Полный текст (3 155 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الأمل يحدو النبي ﷺ في دعوته
إن سيرة النبي ﷺ لتدل على هذه السنة وعلى هذه المفاهيم التي تأمرنا ألا نتردد عن الدعوة إلى الله في كل حال؛ في شتاء وصيف، وفقر وغنى، وأمن وفزع، وطمأنينة وخوف، وشدة وكرب، ورخاء وغيره، نحن مأمورون أن نمضي بالدعوة، أرأيتم الطعام والشراب، هل يستغني أحدٌ عنه في فصل من الفصول، أو ظرف من الظروف؟ لا وألف لا، فكذلك الدعوة نحن مأمورون بها: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤].
стр. 807
حادثة الهجرة
انظروا إلى نبيكم ﷺ وقد خرج من مكة ومعه حبيبه أبو بكر الصديق ﵁، فلما لاذ النبي ﷺ وصاحبه بـ الغار، إذ بقريش -يا ويح قريش! - تتبع هذين الكريمين، تتبع نبينا ﷺ وصاحبه حتى دنوا من الغار وأبو بكر بات يرى نعالهم بعد أن سمع قرعها في مقدمهم باتجاه الغار، فقال يكلم النبي ﷺ : لو أن أحدهم أناخ برأسه لرآنا، فقال ﷺ في ذلك الموقف: (ما بالك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثهما؟) ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] في أشد الساعات ظلمة وحلكة وعتمة وسواداً ينبثق ذلك الضياء من فم رسول الله ﷺ لِيُطَمْئِنَ أبا بكر على الدعوة والأمل يحدوه أن الله ناصره، لم يقلَّ عزمه، ولم تفتر قوته، ولم ييئس من رحمة الله.
واعجب إن شئت عجباً أن ترى سراقة بن مالك الجعشمي وقد خرج يطلب النبي ﷺ وصاحبه لعله أن ينال جائزة أخرجتها قريش لمن يدل على رسول الله أو يأتي به حياً أو ميتاً، فلما قدم ودنا، وعلم أنه النبي ﷺ وصاحبه، إذ لما دنا خطوات، ساخت قدما فرسه في الطين، فنظر إلى رسول الله ﷺ ، فماذا قال له ﷺ ؟ قال: (ما بالك يا سراقة! إذا لبست سواري كسرى بن هرمز؟) الله أكبر! نبي يخرج من مكة قد آذاه قومه، نبي تسلط عليه أقرب الناس إليه، يخرج بدعوته مهاجراً بها حيث أمره الله، في مقام شدة وكرب، ووراءه من يطلبه، وعين تلاحقه، فيقول: (ما بالك أو كيف بك إذا لبست سواري كسرى بن هرمز؟!) نعم إنه الأمل والفأل، وإنها بشارة وسنة نتعلمها من النبي ﷺ ألا نتشاءم وألا نقنط.
نعم يحزننا أن نرى الناس يعصون الله، ونفرح حينما نراهم يطيعون، يحزننا أن نرى إدبار بعض شبابنا عن الإنابة إلى الله، ونسعد ونفرح إذ نراهم يقبلون على المساجد، ولكن أياً كان الأمر في إقبال أو إدبار، فإننا مأمورون باستمرار ومضي على دعوة صادقة لله .
стр. 808
غزوة بدر
وخذ مثالاً آخر أيضاً: في غزوة بدر بعد أن أعد النبي ﷺ صفوف أصحابه في أول مواجهة تاريخية عسكرية، ليحق الله الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، في مواجهة تاريخية عسكرية، الملائكة تشهدها، وكل ما حول القوم من الأرض ينظرون، والنَّفَس صاعد ومنخفض حتى دنت ساعة الصفر، فما كان من النبي ﷺ بعد أن صف القوم وعدلهم إلا أن دخل عريشه ودخل معه خليله وصاحبه أبو بكر الصديق ﵁، فقام ﷺ ورفع يديه يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض) وجعل يهتف بربه، ويقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك) ويرفع يديه إلى السماء أكثر وأكثر حتى يسقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر يلتزمه من ورائه ويرد رداءه عليه، ويقول مشفقاً على حبيبه، يقول أبو بكر له لما رأى نبيه يكثر الابتهال والمناشدة لربه: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك فإنه لا يخذلك، كفاك مناشدتك ربك فإنه منجز ما وعدك، وخفق النبي ﷺ خفقة -أي: إغفاءة قليلة بعد ذلك- فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع -أي الغبار-).
هكذا علمنا ﷺ أن نجأر إلى الله، أن نفزع إلى الله، أن نلجأ إلى الله ، فإن بيده الخير كله، أوله وآخره، وظاهره وباطنه.
стр. 809
صلح الحديبية
وانظر إلى موقفه ﷺ في صلح الحديبية في ذي القعدة في السنة السادسة من الهجرة، عزم ﷺ على زيارة البيت الحرام، وأحرم هو ومن معه بالعمرة وساروا في طريقهم إلى مكة، وبلغ قريشاً أن النبي ﷺ وصحابته خرجوا، وكانوا ألفاً وأربعمائة رجل، وساقوا معهم الهدي، ولما بلغوا عسفان لقيه سفير من قريش اسمه بشر بن سفيان الكعبي، فقال بشر للنبي ﷺ : إن قريشاً قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العون، يعني: النوق المطافيل، قد لبسوا جلود النمار، وقد نزلوا بـ ذي طوى يعاهدون الله، قريش تعاهد ربها ألا يدخل محمد وأصحابه عليهم مكة أبداً، وهذا خالد بن الوليد في جنبهم وفي خيلهم، فلما سمع الرسول ﷺ كلام بشر، قال: (يا ويح قريش، يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، وماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس -"إن أدوا إلي عباد الله" ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس- فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله، دخلوا في الإسلام وافرين)، وقال ﷺ : (والله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة)، فهذا قول إمام الدعاة والعلماء ﷺ ، مصمم ماضٍ على دعوته في إدبار قومه وإقبالهم، فهذا واجب كل عالم وداعية أن يدعو إلى الله في كل حال، وألا يتردد يوم أن يرى من الناس إقبالاً وإدباراً، أو إرجافاً وخوفاً وزعزعة.
стр. 810
اليأس والقنوط تقوقع وبعد عن الخير
أيها الأحبة في الله: نقول هذا الكلام لأننا سمعنا من بعض أحبابنا كلمات تدل على أن الأمر انفلت، وأنه لا فائدة في الناس، وأن القضية قد انتهت وتكاملت، ولا أمل في خيرٍ أبداً، بل إن واحداً -وخذوا هذا المثال نقلاً عن أحد المعلمين- يرى طلابه يخرجون من المدرسة وقت الصلاة لا يصلون، وبوسعه أن يجمعهم ليتوضئوا، ويأمرهم فيصلوا، ويصفهم فيصلي بهم، فيقول أحدهم: لماذا لا تصلي بهم؟ فيقول: إن الأمر قد انتهى، إن الأمر قد انفرط، وأنه لا فائدة من هذا كله.
فهذا يأس وقنوط، وهذا أمر يجعل النفوس ترضى بكل منكر، وتنأى عن كل خير، وتتقوقع في كل زاوية.
أسأل الله أن يلهمنا وإياكم فألاً وفرحاً، وبشراً وطمأنينة، وقوة وعزيمة على طاعة الله .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 811
المسلم مأمور بالتفاؤل
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله: إننا قد علمنا في شرعنا المطهر، ومن ديننا الحنيف، ومن كلام ربنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن سنة نبينا ﷺ وهي وحي يوحى: أن المسلم مأمور بالتفاؤل، ومنهي عن الطيرة والتشاؤم، قال ﷺ : (لا طيرة، وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم) رواه البخاري، (وكان ﷺ ، يعجبه الفأل ويكره الطيرة) رواه ابن ماجة، (وكان ﷺ إذا خرج لحاجته، يعجبه أن يسمع يا نجيح أو يا راشد) رواه الترمذي وقال: حسن، (وكان ﷺ لا يتطير من شيء أبداً، وإذا أراد أن يبعث عاملاً، يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه، فرح به).
أيها الأحبة: كل ذلك مما يجعلنا نتفاءل بالأمر شيئاً فشيئاً، ورويداً رويداً، وأن نبصر في الأمور أجمل ما فيها، فأنت إذا رأيت كأساً ليس فيه من الماء إلا نصفه، لك أن تقول: هذا كأس نصفه مليء بالماء، ولك أن تقول: هذا كأس فارغ نصفه، والعبارة واحدة، ولكنها تختلف بحسب تفاؤلك أو تشاؤمك.
تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
ذماً ومدحاً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير
وذكر أن معبراً قال لرجل أو ملك من الملوك رأى رؤيا مفزعة، والرؤيا أن ذلك الملك أو الرجل رأى أن أسنانه سقطت، فقال المعبر: يموت قومك كلهم ولا يبقى إلا أنت، فانزعج الرائي من الرؤيا وأفزعته وجعلته ضجراً، فعرضها على معبر آخر، فقال: أبشر بطول عمرك، أنت أطول قبيلتك وقومك عمراً، فإن التعبير في الحالين في مؤداه واحد، ولكن من أراد أن يعبر متفائلاً، فله، ومن أراد أن يعبر متشائماً، فعليه.
فواجبنا -أيها الأحبة! - أن ننظر إلى جوانب إيجابية وإلى مواقف طيبة في مجتمعنا بجميع طبقاته وأصنافه، أولسنا نتفاءل في قليل من الخير نراه في بلاد الكفار خلال جامع صغير، أو مركز إسلامي، أو مدرسة شرعية؟ فما بالنا وعندنا من الخير الكثير الكثير، ولا يخلو مجتمعنا من الخطأ والكبيرة، لكن ينبغي أن نتفاءل بالخير ليتعاظم، وأن نتوجه إلى الأخطاء وإلى الكبائر لإنكارها بكل سبيل مشروع يفضي إلى إصلاح الأمر، وتعبيد الناس لله على اجتماع شمل ووحدة صف.
واجبنا أن نتفاءل -يا عباد الله! - إن الشدائد مهما تتابعت فما بعدها إلا الفرج، فلا تيئسوا من صلاح مجتمعكم، وادعوا إلى سبيل ربكم بالحكمة والموعظة الحسنة
فكل الحادثات وإن تناهت فموصولٌ بها فرجٌ قريب
روي عن الحسن البصري أنه قال: [عجباً لمكروبٍ غفل عن خمس، وقد عرف ما جعل الله لمن قالهن: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]] فنحن عند الفتن والمصائب أمرنا بالصبر وبالتجلد، مع القيام بما أوجب الله علينا من الدعوة بكل سبيل استطعناه أو قدرنا عليه.
ويقول الحسن البصري أيضاً في عداد الخمس التي يعجب لمن يجزع وعنده من الفرج فيهن بما ذكره الله في كتابه، قال: [والثانية ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقول الله : ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥] وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧ - ١٤٨]].
وروي عن الحسن أنه قال: [من لزم قراءة هذه الآيات في الشدائد، كشفها الله عنه لأن الله قد وعد وحكم فيهن بما جعله لمن قالهن، وحكمه لا يبطل ووعده لا يخلف ].
ثم إن نبينا يأمرنا بأن نفعل وأن نجتهد في هذا من خلال ما يقوله ﷺ ، حيث قال: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة -فرخ صغير من فراخ النخل أو فروخها- فاستطاع ألا تقوم -أي: الساعة- حتى يغرسها، فليغرسها فإن له بذلك أجراً) سباقٌ مع الزمن حتى والساعة على وشك القيام، إن قامت الساعة وفي يدك فسيلة فبادر إلى غرسها، ولو كانت الساعة ستقوم بعد آخر ذرة تحثوها لتدفن هذه الفسيلة، أو لتضعها في التراب انتظاراً لثمرتها.
стр. 812
التحذير من القنوط والأمر بحسن الظن
أيها الأحبة: إن الله حذر من القنوط، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] فلابد من الصبر، ولابد من حسن الظن بالله، فماذا تظنون بربكم؟ من ظن خيراً، فليبشر به، قال الله : (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني) فمن كان ظنه بالله خيراً وفرجاً، وبشراً وصلاحاً، ونجاحاً وسروراً، فله بشارةٌ بذلك وحصوله له بإذن الله .
ثم اعلموا -يا عباد الله! - أن في كل مجتمع أبراراً وأخياراً وفجاراً وفساقاً وأشراراً، فهي سنة الله : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فينبغي ألا نتشاءم، وينبغي ألا نضع أسباب الدعوة أو أن نفر عن مجتمعنا، أو نقول: هلك الناس، ونبتعد عنهم.
روى الإمام مسلم في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: (من قال: هلك الناس، فهو أهلَكُهم) أو قال: (فهو أهلَكَهم) أي: ينبغي ألا تقول: هلك الناس، بحجة أن تدع الأمر والنهي، وتتشاءم من إصلاحهم ودعوتهم.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
اللهم اجعل لنا ولكل مسلم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصمة، ربنا لا تفتنا ولا تفتن بنا، ولا تجعلنا فتنة للظالمين.
اللهم اختم بالسعادة والشهادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى الجنة مصيرنا ومآلنا برحمتك يا رب العالمين.
اللهم آمنا في دورنا، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد ولاة أمورنا، اللهم اجمع شملهم، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم قرب لهم من علمت أن فيه خيراً لهم ولأمتهم، وأبعد عنهم من علمت أن فيه غير ذلك، اللهم قرب لهم بطانة الخير التي تذكرهم الحق إذا نسوه، وتعينهم عليه إذا ذكروه بقدرتك يا رب العالمين.
اللهم اهدنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا، وحكامنا ودعاتنا، وعامة أمتنا على الحق.
ربنا لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً.
اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن، ومن الشرور والمحن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل وكل شر لا يدفعه إلا أنت يا رب العالمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم ثبتنا على دينك ومسِّكنا بكتابك، وشرفنا بالدعوة إليك، وتوفنا على ذلك وأنت راضٍ عنا، اللهم صل على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 813
حسنات تجري بعد الموت
إن من رحمة الله بنا أن جعل لنا أعمالاً نكتسب منها الأجر في حياتنا وبعد موتنا، وهذا فضل عظيم من الله ، وهي أعمال حددتها الشريعة، وحثت العباد عليها، لعظم أجرها وضرورة القيام بها.
حول هذه الأعمال تتحدث هذه المادة القيمة.
стр. 814
أقسام الناس في تحصيل الحسنات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
أيها الأحبة في الله: يقول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له).
هذه -أيها الأحبة- رسالة إلى الذين يؤرقهم القدوم على الله ، ويشغل بالهم ويشغل أنفسهم كيف تستمر حسناتهم بعد موتهم؟ وكيف يتضاعف أجرهم بعد فراق الدنيا؟ وكيف يمضي لهم من الثواب ما يتنامى ويرجونه ذخراً يتعاظم عند الله ؟ إن الناس في هذه الدنيا على أحوال، فأغلبهم من يموت ويختم على عمله فلا حسنات ولا سيئات بعد موته، ويقدم على ما قدم إبان حياته، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢].
