرج من عند الله .
стр. 801
بيان تفاؤل الأنبياء وعدم قنوطهم في دعوتهم
أيها الأحبة: وإذا تأملنا حال الأنبياء مع أقوامهم وقد مرت سنون ودهور في دعوة الأنبياء لقومهم، ولم يستجب من القوم إلا قليل، ومع ذلك لم ييئسوا، بل ما دعوا على قومهم بالهلاك ابتداءً، وما دعا من دعا منهم إلا من بعد أن بين الله له وأوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن.
стр. 802
نبي الله نوح
فهذا نوح ﵇ ما دعا على قومه إلا بعد أن أوحى الله إليه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] حينئذٍ دعا على قومه وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] نعم، لم يدع عليهم إلا بعد أن بلغه الوحي بيقين الغيب من عند الله أن هؤلاء لن يؤمن منهم أكثر ممن آمن، فحينما نرى متشائماً ينظر إلى مجتمعه وواقعه، مدبراً، مفضلاً عزلةً على خلطةٍ لدعوة، ومفضلاً قوقعةً على مشاركةٍ بحسبة، نقول له: هل عندك وحي من الله أن قومك هؤلاء قد يئست من دعوتهم، وما عاد فيهم أمل في الهداية ولا انزجار عن الهوى والغواية؟ إننا ليس عندنا وحي بذلك.
إذاً فلماذا القنوط؟ ولماذا اليأس من الدعوة؟ ولماذا القعود عند أو أمام حادثة صغيرة أو كبيرة؟ ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
стр. 803
نبي الله يونس
لقد بعث الله يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل فدعاهم، ثم دعاهم، ثم دعاهم فكذبوه، ثم دعاهم فتمردوا على كفرهم، ثم دعاهم فأصروا على عنادهم، فلما طال ذلك عليه من بعد أمرهم ونهيهم ودعوتهم، خرج من بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب الذي توعدهم الله به بعد ثلاث، فلما خرج وتجافى عنهم، ورأى قومه تحقق نزول العذاب بهم، قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة والندم في آخر لحظة، بعد سنين طويلة من الدعوة، ومن الأمر والإرشاد، والقيام عليهم وأمرهم ونهيهم، ووعظهم وزجرهم، وبدأت أيام العذاب اليوم الأول، ثم اليوم الثاني، فلما دنت لحظات الحسم وساعة الصفر، وأوشكت نقطة البداية أن تقوم فيهم ليحل فيهم عذاب الله وسخطه، أنزل وقذف في قلوبهم أرحم الراحمين توبةً وإنابةً ورجوعاً، فقذفت هذه التوبة في قلوبهم، فما كان منهم إلا أن ندموا وبادروا وتأسفوا على ما كان منهم حيال نبيهم بعد سؤالهم ربهم المغفرة، فلبسوا المسوح وخرجوا يجأرون، فرَّقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله وصرخوا، وتضرعوا وتمسكنوا، وبكى الرجال والنساء، والبنون والبنات والأمهات، وجأرت الأنعام والدواب والمواشي، فراغت الإبل، وخارت البقر، وثغت الغنم وحملانها، وكانت ساعة عظيمة هائلة، فكشف الله بحوله وقوته، وكشف عنهم برحمته ورأفته العذاب الذي بدأ أسباب اتصاله بهم.
стр. 804
نبي الله يعقوب
انظر أيها الداعي! انظر أيها الغيور! انظر أيها المحتسب! بعين قلبك، وتعقل كيف تكون الدعوة، هل رأيت من قومك آية بوحي من غيب أنهم لا يستجيبون ولا يرعوون، وعن إثمهم أو إفكهم لا يقلعون؟ فعليك ألا تيئس، وعليك ألا تقنط، واعلم أنك مأمور بالدعوة حتى آخر لحظة من حياتك وآخر لحظة في حياتهم: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣] فهو في ساعة الموت، في سكرات الموت، وهو في تلك اللحظة يدعو إلى الله ، ويقرر قضية التوحيد؛ أصل الدعوة أمام أبنائه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة:١٣٣].
