← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

عامل الزمن عامل الزمن أيضاً أمر ضروري، كما قلنا الصبر سنة من عمل بها وجد النتيجة، فالصبر قرين لعامل الزمن، ففي هذه السنة مثلاً تجد نصف الحي يصلي في البيت، والنصف الآخر يصلي في المسجد، لا تظن أنه بمحاضرة أو بمحاضرتين، أو بإعطاء كل بيت شريطاً، أو بإهداء كل أسرة كتاباً، أن أولئك من ثاني يوم سوف يأتون يبكون في المساجد ويملئونها، لا. عامل الزمن أمر ضروري جداً، بل هو من سنن التغيير، بل من سنن خلق السماوات والأرض، الله جل وعلا قادر على أن يخلق السماوات والأرض في أقل من طرفة عين وانتباهتها، ولكن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق:٣٨] فاصبر حتى تجد النتيجة، واجعل أمامك عامل الزمن، كيف استطاع أعداء الإسلام والذين يخالفون معتقد هذا المجتمع، والذين يتمنون ويتربصون بأهله الدوائر، أن يغيروا هذا المجتمع، وأن ينشروا فيه الضلالات والفساد؟ يا أخي! هذا لم يأت بين يوم وليلة، إنما أتى بجهود طويلة جداً جداً، ليست سنة ولا عشر سنوات ولا خمس عشرة سنة؛ بل أكثر من ذلك. إذاً: أيها الأحبة! لابد أن نضع بحسباننا عامل الصبر والزمن حتى نصلح الناس، بعض الشباب تجده حينما يدعو إنساناً يظن أنه سوف يصيح ويبكي، وسوف يحطم أشرطته الآن، وسوف يتلف الصور التي لديه، وسوف يحرق مجلاته، وسوف يأتيك بجميع ما لديه من أول كلمة!! لا. ولا أقول هذا الكلام لنظن أن التوبة يمكن أن تتحقق مع وجود المعاصي وأسبابها، لا. إنما أقول: حتى تصل إلى هداية هذا الشاب، والبلوغ به إلى درجة التوبة، لا بد أن تعاود عليه، وأن تحاول معه، وأن تردد المشوار مرات ومرات، حتى لا تدع في قلبه شاردة ولا واردة، ولا شاذة ولا فاذة إلا وقد استأصلتها من فؤاده، فلا يتعلق بها.

стр. 842

أهمية توحيد الجهود من أجل الدعوة والإصلاح أيها الإخوة: الملاحظ أن جهودنا في الدعوة إلى الله مبعثرة، وليست على المستوى المطلوب، وإن كانت تتجه نحو الأحسن يوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، وليس لفقير صغير مثلي أن يُقَيِّم الدعوة وجهود الدعاة، ولكن هذا أمرٌ ملحوظ، فلو سألنا أنفسنا: هل واقع الدعوة من حيث الشمول والاتصال بجميع أفراد المجتمع متحقق؟ هل الدعوة الآن خاطبت شريحة الأطفال؟ وهل خاطبت الشباب بجميع مستوياتهم؛ المثقفين، والمنحرفين، والبين بين؟ هل خاطبت الدعوة الشيوخ وكبار السن؟ هل خاطبت العجائز؟ هل خاطبت المراهقات من البنات؟ هل خاطبت المتزوجات؟ هل خاطبت جميع أفراد المجتمع؟ كذلك: هل مواضيعنا في الدعوة شاملة لكل شيء، أم أننا نريد أو يراد لنا ألا نتكلم إلا في مواضيع محددة؟ فمثلاً: ليس من العقل أن نشغل الناس منذ عشر سنوات إلى يومنا هذا بالصلاة مع الجماعة، وبتحريم الأغاني، وبتحريم حلق اللحى، وبتحريم كذا وكذا، ليس عندنا إلا هذا، بل من واجبنا كما نحدث الناس عن تحريم هذه المعاصي، أن نحدثهم عن النظام الاقتصادي في الإسلام، وكما نحدث الناس عن خطر الملاهي والمعازف وحرمتها والاتجار بها، علينا أن نحدث الناس كيف لو تولى الإسلام أجهزة الإعلام، ماذا سيقدم للمجتمع؟ إذا كان الإسلام والدعوة إلى الإسلام، وأساليب الدعوة إلى هذا لدين رغم محدوديتها وبساطتها، وبدائية أساليبها أثرت في الناس إلى هذه الدرجة، فما بالك لو تسخرت وسائل الإعلام جميعاً، أو خصصت الساعات الطوال لأجل هذا، هل عندنا الشمول في طرح المواضيع؟ كما نطرح هذه الجزئيات نطرح الكليات، وكما نطرح صغار المسائل نطرح كبارها. خذ أخي الكريم! صورة من صور بعثرة الجهود، الخطباء في أنحاء المملكة كم عددهم؟ يوجد في المملكة إن لم تَخُنِّي الذاكرة قرابة ستة عشر ألف جامع، معدل أو متوسط المصلين في كل جامع كذا، النتيجة أن هناك ثلاثة أو أربعة ملايين رجلاً وشاباً وامرأة، كلهم يطرقون لمدة ساعة كاملة على اختلاف التوقيت في أنحاء المملكة لكي يسمعوا خطبة الجمعة، ولكن انظر مع سخونة الأحداث تجد التباين في طرح المواضيع، فمنا مثلاً من يتكلم عن مؤتمر مدريد، وآخر عن مسح الخفين، وآخر في حرب الخليج، وآخر يتكلم على الخوف من صواريخ اسكود، وآخر يتكلم عن أهمية النظافة، وآخر يتكلم عن أسبوع الصحة والتطعيم، وهلم جرا. يا أخي الكريم! هذا من إهدار وتضييع وسائل الدعوة، وعدم استغلالها، عدم وجود استراتيجية وخطة طويلة المدى تشرف عليها الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، لكي تربي هؤلاء الناس، لكي تتابع ما يجد في المجتمع وما يظهر فيه من مصائب. حتى الأجهزة الأمنية يمكن أن يستفيد منها خطباء الجمع، كنت ذات مرة أسأل رجلاً من كبار مسئولي الأمن، فقلت له: لماذا لا تزودون خطباء الجوامع على الأقل في الشهر مرة واحدة بأخطر جريمة حصلت في المجتمع، ولك علينا العهد والميثاق ألا نقول اسم المجرم، ولا مكان الجريمة، ولا مدينة الجريمة، إنما سنذكر هذه الجريمة لكي نحذر من الشر الذي تدور حوله، قال: هذا أمر يحتاج إلى نظر، أو يمكن أن نبحث في هذا. هنا تضييع وإهدار للوسائل، وعدم استغلال أمثل لهذه الجوانب، ولو رَتَّبَتْ مثل هذه الأجهزة مع مراكز الدعوة أو الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية، أو دعت الخطباء وطلبت منهم على الأقل أن يعرضوا ما عندهم، والخطباء لن يترددوا أن يستفيدوا. خذ مثالاً آخر: المخدرات الآن، المخدرات لا يكاد يمر أسبوع وبدون مبالغة في كل مدينة يموت شاب من جراء حقن الهروين وغيرها، و السؤال هل أخذ التحذير من هذه السموم الخطيرة والضارة حيزه المناسب من جهودنا، ومن صيحاتنا وصرخاتنا؟ وهل هذا المرض الفتاك والداء العضال قد أخذ حيزه المناسب من أجهزة الإعلام مثلاً؟ المسلسلة اليومية، ما ظنك لو أن نصف برنامجها يصرف في بيان أخطار المخدرات، وآثارها، وكيفية الحذر من الوقوع فيها وبداياتها، أو التنبيه على أساليب المروجين والمفسدين الذين يوقعون الجهلاء والمخدوعين في شراكها وشباكها، هل هذا موجود؟ لا. غير موجود. إذاً نحن على المستوى العام والخاص لم نستغل ولم نستفد ولم نفد على الوجه الذي ينبغي، خذ مثالاً على ذلك: أهمية هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل أعطيت هذه الهيئات حجمها؟ ما ظنكم لو أن عشر دقائق من التلفاز يومياً أو من الإذاعة أبرزت بدون أسماء، وبدون أحياء، وبدون أسماء مدن كلاماً عاماً عن حجم الجرائم التي يضبطها رجال الهيئة بالجرم المشهود، فلو فُعل لأدرك الناس أهميه هذا الجهاز، ولتمسكوا به، ولعضوا عليه بالنواجذ، ولشعروا أنهم لا يمكن أن يستغنوا عن مثل هذا الجهاز، بل لرأيت الحاجة إلى تطوير هذا الجهاز وتطوير أساليبه قائمة. أيها الإخوة: ما مضى هو استطراد لكي تشعروا حجم الحاجة إلى الإصلاح، ولكي تشعروا بحجم الوسائل التي بين أيدينا وهي مهدرة لم تستغل ولم تستثمر، ولكي تشعروا وتدركوا حجم الخطر الذي يجر أبناء المجتمع إلى الهاوية، ولكن السؤال البداية كيف ومتى وأين؟

стр. 843

البداية النفسية البداية قبل أن أتكلم في وسائلها وأساليبها، سأسألكم أنتم أيها الحضور: هل تهيأت نفوسكم للبداية والانطلاق في إصلاح هذا المجتمع؟ هل تصيبك الغيرة ويقلقك ضميرك، وهل تتقلب على فراشك وأنت تفكر في حال خمسة أو ستة من جيرانك الذين وقعوا في أسر كثير من الأمراض، والشهوات الخبيثة، والعادات الضارة؟ هل تنزعج حينما تدخل سوقاً من الأسواق وترى حجم التبرج فيه؟ وهل تنزعج حينما ترى الاختلاط في مجال من المجالات؟ هل تنزعج وتجد الأسى يعصر قلبك إذا مررت ببنك ربوي، وتقول: متى يكون هذا البنك على منهاج الله ومنهاج رسوله ﷺ ؟ هل وجد هذا التهيؤ النفسي؟ البداية النفسية قبل البداية الحسية، تهيؤنا لأن نبدأ، وتهيؤ النفس للإصلاح هو أمر مهم جداً من أجل أن يشارك كل واحد منا، ولكي يستلم كل واحد منا دوره، في أن يقدم ولو لبنة واحدة في إصلاح المجتمع والتغيير نحو الأفضل. إننا نجد شباباً قد شدوا المآزر، وتعاهدوا بالله، وتعاونوا على مرضاة الله في الدعوة إلى الله جل وعلا، تجد عددهم سبعة ثمانية، هم لم يعرفوا عالماً معرفة وثيقة حتى يزوروه ويزورهم، يحضرون مثل هذه المحاضرات، يسمعون الأشرطة، يسمعون خطب الجمعة في بعض الجوامع، فتجد الثمرة الطبيعية في القلوب الحية، وفي العقول الوثابة المتطلعة إلى أن تضع نفسها في موقعها المناسب لإصلاح مجتمعها، ترى الثمرة الطبيعية من هؤلاء الشباب أن يقولوا: ماذا نعمل؟ وكيف نعمل؟ تجد بعضهم يركز على مجموعة من محلات الفيديو لكي يدعو أصحابها ويتخصص فيهم، وبعضهم يركز على عدد من الشباب الذين في سجون المخدرات أو في مستشفيات الأمل، لكي يحاول أن يدعوهم إلى الله، ويتوبوا إلى الله، ويربط معهم علاقة، ويكون معهم رعاية لاحقة بعد خروجهم من هذه السجون، ومن ثم يفيد ويستفيد بإذن الله جل وعلا. أقول: ونِعْمَ هذه الجهود الطيبة التي نراها من شبابنا وإخواننا، فهل كل الإخوان الحضور الآن، وهل جميع شباب الصحوة في أنحاء هذه البلاد الطيبة على مستوىً من الاستعداد للإصلاح؟ أم أن همنا أن نتناقل الأخبار: سمعت ماذا قال فلان؟ لا والله ما سمعت، قال: كذا وكذا وكذا، الله يجزيه الخير خطبة ممتازة، خطبة حماسية ورائعة، ما رأيك أن نتغدى اليوم سوياً، في أي مطعم؟ الله أكبر! بعد التكبير والحماس، والخطابة والمواضيع، نفكر بالغداء مباشرة، لا يفكر واحد بعد الخطبة أن يقول ماذا أقدم؟ هل بين يدي أمر أستطيع أن أبدأ به؟ هل عندي مجال أستطيع أن أستغله؟ لا. مجرد أن نردد العبارات والكلمات، ثم بعد ذلك تجد الواحد يعود إلى ديدنه وطبيعته ونمط حياته الرتيب الذي لا يقدم فيه للمجتمع خيراً.

стр. 844

البداية الحسية أخي الكريم: إن الالتزام والدعوة إلى الله جل وعلا، لا تقف عند إطلاق لحيتك وتقصير ثوبك، أو حرصك على الصلاة فقط، نعم هذه بوادر بناءة وإيجابية وواجبات شرعية، ولو خالفتها لكنت وشيك الإثم، لكن يا أخي الكريم! ماذا قدمت؟ ماذا أصلحت؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه. أيها الإخوة! أقول لكم: إن البداية طالما أننا لا نجد تخطيطاً للدعوة إلى الله، ولا نجد جهازاً مركزياً يخطط للدعوة على مستوى المجالات وفي شتى الميادين، وعلى مختلف الشرائح والمستويات الموجودة في المجتمع، أقول: واجبنا نحن أن نبدأ العمل، والبداية تتلخص في الآتي، وليست بجديدة على أسماعكم، لكني رأيت فائدتها، ولمست ثمراتها، ورأينا خيراتها تتدفق بإذن الله جل وعلا، فكان لزاماً عليّ أن أبلغ إخواني، و (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

стр. 845

التخطيط أخي الكريم: إن الدعوة إلى الله جل وعلا، والبداية في إصلاح المجتمع لا تنتظر أمراً يأتيك بها، قد أمرك الله وحثك رسوله ﷺ ، ولكن البداية فيك أنت. دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر وتحسب أنك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر أنت أخي المسلم! إما نعمة وإما نقمة، أنت طامة أو نعمة عظيمة، ومتى يكون الإنسان طامة أو نقمة؟ حينما يتخلى عن هذا الدين، ويسلك سبيل المبطلين، ويتبع المنحرفين، ويكون شوكة في حلوق الدعاة والمخلصين، حينئذ يكون طامة. ويكون نعمة عظيمة حينما يقوم بدوره، ويؤدي ما له وما عليه. البداية جربناها، ولعل الإخوة جربوها؛ إمام المسجد مع الشباب الصالحين الموجودين في الحي، مثلاً لو قلنا: إن مدينة الطائف مساحتها عشرة كيلو مترات، بجهاتها الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية، لو قسمت مدينة الطائف إلى أربعة مربعات أو أربعة أحياء مثلاً، وكل حي من الأحياء فيه أربع مخططات سكنية، في كل مخطط سكني جامع ومسجدان.