وصنفٌ من أولئك قد اجتهدوا في مضاعفة حسناتهم في حياتهم، وتسابقوا إلى اغتنام كل فرصة ولحظة وساعة في هذه الدنيا ليملئوا خزائن الأوقات بالأعمال الصالحات، فإذا حانت منية أحدهم وعاد به شريط الذاكرة إلى شبابه وشيبته، إلى صباه وكهولته، تذكر اجتهاداً وعلماً وعملاً وجهاداً وعنايةً بالعمل الصالح، فمثل ذلك -بعد رحمة الله يطمئن أن قدم عملاً صالحاً، ويسعده أكثر من ذلك أن يكون قد أعد لما بعد موته عملاً تجري عليه حسناته ولو كان صاحبه في أطباق الثرى أو بين جنبات اللحود.
وآخرون -والعياذ بالله- قد ملأوا حياتهم بالباطل والدعوة إليه، وأشغلوا أنفسهم بالمنكرات وتصديرها، وزخرفوا حياتهم بالمعاصي وتزيينها وتقريبها إلى الناس، فمثل أولئك يحملون أوزارهم ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، فالعاقل -أيها الأحبة- يحرص على أن يعمل عملاً صالحاً في هذه الدنيا ويجتهد بعد موته أن تمضي له الصالحات مضاعفة والدرجات عالية، والحسنات متزايدة لكي يلقى الله بأعمالٍ عملها في حياته، وبنتائج عملٍ عملها في حياته، فتعاظمت بعد موته، فلقيها عند الله رحمة وحبوراً وسروراً.
стр. 815
العلم النافع حسنة تجري بعد الموت
أيها الأحبة! هذا الحديث يبين لنا أن من مات انقطع عمله إلا واحد من ثلاثة: فأولهم: من مات وترك علماً نافعاً، والعلم -يا عباد الله- شأنه عظيم، وحقٌ لمن ورث هذا العلم برحمة الله أن يجري عمله، وذلك بأن تتأمل: كم الذين يترحمون عليه؟ وكم الذين يتعلمون في كتبه؟ وكم الذين يدعون له؟ ويدعى له في عداد من لهم أثر على الأمة: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وهذه الرفعة في الدنيا والآخرة، وحسبكم بكرامات أهل العلم أن الله سخر لهم الملائكة (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن الحيتان في البحر لتستغفر لطالب العلم).
أيها الأحبة: إن طلب العلم شرفٌ ما بعده شرف، ووظيفةٌ لا تعادلها وظيفة، إذ أن من سلك هذا الطريق، هُدي إلى الصراط المستقيم بإذن رب العالمين، فالله يعبد بعلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] إن سلامة الشباب المسلم من الزلل إن عصمة الشباب المسلم من الاستدراج، لا تكون إلا بقدر حظهم من العلوم الشرعية، ومن رام في هذه الدنيا سيراً يسلم معه من التخبط في الزلل وفي فخاخ الاستدارج على غير علم أو بعاطفة عاصفة وحدها، فيا صعب ما طلب! ويا عز ما أراد! لأن العلم هو -بإذن الله- عصمة من الوقوع في المزلات والمذلات.
وهذا الحديث -أيها الأحبة- ونخص بذلك طلبة العلم والناشئة، هذا الحديث فيه حضٌ على الجد والمثابرة والصبر والمصابرة على الطلب والتعليم والتحصيل والتصنيف والتأليف أيضاً، فما يدريك ما الذي يبقى وينفع بعدك؟
стр. 816
علوم انتشرت بعد وفاة أصحابها
قيل للإمام مالك بن أنس ﵀ قيل له لما صنف الموطأ: كم من عالمٍ ألف توطئة لحديث رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما كان لله بقي، فإذا نال طالب العلم توفيقاً بإخلاص واجتهاد، وأراد بعلمه وتأليفه وجه الله، نفع الله بعلمه وبارك في أثره من بعده، حتى أننا في هذه الدنيا لا يكاد يمر يوم إلا وكثير من الخلق لا يحصيهم إلا الله، في عصرنا هذا، في أيامنا هذه يقلبون كتباً -ونحن في القرن الخامس عشر- يقلبون كتباً لأقوام ماتوا في القرن الثالث والرابع والخامس والسادس، كم بيننا وبينهم من مئات السنين؟! وما الذي جعل هذه الآثار من مؤلفات وكتب وغيرها تقفز على حواجز الزمن، وتتخطى حواجز التاريخ، لتصل من قرونهم إلى قروننا؟ فنستفتح الحديث بعد حمد الله والصلاة والسلام على نبيه بالدعاء لهم بالرحمة والمغفرة في أول مطالعاتنا وآخرها، في أول بحوثنا وختامها، ما ذاك إلا لفضل العلم.
هل سمعتم أقواماً في المساجد أو في المجامع يقولون: قال التاجر الفلاني ﵀، قال الثري الفلان ﵀، قال ذلك الذي نال منصباً ﵀؟ ما أندر ما يذكر أولئك! مع ما كانوا عليه من الأموال والثروات والمناصب والرئاسات إلا من حكم فعدل، وملك فأعطى، وعلم فعمل، وجاهد فثبت، وتعبد فكابد الليل والنهار.
فحسبك خمسةٌ يبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمة
أقول يا عباد الله: إننا لنلحظ ونرى أننا في كل صباح ومساء، وكل غدو ورواح ندعو لأولئك العلماء مع أنه لا صلة في القرابة بيننا وبينهم بقرابة النسب أو العصبة إلا قرابة التقوى ومحبة الدين والأخوة في الله .
فيا أيها العقلاء! اجتهدوا في أن تبقى لكم أعمال بعد موتكم ألا وإن خيرها -كما قال ﷺ أن يترك العبد علماً نافعاً، علماً ينتفع به.
وفي المقابل أولئك الذين تركوا مؤلفات ضلوا بها وأضلوا عن سواء السبيل، الذين دعوا إلى البعث والعلمانية، الذين دعوا إلى إبعاد الدين عن الحياة، الذين دعوا إلى الربا يحللونه بمختلف الأساليب والوسائل، الذين دعوا إلى الوقوع في المنكرات، الذين دعوا إلى غشيان المحرمات يسمونها بغير اسمها، يحللونها، يتمحلون الأقوال، ويبحثون عن غرائب الشواذ من الآراء، أولئك -أيضاً- عليهم وزر ما كتبوا ومن أوزار الذين يضلونهم بسبب ما تركوه من هذه المؤلفات، فالعاقل يترك بعده علماً ينفعه بإذن الله .
وكم كنت أردد ما رأيته بأم عيني ونحن ذات مرة في الصين الكبرى التي يبلغ سكانها من الوثنيين والشيوعيين ما يزيد على المليار نسمة، إذ بنا نجد في طريق من الطرقات في شارع من الشوارع بيتاً صغيراً يسكنه عالم من علماء المسلمين صيني عجوز وهو يدرس في مكانه المتواضع، وقد أسدل سترة بين مقدمة هذا المكان ومؤخرته ليكون حاجزاً بين البنين والبنات، إذ به يدرس الأصول الثلاثة وكشف الشبهات للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀، إن الشيخ قد توفي عام (١٢٠٦هـ) وذلك المشهد الذي رأيناه من ذلك العالم الصيني الشيخ الكبير يدرس عام (١٤١٣هـ) كم بين تاريخ وفاته ﵀ وبين هذا المشهد الغريب العجيب؟ لا قرابة ولا معرفة ولا نسب إلا بالتقوى والمحبة في الله، وما خطر على قلب الشيخ/ محمد وهو في زمن لم تعرف فيه المطابع بتطورها ولا أجهزة الفاكس ولا الرسائل الهاتفية ولا البريد السريع ولا وسائل النقل السريعة، هل خطر بباله وهو يؤلف هذا في الدرعية أنه سيقرأ ويدرس بعد مائتي سنة أو بعد ثلاثمائة سنة في الصين؟! في بلاد الشيوعية؟! في البلاد التي تقول: لا إله والحياة مادة؟! نعم، رحم الله الإمام مالك حين قال: ما كان لله بقي.
كم بارك الله لقلبٍ فانتفع والله إن بارك في شيءٍ نفع
لقد بارك الله في تلك الرسائل الصغيرة في حجمها، الجليلة في قدرها، فشرقت وغربت، لتنقذ الأمة من ظلمات الوثنية، ومن تخبطات الشرك وما ينافي التوحيد.
стр. 817
ضرورة الصبر لتحصيل العلم
الأمر الآخر يا عباد الله: ينبغي أن نعلم حاجتنا إلى هذا العلم والصبر على تحصيله، فإن العلم والتأليف بعده لا ينال بالتمني ولا بالتسويف، وإنما ينال بالصبر والمجاهدة، فهذا أبو إسحاق الألبيري الغرناطي ﵀ يكتب رسالة شعرية طويلة يوصي فيها ولده بطلب العلم فيقول له:
تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا
وتدعوك المنون دعاء صدقٍ ألا يا صاح أنت أريد أنت
فكم ذا أنت مخدوعٌ وحتى متى لا ترعوي عنها وحتى
ثم يقول عما يدعو ولده إليه:
إلى علمٍ تكون به إماماً مطاعاً إن نهيت وإن أمرتا
ينالك نفعه ما دمت حياً ويبقى ذكره لك إن ذهبتا
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
إذا ما لم يفدك العلم خيراً فخير منه أن لو قد جهلتا
وإن ألقاك علمك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
وليس لجاهلٍ في الناس فضلٌ ولو ملك العراق له تأتى
وما يغنيك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمتا
لئن رفع الغني لواء مالٍ لأنت لواء علمك قد رفعتا
стр. 818
أهمية المساهمة في نشر العلم
نعم، إذا مات ابن آدم انقطع أثره، وانقطع عمله، وانقطع ذكره، وانقطع ما بعده إلا إن ترك علماً ينفعه بإذن الله، فإن لم نكن علماء ولم نستطع أن نؤلف علوماً نافعة، فلن نعجز عن نشر علوم قد ألفها علماؤنا وأسلافنا، كم من المسلمين في أفريقيا بمختلف اللغات المحلية في بلدانهم يحتاجون إلى ترجمة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ويحتاجون إلى ترجمة كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ويحتاجون إلى رسائل علمائنا كالشيخ ابن باز وابن عثيمين وهم لا يجدون مالاً يشترون به هذه الكتب، ولا يجدون مالاً ينفقونه على ترجمتها.
نعم ولله الحمد والمنة لقد وفقت مكاتب دعوة الجاليات في بلادنا هذه إلى ترجمة كثير من الكتب النافعة في باب العقائد والعبادات الصحيحة، ولكن أين من ينفق عليها؟ وأين من يتصدق لأجل تصديرها إلى شرق آسيا وإلى الهند وإلى أفريقيا وإلى بلدان أوروبا؟ إن الحاجة إلى مثل هذا العلم ماسة، فلو أن غنياً من الأغنياء قال: لست بعالم ولست بمؤلف فأدع ما تذكرون فضله في هذا الحديث، نقول: لن تعجز أن تجعل في أموالك في كل سنة أو في كل نصف سنة وأن تجعل في وصيتك مبلغاً طيباً لتجعله وقفاً على طباعة كتب العقيدة والعبادة الصحيحة بمختلف اللغات حتى ينتشر العلم والعبادة في شتى أقطار الأرض.
إن أعداء الإسلام يوم أن أسقطوا الخلافة الإسلامية، أول ما ذهبوا يكسرون ويهدمون أخذوا يهدمون الأوقاف، أخذوا يهدمون تلك الثروات الطائلة التي كانت موقوفة على كفالة طلبة العلم، وكانت موقفة على طباعة الكتب وعلى كفالة الدعاة وعلى ضمان نفقات المعلمين والعلماء ليشتغل من اشتغل بالعلم غير مهتم بأمر الدنيا، فمن كُفي أمر دنياه اشتغل بأمر دينه، لما أرادوا أن يعطلوا هذه الأعمال الدعوية والعلمية وغيرها بدءوا بمصادرها التي تدر عليها وتنفق عليها، فصادروا مليارات الأوقاف من أموال المسلمين، وهذا مما ينبئك بالإعجاز الإلهي في أسرار التشريع الذي شرع لأمة الإسلام الوصية والوقف حتى تبقى الأمة على ضمانة في الإنفاق والتمويل لمشاريع العلم والدعوة.
فيا أيها الأحبة: حينما نتكلم عن العلم النافع لا يقولن أحدٌ: إني عاجز، إنك لن تعجز أن تطبع كتباً ولو في كل شهر عشرة من الكتب، ولو في كل سنة مائة كتاب، لو أننا أشغلنا هم الإسلام وأرقنا هم الإسلام وشاغل قلوبنا الدعوة إلى الله للمسلمين في كل مكان، لو وجدت هذه الدعوة نصيباً وافراً وحظاً متصدراً من دخولنا ومرتباتنا وأقواتنا، ولكن كل منا يدعي اهتمامه بالدعوة وشتان بين الاهتمام والحقيقة.
والكل عنك بنفسه متشاغلٌ ويرى بأن سبيله إذناك
وكلاً يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا
ما أكثر الذين يدعون اهتماماً بالدعوة وحظ الدعوة من عملهم قليل! وإنا والله على خوف أن نكون من أولئك حتى لا يغتر واحد بنفسه، فإن من أراد أن يعطي الدعوة حقها، لم يكن له في الدنيا مأرباً ونصيباً، وإنما تشغله الدعوة في ليلها ونهارها، أما نحن فقد خلطنا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، واختلطت عندنا أمور الدين بالدنيا، فنسأل الله أن تكون دنيانا عوناً لنا في ديننا ودعوتنا.
стр. 819
الصدقة الجارية بعد الموت
الأمر الثاني -أيها الأحبة- لمن أراد أن يبقى أجره وثوابه وحسناته مضاعفة بعد موته: عليه بأن يجتهد في الصدقة الجارية بناء مسجد حفر بئر كفالة داعية ترجمة كتاب إنشاء دار لتعليم القرآن تأسيس دار لكفالة الأيتام واليتامى والأيامى من المسلمين والمسلمات، كل هذه من الصدقات الجارية التي ما تربى فيها مسلم أو مسلمة، فسلم من شر التنصير، ووفق إلى فضل التوحيد بسببها، إلا وكان لمن سبلها أو حبسها أجرٌ عظيم بإذن الله ، فالعاقل -أيها الأحبة- يجتهد في هذه الصدقات الجارية.
وإني لأعجب خاصة عندنا في هذه البلاد أو في هذه المنطقة كثيراً ما يمر علينا وصية رجل من الرجال حياً أو ميتاً، فتراه قد خلف مالاً كثيراً، وقال في نص وصيته بعد أن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة والنار حق، وأن الله يبعث من في القبور أوصى بثلث ماله في أضحية له وأضحية أخرى لوالديه.
وإذا قلبت ثلث ماله وجدت ثلث هذا المال قد بلغ مئات الألوف أو بلغ الملايين، فكيف يرضى أن يحجر الخير عن نفسه وأن يحرم نفسه فضلاً عظيماً، فيجعل الثلث كله في هذه الأضحية وربما البقية الباقية من هذا أخذها أولاده يقتسمونها أو وجد فيهم من يعود بصرفها إلى أبواب البر بعد نزاع وشقاق طويل مع الورثة؟ أيها الأحبة! عجباً لرجل عنده مصنع يستطيع أن يشغله الليلة، ثم يقول: إذا مت فشغلوا هذا المصنع، عجباً لرجل عنده مورد يدر عليه الحسنات من هذه الليلة، فيقول: إذا مت فابدءوا بتوريد الحسنات علي.
