Полный текст (3 155 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الأسئلة
стр. 912
الحذر من وسوسة الشيطان
السؤال
يقول السائل: أنا شاب التزمت حديثاً ولله الحمد، ولكن مشكلتي أنني أشعر بالضيق من وقت لآخر، وأحس أن الله جل وعلا لم يقبل توبتي، أفيدوني ماذا أفعل مأجورين؟
الجواب
أخي الحبيب! دع عنك وسوسة الشيطان، فإن الله يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] إن تبت توبة صادقة بشروطها: الإقلاع عن الذنب، كراهية العودة إليه، الندم على ما فات، على إيمان ويقين وصدق، وعملت صالحاً واجتهدت في مرضاة الله بما ينفعك فأبشر بالخير، وأما ما يعرض لك فهو من وسوسة الشيطان، والله يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] فلا تبال أخي بوسوسة الشيطان أبداً، لكني أنصحك ألا تجعل فراغاً في وقتك.
اشغل وقتك كله، حوائج والديك أولاً، صلة أرحامك، المجالسة الطيبة، الصحبة النافعة، القراءة المفيدة، حلقات العلم، مجالس الذكر، رياض الجنة، الحج، العمرة، الأمور النافعة إذا ملأت وقتك، فلن يجد الشيطان فرصة للوسوسة معك.
стр. 913
تطبيق جميع أسباب انشراح الصدر ليس بشرط
السؤال
ذكرتم حفظكم الله أسباباً مختلفة لانشراح الصدر، وقد لا يمكن لشخص أن يجمع هذه الأسباب كلها، فهل يتحقق انشراح الصدر مع القيام ببعض هذه الأسباب؟
الجواب
لاشك، لا يلزم من طلب انشراح الصدر أن يجمع كل هذه الأسباب التي ذكرنا، فرب رجل لا يستطيع أن يشفع، أو حري إن شفع ألا يشفع، وإن تكلم ألا يسمع له، وربما لا يكون غنياً يجود أو ينفق، لكنه يستطيع أن يكون ذاكراً لله، منيباً أواهاً، متهجداً، يستطيع أن يكون مجاهداً في سبيل الله، يستطيع أن يكون معيناً على الخير، فلا أظن أن أحداًً يعجز أن يجمع من أسباب انشراح الصدر ما يستطيعه أياً كان.
стр. 914
حقيقة انشراح الصدر
السؤال
هناك كثيرٌ من الناس وخصوصاً من الشباب، يظنون أن انشراح الصدر يكون في اللعب واللهو والسهر مع أصدقاء السوء، والسفر إلى بلاد الفسق والعصيان، وحينما تنصحهم يقولون: يا شيخ! استأنس ووسع صدرك ولا تكن معقداً متشدداً، فما هو توجيهكم لهؤلاء؟
الجواب
هو في الحقيقة يخيل إليه أن هذه سعادة وانشراح صدر، وإلا فإن الذين يقضون أوقاتهم في مجالس اللهو والفسق والمعصية والغفلة، وإن فعلوا ما يشتهون، أو رأوا ما يلذ بأعينهم، فإنهم يحسون بعد ذلك من الضيق والنكد والحسرة ما لا يخطر على بال، يقول الحسن البصري في شأن أهل المعاصي: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، والله يقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١].
أتظنون يا أحبابي أن هذا الخاشع المتهجد الصائم العابد الذاكر الشاكر، يمكن أن تكون حاله سواء مع الفاسق الفاجر العنيد؟ لا يُمكن أن يستوي الأبرار والفجار، والصالحون والفاسقون، فكل من ادعى سعادة وانشراحاً على معصية، فإما أن تكون استدراجاً مضاعفاً لعذاب ينتظره، وإما أن تكون سعادة وهمية وانشراحاً تخيلياً لا حقيقة له، بدليل أن الكثير من هؤلاء الذين يسمون نجوماً ليسوا بنجوم، نجوم الفن إذا خلا أحدهم بنفسه، أو مع خاصة جماعته أو أصحابه، عُرف منه الكآبة والضيق، وما هو إلا عبد لرضى الجماهير، ما هو إلا عبد يريد رضى الجماهير، هل رأيتم فناناً يغني أمام واحد أو اثنين، لا.