стр. 846

طرد الشك والخوف يا أخي الكريم! الجامع والمسجدان اللذان حوله لو اجتمع الشباب الطيبون الذين في هذه المساجد في بيت أحدهم، وقالوا: نحن في المخطط رقم واحد في الجهة الشمالية من الطائف، كيف نستطيع أن نشارك في بناء المجتمع؟ أولاً: ينبغي أن نشارك بإزالة الأوهام والخوف من نفوسنا، بمعنى أننا إذا اجتمع أئمة المساجد الذين في هذا المخطط في ربع هذا الحي، ينبغي أن يشعروا أننا نمارس عملاً حلالاً مباحاً كما يشربون الماء، فأنت لا تمارس عملاً محرماً، لا تروج مخدرات، ولا تتاجر بأفلام فيديو خليعة، ولا تدعو الناس إلى منكر، ولا تخالف سياسة الدولة، إنما تقوم بعمل إيجابي. أيها الإخوة: مصيبتنا في بعض الشباب حينما تقول له: خذ هذه عشرة أشرطة، أعطها أقاربك وجماعتك الذين سيزورونك هذا المساء، يقول: لا، توزيع الأشرطة ممنوع، مسكين، جبان! يا أخي الكريم! الشريط هذا من أين جئت به؟ هل هربته؟ هل أخفيته عن الجمارك؟ هل أتيت به وراء خفر السواحل؟ هل لعبت على حرس الحدود وأدخلته؟ أم أنه شريط من تسجيلات إسلامية مصرح بافتتاحها من الإدارات المسئولة في بلدك؟ وحينما أقول لك: خذ خمسين كتاباً وزعها على أقاربك في هذا الزواج، تقول: لا، هذا ممنوع، لماذا؟ وهل هذا الكتاب طبع من دار بنجوين في لندن، هذا الكتاب مطبوع في دار الوطن أو دار الصميعي للنشر والتوزيع، أي أن هذا الكتاب قد قرئ في الإفتاء، وقرئ في وزارة الإعلام، وقرئ في مجالات كثيرة، وخضع للمراقبة، إذاً ما الذي يخيفك حتى توزعه؟ أريدك يا أخي أن تزيل عنك وسوسة الشيطان، قال الله جل وعلا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]. كثير من أهل الخير، وكثير ممن في نفوسهم الخير، حتى وإن كان عليه بعض مظاهر التقصير ففيه خير كثير، ولكنه يخاف، ولا يوجد شيء حقيقي يخاف منه، لكن يوجد الوهم الذي يجعله بهذه الحال، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد قلتها في شريط (من هنا نبدأ) قال لي أحد الشباب ذات مرة: أنا يراقبني أربعة، ما شاء الله أربعة يراقبونك، والأخ من الألوية الحمراء، أو من رجال المافيا؟ من أنت يا مسكين؟! بعض الناس بمجرد أنه يصلي الفجر، ويقصر ثوبه، ويشتري أشرطة إسلامية، يظن أن الناس قد أشارت إليه بالبنان، وقد لاحظته بالعيان، وأصبح شخصاً مشكوكاً فيه ومطارداً. يا أخي الكريم! أنا أخبرك أن هذه الأوهام جاءت نتيجة قراءة لأوضاع بعض الدول المجاورة، نعم يوجد أن بعض الدول عندهم سماع الشريط جريمة، توزيع الشريط سجن مؤبد، نشر كتاب أعمال شاقة وهلم جراً، لكن يا أخي! إياك أن تنقل حقيقة جيرانك إلى أوهام عقلك، فتبقى مقيداً مكبلاً لا تستطيع أن تغير في مجتمعك تغييراً نحو الإصلاح ولو خطوة واحدة، وأهل الشر يفسدون في مجتمعك بالدقيقة واللحظة والثانية.

стр. 847

توحيد الجهود والبداية بالبيئة المحيطة أول شيء نريد أن تعرفه: أنك أنت الأصل، الخير هو الأصل، والدعوة إلى الله هي الأصل، والإسلام هو الأصل، والإيمان هو الأصل، والغيرة هي الأصل، والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما الأصل، وما جاءنا من سموم وسهام التغريب والعلمنة وإفساد المجتمع هو الطارئ والغريب والدخيل، أصلح هذا الأمر في عقلك، وأصلح هذا الأمر في نفسيتك، وحينئذ ستقتنع أنك قادر على أن تغير في مجتمعك، سيما إذا عرفت الجوانب الإيجابية في المجتمع، وأدركت أنك تعمل في مجتمعٍ الخير فيه كثير. أقول أيها الإخوة: ليجتمع إمام المسجد، والشباب الأبرار، والرجال الأخيار في هذا المسجد، الغيورون على صلاح الحي وأهله مع أئمة المساجد المجاورة في بيت واحد، ويقولون: نريد أن نصلح المجتمع كله، ابتداءً من حارة عمار في الحدود وانتهاءً بحدود اليمن، لا. هذا إصلاح خيالي، نريد أن نصلح المجتمع، أي: المجتمع الذي بين أيدينا، المخطط المجاور لنا، المربع الذي نسكن ونعيش فيه. كل مجموعة من الشباب إذا قالت هذا الكلام، فستجد أن الإصلاح عم كل المناطق، كل من كان في حي أو في مربع أو في مخطط سيصلح مربعه ومخططه الذي يسكن فيه، ومن ثم ترى الإصلاح في جميع أنحاء بلادك، وهذا خير عظيم تؤجر وتثاب عليه دنيا وأخرى. نبدأ بأن نتآزر وأن نتعاهد على أن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الله، ثم إن هذا العمل ليس سرياً، أهلاً وسهلاً بمن أراد أن يشارك في هذا العمل وحياه الله، رجل أمن، مدير الشرطة، رئيس القسم، مدرس، مهندس، طبيب، أياً كان ليشارك معك في هذا الإصلاح؛ لأنك حينما تصلح المجتمع لا تصلح المجتمع بأساليب سرية، ولا تصلح المجتمع بوسائل سرية، وإنما تصلح المجتمع بما يباع في المجتمع، وتصلح المجتمع بما هو موجود في المجتمع، وعندك من المجالات والثغرات التي تحتاج إلى سنين لإصلاحها، لا أقول هذا تثبيطاً، لكن تذكيراً بالصبر وعامل الزمن. إذا اجتمعنا وتعاهدنا بالله على أن نصلح مجتمعنا، فنبدأ بتحديد جيران الحي الذي نحن فيه، مثلاً هذا المخطط الذي نسكن فيه، فلنفرض أن فيه مائتي بيت، ونحن ثلاثة أئمة أو اثنان من الأئمة، معنا عشرة أو خمسة عشر من الشباب الملتزم، أو حتى من الغيورين ولو كان فيهم بعض مظاهر المعصية، أو المخالفات الشرعية؛ لأن معصيته لا تدل على أنه لا يغار على المجتمع ولا يرغب في الإصلاح، ثم نوزع على كل بيت شريطا أسبوعياً تجعل الشريط في ظرف، وتطرق الباب: حياك الله يا جارنا الحبيب! هذا من إخوانك في جماعة المسجد تفضل، هذه رسالة من جماعة المسجد تحوي شريطاً، ولو سألك: من أين الشريط؟ قل: الشريط مكتوب عليه اسمه، واسم التسجيلات التي تبيعه، واسم المحاضر الذي ألقاه، ونحن مسئولون عنه، حتى تشعر أنك تقوم بعمل، مثلما يقدم لك قارئ العدادات الفاتورة، هل يتلفت قارئ العدادات حينما يريد أن يقرأ القراءة من عداد الكهرباء، يلتفت هكذا وهكذا ويسقط الفاتورة ويذهب، لا، إنما يطرق الباب، ثم ينظر ويسجل القراءة ويعطيك الفاتورة. أقول: يا أخي! بنفس الثقة وبنفس القناعة والطمأنينة لابد أن تقدم لكل بيت مادة نافعة، تقدم في الأسبوع الأول شريطاً، الأسبوع الثاني كتاباً، الأسبوع الثالث شريطاً ونصيحة مطبوعة في ورقة، الأسبوع الرابع كتاباً ونصيحة مطبوعة في ورقة، وحتى لا يقول لك أحد: من أين أتيت بهذه المطبوعات؟ خذ من الرسائل الصغيرة التي هي للشيخ ابن باز أو ابن عثيمين أو ابن جبرين أو الشيخ البراك أو أحد الدعاة المعروفين وقدم ما عندك. يا أخي الكريم! ثق تمام الثقة أن هذا الضخ والإعلام وتزويد الجيران أسبوعياً بقضايا تستجد في الواقع، وأحداث مهمة، سوف يجعل هناك وعياً، وإذا وجد الوعي في البيوت والأسر وجد الوعي في المجتمع. يا أخي الحبيب! الناس سوف تترك المنكر تلقائياً، وهذا لا يعطل وظيفة الحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن سؤال مجتمع من المجتمعات أو حي من الأحياء، بجواره محل تسجيلات أغانٍ ومحل تسجيلات الفيديو الخليعة، وما الذي يحصل فيه، جيران الحي، أو الدعاة، أو جماعة المسجد، أو شبيبة المسجد مع الأئمة قاموا بهذا النشاط، وأصبحوا أسبوعياً يوزعون كتاباً، رسالة، نصيحة، وأيضاً في كل شهر يدعون فقط أهل الحي لندوة خاصة بهم، ليست ندوة عامة يحضرها الجميع، لا، ندوة لأهل الحي، ترتب مع مكتب الدعوة لإقامة ندوة للحي يحضرها أهل الحي، ليس من شرطها أن تكون محاضرة يحضرها آلاف، وإنما ندوة يحضرها مائتان، مائتان وخمسون، ثلاثمائة، مائة وثمانون من جيران الحي، ويكون فيها أحاديث ودية، ونقاش وحوار، وماذا بعد ذلك؟ مثلها مخصصة للنساء. هل تظن أن صاحب محل الفيديو الذي يبيع الأفلام الخليعة، وصاحب التسجيلات الخليعة الذي يبيع الأغاني هذه سيجد أحدهم زبائن يشترون منه؟ لا والله؛ لأن الحي هو سوقه ومكان الاتجار فيه، والمستهلكون والزبائن قد ارتفع مستوى الوعي عندهم فعرفوا أن هذا محل فيديو، بل هو وكر من أوكار الشيطان، وهذا محل أغانٍ، بل هو حانوت من حوانيت الفساد، فلما ارتفعت نسبة الوعي قاطعه الناس، فاقتنع وربما أغلق محله.

стр. 848

الاستفادة من الطاقات المعطلة زيادة على توزيع الشريط والكتيب والنصيحة أسبوعياً، والدعوة الشهرية للندوة لأهل الحي شهراً للرجال وشهراً للنساء، أن الشباب الطيب في الحي لا تتركهم هكذا عطلاً، لا تجعلهم هكذا هملاً، أعطهم أدواراً، عندك في الحي مثلاً عشرون شاباً ملتزماً، فتقول: تعالوا أيها الإخوة! أنتم خمسة تزورون محل الفيديو يوم السبت، تبتسمون إليه، واحد يعطيه هدية، وواحد يكرمه، وآخر يدعوه إلى البيت، قد لا يقبل منكم أول يوم، ويمكن أن يأخذ الهدية ويقول: اخرجوا إلى الخارج، مثل المطاعم التي تجعل المرق مجاناً، يشربون المرق ويخرجون لا يشترون. فأقول: قد يقبل منك الهدية ولا يقبل منك النصيحة، ولكن ليس هناك مانع فإنما هي هدية ذهبت يأتي الله بغيرها، أرسل إليه الخمسة الآخرين غداً أو بعد غد بنفس الهدية والابتسامة والنصيحة، ادعه إلى البيت قد يقبل أو لا يقبل، بعد ثلاثة أيام أيضاً زيارة. أيها الإخوة! عندنا في الحي الذي نسكن فيه افتتح شاب محل فيديو كله أفلام لا تليق، ووالله لو نعرف أن هذه الأفلام تخرج لنا طيارين، أو رجال أمن، أو مهندسين أو أطباء، أو دعاة أو علماء، لساهمنا مجاناً من جيوبنا في هذه المحلات، لكن ماذا تقدم هذه المحلات؟ تقدم الشر والمنكر، وتجعل الناس يتخدرون ويموتون ويقنعون، والواحد لا هم له منذ أن يشتري الشريط إلا أن ينتظر متى تنكشف فخذ، أو تبدو عورة، أو تظهر قبلة، أو يرى مشهداً خبيثاً، فقط لا غير، بل إن بضعهم من كثرة الملل من سيناريو وحوار المادة الإعلامية الموجودة في الشريط، مجرد أن يضع الشريط يجعله يلف سريعاً، حتى يجد المشاهد الحساسة التي تثيره، ويجلس متخدراً تحت جذوة هذه الغريزة التي لا تزيده إلا هواناً وانحساراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وماذا بعد ذلك؟ هذه تخدر المجتمعات، هذه أفيون المجتمع، هذه هي مخدرات الواقع، التي تجعل الناس يقبلون الفساد والمنكر والضلال، ولا تتحرك عندهم غيره، ولا تنمو فيهم نخوة أبداً. أقول: أيها الإخوة! توزيع الأدوار على هؤلاء الشباب سيجعل من الشاب العاطل جذوة ملتهبة، سيجعل من الشاب الذي تظنه لا يصلح أن يسرح بعنز واحدة، يقود فريقاً من الشباب إلى الدعوة إلى الله جل وعلا، الإنسان الذي لا ترى فيه إلا علامات السكون والخمول، والضعف والدعة، ستجد فيه المواهب المتطلعة، والقدرات العالية التي توظف وتسخر بإذن الله جل وعلا لإصلاح المجتمع. أيها الإخوة! من آثار هذا البرنامج لما طبق، أن عدداً من البقالات الآن لا تبيع الدخان، قد يقول قائل: والله مسكين المطوع هذا، يظن أن إصلاح المجتمع بترك الدخان، لا يا أخي! نحن نريد أن نعالج إخواننا الذين يقعون في مثل هذه المصائب بمساهمة من المساهمات، وهو أن نقطع على الواحد منهم سهولة تناول المادة التي يدخنها، فإذا دخل في بقالة في اثنتين في ثلاث على مستوى محلات كبيرة -ما يسمونها سوبر ماركت- يبحث فيها فلا يجد أحداً يبيع دخاناً، وهذه نعمة عظيمة من الله. فأقول لك: محل الفيديو الذي عندنا في الحي دخلت عليه، وإذ بالشباب قبلي قد دكوا أرضيته بالرصاص، فلما دخلت عليه: كيف حالك يا أخي؟ (عساك طيب) يستغرب: ما الذي أتى بهذا الشيخ؟ يشتري مباراة أو فلم كرتون، ماذا يريد؟ فقلت له: أسأل الله جل وعلا أن يبدلك بتجارة حلال أبرك من هذه التجارة المحرمة. قال: آمين نسأل الله أن يستجيب وأن يسمع منك. قلت له: يا أخي الكريم! والله إني أخاف عليك وأحبك، وأنا أعرف أن الشباب جزاهم الله خيراً قد مهدوا الطريق، يا أخي الحبيب: ألا يسوؤك أن من زنى عليك مثل وزره، وأن من فعل الشذوذ، عليك مثل إثمه؟ ألا يكفي أن يتحمل الإنسان ذنوب نفسه بدلاً من أن يتحمل ذنوب الآخرين زيادة؟ يا أخي! ألا يسوؤك أن من مر من أهل الخير إما تعوذ بالله من هذا المحل وصاحبه، أو دعا على صاحبه؟ قال: يا أخي! الله يجزيك الخير، أين أنت؟ أنا منذ أن فتحت هذا المحل والنوم الطبيعي لا أعرفه. بدأ الإنسان يخرج الحقائق، قد يكون صاحب المحل أو صاحب الملاهي وآلات الطرب مكابراً في البداية، تقول له: يا أخي! اللهو قسوة للقلب، يقول: تكذب يا شيخ، بالعكس الواحد ينبسط إذا عزف، وينسجم إذا سمع الوتر والنغم، هو يقول هذا بلسانه، لكنه بقلبه يعرف هذا الشيء: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] في نفسه اليقين بصدق ما تقول، وفي لسانه الجحود بضد ما تقول، وما هي إلا لحظات وكلمات، إذا بك تجد الشاب يستقيم. آخر أجريت معه نفس المحاولة، فما الذي حصل منه؟ قال: على يديك، أنا مستعد أن أتنازل عن أكثر من مائة وعشرين ألف ريال في المحل، ولكن خلصني وأعني على الخروج من المأزق وهذه الدائرة، وبالمناسبة من خلال زيارات ولقاءات مع أصحاب محلات الفيديو النتائج الآتية ظهرت: أولاً: كثير من أصحاب محلات الفيديو لا زال فيهم خير يمكن أن يستثمر. ثانياً: أغروا إغراءً بالربح المادي، وليس في محلات الفيديو وبيع الأشرطة الفاسدة والمتاجرة بها إلا الهم والغم، والإثم والحرام والخسارة، وهم حقيقة مثل الذي يشرب من ماء البحر وهو عطشان، يشرب لكنه يزداد عطشاً، الماء كثير والعطش يزداد، ولما ناقشنا عدداً منهم، قال أحدهم: والله يا أخي! إنني أجد الغلة يومياً كثيرة، لكن تأتي الشركة الدولية للفيديو فنعطيها، مركز كذا للفيديو فنعطيه، والمركز الفلاني فنعطيه، المؤسسة الإعلامية فنعطيها، والموظفين؛ هذا الموظف نحن نصرف راتبه من عندنا، وهذا نعطيه صيانة أجهزة، إيجار محل، آلات تغليف، آلات طباعة، وما الذي يبقى؟ الجيد منهم يبقى معه ثلاثة آلاف ريال، ثم يتحرج أن يأكل بها، أو أن يلبس بها، أو يحج بها، أو يتصدق بها، أو يقدم بها مشروعاً خيرياً. إن هؤلاء حينما تكلم أحدهم بصراحة وتدعوه، وتقترب وتدنو منه، ليس بالضرورة في الأسبوع الأول ولا في الشهر الأول، قد يكون في السنة الثانية أو الثالثة، المهم استمر، ودورك شيء والحسبة شيء ثانٍ، دورك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظن أحد أن الدعوة هي الحسبة وأن الحسبة هي الدعوة، نعم. الحسبة تتضمن الدعوة، لكن شتان بين هذا وهذا، أنت تدعو بالكلمة، وتؤثر بالأسلوب الرقيق، وترَغِّب بالموعظة اللينة، وذاك يستخدم هذه الأساليب، وحينما يجد ما يستلزم إيقاع العقوبة، أو يرى شيئاً فيه ما يلزم من جرائه غرامة أو إغلاق، أو عقوبة يقدم صاحبها إلى المحاكمة، ولا تنافر بين هذا وهذا.