هذا من الجهل والغفلة، إذا كان عندك ما توصي به أليس من الخير لك أن ترى ثمرات عملك وأنت حي؟ بعضهم يريد أن يوصي بثلث ماله، وثلث ماله يساوي مسجداً صغيراً أو كبيراً، جامعاً هنا أو في بلدة إسلامية أخرى، ثم يقول: إذا مت فاجعلوا في ثلثي كذا وكذا، ما الذي يضيرك وأنت صحيح شحيح غني حفي تخشى الفقر وترجو الغنى أن تنتصر على نفسك من الساعة، وأن تخرج ثلث مالك، وأن تذهب لترى موقعاً من البلدان في هذه البلاد أو في غيرها يحتاج إلى بناء مسجد أو مسجداً فيه كثافة من السكان فتؤسس بجواره مدرسة لتحفيظ القرآن، وتؤسس فيها منزلاً لهذا المدرس وزوجته، واعلم بعد ذلك أنه ما حفظ القرآن حافظ، وما تعلمه متعلم إلا ولك أجره، إذ أنك السبب في إنشاء هذه المدرسة وإنشاء بيت يسكنه هذا المعلم.
ما الذي يجعلك تؤخر الأجر إلى ما بعد موتك؟ هل أنت بخيل على نفسك بالحسنات أم تسوف؟ وإن التسويف آفة الأعمال؛ لأن كثيراً من الناس يقول: سوف أجعل داراً للأيتام سوف أبني مدرسةً للقرآن سوف أبني مسجداً سوف أكفل داعية سوف أكفل يتيماً سوف أجهز غازياً، سوف أطبع كتباً، وبعد ذلك تأتيه المنية في ساعة ما خطر على باله أن توافيه المنية بها، ثم يموت وقد ترك آلافاً من التسويف وما ترك أمراً ينفعه.
العاقل من يبادر من هذه اللحظة، لئن كانت وصيتك قد كتبتها وحررتها في أمور الخير بعد موتك، فحررها من الآن واشتغل بشيءٍ واجعلها في عمل ينفعك من الآن، ما الذي يضيرك أن تجلس في حلقة في مدرسة قرآن لا يعرفك الناس وأنت الذي بنيتها، وأنت ترى هؤلاء الطلاب يترنمون ويغردون، أصواتهم كأصوات البلابل في تغريدها، وألحانهم طيبة بالقرآن الكريم؟ أنت في هذه الحلقات تلتفت يمنة فإذا بالصغار يحفظون، ويسرة فإذا بالكبار يتعلمون، وأمامك فإذا بالمعلم والمعلمين يعلمون، وفي قرارة نفسك، والناس لا يعرفونك تقول: الحمد الله الذي أراني، الحمد لله الذي نصرني على شهواتي وشيطاني وشر نفسي فجعلني أرى هذا الخير الذي هو من خالص مالي ولا يعلم به أحد.
خير لكم -يا عباد الله- أن يكون للعبد سر بينه وبين الله من الأعمال الصالحة، إن أناساً لهم من الأعمال الصالحة ما لا تعلمه زوجاتهم ولا يعلمه أولادهم، يمشي مع الأحفياء الأخفياء الأتقياء فيسمع بمسجد يبنى أو بدار للقرآن تشيد أو بمعهد لكفالة الأيتام وتعليمهم العلم الشرعي فيأتي ويقول: هذه أمانة من فاعل خير وهو صاحب خير بعد الله ، وهو صاحب المال، لكن يريد ألا يعرف بأي حال من الأحوال، لا تعلم زوجته ولا أولاده ولا أهله (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) عساه أن يكون منهم: الذي أنفق نفقة وتصدق صدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
الواقع -يا عباد الله- يدعونا إلى أن نبادر، فإن أمة الإسلام بحاجة إلى نفقاتنا، وإن الشيطان كما قال الله : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] في هذه الأيام وقبلها وبعدها تسمع كثيراً من الناس يقول: إن النقدية عزيزة، وإن النفقة بسخاء صعبة المنال، وإن الناس لا تكاد تجد منهم من يبذل بسخاء بسهولة، وإن وإن وإن حتى إذا دعي إلى بناء ونفقة وصدقة وكفالة؛ تقهقر ونكص على عقبيه بسبب هذه الأقاويل، وما تنفعك كثرة الأموال إن دفنت؟ وما تنفعك إن كفنت؟ وما تنفعك إن جعلت في القبر هذه الليلة أو بعدها؟ فبادر بهذا المال إنفاقاً لله (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) ومنها هذه الصدقة الجارية.
فاجتهدوا، ومن كتب وصيةً ولو ختمت وصدر بها صك شرعي، فاعلموا أنه بوسعك شرعاً أن تذهب إلى القاضي وتقول: هذه وصيتي بختمك وخطك، إني غيرت فيها كذا وكذا وكذا، إذ أن بعض الناس يقول: ما أجمل ما سمعنا! ولكن قد جفت الأقلام وطويت الصحف، وكتبت الوصايا وختمت بالأختام، فلا نستطيع أن نغيرها، الوصية تبرع مضاف لما بعد الموت، وهذا يعني أنك قبل الموت تستطيع أن تغير وأن تتصرف فيها، أما إذا مات الرجل، فإن من بعده لا يجوز لهم أن يغيروا في وصيته شيئاً، وعلى الذين يبدلون هذه الوصية بعد موت الموصي بها عليهم من الله إثم عظيم.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 820
الولد الصالح ووصول خيره إلى الميت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة! وتتمة هذا الحديث الذي هو من جوامع كلمه ﷺ بأن العبد إذا مات انقطع عمله، تتمته أن العبد لا ينقطع عمله ولا ينقطع ثوابه ولا تقف حسناته، بل تتعاظم درجاته إذا خلف ولداً صالحاً يدعو له، والولد الصالح لا يكون بالتمني ولا بالتحلي، وإنما يكون بالتربية والصبر والمعاناة في سبيل تحقيق هذه التربية، ما أكثر الذين يخلفون الأولاد والذرية والبنات! ولكنهم عن التربية في غفلة، وعن الترشاد والتوجيه في شغل شاغل.
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه عليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا
ما أكثر الأيتام من أبنائنا! مع أن آباءهم موجودون وأمهاتهم موجودات، ما أكثر اليتيمات من بناتنا! مع وجود الآباء والأمهات؛ والسبب أن الأب مشغول صباح مساء، والأم مشغولة بالوظيفة، ولا يعلم الأطفال إلا الشاشة، ولا يوجههم إلا الأغنية، ولا يرفه عنهم إلا الملهاة التي لا تجوز، فكيف نريد ولداً صالحاً ونحن قد أسلمنا أبناءنا لخادمة تربي أو لسائق يوجه بعيداً عن توجيهنا وعنايتنا؟! أيها الأحبة! كم نعتني ببيوتنا وسياراتنا؟ كم نعتني بهذا الزجاج لكي نلمعه وبهذه الأبواب بصيانتها، وبهذه الدهانات على جدران بيوتنا وأسقفها لنغيرها فترة بعد أخرى؟ أما العناية بأولادنا فما أقل ذلك! ما أقل من يغري ولده بالمئات أو بالآلاف على حفظ القرآن الكريم! هل يوجد منا من يغري ولده بالمئات أو بالعشرات على حفظ الأحاديث من سنة رسول الله ﷺ ؟ بل ربما تجد الرجل الغني الثري عنده عشرة من الخدم ما بين سائق ومزارع وحارس الخ ولا يوجد عنده معلم من طلبة العلوم الشرعية الذين يوثق بعلمهم وتقواهم، ليعلم أولاده بعد العصر إلى أذان العشاء.
لقد أسكنت في بيتك أنواعاً من الجنسيات وعدداً من الشخصيات، أما بيتك فقد خلا من معلم ليعلم أولادك في حال غيبتك إذا كنت مشغولاً أو لست بقادر على أن تقوم بالعملية التعليمية! كيف كان أولاد الخلفاء؟ يجيدون الشعر والكلام والفقه والتفسير والحديث؟ كان الخلفاء إذا ولد لأحدهم ولد، دعوا المربين والمعلمين فأسلموا الولد إلى هذا المربي ليربيه في صباحه وعشيته وغدوه ورواحه، يعلمه الفروسية والرماية وركوب الخيل والرجولة ومعاملة الناس والحوار والمنطق والكلام والمناظرة وحسن الأدب والتاريخ واللغة، يعلمه كل فن حتى إذا شب عن الطوق وناهز الاحتلام وبات شاباً، يجالس الرجال كأكبر عقل في المجالس التي يجلسها.
أما نحن فأنتم ترون بعض أبنائنا، الواحد منهم في العشرين لا يحسن محادثة الرجال، وبعضهم قد تجاوزها ولا يعرف كيف يتحلى بمكارم الأخلاق في المروءات والآداب والمعاملات، من أين جاءنا هذا؟ الجواب سهل: الشاشة تربيهم، والخادمة تلاحظهم، والسائق هو وليهم، والأب مشغول عنهم، والأم بصويحباتها وذهابها وإيابها مشغولة، إنك لا تجني من الشوك العنب
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
إننا نعلم عدداً كثيراً من طلبة العلم من أهل العقيدة والسنة والجماعة في مختلف البلدان المجاورة الذين يوثق بدينهم ما ضرَّ الواحد منا لو استقدم إن كان قادراً، واستوفد إن كان متمكناً واحداً أو اثنين لتربية أولاده إن كان مشغولاً بأمور عن ذلك؟ اليوم -أيها الأحبة- الشاشة تأخذ من أولادنا أكثر مما يأخذون منا، الشاشة تخاطب أولادنا أكثر مما نخاطبهم، ناهيك عن جلساء السوء وعن الجيران في الشوارع، وعما يحدث في المدارس وعن، وعن، إن التربية هذا اليوم أصبحت مسألة عظيمة خطيرة عزيزة المنال، إذا ذكر أن عند فلان ولداً قد أحسن تربيته، يتحدث الناس به وذلك لقلة عناية القوم بالتربية، لا تكاد تجد بيتاً إلا وفيه خادم وسائق ويدفع على ذلك آلافاً، أما أن يدفع آلافاً على تربية الأولاد إن كان الأب قادراً ومشغولاً عن التربية فهذا بعيد المنال! والله تعظيماً لو أنفق الواحد نصف ماله في تربية أولاده لكان خيراً، أوليس ولدك إذا حفظ القرآن، تدعى يوم القيامة كما في الحديث على رءوس الخلائق فتكسى ويوضع على رأسك تاج الوقار، فتقول: يا ربي! بأي شيء هذا؟ فيقال: بتعليمك ولدك القرآن، إنها منقبة عظيمة ومنزلة جليلة لكننا غفلناها، أما الملابس، فلا تسل عن أفضل الموضات وأحدث الأزياء وأرقى النوعيات وأغلى الأسعار في لباسهم، وأما الأطعمة فحدث ولا حرج عن ألوانها وأعدادها، وأما وسائل الترفيه عند كثير من الناس فإن كان في البيت دش -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يقلب لهم أنواع الشاشات والموجات والمحطات، مع الأغاني، والملاهي، ولا تجد لهذا الطفل من يربيه على الصلاة مع الجماعة، وعلى آداب الدخول والخروج، وعلى مصافحة الرجال والحديث معهم، وآداب النوم والاستيقاظ، وسلامة اللسان من السب والشتيمة، والكلام الفاحش واللعن البذيء، تجد أطفالاً صغاراً يسبون سباباً ويشتمون شتائم يقف شعر رأسك من هولها وهم لا يزالون أطفالاً! من أين تعلموا هذا؟ من الشارع، يأتون بكلمات عجيبة، من أين جاءت؟ من هذه الشاشة وهذه الأفلام وهذه المسلسلات.
فيا أحبابنا! من سره أن يموت وتمضي حسناته، فعليه بذريته، وكم من رجل وأعرف بعضهم تمنى أن لو كان عقيماً ولم يبتلَ بولد عاق مجرم يؤذيه ويؤذي إخوانه! وكم من رجل تمنى أن لو كان عقيماً ولم يبتلَ بولد سود سمعته وشوه صفحته بين الناس.
فإذا سرك أن تتشرف بولدك، فعليك بالتربية، وعليك بالعناية، وإن كنت عاجزاً عن أن توفر له معلماً ومدرساً، فلن تعجز أن تبحث له عن ثلة طيبة صالحة، قد يقول قائل: ومن لي بمال حتى أستوفد به معلماً يعلم أولادي، يراجع كتبهم، يحل واجباتهم، يذكرهم ويذاكرهم، يعلمهم القرآن؟ من أين لي هذا المال؟ أنا بالكاد أجد مصاريف الكهرباء والماء والقوت فمن أين أجد هذا؟ أقول له: إذا عجزت عن ذلك، فلن تعجز أن تجد ثلة من الشباب من البراعم الصغيرة، تجدهم في مكتبات المساجد، وفي الجمعيات الإسلامية وفي المعاهد والثانويات والمدارس، اعتنِ بزيارة هذه المكتبة وخذ ولدك وعرفه عليهم، اعتنِ بزيارة المدرسة واسأل عن جمعية التربية الإسلامية، وعرف ولدك بهذه الجمعية ورائدها ومشرفها واجعله يعمل معهم، إذا عجزت عن ذلك، فلن تعجز أن يكون ولدك مع ثلة طيبة صالحة بإذن الله .
المهم ألا ندع هؤلاء الأولاد تربيهم الشاشات وأبناء الشوارع، وجلساء السوء، وقرناء الذهاب والإياب، بل نحن نربي أولادنا كما نريد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦] إن ولدك فتنة، إن ولدك عدو: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤] فكيف يكون هذا الولد رحمةً بدلاً من الفتنة، وبراً بدلاً من أن يكون عدواً؟ يكون بالعناية وبالتربية، فلا تستكثرن أخي الكريم ما تنفقه على ولدك بأي حال من الأحوال.
أيها الأحبة! إن من حاجتنا أن ننتبه لما يراد بأبنائنا، إن حاجتنا أن نلتفت إلى أن من عناصر إصلاح مجتمعنا وواقعنا هو إصلاح هذا الجيل وهذا النشء الذي بين أيدينا، وعملية التربية في نصف عقد من الزمن، الجيل الذين أعمارهم عشر سنوات بعد ثمان سنوات أو عشر سنوات هم رجال، ويمثلون واجهة الأمة وصورة الأمة، فإذا كل واحد في هذا المسجد اعتنى بولده، لئن قلنا في هذا المسجد ألفي رجل، فحينما نعتني بألفي شاب، بألفي طفل، ويكونون شباباً صالحين، يكونون دعاةً منتجين، يكونون قادةً مصلحين، فإن الأمة تصلح بإذن الله عز و٠جل، إن إصلاح القاعدة -إصلاح البيوت، إصلاح الذرية- من أهم الأمور بإذن الله .