стр. 805
الدعوة لا تعرف اليأس ولا الملل
فأنت أيها الداعية! مأمورٌ أن تدعوهم حتى آخر لحظة في حياتك، ومأمورٌ أن تدعوهم حتى آخر لحظة في حياتهم، فهذا نبينا ﷺ وهو الرءوف الرحيم، عزيز عليه عنت أمته، حريص رءوف بها، يدعو عمه أبا طالب، يدعوه متى؟ في شبابه؟ أو عنفوان رياسته؟ أو قوة وجاهته؟ جاء يدعوه بعد أن دعاه مئات المرات، يدعوه في آخر لحظة عند تغرغر روحه، وحضور سكراته، وحلول ساعته، ويقول: (يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) إنها دعوة منذ البداية إلى النهاية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] أنت مأمورٌ أن تدعوهم من بدايتك حتى آخر لحظة في حياتك، ومأمورٌ أن تدعوهم في عنفوان عصيانهم إلى آخر لحظة عند موتهم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
تأمل ما فعله النبي ﷺ : فقد كان له جار يهودي، وعلم أن ولد جاره اليهودي قد احتضر، وأنه أوشك أن ينازع وأن تفارق روحه بدنه، فدخل عليه ﷺ زائراً داعياً، فقال لهذا الغلام اليهودي في آخر لحظة من لحظات عمره: (يا غلام! قل: لا إله إلا الله واشهد أني رسول الله، ففاضت عين الصبي بالدمع، ونظر إلى والده اليهودي، ففهم أبوه أن غلامه يسأله، فقال والده: أطع أبا القاسم، فقال ذلك الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقام النبي ﷺ يكبر ووجهه يتهلل، ويقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار).
نعم يا عباد الله: إن الدعوة لا تعرف يأساً، ولا تعرف مللاً، ولا تعرف انقطاعاً أياً كان من الأمور ما كان، لقد مات ﷺ وتلك أعظم فاجعة، فهل ترك الصحابة الأمر من بعده؟ لقد مات أبو بكر، وقتل عمر، وقتل عثمان ظلماً وبغياً وعدواناً، ولقد قتل علي، وحصل لأمة الإسلام ما حصل منذ سنين طويلة، فهل ضاع الإسلام؟ وهل قامت الساعة؟ وهل تغير في الكون ما تغير من سنن الله الجارية الماضية؟ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣] فإن الأمور ماضية، ومن ابتلي فأمره إلى الله .
أتصبر للبلوى عزاءً وحسبةً فتؤجر أن تسلو سلو البهائم
خلقنا رجالاً للتجلد والأسى وثمّ نساءٌ للبكا والمآتم
стр. 806
الأمل يحدو النبي ﷺ في دعوته
إن سيرة النبي ﷺ لتدل على هذه السنة وعلى هذه المفاهيم التي تأمرنا ألا نتردد عن الدعوة إلى الله في كل حال؛ في شتاء وصيف، وفقر وغنى، وأمن وفزع، وطمأنينة وخوف، وشدة وكرب، ورخاء وغيره، نحن مأمورون أن نمضي بالدعوة، أرأيتم الطعام والشراب، هل يستغني أحدٌ عنه في فصل من الفصول، أو ظرف من الظروف؟ لا وألف لا، فكذلك الدعوة نحن مأمورون بها: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤].
стр. 807
حادثة الهجرة
انظروا إلى نبيكم ﷺ وقد خرج من مكة ومعه حبيبه أبو بكر الصديق ﵁، فلما لاذ النبي ﷺ وصاحبه بـ الغار، إذ بقريش -يا ويح قريش! - تتبع هذين الكريمين، تتبع نبينا ﷺ وصاحبه حتى دنوا من الغار وأبو بكر بات يرى نعالهم بعد أن سمع قرعها في مقدمهم باتجاه الغار، فقال يكلم النبي ﷺ : لو أن أحدهم أناخ برأسه لرآنا، فقال ﷺ في ذلك الموقف: (ما بالك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثهما؟) ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] في أشد الساعات ظلمة وحلكة وعتمة وسواداً ينبثق ذلك الضياء من فم رسول الله ﷺ لِيُطَمْئِنَ أبا بكر على الدعوة والأمل يحدوه أن الله ناصره، لم يقلَّ عزمه، ولم تفتر قوته، ولم ييئس من رحمة الله.
واعجب إن شئت عجباً أن ترى سراقة بن مالك الجعشمي وقد خرج يطلب النبي ﷺ وصاحبه لعله أن ينال جائزة أخرجتها قريش لمن يدل على رسول الله أو يأتي به حياً أو ميتاً، فلما قدم ودنا، وعلم أنه النبي ﷺ وصاحبه، إذ لما دنا خطوات، ساخت قدما فرسه في الطين، فنظر إلى رسول الله ﷺ ، فماذا قال له ﷺ ؟ قال: (ما بالك يا سراقة! إذا لبست سواري كسرى بن هرمز؟) الله أكبر! نبي يخرج من مكة قد آذاه قومه، نبي تسلط عليه أقرب الناس إليه، يخرج بدعوته مهاجراً بها حيث أمره الله، في مقام شدة وكرب، ووراءه من يطلبه، وعين تلاحقه، فيقول: (ما بالك أو كيف بك إذا لبست سواري كسرى بن هرمز؟!) نعم إنه الأمل والفأل، وإنها بشارة وسنة نتعلمها من النبي ﷺ ألا نتشاءم وألا نقنط.