стр. 849

فتح مجالات جديدة أمام المدعوين الحاصل أيها الإخوة! هذه هي البداية، شباب الحي أيضاً يتعرفون على الشباب المقبل على الله جل وعلا، أو حتى على الشباب المنحرف، يعين مجموعة من الشباب الطيب يعرفون مجموعة من الشباب في الحي يلعبون الكرة بعد العصر يومياً، ما الذي يمنع بعد نهاية المباراة التي تخص هؤلاء الشباب الذين يلعبون في الحي أن يأتي أربعة أو خمسة يقولون: يا شباب ما رأيكم أن نستضيفكم؟ - على ماذا تضيفوننا؟ - والله كما تشاءون؛ تريدون بخاري أو مندي حياكم الله، تفضلوا عندنا. قد يرفضون، نستضيف اثنين أو ثلاثة منهم، أربعة أو خمسة أو ما يسر الله منهم، أعط شريطاً، كتاباً، موعظة، استدع أحداً من الإخوة تستضيفه ويلقي كلمة أو نصيحة أو موعظة فإنه سيؤثر على هؤلاء الشباب. لكن هؤلاء الشباب تعودوا المجالسة طيلة الوقت، العصر يلعب كرة، والمغرب مع الشلة، وبعد العشاء عند الفيديو، فحتى يستمر على الاستقامة والتوبة لا بد أن تفتح له المجال والبيئة التي يصلح بها، وتحافظ عليه فيها بعيداً عن أهل المنكر، ما الذي ينبغي أن تفعله؟ يلزمك يا أخي الحبيب! أن توجد في كل حي مكتبة، هذه المكتبة من شأنها أن يجتمع فيها الشباب بعد العصر، وفي يوم من الأسبوع يخرج شباب الحي لكي يلعبوا الكرة، قدماً أو طائرة، أي لعبة مناسبة للترويح وللسياحة، أو للأكل في أحد منتزهات المدينة، ويعودون وقد أدخلوا ضمن هذه الطلعة القصيرة شيئاً من القراءة أو الفائدة أو الموعظة المؤثرة ونحو ذلك. أيضاً: الشاب لو جلس المغرب وحده، فلان صاحبنا الأول، فلان صديقنا الأول، فلانة التي تعاكسه ربما ينتظرها على التلفون، إذا أنت لم تفتح له مجالاً يترك فيه فلاناً وفلانة لكي يأتي عندك، كما قلت: عندك المكتبة تكون مفتوحة، فتحتوي وتؤوي هذا الشاب. مثلاً: البيوت بعد المغرب: أنا أفتح بيتي يوم السبت، لو فتحت بيتي طيلة أيام الأسبوع، شغلت عن أهلي وذوي رحمي ومصالحي، لكن أقول يا إخوان! من أراد زيارتي فأنا أفتح بيتي يوم السبت فقط أو يوم السبت والثلاثاء فقط، وأنت -الأخ الفلاني أو إمام المسجد- تفتح بيتك يوم الأحد والأربعاء، وفلان يفتح بيته يوم الإثنين والخميس، ويوم الجمعة مثلاً فليكن يوماً مفتوحاً للجميع، المهم يا أخي! أن نجعل للشاب مكاناً يستطيع أن يرتاده، قد يقول البعض: لا، فليذهب إلى حلقة علم أو محاضرة، (يا سلام!) إذا كانت توجد محاضرة فهذا شيء جيد، لكن ليس كل المناطق فيها محاضرات يومية أو في الأسبوع مرتين أو ثلاثاً، لا. بعض المناطق يكون عندهم في الشهر أو الشهرين محاضرة واحدة فقط. ومن هنا تكون الحاجة ماسة إلى المكتبة الخيرية في المسجد أو في أكبر مسجد في الحي، وتكون الحاجة أيضاً ماسة إلى أن تُفتح أبواب الدعاة وأبواب الشباب الراغبين في الخير، حتى لو لم تكن على مستوى كبير في العلم، أياً كان مؤهلك؛ ثانوية المعهد، عندك قراءات، تحفظ من القرآن الكريم، عندك من المعلومات التي لخصتها من الأشرطة التي قرأتها، من الكتب النافعة، افتح بيتك وتحدث مع إخوانك فيما يصلح ذواتكم وأحوالكم وأنفسكم. حينئذ لن يجد الشاب الذي وضع قدماً في الطريق إلى الهداية حرجاً في قضاء وقته، حل المغرب أنا أعرف أين الجلسة اليوم هي عند الشيخ فلان، أو اللقاء اليوم عند الشيخ فلان، حياه الله والبيت مفتوح، وحيا الله من نعرفه ومن لا نعرفه، ليس عندنا حديث نخبئه، وليس في كلامنا أسرار، عندنا إصلاح مجتمعنا، كيف نصلح مجتمعنا وأنفسنا، نقرأ في سير الصحابة والتابعين، في سيرة النبي ﷺ ، في أحكام الآيات والأحاديث، هذا من خير ما نستطيع أن نقدمه.

стр. 850

نتائج متوقعة لهذه البداية إذا وجدت هذه البداية في جميع الأحياء في الطائف وفي الرياض وفي مكة وفي جدة، والله أيها الإخوان! بعد خمس سنوات سترى أن المجتمع بإذن الله جل وعلا يهجر دكاكين اللهو وأماكن الطرب والإفساد، وستجد الناس يقبلون على الاستقامة. كذلك نفس هذا البرنامج مطلوب من الأخوات مثله، حينما يوجد في الحي داعية ومدرسة، ما الذي يمنعها مع أخواتها وصويحباتها أن تطبق مثل هذا البرنامج بقدر ما يناسب المرأة وتخصصاتها. أيضاً: إذا وجدت هذه الفكرة في جميع الأحياء والقرى والمدن والمناطق، صار -ما شاء الله- كل المجتمع خَيّراً، ومجتمع الجزيرة أصله خير، حتى الحليق فيه خير، وحتى المدخن فيه خير، وحتى الذي يسمع الغناء فيه خير، لكن نقول: عنده خطأ بهذه المعصية، لا نقول: قد أصبح شراً محضاً، نقول: فيه خير وخير كثير، لكن عنده هذا الخطأ، وهذا الخطأ ربما كان يعيقه عن الغيرة في إصلاح مجتمعه، أو ربما كان سبباً في عدم إدراكه لأهمية إصلاح مجتمعه. فإذا صلح هذا المجتمع على هذا المستوى، ظهرت الأقلام التي تنتقد عرض المسلسل الفلاني في اليوم الفلاني، لست وحدك من يكتب إلى المسئول في الإعلام ولا أربعة ولا خمسة بل آلاف الرسائل في المجتمع: إن البرنامج الذي عرض في اليوم الفلاني يخالف الأسس التي قامت عليها البلاد، والتي يقوم عليها الدين، والتي قامت عليها عادات وقيم وتقاليد هذا المجتمع. قد تكون فاتت على المسئول، أو زلت على الرقابة فيعرف أن هناك مجتمعاً واعياً، لا تطوف عليه أمور اللهو وأمور الفساد، قد يقول قائل: يا مسكين! أنت تتكلم والبث المباشر قريب والكل سينظر، نكتب رسالة إلى أمريكا: لماذا ترسلون لنا هذا المنكر؟ أقول: يا أخي! أصلح ما بين يديك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] ولا تحتج بفساد أولئك لتقبل فساداً في واقعك أو في مجتمعك. كذلك الإصلاح في المرافق العامة، المستشفيات، ليست الغيرة عندي ولا عندك بل عند جميع أفراد المجتمع، وخذوا مثالاً بسيطاً: مستوصفات أهلية يدخل الإنسان فيجد في استقبال الرجال ممرضات جميلات، والمستوصف له ثلاث وأربع سنوات لم تتلق إدارة المستوصف أو إدارة الشئون الصحية رسالة واحدة تتضجر أو تشكو أو تنتقد أو تلاحظ هذا المنكر، لماذا؟ لأنه يوجد تبلد، ليس هناك بداية للإصلاح، وليس هناك انطلاقة لتغيير المجتمع نحو الأفضل. وبعض الناس يقول: ليس في الإمكان أحسن مما كان، تقول: نريد أن تكون أحسن وأحسن إلى أن نعذر أمام الله جل وعلا. وثقوا تمام الثقة أن هذا المشروع وهذه البداية هي طريق إصلاح بإذن الله، إذا صلح المجتمع وأصبح الوعي بهذه الدرجة، ظهرت عندنا العقول المنتجة والمبتكرة، وخرج مجموعة من الشباب يقدمون برامج مختلفة في الإذاعة وفي التلفاز وفي وسائل مختلفة تعالج مصائب المجتمع، لا تقل: نعم، قبلي أغنية وبعدي أغنية، فكيف أقدم برنامجاً إصلاحياً؟ أقول: قدم يا أخي! على الأقل أن تزرع وردة بين الأشواك، أن تلقي نصيحة بين هذا الغث المتتابع من الأمور الرديئة أو المخالفة لأمر الله وشرعه.

стр. 851

أهمية التخصص في الإصلاح أخي الحبيب! لئن كنت أنت أو أنا ممن لا يعرفهم الناس، أو لا جمهور لنا يسمعون منا أو يحضرون مجالسنا، إن التلفاز جمهوره الملايين، إن الإذاعة جمهورها مئات الملايين، فلماذا لا تتحرك في هذا المجال؟ لماذا لا تعمل؟ ولكن بطول الصبر والتخصص، تجد بعض الشباب -ما شاء الله- كالنحلة، لكن لا يتخصص؛ فهو يوماً في المخدرات، ويوماً في السجون، وآخر في الإذاعة أو التلفاز، ومثله في الصحافة، ويوماً تعب وكسر القلم، ويوماً مزق الأوراق، ثم عاد إلى المكان الفلاني، ويوماً في الأندية، لا تجد له مكاناً معيناً للإصلاح والدعوة فيه. نقول: إن بدايتنا لإصلاح مجتمعنا بهذه الطريقة، سوف تخرج جيلاً فيه مجموعات، مجموعة تتخصص لإصلاح الأندية، ومجموعة تتخصص لإصلاح الإذاعة، ومجموعة تتخصص لإصلاح التلفاز، ومجموعة تتخصص للمشاركة في طرح برامج مالية للشركات. أيها الإخوة: نحن نملك الخير الكثير، صافولا شركة الزيوت المعروفة، لما طرحت للاكتتاب، تقاتل الناس من أجل الحصول على كوبونات أو استمارات الأسهم، سبحان الله العلي العظيم! وأصبح الناس يخدع بعضهم بعضاً: تعطني تابعيتك وتابعية أولادك ولك على الرأس أربعون ريالاً، بيع غنم ما شاء الله. السؤال صافولا لما طرحت الأسهم للاكتتاب، غطت مرات عديدة أكثر من رأس المال، فهل فكرنا أن نطرح شركة إسلامية طبية، شركة للعناية بالشئون الصحية، وهذه من المجالات المفتوحة، ويكون أهم دور من مهمات هذه الشركة إيجاد مستشفيات للولادة لا يوجد فيها رجال أبداً إلا في الحالات الضرورية، أو الحالات التي لا بد من وجود جراح أو رجل فيها، هذا مشروع من المشاريع. لو قلنا: إن شعب المملكة بلغ عشرة أو أحد عشر مليون نسمة، هل لا يوجد في المجتمع إلا مليون أو مليونان من الصالحين؟ أنا أجزم أن (٨٠%) ثمانية ملايين نسمة كلهم من الغيورين، وقد أكون مجحفاً بحق المليونين الباقيين، بل كل هؤلاء فيهم الغيرة على إصلاح المجتمع، لا نظل كل واحد يدخل زوجته على الطبيب، وهذا يقول: الضرورات تبيح المحظورات، وهذا يقول: يا رجل! مرة واحدة في العمر، ما الذي يمنع من خلال هذه البدايات أن يفرز لنا هذا البرنامج عقولاً اقتصادية لاستثمار الأموال، بدلاً من أن يكون عندي في البنك عشرة آلاف، وأنت عندك مائة ألف يرابى بها في البنوك، بل لربما رحلت الأموال لكي يرابى بها في بنوك عالمية، لماذا لا نوجد شركات إسلامية كبيرة؟ شركة للأمور الطبية والصحية، شركات للأغذية، شركات للتجارة، وستستغل أموال الناس وتحركها في الخير، وتوظفها في الحلال، وتقدم للمجتمع، لكن المصيبة أن يقول القائل: إما أن يقوم المسئولون والأجهزة المسئولة بتقديم هذا الأمر، وإما لا. لا يا أخي الكريم! بل إن من صور المجتمعات المتحضرة أن تجعل كثيراً من المصالح يقوم بها القطاع الخاص إحياءً لروح التنافس، وتوظيفاً للأموال، هذا لو قدم لوجدنا خيراً كثيراً بإذن الله جل وعلا. فأقول: يا أخي الكريم! ابدأ مع إخوانك وإمام المسجد وجيرانك، وكلٌ في حيه والمخطط الذي هو فيه، وابدأ بداية معقولة، لا تقل: والله أنا سوف أغطي ألف بيت في هذا المشروع، لا، غط مائتين أو ثلاثمائة بيت، استمر في هذه الثلاثمائة بيت على حدود جيدة، وبتواصل وعطاء مستمر وسترهقك الأعباء المالية، هذا المشروع مكلف، لكن حينما يتبرع كل واحد من دخله بجزء بسيط، مائتين أو ثلاثمائة ريال شهرياً، مبلغ ليس بكثير على دين الله والدعوة إلى الله جل وعلا. أيها الإخوة! قد يقول قائل: مسكين هذا الشيخ، مسكين هذا المتكلم عنده آمال خيالية، البث المباشر يفسد، المجلات تفسد، ادخل مكتبة لترى صور النساء العاريات الكاسيات، انظر إلى القنوات لترى الفساد في الإعلام، انظر إلى الأسواق لترى التبرج، أقول: يا أخي الكريم! هي سنة من سنن الله، لا بد أن تعمل وتصبر، وسوف تؤذى ويستهزئ بك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠] ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:١٠] ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]. يا أخي! إن قليلاً من الحق يزهق كثيراً من الباطل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] وقديماً قيل: الحق أبلج والباطل لجلج.