أيها الأحبة: هذا نقوله لإصلاح واقعنا، ونقوله لحسنات نرجوها ونحن في اللحود، لثواب نرجوه ونحن في عداد الأموات، لثواب نرجوه ونحن في أطباق الثرى، والله إن العاقل إذا فاتت عليه ساعة لم يذكر الله فيها ولم يقم فيها بعمل صالح، عض على أصابع الندم كيف مضت ساعة لم يجعلها في طاعة الله أو فيها شيء من طاعة الله ، فما بالك وأنت ستبقى تحت التراب ساعات؟ لا.
أيام؟ لا.
أسابيع؟ لا.
بل ربما سنوات وعقود وأطول وأطول، تخيل نفسك الآن أنك في المقبرة بجوار أهل القبور، تخيل نفسك أنك في اللحد، تخيل نفسك أنك في القبر وأنت رهين أسير في هذا القبر، لا تجري عليك حسنة واحدة، وأهل القبور لو تكلموا، وقيل لهم: تمنوا، لقالوا: نتمنى أن نخرج إلى الدنيا، فنقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لعظم أثرها وثوابها، فما بالك إذا ذكر الله وأجر الذكر لك؟ فما بالك إذا حفظ القرآن وأجر الحفظ لك؟ ما بالك إذا عمر المساجد وأجر عمارتها بالصلاة والتراويح والاعتكاف لك؟ ما بالك إذا شهد في سبيل الله وأجر الجهاد لك؟ ما بالك إذا تعلم الناس الخير وأجر هذا لك ولو كنت في قبرك؟ حينئذ -والله- لا يهمك أن تكون حياً أو ميتاً مادامت حسناتك جارية بإذن الله وسيئاتك قد كفرت بحسناتك: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين، اللهم آمنا في دورنا
стр. 821
قسوة القلوب
إن آفات هذا الزمان وأمراض هذا العصر كثيرة لا تحصى، منها ما هو على الأبدان ومنها ما هو على القلوب والأديان، ومن هذه الأمراض مرض خطير جداً، يجعل الإنسان كالجماد، وهذا المرض هو مرض قسوة القلب، فما هي أعراض هذا المرض وصوره؟ وما هو علاجه؟ هذا ما ستجدونه في طيات هذه المادة.
стр. 822
أعراض قسوة القلب
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم القيامة ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين: آفات هذا الزمان وأمراض هذا العصر كثيرةٌ لا تحصى، فمنها ما هو على الأبدان، ومنها ما هو على القلوب والأديان، والآخر أشد فتكاً وخطراً.
عباد الله: من هذه الآفات وتلك الأمراض مرضٌ خطيرٌ جداً يجعل الإنسان أصمَّ وأعمى وأبكم من الجمادات، فيا ترى ما هو هذا المرض؟ إنه قسوة القلوب؛ مرض قسوة القلب، لا يكاد أحدٌ يسلم منه إلا ما قل وندر من الصالحين المخبتين المخلصين.
معاشر المؤمنين: قد يقول البعض: وما هي أعراض هذا المرض حتى نتعرف عليه؟ شخص لنا صفته؟ أقول أيها الإخوة: قد يكون العليل بهذا الداء أبلغ في وصفه، وقد نكون جميعا ً أو بعضنا ممن يعانون هذا الداء، وما أجمل الحقيقة والصراحة يا عباد الله! أعراض هذا المرض: أعينٌ لا تدمع، وقلوبٌ لا تخشع، وأبدانٌ لا تشكر؛ يقرأ الواحد منا صفحات تلو الصفحات من كتاب الله جل وعلا فلا يقف وقفةً تنهمر من عينه دمعةٌ أو دمعات خشيةً من كلام الله وبليغ خطابه، بل قد نرى مشاهد كثيرة تهد الجبال الراسيات، ثم نحن بعد هذا نمر بها ضاحكين غير مبالين ولا مستشعرين، أليس هذا مرضاً خطيراً؟ أليس هذا وجعاً فتاكاً؟ بلى يا عباد الله! وإنه إن استمر بعبدٍ من عباد الله، ضيع عليه دنياه وآخرته.
معاشر المؤمنين: إن كتاب الله جل وعلا لو أنزل على صخرٍ أصم لتفتت ذلك الصخر خشيةً لله، وهيبة لبليغ خطابه، فما بال قلوبنا جامدة قاسية أمام كلام الله، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ [الحشر:٢١] فعسى ألا تكون قلوبنا كمن قال الله فيهم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤].
عباد الله: إن آيات الله تتجلى علينا كل صباح ومساء، فهل من وقفة تأمل؟ فهل من وقفة تدبر؟ هل من وقفة هيبةٍ واستشعار؟ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣].
معاشر المؤمنين: إن آيات الله جل وعلا تتجلى أمام أعيننا صباح مساء، فما لهذه القلوب لا تتغير؟! ما لهذه القلوب لا تتحرك سويداؤها؟! ولا تتحرك مشاعرها؟! إننا إذاً مرضى، إننا مصابون، فهلمّ لننظر هذا المرض، وهلمّ لنتدبر أحوالنا، فإن أحوج الناس إلى العلاج من عرف داء نفسه وعرف دواءها، فيلزمه المبادرة في علاجها.
стр. 823
علاج قسوة القلوب
معاشر المؤمنين: هذه القسوة البالغة التي تتجلى بعض صورها يوم أن نرى جنازةً تمر في الطريق، فيلتفت الإنسان ناظراً إليها، ثم يلتفت إلى يمينه كأنه لم ير جنازة، كأنه لم ير نفساً قطعت عن الحياة بالكلية؛ قطعت عن الخُطى والطعام والشراب، بل قطعت عن أعظم من هذا عن العمل، فقدمت على الحساب، وانقطعت عن العمل، ثم تنشغل نفوسنا عن حال هذه الجنازة إلى أين يذهبون بها؟ وفي أي ظلمة يضعونها؟ ولأي هجرٍ وبعدٍ يتركونها؟ وما الذي سيوافيها؟ وأي أمرٍ ينتظرها؟ أتنتظرها ملائكة الرحمة؟ أم تنتظرها ملائكة العذاب ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نحن كثيراً ما نرى هذه الصور، ونرى هذه المشاهد والآيات، ولكننا في غفلة بالغة عن هذا الأمر، أليس ذلك دليلاً على قسوة قلوبنا؟ بلى والله.
عباد الله: إنها قلوبٌ قاسية، فما علاجها؟ وما دواؤها؟ وما ترياقها المجرب الذي يردها إلى الحق وإلى الله رداً جميلاً؟
стр. 824
العودة إلى كلام الله (القرآن)
عباد الله: علاجها عودتها إلى كلام ربها، كلام الله جل وعلا فيه شفاءٌ للصدور، وفيه دواءٌ للقلوب، وفيه علاجٌ لكافة الأمراض الحسية وغيرها، ولكننا نقرأ قراءة اللاهين الغافلين، قد يقول البعض: إن في قلبي قسوة ولا أجد في كتاب الله علاجاً لهذا القلب، نعم قد يحصل هذا لبعض العباد أو لكثيرٍ من البشر، أتدرون ما السبب يا عباد الله؟ إنه فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول التحدث في عيوب الناس، ثلاثة أمورٍ تشغل القلب عن حساسيته وشفافيته.
أما فضول النظر، فإنه يفقدنا الخشوع.
وأما فضول الكلام، فإنه يبعدنا عن الحكمة، ولا يجعلنا نستلذ أو نستشعر جميل خطاب الله.
وأما فضول الكلام في عيوب الناس، فإنه يجعل الإنسان مشغولاً لاهياً ناسياً عيوب نفسه، ثم بعد ذلك يشتغل بالخلق من حوله، ويترك نفسه ولهةً في أمَس الحاجة إلى الدواء، ومع ذلك فهو غافلٌ عنها، عسى ألا نكون من الذين نسوا الله فنسيهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الأحبة: كثيراً ما نقرأ في كتاب الله جل وعلا: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] والألباب: جمع لب؛ واللب: هو القلب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] كتاب الله جل وعلا كله عظةٌ واعتبارٌ، ودواءٌ وعلاجٌ لهذه القلوب، ولكن قلوبنا كما قال الشاطبي ﵀ في حرز الأماني:
وإن كتاب الله أوثق شافعٍ وأغنى غناء واهباً متفضلا
وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلاء
ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ديماً وهطلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطها أي: ولكن هذه العين التي جمدت أن تجود بدمعة خشيةٍ لله
ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا!!
يا ضيعة أيامٍ تضيع علينا أمام المشاهد التي لا ترضي الله، وفي سمع أمورٍ لا ترضي الله، وفي قضاء أمورٍ هي سبب العقوبة والعذاب من الله!! يا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا!! يا عباد الله: هل من شيءٍ بعد كتاب الله جل وعلا يحرك هذه النفوس القاسية الجامدة، فيجعلها تنشط بعد جمود؟ نعم، هناك أمورٌ كثيرة، وقبل أن ننتقل إليها تأملوا أحوال السلف الصالح رضوان الله عليهم.
صلى عمر بن الخطاب ﵁ بالصحابة صلاة الفجر ذات يومٍ، فقرأ قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨] فأخذ يرددها، ثم رددها، فما جاوزها حتى سقط مغشياً عليه من عظم تأثره بهذه الآية: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨] نحن كثيراً ما نقرأ: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١] كل هذه الآيات الكونية، وهذه المشاهد الغيبية التي سنراها وسنقدم عليها، نتلوها ونسمعها كثيراً، ومع ذلك لا تتحرك القلوب لها، ولا تستشعرها، ولا تتخيل شيئاً ولو قليلاً من أهوالها.
стр. 825
زيارة المرضى وعيادة المصابين
معاشر المؤمنين: إن من الأمور التي تعين على تحريك القلوب: زيارة المرضى، وعيادة المصابين، فإن في ذلك -أيضاً- كسرٌ لهذه النفس، وتذكيرٌ لها بما هي فيه من الصحة والنعيم والعافية، إن الإنسان إذا كان يمسي ويصبح وهو في نعيمٍ وطعامٍ وشرابٍ وملذات، ولا تجده متذكراً أو زائراً لإخوانه المرضى والمصابين، فإن هذه النفوس تتعود على هذا الشبع والري، وتتعود على هذا النعيم، ثم بعد ذلك لا تود أن تسمع شيئاً اسمه المصابون، أو اسمه المحتاجون، أو اسمه الذين هم في ضنك العيش وقلة ذات اليد، كثيرٌ من الناس حينما تحدثه عن واقع الضعفاء والمنكوبين والمصابين، قال: أرجوك لا تذكرني بأولئك لا تشغل نفسي، ودع قلبي في لذاته وهواه، لا يريد أن يتذكر أحوال أولئك المنكوبين، لأنه تعود على هذه الوتيرة، وعلى هذه الطريقة، فهو لا يريد أن يتذكر شيئاً من أحوال المصابين -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ولو علم ذلك المسكين أن تذكره لأحوالهم وزيارته لهم، وتفقده لأمورهم، يشعل في قلبه أموراً ماتت، ويحيي في قلبه جذورا ً خمدت؛ لاعتنى بذلك ولعلم أثر تلك الزيارة، فأسأل الله جل وعلا أن يعين قلوبنا وقلوبكم على طاعته، وأن يجعلها مخبتةً خاشعةً بين يديه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 826
تذكر الموت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر الأحباب: إن مما يعيننا على علاج قسوة القلوب وإعادتها إلى الخشية والخشوع والإخبات هو أن نتذكر الموت، هاذم اللذات، مفرق الأحباب، قاطع النعيم، نتذكر الموت الذي ينقل الإنسان وحيداً بعيداً عن أحب الأحباب وأعز الأقارب والأصدقاء، فينبغي أن نتذكر الموت دائماً، فالنبي ﷺ يقول: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) وكان عمر ﵁ يقول: [كفى بالموت واعظاً] تذكر حال نفسك وأنت لا تملك صغيراً أو كبيراً، قليلا ًأو كثيراً، والأمر يومئذٍ لله وفي تلك الحال لا ينفعك طبيبٌ ولا حبيبٌ ولا قريب، من تذكر هذه الساعة، وتلك اللحظات التي تتولى الملائكة فيها الفصول الأخيرة من هذه الحياة؛ فتنزع الروح من أصابع القدم إلى أمشاط القدمين، فتبرد السيقان بعد أن تمر الروح بها، ثم يهمل الفخذان، ثم تصعد الروح إلى التراقي، ثم يسمع للعبد حشرجةٌ ويسمع لصدره قعقعة، فما هي إلا لحظات حتى يرتفع بصره والبصر يتبع الروح من حيث خرجت.
إذاً: يا عباد الله! من تأمل هذه اللحظة ومن تذكرها في كل حالةٍ من حالاته، فإنه لا يجرؤ على معصية الله، وإن وقع في معصيةٍ فذكر هذه الحال، فإنه سرعان ما يقلع، سرعان ما يئوب ويتوب، سرعان ما ينقلب إلى ربه خاشعاً تائباً.
إذاً: يا عباد الله! تذكروا الموت دائماً، فإن الحياة دارٌ قصيرة، وإنما بعد الموت هي دار الخلود، فليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، ثم بعد ذلك يقال لأهل الجنة في الجنة: يا أهل الجنة! خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار! خلودٌ ولا موت، فاسألوا لأنفسكم الخلود الطويل في النعيم المقيم.
стр. 827
حضور حالات الاحتضار
معاشر المؤمنين: إن بعض الناس قد لا تجدي هذه الأسباب في علاج قسوة قلبه، فإليه سبباً قد يكون معيناً بإذن الله في علاج قسوة قلبه، أتدرون ما هو يا عباد الله؟ هو أن تحضر رجلاً يجود بنفسه، أن تشهد وفاة رجلٍ في الرمق الأخير من حياته، أن تشهد رجلاً يحتضر، فإذا أعانك الله وأخذت تلقنه الشهادة وأنت تنظر إليه، وتعرفه؛ تعرفه بأيامه وصحته، وبنشاطه وبتجارته وبأعماله، وأنت واقفٌ على رأسه تلقنه تقول له: يا فلان بن فلان قل لا إله إلا الله، وأنت تنظر ذلك البدن الطويل، وذلك الجسم القوي، وذلك اللسان الفصيح، وتلك الأيدي الباطشة، وتلك الأرجل القوية، تعالج وتنازع وتجاهد نفسها في النطق بشهادة لا إله إلا الله، إن ذلك يا عباد الله! حريٌ بأن يكسر قسوة القلوب، وجمودها، ثم بعد ذلك لا تطرد هذه الصورة عن مخيلتك، فإنك إذا دعتك نفسك إلى شهوةٍ أو إلى غفلةٍ أو إلى معصية من معاصي الله تذكرت ذلك الرجل الذي وقفت عند رأسه وأنت تلقنه الشهادة، وتذكرت ذلك الذي لا يملك لنفسه شيئاً قليلاً ولا كثيراً، فهذا يدعوك إلى أن تئوب وتتوب.