لابد أن يأتي الجمهور ويطرب، هو عبد لهذا الرضا والإعجاب من الجمهور.
لكن العالم عندنا يجلس يحضر طالب، أو ألف، أو عشرة آلاف العلم علم والعبادة عبادة والتعليم تعليم، فرق بين رضى وانشراح صدر العالم والعابد والداعي، وما يراه أهل الفن والفسق والطرب من خيال، وحسبك أن أحدهم لو سألته بكل صراحة تقول: أنت تخيل نفسك أمام الله ، إذا سئلت بين يدي الله عن أعمالك، تقول: يا رب أحييت كرنفالاً، أحييت سهرة، أقمت حفلة، هذه أتقرب بها إلى الله، أو أريد بها منازل الفردوس والشهداء،
الجواب
لا يصح ذلك إطلاقاً، ولكن:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
стр. 915
التحذير من ترك العمل خوفاً من الرياء
السؤال
إنه شاب يعمل منذ عدة أشهر في نشر الدعوة إلى الله عن طريق المطويات والكتيبات وإرسالها إلى خارج المملكة عن طريق المراسلة، ويقوم بمجموعة من أمور الدعوة، لكنه يقول: إني أخشى على نفسي من الرياء، فما هو توجيهكم لي؟
الجواب
هذا شيطان يريد أن يردك عن عملك، بما يوسوس لك من دعوى الرياء، ولو أن كل من مر بعقله هاجس الرياء والسمعة توقف عن الخطب والمحاضرات وتوزيع الكتب والمطويات والنشرات، والعمل في المقرات الخيرية ومكاتب الجاليات، والمشاركة في كل الأعمال الخيرية، لما بقي منها أحد، كلنا يخشى على نفسه الرياء، أي والله نخاف ونخشى على أنفسنا الرياء، ونخشى على أنفسنا السمعة، لكن هل نترك العمل الصالح خشية وساوس الشيطان؟ لا.
أنت لا تعجب بعملك، ولا تُدل على الله بفعلك، ولا تباهي أو تحبط عملك، تقول: اسكت أنا فعلت وعملت، لا.
تقول: والله لا أدري، القدوم على الله في أمر رحمته وحده لا شريك له، إذا قدمنا يوم القيامة فليس اعتمادنا على هذه المحاضرات والكلمات والخطب والمطويات والنشرات والصدقات والتلاوات والأعمال، ولكن رجاؤنا في رحمته وحده لا شريك له، رجاؤنا في أننا نشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
إن تكرم علينا الرب الجواد الكريم المتفضل المنعم بقبول شيء من أعمالنا فله الفضل، الذي أعطى اللسان الناطق، والعين الباصرة، والأذن السامعة، واليد الباطشة، والقدم الماشية، وإن لم يقبل فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومعاذ الله أن يكون العمل هباء منثورا، نسأل الله ألا يجعل أعمالنا وإياكم ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩].
أخي الحبيب! إياك أن تقف عن العمل، بل قاوم هذا الوسواس بمزيد من النشرات توزعها، ومزيد من المطويات توزعها، ومزيد من الصلوات تؤديها، ومزيد من العبادات والدعوة تفعلها، أما إذا كان كلما رمي الإنسان بكلمتين أو ثلاث يتوقف عن عمله، كأن يقال: فلان يريد منصباً، إذاً وقف من أجل ألا يقولون: يريد له منصباً، فلان يريد دنيا، وقف إذاً، فلان يريد ثناء الناس وسمعتهم، لا.
أخلص ما بينك وبين الله ، واعلم أن أعمال الآخرة كالدعوة والعبادة، ما لم تكن خالصة لله، فالذين يبيعون الطماطم والخضار على الأرصفة أكسب منك، لماذا؟ لأن الذي يبيع الطماطم والخضار يكسب مالاً، أما الذي يظهر بأعمال العُبَّاد ولا يرجو بها وجه الله، فلا دنيا حصلها ولا آخرة، ويكون قد خسر الدنيا والآخرة.