стр. 852

سلاح البداية إن هذه البداية: أن يجتمع الأئمة وشباب الحي لكي يرتبوا ويطوروا هذه البرامج، ليست هذه الفكرة وحياً منزلاً لا تتعدونه أو تحذفون منه أو تعدلونه، طوروا هذا الأسلوب كما تطورت أساليب الصحة وأساليب الهاتف وغيرها من الأساليب والخدمات، طوروا هذه النظريات لكي تخدموا بها دين الله، والدعوة إلى الله، وتصلحوا بها مجتمعاتكم، أقول: هذه البدايات سوف تكشف لكم عن قدرات ومواهب وطاقات جادة وقابلة للعطاء، بدلاً من أن نترك شبابنا كل يحتقر نفسه، أو الذي عنده على الأقل موهبة يحتقر نفسه، والشيطان يخذل من شأن هذه، ويقول: أنت لست بشيء ولست بكفء أن تقدم هذا.

стр. 853

الإخلاص وطلب العلم أيها الإخوة! هذه البداية سلاحها الإخلاص وطلب العلم، والذين يقومون على هذا البرنامج ينبغي أن يكون لهم دروس علمية على العلماء في بيوتهم أو في المساجد، وإذا لم تكن هناك دروس علمية، فاشتر من أشرطة العلماء، الأشرطة في العلم المتخصص؛ في فقه الحلال والحرام، في قواعد الشريعة، في المصالح العامة ومقاصد الشريعة، اقرأ أصول الفقه وتعلمه، واقرأ الفقه والقواعد الفقهية، والتفسير والفرائض، إذا لم يوجد عالم يدرس هذا، فهناك أشرطة مسجلة تستطيع أن تخصص من وقتك في اليوم ساعة أو ساعتين للدراسة، وستجد نفسك بإذن الله واحداً من طلبة العلم الذين يقدرون بإذن الله على إصلاح مجتمعاتهم.

стр. 854

عدم استعجال الثمرة وجودة التخطيط أيضاً: من سلاح هذه البداية: عدم استعجال الثمرة، والاعتبار بتجارب الآخرين. أيها الإخوة: إن ما نراه من مصائب المسلمين في الدول المجاورة، وذلك إما بسبب سوء تخطيط أو سوء ترتيب، أو سوء منهجية، أو استعجال بعض الثمرات التي أوقعتهم في اشتباكات وفي مصائب وأمور خطيرة، والحذر الحذر من الاستفزاز والاستدراج. اعلم يا أخي المسلم! اعلم يا أخي الداعية! اعلم يا أخي الغيور! حتى ولو كنت واقعاً في بعض الذنوب والمعاصي، أقول: اعلم أنك لست وحدك تعمل في الساحة، الذي يقول: كل من في الجزيرة على قلب رجل واحد من الإخلاص والولاء والنصرة، وحب المسلمين والصدق في النصيحة، نقول: هذا جاهل؛ لأنه لا يخلو مجتمع من المنافقين والمتربصين والأعداء. إذاً لست وحدك من يعمل، بل هناك أعداء يعملون في السر، وهناك أعداء يحرصون على أن يتسللوا إلى مواقع التوجيه والنفوذ والسيطرة لكي يؤذوك ويؤذوا غيرك من إخوانك المسلمين، وهناك من هو أذكى من أولئك، هناك من أعدائك وأعداء علمائك، وأعداء ولاة أمرك من يثير الفتنة بينك وبين العلماء، أو يشعل النار بينك وبين ولاة الأمر ويتفرج عليك، لكي يؤذيك ويؤذي علماءك، ويؤذيك ويؤذي ولاة أمرك، وحينئذ يكون ذكياً بدرجتين: ذكي لأنه خطط لإشغالك، وذكي؛ لأنه خطط لإشغال نفسك عنه، فهو ذكي؛ لأنه ضرب اثنين بحجر واحد، وهذا هو الذي يدور الآن. بعض الشباب يظن أن كثيراً من الاستفزازات في الصحافة، وبعض الاستفزازات والتصرفات سوف تأتي من باب العفوية، أو من باب الصدفة، لا يا أخي! هذه استفزازات لكي تزعج جهة على جهة، وفئة على فئة، وفريقاً على فريق، ونحب أن نقول لكل من يستفز هذا المجتمع: نحن نشعر أننا فئة واحدة وأمة واحدة علماء وحكاماً، ودعاةً وأفراداً، ولا يعني ذلك أن ليس بيننا علمانيون ومنافقون ومتربصون ومن يريد أن يوقع بين هؤلاء جميعاً، بل يوجد من يتربص الدوائر لإفساد هؤلاء. إذاً: أخي لكريم! انتبه من الاستفزاز والاستدراج، واحذر من الوقوع في الفخ، وهناك مثل عند أهل الحجاز يقول: (حفروها الفيران ووقعوا الثيران) فأر يحفر وثور يقع، انتبه جيداً لمثل هذا.

стр. 855

حقيقة الانتصار أخي الكريم! اعلم أن حقيقة انتصارك في هذا البداية أن تستمر وأن تبلغ، حتى ولو لم تجد أدنى نتيجة في السنة الأولى أو الثانية، قال ﷺ : (ورأيت النبي ومعه الرجل) الرسول ﷺ يصف مشهداً من مشاهد يوم القيامة، وهذا المشهد يتكلم عن الأنبياء والذين استجابوا لهم وقبلوا دعوتهم واتبعوهم فيما جاءوا به، قال: (ورأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد) انظر: نبي مؤيد بالمعجزة والوحي والعصمة فيما يبلغ، ومع ذلك ربما لا يهتدي على يده غير واحد أو اثنين، هل نقول: هذا نبي فاشل؟ لا. بل هو نبي منتصر، وحقيقة انتصاره أنه بلغ رسالة الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]. ولا تنزعج إذا لم يستجب البعض، أو لم يقبل البعض، أحد الشباب لما جاء يوزع على الجيران الظرف كالعادة أسبوعياً فيه كتيب وشريط، وطرق الباب على أحد الجيران: السلام عليكم، ماذا تريد؟ قال: يا أخي الحبيب! إخوانك جماعة المسجد يهدونك وأسرتك كتيباً وشريطاً، قال: تريدون أن ندخل في الإسلام؟ سبحان الله! من الذي قال لك هذا؟ بل يا أخي! أنت عمدة، أنت بركة، أنت خير، لكن اقبل هذه الهدية، فيها ما يعينك ويسددك ويحذر أولادك من الوقوع في الفساد والانحراف، ثم أصبح بعد ذلك يتقبل هذا الأمر. إذاً: ضع في بالك أنك ستجد من يخالفك: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦] ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] كونك تجد اثنين أو ثلاثة أو عشرة أو عشرين أو مائة لم يقبلوا منك فلا يدل هذا على فشلك، ولا يعني أن مشروعك فاشل، إنما عليك الاستمرار، ومواصلة العطاء بإذن الله جل وعلا. أيها الأخ الحبيب! حسبك أنك بصير وكثير من الناس يتخبطون، وأنك تبذل من مالك والشح قد قتل كثيراً من الآخرين، حسبك أنك تقتدي بالرسول وغيرك قد قتله الهوى، حسبك أنك راغب في الآخرة وغيرك راغب في دنيا مؤثرة، حسبك أنك متجرد للحق وغيرك قد أعجب برأيه، وحسبك يا أخي! عبوديتك لله جل وعلا، وأنك عبد لله إذا استعبد الضالين الدرهم والدينار والخميلة والخميصة. أسأل الله أن يجعل هذا حجة لي ولكم، وألا يجعله حجة علي وعليكم. أيها الإخوة! فيكم خير كثير، أنتم تصلحون مجتمعكم، حتى وإن كنتم ترون في ظاهر وجوهكم أو ظاهر سمتكم شيئاً من التقصير أو المخالفات الشرعية، اعمل لإصلاح مجتمعك وتب وعد إلى الله، وستجد هذه بداية لإصلاح الأمة أجمع، أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين. اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وولاة أمرنا، اللهم لا تفرح علينا عدواً، اللهم لا تشمت بنا حاسداً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 856

الأسئلة

стр. 857

المنهجية الدعوية تكون بحسب البيئة المحيطة السؤال فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف يمكنني أن أدعو الناس بهذه الطريقة الجيدة التي ذكرتها وأنا من مصر، وأنت تعرف ما يعانيه الشعب عندنا من سوء المعيشة، فكيف يمكنني الدعوة وبأي طريقة وفقكم الله؟ الجواب يا أخي الكريم! نحن نتكلم عن إصلاح السلوك وتصحيح العقائد، ولا نتكلم عن إصلاح المعيشة، وقصدي بهذا أخي الكريم! أن تدعو الناس بالحسنى وباللين بما تستطيعه، سواء كان الجو المحيط بك الذي يقبل منك ثلاثمائة أو مائتان أو مائة أو خمسون أو أربعة أو عشرة، المهم أن يستمر العطاء، أنا قلت: إن لكل بلاد ظروفها، ولكل دولة وضعها، وينبني على ذلك وضع المنهج الدعوي الذي يقوم فيها، وإني أسأل الله أن يربط على قلوب إخوتنا الدعاة والصالحين في مصر العزيزة، ولا نجهل ما يدور فيها من الابتلاء والامتحان لإخواننا في الله، ولكن أقول: اعمل على قدر ما تستطيع، لا تستعجل النتائج، وليس بالضرورة أن تجني الثمرة أنت، قد يجنيها ولدك أو حفيدك، لكن هذه خير وسيلة لإصلاح هذا المجتمع الذي تعيش فيه بإذن الله جل وعلا.

стр. 858

حكم تسجيل الندوات والمحاضرات بالفيديو السؤال فضيلة الشيخ الحبيب سعد بن عبد الله وفقه الله! أرجو توضيح حكم تسجيل الندوات والمحاضرات في أفلام الفيديو التي ربما تكون بديلاً عن غيرها من أفلام الفساد؟ الجواب قرأت فتوى للجنة الدائمة برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، عن رجل يسأل يقول: أنا صاحب محل فيديو، وأريد تحويله إلى فيديو إسلامي لتسجيل وتصوير المحاضرات والندوات فما الحكم في ذلك؟ فأجابت اللجنة باختصار بما معناه وموجزه: طالما كان في هذا مصلحة وخير، فالأمر فيه سعة بإذن الله جل وعلا. ولعلك يا أخي صاحب السؤال! أن تأخذ هذه الفتوى وتعمل بها، وزيادة على ذلك نحن نقول: إن الشريط فيه بركة، لكن بعض البيوت ربما عندهم من الأفلام الكثير، فلا حرج أن تزاحمهم بمادة مصورة على مثل هذا الفلم لعل الله أن ينفع بها.

стр. 859

حكم الطبلة السؤال فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نسأل فضيلتكم عن الطبلة وحكمها، علماً بأن صوتها يختلف تماماً عن صوت الدف المعروف، وهي مما عمت به البلوى، وصارت شائعة بين الناس، وقد شاع أنها جائزة؛ لأنها مثل الدف مفتوحة من جهة ومغلقة من الأخرى، فنريد الجواب الشافي الكافي هل هي جائزة أم لا؟ الجواب والله يا أخي! لم أرها حتى أفتي، لكن الذي نعرف أن الدف مشروع: (أعلنوا هذا النكاح واضربوا فيه بالدف) أما الطبلة بهذا الوصف والتفريق فلا أعرفها، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 860

أهمية التوحيد ما خلق الله الدنيا والآخرة ولا البشر، ولا الجنة ولا النار، وما رفع علم الجهاد وسفكت الدماء؛ إلا من أجل (لا إله إلا الله) ولما كانت هذه الأمة هي آخر الأمم تعهد الله بحفظها إن حافظت على التوحيد والعمل الصالح المنبثق عن التوحيد. وإن أعداء الله يكيدون ليلاً ونهاراً لهذه الأمة، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره ويعلي كلمته، ومهما عمل الأعداء فلن يغيروا إلا في أشخاص مخذولين، أما الدين فهو محفوظ بحفظ الله تعالى.

стр. 861

كراهية اليهود والنصارى وأذنابهم للمسلمين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. معاشر المؤمنين! لا يخفاكم كراهية اليهود والنصارى لهذه الأمة خاصة، ولسائر الأمم عامة، ولا يخفاكم تدبير أذناب اليهود والنصارى لكل ما من شأنه تفتيت وحدة أمة الإسلام، وإثارة الفرقة والخلاف بين صفوفهم، وإشاعة الفواحش والفساد في شبابهم ونسائهم، ولقد صدق الله جل وعلا حيث يقول في محكم كتابه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩] ويقول الله جل وعلا: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥].

стр. 862

غزو العدو للقيم والأفكار معاشر المسلمين! كل عاقل، وكل ذي لب يتدبر ويقرأ صحائف التاريخ، لا شك أنه يدرك هذا المكر، ويدرك هذا الكيد، ويدرك هذه الكراهية والبغضاء من قبل أمم اليهود والنصارى، ومن قبل أذنابهم وأتباعهم من المفسدين في الأرض، ولكن يأبى الله ورسوله والمؤمنون أن يحيق تدبير أولئك بعباده المؤمنين. عباد الله! لا شك أنهم يريدون أن يقلبوا عقيدة التوحيد في هذه البلاد خاصة، وفي سائر بلاد المسلمين عامة، يريدون أن يقلبوا التوحيد شركاً، والإسلام يبدلونه إلى أي ملة أو نحلة خاطئة، ولكن يأبى الله ذلك، إذ جاء عنه ﷺ : (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن رضي منهم بما يحقرون من ذنوبهم، أو رضي منكم ما تحقرون من ذنوبكم). إذاً يا عباد الله! يأبى الله جل وعلا أن ينقلب التوحيد في هذه الجزيرة وثنية أو شركاً، ويأبى ذلك رسوله والمؤمنون أجمعون، ولكن يا عباد الله! إننا نلاحظ تدبيراً بطيئاً ساماً فتاكاً اتخذ شكلاً براقاً، وألواناً زاهية، انخدع به بعض الغوغاء، وطاف على ذوي السذج في عقولهم، أتدرون ما هو يا عباد الله؟! إنه غزو القيم والأخلاق والمبادئ والأفكار، ما داموا يئسوا أن يعبد الشيطان في هذه الجزيرة، فإن أعداء الإسلام والأمة أرادوا أن يسلكوا هذا المسلك لعلمهم ألا مكان للوثنية في جزيرة العرب، فاتخذوا مسلك الإفساد الفكري، والإفساد الخلقي، وهدم المبادئ والقيم. عباد الله! كلنا يعلم أن الله جل وعلا قد امتنَّ علينا بنعم عظيمة وآلاء جسيمة، وهذه النعم تحتاج إلى أن تقيد بشكر والتزام بكتاب الله وأمر الله وسنة نبيه وهدي المصطفى ﷺ . أيها الأحبة في الله! ماداموا يئسوا من ذلك، فإنهم أرادوا أن يغزوا هذا المسلم في عقيدته وإيمانه وقيمه ومبادئه، فماذا فعلوا يا عباد الله؟! لقد تسلطت قوى الضلالة والفساد على هذا المسلم، لكي يكون مسلماً وادعاً جباناً ضعيفاً خواراً، يخاف أدنى حركة أو كلمة، من أجل هذا أرادوا أن يسلكوا مختلف الأساليب والسبل في هدم هذا الإسلام.