قيل لبعض السلف: [بلغت عمراً طويلا ما عرفنا عنك معصية وما وقعت في خطيئة! قال: أما ذلك فبيني وبين ربي، ألا وإني إذا همت نفسي بمعصية، فإني أتذكر الموت وأخشى أن يقبض الله روحي وأنا عليها].
نعم يا عباد الله: إن من تذكر الموت وأنه يفاجئ أصحابه مفاجئة، فإنه -يا عباد الله- لا شك يقلع عن المعاصي خشية أن تقبض روحه وهو على حالٍ مقارفة الذنب والمعصية، فما حال الذين يموتون سكارى؟ فما حال الذين يموتون غافلين؟ فما حال الذين يموتون وهم في بلاد الغرب بين أحضان البغايا؟ فما حال أولئك الذين يموتون وهم منشغلون في الربا، وهم منشغلون بالمكاسب الباطلة والحرام؟ ما حال أولئك الذين يموتون في محلات بيع الأفلام الخليعة؟ والأشرطة الماجنة؟ إن لم يتدارك الله الجميع برحمةٍ منه، فيا سوءة الأعمار! ويا ضيعة النفوس حين الفزع الأكبر، والهول العظيم أمام الله!
стр. 828
اتباع الجنائز ومشاهدة الدفن
معاشر المؤمنين: إن اتباع الجنائز وشهود دفن الموتى لمن الأمور التي تساعد الإنسان على تكسير وتفتيت وإذابة قسوة القلب، فإذا وفقك الله وكنت تابعاً لجنازة من الجنائز، فاجتهدت أن تكون من الذين يضعونها بأيديهم في القبر، ثم اجتهدت أن تكون من الذين يضعونها في مقامها الأخير، وفي مثواها الأخير؛ في اللحد الضيق، ثم أخذت لبنةً تصفها على هذا الميت، وأخذت طيناً ليناً لتسد منافذ الهواء والنور والبصر، لتسد كل منفذ صغيرٍ وكبيرٍ على هذا الميت، فإنك بعد ذلك يصيب نفسك شيء من الانكسار والإخبات والخشوع لله بأنك تتذكر هذا الصندوق الصغير، وهذا القفل الصغير الذي وضعت أنت بيدك هذا الميت فيه، وسيأتي يومٌ على كل واحدٍ منا يوضع فيه:
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار
اليوم نقول: فلان بن فلان انتقل إلى رحمة الله ومرضاته، وغداً يقولون: فلان بن فلان؛ عني وعنك وعن الثالث والخامس والعاشر، فلان بن فلان انتقل إلى رحمة الله ومرضاته إن شاء الله، فإذا تذكرت هذه الحال وأنت تدفن إخوانك، وفلذات أكبادك، وأعز أحبابك وأصدقائك، هل هناك أعز عليك من أبيك وأمك؟ لا والله.
ثم بعد ذلك أنت أحب الناس إليها، فتضعها في هذا اللحد وتغلق عليها هذا القبر، فيأتي ولدك أو أخوك أو أبوك أو قريبٌ لك ويضعك في هذا المثوى، فكما فعلت سيفعل بك، وهي سنة الله جل وعلا في الحياة، فلنقدم على الله بصدق، ولنجتهد بالاستعداد، اللهم إنا نسألك الاستعداد قبل الموت، والاستدراك قبل الفوات.
стр. 829
هدي النبي ﷺ عند حضور الجنائز
معاشر المؤمنين: ينبغي أن ننتبه لهذه الأمور، فمن وجد في قلبه قسوة، فليبادر إلى علاج القلب، فليصل في الجامع الكبير وليشهد جنازتين أو ثلاثاً، إن الإنسان إذا اشتكى من وجع سنه، أو اشتكى من وجع رأسه، أو أنملةٍ من أنامله، ذهب إلى العيادات والأطباء ليعالج هذا المرض الذي حل به، إننا بحاجةٍ إلى أن نعالج القلوب بمجالس الذكر، بكثرة تلاوة كتاب الله، وبتدبر آيات الله، وبمشاهدة المحتضرين، وبعيادة المرضى، وبشهود الجنائز، وبوضع الموتى في لحودهم، ينبغي أن نعالج هذه القلوب حتى تقدم على الله سليمة، ثم بعد ذلك -يا عباد الله- اعلموا أن الشيطان يجتهد ما استطاع في صرف الإنسان عن هدفه في علاج نفسه، فإن كنت شاهداً جنازةً من الجنائز، وإن عينك لتكون مغرورقةً بالدموع من شدة هذا الهول الذي رأيته، لكن الشيطان يأتيك يقول: هذا جزع وهذا فزع، وهذه نياحةٌ وهذا ندب، كلا والله إذا كانت هذه الدموع تنزل من عينيك ولم يكن في ذلك اعتراضٌ ولا سخطٌ ولا جزع، بل هي رحمة، بل هي عبرة، بل هي عظة، فأطلق لعينك همير دموعها، واجعل هذه الدموع تنهمر على خديك، وتذكر أنك بكيت من خشية الله، تذكر أنك بكيت من هيبة الله ، وإن نبيكم ﷺ ؛ وهو أقوى الخلق، وأعرف الخلق، وأخشع الخلق لربه، بكى لما شهد مشاهد كهذه؛ لما مرض سعد بن عبادة ﵁، وعاده النبي ﷺ ، فبكى النبي ﷺ وبكى القوم، فقال ﷺ : (ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه) متفق عليه.
وجاء عن أسامة بن زيد ﵁ (أنه ﷺ : رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالدموع، فقال له سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) متفق عليه، ولما دخل ﷺ على ولده إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عيناه ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن: وأنت يا رسول الله! فقال: (يا بن عوف! إنها رحمة، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فاعتبروا يا عباد الله! بهذه الأحوال، وأطلقوا لعيونكم دموعها في مثل هذه المواقف من غير ندبٍ ولا نياحةٍ، بل اجعلوا ذلك عظةً وعبرةً من أنفسكم لأنفسكم:
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
عباد الله: كل واحدٍ منا يتذكر يوم أن ولدته أمه، يوم أن ولد على ظهر هذه الحياة، الناس حوله متضاحكين سروراً، إذاً أنت الذي يوم أن ولدتك نزلت صارخاً باكياً إلى هذه الدنيا:
أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاربأ بنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
اللهم إنا نسألك السعادة والسرور عند لقائك، اللهم اجعل خير أيامنا يوم لقائك، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، اللهم اجعل قلوبنا خاشعةً مخبتةً منكسرةً لك يا رب العالمين.
اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن أعينٍ لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع ولا يرفع.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، اللهم من أراد بعلمائنا مكيدة، اللهم من أراد بشبابنا ضلالة، اللهم من أراد بالفتيات والنساء في مجتمعنا اختلاطاً في التعليم والوظائف، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم من أراد بهذه النعمة والنعيم، والأمن والطمأنينة التي نحن فيها انقلاباً وتغيراً وزعزعة بخبث تخطيطه وكيده، اللهم فاردد كيده في نحره، واجعل الدائرة على رأسه وحزبه بقدرتك يا جبار السماوات والأرض، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلحه وأصلح بطانته وإخوانه وأعوانه، اللهم اجمع شملهم على كتابك وسنة نبيك، اللهم لا تشمت بهم حاسداً، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته.
стр. 830
مكائد الشيطان وأساليبه الباطلة
إنه لابد أن نعلم أن هناك صراعاً بين الحق والباطل، وأن الله قدره كوناً من قبل أن يخلق الخلائق، وأن رائد الحق والخير هم الأنبياء المرسلون وأتباعهم، ورائد الشر والباطل هو إبليس وأتباعه من شياطين الجن والإنس، وقد بيَّن الله عداوة الشيطان ومكره وخبثه وأساليبه في إغواء الناس وإضلالهم، ثم بين للمؤمنين السلاح الفتاك الذي به يقاتلون هذا الشيطان ويغلبونه هذا وغيره ما تجده في هذه المادة.
стр. 831
عداوة الشيطان لآدم صرح بها القرآن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير؛ صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: لا يخفاكم عداوة الشيطان لآدم وذريته، فهو الذي أخرج الأبوين من الجنة، وكيد الشيطان وعدواته لبني آدم معلومةٌ واضحةٌ مشهودةٌ مشهورةٌ، وقد تواترت وتوافرت بها الآيات في كتاب الله الكريم، بل جاءت هذه الآيات مصرحةً بهذه العداوة التي اتخذت أساليب مختلفة وأشكالاً متباينة، ليتفطن بنو آدم لكيد الشيطان وغروره وخداعه وأمانيه، ولكن أكثر الناس في هذا الزمان عن تنبههم لهذه العداوة في غفلة، بل وإن الكثير منهم لمنساق بمحض اختياره تحت طوع وإرادة عدوه، ولو سمعنا هذا في بني البشر لرأينا فيه عجباً عجاباً؛ لو قلنا: إن رجلاً يملك أساليب القوة والدفاع والمقاومة انقاد لعدوٍ من أعدائه، فسلم رقبته وإرادته خاضعاً بطوع اختياره يوجهه عدوه من بني البشر حيث ما شاء، لرأينا ذلك خبالاً وجنونا، وإننا في الحقيقة لنرى ألواناً من الجنون، لكن ظاهرها بريقٌ لا مع، وبرقٌ خلب، وما هي في حقيقتها إلا انقياد لعداوة الشيطان ومكره، إذ أن كثيراً من بني الإنسان في هذا الزمان قد سلموا إرادتهم بطوع حريتهم واختيارهم لهوى الشيطان يصرفهم كيفما شاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
معاشر المؤمنين: أما العداوة الصريحة من الشيطان لبني آدم، فهي ثابتةٌ جليةٌ في كتاب الله ، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] ويقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩].
ويقول يعقوب لولده يوسف ﵇: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥].
ويقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [الإسراء:٥٣].
إذاً يا عباد الله: الآيات في كتاب الله كثيرةٌ وكثيرةٌ جداً مصرحةٌ بهذه العداوة، ولكننا في غفلة عن التنبه واليقظة لهذه العداوة الخطرة، واعلموا يا عباد الله! أن هذا الشيطان من شدة عداوته لأبيكم ولذريته أنه سأل ربه التأخير إلى يوم القيامة ليتمكن من الكيد لبني آدم على جميع ألوانهم وأصنافهم، وقد آتاه الله سؤاله هذا، وتوعده بأن جهنم مصيره ومصير الجاحدين الكافرين من بني آدم.
إن الشيطان يوم أن تكبر عن السجود لبني آدم وجاء في كتاب الله جل وعلا قول الله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٢ - ١٤] أي: أخرني وأجلني وأمهلني حياً على قيد الحياة إلى يوم البعث، قال الله جل وعلا: ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:١٥ - ١٦] وانظروا هذه العبارة الخبيثة من الشيطان: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:١٦] ولم يقل الشيطان عن نفسه بما غوى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧] تنبهوا يا عباد الله! عن أي طريقٍ ومن أي جهةٍ ومن أي سبيلٍ تأتي الشياطين إلى بني آدم قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٨].
стр. 832
أساليب الشيطان وحقيقة مكره وخبثه
ويقول الله جل وعلا في موضعٍ آخر عن كيد الشيطان وعداوته: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧ - ١١٨] ماذا قال الشيطان؟ ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [النساء:١١٧ - ١٢٠].
انظروا يا عباد الله إلى أي درجةٍ وإلى أي حدٍ بلغت هذه العداوة، حيث وقفت الشياطين لبني آدم عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن أمامهم ومن خلفهم على جادة الصراط وواضح المحجة لتحرفهم عن نهج الله المستقيم، فتنبهوا لهذه العداوة، تنبهوا لها يا عباد الله! واعلموا أن أساليب الشيطان لا تأتي إلى بني آدم فجأةً أو مرةً واحدة، إن الشيطان حينما يأتي لواحدٍ من البشر وهو يريد أن يوقعه في جريمة الزنا مثلاً لا يقول له اذهب فازن بهذه المرأة، بل يقول: ماذا عليك لو قضيت شيئاً من الوقت عبر هذا التلفون معها؟ ماذا عليك لو أنك ساعدتها مثلاً وهي نازلة؟ ماذا عليك لو وصلتها إلى بيتها؟ قليلاً قليلاً، ومن هنا جاء قول الله جل وعلا جليلا ً دقيقاً واضحاً في بيان حقيقة مكر الشيطان وخبثه، حيث يقول سبحانه: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] إذ أن الشيطان لا يأتيك فجأة، لا يأمرك بالفاحشة فجأة، لا يأمرك بالجريمة فجأة، وإنما يمهدها لك خطوة خطوة حتى يقع الإنسان والعياذ بالله في هذه الفاحشة والمصيبة العظيمة.
وإن هذا واضحٌ وجليٌ في هذا الزمان حيث أوقع الشيطان بحبائله وهن النساء الفاتنات الجاهلات العاصيات الكاسيات العاريات، أوقع الشيطان خلقاً عظيماً من خلق الله في حبائله عبر هذه الخطوات الخطيرة، فأولها شيءٌ من التهاون، وبعدها شيءٌ من التهاون بالحجاب، ثم بترقيق الكلام والخضوع بالقول وتكسيره، ثم شيءٌ من الخلوة ليس على عزم فعل فاحشة، لا، بل إنما لشيءٍ من المساعدة ولماذا نفرض النية السيئة في بداية الأمر؟ ثم رويداً رويداً حتى تتمكن الخلوة، ويحضر الشيطان، ويغيب الإيمان عن ذهن الإنسان، ثم بعد ذلك تقع الفاحشة، وقديماً قال الشاعر:
فتنوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء
نظرةٌ فابتسامة فسلام فكلامٌ فموعدٌ فلقاء
فاتقوا الله في قلوب العذارى فالعذارى قلوبهن هواء
نسأل الله جل وعلا أن يجنبنا وإياكم كيد الشيطان ومكره، وألا يجعلنا من حزبه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 833
من أساليب الشيطان الوسوسة
الحمد لله منشئ السحاب، وهازم الأحزاب، ومنزل الكتاب، وخالق خلقه من تراب، لا إله إلا هو عليه توكلنا وهو رب الأرباب، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة السلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: إن من أساليب الشيطان الخبيثة التي يزين بها المعصية ويبعد الإنسان بها عن جادة الصراط المستقيم: أسلوب الوسوسة، ذلك الأسلوب الذي عمله واتخذه مع أبينا آدم، فكان عاقبته بذلك أن أهبط من الجنة إلى دار الشقاء والبلاء وهي الأرض، يقول الله جلا وعلا: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٠ - ١٢٢].
إذاً يا عباد الله: تنبهوا لهذه الوسيلة الخبيثة التي يتخذها الشيطان مع كثيرٍ من بني الإنسان، واعلموا أن الشيطان مهما كان كيده، ومهما كثر أنصاره وأعوانه، فإنه خذولٌ لهذا الإنسان، إذا أوقعه في الفاحشة وجره إلى المعصية خطوة خطوة، فإنه بعد ذلك يتركه مخذولاً، ثم يظن الإنسان أن شيطانه الذي أغواه وأضله أنه سينصره أو سينفعه في تلك اللحظة، وصدق الله العظيم: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩].
وبين الله لنا جل وعلا في كتابه الكريم صورةً من صور خذلان هذا الشيطان حيث قال في محكم كتابه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦ - ١٧].
стр. 834
أساليب نتقي بها كيد الشيطان
ومع ذلك يا عباد الله! اعلموا أن كيد الشيطان ضعيفٌ أمام كل من التجأ بالله وبذكر الله، وبالجلساء الطيبين، والأخيار الصالحين، فإن كيد الشيطان مهما برق ومهما تنوع أسلوبه وتباينت وسائله، إنه كيدٌ ضعيفٌ أمام ذلك، والله جل وعلا لم يتركنا سدىً، بل بين لنا أساليب كثيرة نتقي بها كيد الشيطان، يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٠ - ٢٠١] إذاً يا عباد الله! إن ذكر الله جل وعلا، وإن الاستعاذة بالله جل وعلا في كل حالٍ لهو كفيلٌ بأن يطرد كيد الشيطان، وأن يصد عداوته عن هذا الإنسان.
ثم اعلموا بعد ذلك -يا عباد الله! - أنه ينبغي للإنسان إذا حضر مجلساً بدرت منه فيه معصيةٌ أو فاحشةٌ أو جريمةٌ أو غفلة، فليبادر إلى ترك هذا المجلس وليذهب بعيداً عن هذا المكان الذي حضره الشيطان، يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] فمفارقة مجالس السوء، ومفارقة أهل الباطل، ومفارقة أماكن المنكرات والمعاصي والآثام كفيلةٌ بإذن الله جل وعلا بأن تبعد وأن تطرد الشيطان وكيده وأعوانه عن الإنسان، فانتبهوا لذلك عباد الله.
معاشر المؤمنين: إننا لو تأملنا هذه العداوة الحقيقية من هذا الشيطان لوجدنا أن الإنسان منا يحتاج فيها أن يستخدم أقوى ما يستطيعه، وأعظم ما يتمكن لديه من وسائل المقاومة والدفاع أمام هذا الشيطان، الذي هو في حقيقة الأمر ليس فحسب حولك عن يمينك أو شمالك أو أمامك أو من خلفك، بل هو في بدنك: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) إذاً فهذا شيطان قريبٌ جداً، وهو بعيدٌ أمام من التجأ بالله ، وبذكر الله ومجالسة الأخيار الطيبين.
إن الإنسان لو قيل له: إن عدواً ينتظرك أمام هذا المسجد، أو خلف هذا الجدار، أو وراء هذا الباب، لوجدته يبحث عما لديه، هل من سلاحٍ في بيته؟ هل من وسيلةٍ فتاكةٍ ناجعةٍ في قتل هذا العدو والابتعاد منه؟ تجد الإنسان يقلب ويفكر ماذا لديه من العدد والعتاد لطرد هذا العدو الذي يتربصه وهو من بني الإنسان، فما بالك في عدوٍ هو أمامك وخلفك وعن يمينك وعن شمالك ويجري في عروقك، ينبغي أن تكون واضح العداوة أمامه، وينبغي أن تتخيل شيطانك أمامك في كل لحظةٍ من اللحظات التي تهم فيها بفعل الخير، إذ أن حقيقة الأمر حينما تريد أن تصلي مثلاً أو تصوم أو تتصدق يقول الشيطان: لو أجلت هذه الصدقة، تظن هذا حديث النفس، وفي حقيقة الأمر هو حديث الشيطان لك، فإذا وقفت وقفة بطلٍ شجاعٍ مقدام أمام هذا الشيطان، ثم لو رفعت صوتك شيئاً ما لطرد، والاستعاذة بالله من كيد هذا الشيطان، ثم توجهت منطلقاً إلى فعل هذا الخير الذي هممت به، فإنك على صوابٍ وفلاح، وما يرد كيد الشيطان إلى لجوءٌ بالله وبذكره وبآياته مع قوةٍ عظيمة، روي أن أحداً من الصحابة رضوان الله عليه لما أراد أن يخرج سلاحه، نادى وقال: [أسرجوا خيلي، فأتوا بخيله وأسرجوها له، ثم لبس لامته وسلاحه، ثم قالوا: أين أنت يا فلان؟ قال: خرجت لأخرج زكاة مالي، وإني لعلى يقينٍ أن الشيطان سيقف لي في طريقي، وهأنذا قد أخذت عدتي وسلاحي مواجهةً لهذا الشيطان] انظروا دقة تصور الصحابة والسلف لخطر الشيطان وعداوته ومكره وكيده، يتصورونه شخصاً واضحاً ماثلاً أمام العيان، حتى يستطيع الإنسان أن يدافعه، فدافعوا شياطينكم بذكر الله، وبالعزيمة على كل فعلٍ من الأمور الصالحة.
اعلموا يا عباد الله: أن الشياطين لا تترك أحداً من بني آدم إلا وهي تحرص أن توسوس له وأن تزين له وأن تقربه نظرةً ثم خطرةً ثم خطوةً ثم جريمة، حتى يقع الإنسان في الفاحشة، ثم تخذله وتتبرأ منه، وتتركه حسيراً مسكيناً في وحل هذه الجريمة التي فعلها، انتبهوا لذلك يا عباد الله.
стр. 835
أصناف الناس أمام الشيطان
إن البشرية اليوم أمام الشيطان لعلى أصنافٍ عدة: أما صنفٌ منهم: فهم كالكرة بأيدي الصبيان، كما ذكر أو روي في بعض الآثار: أن نبيا ًمن الأنبياء تمثل له الشيطان، فقال له: كيف الناس معك؟ قال: هم ثلاثة أصناف: صنف كالكرة بأيدي الصبيان؛ أينما أردنا أن نرمي بهم رمينا بهم، فلا يلتفتون ولا يتغيرون عما أردناه بهم.
وصنفٌ لنا مرة ولهم مرة؛ ونجهد أنفسنا كثيراً معهم، ثم يزول كل ما عملناه، قال: من أولئك الصنف؟ قال: أولئك الذين لا نزال معهم حتى إذا قربناهم شيئاً فشيئاً استغفروا الله، فعاد كل ما فعلناه هباءً منثوراً.
وصنف لا نستطيع لهم ولا نقدر عليهم؛ أولئك الأنبياء.
فتنبهوا لذلك -يا عباد الله- واعلموا أن كثيراً من بني البشرية اليوم قد أراح شيطانه من عناء مكابدته وملاحقته، إذ قد يكون الإنسان بنفسه قد أصبح أشد تفنناً ودقةً من الشيطان نفسه في أساليب الفساد والفاحشة وغير ذلك، فهذا لا يحتاج الشيطان معه إلى كثيرٍ من الجهد، فحيثما هوت نفسه الفضيحة، وحيثما هوت نفسه الفاحشة والمنكر والمعصية، انقادت بلا حسابٍ أو مراقبةٍ أو ذكرٍ لله أو تذكر مراقبته أو خشيته، فهذا قد أراح الشيطان من عناء مجاهدته.
وصنف من أولئك الذين قد من الله عليهم حديثاً بالهداية؛ هؤلاء الشيطان أشد ما يتسلط عليهم، فتجد الشاب إذا من الله عليه بالهداية والتوبة والالتزام والاستقامة، وقد كان حديث عهدٍ بفسادٍ وشيءٍ من المعاصي والآثام يأتيه الشيطان فيقول: أتترك لحيتك هكذا يسخر منك الناس؟ أتلبس ثوباً قصيراً يستهزئ بك الناس؟ أتترك هذه المجالس؟ أتترك مجالس عامرةً بالطرب والغناء واللهو وأنواع الملذات والمشارب، وتقف واضعاً يدك هكذا مطرقاً برأسك في هذه المجالس والحلقات؟ يأتي الشيطان ويتسلط على هذا الشاب الذي هو حديث عهدٍ بتوبةٍ وهدايةٍ واستقامة، فهذا أشد ما يتسلط عليه.
ثم إذا استطاع الشاب بعون الله أن ينتصر على كيد الشيطان، واستطاع أن يثبت على توبته والتزامه واستقامته، تسلط عليه الشيطان في صلاته، في وضوئه، فأخذ يوسوس له؛ لم تغسل هذا المرفق، لم تغسل هذه اليد، لم تمسح هذه الأذن، لم تغسل هذه الرجل، يريد أن يضيعه عن العمل الصالح مرحلةً مرحلة، لا يريد أن يفوت مرحلةً من المراحل، فيكثر عليه الوسوسة.
فإذا استطاع أن ينتصر عليه في مرحلة الوضوء، دخل عليه في مرحلة الصلاة؛ لم تقرأ الفاتحة، بلى، قرأتها، بل تركت منها، لم تجلس بين السجدتين، لم تتشهد، لم تقل كذا، نسيت كذا فيصبح الإنسان في كثيرٍ من الوساوس وقد كان فيما مضى من وقته لا يعرف شيئاً من هذه الوسوسة: وأضرب لكم حادثةً لشابٍ عرفته في هذا المسجد، وقال لي عن حاله: أنه كثير الوسوسة في وضوئه وفي صلاته، وتبين لي من ملامحه وما أخبرني به أنه حديث عهدٍ بتوبةٍ واستقامةٍ والتزام، قلت له: أسألك بالله هل كنت قبل هذه المرحلة يصيبك شيءٌ من الوسوسة؟ قال: لا.
والله ما عرفت هذه الوسوسة إلا يوم أن تركت المعاصي والآثام، قلت: فاعلم أنك لست بموسوس ولله الحمد والمنة، ولكن الشيطان يريد أن يفسد عليك طريق هدايتك، إنه عجز أن يغويك وأن يضلك، وعجز أن يصرفك عن التوبة والاستقامة، وعجز أن يبعدك عن جلساء الخير، فأراد أن يشاغلك في صلاتك ووضوئك وعبادتك، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولا يضرك كيده.
فإذا انتصر الإنسان على الشيطان في هذه المرحلة، جاءه الشيطان وقال: إن الناس يستمعون لك، انظر إن الناس ينظرون صلاتك، إن الناس ينظرون جهودك في الدعوة، فيحاول أن يدخل عليه بأسلوب النفاق والرياء ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فإذا استطاع أن ينتصر على شيطانه في هذه المرحلة، جاءه الشيطان، ويقول له: اذكر ما عملته من جهود وما حقق الله على يدك من الدعوة، وما حقق الله على يدك من الأمور، إذاً فالشيطان لا يترك بني آدم مرحلةً مرحلة، حتى عند النزع الأخير من الموت، فإن الشيطان يقول لأعوانه: دونكم ابن آدم، إن فاتكم اليوم فلا تدركونه، فيشوشون على الإنسان في الرمق الأخير، في مراحل النزع ووصول الروح إلى التراقي، يشوشون عليه ويحاولون أن يشغلوه عن النطق بالشهادة إلا من ثبته الله ، فهو ينطقها آمناً مطمئناً واثقاً من قلبه.
فأسأل الله جل وعلا أن يصرف عنا كيد الشيطان، والتفتوا لذلك يا عباد الله! وتنبهوا له، وإن كثيراً من الناس قد انساقوا للشياطين بأبدانهم وأبصارهم وأسماعهم وجوارحهم، ألا فليتنبهوا من هذه الغفلة.
أسأل الله جل وعلا لنا ولجميع المسلمين التوبة والإنابة والهداية والتوفيق.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، اللهم من أراد بعلمائنا مكيدة، وبولاة أمرنا فتنة، وبشبابنا ضلالة، وبنسائنا تبرجاً وسفوراً، وببناتنا اختلاطاً في الوظائف والتعلم، اللهم إنا نسألك أن تفضحه على رءوس الخلائق، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأسوأ من ذلك يا جبار السماوات والأرض.
اللهم آمنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على كتابك وسنة نبيك، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وجنبنا ما يغضبك ويسخطك يا جبار السماوات والأرض.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أسيراً إلا فككت أسره، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا غائباً إلا رددته.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء والأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 836
البداية
إن تجديد أساليب الدعوة من الحتميات التي يقتضيها الواقع وتطور العقل البشري وانتشار الفساد في هذا الزمان، ومن أجل ذلك جاءت هذه المادة فاتحة آفاقاً جديدة للدعوة إلى الله، مبينة أهمية تطوير وسائل الدعوة، وإيجاد البرامج العملية للإصلاح، موضحة سنن الإصلاح والتغيير، وأهمية توحيد الجهود من أجل الدعوة والإصلاح، والاستعداد النفسي والبدايات الحسية؛ من تخطيط، وطرد للشك والخوف، وتوحيد الجهود، والاستفادة من الطاقات المعطلة، وفتح بيئة جديدة أمام المدعوين.
ثم ذكرت نتائج هذه البدايات مبينة أهمية التخصص في الإصلاح.
وقد ختمت هذه المادة بذكر سلاح البداية، وحقيقة الانتصار.
стр. 837
أهمية تطوير وسائل الدعوة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
أيها الإخوة! أيها الفتية: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٣ - ١٤].
معاشر الأحبة! الذين ربط الله على قلوبكم بالإيمان! ومن نسأل الله أن يجعلهم من أهل الصراط القويم عاجلاً غير آجل بمنه وكرمه.
أيها الإخوة في الله: أعتذر بادئ ذي بدء عن تأخري عن المجيء في الوقت المحدد، وما كان ذاك بملكي، ولكني حملت وزر أحد موظفي الخطوط سامحه الله، أعطاني كرت الصعود على بوابة والرحلة على بوابة أخرى، فكانت أعجوبة والحمد لله على كل حال، ولقد أفرغت جام غضبي في أبيات شعر كتبتها عنه:
هل ذا سيمنعني الهدى وجباله أو ذاك يحجبك الشفا ورجاله
إن المحب إذا تعلق قلبه جعل المخاطر في النوى سرباله
كم كنت أنتظر المساء لقربكم فيه وإني مبتلٍ أقواله
شاورت فيه النفس قالت لن تطق صبراً فعجل والهدى أهدى له
لما أتيت البوابة قالوا: أنت تأخرت
قالوا تأخرت الغداة ولم تكن عند النداء موافقاً ما قاله
فبثثتهم عذري بأني ساجدٌ قبل الرحيل وحجتي أولى له
أقلعت الطائرة وأغلقت البوابة، ولا تنفع إلا الواسطة في مثل هذه الحالات:
فهرعت أسرع للوسيط لعله أدرى بسرٍ مسعف من ناله
فتسابق الخطو الوئيد مهرولاً وكررت أسرع تابعاً منواله
حتى ركبت الفلك يوشك راحلاً في أرض جدة مدركاً آماله
ولقيت أحبابي على درب الهدى ومحمداً فوزي ترى أسمى له
الأخ/ محمد فوزي جزاه الله خيراً استقبلنا، وطار عقلي قبل أن يطير بي من قيادته وسرعة سياقته
وركبت في سيارة وطريقها قد زاد فوزي سرعة أهواله
حتى بلغت الطائف المحبوب في أرض الجزيرة حبذا إطلاله
أيها الأحبة: أسأل الله جل وعلا أن يجعل اجتماعكم في موازين أعمالكم، وأن يجعل اجتماعنا هذا مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، وألا يجعل فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً، وقبل الخوض في الموضوع ألا وهو (البداية) أود أن نتساءل قليلا: أيها الإخوة: هل نشعر بالمتغيرات التي استجدت في المجتمعات العالمية؟ هل نعشر بالمتغيرات التي تطرأ؟ ليست بالسنة ولا بالشهر ولا بالأسبوع، بل باليوم والساعة، المتغيرات التي استجدت على المجتمعات، وتستجد أيضاً على مجتمعنا هذا، التغير صفة حاصلة، والتقلب أمر نراه في أحوال هذا الزمان وأهله، والتغير نوعان: تغير داخلي في النفس؛ وهذا التغير وإن لم يتغير الإنسان في سلوكه وتصرفاته، لكن تجد عنده تهيؤاً لأن تتغير أحواله، تجد عنده تهيؤاً لأن يغير من طريقته، ومن النمط الذي سار عليه في أيامه وأشهره.
والتغير الثاني: هو تغير خارجي في مجالات الحياة المختلفة، فهو الذي نراه في صور تمدن أسباب الحضارة وتطورها، هذا التغير كما هو موجود في المجتمعات، وكما هو موجود في النفوس، وترى النفوس متهيئة له، نجده في كل قطاع، أو في كل دائرة، أو في كل جهاز عام أو خاص.
أقول -أيها الإخوة! -: إن هذه المتغيرات وهذه التطورات موجودة، وأنتم ترون ما من دائرة، وما من جهاز، وما من مؤسسة، وما من قطاع عام أو خاص إلا وترى فيه تطوراً، وترى في القائمين عليه رغبة في تطويره، وترى في المسئولين عنه رغبة في تحديث أساليبه، وتطوير أساليب الخدمات التي تقدم للناس.
خذوا أمثلة لذلك: الهاتف مثلاً، هل خدمات الهاتف اليوم كالهاتف أول ما جاءنا في المملكة؟ لا، إذاً هناك تطور بالشهر والسنة، خذوا مثالاً: الصحة، تتطور خدماتها بتطور الأيام والسنين والأعوام،
و
السؤال
هل يوجد لدى الإخوة، ولدى الأجهزة التي تعنى بالدعوة إلى الله، وبالحسبة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا الحس؟ هل يوجد لدى الدعاة والمحتسبين والمسئولين عن هذه الأجهزة هذا الحس، وهو الرغبة في تطوير الأساليب، وتحديث الوسائل، ونشر مجالات أوسع، وآفاق أرحب لكي تنتشر الدعوة في كل مكان؟ ومن المسئول عن هذا التطوير والتحديث؟ من المسئول عن فتح مجالات جديدة للدعوة؟ من المسئول عن ابتكار وسائل واختيار أساليب جديدة للدعوة إلى الله؟ هل المسئول عن هذا هم المسئولون عن هذه الأجهزة أم أن المسئول كل من يعنى بأمر الدعوة، وأنتم منهم؟ وكل من يعنى بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنتم منهم؟ أم أن أولئك أيضاً معنيون بتطوير وتحديث أساليب الدعوة إلى الله جل وعلا؟ أيها الأحبة: إن الجهاز القائم على الدعوة إلى الله، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو ضربنا مثلاً أنه جهاز لا يتطور ولا يتنامى، ولا يدخل التحديث في أساليبه، فإن هذا لا يعفينا أن نبقى جامدين، بل هذا يضاعف المسئولية علينا، لكي نطور من أساليبنا في الدعوة إلى الله، ولكي نفتح مجالات أوسع، وآفاقاً أرحب لنشر دين الله جل وعلا، وما لنا ألا نفعل ذلك والله قد أثنى على الدعاة، فقال جل من قائل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
أيها الأحبة: الآية الواحدة، بل الكلمة الواحدة في هذه الآيات تجعل الواحد يطير فرحاً، ويحلق شوقاً لكي يدنو من الله جل وعلا، يطير فرحاً لكي يكون جليساً وجاراً للنبي ﷺ ، إذ أن من سلك سبيل الدعوة، وسلك سبيل العلم، فإنه يكون من ورثة الأنبياء: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
ما لنا لا نطور أساليب الدعوة؟ ما لنا لا نجدد الوسائل، ونفتح الآفاق للدعوة إلى الله جل وعلا؟ لماذا لا نفعل ذلك والنبي ﷺ يقول: (من دعا إلى هدى، فله أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة) ويقول ﷺ : (فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)؟.
أيها الأحبة: هل نشعر بحاجتنا إلى إصلاح أوضاع مجتمعاتنا؟ هل نشعر بأننا نحتاج إلى أن نصلح أوضاعنا؟ المجال الإعلامي، هل هو على الطريقة التي ترضي الله جل وعلا؟ أو هل هو على الطريقة التي تخرج الأطباء والمهندسين، والدعاة والعلماء والمخلصين لهذا البلد، ولأمة الإسلام أجمعين؟ إن الجانب الإعلامي لم يستثمر في الدعوة إلى الله حق الاستثمار، قد يقول قائل: لعلنا لا نسلم من شره فضلاً من أن نستثمره، وأقول: لا، هذه نظرة منهزم، لا تقل هذا الكلام.
لئن كانت الصحف ووسائل الإعلام مناخاً لمن سبق وحِمَىً مباحاً، فليبادر الدعاة إلى الله جل وعلا، وليسابقوا إلى هذا المجال، وليصلحوا مجتمعاتهم من خلال هذا المجال، حتى وإن وجد التنافس، وإن وجدت المزاحمة، المهم أن يسمع الناس كلمة الحق، وأن يعرفوا أن للحق أسلوبه، وأن للصدق عبارته، وأن للهداية أبوابها، إذا قدم هذا للملايين الذين يتربعون الآن أمام الشاشات، ولم يحضروا مثل هذه المحاضرات، أو محاضرات العلماء الأجلاء الذين هم أفضل منا، فهذه من المجالات المتروكة.
فهل نشعر -أيها الإخوة! - بحاجتنا إلى أن نصلح هذا المجال؟ هل نشعر بحاجتنا إلى إصلاح الأبواب المفتوحة في الأندية، والجمعيات الخيرية، وفي كثير من المجالات القائمة؟ إن الدخول في الشيء مع الحصانة الكافية، والوقاية اللازمة أمر ضروري جداً، إن إصلاح الشيء لا يتم عن بعد، فلا بد أن تدخل في صميمه، ولا بد أن تعرف أحواله، ولا بد أن تسبر عالمه، ولا تستطيع أن تصلح سيارة خربت بمجرد الدوران عليها، لا تستطيع أن تصلحها إلا إذا فتحت مقدمتها، وأخذت تغير وتعدل وتصلح قطعة بدلاً من قطعة، وشيئاً انحرف عن مساره فترده، وجهاد حتى تصل إلى درجة الإصلاح الكامل، أو ثلاثة أرباع الإصلاح، أو نصف الإصلاح، المهم يكفيك نصراً أنك قائم بالدعوة إلى الله جل وعلا.
стр. 838
أهمية إيجاد البرامج العملية للإصلاح
هل نشعر -أيها الإخوة! - بضرورة إصلاح مجتمعنا؟ هل نشعر بأن من واجبنا أن نطرح البرامج العملية للإصلاح؟ هل نشعر أن من واجبنا أن نحدد الأهداف والغايات من وراء الدعوة إلى الله والإصلاح؟ هل نشعر أن من واجبنا اختيار الوسائل التي نوزعها عل كل فرد بحسب طاقته وقدرته؟ أم لا نزال نردد العموميات: الإسلام هو الحل؟ أيها الإخوة: كثير من الأحباب والغيورين والطيبين، حينما تتحدث مع أحدهم عن واقع الصحافة، يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] تحدثه عن الإعلام فتسمع مثل هذه الحوقلة، حدثه عن كثير من المجالات لا تسمع إلا حوقلة وأنيناً وآهات يرددها، فتقول له: يا أخي الكريم! ما الحل؟ أين البداية؟ كيف تحل هذه المصائب والمشكلات؟ يقول لك: الحل هو الإسلام والقرآن، يا أخي! نحن في مجتمع مسلم، حينما تقول الحل هو الإسلام فإنك لا تأتي بجديد.
أقول لك: الاقتصاد يحتاج إلى إصلاح، المصارف الربوية كيف تصلحها وتغير أحوالها من الربا إلى المعاملات الشرعية؟ يقول لك: الحل هو الإسلام، كيف تصلح الإعلام؟ الحل هو الإسلام، سبحان الله العلي العظيم! هل تصلح البنوك إذا وضعت المصحف في طاولة البنك، أو وضعت ورقة فيها آيات في صندوق النقد الإلكتروني؟ هذا كلام عام: الإسلام هو الحل، أعطني برنامجاً عملياً وقدمه لي حتى تصلح به هذا الجانب.
حينما أخبرك عن الاختلاط في المستشفيات، عن مباشرة الأطباء الذكور توليد العفيفات المسلمات المحجبات، ورؤية عوراتهن والإطلاع عليها، كيف تحل هذه المشكلة؟ الإسلام هو الحل، هل تضع مصحفاً في غرفة العمليات لتنتهي المشاكل؟ هل تضع مصحفاً في دائرة من الدوائر لتنتهي المشاكل والمخالفات الشرعية؟ لا.
هذا كلام عام، نحن نريد أن نضع الأنامل على مواقع الجراح، لا يكفي أن نقول: نحن مرضى، ليس هناك مسئول أو داعية أو كبير أو صغير، يقول: مجتمعنا هو أكمل المجتمعات، كلنا نعترف بأن في مجتمعنا أخطاء وهي عادة البشر، وحينما يوجد البشر فهم مظنة الخطأ، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
لكن -أيها الإخوة! - هل هذا يكفي بأن نتكلم عن العموميات؟ لا.
بل لا بد أن نعرف الطريق والسبيل للبداية التي نصلح بها المجتمعات.
стр. 839
من سنن الإصلاح والتغيير
اعلموا أيها الأخوة! أن هناك سنناً في الإصلاح والتغيير، أهمهما: الصبر وعامل الزمن:
стр. 840
الصبر والمصابرة
أما الصبر فهو سنة من عمل بها وجد النتيجة، الصبر حينما يعمل به اليهود يجدون النتيجة، الصبر حينما يتحلى به النصارى يجدون النتيجة، الصبر حينما يتحلى به البوذيون يجدون النتيجة، الصبر حينما يتحلى به القاديانيون والنصيريون والبريليون والبابويون، وكل أصحاب الطوائف الضالة، من صبر على بدعته، ومن صبر على باطله ومنكره، سيجد نتيجة، كذلك الحق من باب أولى، بل إن الله جل وعلا جعل من أسباب نوال الهداية الصبر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
قبل أن أقول لك ما هي البداية، أريد أن تضع في قلبك أن مجتمعك فيه خير كثير، لا تنظر بعين واحدة إلى المجتمع، فلا تبصر فيه إلا السلبيات وتغض النظر عن الإيجابيات.
وقبل أن أقول لك ما هي البداية، كن كما هو قول الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:٤٧].
إن الله يأتي بحسنات العباد يوم القيامة وسيئاتهم، فأنت لا تنظر بعين واحدة، فتقول: في هذا الجانب فساد، وفي هذا الجانب اختلاط، وفي هذا الجانب رباً وتحلل، وتمتلئ عينك ويمتلئ دماغك وعقلك بأن ليس في مجتمعك إلا الشر والمنكر والباطل، والمصائب والآثام، فهذا أكبر باب لحصول الإحباط في نفسك، وهذا أكبر معول تحطم به رأسك قبل أن تخطو إلى الأمام خطوة واحدة.
أقول لك: يا أخي! لا بد أن تضع في حسبانك أن الصبر وسيلة، وأن تضع في حسبانك أنك في مجتمع فيه الخير والشر، وأن واقعك يختلف عن واقع كثير من البلدان، ومن هنا أعاتب إخواني وأحبابي الشباب، الذين بعضهم يقيس مثلاً أوضاع المجتمع هنا بأوضاع مصر، أو أوضاع سوريا أو تونس، يا أخي الكريم! إياك والتخليط، تاريخك يختلف عن تاريخه، ونشأتك تختلف عن نشأته، ومجتمعك يختلف عن مجتمعه، والأمة من حولك تختلف على الأمة من حوله، وأوضاعك تختلف عن أوضاعه، بل هناك فوارق كبيرة جداً جداً، حتى الفساق الذين في مجتمعنا قد يعتبرون في بعض المجتمعات الأخرى في خطوة لا بأس بها في طريق الهداية في نظر أولئك، وليس هذا مبرراً لبعض المخطئين، أو لبعض الواقعين في المعاصي أن يقولوا: الحمد لله، مثلما قال رجل في قديم الزمان، رجل من أهل نجد سافر البحرين، فوجد الناس في معاصٍ وفساد -قديماً وحديثاً، وجد الناس في معاصٍ وفساد- فلما رجع قال: إن شاء الله ستدخلون الجنة؛ لأن أولئك سيملئون النار؛ لأنه قاس مجتمعه بفساد أولئك فرأى أبناء مجتمعه متقدمين جداً في الإسلام، هذا الكلام لا يقال.
نحن لا نقول: اجعل نفسك مقياساً لغيرك، وبالمناسبة هذه حجة كثير من الشباب أو بعض الرجال حينما تدعوه إلى الله، يا أخي الكريم: تب إلى الله، أقلع عن الملاهي، أقلع عن ترك الصلاة مع الجماعة، أقلع عن العقوق، عن المحرمات، عن هذا العبث، عن المعاكسة، عن التساهل بالحجاب، يقول: يا أخي الكريم! احمد ربك فهناك ناس غيرنا لا يصلون بتاتاً، هناك ناس غيرنا يشربون الخمر ويزنون، ومتى كان يحتج بالخطأ على الخطأ؟ ومتى قبلت العقول أن يحتج إنسان بالمنكر على المنكر، هذا ليس بصحيح أبداً.
فأقول: أيها الأحبة! لا بد أن ننظر إلى مجتمعنا نظرة متزنة ومتعادلة، نظرة نجمع فيها الإيجابيات والسلبيات، خذ مثالاً بسيطاً: أنت في الحي يوجد عندكم مجموعة لا يصلون، اجعل من إيجابيات مجتمعك جماعة المسجد الذين يصلون، يوجد في الحي محل فيديو، في مقابله يوجد محل تسجيلات إسلامية، عندك في المجتمع مثلاً مكان فيه منكرات، في المقابل يوجد مدرسة تحفيظ قرآن.
إذاً: حينما تريد أن تعمل في المجتمع، حينما تريد أن تصلح مجتمعك، وتدعو إلى الله، اجعل الإيجابيات والسلبيات بين عينيك، وكيف تستثمر الإيجابيات في محاولة القضاء والتقليل على هذه السلبيات، والقضاء على هذه السلبيات والتقليل منها لا ينال في يوم وليلة.
يا أخي الكريم: لابد من الصبر، وهي سنة من سنن الله جل وعلا، الصبر فيه مجاهدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] هناك مفاعلة ومجاهدة واستمرار.
وتارة تجد أن الذين في الصف الثاني أو في الطرف المقابل من الذين لم يذوقوا حلاوة الإيمان، لا يزالون يجادلونك بالباطل ليدحضوا به الحق، إما انخداعاً أو شبهات دخلت، أو شهوات تمكنت في نفوسهم.
أقول: يا أخي الكريم! تحل بالصبر وبالمصابرة، ولن تذوق هداية الاستقامة، والهداية في مجتمعك إلا بالمجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 841
عامل الزمن
عامل الزمن أيضاً أمر ضروري، كما قلنا الصبر سنة من عمل بها وجد النتيجة، فالصبر قرين لعامل الزمن، ففي هذه السنة مثلاً تجد نصف الحي يصلي في البيت، والنصف الآخر يصلي في المسجد، لا تظن أنه بمحاضرة أو بمحاضرتين، أو بإعطاء كل بيت شريطاً، أو بإهداء كل أسرة كتاباً، أن أولئك من ثاني يوم سوف يأتون يبكون في المساجد ويملئونها، لا.
عامل الزمن أمر ضروري جداً، بل هو من سنن التغيير، بل من سنن خلق السماوات والأرض، الله جل وعلا قادر على أن يخلق السماوات والأرض في أقل من طرفة عين وانتباهتها، ولكن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق:٣٨] فاصبر حتى تجد النتيجة، واجعل أمامك عامل الزمن، كيف استطاع أعداء الإسلام والذين يخالفون معتقد هذا المجتمع، والذين يتمنون ويتربصون بأهله الدوائر، أن يغيروا هذا المجتمع، وأن ينشروا فيه الضلالات والفساد؟ يا أخي! هذا لم يأت بين يوم وليلة، إنما أتى بجهود طويلة جداً جداً، ليست سنة ولا عشر سنوات ولا خمس عشرة سنة؛ بل أكثر من ذلك.
إذاً: أيها الأحبة! لابد أن نضع بحسباننا عامل الصبر والزمن حتى نصلح الناس، بعض الشباب تجده حينما يدعو إنساناً يظن أنه سوف يصيح ويبكي، وسوف يحطم أشرطته الآن، وسوف يتلف الصور التي لديه، وسوف يحرق مجلاته، وسوف يأتيك بجميع ما لديه من أول كلمة!! لا.
ولا أقول هذا الكلام لنظن أن التوبة يمكن أن تتحقق مع وجود المعاصي وأسبابها، لا.
إنما أقول: حتى تصل إلى هداية هذا الشاب، والبلوغ به إلى درجة التوبة، لا بد أن تعاود عليه، وأن تحاول معه، وأن تردد المشوار مرات ومرات، حتى لا تدع في قلبه شاردة ولا واردة، ولا شاذة ولا فاذة إلا وقد استأصلتها من فؤاده، فلا يتعلق بها.
стр. 842
أهمية توحيد الجهود من أجل الدعوة والإصلاح
أيها الإخوة: الملاحظ أن جهودنا في الدعوة إلى الله مبعثرة، وليست على المستوى المطلوب، وإن كانت تتجه نحو الأحسن يوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، وليس لفقير صغير مثلي أن يُقَيِّم الدعوة وجهود الدعاة، ولكن هذا أمرٌ ملحوظ، فلو سألنا أنفسنا: هل واقع الدعوة من حيث الشمول والاتصال بجميع أفراد المجتمع متحقق؟ هل الدعوة الآن خاطبت شريحة الأطفال؟ وهل خاطبت الشباب بجميع مستوياتهم؛ المثقفين، والمنحرفين، والبين بين؟ هل خاطبت الدعوة الشيوخ وكبار السن؟ هل خاطبت العجائز؟ هل خاطبت المراهقات من البنات؟ هل خاطبت المتزوجات؟ هل خاطبت جميع أفراد المجتمع؟ كذلك: هل مواضيعنا في الدعوة شاملة لكل شيء، أم أننا نريد أو يراد لنا ألا نتكلم إلا في مواضيع محددة؟ فمثلاً: ليس من العقل أن نشغل الناس منذ عشر سنوات إلى يومنا هذا بالصلاة مع الجماعة، وبتحريم الأغاني، وبتحريم حلق اللحى، وبتحريم كذا وكذا، ليس عندنا إلا هذا، بل من واجبنا كما نحدث الناس عن تحريم هذه المعاصي، أن نحدثهم عن النظام الاقتصادي في الإسلام، وكما نحدث الناس عن خطر الملاهي والمعازف وحرمتها والاتجار بها، علينا أن نحدث الناس كيف لو تولى الإسلام أجهزة الإعلام، ماذا سيقدم للمجتمع؟ إذا كان الإسلام والدعوة إلى الإسلام، وأساليب الدعوة إلى هذا لدين رغم محدوديتها وبساطتها، وبدائية أساليبها أثرت في الناس إلى هذه الدرجة، فما بالك لو تسخرت وسائل الإعلام جميعاً، أو خصصت الساعات الطوال لأجل هذا، هل عندنا الشمول في طرح المواضيع؟ كما نطرح هذه الجزئيات نطرح الكليات، وكما نطرح صغار المسائل نطرح كبارها.
خذ أخي الكريم! صورة من صور بعثرة الجهود، الخطباء في أنحاء المملكة كم عددهم؟ يوجد في المملكة إن لم تَخُنِّي الذاكرة قرابة ستة عشر ألف جامع، معدل أو متوسط المصلين في كل جامع كذا، النتيجة أن هناك ثلاثة أو أربعة ملايين رجلاً وشاباً وامرأة، كلهم يطرقون لمدة ساعة كاملة على اختلاف التوقيت في أنحاء المملكة لكي يسمعوا خطبة الجمعة، ولكن انظر مع سخونة الأحداث تجد التباين في طرح المواضيع، فمنا مثلاً من يتكلم عن مؤتمر مدريد، وآخر عن مسح الخفين، وآخر في حرب الخليج، وآخر يتكلم على الخوف من صواريخ اسكود، وآخر يتكلم عن أهمية النظافة، وآخر يتكلم عن أسبوع الصحة والتطعيم، وهلم جرا.
يا أخي الكريم! هذا من إهدار وتضييع وسائل الدعوة، وعدم استغلالها، عدم وجود استراتيجية وخطة طويلة المدى تشرف عليها الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، لكي تربي هؤلاء الناس، لكي تتابع ما يجد في المجتمع وما يظهر فيه من مصائب.
حتى الأجهزة الأمنية يمكن أن يستفيد منها خطباء الجمع، كنت ذات مرة أسأل رجلاً من كبار مسئولي الأمن، فقلت له: لماذا لا تزودون خطباء الجوامع على الأقل في الشهر مرة واحدة بأخطر جريمة حصلت في المجتمع، ولك علينا العهد والميثاق ألا نقول اسم المجرم، ولا مكان الجريمة، ولا مدينة الجريمة، إنما سنذكر هذه الجريمة لكي نحذر من الشر الذي تدور حوله، قال: هذا أمر يحتاج إلى نظر، أو يمكن أن نبحث في هذا.
هنا تضييع وإهدار للوسائل، وعدم استغلال أمثل لهذه الجوانب، ولو رَتَّبَتْ مثل هذه الأجهزة مع مراكز الدعوة أو الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية، أو دعت الخطباء وطلبت منهم على الأقل أن يعرضوا ما عندهم، والخطباء لن يترددوا أن يستفيدوا.
خذ مثالاً آخر: المخدرات الآن، المخدرات لا يكاد يمر أسبوع وبدون مبالغة في كل مدينة يموت شاب من جراء حقن الهروين وغيرها،
و
السؤال
هل أخذ التحذير من هذه السموم الخطيرة والضارة حيزه المناسب من جهودنا، ومن صيحاتنا وصرخاتنا؟ وهل هذا المرض الفتاك والداء العضال قد أخذ حيزه المناسب من أجهزة الإعلام مثلاً؟ المسلسلة اليومية، ما ظنك لو أن نصف برنامجها يصرف في بيان أخطار المخدرات، وآثارها، وكيفية الحذر من الوقوع فيها وبداياتها، أو التنبيه على أساليب المروجين والمفسدين الذين يوقعون الجهلاء والمخدوعين في شراكها وشباكها، هل هذا موجود؟ لا.
غير موجود.
إذاً نحن على المستوى العام والخاص لم نستغل ولم نستفد ولم نفد على الوجه الذي ينبغي، خذ مثالاً على ذلك: أهمية هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل أعطيت هذه الهيئات حجمها؟ ما ظنكم لو أن عشر دقائق من التلفاز يومياً أو من الإذاعة أبرزت بدون أسماء، وبدون أحياء، وبدون أسماء مدن كلاماً عاماً عن حجم الجرائم التي يضبطها رجال الهيئة بالجرم المشهود، فلو فُعل لأدرك الناس أهميه هذا الجهاز، ولتمسكوا به، ولعضوا عليه بالنواجذ، ولشعروا أنهم لا يمكن أن يستغنوا عن مثل هذا الجهاز، بل لرأيت الحاجة إلى تطوير هذا الجهاز وتطوير أساليبه قائمة.
أيها الإخوة: ما مضى هو استطراد لكي تشعروا حجم الحاجة إلى الإصلاح، ولكي تشعروا بحجم الوسائل التي بين أيدينا وهي مهدرة لم تستغل ولم تستثمر، ولكي تشعروا وتدركوا حجم الخطر الذي يجر أبناء المجتمع إلى الهاوية، ولكن
السؤال
البداية كيف ومتى وأين؟
стр. 843
البداية النفسية
البداية قبل أن أتكلم في وسائلها وأساليبها، سأسألكم أنتم أيها الحضور: هل تهيأت نفوسكم للبداية والانطلاق في إصلاح هذا المجتمع؟ هل تصيبك الغيرة ويقلقك ضميرك، وهل تتقلب على فراشك وأنت تفكر في حال خمسة أو ستة من جيرانك الذين وقعوا في أسر كثير من الأمراض، والشهوات الخبيثة، والعادات الضارة؟ هل تنزعج حينما تدخل سوقاً من الأسواق وترى حجم التبرج فيه؟ وهل تنزعج حينما ترى الاختلاط في مجال من المجالات؟ هل تنزعج وتجد الأسى يعصر قلبك إذا مررت ببنك ربوي، وتقول: متى يكون هذا البنك على منهاج الله ومنهاج رسوله ﷺ ؟ هل وجد هذا التهيؤ النفسي؟ البداية النفسية قبل البداية الحسية، تهيؤنا لأن نبدأ، وتهيؤ النفس للإصلاح هو أمر مهم جداً من أجل أن يشارك كل واحد منا، ولكي يستلم كل واحد منا دوره، في أن يقدم ولو لبنة واحدة في إصلاح المجتمع والتغيير نحو الأفضل.
إننا نجد شباباً قد شدوا المآزر، وتعاهدوا بالله، وتعاونوا على مرضاة الله في الدعوة إلى الله جل وعلا، تجد عددهم سبعة ثمانية، هم لم يعرفوا عالماً معرفة وثيقة حتى يزوروه ويزورهم، يحضرون مثل هذه المحاضرات، يسمعون الأشرطة، يسمعون خطب الجمعة في بعض الجوامع، فتجد الثمرة الطبيعية في القلوب الحية، وفي العقول الوثابة المتطلعة إلى أن تضع نفسها في موقعها المناسب لإصلاح مجتمعها، ترى الثمرة الطبيعية من هؤلاء الشباب أن يقولوا: ماذا نعمل؟ وكيف نعمل؟ تجد بعضهم يركز على مجموعة من محلات الفيديو لكي يدعو أصحابها ويتخصص فيهم، وبعضهم يركز على عدد من الشباب الذين في سجون المخدرات أو في مستشفيات الأمل، لكي يحاول أن يدعوهم إلى الله، ويتوبوا إلى الله، ويربط معهم علاقة، ويكون معهم رعاية لاحقة بعد خروجهم من هذه السجون، ومن ثم يفيد ويستفيد بإذن الله جل وعلا.
أقول: ونِعْمَ هذه الجهود الطيبة التي نراها من شبابنا وإخواننا، فهل كل الإخوان الحضور الآن، وهل جميع شباب الصحوة في أنحاء هذه البلاد الطيبة على مستوىً من الاستعداد للإصلاح؟ أم أن همنا أن نتناقل الأخبار: سمعت ماذا قال فلان؟ لا والله ما سمعت، قال: كذا وكذا وكذا، الله يجزيه الخير خطبة ممتازة، خطبة حماسية ورائعة، ما رأيك أن نتغدى اليوم سوياً، في أي مطعم؟ الله أكبر! بعد التكبير والحماس، والخطابة والمواضيع، نفكر بالغداء مباشرة، لا يفكر واحد بعد الخطبة أن يقول ماذا أقدم؟ هل بين يدي أمر أستطيع أن أبدأ به؟ هل عندي مجال أستطيع أن أستغله؟ لا.
مجرد أن نردد العبارات والكلمات، ثم بعد ذلك تجد الواحد يعود إلى ديدنه وطبيعته ونمط حياته الرتيب الذي لا يقدم فيه للمجتمع خيراً.
стр. 844
البداية الحسية
أخي الكريم: إن الالتزام والدعوة إلى الله جل وعلا، لا تقف عند إطلاق لحيتك وتقصير ثوبك، أو حرصك على الصلاة فقط، نعم هذه بوادر بناءة وإيجابية وواجبات شرعية، ولو خالفتها لكنت وشيك الإثم، لكن يا أخي الكريم! ماذا قدمت؟ ماذا أصلحت؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه.
أيها الإخوة! أقول لكم: إن البداية طالما أننا لا نجد تخطيطاً للدعوة إلى الله، ولا نجد جهازاً مركزياً يخطط للدعوة على مستوى المجالات وفي شتى الميادين، وعلى مختلف الشرائح والمستويات الموجودة في المجتمع، أقول: واجبنا نحن أن نبدأ العمل، والبداية تتلخص في الآتي، وليست بجديدة على أسماعكم، لكني رأيت فائدتها، ولمست ثمراتها، ورأينا خيراتها تتدفق بإذن الله جل وعلا، فكان لزاماً عليّ أن أبلغ إخواني، و (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
стр. 845
التخطيط
أخي الكريم: إن الدعوة إلى الله جل وعلا، والبداية في إصلاح المجتمع لا تنتظر أمراً يأتيك بها، قد أمرك الله وحثك رسوله ﷺ ، ولكن البداية فيك أنت.
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
وتحسب أنك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
أنت أخي المسلم! إما نعمة وإما نقمة، أنت طامة أو نعمة عظيمة، ومتى يكون الإنسان طامة أو نقمة؟ حينما يتخلى عن هذا الدين، ويسلك سبيل المبطلين، ويتبع المنحرفين، ويكون شوكة في حلوق الدعاة والمخلصين، حينئذ يكون طامة.
ويكون نعمة عظيمة حينما يقوم بدوره، ويؤدي ما له وما عليه.
البداية جربناها، ولعل الإخوة جربوها؛ إمام المسجد مع الشباب الصالحين الموجودين في الحي، مثلاً لو قلنا: إن مدينة الطائف مساحتها عشرة كيلو مترات، بجهاتها الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية، لو قسمت مدينة الطائف إلى أربعة مربعات أو أربعة أحياء مثلاً، وكل حي من الأحياء فيه أربع مخططات سكنية، في كل مخطط سكني جامع ومسجدان.
следующие страницы →