стр. 916
إن الله يغفر الذنوب جميعاً
السؤال
امرأة استزلها الشيطان وفعلت كل شيء من أفعال الرذيلة والكبائر، وتقول: هل يقبل الله توبتي على ما كان من عملي؟ وهل من المعقول أن أكون امرأة صالحة أم لا؟
الجواب
أسأل الله بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم أن يستر على أختنا هذه، وعلينا وعليكم جميعاً، وفي الحديث (إن الله ستير يحب الستر) والستر من العبادات التي غفل عنها كثير من الناس، وفي الحديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون، قيل: ومن المجاهرون يا رسول الله؟ قال: الذي يمسي يعصي الله فيستره الله، فيصبح يهتك ستر الله عليه، يقول: فعلت البارحة كذا، وفعلت البارحة كذا).
فإلى أختنا هذه بعد الدعاء لها بالستر والتوفيق وقبول التوبة والإنابة، نقول: استري على نفسك ولا تحدثي أحداً ولا تخبري أحداً أبدا، هذا أولاً.
الشيء الثاني: يقول الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فينبغي لمن أذنب ذنباً أن يجتهد في كثرة الحسنات الماحية للسيئات، وفي الحديث (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).
فإلى أختنا هذه نبشرك بإذن الله رجاءً فيما عند الله، وتصديقاً بوعد الله، أن التوبة تُقبل بمنّ من الله وكرم، وإياك أن يُوسوس لك الشيطان أن التوبة لن تُقبل، وأن ذلك مما يردك عن المضي في الاستقامة؛ لأن الشيطان يأتي يقول: وهل بعد الذي حصل في مكان كذا وليلة كذا وساعة كذا وحفلة كذا وسهرة كذا ترجين قبول توبة، الشيطان يعظم الأمر، ويجعل التوبة بعيدة المنال، وهذا من الخطأ، بل أحسنوا الظن بالله، وتعلقوا بالله، وتوكلوا على الله، وأبشروا بخير عظيم من الله، فإن الله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدنا أظل راحلته في فلاة (مفازة جرداء مهلكة) فلم يجدها عنده، فأيقن بالهلاك، ثم توسد يده ينتظر الموت، فلما أفاق إذ بناقته تحرك يده بخطامها أو بشفتها، أفاق فوجد الناقة بعد أن تيقن الموت، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح، الله أشد فرحاً من فرحة هذا بوجود ناقته التي عليها الماء والشراب بعد أن أيقن الهلاك.
فيا أحبابنا أحسنوا الظن بالله، وبشروا الناس ولا تنفروهم، وقربوهم إلى الله ، فإن الله يمهل عباده، يخبرني أحد الشباب، قال: كنت رجلاً عسكرياً في نقطة من النقط، وكان معي شاب في هذه النقطة، وكان سكيراً عربيداً فاجراً ما ترك شاذة ولا فاذة ولا حاجة ولا داجة من السيئات والكبائر والفواحش إلا فعلها، قال: والله سمعته ذات يوم يتجرأ على الله بكلام، وناقل الكفر لا يكفر؛ لأن الله قال في القرآن ما قالته اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] يقول هذا الشاب عن صديقه، قال: والله لما نزل المطر نام ربي ففتحت الملائكة البزابيز، تعالى الله عما يقول علواً عظيماً، قال: فكنت أنتفض وأرتجف وأبتعد بعيداً، قلت: الآن تنزل صاعقة من عذاب، أو شيء يهلكني وإياه فقط لأني وقفت بجواره.
قال: فما زلت أتحاشى مجلسه، وأتحاشى القرب منه، قال: ثم تدور الأيام، فإذا بي أراه شاباً تائباً منيباً منكسراً؛ تواباً بكاءً، قد أطلق لحيته، واجتهد في طلب العلم، وعمل الصالحات، وترك كل ما مضى.
فيا أحبابي! بشروا الناس، فالله يقبل التوبة، وأعيونهم على الرجوع، ولا تنفروا، ولا يتألى أحد على الله، ليقول: فلان لا يهديه الله أبداً، لا، هذا تألٍّ على الله.
بل اسألوا الله السلامة من أقوال المغترين، ومن أقوال المجترئين، ومن أقوال الغافلين، واسألوا الله الهداية لجميع المسلمين، فإن رسول الله ﷺ دعا للكفار، قال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم) وقال: (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين) وقال: (اللهم اهد أم أبي هريرة).
فالدعاء للكافر بالهداية مشروع؛ فما بالك بالفاجر والفاسق، فتحببوا وتدوددوا وتقربوا إلى الناس، وخذوا منهم حسناتهم، وأعينوهم على ترك سيئاتهم تكونوا بإذن الله من أسباب استقامتهم.