стр. 863

سبل العدو في غزو المسلمين لا شك أنهم عجزوا ويعجزون ويدركون أنهم لن يحلوا الوثنية مكان التوحيد، لكن ما هو الحل في نظرهم تجاه هذه القلعة الصامدة من قلاع الوحدانية والإسلام؟ لا شك أنهم أرادوا أن يتسلطوا على هذا المسلم في إسلامه. أما القرآن فذلك أمرٌ يعجزون عنه؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وسنة النبي ﷺ محفوظة بحمد الله، إذاً كيف السبيل مادام إحلال الوثنية غير ممكن، وما دام القرآن محفوظاً، ومادامت السنة معتنىً بها؟ لا سبيل لأعداء الأمة إلا إلى أن يغزوا هذا المسلم في نفسه وإيمانه وحماسه لدينه، فتوجهت قوى الضلالة نحو هذا المسلم لتعلمه كيف يكون جباناً، كيف يكون أنانياً، كيف يهتم بنفسه، كيف يهتم بسيارته، وبيته وفلته، ورصيده وملذاته، ولا شأن له ببقية المسلمين، ولا حِس ولا هم له بسائر إخوانه المسلمين. هذا أمر قد وقع في كثير من المسلمين، لا شك أنه مسلم، ولا يستطيع أحد أن يرفع عنه اسم الإسلام وأحكام الدين، ولا شك أنه مسلم بهذا، لكنه مسلم ضعيف، والنبي ﷺ يقول: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف). لا شك أن قوى الضلالة أرادت أن توجد مسلماً أنانياً ضعيفاً، إذا رأى الفساد في طريقه، قال: ذنبهم على جنوبهم، وإذا رأى منكراً، قال: وما دخلي بهم، وإذا رأى تسلطاً على رقاب إخوانه المسلمين، قال: همي نفسي، وإذا رأى موقفاً يحتاج إلى صدع بالحق، وصراحة بالنصيحة والإخلاص، قال: أخشى على رقبتي ورزقي ونفسي، وقد نسي ذلك عبر هذا السيل الجارف من وسائل الهدم والتدمير أن الأرزاق والأرواح بيد الله ، أرادت قوى الضلالة أن توجد مسلماً ضعيفاً، أن توجد مسلماً لا يستطيع أن يؤثر في جيرانه وأهل بيته، وعند ذلك تطمئن قوى الضلالة إلى هذا النوع من المسلمين، الذي يجتهد الواحد منهم في ملذات نفسه، فإذا مات، مات الدين معه، ولم يبق لدين الله في نظرهم قائمة، عياذاً بالله من فكرهم، ومما يصبُون إليه.

стр. 864

صورة نبوية للثبات على المبادئ عباد الله! إن حقيقة الإسلام، وحقيقة الدين الذي نحمله حركةٌ تحريريةٌ قويةٌ تبدأ في ضمير الفرد، وتنتهي في نطاق الأمة، تبدأ في ضمير الفرد اعتقاداً بوحدانية الله في ذاته، واعتقاداً بوجوب صرف أفعال العبادة له وحده، واعتقاداً بوحدانية الله في أسمائه وصفاته، واعتقاداً بوجوب نشر هذا الدين، واعتقاداً بوجوب الجهاد والكفاح، ووجوب الدعوة في سبيل هذا الدين، أياً كان الأمر، وأياً كان الثمن، ولكم في نبيكم ﷺ أسوة حسنة وقدوة رائعة، لما شرفه الله بالبعثة النبوية، وخرج على قومه وناداهم بطناً بطناً، فخذاً فخذاً، قال فيهم: واصباحاه، فاجتمع الناس حوله. فقال: يا معشر قريش! قولوا كلمة واحدة تدين لكم بها العرب، وتدفع لكم بها الجزية العجم، قال أحدهم بل كبيرهم: وأبيك عشرا، نعطيك عشر كلمات معها، قال: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! وهل رد ذلك الضلال والكيد والاستهزاء، نبينا عن دعوته، بل مضى فيها مجاهداً وداعياً إلى الله على نور وبصيرة وتأييد من ربه. حتى إذا انتشر الإسلام في مكة، وبدأ يدب في عروقها، جاء القوم إلى عمه أبي طالب، وقالوا: إن ابن أخيك سفه أحلامنا، وسب آلهتنا وأصنامنا، أفلا يكون بيننا وبينه أمرٌ؟ إن كان الذي فيه أمر يشتهي فيه السيادة، أو أمر يشتهي فيه الرئاسة، أو أمر يريد فيه جمع المال أعطيناه ما يرضيه، فجاء النبي ﷺ إلى أبي طالب ذات يوم، فقال أبو طالب: يابن أخي! إن قومك يشكونك إلي، سفهت أحلامهم، وسببت آلهتهم، لعلك أن تترك هذا الأمر شيئاً قليلا، أو أن تترك سب آلهتهم وأصنامهم. ماذا قال ﷺ بعد أن عرض عليه أبو طالب هذه المهادنة السلمية؟ عرض عليه أنهم يقولون: إن كنت تريد المال أعطيناك، إن كنت تريد الجاه سودناك، إن كنت تريد الجمال زوجناك، إن كنت تريد ما تريد أعطيناك، فماذا قال النبي ﷺ ، بآبائنا هو وأمهاتنا؟ التفت إلى عمه، وقال: (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، ما تركت هذا الأمر حتى أهلك دونه، وفي رواية: حتى تندق هذه السالفة). انظروا هذا الإسلام والعقيدة التي لا تقبل المهادنة، يريدون أن يعمل في دينه، لكن من دون سبٍ لآلهة الكفار وأوثانهم. وحقيقة التوحيد أن تكفر بالطواغيت، وأن تسب الأصنام والأوثان، وكل معبود أو متبوع مطاعٍ من دون الله ، لم يقبل أنصاف الحلول، وأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]. دين العزة، دين السيادة، دين السؤدد، دينٌ تُرفع به الرءوس، وتُعلى به الهامات، وتخفق به الرايات نصراً وعلواً وسيادة ورفعة بدين الله، هذا الدين الذي جاءنا عن ربنا، هذا الدين الذي عرفناه من سنة نبينا ﷺ ، أما الدين الذي ينتسب صاحبه إلى الإسلام اسماً، وحقيقته يهجر بيت الله والمساجد ويسمى مسلماً، ويرى المنكر ويسكت عليه ويقال له مسلم، ويرى المصيبة والبلية في سوقه ومتجره وقربه وبعده ويسمى مسلماً، هذا والله ليس بالإسلام الذي جاء عن الله وعن نبيه. لا شك أن صاحبه مسلم، دخل الإسلام بنطق الشهادتين، وتحقيق المقتضى وانتفاء الموانع، لكن الإسلام الذي نزل في كتاب الله وجاء في سنة نبي الله هو ذلك الإسلام الذي ترفع به الرءوس، ذلك الإسلام الذي يفتخر صاحبه ويقول: أنا مسلم، يفتخر صاحبه في أي موقع ومكان ومناسبة أياً كانت، يفتخر ويرفع رأسه قائلاً: أنا مسلم، ويعلن دينه ومبادئه، هذا هو الإسلام إسلام العزة، الإسلام الذي لم يفهمه كثيرٌ من أبنائنا في هذا الزمان، ومن أجل ذلك رأينا آثار هذا الفهم الناقص في سلوكهم، إذا ذهبوا إلى الغرب استحى أحدهم أن يفتخر بإسلامه، وأن يصدع بصلاته، وأن يصدح بأذانه، وأن يفتخر بدينه. رأينا هذا الفهم المنقبض الضيق للإسلام في فعل كثير من الناس، إذا جلسوا وحانت الصلاة يستحي أن يقول: قوموا إلى عبادة رب غني عنكم، رأينا أثر الفهم الضيق، ورأينا قلة فهم هذا الدين في سلوك كثير من الناس حينما يرون داعية صادقاً إلى الله، هذا متدخل في شئون الآخرين، هذا لا هم له إلا الآخرين، إلى غير ذلك من عبارات التثبيط والتنقص والاستهزاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كيف يدَّعي مسلم حقيقة إسلامه وهو لا يرفع بهذا الإسلام رأساً؟ كيف يدَّعي مسلم حقيقة إيمانه وجوارحه لم تبرهن هذا الإيمان تطبيقاً وقولاً وفعلاً؟ بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 865

بم يحفظ الله الأمم الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه والند والمثيل والنظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك. عباد الله! ورغم هذه الجهود النصرانية واليهودية، ورغم جهود أذناب هاتين الطائفتين الملعونتين، ورغم جهود أذناب الغرب وعملائه، تسلطاً على البقية الباقية في هذه الأمة، على بقية الحجاب والستر والحياء، وعلى بقية صفاء العقيدة، رغم كل ذلك فإن هذه البلاد والأمة بحمد الله ومنه وتوفيقه تشهد وعياً وفهماً واستقامةً على كتاب الله وسنة نبيه، تمثلت في جيل من الشباب الذي عاد إلى ربه عوداً حميداً، وآمن واطمأن إلى كتاب ربه اطمئناناً سعيداً، ورفع بهذا الدين رأسه، وأعلن لهذه الدعوة راية، ألا إن الأمم لتحفظ بأمثال هؤلاء، ألا وإن الأمة ليحفظها الله بالصالحين فيها من الشباب والشيب والكهول والعجائز: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [الفرقان:٧٧]. إذا هيأ الله للأمة شباباً دعاة صادقين واعين مخلصين، يدعون الله جل وعلا سراً وعلناً، ليلاً ونهاراً، يدعون الله لهذه الأمة أن يحفظ ولاة أمرها وعلماءها، ويسعون بالصلاح والفعل النافع في صفوف أبنائها، فإن الأمة تحفظ بإذن الله، وتحفظ برحمة الله ومنته، بسبب جهود أولئك الصادقين مع الله، أولئك الصادقين مع ربهم . فيا أمة الإسلام! أخلصوا جهودكم لله، واجعلوا سعيكم في طاعة الله، وتنافسوا في مرضاة الله، تحفظوا بذلك النعم والخيرات أمامكم وخلفكم ومن فوقكم ومن تحت أرجلكم، اعملوا صالحاً وتصدقوا وجاهدوا واجتهدوا، يدفع الله البلاء بذلك عنكم، واعلموا أن أمم الضلالة ما زالت -ولله الحمد والمنة والعاقبة للمؤمنين والمتقين- تشهد الفضائح تلو الفضائح في قسسها ورهبانها وحاخاماتها، ورجال الطقوس المعقدة فيها، ما زالوا يشهدون التراجع رغم جهود وإمدادات مجلس الكنائس الأعلى لهم، رغم جهود المبشرين والمنصرين لهم. لكنهم -ولله الحمد والمنة- يشهدون يوماً بعد يوم قناعة بفساد عقائدهم، ويشهدون وثائق بفضح رؤسائهم في كنائسهم وغيرها، وأبين لكم حقيقة وقعت لعل الكثير منكم سمع بها، من مدة علمنا بمناظرة قامت بين رجل من أهل أفريقيا وأصله هندي، رجل مسلم مجاهد داعية اسمه أحمد ديدات، نسأل الله جل وعلا أن يثبتنا وإياه على دينه، قامت مناظرة له مع قس نصراني زعيم من زعماء النصرانية اسمه جيمي سواجارت. هذا الرجل تناظر مع أحمد ديدات في مناظرة كبرى نشرتها بعض أجهزة التلفزة، وتناقلتها الأشرطة مسموعة ومرئية، وكان هذا القس النصراني جيمي سواجارت يقول: إنكم يا معاشر المسلمين تتركون المعصية، خشية أن تقطع أذن واحد منكم- يستهزئ بحد القطع في دين الإسلام- أو أن يقطع إصبع واحد منكم، ولكن معاشر النصارى- يقصد قومه- يتراجعون عن الذنب والخطيئة بواقع الضمير، ويبتعدون عنها من دافع الضمير الذاتي الذي يراقب الرب في فعله وعمله. ثم انتهت تلك المناظرة بهزيمة ساحقة وفضيحة ماحقة لأسس النصرانية، وأسلم بعد هذه المناظرة مئات من النصارى وآمنوا بالله، ولكن الفضيحة التي حصلت أن جيمي سواجارت هذا كان قد نافس رجلاً اسمه جيم بيكر قائدٌ من قواد النصرانية وزعماء الكنيسة، تتبعه حتى فضحه في فضيحة أخلاقية، فتسلط بيكر هذا على جيمي سواجارت، وجعل إحدى عشر مخبراً يلاحقونه حتى يظفر منه بفضيحة، فنشرت الفضيحة وانتشرت، وأذاعتها وكالات الأنباء، وأجهزة التلفزة الأمريكية في نشرة الأخبار التي لا يوجد أحد يتابعها، نشروا له صورة وهو يدخل فندقاً من الفنادق مع غانية من الغانيات، ونشروا له صوراً أخرى كلها فضائح. انظروا إلى أذناب النصرانية كيف يطنطنون ويلجلجون، ثم يكشفون بحمد الله والله لهم بالمرصاد، لما كشف هذا الرجل وأعلنت فضيحته على الملأ، قام يبكي ويقول: هذه خطيئة وأنا استغفر الرب والسيد اليسوع إلى غير ذلك من تلك العبارات المخرفة. عباد الله! وما زالت النصرانية واليهودية، وما زال أعداء الإسلام يشهدون كل يوم فضيحة، تدل على بطلان مبدئهم، وعلى فساد عقيدتهم، وعلى كذب وخيانة سادتهم ورؤسائهم، أما ديننا ولله الحمد والمنة فيشهد تقدماً وانفتاحاً وانتصاراً وأفواجاً تدخل في هذا الدين، فلك اللهم الحمد والمنة. الله الله يا معاشر المسلمين! لا يؤتين الإسلام من قبلكم، لقد أفلست الشيوعية في طريقتها العقدية، وفي نظامها الاشتراكي الاقتصادي، ولقد فشلت وعقمت الرأسمالية، ولقد عقمت جميع الشعارات، ولم يبق إلا دين الإسلام لم تطبقه تلك الأمم المنكوبة، ولو طبقوه لوجدوا في ذلك السعادة والسؤدد والاطمئنان والراحة، لكن لكبر منهم وعناد لا يريدون تطبيقه، واعلموا أنهم لن يتأثروا بهذا الدين إلا يوم أن يرونا أبناء المسلمين قد التزمنا بديننا وطبقنا ديننا، وكنا قدوة صالحة ومثلاً أعلى لهذا الدين الذي ننتسب إليه، عند ذلك يا عباد الله! سيدخلون في دين الله أفواجاً، لعلمهم ومعرفتهم بفساد مبادئهم وأنظمتهم، ولرؤيتهم تلك الصورة الجميلة الناجحة الرائعة لدين الإسلام في مجتمع مسلم. عباد الله! إن البشرية لا تستجيب لمنهج مقروء ولا مسموع، ولكن تستجيب لمنهج قد طبق في صور وأفراد مجتمع من المجتمعات، وعند ذلك يدخل الناس في دين الله أفواجاً، ويتأثرون بدين الله، بوسعنا أن ننشر ملايين النسخ من القرآن، وملايين الكتب من السنة، وآلاف الأشرطة من الوعظ والنصائح، لكن هذه لا تغني عن تطبيق المسلم لإسلامه، وأن يجعل من نفسه قدوة صالحة، عند ذلك يدخل الناس في دين الله أفواجاً، قرءوا ديناً فرأوه قائماً متمثلاً في صورة هذا المسلم، الذي هو مسلم في جميع تصرفاته وأعماله. اللهم زد هذا الدين عزاً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على كتابك وسنة نبيك، اللهم لا تشمت بهم حاسداً، ولا تفرح عليهم عدواً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك. اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمنا، ومن كل فتنة عصمة ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

стр. 866

أخطاء يقع فيها بعض الشباب الشباب هم عمود الأمة وأساسها، وبهم تُبنى، لكن الناظر في أحوال كثير من شباب الإسلام يجد العجب العجاب، فهو يجد ما يندى له الجبين من الغفلة والوهن، والوقوع في المحرمات، والبعد عن الدين، وقد أوصى الإسلام أبناءه باغتنام الأوقات والعمل لما بعد الموت، من أجل هذا الدين والدعوة إليه اقتداءً بالنبي ﷺ ، في نطاق ما سبق تحدث الشيخ وأفاد.

стр. 867

أهمية المخيمات الصيفية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة في الله! أحييكم بتحية الإسلام: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله أن يجزي القائمين على مركز الدعوة والإرشاد في هذه المنطقة خير الجزاء، حيث بحثوا وخرجوا يتحسسون الناس ويتتبعون مواقع البشر يدعونهم إلى الله ، فإن من واجب الدعاة ومن أولويات الدعوة أن من تصدى لهذا الأمر لا ينزوي أو يتقوقع في مكانٍ ويقول للناس: هلموا إلي وأتوا إلي، بل واجبه أن يخرج إليهم وأن يتبعهم وأن يلاحقهم، وإن سمع منهم ما يسوءه؛ فيتمثل قول الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وإن رأى منهم شيئاً مما يورث الألم؛ فيتذكر قول الله : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فالواجب أيها الأحبة: الواجب أن يكون بجوار كل منطقة تنتشر فيها المخيمات مخيمٌ يتسع لعدد هؤلاء الذين ينتشرون فيها، ومن ثم يخرج الناس إليها وينسلون إلى هذه المخيمات من كل حدبٍ وصوب، ليسمعوا داعي الله؛ ليسمعوا الكلمة، والآية، والموعظة، والحديث، والقصة، والقصيدة، والملحة الطريفة الظريفة حتى تتحرك النفوس في اتجاه الصلاح والاستقامة، والواجب أن تخاطب هذه العقول، وأن تنادى هذه الأفئدة بكل وسيلة تبلغ وتوصل رسالة الله إلى العباد. إن الله قد أرسل من هو خيرٌ منا إلى من هم شرٌ من شرار الخلق في هذا الزمان، أرسل موسى وهارون إلى فرعون الذي قال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] الذي قال منكراً مستهتراً: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] بعث الله خيرة خلقه وهم أنبياؤه ورسله، موسى وهارون، إلى شر الخليقة في ذلك الزمن إلى فرعون، ولم يقل الله فلترسلا أو تبعثا إليه رسولاً ليأت فرعون إليكما، وإنما قال الله : ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء:١٦] اذهبا واخرجا إليه، فمن واجبنا ومهماتنا ومسئولياتنا -أيها الأحبة- أن نتتبع تجمع الشباب والأماكن التي يرتادها الناس ونحن لا نريد منهم جزاءً ولا شكوراً، فلسنا فقراء نريد منهم مالاً، ولسنا أذلاء نريد منهم جاهاً، ولسنا مستضعفين نريد منهم عزة، وإنما نريد منهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، نريد منهم أن يلتفتوا إلى الغاية التي من أجلها خلقوا وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، والاشتغال بذكر الله، والعمل في مرضاة الله . والحديث أيها الأحبة ذكرني ونحن في إجازة الربيع بمخيمٍ حضرته العام الماضي بين مكة المكرمة ومدينة جدة، قام إخوانكم في مكتب الدعوة هناك وأنشئوا مخيماً كبيراً ما رأت عيني مثله، وجعلوا على مسافة بصري أو أقل بقليل مخيماً آخر للنساء، وكان ذلك المكان هناك ما بين مكة وجدة يجتمع فيه الشباب من مخيمات كثيرة وكبيرة جداً، ويجد الناس فيه متنزهاً وفسحة لهم، فإذا كانت مناسبة المحاضرة أو الموعظة أو الندوة رأيت الناس ينسلون من كل حدبٍ وفوج ويأتون من كل جانب ليحضروا. فأقول: يا أحبابنا! إن هذه المناسبة تذكر بذلك المخيم الذي رأيت فيه اجتماعاً لخلقٍ كبير، وذكر أن النساء يجتمعن في مخيمٍ بجواره، وأقترح أن تكون المحاضرة في إجازة الربيع في مخيم وسط المخيمات، وإن كان المسجد هو مكان العبرة ومكان العظة والعبادة ومجتمع الملائكة، إلا أننا نقول: ما الذي يمنع من أن تقوم محاضرةٌ في مخيم بين المخيمات كما أن هذه المحاضرة تحت إشراف مكتبكم فإننا ندعوكم ونقترح عليكم أن تكون ثمة محاضرات وسط المخيمات ليحضر النساء في جهة والرجال في جهة ويسمعوا الكلام والنصائح والإرشادات والمواعظ.

стр. 868

الشباب نبض الأمة حديثنا اليوم توجيهات إلى الشباب؛ شبابنا الذين هم أثمن ما نملك في هذه الأمة وإن الأمة لا تقاس بالأطفال ولا تقاس بالكهول والشيوخ والعجائز، وإذا أصاب الأمة أو داهمها خطبٌ أو فاجأها أمر من الأمور؛ فإن أول ما يسأل عنه لا يسأل عن عدد الأطفال فيهم، ولا يسأل عن عدد العجائز والشيوخ فيها؛ وإنما السؤال عن الشباب، كم شبابها؟ ما مستوى تدريبهم؟ ما مستوى تجنيدهم؟ إلى أي درجة يتقنون الكر والفر والقتال والسلاح؟ ما درجة تعليمهم؟ ما درجة ثقافتهم؟ ما هي اهتماماتهم؟ ولأجل ذلك فإنّا أيها الأحبة لا نعجب حينما توجه المحاضرات تلو المحاضرات، والكلمات تلو الكلمات، موجهة إلى إخواننا الشباب؛ لأنهم هم مقياس قوة أمتنا؛ فإن قوي شبابنا فأمتنا قوية، وإن ضعف شبابنا؛ فأمتنا ضعيفة، وإن كان شبابنا على درجة من الوعي فأمتنا واعية، وإن كان شبابنا على مستوىً يندى له الجبين من الغفلة فأمتنا غافلة، إن كان اهتمام شبابنا بالجهاد والدعوة والعلم والعمل والإنتاج والقيادة والريادة والبحث والفكر والتطبيق والتنافس والتجربة؛ فأمتنا أمة ناهضة، وإن كان اهتمام شبابنا بالطبل والمزمار والناي والوتر والعود والرواية الجنسية والقصص التي لا تليق والأغاني الماجنة إذا كان هذا وضع شباب الأمة فأمتنا أمة متردية، وما من شيءٍ بدأ في انحدار إلا سقط في غاية الهوة وفي منحدرها ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن إن من سنن الله أن جعل لكل داءٍ دواء، وأن جعل لكل سقمٍ علاجا، فإذا كنا نرى من طائفة من شباب أمتنا أمراض الغفلة، وأمراض الشهوة، وأمراض الشبهات، إذا كنا نرى من شباب أمتنا إعراضاً أو تشاغلاً أو حيلاً وخططاً ومكائد دبرها الأعداء فانطلت على بعض الشباب، فإن ذلك مرضٌ وفي القرآن علاج؛ علاجه الدعوة والذكر والموعظة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] (نظر الله امرأً سمع مقالةً فوعاها، فبلغها كما سمعها، فرب مبلغٍ أوعى من سامع) (من دل على هدىً؛ فله أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً). إن كانت الأمة مصابةً بمرض الغفلة والمعصية، ومرض الشهوة والشبهة، فإن علاجها أن تعود إلى الله، إن الله لن يهلكنا ويعذبنا إذا كنا أمة مستغفرةً واعظةً مصلحة ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] ولم يقل: وأهلها صالحون، وإنما قال (مصلحون) فإذا وجد في الأمة في القرى والمدن والبلدان من يسعى لإصلاح الفساد، ومن يسعى لردع الصدع، وإنكار المنكر، ونشر المعروف والأمر به والتواصي بالحق والصبر، والبذل الدءوب، والسعي الذي لا يعرف الكلل والملل، إن كان في الأمة من يعيش هذا الهم ومن يدرك هذه القضية، فإن الأمة لا تهلك بإذن الله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧].

стр. 869

حال شباب الأمة أيها الأحبة! أين شبابنا؟ أين قوام أمتنا؟ أين رجال الغد فينا؟ أين هؤلاء الذين نعدهم للنائبات؟ إن طائفةً ليست بالقليلة نقولها والأسى يهيمن على النفوس، نقولها والأكباد تتجرح وتتقطع ألماً حينما ندرك ونصف ونقول: إن طائفةً من شبابنا قد اشتغلت في إضاعة الأوقات وصاحبت قرناء السوء، وأصبح النظر إلى النساء في الأفلام والمسلسلات عبر هذه القنوات التي ما تركت قليلاً أو كثيراً من ساعات الليل والنهار إلا واستغلته لتحدث هذا الشاب، اشتغل بعض شبابنا بالمجلات الخليعة، وبعضهم للسفر إلى بلاد الكفار لأغراض سيئة، وبعضهم يحاول أو يجامل أو يخادع نفسه فيقول: أسافر للسياحة، للمعالم، لمعرفة هذا الكون وما فيه ثم إذا حل في تلك البلاد ووطئت قدمه في تلك الأرضين اتجه إلى حيث ما كان منطوياً في سويداء نفسه وفي خافيةِ ضميره، ولا يخفى على الله خافية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] والله لا تخفاه خافية وهو الذي: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]. فقولوا: إن طائفة من شبابنا من أمراضهم التهاون بالصلوات وتركها بالكلية أو بعضهم يتركونها مع الجماعة، وبعض شبابنا أشغلهم الهاتف، والبحث عن الأرقام، وتعدد العشيقات والصديقات، وبعض الشباب قد وقع على أم رأسه في هذه المسكرات والمخدرات، وبعضهم ضاع وقته في الشيشة والتدخين، وبعضهم انطلت عليه أحابيل الغرب في دعاياتهم عبر وسائل الإعلام؛ فأصبحنا نراهم، وبتنا نلحظهم ونشاهدهم يقلدون الغرب في مشيهم، وفي أحوالهم، وفي تصرفاتهم، وفي لباسهم، وفي بعض كلماتهم وعاداتهم. أيها الأحبة! لا تظنوا أن الكلام عن واقع الشباب هو ضربٌ من الخيال أو صورةٌ من صور التشاؤم، نعم. إن في مجتمعنا ولله الحمد والمنة شباباً نافسوا ولله الحمد في طلب العلم، ونافسوا في حفظ القرآن، وإتقان السنة، ونافسوا في الأدب، والعلم، ونافسوا في الحاسب الإلكتروني، والعلم التطبيقي؛ في الكيمياء والفيزياء وفي الإلكترونيات، نافسوا في هذه الطائرات وقيادتها ومعرفة أسرار تحريكها، نافسوا في إطلاق الصواريخ، ونافسوا في مجالاتٍ عديدة من البحوث النظرية والتطبيقية، ولكن إذا نسبتهم إلى عموم شباب الأمة وجدت أن هؤلاء قلة قليلة بالنسبة لعدد كبيرٍ من شباب الأمة، وإن المسئولية تقع على عاتقنا.

стр. 870

الرسول الداعية وحينما نصف أمراض الشباب فإنه لا يعفينا أمام الله أن نجلس على هذه الكراسي وفي هذا الجو العبق بالبخور والعطور الذي يهدى علينا فيه بألوان الشاي والزنجبيل والقهوة والماء العذب الزلال لنتكلم عن الشباب، ونظن أن مهمتنا قد انتهت، وأن ذمتنا قد برئت بمجرد الحديث ووصف أوضاعهم وأحوالهم، بل لا بد أن نبحث عنهم، أين هؤلاء الشباب الذين نتكلم عنهم؟ أهم في مخيم؟ هيا بنا نزورهم، أهم في شقةٍ معينة؟ هي بنا ندخل عليهم، أهم في ملعبٍ من الملاعب؟ هيا نغدو إليهم، أهم في مكانٍ قريب أو بعيد؟ هيا نتوجه إليهم لنحدثهم لنكلمهم لنجمعهم كما كان ﷺ ، يوم أن أمره ربه بأن ينذر عشيرته الأقربين وأن ينذر ليكون رسولاً للعالمين دعا قريشاً فخذاً فخذا، بطناً بطنا، وقال: واصباحاه، فلما اجتمعوا له قال: (يا معشر قريش، لو أنني قلت لكم: إن خيلاً تصبحكم أو تمسيكم من خلف هذا الوادي، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ماجربنا عليك كذباً يا محمد، قال: فإني لكم نذيرٌ مبين من عند رب العالمين ألا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له قولوا لا إله إلا الله، فقال أبو لهب وهو من أشقياء القوم: تباً لك يا محمد ألهذا جمعتنا سائر اليوم، دعوت قريشاً بطناً بطنا، فخذاً فخذا، ثم جمعتهم في هذا المكان ثم تقول بعد ذلك: اجعلوا الآلهة إلهاً واحد قولوا لا إله إلا الله) ونزل تصديق ذلك أو شاهده في كلام الله : ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص:٦] إنهم يستنكرون ويستنكفون أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، فقالوا بكل عجب: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] كيف جعل اللات والعزى ويغوث ويعوق ونسرا ومناة الثالثة الأخرى؟! كيف يريد أن يجعل هذه الآلهة التي كانت كل قبيلة من قبائل العرب تتنافس على سدانتها وخدمتها والشرف بها كيف جعلها إلهاً واحداً؟! ولكن النبي ﷺ صبر. وفي حادثةٍ أخرى: أن النبي ﷺ دعاه عمه أبو طالب ذات يوم وقال: يا بن أخي! إنك من قومك من المكانة بحيث تعلم وإنهم قد جاءوا يشكونك إلي يقولون يا محمد: إنك سببت آلهتهم، وشتمت أصنامهم وسفهت أعلامهم، وأغريت عليهم عبيدهم وصبيانهم وسفهاءهم وإنهم يعرضون عليك ما يعرضون، فقال ﷺ : يا معشر قريش؛ يخاطب هؤلاء الصناديد والكبار الذين بجوار عمه أبي طالب، فقال: إني أريد منكم كلمة واحدة إن أنتم قلتموها؛ فإن العرب تدين لكم وتخضع لكم وتنقاد لكم، وأما العجم فإنهم سوف يدفعون لكم الجزية، فقال أبو جهل: كلمة واحدة إن نحن قلناها العرب تطيعنا، والعجم يدفعون لنا المال والجزية، ما هي يا محمد؟! وأبيك عشراً نعطيك عشر كلمات ليست كلمة واحدة، فقال: قولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقال أبو جهل: تباً وسحقاً لك يا محمد ألهذا جمعتنا سائر اليوم؟! مستنكرين مستنكفين أن يوحدوا الله.

стр. 871

الرسول يدعو في مواسم الحج أتظنون أن سيد البشر خير من وطأت قدمه الثرى ﷺ أتظنون أنه قد كلّ وملّ من هذا، بل ذهب يدعوهم ويتابعهم ويخرج إليهم في مواقع تجمعهم في مواسم الحج، ويقول: يا معاشر الناس، يا معشر قبائل العرب من منكم يمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، أريد سنداً أريد عوناً أريد حصانةً، أريد ظهيراً، أريد معيناً يعينني، أريد ركناً شديداً آوي إليه حتى أبلغ رسالة ربي، ثم يلحقه أبو سفيان ويقول: يا معشر العرب، إنه صابئ منا ونحن أهله وقبيلته ونحن أدرى به فلا تصدقوه، أي عذاب وألم نفسي؟ والله لو أن واحداً منا تكلم في مجلسٍ من المجالس، فقال كلمةً معينة، أو قصةً معينة، ثم قام آخر بالمجلس قال: لا، لا تصدقوه القصة الصحيحة عندي أنا، ما هو شعور هذا المتكلم الذي هو في مجلسه لا يعدو حضوره وشهوده عن عشرين أو ثلاثين شخصاً؟ فما بالك بنبي مبعوث من عند الله مؤيد بالوحي والمعجزة من لدن الله ، ثم يلحقه أقرب الناس إليه فيقول للعرب: لا تبايعوه ولا تسمعوا ولا تصدقوه والغوا في كلامه.

стр. 872

الرسول يدعو في الطائف هل كف النبي ﷺ عن الدعوة؟ لا. بل سافر إلى الطائف إلى بني عبد يليل بن كلال رجاء أن يكون فيهم قلبا ًرحيماً رءوفاً لبقاً لطيفاً يألف ويؤلف ويسمع وينصت وينقاد إلى الحق الذي جاء به النبي ﷺ ؛ فبعثت قريش سفراءها وشياطينها ومخابراتها ورجال الأمن عندها إلى بني عبد يليل بن كلال وقالوا: إن صابئاً اسمه محمد بن عبد الله سوف يأتيكم فإذا جاء فاحرصوا ألا يغري عليكم سفهاءكم، ألا يفسد عليكم صبيانكم، ألا يغير عليكم دينكم واحترام ملة آبائكم وأجدادكم، فما كان منهم إلا أن قاموا وجعلوا صبيانهم سماطين أي: صفين وفريقين، فلما دخل النبي ﷺ جعلوا في يد كل صبي وسفيه وجاهل حجراً يرمي به أقدام النبي ﷺ ، ورجم النبي ﷺ بأبي هو وأمي حتى خرج من بني عبد يليل بن كلال وقد أعرضوا عنه وما سمعوه وآذوه وأغروا الصبيان والسفهاء به حتى ولى من عندهم وعقبه الشريفة تدمي، يقطر الدم من قدمه ﷺ خرج هائماً على وجهه حتى آواه المقام إلى مكان يقال له: قرن الثعالب، ثم خر مغشياً عليه ﷺ . أتظنون أن هذا النبي قد ملّ وكلّ من هذه الدعوة؟ أتظنون أنه ﷺ قد سئم من هذه الدعوة وهو الشريف النسيب الكريم ذو القدر والأمانة والجاه والكرامة في قومه؟ أم جميل زوجة أبي لهب تضع الشوك والزبالة في طريقه ﷺ . لما خرج من بني عبد يليل بن كلال وآواه المقام إلى قرن الثعالب وخر على وجهه مغشياً عليه فلما أفاق قال: (اللهم أنت ربي ورب المستضعفين، إلى من تكلني؟ أإلى عدوٍ يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي). بعد هذا المشوار الطويل من العذاب والأذى يقول ﷺ : إن لم تكن غاضباً يا رب فما عندي مشكلة، إن لم تكن غاضباً فأنا سعيد، إن كنت راضياً فهذا هو نجاحي، أما أنهم يجعلون سلى الجزور وخلاص الناقة على ظهري فلا أبالي بهذا، أن يضعوا الشوك في طريقي فلا أبالي بهذا، أن يضعوا الأذى في طريقي، أن يرموني بالحجارة فلا أبالي بهذا، أن يكذبوني ويتهموني ويقولوا: ساحرٌ أو كذابٌ أو أساطير الأولين تملى عليه، يأخذها من كتب الأولين بكرةً وأصيلاً فلا أبالي بهذا، إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي.

стр. 873

متى يستيقظ شباب الأمة ؟ أين من شبابنا اليوم من يتحمس لهذا الدين الذي من أجله ضحى النبي ﷺ هذه التضحيات؟ أين شبابنا الذين يتحمسون للدين الذي لأجله ضحى الصحابة بأموالهم وأنفسهم وبذلوا الغالي والرخيص في سبيله؟ أين شبابنا ونحن في زمنٍ تباع فيه بلدان المسلمين رغماً عن أنوفنا؟ أين شبابنا وأخواتنا المسلمات في البوسنة والهرسك يدخل عشرين أو ثلاثين صربياً على فتاةٍ عمرها تسع سنوات فيغتصبونها واحداً تلو الآخر فتموت متشحطة بدمائها؟ أين شبابنا وأنتم ترون الدبابات والطائرات تقصف في جروزني ومناطق القوقاز ولا من معين ولا نصير إلا الله . الشباب إذا لم يستيقظوا في هذه المرحلة فمتى يستيقظون؟!! ضاعت فلسطين فما استيقظ الشباب! وانتهكت الحرمات في البوسنة فما استيقظ الشباب! وفعل اللواط بالأبرياء من الشباب في الهرسك وما استيقظ الشباب! والروس يذبحون الأطفال هذه الأيام فما استيقظ الشباب! والطغاة والشياطين يعذبون المسلمين فما استيقظ الشباب! فبالله عليكم متى يستيقظ الشباب؟ هل يستيقظ الشباب إذا جاءت طلقات النار فوق رأسهم؟ هل يستيقظ الشباب إذا استبيحت حرماتهم؟ هل يستيقظ الشباب إذا ديست مقدساتهم؟ هل يستيقظ الشباب إذا بلغ الأمر الزبى وبلغ السيل غايته يوم أن تحل المصيبة حولهم أو قريباً من داره؟! إن من لم يتحرك لهذه الأحداث؛ فإن في قلبه علة الموت والبعد عن طاعة الله ، والله إنه لأمر يؤلمنا غاية الألم، وما كأن شبابنا ينتسبون إلى أمة ذات تاريخ قد سطر فيه القادة بمداد الذهب على صفحات النور البطولات التي بها كانوا يرهبون ويخيفون الكفار، هل في الشباب من ينازل هؤلاء الكفار؟ هل في الشباب من يتحداهم بالتزامه واستقامته؟ هل في الشباب من يقول: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢١ - ١٢٣] هل في الشباب من يقول: بالأمس خمر واليوم أمر، بالأمس سكرة واليوم فكرة؟ هل في الشباب من يستيقظ من هذه الغفلة الطويلة؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 874

الشباب وقضاء الأوقات ما هي أوقات شبابنا؟ سهرٌ بالليل ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] لا، سهرٌ في التفحيط، وفي الدوران، وفي هذه البطولات بين الصخور والرمال، وأين هم في الصباح؟ يشهدون صلاةً تشهدها ملائكة الليل والنهار، لا، على الفرش تراهم نائمين، ويضيع الصباح وما بعد الصباح وربما ضاع الظهر، ويستيقظون قرب المساء، ثم يحيون الليل الذي هو سكن بالحياة التي تضرهم وليست حياةً تنفعهم، والنهار الذي هو معاش بالغفلة التي تضرهم؟ أين هؤلاء الشباب؟! والله لو أن القلوب سليمةٌ لتقطعت ألماً من الحرمان لكن قلوب كثير من الشباب أصابها نوعٌ من الشلل نخشى إلا تفيق إلا بصدمة كهربائية، إن بعض الأعضاء الضعيفة في جسم الإنسان مثل يد ضعيفة، أو رجل ضعيفة، ربما تحتاج إلى شيءٍ من التدليك الطبيعي والعلاج الطبيعي حتى تقوى، وبعض الأعضاء الضعيفة لا ينفع فيها التدليك، ينفع فيها الصعقة الكهربائية حتى تستيقظ، حتى تعود الحياة إلى هذه العضلات والأعصاب وإلى هذه الشعيرات الدموية فيه، فنحن نريد من شبابنا أن يفيقوا قبل أن يحتاجوا إلى إفاقةٍ بالصدمات الكهربائية، ولن تكون الصدمة الكهربائية عدواناً من أحبابهم الدعاة، ولن تكون شراً نتمناه لهم، ونخشى أن تكون مصيبة تحل بأحدهم. أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ فلا يدوم على الإحسان إمكان اليوم أنت تملك ساقين تسابق بها الخيل، وتتخطى بها الريح، فما يدريك أن هذه الساق تمضي معك وتستمر قوية سليمة؛ لتتخطى بها إلى المساجد وإلى أماكن الطاعة. كم من شاب في عداد المعوقين الآن يتمنى أيام كانت قدماه تحمله يقول: يا ليتني مشيت عليها إلى المساجد! يا ليتني مشيت عليها إلى حلق الذكر ورياض الجنة! يا ليتني مضيت عليها إلى مواقع ترضي الله حتى إذا ابتلاني الله بما ابتلى وقدر ما قدر من هذا الشلل كتب ما كنت أعمله صحيحاً مقيماً. لو أن رجلاً أصيب بشلل أو عاهة أو مصيبة وقبل أن يصاب بهذه العاهة كان مديماً على استخدام جارحته في الطاعة والعبادة، فإنه بعد أن يصاب تمضى له الحسنات، وتستمر له الدرجات، وذلك أن النبي ﷺ قال: (إذا مرض المسلم أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) أي رجل تعود قيام الليل فأصابه مرض نقول له: اطمئن إن أجر التهجد يكتب في صحيفة أعمالك ولو كنت على فراش المرض، رجلٌ تعود أن يعتمر أو أن يحج كل عام، ولكن حال دونه ودون الحج والعمرة مصيبة مالية أو بدنية نقول: اطمئن فإنها مكتوبة في موازين أعمالك؛ لأنك يوم أن كنت قوياً صحيحاً قد مضيت على هذه الطاعة فالآن تكتب لك وإن لم تفعلها ولكنك تفعلها بنيتك هذه. أما الذي كان أيام قوته وعنفوان شبابه وربيع عمره يملك قوةً لكن ما سخرها في طاعة ولا في حلق الذكر ولا في رياض الجنة ولا في مجالسة الأخيار والدعوة، وإنما سخرها في صعود وهبوط، وسفرٍ وعودة، وسهرٍ وغفلة، نومٍ عن عبادة، وذهابٍ وإياب، ومعاكسةٍ ومشاهدة، وجلوسٍ وقهقهة، وسخريةٍ وضحك، وتحدٍ واستهتار، فحينما يصاب بمصيبة أو يبتلى ببلية، فما الذي يريد أن يكتب له بالعمل الصالح، إن من نعمة الله أن الإنسان إذا أذنب كتبت سيئةً واحدة، وإذا أصابه بعد الذنب ما أصابه فلا تكتب بقية السيئات إلا سيئةً كان يدعو إليها، أو كان يروجها وينشرها فعليه وزرها وأوزار من عمل بها إلى يوم القيامة. مثال السيئات التي إذا مات صاحبها فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وهذا مثالٌ واقعي وليس من الخيال: رجلٌ كان يملك محلاً كبيراً فيه عدد من الفتحات يبيع فيه أشرطةً لأفلام الفيديو، فيها رقص هندي، ومصارعة حريم، وهبال وجنون، وحب، وغزل، وقلة حياء ومصائب متعددة، المهم أن هذا الرجل كان تاجراً من تجار محلات الفيديو، وربما بلغت الأشرطة الأصول التي عنده في ذلك المحل أكثر من مائة وثلاثين ألفاً أصل شريط فيديو، كتب الله أن سهام المنية وملائكة الموت تحل في داره وتأخذ برقبته وتنتزع روحه. فما الذي حصل؟ كنا نظن أو يُظن أن الورثة من بعده يقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون هذا والدنا مات ولكن خلف معصية كبيرة، خلف فساداً وانحرافاً، فلعلنا أن نعالج وضعه وأن نحرص على أن نفعل حسناتٍ تكفر سيئاته. فما الذي كان من الورثة؟ كانوا أذكى من أبيهم في هذا الضلال، قالوا: لو أننا بعنا محل الفيديو لن يباع بقيمة جيدة طبعاً؛ لأن قنوات الدش قد هبطت أسعار محلات الفيديو، شرٌ يهون شراً كما أن الإم بي سي إف إم خربت على تسجيلات الأغاني، فكذلك قنوات الدش خربت على محلات تجارة الفيديو، ولأن فيها من الفساد ما يوجد في المحلات وأكثر وأشد ولا حول ولا قوة إلا بالله، الحاصل أن الورثة بعد أبيهم قالوا: لو بعناه ما جاب قيمة، ولوصفينا الأشرطة لا أحد يشتري أشرطة، نبيع الأجهزة ونقفل المحل، الديكور واللوحة والشهرة العالمية لا تصلح شيئاً، والحل يا شباب فليضع كل واحدٍ منا يده في يد الآخر ولنتعاهد ولنتعاقد ولنعقد بالخناصر والأكف أن نحفظ هذا الكنز الثمين والميراث والرسالة التي كان والدنا مستمراً عليها، فنمضي ويستمر المحل والريع نتقاسمه مجتمعين. يعني: كان المتوقع من هؤلاء أن يقولوا: أبونا مات وفرق بينه وبين الشيخ عبد الله الجار الله الذي مات في العام الماضي ليلة سبع وعشرين، ولما مات عشرات إن لم تكن مئات الرسائل من الكتب والنشرات والكتيبات والمذكرات كلها في الدعوة والطاعة والعبادة والإنابة والتوبة والإرشاد والتحذير والنصيحة، كلها قال الله قال رسوله قال السلف: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان فهنيئاً له في هذا الميراث الذي خلف، لكن صاحبنا الذي نتحدث عنه نسأل الله أن يعاملنا وإياه بعفوه، فإن رحمة الله واسعة لا يضيق بها ذنب عبدٍ مهما عظمت ذنوبه، صاحبنا هذا الذي مات عن أفلام الفيديو الخليعة الماجنة، وأولاده من بعده يشغلون المشروع ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهذا نوعٌ واقعيٌ ومثالٌ واقعيٌ للسيئات التي ذنبها يستمر على صاحبها بعد فراقها أو بعد رحيله عنها بموتٍ أو بغيره. فالعاقل أيها الأحباب: يحرص أن يقدم عملاً ينفعه بعد موته، وحين ننادي شبابنا نقول لهم: اغتنموا هذه الأوقات، واغتنموا ما جعلكم الله مستخلفين فيه؛ فإن الله سائلكم عن هذه النعم التي أنتم فيها.

стр. 875

الحكمة من خلق البشر يا أحبابي: أتظنون أننا خلقنا من أجل أن نشرب ومن أجل أن نأكل وننام؟ أتظنون أننا خلقنا لهذه المتع والملذات؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] هذا كلام الله ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ [المؤمنون:١١٦] يعني: الله أجل وأكرم من أن يخلقنا عبثاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:١١٥] ما ظنكم لو أن تاجراً من التجار استقدم ألف عامل من كوريا، وألف عامل من اليابان، وألف عامل من الصين، أي ثلاثة آلاف عامل وجعلهم في الكنبات ومواقع شركات، ثم بعد ذلك لما جاءوا واجتمعوا ما أعطاهم عملاً معيناً، أخرجوا لهم تأشيرات وفيز ونقلتهم الطائرات، واستقبلتهم العلاقات العامة في الشركة ثم أتوا بهم وأدخلوهم في المخيمات والكنبات وتركوهم هكذا، سبحان الله! ثلاثة آلاف عامل بكل تكاليف استقدامهم ونقلهم وتذاكرهم وتأشيراتهم؛ ثم بعد ذلك تتركهم عبثاً وسدى، هذا مجنون!! هذا ليس برجل أعمال!! هذا ليس بمخطط أبداً!! إن الشخص لا يستقدم عاملاً براتب بخمسمائة ريال إلا وقد أعد له ألف شغلة، إن عجز عن هذه؛ أشغله في الأخرى. فإذاً أتظنون أن الله خلق هذا الخلق بمليارات البشر عبثاً هكذا فقط يأكلون، ويشربون ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٧]. أيها الأحبة! إننا نغفل عن قيمة الزمن، والواقع يؤكد أن كثيراً من إخواننا المسلمين وأخواتنا المسلمات غافلون عن إدراك قيمة العمر وهذه الدقائق والساعات، إن الكثير غافلون عن إدراك الحكمة من وجودهم في هذه الحياة، نعم إن الشيوعيين والدهريين والذين لا يعلمون لأي حقيقة وجدوا يجهلون ذلك، لكن المسلم يعلم. ذلك الإلحادي المستهتر المستهزئ الذي يقول: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت سأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت كيف أبصرت طريقاً لست أدري؟ ولماذا لست أدري لست أدري؟. وعمرك ما تدري ولن تدري إن لم يكن لك دراية من كتاب الله ومن كلام رسوله ﷺ ، لكننا ندري من أين جئنا، وندري إلى أين نتجه، وندري ما الذي ينتظرنا إن أحسنا العمل، وندري ما الذي يدركنا إن أسأنا السعي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 876