نعم يحزننا أن نرى الناس يعصون الله، ونفرح حينما نراهم يطيعون، يحزننا أن نرى إدبار بعض شبابنا عن الإنابة إلى الله، ونسعد ونفرح إذ نراهم يقبلون على المساجد، ولكن أياً كان الأمر في إقبال أو إدبار، فإننا مأمورون باستمرار ومضي على دعوة صادقة لله .
стр. 808
غزوة بدر
وخذ مثالاً آخر أيضاً: في غزوة بدر بعد أن أعد النبي ﷺ صفوف أصحابه في أول مواجهة تاريخية عسكرية، ليحق الله الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، في مواجهة تاريخية عسكرية، الملائكة تشهدها، وكل ما حول القوم من الأرض ينظرون، والنَّفَس صاعد ومنخفض حتى دنت ساعة الصفر، فما كان من النبي ﷺ بعد أن صف القوم وعدلهم إلا أن دخل عريشه ودخل معه خليله وصاحبه أبو بكر الصديق ﵁، فقام ﷺ ورفع يديه يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض) وجعل يهتف بربه، ويقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك) ويرفع يديه إلى السماء أكثر وأكثر حتى يسقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر يلتزمه من ورائه ويرد رداءه عليه، ويقول مشفقاً على حبيبه، يقول أبو بكر له لما رأى نبيه يكثر الابتهال والمناشدة لربه: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك فإنه لا يخذلك، كفاك مناشدتك ربك فإنه منجز ما وعدك، وخفق النبي ﷺ خفقة -أي: إغفاءة قليلة بعد ذلك- فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع -أي الغبار-).
هكذا علمنا ﷺ أن نجأر إلى الله، أن نفزع إلى الله، أن نلجأ إلى الله ، فإن بيده الخير كله، أوله وآخره، وظاهره وباطنه.
стр. 809
صلح الحديبية
وانظر إلى موقفه ﷺ في صلح الحديبية في ذي القعدة في السنة السادسة من الهجرة، عزم ﷺ على زيارة البيت الحرام، وأحرم هو ومن معه بالعمرة وساروا في طريقهم إلى مكة، وبلغ قريشاً أن النبي ﷺ وصحابته خرجوا، وكانوا ألفاً وأربعمائة رجل، وساقوا معهم الهدي، ولما بلغوا عسفان لقيه سفير من قريش اسمه بشر بن سفيان الكعبي، فقال بشر للنبي ﷺ : إن قريشاً قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العون، يعني: النوق المطافيل، قد لبسوا جلود النمار، وقد نزلوا بـ ذي طوى يعاهدون الله، قريش تعاهد ربها ألا يدخل محمد وأصحابه عليهم مكة أبداً، وهذا خالد بن الوليد في جنبهم وفي خيلهم، فلما سمع الرسول ﷺ كلام بشر، قال: (يا ويح قريش، يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، وماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس -"إن أدوا إلي عباد الله" ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس- فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله، دخلوا في الإسلام وافرين)، وقال ﷺ : (والله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة)، فهذا قول إمام الدعاة والعلماء ﷺ ، مصمم ماضٍ على دعوته في إدبار قومه وإقبالهم، فهذا واجب كل عالم وداعية أن يدعو إلى الله في كل حال، وألا يتردد يوم أن يرى من الناس إقبالاً وإدباراً، أو إرجافاً وخوفاً وزعزعة.
стр. 810
اليأس والقنوط تقوقع وبعد عن الخير
أيها الأحبة في الله: نقول هذا الكلام لأننا سمعنا من بعض أحبابنا كلمات تدل على أن الأمر انفلت، وأنه لا فائدة في الناس، وأن القضية قد انتهت وتكاملت، ولا أمل في خيرٍ أبداً، بل إن واحداً -وخذوا هذا المثال نقلاً عن أحد المعلمين- يرى طلابه يخرجون من المدرسة وقت الصلاة لا يصلون، وبوسعه أن يجمعهم ليتوضئوا، ويأمرهم فيصلوا، ويصفهم فيصلي بهم، فيقول أحدهم: لماذا لا تصلي بهم؟ فيقول: إن الأمر قد انتهى، إن الأمر قد انفرط، وأنه لا فائدة من هذا كله.
فهذا يأس وقنوط، وهذا أمر يجعل النفوس ترضى بكل منكر، وتنأى عن كل خير، وتتقوقع في كل زاوية.
أسأل الله أن يلهمنا وإياكم فألاً وفرحاً، وبشراً وطمأنينة، وقوة وعزيمة على طاعة الله .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →