Полный текст (3 155 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وعن عمره فيمَ أفناه ؟
أيها الأحبة! قولوا للشباب: إننا جميعاً سوف نحشر بين يدي الله ولن يمر أحدٌ إلا وسوف يسأل: (لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي.
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
(لن تزول قدما عبدٍ حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟) أذكر من سنين طويلة من قرابة سبع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة حينما كنت صغيراً، أن رجلاً كان يزور أحد أقاربي، والذي كان يشد انتباهي أن هذا الرجل على كبر سنه، كان مشجعاً متعصباً يموت في الهلال، ويصبح على الهلال ويسره ما يسر الهلال ويسوءه ما يسوء الهلال وكأنما هو على حد قول القائل:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
هناك من يقول: الهلال على عيني ورأسي، وأقول: لو يصبون له زنجبيل وبما أن الزنجبيل أصفر والنصراوية أصفر لا يشرب أبداً، والعجيب قبل شهرين أو ثلاثة كنت في مناسبة زواج، فقابلت الرجل وإذ بالرجل قد كبرت به السن وسألت واحداً قلت: فلان أهو صاحبنا الذي كان هلالياً حتى الموت؟ قال: هو هو، قلت: ولعله إن شاء الله بعد هذه السنين الطويلة قد أفاق، وعلم أن هذه الأندية كلها بل المنتخب لن يدخله الجنة ولن يخرجه من النار، ولن يشتري له بيتاً إن كان ما عنده بيت، ولن يدفع له ضماناً إن كان ما له ضمان، ولن يعطيه شيئاً إذا عجز عن امتلاك المال، هل لا يزال الرجل على طبيعته وسجيته تلك؟ قال: بل وأشد، هذا عمره أفناه في الصحافة الرياضية، من الذي راح؟ وما الذي حصل؟ ومن الذي جاء؟ ومن الذي ذهب؟ ومن الذي عزل؟ ومن الذي فعل؟ ومن الذي قدم وأي عقدٍ حصل وأي؟ بالله يا مسكين! عمرك أفنيته في هذه الرياضة فهل ستنفعك عند الله ؟! وآخر عمره أفناه في السامري، فما يسمع بضربة طارٍ عند جمرٍ من النار إلا جاء وطبلته معه يسخنها قبل أن يستنزل، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وأناس قد بلغوا من الكبر عتياً ومنذ شبيبتهم إلى هذا اليوم وهم -ولا حول ولا قوة إلا بالله- مشغولون والله في هذه البلوة، قولوا: الحمد الله الذي عافنا مما أبتلى به كثيراً من خلقه وفضلنا على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا، لا تظنوا أن هذا ضرب من الخيال بل هو موجود عند طائفة من الناس، وبعضهم أفنى عمره في عرضات وسامر، وبعضهم أفنى عمره في فنٍ وطرب، وبعضهم أفنى عمره في بداية المسلسلات مع الممثل القدير، وأي قدير؟! الممثلة القديرة، وأي قديرة؟! عمرٌ مضى في اللهو، والغفلة، ومقارفة المنكرات، ومخالطة النساء، والخلوة بغير المحرمات، وأمور ومصائب لا ترضي الله ، هذا أسألكم بالله إذا سأله ربه عن عمره فيم أفناه ماذا يقول؟ لعل فينا من يستيقظ، لعل بشبابنا من يتذكر إذا سأله أو سئل يوم القيامة عن عمره فيم أفناه؟ قال: أستغفر الله وأتوب إليه، وأفني ما بقي من العمر سواء كان شاباً في العشرين أو أقل أو الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين أو الستين أفنيت عمري في طاعة الله والدعوة إلى الله، وشهود المساجد، وزيارة الأقارب، وصلة الأرحام، وفي التجارة الرابحة، والتجارة الحلال، والبيع والشراء، وطلب المعيشة، والاستثمار المباح فيجوز للإنسان أن يشتغل بهذا ويتشرف به، لكن هذا الذي أفنى عمره في هذه المسائل -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فوا خجلة الحال إن كان الإنسان يجيب بذلك! أيها الأحبة! إن كثيراً من الشباب تضيع أوقاتهم، ونحن حينما نتكلم عن الوقت لا نقول: إن الواجب ألا يجعل الإنسان لنفسه أو لأصحابه أو لأقاربه أو لأحبابه أو لأهله أياماً أو أوقاتاً أو ساعات يمرح ويتنزه ويخرج للبرية ويتسفر ويتنقل ويتمشى ويتمتع بما أباح الله، نحن لا نقول: حرم على نفسك هذه المتع الطيبة، لكن نقول: الحذر من أن ينقضي أو تنقضي سحابة العمر في معصية الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، تضيع هذه الأوقات على كثيرٍ من الناس وبعضهم معروفون ومشهورون، في ليالي الشتاء البلوت ساخن، وفي ليالي الصيف البلوت ساخن، لو جمعت ساعات البلوت من عمره لوجدتها أخذت جزءاً لا بأس به من عمره، فهذا إذا سئل يوم القيامة عن العمر قال: قضيت جزءاً من العمر في النوم وجزءاً في البلوت، وجزءاً في الغدو والرواح والذهاب والإياب، فلم يبق للعبادة والطاعة إلا أقل القليل من الساعات والدقائق ولا حول ولا قوة إلا بالله! كان العلماء يتمنون زيادة الوقت مع عنايتهم وحرصهم على أوقاتهم، كان علامة الشام جمال الدين القاسمي ﵀ في دمشق إذا مر على الناس وهم جالسون على المقاهي، قال: آه لو أن الأوقات تباع وتشترى؛ لاشتريت من هؤلاء أوقاتهم.
عنده مشاريع سوف يملأ بها أوقات هؤلاء لو اشترى منهم، لكن كثيراً من شبابنا اليوم يملون من الوقت إذا أصبح قال: أخ! متى يأتي الغداء نأكل ونرتاح؟ وإذا تغدوا جاء الظهر متى يأتي العصر نطلع نشم هواء؟ وإذا انتهى اللف في السيارة قال: متى يأتي الليل نسمر وننبسط، وإذا انتهى وقت السمر والسواليف والخبال قال: متى يأتي وقت النوم نرتاح، متى يأتي هذا ومتى يأتي هذا:
وحلفت ألا أبتديك مودعاً حتى أهيئ موعداً للقائي
أودع هذا لأستقبل هذا وتلك والله مأساة يضيع فيها كثير من أوقات شبابنا.
أيها الأحبة! نريد وقفة تأمل وتدبر لما نعيشه ويعيشه كثيرٌ من شبابنا؛ من إضاعةٍ للأوقات، وتبذير للأعمار إلى حدٍ جاوز السفه.
стр. 877
عصيان الله بنعم الله
أيها الأحبة! هذه الصحة والعافية التي في جوانحنا وفي جنباتنا؛ هذه الصحة في الأسماع والأبصار والأبدان، والله إننا ما عصينا الله إلا بطاعته ونعمه، هل تتصور أن رجلاً مشلولاً يرقص دسكو أو بريك دنس أو باليت أو روكي؟! أبداً، لأن الذين يرقصون يرقصون بنعمة الله في أقدامهم ولو سحبت منهم نعمة القدم ما رقصوا، والذين يسمعون الحرام لو كانوا في معاهد الأمل للصم والبكم ما سمعوا هذه الملاهي، والذين ينظرون إلى الحرام لو أخذ الله أبصارهم ونعمة البصر ما كانوا ينظرون إلى الأفلام والمسلسلات التي لا ترضي الله ، إذاً: فما من عبدٍ يعصي الله إلا بنعمة الله، أروني عبداً يعصي الله بنعمةٍ من عند غير الله أبداً، فلنعلم أنه مع زوال العمر وانقضاء العمر وضياع الوقت الذي سوف نسأل عنه، أننا أيضاً نعصي الله فيه بنعم الله فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 878
من شب على شيء شاب عليه
أيها الأحبة! إنك لترى في الحياة رجالاً تخطوا عتبة الشباب، وقاربوا الشيخوخة أو بلغوها تراهم يعلنون الحسرة والندامة أنهم لم يأخذوا حذرهم، يأسفون أنهم فرطوا في حق أجسامهم فلم يرعوها حق رعايتها، فجنوا في ذلك علةً من الشبهة ومن الشهوة ومن الغفلة استحكمت في نفوسهم، حتى إن بعض الكبار قد بلغ الأربعين والخمسين ولا يزال يهجر الصلاة ولا يصلي! ولو كان في شبابه مصلياً ما تركها في شيخوخته، ولكنه شب على ما نشأ عليه وبات كهلاً وشاخ عمره فيما شب عليه وشاب في ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تصوروا أناساً يبلغون الستين إلى الآن يشربون الخمر شرب مجانين، ولا يشهدون الصلاة، وبعضهم يقول: يكفيني صلاة الجمعة، يا أخي بلغت الستين وقد قال ﷺ : (أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين، وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك) وعند البخاري أن النبي ﷺ قال: (قد أعذر الله إلى امرئٍ بلغه الستين من عمره) يعني: من بلغ ثلاثين فقد بلغ الورقة الأخيرة من نصف العمر، فماذا قدمت في النصف الأخير.
إن من شب على الطاعة شاب عليها، ولذلك تجد بعض الشيبان يقول: للأسف أن هذه أصبحت قليلة، قديماً كنا نرى هذا والآن أصبح أمراً قليلاً أن تجد في المسجد شايب ينتظر من العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء (انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط) هذا الشايب يكيف في المسجد إذا دخل المسجد كأنه سمكة في ماء لا يريد أن يخرج منه، لأنه شب على الطاعة وشب على حب الصلاة (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ أنفق نفقةً فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه الخ).
أيها الأحبة! لو أن شبابنا تعلقوا بالمساجد ليكبروا بإذن الله متعلقين ببيوت الله متعلقين بالرباط، لكن تعودت كثير من نفوس الشباب الغفلة عن الجماعة، أصبح الواحد يكبر ويكبر ويكبر وما يزال في أنفة وفي ضيق من دخول المسجد، والله إني لا أحصى عدد الرسائل والمكالمات الهاتفية من فتيات متزوجات كل واحدةٍ تقول: هل يجوز أن أطلب الطلاق من زوجي، والأخرى تقول: ماذا أفعل وقد بليت بزوجٍ ولي منه أولاد، والثالثة تقول: قد أصبت بحسرة وملل وكآبة في معيشة كلهن يشكين شباباً ورجالاً لا يشهدون الصلاة أبداً ولا حول ولا قوة إلا بالله، لو شبوا على الصلاة، لو تعلقت قلوبهم على المساجد، لو كثرت خطاهم إلى المساجد وتعودوا الرباط لوجدوا خيراً عظيماً ولكن -ولا حول ولا قوة إلا بالله- شبوا على الغفلة، ومر الليل والنهار والشهر والشهران والسنة والسنتان وتتالت الأعوام وهم على هذه الغفلة، فلما شاب القذال، واحدودب الظهر وذبل الجنبان وتغير وتجعد الوجه يريدون أن يتجهوا إلى المساجد لا، سوف تردهم شهواتهم ونفوسهم وأهواؤهم، ويغلبهم شيطانهم ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠].
стр. 879
الندم على ما مضى من أيام الشباب
أيها الأحبة! ما أكثر الذين يندمون على ما مضي من أيام شبابهم، بل إننا والله ونحن الآن في الثلاثينات إن الواحد يندم على الفترة التي مضت من عشرين إلى ثلاثين كيف راحت عشر سنوات من زهرة العمر الذهبية لم نستغلها الاستغلال الأمثل الأوفر، فما بالك فيمن ضيع وضيع وغفل ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنا وإياهم على خطر أن تفاجئنا المنية ونحن لم نستعد استعداداً يرضي الله ويجعلنا ممن يفوزون بجناته ومرضاته.
أيها الأحبة! إن للزرع والبذر موسماً معيناً، فإذا جاء وقت الحصاد؛ فإن الزرع لا ينفع حينئذ، إذا جاء وقت حصاد البر ما ينفع أنك تبذر الأرض وتشغل الرشاش، فللبذر والزرع وقت، وللحصاد وقتٌ، ولا بد أن تعلم أنك ما دمت في مرحلة الشباب، فإنك في مرحلة البذر
ومن زرع البذور وما سقاها تأوه نادماً وقت الحصاد
إن الذي يأتي يوم القيامة وقد ضيع هذا الشباب في المعاصي والسيئات، وقد غفل عن الصالحات هو المفلس والخاسر حقاً، وعليه أن يبادر نفسه قبل أن يفاجئه الأجل أو يحل فيه ما قاله الله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠١] لا جنسية، لا تابعية، لا جواز، لا إقامة، لا قبيلة، لا فخذ، لا أسرة، لا عائلة، لا هوية ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] إذاً ما القضية؟ أموال ما تنفع، أنساب ما تنفع ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧] إذن ما الذي ينفع؟ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] الله يجعلنا وإياكم منهم ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٥] ماذا يجيبون؟ ماذا يقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١١١].
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يقول الله فيهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩].
стр. 880
اغتنم خمساً قبل خمس
أيها الأحبة: إن النبي ﷺ قال: (اغتنم خمسا ًقبل خمس) وقد قال النبي اغتنم؛ لأن الغنيمة أمر يفوت إذا لم تبادره بالسعي، هل الغنيمة في المعارك؟ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء﴾ [الأنفال:٤١] الغنيمة تحتاج إلى كر وفر وسعي وإقدام وإقبال وعناية وحرص وتجاهد عدواً حتى تقتله وتهلكه وتفوز بالغنيمة بعده، فكذلك الغنائم الخمس يبينها لنا ﷺ بقوله: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) رواه البيهقي عن ابن عباس والحديث صحيح.
فكم من عبدٍ وكم من شابٍ وكم من رجلٍ وكم من امرأةٍ الآن هم قادرون على المسارعة إلى الخيرات، قادرون على التوبة والإنابة، قادرون على العمل الصالح، وهم الآن عنها قاعدون، وذلك والله عين الغبن؛ لأن الغبن الذي يغبن فيه الناس اليوم هو غبنٌ في الصحة والفراغ، قال ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) أما الصحة فتضيع في اللهو والغفلة والمعاصي، والفراغ فيما لا يرضي الله ، فيأتي الإنسان يوم القيامة ذلك القوي النشيط كمال الأجسام يسبقه النحيل الضعيف المريض؛ لأن هذا النحيل المريض قد سخر القليل الباقي من صحته في طاعة الله ، وذلك القوي صاحب كمال الأجسام قد ضيع هذه العافية والقوة في معصية الله ، وربما يأتي الرجل المشغول بلقمة العيش منذ أن تطلع الشمس إلى أن تغيب وقد سبق ذلك الفارغ الذي ما عنده شغلٌ يشغله، لأن ذلك الفقير المشغول قد أنفق وأمضى وصرف البقية الباقية من وقته في طاعة الله ، وذلك المتفرغ قد ضيع الوقت وجعله في معصية الله .
نقول أيها الأحبة: إننا نحذر إخواننا وأنفسنا وشبابنا ألا نغبن في صحتنا فتضيع القوة في غفلة، وفي معصية، وألا نغبن في أوقاتنا فيضيع العمر من غير أن نجني منه أرباحاً في العمل الصالح، ودرجاتٍ تقربنا إلى مرضاة الله ، ونقول لكل واحدٍ منا ما قاله الشاعر قديماً:
تزود للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العباد
وتب مهما جنيت وأنت حيٌ وكن متنبهاً قبل الرقاد
ستندم إن رحلت بغير سعيٍ وتشقى إذ يناديك المنادي
أترضى أن تكون رفيق قومٍ لهم زادٌ وأنت بغير زاد
إذا أدرك شبابنا هذه القضية وعرفوا أن الله قال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:٤ - ١١] من أي الفريقين أنت أيها الشاب: أفمن يرضى لنفسه مخالطة الأشرار، وأصحاب السوء أهدى، أمن لا يرضى إلا بمخالطة الصالحين والأخيار قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] أفمن ثقافته المجلة الخليعة والفلم الماجن أهدى، أمن اشتغل وامتلأ قلبه بالقرآن والسنة وكلام أهل العلم؟ أفمن يعيش ليأكل ويشرب وينكح وينام ويتسمى باسم المسلمين أهذا أهدى، أمن يعيش لهذا الدين ويعيش لهذه العبادة؟
стр. 881
ماذا قدمنا للإسلام ؟
إن الإسلام يخدمنا ويعطينا ويمنحنا، لكن نحن ماذا قدمنا للإسلام؟ أنا أعطيك أقرب مثال على ذلك: لو حصل لا قدر الله حادث لرجل على الطريق، وجاء واحد قال: يا إخوان هناك رجل شاب صار له حادث وعنده نزيف ومحتاج إلى تبرع بالدم، يا إخوان تبرعوا له، أنا واثق أن السيارة ستمتلئ كلها تبرعاً له لأنه مسلم، لأن الإسلام خدمه.
إذاً: الإسلام خدمنا ونحن باسم الإسلام أكلنا وشربنا وحققنا وأنعمنا وحصلنا خيراً كثيراً؛ فماذا قدمنا للإسلام؟! أحد الإخوان في زغرب في المركز الإسلامي بـ كرواتيا بجوار البوسنة يقول: جاءنا ذات مرةٍ شاب بسنوي يقول بلغته البسنوية وكان المترجم موجوداً: هل يوجد أحد من شيوخ العرب أريد أن أتكلم معه؟ قال: فجيء إليه برجلٍ من الشباب فيه خير نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً، قال: فجئنا إليه، فقال له: يا أخي تعال -هذا كان في بداية غزو الصرب للبوسنة - أنا مسلم جاء الصرب واغتصبوا أخواتي، وأحرقوا بيوتنا، وطردونا وشردونا وفعلوا بنا الأفاعيل، وأنا مسلم أقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا أعرف عن الإسلام إلا هاتين الكلمتين، فيا أخي علمني شيئاً عن هذا الدين الذي أقتل لأجله، علمني شيئاً من هذا الدين الذي يحرق بيتنا لأجله، علمنا شيئاً عن هذا الدين الذي يعتدى علينا لأجله، أنا أريد أن أقاتل هؤلاء الكفار من الصرب والنصارى حتى أموت ولن أتركه لكن علمني.
الآن لو أتينا إلى شاب في سجن المخدرات وقلنا له: تعال اكتب لنا عشر صفحات عن الإسلام، لكتب خمسين صفحةً عن الإسلام، فهذا بسنوي لا يعرف عن الإسلام إلا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يقول: علموني هذا الدين الذي أقتل لأجله حتى أقاتل على بصيرة وأستمر من أجل هذا الدين، وكان بإمكان هذا الشاب البسنوي أن يقول للصرب: قفوا ماذا تريدون؟ نعلق الصليب، نصلي لليسوع، ننحني للقداس، نسوي التعميد، نسوي صلاة الكنيسة، ونرتاح من الهم والغم لكنه مصر على الإسلام، ومن أجل الإسلام الذي لا يعلم عنه إلا هاتين الكلمتين يتحمل هذه التضحيات.
فنحن يا معاشر الشباب الذين نعرف الكثير الكثير عن الإسلام؛ في الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وأمور كثيرة في العلاقات والعبادات والأخلاق والمعاملات والعقائد وأشياء كثيرة، ماذا قدمنا لهذا الدين؟ هناك جهلة لا يعرفون عن الإسلام إلا كلمتين يقاتلون من أجله، ونحن أقل شاب فينا يعرف عن الإسلام الكثير ولا يقدم من أجل الإسلام التزاماً! لا يقدم من أجل الإسلام توبة! لا يقدم من أجل الإسلام تضحية؟! لا يقدم من أجل الإسلام يقظة في مواجهة هذه الحرب المسعورة علينا؟! لسواد أعيننا أعداء الإسلام يخسرون نفقات المحطات الفضائية والأقمار الصناعية المستقبلة والمرسلة مجاناً؟ لسواد أعيننا يبثون علينا هذه القنوات؟ لا، ولكن حتى يبقى الضال ضالاً، والفاسق فاسقاً، والمنحرف منحرفاً، والغبي غبياً، والجاهل جاهلاً، المهم ألا يستفيق الشباب والرجال والنساء للإسلام، المهم ألا تعود هذه الأمة إلى الإسلام.
قال أحد البريطانيين الخنازير: إن هذا المارد -يعني الإسلام- سوف يعود ويستيقظ عما قريب ونحن لا نملك أن نرد يقظته، لكننا نملك أن نخدره لنبطئ ساعة يقظته.
نحن لا نملك أن نرد هذا المارد، بل اليهود الذين عجزت أمة الإسلام وقد بلغت المليار أن تسحقهم وهم لا يتجاوزون سبعة عشر مليوناً في العالم، والشكوى إلى الله ، وإلا والله لو يفتح الطريق إلى هؤلاء الخنازير لوجدت الشباب مستعدين أن يموتوا ويريقوا الدماء من أجل أن يذبحوا اليهود ذبح النعاج والشاه، لكن إنا لله وإنا إليه راجعون، سيأتي اليوم ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود:١٢٢].
يقول أحد المسلمين ليهودي من اليهود: سيأتي يومٌ نقاتلكم فيه وسوف ننتصر عليكم، فقال: اليهودي نعم صدقت! ستقاتلوننا وتنتصرون علينا، ولكن ليس هذا الجيل الذي أنتم منه هو الجيل الذي سينتصر علينا، جيل الأغنية والتمثيلية والدش والمسلسل والغفلة والزمر والطرب والكأس والمعاكسة والمرأة والعبث بالخارج والربا والخنا والمعاصي والضياع، ليس هذا الجيل الذي سوف يطرد اليهود من فلسطين، لكنه جيل العباد الزهاد الصالحين أسود في النهار، رهبانٌ بالليل
وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا
رقاقٌ إذا ما الدجى زارنا نصبنا محاريبنا للحزن
وجندٌ شدادٌ إذا رامنا عدوٌ رأى أسدنا لم تهن
هذا هو الجيل الذي سوف يفتح فلسطين وسوف يفتح القدس ويردها ويرد غيرها من بلدان المسلمين إليهم.
نقول يا شباب الإسلام: القضية أكبر من أن تضيع في حب فتاةٍ عبر رسالةٍ أو مكالمة، والقضية أكبر من أن تضيع الأيام في متابعة مسلسل ونعرف في الحلقة الأخيرة، هل تزوجها أم طلقها؟ وهل وجدها أم فقدها؟ وهل انتصر عليها أم انتصرت عليه؟ القضية أكبر من أن تضيع الأمة في هذا الهراء والضياع، لكن من يوقظ الأمة؟ من يوقظ الشباب من هذا النعاس؟ وهذه المؤامرات؟ ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦] ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ [الطارق:١٥] ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ:٣٣] مكر عجيب يخططه أعداء الإسلام وأذنابهم والشباب ينقادون في هذا المخطط.
стр. 882
لا عزة إلا بالإسلام
كم نتمنى أن نعيش في عزة.
الآن انظر لو أن أفضل مطعم أتى بأكلات شعبية نظيفة ذات قيمة غذائية عالية، لأعرض عنها شبابنا إلى هذه الأكلات التي لا تجد فيها من القيمة الغذائية شيئاً، والسبب أن هناك تيار تغريب الأمة وتغريب الشباب، انظر إلى ملابس الشباب انظر إلى بنطلوناتهم وترنكاتهم والفنايل الرياضية والقبعات التي توضع على الرءوس، والكلمات التي تكتب على الفنايل، والعبارات التي تكتب على زجاج السيارات تجد هناك اتجاهاً تغريبياً لهؤلاء الشباب، نحن نتمنى أن شبابنا يرون الغرب كالعذرة والخنزير.
قديماً فيما مضى، كان في عصر الخلافة العباسية والأموية وغيرها يوجد فساق وأهل معاصٍ وشربة خمور، لكن ما كان في قلوبهم شيء من المحبة أو المودة للغرب والكفار، ما كان في قلوبهم تنازل أن ينظر إلى الغربي والكافر نظرة احترام وتقدير، ما كان يرضى أن يَعُد هذا الكافر شيئاً، اللهم إلا إنسان ذمي فله حقوق أهل الذمة فقط، لكن مصيبتنا الآن أن الشاب يدرس في الصباح التوحيد والفقه والحديث والثقافة الإسلامية، وفي المساء تجده مولع بالرياضة الغربية، الملابس الغربية، والأفلام الغربية، والأغاني الغربية، والموسيقى الغربية، وهذه المصيبة التي أورثت في نفوس الشباب هذا التغيير وهذا الاتجاه، والقضية قضية ولاء والخطر على جيل الأمة أن يكون جيلاً يعيش في بلد وجيله في بلد آخر، أن يعيش في بلد وانتماؤه إلى بلد آخر وإن لم يصرح بهذا، لكن الخطورة أن تكون هذه الفيروسات والأمراض قد دخلت في العصب والشعيرات الدموية، ونياط القلوب، وخفقات الأفئدة لشبابنا ونحن لا نعلم، نحن نريد شباباً يعتزون بالإسلام.
يعجبني موقف يذكرون فيه أن شاباً كان ثرياً منعماً، جيء في ذات يوم برجل يصلح ديكوراً في بيته، فكان هذا الشاب جالساً مع شلته يتفرج على فيلم خليع، وهذا الرجل جالس على السلم يشتغل، فالظاهر في لقطة من لقطات الفلم وإن كانت خليعة لكن فيها شكل مضحك، كان هذا الذي على السلم في عقيدته خلل أو ينتمي إلى النصيرية تقريباً، فالتفت يضحك مع هؤلاء الشباب الضاحكين، وقال: هذا كأنه ابن تيمية؛ لأن النصيريين يكرهون ابن تيمية كراهيةً شديدةً حتى في زمن من الأزمان قيل: إن واحداً من الشياطين قال: هاتوا لي ابن تيمية حياً أو ميتاً قالوا: هذا ميت من سنة سبعمائة وعشرين هجري، من أين آتي لك به الآن؟ فالحاصل أن هذا الذي يعمل في الديكور استهزئ بـ ابن تيمية، ففي تلك اللحظة قام ذلك الشاب الذي يجلس ينظر إلى هذا الفلم وأصبحت يقظة؛ لأنه ضرب ضربةً في صميم مثله ومبادئه وقيمه وقادته الأوائل، فأخذ الحذاء وقام يضرب ويلطم على وجه ذلك العامل إلى أن أخرجه قال: ما عاد إلا ابن تيمية، إذا كان هذا المجلس جعلنا نصل إلى هذه الحالة من سب علماء الإسلام وجعل هؤلاء يتجرءون علينا انتهت القضية، وكانت فكرةً بعد سكرة، وكان أمراً بعد خمر، وكانت يقظةً بعد غفلة، نحن نريد من شبابنا يقظة، نريد من شبابنا عزة، نريد من شبابنا ألا يروا الغرب إلا كالأحذية، ونريد منهم أن يسابقوا الغرب في التكنولوجيا والعلوم التطبيقية والاختراعات، ولا يكفي أن نسخر بالغرب ونستهزئ به ونحن فقط لا نملك إلا سب الغرب وشتمه، نريد أن ننافسهم في الذرة والإلكترون وبما استطعنا من جدٍ ومثابرةٍ واجتهاد ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣] هذا أمر نريده من شبابنا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] الشباب اليوم يكدحون لكن بعضهم يكدح ثم يسعى في غضب الله، وبعضهم يكدح ويسعى في طاعة الله ومرضاته ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] الأمر بين أيدينا إن شئنا أن نكون ممن يشترون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ، فإن الله رءوف بالعباد يقبل توبة عبده ولو أسرف على نفسه ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) [الزمر:٥٣] ومن أعرض ونأى وغفل وأصر على معصيته وسوف وقال بعد أن نشيب وبعد أن نكبر، لعل وربما نتوب فقد تفاجئه المنية:
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
стр. 883
دور جليس السوء
ختاماً: أيها الشباب انصحوا وذكروا من تعرفون ممن وراءكم من الشباب أن تحذروهم من جلساء السوء، كم من شابٍ كان عابداً فأصبح فاجراً بسبب جليس، كم من شاب كان عفيفاً فأصبح داعراً بسبب جليس، كم من شابٍ كان طاهراً فأصبح مدمناً بسبب جليس، كم من شابٍ كان غيوراً فأصبح ديوثاً بسبب جليس، الله الله تفطنوا والتفتوا وانتبهوا لهؤلاء الجلساء؛ لأن الفساد لا يقع فجأة، لا يوجد شاب يحاكم في الزنا يقول: والله كنت ماشياً ذاك اليوم وقابلتني امرأة فرمت بي أو رميت بها فزنيت بها، لا، إنها خطوات أولها: الجليس، أو النظرة أو السهام التي يقذفها الشيطان لتقرب إلى هذه المعصية، ولذلك قال الله : ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] فقبل الزنا نظرة وابتسامة، كما قال الشاعر:
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء
نظرةٌ فابتسامة فسلامٌ فكلام فموعد فلقاء
أيها الشاب: قل لمن تعرف من هؤلاء الشباب الضالين عودوا إلى الله قبل أن يفيق الواحد ويقول: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] قبل أن يقول ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧].
﴿يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩] إن أخطر ما على الشباب اليوم رفقاؤهم الذين يزينون لهم المعصية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
واختر من الأصحاب كل مرشد إن القرين بالقرين يقتدي
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأرداء فتردى مع الردي
أود أن نكمل هذه المحاضرة حتى لا أطيل عليكم في مناسبة أخرى، عسى الله أن يجعلها قريبةً بمنٍ منه وكرم، ونجعل ما بقي من الوقت للأسئلة وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 884
الأسئلة
стр. 885
علاج سوء حال المخيمات
السؤال
فضيلة الشيخ سعد: بارك الله فيكم، لسان حال بعض الشباب في المخيمات يقول: خرجنا لهذه المخيمات للترفيه والمرح والسعادة، ولكن مع الأسف الشديد نضيع الصلوات؛ سهرٌ في الليل ونومٌ في النهار نرجو التوجيه؟
الجواب
أيها الأحبة! إن كثيراً من الشباب يقعون في معصية الله وسخط الله وغضبه ولكن لا يصارحون أنفسهم، ويصدقون في نقد بعضهم لبعض والمجاملة تغلب عليهم فيقولون: نخرج من أجل النزهة، ونخرج من أجل الترفيه المفيد، نحن لا نقول: هذا عيب ولا حرام أن يخرج إلى النزهة، ما الذي يحرم عليك أنك توسع صدرك في مخيم في استراحة ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] لا أحد يحرم عليك هذا لكن حينما تجد أن هذا العمل قد أفضى بك إلى ضياع الواجبات وفعل المحرمات، فاعلم أن هذا عمل يضرك ولا يسرك، وهل هناك ما يمنع أن تتواصوا قبل أن تخرجوا إلى المخيم بضوابط، أولها: إذا دخل وقت الأذان فلانٌ يؤذن وفلانٌ يصلي الفجر، فلان يوقظنا لصلاة الفجر، لا نسهر في الليل ثم نصليها في الضحى أو الساعة العاشره أو الحادية عشرة، وبعض الشباب للأسف لا يصليها، وبعضهم لو دخل عليهم طالب علم أو شاب فيه خير يريد يعطيهم كلمة توجيهية إرشادية لمدة عشرين دقيقة، قال: يا ألله! حتى في البر نلقى مطاوعة، سبحان الله العلي العظيم، يا أخي الحبيب أين تريد أن تلقاهم؟ في المقبرة إن الأموات لا تنتصح، أنت المحتاج إلى النصيحة، ثم اسمع ولا تجعل الشيطان حجاباً بينك وبين النصيحة، بعض الناس حينما يأتي أحد ينصحه يقول: كلها عشرين دقيقة وما عليك إلا أن تتحمل فقط، لكن حالهم في آذانهم وقر، وعلى أبصارهم عمى، وعلى قلوبهم أكنة، وما عنده استعداد يسمع كلمة، يعني: ما يضرك حتى لو الشيشة قدامك، والطيران على يسارك والكمنجة وراءك والعود على يمينك والتلفزيون أمامك، لا يضرك أنت ركز فقط على الكلام واسمع هل يعطيك كلام خرافات أو كلاماً حقيقياً؟ هل هذا الكلام صحيح أو كذب؟ هل هذا الكلام ينفع أو يضر؟ هل هذا الكلام معقول أو غير معقول؟ وكثير من الشباب يحجب الشيطان عن النصيحة.
كان الطفيل بن عامر الدوسي يحذرونه ويقولون: انتبه إن قدمت على محمد فإن عنده كلاماً ليس بسحرٍ بل أشد من السحر يفرق بين المرء وزوجه ويجعل الرجل صابئاً في دينه، فإن ذهبت إليه؛ فاجعل في أذنيك قطناً يعني: انتبه تسمع له فوضع الطفيل القطن في أذنيه يوم قدم: قال إني لمن شعراء العرب وأعرف سجع الكهان وأعرف مليح الكلام من قبيحه فلماذا لا أسمع منه، فإن كان حقاً قبلت، وإن كان غير ذلك رددت، فجاء وسمع من النبي ﷺ فقال: زدني فزاده النبي ﷺ ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وللأسف بعض الشباب عنده فكرة أنه يؤجل الدور الثاني الذي هو عقله، فقد أعطى عقله الشباب ورئيس الشلة ورئيس المخيم ورئيس المجموعة إن كان فلان ذاك التزم وتاب، فسألتزم، وإن ظل سيئاً فنحن مثله، وإن كان استقام فحن سنستقيم، هذا جهل: (لا يكن أحدكم إمعة إن أحسن الناس أحسن، وإن أساءوا أساء، ولكن يكن ذا رشدٍ وعقل، إن أساءوا أحسن، وإن أحسنوا أعان على ذلك).
стр. 886
برنامج يومي لمخيمات الشباب والعوائل
السؤال
آمل إعطاء برنامج يومي لنا في مخيم الشباب أو العوائل لأن كثيراً من المخيمات يضيعون الوقت.
الجواب
ينبغي أن يكون الإعداد للمخيمات قبل وقتها، فإذا كان يوجد في المخيم سواء كان مخيماً عائلياً، أو مخيم شباب إذا كان يوجد فيه من العقلاء أو من طلبة العلم، أو من الشباب مهما كان تخصصه ودراسته سواء كان ميكانيك أو كهرباء أو لحام أو سمكرة، المهم عنده احترام لشخصيته وعقله ووقته، يجعل وقتاً محدداً يعني: احترام الزمن يجعلك تجد لذة الوقت، النوم في هذه الساعة فيطفئ نور المخيم ويستسلم الجميع للنوم، فيأتيك شخص يقول لك: والله أنا ما أتاني نوم ماذا أعمل؟ قل له: قل: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير قلها مائة مرة، لو قلتها عشرين مرةً جاء الشيطان قال: يكفي نم خلاص، يخليك تنام وهذا مجرب والله يقول بعض الإخوان وهذا شيء ربما نحن جربناه أيضاً يقول: والله إن الأستاذ أحياناً على السرير يأتي الشيطان يطير عليه النوم ويسهره من أجل أن يضيع عليه الفجر، يقول: إذا جاك النوم ضع المصحف بجانبك وإذا ما جاك افتح المصحف والله ما تقرأ صفحتين إلا وأنت تغط في نومٍ عميق وهذا مجرب، فنقول: يحدد وقتاً معيناً للنوم، تطفئ أنوار المخيم والجميع ينامون، وقت الفجر يقوم أحدهم يؤذن، يصلون الفجر ويذكرون الله ويقرءون قليلاً من القرآن ويعودون إلى النوم إن شاءوا وإذا كانوا شباباً يتدربون، ثم سيجدون لذة النهار بالاستفادة من الصباح.
لكن بعض الشباب هذه الأيام يسهرون طوال الليل ثم من آخر الليل من الساعة الثانية أو الثالثة نوم ولا يصلي الفجر ولا شيء، ثم يقوم الساعة الحادية عشرة كسلان وهذا مضيعة وقت ثم يقومون لا يشتهون فطوراً ولا يتمتعون بالغداء بسبب ما أصابهم من العجز والكسل، لكن انظر إلى نشاطهم عندما يستيقظون من الصباح ويستمتعون بهواء الصبح إذا تنفس، وصفاء الجو ونقائه ثم الضحى ثم يتناولون فطوراً جميلاً ورياضة وشيئاً من القراءة وقيلولة قبل الظهر وفي الظهر إعداد الغداء، وبعد العصر قراءة في كتاب، ثم يوزعون أنفسهم فريقين أو ثلاث فرق، إن كانوا يلعبون كرة قدم أو طائرة إلى المغرب يصلون ثم قراءة إلى العشاء، وفي نفس البرنامج يجدون متعة وليس بشرط كرة القدم أضف إليها ألعاباً أخرى، تمرينات وتدريبات فسيجدون وقتاً.
كذلك الأسر عندها المسابقات والكتيبات والقراءة والأمور النافعة وعندهم الحديث الطيب في قصص الأولين والآخرين والمغازي وما حصل أيام الجاهلية وأيام كذا وما الذي حصل قبل فتح الرياض وأيام زمان، لكن أن يضيع الوقت بهذه الطريقة التي عليها كثير من الشباب والله إن الإنسان يرثي لحاله.
стр. 887
شاب متردد في التوبة
السؤال
فضيلة الشيخ شابٌ متردد في التوبة هل من توجيه إليه؟
الجواب
لا تتردد يا أخي يقول تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] والله ما يردك عن التوبة إلا الشيطان يريد أن يفاجئك فيها قبل أن تتوب وإن تبت إلى الله، فأبشر فإن الله يفرح بك: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحد أضل ناقته وعليها طعامه وشرابه الخ) إن الله يفرح بتوبة العبد وإذا تبت توبةً صادقةً أبشر؛ فإن الله يبدل سيئاتك حسنات وبالمناسبة كثير من الشباب إذا أراد أن يتوب يذهب إلى عند أحد المشايخ يقول: يا شيخ أنا سافرت يوم كذا وسويت يوم كذا وأخطأت وفعلت لا تقل ذلك، بل إذا تبت إلى الله فاشكره ولا تخبر أحداً بشيءٍ أبداً ولا تتكلم عما ستره الله عليك ولا تكشف أوراقاً قد أودعها الله في كنف الستر.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 888
إن ربك لبالمرصاد
إن الله جل وعلا يهلك الظالمين والطغاة على مر العصور والدهور ولو بعد حين، ولكن يجب على الأمة أن تنتبه من أعدائها، وأن تحرس أوطانها، وكذلك يجب عليها أن تعود إلى الله بالدعاء والتوبة والإقلاع عن جميع ذنوبها، هذه هي أسباب النصر بالإضافة إلى العدة والعتاد.
стр. 889
الله بالمرصاد لكل طاغية
الحمد لله، الحمد لله الذي بأمره تنسف الجبال نسفاً، فتكون قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، الحمد لله الذي بأمره تنكدر النجوم، وتنفطر السماء، وتنشق السماء، وتمد الأرض، وتسجر البحار وتفجر، الحمد لله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.
الحمد لله العظيم الذي تكون الأرض بيده يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، الحمد لله منزل النعم، ودافع النقم، الحمد لله منشئ السحاب، منزل الكتاب، هازم الأحزاب.
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي سبب الفوز والنجاة، وهي سبب النصر والرفعة، وهي سبب العزة والكرامة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: يقول ربنا جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥] ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤].
الحمد لله القائل: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ * وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٤٥].
الحمد لله الذي لا يعلم جنوده إلا هو: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١].
стр. 890
طاغية العراق يتعدى حدود الله
عباد الله: كلكم قد سمع وتابع بمنتهى الحرص والعناية والاهتمام ما كان قبل ليلتين، وذلك بحلول وعد الله، وسوء عقابه على يد جندٍ من جنوده، بذلك الطاغية الذي طالما تكبر وتجبر، وطالما دعي إلى السلم مع أهون شروطه وأبسط قواعده وأهون التزاماته، ومع ذلك أبى إلا هذه المعركة.
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجّمِ
أبى إلا تلك الساعة، فكانت بأمر الله الساعة، كانت ساعةً أقضت مضجعه، ومزقت شمله، وفرقت جمعه، ولا عبرة بما تسمعون من بعض الإذاعات المرجفة أو العميلة والدخيلة التي تهون من شأن المصائب التي وقعت على أم رأسه، أو تبالغ، أو تفتري مصائب وقعت بمن وقفوا في وجهه.
عباد الله: كل ذلك بقدر الله، كل ذلك بأمر الله، ووالله لقد سألنا الله أن يدفع البلاء عن المؤمنين، وإن كان في الحرب خيرٌ للأمة، فقد سألناها الله أن تكون مدمدمةً لهذا الطاغية، لقد آن له أن يستوفي حسابه، وأن ينال جزاءه، أين دماء الأكراد؟ هل ينساها التاريخ بوضع كلمة الله أكبر على راية الجيوش؟ أين دماء الأكراد؟ وهل ينساها التاريخ بدعوى الإسلام والجهاد زوراً وبهتاناً؟ أين علماء العراق؟ أين عبد العزيز البدري؟ أين العلماء الذين شردوا من العراق؟ أين العلماء الذين قتلوا شنقاً وغيلةً؟ أين أولئك جميعاً؟: (بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤].
أعطى زعماء الدول المجاورة وعوداً بالكف عن جيرانه، وعدم الاعتداء والغزو عليهم، وفي ليلة ليلاء مظلمة ظلماء إذ به يجر جيوشه لتزحف على جارة صغيرة وادعة، وفي نفس الليلة جاءته الجيوش الجرارة من بين يديه، ومن خلفه، ومن فوقه، ومن تحته، اعتدى على الكويت قبل فجر الخميس اعتدى على الكويت في الساعة الثانية والنصف، وضرب في الثانية والنصف، في اليوم والساعة واللحظة والتاريخ، إن الجزاء من جنس العمل، ومع ذلك -يا عباد الله- لا يزال المغرورون به المخدوعون بوهم عظمته يطبلون ويغنون له، ويزعمون أنه هو الذي سيصمد لهذه الأمة في الساحة.
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامةٍ يا مربع
стр. 891
إياكم أن تغتروا ببعض أعمال الطغاة
وإن مما زادني عجباً ودهشةً ما سمعت البارحة أنه وجه بعض الصواريخ إلى إسرائيل، وهذه حركة المذبوح، ليست غيرةً على اليهود، فليس بأهلٍ أن يغار لهم، ولكن أين هذه الصواريخ في اليوم الذي ضربت فيه الكويت؟ لماذا لم تبدأ بها إسرائيل؟ أين هذه الصواريخ في بداية معاركه، أيام تهديده ووعيده؟ ولكن وكان العقلاء يقولون هذا في اللحظة التي لم يبق ولن يبقى معه إلا قليلاً من العدد والعدد سيوجه اثنين أو ثلاثة منها إلى إسرائيل لا حباً في الجهاد، ولا كراهيةً في اليهود، وإنما ليقول الغوغاء والبسطاء والسذج والعامة: انظروا فهذا قائد مخلص، ولكن ما سبق من أفاعيله وأباطيله لا تجعل عقلاء الأمم تنطلي عليهم هذه الحيلة، من ضربه بعض الصواريخ لتلك البلاد، مع أننا لا نشك في وعد الله لأمة الإسلام، التي ستواجه اليهود يوماً ما، ولكن من الذي يواجه اليهود؟ هل هم البعثيون الذين يقولون:
آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
أولئك الذين يواجهون إسرائيل؟ من الذي يواجه إسرائيل؟ أولئك الذين يقولون:
سلامٌ على كفرٍ يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ
لا.
يواجه إسرائيل الفئة المؤمنة الطاهرة المتوضئة، التي أخلصت ولاءها لله ولرسوله ودينه، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم! -ولا يقول يا بعثي- يا مسلم! ورائي يهودي تعال فاقتله، تلك الموقعة التي هي بشارة المؤمنين بالمعركة الفاصلة مع اليهود، أما هذه فتمثيلية تنطلي على السذج والبسطاء إذا رأوا قذيفة أو اثنتين سقطت في تل أبيب، قالوا: إن الرجل بحق يجاهد اليهود في فلسطين، لا والله، إن الذي يدرك سيرته، وتاريخ حزبه، وأفكار منظمته، وحقائق ملته وبدعته هذه، بل وكفره وطغيانه، يعرف أنه ليس بكفءٍ وليس أهلاً أن ينال شرفاً يدعي به جهاداً يواجه به اليهود.
عباد الله: هذه عقوبة الله لهذا الطاغية المتجبر، فكم من طفل مات في الصحراء عطشاً! وكم من عذراء انتهك عرضها! وكم من حصون رزان عفيفةٍ منيفةٍ اغتصبت غصباً! وكم من أناسٍ فتحت عليهم أفواه البنادق والرشاشات ظلماً وعدواناً! وكم من أناسٍ سلبت أموالهم وشردوا، حتى بحثوا عن أهليهم وذويهم في الإذاعات، هذا في الشرق، وهذا في الغرب، هذا في الشمال، وهذا في الجنوب! نسأل الله أن يعجل وأن يضاعف له العقوبة، وأن ينتقم للأيامى والثكالى، والأرامل واليتامى، والأطفال والشيوخ، والعجائز والمعوقين منه، لقد فعل بهم الأفاعيل ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٣٢].
стр. 892
واجب الأمة عند المحنة
معاشر المؤمنين: وأمام هذه الأحداث ماذا ينبغي علينا فعله؟ ما هو واجبنا تجاه المرحلة التي تعيشها أمتنا؟ هل ينقسم المجتمع إلى رجال أمن في الداخل، وجنود على الحدود وفي الميادين؟ لا.
كلنا في هذه الأيام جنودٌ لأمتنا، كلنا خدمٌ لإخواننا، كلنا عونٌ لبعضنا البعض، إلا نفعل ذلك: ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣].
стр. 893
حراسة الأوطان
ينبغي أن ندرك تمام الإدراك أن على كل واحد منا مسئولية عظيمة، وواجبات كريمة، شرفنا الله بها، وكلفنا فضلاً بها، فلنتمسك بما أوتينا، ونلتزم بما عهد إلينا، وأصرح بعد العموم قائلاً: إن واجب الناس في المجتمعات والأحياء أن يكونوا حراساً لمجتمعاتهم، وأسواقهم ومتاجرهم، وليعرفوا تمام المعرفة أن الأمة من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ما من مجتمع يخلو من المتربصة والمرتزقة والدخلاء والعملاء، فلننتبه لوجود هذه الطائفة، ولنحرص تمام الحرص أن نكون عيوناً ساهرةً، وجنوداً باصرةً، لنعرف ماذا يدور في المجتمع تمام المعرفة.
واجب الشباب في كل حي من الأحياء أن يرتبوا أنفسهم، وأن يعرفوا عدد الشباب الموجودين في كل حي، بترتيب مع عمدتهم، أو إمام مسجدهم، ويعدوا أنفسهم وأسماءهم في قائمة، وأن يبلغوها لأقرب مركز من مراكز الشرطة، ويقولوا: هؤلاء الشباب بأرقام هواتفهم تحت طلبكم في أي لحظة، إضافةً إلى أنهم موجودون في الليل دوريةً راجلةً، أو سيارةً في الحي لكي يتتبعوا أي وجهٍ غريبٍ، أو حركةٍ عجيبةٍ، أو فعلٍ مشبوهٍ، أو تصرفاتٍ تثير العجب والدهشة، من واجب الشباب أن يهتموا بهذا تمام الاهتمام.
ومن واجب أهل الأحياء أن يتعرف كل واحد على أسماء جيرانه، ومن حوله، فعدد الفلل التي عن يمينه، والتي عن شماله، ومن المصيبة أن نقول هذا الكلام اليوم؛ لأن واجب المسلم أن يعرف جيرانه حق المعرفة من قبل، ولكن كيف وقد حصل عند بعض المسلمين تقصير في معرفة جيرانهم وأهل حيهم، من واجب كل واحد أن يطرق الباب على جاره، وأن يسأله عن اسمه إن كان يجهله، ورقم هاتفه وعدد أولاده الشباب، ثم يأتي إلى الذي بعده، وأن يتناوبوا الليل بين الفينة والأخرى، يخرج اثنان منهم فيلتفتوا ويدوروا وينظروا ويتأملوا، هل يدور في هذا الشارع أمرٌ غريب أم لا؟ حينئذٍ يبقى المتربصون محبوسين في كيدهم، وفي باطنهم لشدة ما يرون من إعداد المؤمنين لهم.
فيا معاشر الإخوة: هذا واجبنا إن لم نكن على الحدود، وإن لم نكن في مهمة مدنية أو عسكرية، فإن واجبنا في أحيائنا قائم، وانتبهوا جيداً لكل مرفق من مرافق أرضكم ومجتمعكم وأمتكم، لا تقل هذا ليس في حيٍ لنا، أو هذه ليست بمملوكة لنا، لا.
وإنما كل عمل ترى فيه عجباً ودهشةً، فعليك بأن تضاعف، وأن تثير حب الفضول، وأن تعرف ماذا يدور، إن كان تحت سمع وبصر، وإلا فبلغ وتابع وتحر وابحث، لكي تعرف ماذا يدور في مجتمعك تمام المعرفة، هذا من واجبنا، ومن مسئولياتنا، أن نشهد جميعاً هذه الحرب وأن نواجهها، والحمد لله على كل حال إن كان قدر للأمة أن تواجه حرباً، فالحمد لله على مقاديره التي تدور على تمام العدل؛ لأن الله لا يقدر ظلماً، والحمد لله على مقاديره التي تدور على تمام الحكمة؛ لأن الله لا يقدر عبثاً، والحمد لله على مقاديره التي تقوم على الرحمة، لأن رحمته سبقت غضبه، ورحمته وسعت كل شيء.
стр. 894
تقديم الأمة أبناءها للجهاد
الحمد لله على كل حال، ثم ماذا؟ كذلك على الأمة أن تقدم من فلذات أكبادها من أبنائها من رجالها شباباً شهداءً، نسأل الله أن يكرمهم بهذا، إن يمت لا يجد من آلام الموت إلا كالقرصة، وما أن يسيل دمه إلا يغفر له عند أول دفعة من دمه ويرى مجلسه من الجنة، ويؤمن من فتنة القبر، وله اثنتان وسبعون حورية، ويشفع في سبعين من أهل بيته، هكذا أعد الله وعداً جزيلاً لعباده المؤمنين الصادقين المجاهدين المخلصين لإعلاء كلمة الله، للذود والذب عن أعراضهم، وعن مقدساتهم، وعن أموالهم وأنفسهم وحرماتهم: (من قتل دون ماله فهو شهيد، من قتل دون عرضه فهو شهيد) بفضل الله ومنه وكرمه أن جعل الموت ساعةً لا تتقدم ولا تتأخر، مع أن الموت ساعةٌ لا تتقدم ولا تتأخر جعل الله لمن مات في جهاده مخلصاً من قلبه، جعل الله ميتته شهادةً في سبيله، وإلا فإن الموت يدركه سواءً كان في الجبهة والميدان، أو كان على فراشه وسريره، لكن لما عظمت همته، وعلت نفسه، أكرمه الله بمنه وفضله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣].
معاشر المؤمنين: لقد رأينا من شبابنا -بفضل الله ومنه- ما يثلج الصدور ويطمئن القلوب والأفئدة، فنسأل الله لأولئك الشباب -سواءً كانوا من الطيارين، أو كانوا في القوات البرية، أو من المشاة والمدفعية، أو في أي مجال من المجالات، أو كانوا في عداد المتطوعين- نسأل الله أن يربط على قلوبهم، وأن يقذف السكينة في نفوسهم، وأن يثبتهم، وأن يرفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يجعل عملهم هذا خالصاً لوجهه، نسأل الله أن يرزقهم الاحتساب، نسأل الله أن يجعل هذا في أثقل أعمالهم يوم القيامة، فاسألوا الله أن يجعل لهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافيةٍ، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصمةً بفضل الله جل وعلا.
عرفنا منهم عدداً من الطيارين، ورأينا منهم عدداً من الضباط والأفراد، كلهم بمعنويات عالية، وحديثهم ونشيدهم:
خرجنا إلى الحرب شُمَّ الأنوف كما تخرج الأسد من غابها
نمرُّ على شفرات السيوف ونأتي المنية من بابها
ونعلم أن القضا واقعٌ وأن الأمور بأسبابها
ستعلم أمتنا أننا ركبنا الخطوب حناناً بها
فإن نلق حتفاً فيا حبذا الشهادة تجي لخطابها
وكم حيةٍ تنطوي حولنا فننسل من بين أنيابها
الحمد لله الذي جعل في أمة الإسلام أمثال هؤلاء الشباب، ونسأل الله أن يجعل جميع شباب الأمة على هذا القدر، وعلى هذه المعنوية، وبهذا الإخلاص والاحتساب.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 895
الحمد والثناء لله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
معاشر الأحبة: من صنع للأمة نصرها؟ أهم أولئك الذين يطنطنون: سنحرق إسرائيل بالكيماوي؟ من الذي صنع للأمة نصراً؟ من الذي أنزل على الأمة نصراً؟ من الذي نصر الأمة في هذه المواقع، أو جعل الدائرة لهم في رحى الحرب القائمة؟ أهم أولئك الذين طنطنوا زمناً طويلاً؟ أهي دباباتنا؟ أهي طائراتنا؟ إنه الله وحده، إنه الله وحده، إنه الله وحده، لأن كل ما بين أيدينا هي أسبابٌ مع تهيئ الظروف عامة، الطقس المناخ الضباب الأجواء تحديد الهدف سلامة الآليات من العطب أن يكف الله جنوده في الأرض ألا يكون لها سعيٌ إلى هذه الآليات فيفسد فيها شيء هو الله جل وعلا، ولما واتت هذه الظروف، واجتمعت هذه العناصر، كان لهذه الآليات فعلاً عجيباً، ولو اختلفت السنن والظروف التي تعمل فيها هذه الآليات والمعدات لما استطعنا أن نحقق شيئاً، فالفضل لله، فالفضل لله، فالفضل لله، الحمد لله أولاًَ وآخراً، ظاهراً وباطناً الحمد لله، اجعلوا هذا الحمد والثناء على الله في كل مجال، احمدوا الله في كل حال.
قيل: وإن كان المثال فيه نوع بعد عن الحادثة، لكن حتى نعرف كيف يتعلق الناس بالله جل وعلا، طارق بن زياد طلب منه أن يستسقي بالناس، فأمر قبل خروجه بالناس أن يخرج الناس بأطفالهم وصغارهم وبهائمهم، ثم قال: حيلوا بين الإبل وحيرانها، وبين النعم والبهائم وصغارها، وبين الأمهات وأطفالها حتى علا الصياح وارتفع النحيب، وجأر الجميع إلى الله جل وعلا، كلهم يصيح: يا ألله -حتى البهائم تعرف ربها في الشدة- ثم خطب الناس خطبةً بليغةً، وفي ختامها قال له أحدهم: هلَّا دعوت للخليفة، فقال: هذا مقامٌ لا يحمد فيه إلا الله، فالحمد لله، الحمد لله.
الحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، علقوا هذا النصر، وعلقوا هذه الجهود، أو هذه الدائرة التي تميل كفتها لصالح أمة الإسلام، احمدوا الله جل وعلا عليها، احمدوا الله وحده، ثم ثنوا بالشكر والدعاء لأبنائكم ولقادتكم ورجالكم، فيما بذلوه وعملوه في هذه المواقع، أما أن يعتقد الناس -وحاشا وكلا، ومعاذ الله أن يحصل هذا من مسلم- أن يعتقد أن النصر بيد الدولة الفلانية، أو القوة الفلانية، لا.
إذا تعلقنا بالله جل وعلا تنزّل النصر: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣] كانوا في بدر أذلة، قلة، ضعفة، وكان تعلقهم بالله عظيماً، فنصرهم الله جل وعلا، ويوم حنين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة، فلما وكلوا إلى كثرتهم: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥].
فينبغي أن نحمد الله جل وعلا، وأن نكثر من حمد الله والثناء عليه، حمد الله بالفعل، وحمد الله بالقول، وحمد الله بالاعتقاد، إذ لولا فضل الله وهذه السنن التي سخرها الله، لما استطاعت هذه الآليات، ولا هذه الدبابات، ولا هذه الطائرات أن تفعل فعلها، فالحمد لله الذي سخر هذه السنن الكونية في ظروف لتعمل معها هذه الآليات أجود كفاءة وأفضل عمل، ثم الحمد لله على ما هيأ للأمة، وسخر لها، ونسأل الله أن يتم النصر للمؤمنين، وأن يهلك أعداء الدين، وأن يمحق، وأن يقطع دابر الكافرين أجمعين.
стр. 896
من أسباب النصر ترك المعاصي واللجوء إلى الله
معاشر المؤمنين: ينبغي أن نتقرب إلى الله في هذه الأيام، مزيداً من التقرب ليس بفعل الطاعات أولاً، بل بترك الذنوب والمعاصي، إن ترك الذنوب والمعاصي أعظم قربة من فعل الطاعات والعبادات، إن ترك الذنوب والمعاصي مع فعل الواجبات أفضل وأحب إلى الله جل وعلا من كثير من النوافل وغيرها.
فترك الذنوب والمعاصي، ترك المخالفات الشرعية التي يتهاون بها كثير من المسلمين، من أعظم أسباب النصر والثبات للأمة، ثم الاجتهاد في الطاعة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدنَّكُم﴾ [إبراهيم:٧] فلنشكر الله جل وعلا بمزيد من الطاعة، بمزيد من الثناء والحمد والتسبيح والتهليل والتكبير، بمزيد من الأعمال الصالحة.
الدعاء، الدعاء يا عباد الله، نبينا ﷺ ، وقد أعد ما استطاعه، لما باتت الحرب وشيكةً في بدر أخذ يرفع يديه إلى السماء، ثم يرفعها ويرفعها وتعلو ويرفعها ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة، لا تعبد بعد اليوم) ويدعو ربه دعاء المضطر الملح، فيأتيه أبو بكر، ويقول: [يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، إن ربك منجزٌ لك وعدك] رسولٌ معصومٌ مؤيدٌ بالوحي والمعجزة، ومع ذلك تنتفض يده ويرفعها في السماء، وهو يدعو ربه، ولكن لا غنى له عن الدعاء، فليس لنا غنىً عن الدعاء، فلندع الله جل وعلا أن يثبت أقدامنا، وأن يجمع شملنا، وأن ينصرنا على أعدائنا، ولنكثر من الدعاء أن يؤمننا في أوطاننا، وفي دورنا، وأن يحفظنا في أدياننا وفي أعراضنا وأبنائنا.
أكثروا من الدعاء يا عباد الله، وتتبعوا عجائز المسلمين، الذين لا يعرفون في الصحافة، ولا يعرفون في الإعلام، ولا يعرفون على المنابر، ولا يعرفون في المواقف، لكن لهم أبواب معروفة في وسط الليل، تتبعوا عجائز المسلمين وشيوخ المسلمين، وارعوا أحوالهم، وتفقدوا حاجاتهم، واطلبوا منهم مزيداً من التضرع والدعاء لأمة الإسلام، فإن الدعاء يرفع من البلاء أمراً لا تعلمونه، الدعاء الدعاء: (إن القضاء والدعاء ليعتلجان في السماء فأيهما غلب على الآخر غلب عليه) القضاء قدر ينزل، والدعاء قدر يرتفع، وأقوى القدرين بقدر الله يغلب الآخر، كلها بقدر الله، فاجتهدوا في الدعاء يا عباد الله خاصةً في المساجد، في صلاة الفجر، في صلاة المغرب، في الصلوات كلها، صح في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قنت في المغرب والفجر، وقنوت النوازل أمرٌ مشروع، وأي نازلة أعظم من هذه.
نسأل الله جل وعلا أن يستجيب دعاء المؤمنين، وألا يحجبه بذنوبهم وغفلتهم.
стр. 897
عليكم بالإكثار من الصدقات
ثم الصدقة الصدقة، هذه أيامٌ ينبغي أن يلاحق الفقير لكي يتصدق عليه، لأن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع سبعين باباً من أبواب البلاء، والصدقة تذهب شؤم المعصية والخطيئة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فتتبعوا المساكين، وعلى كل سامع هذا الكلام، وعلى كل واحد في هذا المسجد أن ينقل الفكرة إلى جماعة مسجده؛ لكي يجعلوا مستودعاً للأغذية والأطعمة والملابس يجمعونها ليفرقوها على الضعفاء والمساكين، وليس من شرط الضعفاء أن يأتوا إلينا، بل من واجب كل حي أن يجعل شبابه من أنفسهم عملاً مرتباً يومياً يملئون ما حصلوا عليه من المعونات والأطعمة وغيرها، ثم يذهبون بها ليوزعوها على الفقراء والمحتاجين في بيوتهم، ويطلبوا منهم أن يسألوا الله للإسلام والمسلمين، ويطلبوا منهم أن يدعوا الله بنصر الإسلام والمسلمين، ويطلبوا منهم أن يدعوا الله بنصر المؤمنين والمجاهدين: (وهل ترحمون وتنصرون وترزقون إلا بضعفائكم).
стр. 898
إياكم ورفع الأسعار
الله الله في وقتٍ يغلو أو تزداد قيمة الريال في نفوس الناس وزناً في هذا الوقت، وشحة الناس على الأطعمة والأرزاق، ينبغي أن نقابل هذا بضده، فلنرخصه صدقةً في سبيل الله، ولنرخص الطعام والشراب كلٌ بما يستطيع، كلٌ عليه واجب أن يساهم في نصر الأمة، إذ أن نصر الأمة ليس طائرةً ودبابةً فقط، إن نصر الأمة دعاء، ٌ وصدقةٌ، وتضرعٌ، وقيامٌ، وتهجدٌ، وحربٌ، ومواجهةٌ، وطائرةٌ، ودبابةٌ، كل هذه عوامل النصر، وليست عوامل النصر أمراً واحداً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم احقن دماء الأبرياء في العراق، اللهم احقن دماء الأبرياء في العراق، اللهم احقن دماء الأبرياء في العراق، وأنزل بأسك الذي لا يرد على البعثيين، اللهم احقن دماء الأبرياء في العراق، وأنزل بأسك الذي لا يرد على البعثيين وعلى الحرس الجمهوري، وعلى أذناب هذا الطاغية، وعلى أعوانه، وأنصاره وجنده وحزبه.
اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم اجعل سلاحهم في صدورهم، واجعل كيدهم في نحورهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك.
اللهم احفظنا بالإسلام، اللهم احفظنا بالإسلام، اللهم احفظنا بالإسلام.
اللهم لا تكلنا إلى قواتنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، اللهم ارفعنا بما آتيتنا، ولا ترفع يد الحفظ والعناية عنا، اللهم لا ترفع يدك الكريمة عنا، اللهم إنا نسألك أن تحفظنا بحفظك، وأن تكلأنا برعايتك، اللهم ثبت جنودنا، اللهم ثبت قادتنا، اللهم ثبت رجالنا، اللهم أنزل السكينة في قلوبهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم ارزقهم الاحتساب وحب الأجر والثواب، اللهم اجعل من مات منهم شهيداً، ومن عاش منهم سعيداً، اللهم عجل فرجك للمؤمنين، اللهم عجل فرجك للمؤمنين، اللهم عجل فرجك للمؤمنين يا رب العالمين يا أرحم الراحمين.
اللهم انتقم للأيامى والأرامل والثكالى والعجائز والمشردين والشيوخ أجمعين، اللهم اشف صدور المؤمنين من طاغية العراق، اللهم أهلك طاغية العراق وأذنابه ونوابه وأعوانه ومن عاونه، ومن بقي في حزبه وصفه من المفسدين والمرجفين والمضللين، اللهم اجمع شمل ولاة أمورنا، اللهم اجمع شمل ولاة أمورنا وعلمائنا، اللهم اجمع شمل الأمة أجمعين، اللهم اجمع شمل الأمة أجمعين، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وحوبنا وإصرارنا وإسرافنا في أمورنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم المجرمين.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم كما نصرت هؤلاء العزل الضعفاء المساكين، اللهم كما نصرتهم على روسيا، فانصر عبادك المجاهدين على طواغيت البعث، اللهم عجل نصرك لهم أجمعين بمنك وكرمك يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم ارحم المستضعفين منهم، اللهم ثبتهم، اللهم احفظهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
стр. 899
أسباب شرح الصدور
إن مسألة انشراح الصدر مسألة مهمة، فقد امتنَّ الله على نبيه محمد ﷺ أن شرح صدره، فقال تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ).
وشرح الصدر: كرم في الخلق، وطمأنينة في النفس، وتواضع في المعاملة، وإقبال على الآخرة، وقناعة في الدنيا، وقد تحدث الشيخ هنا عن حقيقة انشراح الصدر وأسبابه.
стр. 900
حقيقة انشراح الصدر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله في مستهل هذا اللقاء أن يكتب لنا ولكم جزيل الأجر وعظيم الثواب على ما نرجوه ونحتسبه عند الله ، من ستر العيوب وغفران الذنوب، ورفعة الدرجات ومضاعفة الحسنات.
أحبتنا في الله! كلمة أرددها دائماً في مستهل كل محاضرة، وهي أن كل من شغل وقته برياض الجنة، وحِلق الذكر، ومهابط الرحمة، ومنازل الملائكة؛ فلن يندم أبداً على مجيئه وجلوسه، وحسبه أنه في عبادة ينتظر بعدها عبادة، وفي مجلس تغشى أهله السكينة، وتحفهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده، فأسألكم بالله هل فينا من سيندم على مجلسه هذا بين يدي الله يوم القيامة؟
الجواب
لا.
وإنما الندم كل الندم يوم أن نتحسر على ساعات وأوقات ضاعت لم تكن في مرضاة الله، أو لم تكن في مباح يُعين على طاعة الله .
وإني لشاكر ومقدر دعوة صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن غالب السدلان متع الله به ونفع بعلمه، لافتتاح هذا الموسم بهذه المحاضرة، التي أجدني محتاجاً إلى موضوعها، وربما بعض أحبابي بقدر الحاجة تلك.
أحبتنا في الله: أسباب انشراح الصدر كثيرة، ولماذا الحديث عن انشراح الصدر؟ لأنه منّة عظيمة امتن الله بها على نبيه محمد ﷺ ، فقال له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٤].
واهتمامٌ بقضية انشراح الصدر لأنها منة وفضل دعوة دعا بها موسى ﵇ لما حُمّل قولاً ثقيلاً، وتبعة جسيمة ليدعو ظالماً غاشماً طاغية جباراً يدعي الألوهية، فلما أدرك عِظم هذا التكليف العظيم، سأل ربه أن يشرح صدره، فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦].
واهتمام بقضية شرح الصدر؛ لأنها منة وفضل يختص الله به من يشاء من عباده: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] ولأن شرح الصدر هداية من الله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
أحبتنا في الله! شرح الصدر: سلامته من الغل والحسد والحقد والكبر، وما أكثر الذين يدّعون لأنفسهم انشراح صدورهم، لكن صدورهم لما تزل فيها علائق من الحقد أو الحسد أو الكبر أو الإحن والضغائن، وشرح الصدر اتساع للمعرفة والإيمان، وشرح الصدر تنوره، ومعرفته للحق وثباته عليه، يقول عمر بن الخطاب ﵁ لما أكثر على أبي بكر الصديق ﵁ في شأن المرتدين، يقول: [فعلمت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للحق] لما رأى من وضوح الحق بين عيني أبي بكر وثباته عليه.
وشرح الصدر: طمأنينة النفس، وكرم في الخلق، وتواضع في المعاملة، وإقبال على الآخرة، وقناعة في الدنيا، ورضاً لا سخط معه، وشكر لا كفر فيه.
ولا شك أن شرح الصدر الذي امتن الله به على نبيه ﷺ هو شرح حسي ومعنوي، قد اشتمل على صبره في الدعوة، وصفحه وعفوه عن أعدائه، ومقابلته الإساءة * بالإحسان، وثباته على الدين.
ولذا كان كما قلت أو أسلفت كان شرح الصدر مما دعا به موسى يوم أن أُمر بتبليغ الطاغية فرعون: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٢٤ - ٣١].
فذكر هنا من دواعي العون على أداء الرسالة أربعة عوامل بدأها بشرح الصدر، ثم تيسير الأمر، وهذان عاملان ذاتيان، ثم الوسيلة بينه وبين فرعون وهو اللسان في الإقناع وبيان الحجة، وأن تُحل عقد لسانه ليفقه قوله، ثم العامل المادي الذي يحتاج إليه ممثلاً في المؤازرة: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣١].
أيها الأحبة! وإذا تأملنا هذه الآية وجدنا أنه قد قُدم فيها شرح الصدر على هذا كله لأهميته؛ لأن من شرح الله صدره للحق قابل كل الصعوبات ورآها يسيرة، ولم يبال بأي عدو واجهه مهما كان عدده وعتاده، ولذا قابل موسى ﵇ ما جاء به فرعون من السحر والسحرة بكل ثبات وطمأنينة ويقين بما شرح الله به صدره، ومن هنا ندرك أهمية انشراح الصدر.
стр. 901
أسباب انشراح الصدر
أحبتنا في الله! ما أحوجنا إلى أن نبحث عن مظان هذه السعادة! وما أحوجنا أن نحقق لأنفسنا هذا الخير! وهو انشراح الصدر.
стр. 902
التوحيد
أيها الأحبة! اعلموا أنه لا انشراح بدون عقيدة نقية أو توحيد خالص، فالتوحيد وإخلاص العبادة لله من أعظم أسباب انشراح الصدر، السجود لله وحده، والخضوع له وحده، والخوف منه وحده، والرغباء إليه وحده، فهو الذي يُدعى سبحانه لا شريك له، وهو الذي يُرجى، وهو الذي يحيي وهو الذي يميت، وإليه المنتهى في كل شيء، وبيده خزائن كل شيء، قدر المقادير، وكتب الآجال، ووسع على العباد في الأرزاق، وضيق على من يشاء، يذل من يشاء ويعز من يشاء، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، العبادة كلها دقيقها وجليلها له وحده لا شريك له، لا يُدعى ولا يسمى إلا بما هو أهله وما يليق به، له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، فلا يسمى أو يوصف إلا بما سمى أو وصف به نفسه، أو سماه أو وصفه به رسوله ﷺ .
من حقق التوحيد في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فإنه بإذن الله ممن يجدون انشراح الصدر ولذته، وطمأنينة الفؤاد وثباته، ولذا يقول الإمام ابن القيم ﵀: فأعظم أسباب شرح الصدور التوحيد، وعلى حسب كمال التوحيد وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب انشراح الصدور، انتهى كلام ابن القيم.
وهذا معلوم -أيها الأحبة- لأن من تعلق بالله غاية التعلق، وتوكل إليه منتهى التوكل، فإنه في غاية الانشراح؛ إذ لا يكون أمر إلا بتقديره وتدبيره، ولا يستطيع العباد أن يقضوا شيئاً لم يقضه الله، أو يرفعوا شيئاً قد قضاه الله، أو يقبضوا شيئاً قد بسطه الله، أو يبسطوا شيئاً قد قبضه الله : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢].
إذاً أيها الأحبة! المؤمن على غاية اليقين: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] فهو على انشراح في صدره لا يخشى مصيبة؛ لأنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله، ولا يخشى أحداً في تقريب أجله؛ لأن الآجال بيد الله، ولا يخشى أحداً في قطع رزقه؛ لأن الأرزاق بيده ، فعلام يخاف إذاًَ؟ وعلام ينقبض صدره؟ وهو يعلم أن الأرزاق والآجال والمنايا والمقادير كلها بيد الله، والمقادير كل المقادير تنطوي على تمام عدل الله؛ لأن الله لا يظلم، وتنطوي على كمال حكمته؛ لأن الله لا يعبث، وتنطوي على تمام رحمته؛ لأن رحمته وسعت كل شيء وسبقت غضبه.
إن أولي العزم من الرسل الذين شرح الله صدورهم بهذا التوحيد، واجهوا كل الصعاب، وواجهوا كل التحديات بهذا التوحيد الخالص، وبهذا اليقين المنقطع النظير، فهذا نوح ﵇، لما جمّع قومه وألبوا، قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس:٧١] وانظروا قول الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ [الأنعام:٨٠] وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام:٨١].
بل وهذه امرأة فرعون كانت تحت طاغية غاشم ظالم، وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم تلك التي شرح الله صدرها للتوحيد والإسلام فعرفت ربها، وآمنت بدينها وهي تحت هذا الضال الغاشم، يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].
بل سيد الأنبياء وخاتم المرسلين ﷺ ، قد أنزل الله عليه قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
هل كل هذا الثبات؟ وهل كل هذا التحدي؟ وهل كل هذه المواجهة الصادقة التي لا يعترضها ريب أو تردد أو شك، إلا بسبب توحيد الخالق، ويقين عظيم أن الله مُدبر الأمور ومقدر المقادير، وهو معهم أينما كانوا يحفظهم وينصرهم ويُعينهم، ومن حقق التوحيد فهو مُكرم بعناية الله ورعايته.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان
إن الفتى الذي واجهه النمرود الطاغية الذي خدد الأخاديد، وشق الأحافير وملأها وأضرمها نيراناً، وألقى الناس رجالاً ونساءً وشباناً ورضعاً وشيباً فيها، ماذا قال ذلك الغلام؟ اللهم اكفنيهم بما شئت، ثقة بالله فما ضره كيدهم إلا يوم أن أراد أن ينذر دمه في سبيل الله ونشر دعوته، إلا يوم أراد أن يسقي عقيدته بما يتناثر من أشلائه لما جعل صدره مسرحاً لسهام الطاغية، والثمن نشر كلمة التوحيد، قال له: إن شئت أن تقتلني فاجمع الناس كلهم، ثم أخرج سهماً من كنانتي واجعله في كبد قوسك، فإذا أردت أن ترمي به، فارفع صوتك وقل: باسم الله رب الغلام.
بعد أن كان لا يتسمى إلا بألوهية ذاته، وربوبية شخصه، وتصرفه وإرادته المطلقة، ظناً منه أنه المتفرد، فأراد ذلك الفتى أن يجعل من أشلائه ودمه قرباناً لكلمة لا إله إلا الله، وما أطيب هذا القربان! وما أجمل هذا العمل! في نشر هذه العقيدة.
стр. 903
الإيمان
ومن أسباب انشراح الصدر: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، وسببه تلذذ بالعبادة، ومداومة لذكر الله، وأنس بطاعته، وطمأنينة إلى الخلوة بذكره ، إذا اجتمعت هذه العوامل، فإن الله يقذف في قلب العبد نوراً يورثه انشراحاً في صدره، وفي الحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟! قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله).
وهذا ملاحظ في أصناف معروفين معدودين من الناس، إن من الناس من جمع الله له من الأموال ما جمع، وجعل له من السلطان ما جعل، وهيأ له من أسباب النعم والجاه والسلطة ما هيأ له، ثم ترى انصرافه إلى مرضاة الله، وترى أنسه في طاعة الله، وترى لذته في تسلطه على أمواله لينفقها في سبيل الله ، فمن كان هذا شأنه يجمع حلالاً وينفق حلالاً في سبيل الله وجد انشراح الصدر كله.
стр. 904
طلب العلم الشرعي ومذاكرته
أيها الأحبة! واعلموا -أيضا- أن من أسباب انشراح الصدر: طلب العلم ومذاكرته والاجتهاد في تحصيله، يقول ابن القيم ﵀ عن العلم: فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يُورث الصدر الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل علم، بل للعلم الموروث عن الرسول ﷺ ، وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسنهم أخلاقاً، وأطيبهم عيشاً، انتهى كلامه ﵀.
ومما لا شك فيه أن مما يشرح الصدر كثرة المعرفة، وغزارة المادة العلمية، واتساع الثقافة، وعمق الفكرة، وبعد النظرة، وأصالة الفهم، والغوص في الدليل، ومعرفة سر المسائل، وإدراك مقاصد الأمور، واكتشاف حقائق الأشياء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] وإن العالم رحب الصدر، واسع البال، مطمئن النفس، منشرح الفؤاد، وفي هذا يقول ابن الجوزي ﵀، يحكي شيئاً من سيرته في طلب العلم، يقول: فأما من أنفق عصر الشباب في العلم، وهنا نصيحة أقولها للشباب وللناشئة، ولكل شاب لم يتزوج بعد، وأقولها لكل متزوج لم يعدد، وأقولها لكل متزوج لم تشغله مشاغل الذرية والزوجات، ومشاغل الحياة، أقول: إن صفاء الذهن وصفاء القلب وهمة النفس في طلب العلم قبل أن تمتلئ النفس بمشاغل القوت والولد والزوجات والبيوت.
يقول ابن الجوزي: فأما من أنفق عصر الشباب في العلم، فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئاً في مقابلة ما يناله من لذات العلم، وهذا رأيناه في علماء أجلاء في كبر من سنهم، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز واحد منهم، تراه أشرح الناس صدراً فيما رأينا وعرفنا مع أنه فاقد البصر وكبير سن، قد لا يجد من لذات الدنيا ما يجدها بعض الشباب، لكن ما عوضه الله به من بركة العلم، والأنس بالدعوة، والاجتهاد في نفع الخلق يساوي أضعاف أضعاف ما يجده الشباب، أو ما يفوت في الكبر والمشيب.
وفي هذا يقول ابن الجوزي ﵀: فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جنى ما غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئاً في مقابل ما يناله من لذات العلم، هذا مع وجود لذاته في الطلب التي كان تأمل به إدراك المطلوب.
أيها الأحبة! لله در القائل:
اهتز عند تمني وصلها طرباً ورب أمنية أحلى من الظفر
الذي يتلذذ ويطرب في طلب العلم وسعيه وسبيله وطريقه لتحصيله يجد لذة، فما بالك بمن جنى العلم وحصله وتأمله، وغاص في أسراره وبحاره، ويقول ابن الجوزي أيضا: ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصبية والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه -كلام نفيس وجميل لـ ابن الجوزي - قال: ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يُقاوم.
يقول ابن الجوزي: فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك؟ فقلت له: أيها الجاهل تقطيع الأيدي من قبل النسوة لا وقع له عند رؤية يوسف، يذكر الآية ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف:٣١] هول جمال يوسف ﵇، وهول لذة منظره ورؤيته، أنست كل واحدة منهن أن في يدها سكيناً قد حزت بها أناملها وسال الدم من يدها، وصدق ﷺ إذ قال: (من أصبح وهمه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه ضيعته، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُسم له، ومن أصبح وهمه الآخرة تَكفل الله برزقه، وأتته الدنيا راغمة، وجمع الله له ضيعته) وما طالت طريق أدت إلى صديق:
جزى الله المسير إليه خيراً وإن ترك المطايا كالمزار
يقول ابن الجوزي أيضا: ولقد كنت في حلاوة طلب العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو.
ونمضي -أيها الأحبة- مع أهل انشراح الصدر من أهل العلم، الذين علموا أن العلم نشاط النفس ومتعة الروح، هذه المتعة تُنسي طالب العلم ما يلحقه من متاعب، وتخفف عنه ما يبذله من عناء؛ لأنه يجد في العلم مرتعاً يأوي إليه ويرتاح عنده، وبذلك تقوى همته في طلب العلم، ولا يشبع منه أبداً، وهذا مصداقه ما أشار إليه الحديث الذي رواه أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال).
ولقد عرفت من الصالحين ممن جمع بين التجارة والعلم، وممن جمع بين التجارة والدعوة، يُقسم بالله العظيم أن لذته في درس يحضره، أو محاضرة يُلقيها، أو مسألة يتعلمها؛ ألذ في نفسه، وأوسع لفؤاده، وأشرح لقلبه من مائة أو مائتي ألف أو أكثر من ذلك يجدها في صفقة تجارة، وما ذاك إلا لأن:
زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران
أيها الأحبة! النهم في طلب العلم دافع للعمل، مغذٍ للنفس، يزكيها ويشفيها من أمراضها، ويبعدها عن كل لذة محرمة أو شهوة خبيثة، قال الإمام الماوردي: العلم عوض من كل لذة، ومغنٍ عن كل شهوة، ومن تفرد بالعلم لم توحشه خلوة، ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوة، فلا سمير كالعلم، ولا ظهير كالحلم، وما أحسن قول الشاعر:
شربت العلم كأساً بعد كأس فما نفد الشراب ولا رويت
وقد أورد الإمام ابن القيم قصة في هذا المجال عن شيخه الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال: حدثني شيخنا قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر عن ذلك! أي: لا أصبر عن المذاكرة والمطالعة، فقال له الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقال له شيخ الإسلام: لا أصبر عن ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، شيخ الإسلام يناظر ويحاجج الطبيب إلى علمه، أليس النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة فدفعت المرض، فقال: بلى.
قال شيخ الإسلام: فقلت له: فإن نفسي تُسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة، فقال: هذا خارج عن علاجنا، أي: أنت تصف لنا وصفة ودواءً ما درسناه وما عرفناه.
وختاماً في هذا الباب: إن أهل العلم هم أهل الشرف الحقيقي، وأهل العز الدائم والمنزلة العالية في الدنيا والآخرة، وهم أعلم الناس، وأحظى الناس بانشراح الصدر وكيفيته.
وأسوق قصة حُكيت عن خاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني ﵀ يُظهر فيها شرف العلم وانشراح الصدر في الدنيا والآخرة، وهذه القصة هي أن الحافظ ابن حجر ﵀ خرج يوماً بتلامذته وأحبابه الذين يطيفون حوله كالهالة حول القمر، وكان آنذاك رئيساً للقضاة بـ مصر، فاعترضه في طريقة رجل يهودي في حال رثة، فقال اليهودي: قف يا ابن حجر! فوقف ابن حجر ﵀، فقال اليهودي: كيف تُفسر قول نبيكم؟ (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) -وهذا الحديث رواه الإمام مسلم - ثم قال اليهودي: وهأنت تراني في حال رثة وأنا كافر، وأنت في نعيم وأبهة مع أنك مؤمن.
فقال الحافظ: أنت مع تعاستك وبؤسك تُعد في جنة بالنسبة لما ينتظرك في الآخرة من العذاب الأليم إن مت كافراً، وأنا مع هذا الذي ترى إن أدخلني الله الجنة فهذا النعيم يعد سجناً بمقارنة مع النعيم الذي ينتظرني في الجنان، فقال اليهودي: أكذلك يا ابن حجر؟ قال: نعم.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
وبذا نعلم أن السعادة كل السعادة وانشراح الصدر في العلم النافع والعمل بمقتضاه، كذا العز الدائم والرفعة في الدنيا والآخرة كلها في طلب العلم، ومصداق ذلك قول الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
فقل لمرجي معالي الأمور بغير اجتهاد رجوت المحال
وقال الآخر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يُفقر والإقدام قتال
стр. 905
الإنابة إلى الله ومحبته
ومن أسباب شرح الصدر: الإنابة إلى الله ، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم والتلذذ بعبادته، فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك، حتى إن العبد أحياناً وهو في طريقه إلى المسجد، أو وهو في حال سجوده أو في حال ركوعه، أو في حال تلذذه بالمناجاة، أو بكائه في جوف الليل، أو وهو يمسح دموعه وهي تسفح على خديه، ويجد مع ذلك أنساً ولذة وانشراحاً، يقول: إن كانت الحال في الجنة كهذه الحال التي أنا فيها، فإنهم لفي عيش رغيد.
وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب لا يعرفه إلا من له حس أو تجربة أو ذوق لذلك، وكلما كانت المحبة والانكسار والذلة والخشوع والمناجاة بين يدي الله أعظم، كلما كان الصدر أفسح وأشرح، ولا يضيق الصدر حينئذ إلا عند رؤية البطالين الفارغين، فرؤيتهم قذا عينه، ومخالطتهم حمى روحه.
إن من أعظم أسباب ضيق الصدر: الإعراض عن الله ، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه، فإن من أحب شيئاً غير الله عُذب به، انظروا إلى الذين أحبوا الدنيا حباً تعلقوا بها من أجله، فأصبحت الدنيا أحلامهم، وحديث صباحهم، وأنس عشيتهم، وسبيلهم ومطلبهم في صيفهم وشتاهم، وفي غدوهم ورواحهم، أحبوها فأذلتهم وعذبوا بها.
أما من أحب طاعة الله فإنها ترفعه، وتشرح صدره، وتجمع له اللذات من جميع أطرافها، أما أولئك الذين لا هم لهم إلا الدنيا فقد جعلها الله عذاب أنفسهم وسجن قلوبههم، فما في الأرض أشقى منهم، ولا أكسف بالاً ولا أنكد عيشاً، ولا أتعب قلباً، إلا من جعل الدنيا قنطرة إلى الآخرة، وقال بالمال ها وها، وأنفق المال في سبيل الله، والدعوة إلى الله، وفي تجهيز الغزاة في سبيل الله، وكفالة أيتام المسلمين، ونشر العلم، وفي كل ما ينفع أمة الإسلام، فحينئذ تكون تجارته بركة ورحمة، بل ومن أسباب انشراح صدره أيضاً.
وبالخلاصة: فهما محبتان: محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروح، وغذاؤها ودواؤها بل حياتها وقرة عينها، وهي محبة الله وحده، ومحبة طاعته، ومحبة هدي نبيه، وانجذاب الميل والإرادة وكل الجوارح إلى ذلك.
ومحبة أخرى هي عذاب الروح، وغم النفس، وسجن القلب، وضيق الصدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء، وهي محبة ما سواه سبحانه، انتهى ملخصاً من كلام ابن القيم.
وصدق الأول:
فما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل وقت مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق
أما من تعلق قلبه بالله، فهو في أنس دائم، وفي سعادة، وفي نعيم مستمر، أسأل الله ألا يحرمنا وإياكم لذة وانشراح الصدر بذكره.
стр. 906
ذكر الله
أحبتي في الله! ومن أسباب انشراح الصدر: دوام ذكر الله ، والذكر شأنه عجيب، عبادة يسيرة بجارحة صغيرة، وأجورها وحسناتها كثيرة، أما كونها عبادة يسيرة فلأن الذكر ليس بهز الأيدي، ولا بحركات الأرجل، ولا بتحريك الرقاب والرءوس، إذاً لانفصمت وتقطعت، لكنه بأصغر جارحة في البدن، وهي اللسان، وما أسهل تحريك اللسان على الإنسان، هذا اللسان الذي يجد الواحد منا بأبسط الأمثلة أنه يدفع فاتورة كلامه حينما تأتيه فاتورة الجوال، وآخر الشهر يجد ضريبة حركات لسانه في القيل والقال عبر الجوال أربعة آلاف، أو خمسة آلاف أو ثمانمائة ريال أو أقل أو أكثر، وكلٌ يجد ضريبة حركات لسانه في هذا الجهاز الذي يُحصي؟ ومن الذي يحصي؟ ليسوا ملائكة مقربين، لا.
الذي يحصي في هذه الفاتورة أجهزة تحسب على الإنسان كل دقيقة وثانية من كلامه.
فما بالك بالسجل الآخر الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من فلتات اللسان وحركات اللسان، إن أطلقت في خير فلا تسل عن الطيبات والحسنات والدرجات العلا، وإن أرسلت في شر فلا تسل عن الهلكات والدركات والأمر الذي لا يسر صاحبه، فذكر الله من أعظم أسباب انشراح الصدر، وإني لأدعو على سبيل اليقين بهذه الوصفة والعلاج الرباني فأقول: من وجد منكم في نفسه ضيقاً، أو في حاله كرباً، أو في فؤاده شيئاً من الاكتئاب والاضطراب، فأوصيه بحسن الطهارة في ملبسه وبدنه، وأن يعمد إلى بيت من بيوت الله، أو يصلي ركعتين في بيته، فيصلي ما كتب الله له، ثم يستقبل القبلة ويسبح الله ما استطاع، ويستغفر الله ما استطاع، ويحمد الله ما استطاع، ويقول: حسبي الله ونعم الوكيل ما استطاع، ويصلي على نبيه ﷺ ما استطاع، وإني لأتحدى أن يقول: إنه قام من مجلسه كساعة جلوسه.
بل شتان بين أول لحظة جلسها، وبين آخر لحظة قام فيها بعد الذكر، آخر لحظة بعد ذكر طويل قام فيها يجد أن صدره اتسع، وأن فؤاده انشرح، وأن الدنيا قد أصبحت آفاقاً بعيدة، وميادين متعددة، ومجالات واسعة، وأن الخير ينتظره، وأن البشر على موعد معه في كل حال وفي كل مجال.
أما هذا الذي:
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
إذا ضاق صدره فزع إلى الأغاني، فإذا زادته الأغاني ضيقاً فزع إلى مسكر، فإذا انتهى وزاده المسكر خبالاً
شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول
فيخرج من داء إلى داء، ومن سقم إلى بلاء، ومن مصيبة إلى أعظم.
وحينئذ تكون دوامة النكد والقلق والمصائب التي لا تنتهي.
فإني لناصح، وإني لداع نفسي وكل إخواني والسامعين والسامعات، من وجد في نفسه ضيقاً فليفزع إلى الله، وليأنس بذكر الله ، ولقد جرب ذلك، بل عمل بذلك على سبيل اليقين ليس التجربة، عمل بذلك أقوام كانوا يترددون على مصحات نفسية، فعوضهم الله بذكره، والأنس بتسبيحه وحمده وشكره، بدلاً من هذه العقاقير التي تجعل النفس في خُمول وكسل، والبدن في انحطاط وضعفٍ، يظن صاحبها أنه قد انتهت مشكلاته وقد انتهت مهماته، وما هي إلا تخدير بعد تخدير، حتى يحتاج إلى جرعة أخرى.
لذا أيها الأحبة! عليكم بذكر الله ؛ لأن ذكر الله شعار المحبين لله، والمحبوبين من الله، والله يقول: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) رواه الإمام أحمد وابن ماجة وصححه الألباني ﵀.
فصاحب الأذكار مذكور عند الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] والله قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥].
والله قد أمر بالإكثار من الذكر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] نحن كم نذكر الله في يومنا؟ الواحد لو أراد أن يُحصي عدد ذكره لله لوجدها في بعض الأحيان لا تتجاوز عدد أنامله في يديه.
والحق -أيها الأحبة- أن الواجب علينا أن نتعود على ذكر الله، وأن نجعل ذكر الله شهيقاً وزفيراً، ونفساً يدخل ويخرج في أجوافنا.
عود لسانك ذكر الله تحض به إن اللسان لما يعتاد قوال
وإن الله أثنى على الذاكرين وعدهم أولي الألباب، وأهل الذكاء، وأهل الحجا والفطنة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] من هم أولو الألباب؟ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] وأنت قادر على ذكر الله في كل أحوالك، في السيارة والطائرة، وفي السفينة والباخرة، وفي حلك وترحالك، وفي وقوفك واضطجاعك، وفي ذهابك وإيابك، وفي متجرك ودكانك، وفي المستشفى وفي كل حال فأنت لا تعجز عن ذكر الله، وذكر الله كنز لا تخشى عليه.
لو أن أحداً قال لك: تفضل هذه مائة ألف ريال، فإذا دخل البيت ظل يفكر أين يستثمر هذا المال في عقارات الإيراد؛ لكن نسبة الربح خمسة إلى ستة في المائة، تمور نظيفة لكن أخاف أن تفشل - المملكة إن شاء الله فيها خير، وكلها فيها خير، حتى لا يقال هذه دعوة مضمونة لقطع الاستثمار- ويظل يفكر تصلح أو لا تصلح هل أساهم أم لا وهلم جراً، وتجده في حيرة من أمره ماذا يفعل بالمائة ألف؟ أين يضعها؟ لكن اجعله يجمع كنزاً اسمه كنز ذكر الله، قل سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، قد خُتم عليها، وسجلت لك، عبد الله فلان بن فلان ذكر الله في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية، ولا يسرق هذا الكنز أحد، ولا تخشى عليه انخفاض أسعار النفط، أو ارتفاع الأسهم، أو تغير أحوال البورصة، كنز الذكر لا تخشى عليه شيئاً أبداً، أما كنز الدنيا فأنت مشغول به.
أحد العلماء أتاه بعض الشباب جزاهم الله خيراً، يريدون أن يدخلوه معهم في مجال استثمار، وكان هذا العالم من القصيم متع الله به على طاعته، ومتع الله بأهل المملكة جميعاً على الطاعة، قالوا له: يا شيخ! عندنا مساهمة طيبة ونظيفة وممتازة، وحباً فيك فضيلة الشيخ أعطنا إذا كان عندك قرشين تساهم بها معنا، قال: أنا ليس لي حاجة في هذه الأمور، دعوني في التعليم والتدريس ولا تشغلوني، قالوا: يا شيخ! والله إنا لك لمن الناصحين، أعطنا القرشين الذي عندك نستثمرها، قال: تضمنون أني لا أفكر بها، قالوا: والله هذا يرجع لك، قال: إذاً دعوني، ما جمعت وأنفقت وأكلت واسترحت من همه.
إذاً ما يجمعه من حطام الدنيا مُشغل له لا محالة، وما يجمعه من كنز الآخرة فلا خطر عليه، بل إنه يدعوك إلى المزيد، وشتان بين من اهتم بالآخرة أو ضيعها، هما على سبيل أمثلتنا المنظورة في واقعنا كرجلين أحدهما منح أرضاً مساحتها كيلو في كيلو، فسورها، وحفر فيها بئراً، وغرس نخلاً، وبنى فلّةً، وجملها وزينها، وجعل فيها كل شيء، هل ترون هذا الذي خسر على منحته هذه، وبنى وأنفق من أجلها، هل ترونه يسمح للكلاب أن تدخل داره وقصره، أو استراحته ومزرعته؟
الجواب
لا.
هل ترون أن هذا الرجل يسمح للغادين والرائحين أن يجعلوها مرتعاً لهم؟
الجواب
لا، هل ترونه لا يبالي من جاء أو ألقى عندها من الزبالات والأوساخ ومخلفات البناء؟ الجواب: لا.
والآخر الذي منح مثله كيلو في كيلو ترك المنحة هكذا، لا سورها، ولا غرس فيها نخلاً، ولا حفر بئراً، ولا بنى داراً، ولا جعل مسبحاً، ولا زينها، جاءوا قالوا له: هناك أناس جلسوا فيها، قال: ماذا أصنع؟ جاء آخرون فقالوا: هناك سيارات وضعت بعض المخلفات، قال: سنكلمهم فيما بعد أن أخذوا المخلفات، فلا يهمه الأمر، لأن الذي عمر الاستراحة الأولى والمنحة الأولى، لما أنفق عليها أهمته، فأصبح يخشى عليها ما يُفسدها، ويكبر ما فعل فيها، أما الذي لم يبال بالثانية فلا يهتم أن يُلقي الناس فيها الأوساخ.
فكذلك من عمر الآخرة بالصيام والتعبد والصدقات والجهاد وطلب العلم والدعوة والاستغفار والذكر، وأصبحت آخرته كالاستراحة الأولى، فهو لا يرضى أن تدنو إليها منكرات، أو أن تسكن فيها فواحش، أو أن يتجول فيها فجار، بخلاف الآخر الذي لم يُعمر آخرته، فإنه لا يبالي أن يجلس فيها من جلس، أو يُرمى فيها ما يُرمى، وهذا مثل واضح جلي.
الشاهد أيها الأحبة! أن ذكر الله من أعظم أسباب انشراح الصدر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] فأكثروا من ذكر الله ، فلا شك أنه من أعظم أسباب انشراح الصدر، يقول ﷺ وهذه خصوصية من خصوصية الذكر، ليس الذكر الانقطاع فقط في المسجد، بل كل محاضرة وكل حلقة ذكر من رياض الجنة هي من حِلق الذكر ومن أسباب الذكر، التي هي من أسباب انشراح الصدر بإذن الله ، يقول ﷺ في الحديث: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يُسرع به نسبه).
فذكر الله -بإذن الله- أنس العبد من الوحشة، ونوره من الظلمة، وسكن للقلب، وهدوء ونجاة وسلامة من القلق والاضطراب، يقول ابن القيم حول الآية الآنفة: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] يقول: سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف: (الصدق طمأنينة والكذب ريبة) أي: الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكوناً إليه، والكذب يُوجب اضطراباً وارتياباً، ومنه قول النبي ﷺ : (البر ما اطمأن إليه القلب) أي: سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه.
وفي المقابل الذين ليس لهم من ذكر الله حظٌ أو نصيب، وإنما حظ ذاكرتهم الألبومات جديدة، يتلو ما يسمى بالألبوم الجديد، وأصبح ال
стр. 907
الإحسان إلى الخلق
ومن أسباب انشراح الصدر: الإحسان إلى الخلق، ونفعهم بما تستطيع نفعهم به من مالك أو جاهك أو شفاعتك أو بدنك، أو بأي نوع من أنواع الإحسان.
ولم أر كالمعروف أما مذاقه فحلو وأما وجهه فجميل
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استبعد الإنسان إحسان
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة فلا يدوم على الإحسان إمكان
إذا هيأ الله لك، وأقدرك الله على نفع إخوانك بمالك أو بجاهك أو ببدنك أو بكلمتك أو بما تستطيعه، فلا تتردد لأمرين: الأمر الأول: تستعبد القلوب بالإحسان فتنال حظاً من الدعاء، والذكر الحسن في الأولين والآخرين: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] تجعل لك ذكراً حسناً حتى بعد موتك.
يبقى الثناء وتذهب الأموال ولكل عصر دولة ورجال
والثاني: أنك اليوم قادر وغداً عاجز، وأنت اليوم قوي وغداً ضعيف، وأنت اليوم نشيط وغداً ربما تخور القوى، فما دمت ذا مقدرة، وما دمت على استطاعة في نفع العباد فأحسن إليهم، وإني لأعلم من بعض إخواني جزاهم الله خيراً، من يقسم بالله قائلاً: إني لأجد انشراحاً في صدري ونفسي، وأجد لذة إذا هيأ الله أو يسر الله قضاء حاجة مسلم على يدي، أعظم من فرحي وانشراحي بكسب مالٍ قد أدخلته جيبي.
وهذا واضح، بل ذكره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في رسالة قيمة أنصح كل السامعين والسامعات باقتنائها وقراءتها وهي رسالة بعنوان: الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، ذكر منها الإحسان إلى الناس، والذي يُحسن إلى الناس يعيش عالمياً، يعيش لا لذاته، بل يعيش لغيره، وحينما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة صغيرة وقصيرة ومحدودة، وتبدأ من حيث بدأنا وتنتهي من حيث انتهينا في حدود ملذاتنا، أما حينما نعيش لغيرنا؛ لفكرة أو لهدف أو لدعوة أو لنفع الناس وتعبيدهم لله ، فإن الحياة طويلة وباقية تبدأ منذ أن بدأ الحق، ولا يفنى الحق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ما أجمل أن تكون باذلاً ما استطعت في الإحسان إلى إخوانك! والبخيل من بخل بجاهه، فلا يتردد أحد في داره.
إن من أعظم المناقب التي بلغ بها سماحة الإمام العلامة الراحل الشيخ عبد العزيز بن باز وبلغ بها الثريا بين نجوم العلماء، فالعلماء كثير لكن ابن باز شيء بينه وبينهم مرحلة، والسبب أمور عديدة منها: قضاء حوائج الناس، والشفاعة للخلق، ولا يرد أحداً سواءً تجنساً أو إقامة، أو أراد منحة جامعية، أو سداد دين، أو علاجاً في الخارج، أو كفالة داعية أو يتيم، أو إصلاح قضية زوجية كأمور الطلاق، قد فتح الشيخ قلبه قبل بابه، وفؤاده قبل مجلسه، واعتبر نفسه أباً للناس جميعاً، مسئولاً عن كل حوائجهم، فلا يألو جهداً في قضاء حوائجهم ما استطاع، وهذا من مناقبه التي أورثته انشراح الصدر العجيب.
أنا أقول لبعض الإخوان: هل سمعتم أحداً يأتي إلى الشيخ يبشره، لا يأتي إلى الشيخ إلا ويقول: يا شيخ! حصلت مشكلة، يا شيخ! وقعت مصيبة، يا شيخ! حدث منكر، قلّ من يأتي إلى الشيخ ببشارة، أكثر من يأتي إلى الشيخ يشكو حاجةً، أو يريد مالاً، أو يسأل شيئاً، فما الذي جعل هذا الشيخ يتصبر؟ لو آتي لك بواحد بعد كل فريضة يأتي يسلم عليك ويقبل رأسك، هل تصبر؟ تقول: يا أخي! مللنا ضروري تحب دائماً، وتسلم دائماً، وإذا رأيته في الطرف الأيمن تصلي في الطرف الأيسر، وقد تذهب وتصلي في المسجد الثاني، وتأخذ رقم لوحته من أجل أن تعرف سيارته.
من الذي يصبر على الناس؟ يقول ابن الوردي:
نصب المنصب أوهى جلدي وعنائي من مدارات السفل
ليس كل من يقابلهم الإنسان من كرام القوم والنبلاء والطيبين الذين يشرف ويفرح ويلذ بمقابلتهم.
لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهم طبائع لست تحصيها ولا شان
فمن الذي جعل هذا الشيخ جلداً حتى آخر ليلة فاضت روحه فيها؟ من أعظم أسباب ذلك قضاء حوائج الناس، والجلد على ذلك، والصبر على ذلك، يدخل المستشفى فيحجبون عليه الهاتف، فيقول أعطوني التلفون لا تردوا أحداً عني، يا شيخ! أنت في فحوصات، يقول: أريد التلفون، من له فتوى أنا أجيبه، ومن له حاجة أنا أقضي حاجته، من الذي يتحمل إلى هذه الدرجة؟ أسأل الله أن يخلف على أمة الإسلام بخير منه، وأن يجعل منازله في الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فالإحسان وقضاء حوائج الناس والبذل والجود، كل ذلك من أسباب انشراح الصدر.
مر بنا أحبتي أن الإحسان والكرم، والبذل ولين الجانب وخفض الجناح، والتواضع وقضاء حوائج الناس وتحسس أحوالهم؛ من أعظم أسباب انشراح الصدر، وقد ضرب النبي ﷺ مثلاً لمن يُعطي ومن يمنع، ولمن يجود ومن يبخل، فقال ﷺ : (مثل المتصدق والبخيل كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد؛ كلما هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت، وكلما هم البخيل بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه).
فهذا مثل ينطبق على انشراح صدر المؤمن بالبذل والعطاء، وعلى ضيق حال البخيل بالكف والقبض والمنع، وإذا تأملت ذلك وجدت هذا جلياً، انظر إلى نفسك وقد دعوت إلى وليمة وأكرمت الناس، نعم.
دفعت ألفين أو أكثر أو أقل، لأجل هذه الوليمة لكن انظر إلى انبلاج أسارير وجهك، انظر إلى تهلل وجهك، انظر إلى لذة تجدها في نفسك، يوم أن أصبحت كريماً.
والكرم الحقيقي مثل كرم الشيخ ابن باز أسكنه الله الجنة، أن يكون الباب مفتوحاً للفقير قبل الغني، وللضعيف قبل القوي، وللعامة قبل السادة، وللصغار مع الكبار، هكذا مجلس الشيخ، وكم نصحه أناس يظنون أنهم يحسنون صنعاً في نصحه، فقالوا: يا شيخ! إن شر الرعاء الحطمة، ولقد حطمك الناس، فاجعل لك مكاناً أنت والخاصة تتغدى فيه وتفطر وتتعشى فيه، والضيوف الله يحييهم على حِدَة، قال: لا.
لا تحبسوني ولا تحجبوني عن ضيوفي.
بل تجد الله يحسن إليه -كما يخبرنا الشيخ محمد الموسى مدير مكتبه- يقول: والله ما جاءنا قوم أو ضيوف أو شباب أو غيرهم، إلا وهو يهمس يقول: لعل الأمور على ما يرام! لعل كل شيء كافٍ، عسى أن الناس ما قصروا في شيء، يفرح وينشرح صدره بإكرام الناس، وحسبنا بهذا الشيخ حباً، نسأل الله أن يجمعنا وإياه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
يقول الشيخ محمد الموسى: ذات مرة سلم على الشيخ شابان، وقالا: جئنا من مكان كذا نريد أن نسلم عليك، وكان ذلك في رمضان، فقال الشيخ: أفطروا معنا، قالوا: إن شاء الله، إذ رأى الشابين معهما أتوبيساً فيه خمسون شاباً، والشيخ ظن أنهم قلة، قال: فلما جاء قبيل المغرب دخل علينا هذا الأتوبيس كأنه النقل الجماعي قد اجتمع في ذلك اليوم كله، وملئ مجلس الشيخ، قال: تفاجأنا، فسألنا الشيخ، قلنا: الله يحسن إليك، الإخوان جاءوا بعدد كبير وما كنا مستعدين لهذا، قال: لا تتركوا أحداً يذهب، صلحوا من هذا، وأعطوا من هذا، قال: فمازال الشيخ يتابعنا لحظة بلحظة حتى جلسنا على الإفطار ومُدت الموائد وأفطر الناس، وجلسوا للعشاء وتعشوا، قال: فما رأيت الشيخ إلا كعادته بل زيادة على ذلك، تهللاً وانبلاجاً وانشراح صدر.
البذل والعطاء والكرم والجود من أعظم أسباب انشراح الصدر، فكن كريماً وجواداً وكن باذلاً، وإذا بذلت فاحتسب عند الله المثوبة، بعض الناس يُنفق على أولاده، لكن إذا ذهب يشتري لهم بعض الاحتياجات، يقول لهم: كلوا جعله الله مراً، الله لا يحله لكم ولا يبيحكم، إذاً لماذا تصرف هذا مادام الوضع هكذا؟! يا أخي الكريم! أنفق بروح طيبة، وابذل بنفس سخية، وإذا بذلت فاجعله بذلاً من قلبك بنية صالحة صادقة يخلف الله عليك و (ما نقص مال من صدقة) إنك لا تضع في في امرأتك، أي: في فم امرأتك، وما تنفقه على أولادك إلا يُحتسب لك صدقة عند الله ، فلا تظن أن الصدقات مجرد إعطاء الفقراء والمساكين، حتى كسوة أولادك وزوجاتك صدقة، وإكرام ضيوفك صدقة، والإحسان إلى جيرانك صدقة، وكل ذلك من الكرم الذي هو من أعظم أسباب انشراح الصدر.
стр. 908
الشجاعة
ومن أعظم الأسباب أيها الأحبة! الشجاعة، والشجاعة درجة بين الجبن والجنون، وكثير من الناس يعدون الجنون شجاعة، ويعدون التهور والتعدي شجاعة، وهذا ليس من الشجاعة، بل ذلك قد يُفضي بالرقاب إلى القصاص، أحدهم يقول: لقيت في السجن شاباً جميل المحيا حسن الطلعة، فقلت: ما الذي جاء بك في هذا المكان وهذا العنبر؟ قال لي قصة عجيبة وغريبة، خرجت ذات يوم بالسيارة، فجاوزتني سيارة ثم مال وانحرف صاحبها بسيارته عليّ، فطاش غضبي من هذا الفعل، فذهبت لأرد عليه هذا الفعل، فذهبت أحده يميناً ويحدني شمالاً، إلى أن بلغ الأمر برفع الأصوات ثم فتح النافذة وبصق -أكرمكم الله والسامعين والملائكة- قال: فما كان إلا أن كل واحد منا أوقف سيارته، قال: ونزلت بحديدة أريد أن أعرفه قدره، وليس قصدي أن أقتله أو أعيقه، لا.
لكن أريد أن أضربه ضربة لأهينه جراء ما فعل.
قال: فانطلقت الحديدة فلتة من يدي فأصابته مقتلاً، فمات من ساعته، وذُهب بي إلى السجن، وجلست في المحكمة، وحُكم عليّ بالقتل قصاصاً، وها أنا الآن في هذا العنبر أنتظر بلوغ القُصر الورثة ليقضوا فيّ قضاء الله بما يشاءوا، إما أن يعفو ويقبلوا الدية، وإما أن يطلبوا القصاص.
فهذا ليس من الشجاعة، عندما يأتي مجنون يحدك أو تحده، لو أن كلباً نبح فلا تنبح، ولو أن حماراً نهق فلا تنهق، ولو أن مجنوناً جن فلا تجن، لكن الشجاعة أن تكون في الحق، وفي كلمة الحق كما قال ﷺ : (ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه فقتله) هذه الشجاعة يؤجر عليها الإنسان، أو شجاعة في الجهاد في سبيل الله، أو شجاعة في ذب الإنسان عن عرضه وماله: (من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد).
أما أن يعتبر الإنسان الفزعة شجاعة:
قوم إذا الشر أبدى ناجديه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
مجرد أن يرى عراكاً يدخل فيه، مثلما ذكر ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين، قال: وذكر أن رجلاً رأى قوماً يضربون رجلاً، فجاء يضربه معهم، فأمسك به رجل ثاني، قال: يا فلان! على ما تضربون هذا؟ قال: والله لا أدري، لكن وجدتهم يضربونه فضربته معهم حسبة للأجر، هذا جنون، بعض الناس يفزع في مضاربات عصبية قبلية، أناس من بلد تضاربوا مع أناس من بلد تتحول العنصرية إلى حدود إقليمية وعنصرية وسياسية ودولية.
أناس من قرية يتضاربون مع أناس من قرية، وأناس من قبيلة يتضاربون مع أناس من قبيلة، تتحول إلى مهاترات، وأعرف أكثر من حالة، وبنفسي أشرفت واطلعت عليهم، فأناس حُكم عليهم بالقصاص قتلوا أناساً ليسوا بأعداء لهم ولا يعرفونهم، فقط اشتركوا في (فزعة) يسمونها فزعة وهي جنون، اشتركوا فيما يسمونه فزعات فكان واحد من هؤلاء الذين فزعوا أقرب الناس إلى هذا الذي ضُرب، فكانت الضربة القاتلة بيد هذا الذي فزع، فحكم عليه بالقصاص، وأصل العداوة بين طرفين أحدهم قد خرج منها بريئاً، والذي فزع في هذه المضاربة هو الذي حكم عليه بالقصاص.
فيا أحبابي! الشجاعة درجة بين الجنون والجبن، فينبغي أن نفهم ذلك.
من الشجاعة ألا تخشى من موقف حق بسبب تردد في الموت أو لأجل الموت.
أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا يجدي الحذر
إذا كنت تعلم أن الآجال بيد الله، والأرزاق بيد الله فلا يضيرك شيء.
стр. 909
إخراج دغل القلب
من أسباب انشراح الصدر: إخراج دغل القلب، الحقد، الغل، الكراهية، الكبر، بعض الناس يحمل سمات حسنة، لكن يحمل ذنوباً كبيرة في صدره، كاحتقار الآخرين فلا يرى لهم قدراً ولا وزناً، ولا يراهم شيئاً أبداً، أو حقد على شخص حدث بينه وبينه مشكلة لا ينساها أبداً، أو لا يرى لأحد من أناس أو من أقرانه نتيجة للحساسية والتنافس في درجة واحدة لا يرى لهم قدراً، ويتمنى الوضيعة لهم.
إن من تمام الإيمان وصدق التعبد ألا تفرح بمعصية خصمك لله وإن كانت تسرك، شخص من الناس تكرهه، وتتمنى أن الله يفضحه، لكن هل تتمنى أنه يزني فيفضحه الله بالزنا حتى تنتصر أنت، من تمام الإيمان أن تسأل الله حتى لأعدائك من المسلمين ألا يقعوا في معصية الله وسخطه وفضيحة خلقه، فسلامة القلب من الحقد والإحن والبغضاء والعداوة كل ذلك من أسباب انشراح الصدر، بعض الناس لا يبالي أبداً ولا تهزه الرياح ولا السافيات ولا الغاديات ولا شيء أبداً.
لا أنت قلت ولا سمعت أنا هذا كلام لا يليق بنا
إن الكرام إذا صحبتهم ستروا القبيح وأظهروا الحسنا
هذا شأن من يحرص على انشراح الصدر ويسعى إليه، فأخرج دغل القلب من الحسد والحقد والبغضاء والنميمة والغيبة والكراهية، هذا أمر مطلوب، نعم.
أنت لست مأموراً بأن تحب الناس، إنسان لا يألو جهداً في أذيتك ومؤامرات ضدك، وحبائل ومكائد ينصبها تجاهك، نحن لا نقول اذهب فأحبه، ولا نقول لك أن تبكي على حبه، بل من عزة النفس أن من أعرض عنك فلا تتعلق به، إياس بن أبي مريم لما قدم على عمر بن الخطاب ﵁، قال له عمر: [أنت إياس بن أبي مريم الذي قتلت أخي ضرار بن الخطاب؟ قال إياس: الحمد لله الذي أدخله بسببي الجنة، ولم يدخلني بسببه النار -انظر رد الجميل الممتاز أي: قتلته فمات شهيداً، ولم يقتلني على الكفر آنذاك، فأموت كافراً- فقال عمر: اصرف وجهك عني فإني لا أحبك] عمر صريح لا يجامل.
فقال إياس: [يا أمير المؤمنين! إن كنت لا تحبني أفينقصني هذا شيئاً من حق الله لي في بيت مال المسلمين، قال عمر: حاشا لله، معاذ الله، والله لا أنقصك شيئاً، فقال إياس: إذاًً يا أمير المؤمنين! أبغض ما شئت، فإنما يبكي على الحب النساء].
بعض الناس مسكين، لو بغضه رئيسه أو المسئول عليه في العمل، كأنه امرأة مطلقة بغير سبب، لماذا يكرهني؟ لماذا يبغضني؟ لماذا تركني؟ كان بالأمس يحبني واليوم يبغضني، كان بالأمس يدنيني واليوم يبعدني، كان بالأمس يعطيني واليوم يمنعني، يا مسكين! تعلق بالله ولا تتعلق بالخلق، هذه من أعظم أسباب انشراح الصدر، أنك لا تمرض ولا تسقم ولا تجد مصيبتك لو أن أحد الناس غيرّ موقفه منك ما دمت على جادة الصواب، كن مثل المتنبي:
أنام ملئ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
بعض الناس مولع يبحث ويتحسس رضى الآخرين عنه، كيف رضاكم عنا، عساكم راضين عنا، الله لا يرضى عنه، اسأل الله أن يرضى عنك، فإن من طلب رضى الله في سخط الناس ﵁ وأرضى عليه الناس، ومن طلب سخط الله برضى الناس، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، فعود نفسك على هذه المسألة.
بعض الناس يقول: يا أخي! يؤذيني الذين يخالفونني في آرائي، يزعجنني الذين ينتقدونني في مواقفي، يا مسكين! هل الناس قطع معدنية متساوية في الوزن والسكة، والحرف والرسم، والطرة والإطار، فلا يختلف بعضها عن بعض؟ لا.
ليس من العقل هذا، لا تحسب الناس طبعاً واحداً، الناس يتباينون، لا تكن عشيقاً بطلب الرضا من الناس، بل كن حريصاً على الرضا من الله ، وحينئذ رب أقوام يرضون، وآخرين يسخطون، ثم يعود الساخطون راضين داعين متقربين معجبين، فلا تنزعج بهذا أبداً.
أما طلب رضى الناس، مديري المباشر غير راض، وفلان غير راض، وفلان تغير موقفه مني، هذا جنون، هذا عذاب للنفس وعذاب للضمير، لا تعلق نفسك بالبشر فالبشر يتقلبون، تعلق بالله الذي إذا تقربت إليه شبراً تقرب إليك ذراعاً، وإذا تقربت إليه ذراعاً تقرب إليك باعاً، وإذا قدمت إليه تمشي أقبل إليك هرولة، انظر فضل الحي القيوم.
لو أن شخصاً يعمل عند تاجر أو رئيس شركة عشرين أو خمسة وعشرين سنة، وبعد هذا الزمن الطويل وقع من هذا الموظف عند هذا التاجر زلة، يمكن أنها من نوع كبير أو من نوع متوسط، فماذا كان شأن هذا التاجر؟ نسي كل ما مضى، وعاقبه عقوبة نكلت به تنكيلاً، وجعله عبرة وعظة للآخرة والأولى، بعد خمسة وعشرين سنة من نجاح وتقدم وإنجازات، وغلطة واحدة محت ومحقت كل هذا النجاح والتقدم.
لكن انظر رب العالمين ، تجد عبداً من عباد الله عمره أربعين أو ثلاثين أو خمسة وثلاثين سنة وهو مسرف على نفسه في الذنوب والمعاصي والمنكرات والكبائر والفواحش، ثم يُقدم إلى الله بعمل صالح، وتوبة صالحة وإنابة، فيغفر الله ذلك كله، ويجعل سيئاته حسنات.
فتعاملوا مع الله، وأقبلوا على الله، وتعلقوا بالله، فلن يندم أحدٌ، ولن يُظلم أحد في تعامله مع الله ، أما الناس:
فمن يغترب عن قومه لم يزل يرى مصارع أقوام مجراً ومسحباً
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
стр. 910
ترك فضول النظر والكلام والمخالطة
أيها الأحبة! من أسباب انشراح الصدر ترك فضول النظر، وترك فضول الكلام، وترك فضول المخالطات، لا تجهض السعادة أكلاً لذيذاً، ووجدت متعة الأكل في تقليب اللقم بلسانك في فمك، ثم استقرت لذيذة هنيئة في جوفك، فقف عند هذا الحد، ولا تزد في الأكل، فتحول لذة الأكل إلى تخمة تنقلب إلى سقم وضرر.
جلست مع أحبابك جلسة ساعة وربع ساعة ونصف جلسة لذيذة، قف على هذا وكل يذهب إلى بيته، لا تمدد الجلسة فيما لا طائل فيه، فتجهض سعادة الجلسة، فبدلاً من أن تتفرقوا على أوج السعادة، تتفرقون بعد سعادة على أمر أحدثتموه بآخر لقاء، فأحدث مللاً أو سؤماً أو خلافاً بينكم.
إذاً لا تجهض السعادة، وأطلق فضول المخالطات، وفضول النظر، وأما فضول النظر فشأنه عظيم، إذ أن من أطلق بصره فلا شك أنه يجد أثر ذلك في فؤاده.
وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المعاتب والقتيل القاتل
تعاتب من وأنت القاتل والقتيل؟!
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ختاماً أيها الأحبة: أسأل الله أن يشرح صدورنا وإياكم بالحق، وأسأله سبحانه بمنه وكرمه وأسمائه وصفاته أن يُصلح لنا ولاة أمرنا، وأن يجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا، وألا يفرح علينا عدواً، وألا يشمت بنا حاسداً إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة! إني داع فأحضروا قلوبكم وأمنوا لإخوانكم المجاهدين في الشيشان وداغستان.
اللهم يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد، إلهنا منشئ السحاب، هازم الأحزاب، منزل الكتاب، خالق الخلق من تراب، يا من إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، اللهم أنزل بأسك وبطشك وعذابك ورجزك على الكفار في روسيا يا رب العالمين.
اللهم كل من آذى المسلمين من الروس وغيرهم اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم إنا نشكو إليك ضعف الولاء بين المسلمين فانصر إخواننا يا رب العالمين ولا تكلهم إلى إخوانهم الضعفاء والمساكين، اللهم يا حي يا قيوم! انصر إخواننا المجاهدين في داغستان والشيشان.
اللهم وحد صفهم، وثبت أقدامهم، واجمع على الحق كلمتهم، وأقم على التوحيد كلمتهم، اللهم آمن روعاتهم، واستر عوراتهم، اللهم احفظهم، اللهم انصرهم، اللهم أنزل عليهم مدداً من ملائكتك تؤيدهم يا رب العالمين.
اللهم ارفع البأس والشدة والبطش عنهم يا حي يا قيوم، اللهم اجعل الدائرة على الشيوعيين ومن شايعهم، واليهود ومن هاودهم، اللهم صل على محمد وآله وصحبه.
стр. 911
الأسئلة
стр. 912
الحذر من وسوسة الشيطان
السؤال
يقول السائل: أنا شاب التزمت حديثاً ولله الحمد، ولكن مشكلتي أنني أشعر بالضيق من وقت لآخر، وأحس أن الله جل وعلا لم يقبل توبتي، أفيدوني ماذا أفعل مأجورين؟
الجواب
أخي الحبيب! دع عنك وسوسة الشيطان، فإن الله يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] إن تبت توبة صادقة بشروطها: الإقلاع عن الذنب، كراهية العودة إليه، الندم على ما فات، على إيمان ويقين وصدق، وعملت صالحاً واجتهدت في مرضاة الله بما ينفعك فأبشر بالخير، وأما ما يعرض لك فهو من وسوسة الشيطان، والله يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] فلا تبال أخي بوسوسة الشيطان أبداً، لكني أنصحك ألا تجعل فراغاً في وقتك.
اشغل وقتك كله، حوائج والديك أولاً، صلة أرحامك، المجالسة الطيبة، الصحبة النافعة، القراءة المفيدة، حلقات العلم، مجالس الذكر، رياض الجنة، الحج، العمرة، الأمور النافعة إذا ملأت وقتك، فلن يجد الشيطان فرصة للوسوسة معك.
стр. 913
تطبيق جميع أسباب انشراح الصدر ليس بشرط
السؤال
ذكرتم حفظكم الله أسباباً مختلفة لانشراح الصدر، وقد لا يمكن لشخص أن يجمع هذه الأسباب كلها، فهل يتحقق انشراح الصدر مع القيام ببعض هذه الأسباب؟
الجواب
لاشك، لا يلزم من طلب انشراح الصدر أن يجمع كل هذه الأسباب التي ذكرنا، فرب رجل لا يستطيع أن يشفع، أو حري إن شفع ألا يشفع، وإن تكلم ألا يسمع له، وربما لا يكون غنياً يجود أو ينفق، لكنه يستطيع أن يكون ذاكراً لله، منيباً أواهاً، متهجداً، يستطيع أن يكون مجاهداً في سبيل الله، يستطيع أن يكون معيناً على الخير، فلا أظن أن أحداًً يعجز أن يجمع من أسباب انشراح الصدر ما يستطيعه أياً كان.
стр. 914
حقيقة انشراح الصدر
السؤال
هناك كثيرٌ من الناس وخصوصاً من الشباب، يظنون أن انشراح الصدر يكون في اللعب واللهو والسهر مع أصدقاء السوء، والسفر إلى بلاد الفسق والعصيان، وحينما تنصحهم يقولون: يا شيخ! استأنس ووسع صدرك ولا تكن معقداً متشدداً، فما هو توجيهكم لهؤلاء؟
الجواب
هو في الحقيقة يخيل إليه أن هذه سعادة وانشراح صدر، وإلا فإن الذين يقضون أوقاتهم في مجالس اللهو والفسق والمعصية والغفلة، وإن فعلوا ما يشتهون، أو رأوا ما يلذ بأعينهم، فإنهم يحسون بعد ذلك من الضيق والنكد والحسرة ما لا يخطر على بال، يقول الحسن البصري في شأن أهل المعاصي: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، والله يقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١].
أتظنون يا أحبابي أن هذا الخاشع المتهجد الصائم العابد الذاكر الشاكر، يمكن أن تكون حاله سواء مع الفاسق الفاجر العنيد؟ لا يُمكن أن يستوي الأبرار والفجار، والصالحون والفاسقون، فكل من ادعى سعادة وانشراحاً على معصية، فإما أن تكون استدراجاً مضاعفاً لعذاب ينتظره، وإما أن تكون سعادة وهمية وانشراحاً تخيلياً لا حقيقة له، بدليل أن الكثير من هؤلاء الذين يسمون نجوماً ليسوا بنجوم، نجوم الفن إذا خلا أحدهم بنفسه، أو مع خاصة جماعته أو أصحابه، عُرف منه الكآبة والضيق، وما هو إلا عبد لرضى الجماهير، ما هو إلا عبد يريد رضى الجماهير، هل رأيتم فناناً يغني أمام واحد أو اثنين، لا.
لابد أن يأتي الجمهور ويطرب، هو عبد لهذا الرضا والإعجاب من الجمهور.
لكن العالم عندنا يجلس يحضر طالب، أو ألف، أو عشرة آلاف العلم علم والعبادة عبادة والتعليم تعليم، فرق بين رضى وانشراح صدر العالم والعابد والداعي، وما يراه أهل الفن والفسق والطرب من خيال، وحسبك أن أحدهم لو سألته بكل صراحة تقول: أنت تخيل نفسك أمام الله ، إذا سئلت بين يدي الله عن أعمالك، تقول: يا رب أحييت كرنفالاً، أحييت سهرة، أقمت حفلة، هذه أتقرب بها إلى الله، أو أريد بها منازل الفردوس والشهداء،
الجواب
لا يصح ذلك إطلاقاً، ولكن:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
стр. 915
التحذير من ترك العمل خوفاً من الرياء
السؤال
إنه شاب يعمل منذ عدة أشهر في نشر الدعوة إلى الله عن طريق المطويات والكتيبات وإرسالها إلى خارج المملكة عن طريق المراسلة، ويقوم بمجموعة من أمور الدعوة، لكنه يقول: إني أخشى على نفسي من الرياء، فما هو توجيهكم لي؟
الجواب
هذا شيطان يريد أن يردك عن عملك، بما يوسوس لك من دعوى الرياء، ولو أن كل من مر بعقله هاجس الرياء والسمعة توقف عن الخطب والمحاضرات وتوزيع الكتب والمطويات والنشرات، والعمل في المقرات الخيرية ومكاتب الجاليات، والمشاركة في كل الأعمال الخيرية، لما بقي منها أحد، كلنا يخشى على نفسه الرياء، أي والله نخاف ونخشى على أنفسنا الرياء، ونخشى على أنفسنا السمعة، لكن هل نترك العمل الصالح خشية وساوس الشيطان؟ لا.
أنت لا تعجب بعملك، ولا تُدل على الله بفعلك، ولا تباهي أو تحبط عملك، تقول: اسكت أنا فعلت وعملت، لا.
تقول: والله لا أدري، القدوم على الله في أمر رحمته وحده لا شريك له، إذا قدمنا يوم القيامة فليس اعتمادنا على هذه المحاضرات والكلمات والخطب والمطويات والنشرات والصدقات والتلاوات والأعمال، ولكن رجاؤنا في رحمته وحده لا شريك له، رجاؤنا في أننا نشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
إن تكرم علينا الرب الجواد الكريم المتفضل المنعم بقبول شيء من أعمالنا فله الفضل، الذي أعطى اللسان الناطق، والعين الباصرة، والأذن السامعة، واليد الباطشة، والقدم الماشية، وإن لم يقبل فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومعاذ الله أن يكون العمل هباء منثورا، نسأل الله ألا يجعل أعمالنا وإياكم ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩].
أخي الحبيب! إياك أن تقف عن العمل، بل قاوم هذا الوسواس بمزيد من النشرات توزعها، ومزيد من المطويات توزعها، ومزيد من الصلوات تؤديها، ومزيد من العبادات والدعوة تفعلها، أما إذا كان كلما رمي الإنسان بكلمتين أو ثلاث يتوقف عن عمله، كأن يقال: فلان يريد منصباً، إذاً وقف من أجل ألا يقولون: يريد له منصباً، فلان يريد دنيا، وقف إذاً، فلان يريد ثناء الناس وسمعتهم، لا.
أخلص ما بينك وبين الله ، واعلم أن أعمال الآخرة كالدعوة والعبادة، ما لم تكن خالصة لله، فالذين يبيعون الطماطم والخضار على الأرصفة أكسب منك، لماذا؟ لأن الذي يبيع الطماطم والخضار يكسب مالاً، أما الذي يظهر بأعمال العُبَّاد ولا يرجو بها وجه الله، فلا دنيا حصلها ولا آخرة، ويكون قد خسر الدنيا والآخرة.
следующие страницы →