وعن عمره فيمَ أفناه ؟ أيها الأحبة! قولوا للشباب: إننا جميعاً سوف نحشر بين يدي الله ولن يمر أحدٌ إلا وسوف يسأل: (لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي. الوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع (لن تزول قدما عبدٍ حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟) أذكر من سنين طويلة من قرابة سبع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة حينما كنت صغيراً، أن رجلاً كان يزور أحد أقاربي، والذي كان يشد انتباهي أن هذا الرجل على كبر سنه، كان مشجعاً متعصباً يموت في الهلال، ويصبح على الهلال ويسره ما يسر الهلال ويسوءه ما يسوء الهلال وكأنما هو على حد قول القائل: وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد هناك من يقول: الهلال على عيني ورأسي، وأقول: لو يصبون له زنجبيل وبما أن الزنجبيل أصفر والنصراوية أصفر لا يشرب أبداً، والعجيب قبل شهرين أو ثلاثة كنت في مناسبة زواج، فقابلت الرجل وإذ بالرجل قد كبرت به السن وسألت واحداً قلت: فلان أهو صاحبنا الذي كان هلالياً حتى الموت؟ قال: هو هو، قلت: ولعله إن شاء الله بعد هذه السنين الطويلة قد أفاق، وعلم أن هذه الأندية كلها بل المنتخب لن يدخله الجنة ولن يخرجه من النار، ولن يشتري له بيتاً إن كان ما عنده بيت، ولن يدفع له ضماناً إن كان ما له ضمان، ولن يعطيه شيئاً إذا عجز عن امتلاك المال، هل لا يزال الرجل على طبيعته وسجيته تلك؟ قال: بل وأشد، هذا عمره أفناه في الصحافة الرياضية، من الذي راح؟ وما الذي حصل؟ ومن الذي جاء؟ ومن الذي ذهب؟ ومن الذي عزل؟ ومن الذي فعل؟ ومن الذي قدم وأي عقدٍ حصل وأي؟ بالله يا مسكين! عمرك أفنيته في هذه الرياضة فهل ستنفعك عند الله ؟! وآخر عمره أفناه في السامري، فما يسمع بضربة طارٍ عند جمرٍ من النار إلا جاء وطبلته معه يسخنها قبل أن يستنزل، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وأناس قد بلغوا من الكبر عتياً ومنذ شبيبتهم إلى هذا اليوم وهم -ولا حول ولا قوة إلا بالله- مشغولون والله في هذه البلوة، قولوا: الحمد الله الذي عافنا مما أبتلى به كثيراً من خلقه وفضلنا على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا، لا تظنوا أن هذا ضرب من الخيال بل هو موجود عند طائفة من الناس، وبعضهم أفنى عمره في عرضات وسامر، وبعضهم أفنى عمره في فنٍ وطرب، وبعضهم أفنى عمره في بداية المسلسلات مع الممثل القدير، وأي قدير؟! الممثلة القديرة، وأي قديرة؟! عمرٌ مضى في اللهو، والغفلة، ومقارفة المنكرات، ومخالطة النساء، والخلوة بغير المحرمات، وأمور ومصائب لا ترضي الله ، هذا أسألكم بالله إذا سأله ربه عن عمره فيم أفناه ماذا يقول؟ لعل فينا من يستيقظ، لعل بشبابنا من يتذكر إذا سأله أو سئل يوم القيامة عن عمره فيم أفناه؟ قال: أستغفر الله وأتوب إليه، وأفني ما بقي من العمر سواء كان شاباً في العشرين أو أقل أو الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين أو الستين أفنيت عمري في طاعة الله والدعوة إلى الله، وشهود المساجد، وزيارة الأقارب، وصلة الأرحام، وفي التجارة الرابحة، والتجارة الحلال، والبيع والشراء، وطلب المعيشة، والاستثمار المباح فيجوز للإنسان أن يشتغل بهذا ويتشرف به، لكن هذا الذي أفنى عمره في هذه المسائل -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فوا خجلة الحال إن كان الإنسان يجيب بذلك! أيها الأحبة! إن كثيراً من الشباب تضيع أوقاتهم، ونحن حينما نتكلم عن الوقت لا نقول: إن الواجب ألا يجعل الإنسان لنفسه أو لأصحابه أو لأقاربه أو لأحبابه أو لأهله أياماً أو أوقاتاً أو ساعات يمرح ويتنزه ويخرج للبرية ويتسفر ويتنقل ويتمشى ويتمتع بما أباح الله، نحن لا نقول: حرم على نفسك هذه المتع الطيبة، لكن نقول: الحذر من أن ينقضي أو تنقضي سحابة العمر في معصية الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، تضيع هذه الأوقات على كثيرٍ من الناس وبعضهم معروفون ومشهورون، في ليالي الشتاء البلوت ساخن، وفي ليالي الصيف البلوت ساخن، لو جمعت ساعات البلوت من عمره لوجدتها أخذت جزءاً لا بأس به من عمره، فهذا إذا سئل يوم القيامة عن العمر قال: قضيت جزءاً من العمر في النوم وجزءاً في البلوت، وجزءاً في الغدو والرواح والذهاب والإياب، فلم يبق للعبادة والطاعة إلا أقل القليل من الساعات والدقائق ولا حول ولا قوة إلا بالله! كان العلماء يتمنون زيادة الوقت مع عنايتهم وحرصهم على أوقاتهم، كان علامة الشام جمال الدين القاسمي ﵀ في دمشق إذا مر على الناس وهم جالسون على المقاهي، قال: آه لو أن الأوقات تباع وتشترى؛ لاشتريت من هؤلاء أوقاتهم. عنده مشاريع سوف يملأ بها أوقات هؤلاء لو اشترى منهم، لكن كثيراً من شبابنا اليوم يملون من الوقت إذا أصبح قال: أخ! متى يأتي الغداء نأكل ونرتاح؟ وإذا تغدوا جاء الظهر متى يأتي العصر نطلع نشم هواء؟ وإذا انتهى اللف في السيارة قال: متى يأتي الليل نسمر وننبسط، وإذا انتهى وقت السمر والسواليف والخبال قال: متى يأتي وقت النوم نرتاح، متى يأتي هذا ومتى يأتي هذا: وحلفت ألا أبتديك مودعاً حتى أهيئ موعداً للقائي أودع هذا لأستقبل هذا وتلك والله مأساة يضيع فيها كثير من أوقات شبابنا. أيها الأحبة! نريد وقفة تأمل وتدبر لما نعيشه ويعيشه كثيرٌ من شبابنا؛ من إضاعةٍ للأوقات، وتبذير للأعمار إلى حدٍ جاوز السفه.

стр. 877

عصيان الله بنعم الله أيها الأحبة! هذه الصحة والعافية التي في جوانحنا وفي جنباتنا؛ هذه الصحة في الأسماع والأبصار والأبدان، والله إننا ما عصينا الله إلا بطاعته ونعمه، هل تتصور أن رجلاً مشلولاً يرقص دسكو أو بريك دنس أو باليت أو روكي؟! أبداً، لأن الذين يرقصون يرقصون بنعمة الله في أقدامهم ولو سحبت منهم نعمة القدم ما رقصوا، والذين يسمعون الحرام لو كانوا في معاهد الأمل للصم والبكم ما سمعوا هذه الملاهي، والذين ينظرون إلى الحرام لو أخذ الله أبصارهم ونعمة البصر ما كانوا ينظرون إلى الأفلام والمسلسلات التي لا ترضي الله ، إذاً: فما من عبدٍ يعصي الله إلا بنعمة الله، أروني عبداً يعصي الله بنعمةٍ من عند غير الله أبداً، فلنعلم أنه مع زوال العمر وانقضاء العمر وضياع الوقت الذي سوف نسأل عنه، أننا أيضاً نعصي الله فيه بنعم الله فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 878

من شب على شيء شاب عليه أيها الأحبة! إنك لترى في الحياة رجالاً تخطوا عتبة الشباب، وقاربوا الشيخوخة أو بلغوها تراهم يعلنون الحسرة والندامة أنهم لم يأخذوا حذرهم، يأسفون أنهم فرطوا في حق أجسامهم فلم يرعوها حق رعايتها، فجنوا في ذلك علةً من الشبهة ومن الشهوة ومن الغفلة استحكمت في نفوسهم، حتى إن بعض الكبار قد بلغ الأربعين والخمسين ولا يزال يهجر الصلاة ولا يصلي! ولو كان في شبابه مصلياً ما تركها في شيخوخته، ولكنه شب على ما نشأ عليه وبات كهلاً وشاخ عمره فيما شب عليه وشاب في ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله. تصوروا أناساً يبلغون الستين إلى الآن يشربون الخمر شرب مجانين، ولا يشهدون الصلاة، وبعضهم يقول: يكفيني صلاة الجمعة، يا أخي بلغت الستين وقد قال ﷺ : (أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين، وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك) وعند البخاري أن النبي ﷺ قال: (قد أعذر الله إلى امرئٍ بلغه الستين من عمره) يعني: من بلغ ثلاثين فقد بلغ الورقة الأخيرة من نصف العمر، فماذا قدمت في النصف الأخير. إن من شب على الطاعة شاب عليها، ولذلك تجد بعض الشيبان يقول: للأسف أن هذه أصبحت قليلة، قديماً كنا نرى هذا والآن أصبح أمراً قليلاً أن تجد في المسجد شايب ينتظر من العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء (انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط) هذا الشايب يكيف في المسجد إذا دخل المسجد كأنه سمكة في ماء لا يريد أن يخرج منه، لأنه شب على الطاعة وشب على حب الصلاة (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ أنفق نفقةً فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه الخ). أيها الأحبة! لو أن شبابنا تعلقوا بالمساجد ليكبروا بإذن الله متعلقين ببيوت الله متعلقين بالرباط، لكن تعودت كثير من نفوس الشباب الغفلة عن الجماعة، أصبح الواحد يكبر ويكبر ويكبر وما يزال في أنفة وفي ضيق من دخول المسجد، والله إني لا أحصى عدد الرسائل والمكالمات الهاتفية من فتيات متزوجات كل واحدةٍ تقول: هل يجوز أن أطلب الطلاق من زوجي، والأخرى تقول: ماذا أفعل وقد بليت بزوجٍ ولي منه أولاد، والثالثة تقول: قد أصبت بحسرة وملل وكآبة في معيشة كلهن يشكين شباباً ورجالاً لا يشهدون الصلاة أبداً ولا حول ولا قوة إلا بالله، لو شبوا على الصلاة، لو تعلقت قلوبهم على المساجد، لو كثرت خطاهم إلى المساجد وتعودوا الرباط لوجدوا خيراً عظيماً ولكن -ولا حول ولا قوة إلا بالله- شبوا على الغفلة، ومر الليل والنهار والشهر والشهران والسنة والسنتان وتتالت الأعوام وهم على هذه الغفلة، فلما شاب القذال، واحدودب الظهر وذبل الجنبان وتغير وتجعد الوجه يريدون أن يتجهوا إلى المساجد لا، سوف تردهم شهواتهم ونفوسهم وأهواؤهم، ويغلبهم شيطانهم ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠].

стр. 879

الندم على ما مضى من أيام الشباب أيها الأحبة! ما أكثر الذين يندمون على ما مضي من أيام شبابهم، بل إننا والله ونحن الآن في الثلاثينات إن الواحد يندم على الفترة التي مضت من عشرين إلى ثلاثين كيف راحت عشر سنوات من زهرة العمر الذهبية لم نستغلها الاستغلال الأمثل الأوفر، فما بالك فيمن ضيع وضيع وغفل ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنا وإياهم على خطر أن تفاجئنا المنية ونحن لم نستعد استعداداً يرضي الله ويجعلنا ممن يفوزون بجناته ومرضاته. أيها الأحبة! إن للزرع والبذر موسماً معيناً، فإذا جاء وقت الحصاد؛ فإن الزرع لا ينفع حينئذ، إذا جاء وقت حصاد البر ما ينفع أنك تبذر الأرض وتشغل الرشاش، فللبذر والزرع وقت، وللحصاد وقتٌ، ولا بد أن تعلم أنك ما دمت في مرحلة الشباب، فإنك في مرحلة البذر ومن زرع البذور وما سقاها تأوه نادماً وقت الحصاد إن الذي يأتي يوم القيامة وقد ضيع هذا الشباب في المعاصي والسيئات، وقد غفل عن الصالحات هو المفلس والخاسر حقاً، وعليه أن يبادر نفسه قبل أن يفاجئه الأجل أو يحل فيه ما قاله الله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠١] لا جنسية، لا تابعية، لا جواز، لا إقامة، لا قبيلة، لا فخذ، لا أسرة، لا عائلة، لا هوية ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] إذاً ما القضية؟ أموال ما تنفع، أنساب ما تنفع ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧] إذن ما الذي ينفع؟ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] الله يجعلنا وإياكم منهم ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٥] ماذا يجيبون؟ ماذا يقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١١١]. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يقول الله فيهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩].

стр. 880

اغتنم خمساً قبل خمس أيها الأحبة: إن النبي ﷺ قال: (اغتنم خمسا ًقبل خمس) وقد قال النبي اغتنم؛ لأن الغنيمة أمر يفوت إذا لم تبادره بالسعي، هل الغنيمة في المعارك؟ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء﴾ [الأنفال:٤١] الغنيمة تحتاج إلى كر وفر وسعي وإقدام وإقبال وعناية وحرص وتجاهد عدواً حتى تقتله وتهلكه وتفوز بالغنيمة بعده، فكذلك الغنائم الخمس يبينها لنا ﷺ بقوله: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) رواه البيهقي عن ابن عباس والحديث صحيح. فكم من عبدٍ وكم من شابٍ وكم من رجلٍ وكم من امرأةٍ الآن هم قادرون على المسارعة إلى الخيرات، قادرون على التوبة والإنابة، قادرون على العمل الصالح، وهم الآن عنها قاعدون، وذلك والله عين الغبن؛ لأن الغبن الذي يغبن فيه الناس اليوم هو غبنٌ في الصحة والفراغ، قال ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) أما الصحة فتضيع في اللهو والغفلة والمعاصي، والفراغ فيما لا يرضي الله ، فيأتي الإنسان يوم القيامة ذلك القوي النشيط كمال الأجسام يسبقه النحيل الضعيف المريض؛ لأن هذا النحيل المريض قد سخر القليل الباقي من صحته في طاعة الله ، وذلك القوي صاحب كمال الأجسام قد ضيع هذه العافية والقوة في معصية الله ، وربما يأتي الرجل المشغول بلقمة العيش منذ أن تطلع الشمس إلى أن تغيب وقد سبق ذلك الفارغ الذي ما عنده شغلٌ يشغله، لأن ذلك الفقير المشغول قد أنفق وأمضى وصرف البقية الباقية من وقته في طاعة الله ، وذلك المتفرغ قد ضيع الوقت وجعله في معصية الله . نقول أيها الأحبة: إننا نحذر إخواننا وأنفسنا وشبابنا ألا نغبن في صحتنا فتضيع القوة في غفلة، وفي معصية، وألا نغبن في أوقاتنا فيضيع العمر من غير أن نجني منه أرباحاً في العمل الصالح، ودرجاتٍ تقربنا إلى مرضاة الله ، ونقول لكل واحدٍ منا ما قاله الشاعر قديماً: تزود للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العباد وتب مهما جنيت وأنت حيٌ وكن متنبهاً قبل الرقاد ستندم إن رحلت بغير سعيٍ وتشقى إذ يناديك المنادي أترضى أن تكون رفيق قومٍ لهم زادٌ وأنت بغير زاد إذا أدرك شبابنا هذه القضية وعرفوا أن الله قال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:٤ - ١١] من أي الفريقين أنت أيها الشاب: أفمن يرضى لنفسه مخالطة الأشرار، وأصحاب السوء أهدى، أمن لا يرضى إلا بمخالطة الصالحين والأخيار قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] أفمن ثقافته المجلة الخليعة والفلم الماجن أهدى، أمن اشتغل وامتلأ قلبه بالقرآن والسنة وكلام أهل العلم؟ أفمن يعيش ليأكل ويشرب وينكح وينام ويتسمى باسم المسلمين أهذا أهدى، أمن يعيش لهذا الدين ويعيش لهذه العبادة؟
следующие страницы →