стр. 917
سؤال الله الثبات والحذر من سوء الخاتمة
السؤال
كثير من الأسئلة يقول أصحابها: بأنهم على بداية الالتزام وحضور المحاضرات ومجالس الذكر، ويسألون من الشيخ أن يدعو لهم بالثبات.
الجواب
أسأل الله أن يثبتني وإياكم، وكلنا نحتاج إلى ذلك أحبتنا في الله، الذي أمضى في الدعوة أربعين سنة، والذي أمضى في الدعوة سنة، كلهم على خطر من سوء الخاتمة، وكل يخاف على نفسه أن يتقلب قلبه، أو يفتن بفتنة يصبح بها مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، أو يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ليس فينا ذلك الذي يأمن ويضمن نفسه، فلا تستبعدن على ضال هداية، ولا تأمنن على مهتدٍ غواية.
رجل مهتدٍ لا تقل: هذا لا يغوي أبداً، ورجل غاوٍ لا تقل: هذا لا يهتدي أبداً، ومن نصوص أهل السنة والجماعة في المعتقد، ولا نقطع لأحد من أهل القبلة بجنة أو نار، وإنما نرجو للمحسن الثواب، ونخشى على المسيء العقاب، فيا أحبابنا! أنتم أنفسكم اسألوا الله الثبات والهداية، ولن نكون أحرص عليكم من حرصكم أنتم على أنفسكم، ولن نكون أكثر شفقة في نجاتكم من شفقتكم أنتم على نجاة أنفسكم، فكلنا يدعو ربه، وكلنا يدعو لأولاده، وكلنا يدعو لإخوانه، وكلنا يدعو لجيرانه.
يا أخي! لا يضيرك إذا أوترت أن تقول: اللهم إني أسألك لنفسي ووالدي وذريتي وإخواني وأخواتي وذرياتهم وجيراني وذرياتهم والمسلمين؛ أن تجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل فتنة عصمة، حاول أن تجمع إخوانك المسلمين في الدعاء، بعض الناس لا يدعو إلا لنفسه فقط، جزاه الله خيراً على الدعاء، الدعاء عبادة، لكن -يا أخي- لا تنس الدعاء لوالديك: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤] ولا تنسَ الدعاء لعلماء المسلمين، وإخوانك المجاهدين، ولولاة أمور المسلمين؛ ففي صلاحهم صلاح الرعية، ولا تنسَ الدعاء لهم بصلاح البطانة، وباجتماع الشمل، وبالثبات على الحق، ولا تنسَ الدعاء لكل من أوصاك به ولمن أحبك في الله، وفي الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦] والأدعية التي في القرآن أكثرها بنون الجمع ونا الجمع.
فيا أحبابنا! ادعوا لأنفسكم ولإخوانكم وللمسلمين أجمع.
стр. 918
أنواع الجلساء
إن من الضرر على دين الشخص مجالسة غير الصالحين، وقد أمر الله رسوله ﷺ بمجالسة الصالحين، وكذلك النبي ﷺ حذر تحذيراً كبيراً من قرين السوء وبين خطره.
كما أن سبب تآلف القلوب وتنافرها هو تقارب الطباع أو تباعدها، وكما يقال: (الطيور على أشكالها تقع) ولقد حث الشيخ في درسه هذا على مصاحبة العلماء والحكماء وأهل الخبرة والصلاح.
стр. 919
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم
الحمد لله الذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً، والصلاة والسلام على نبيه محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الأحبة في الله: إنه لمما يسعدني ويثلج صدري أن أدعى تشريفاً وتكريماً للمثول بين أيديكم، والتحدث إليكم، والاستفادة منكم.
أيها الإخوة: كما تعلمون عنوان المحاضرة، أو عنوان الكلمة بالأصح" أثر الجليس على المسلم في الدنيا والآخرة"، ولقد صدر الأخ المقدم تقدمته بقول النبي ﷺ في الحديث: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبةً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة).
أيها الإخوة في الله: لا شك أن الإنسان اجتماعيٌ بطبعه، ولقد خلق الله في البشر أجمعين غريزة الاختلاط، وغريزة المخالطة، وغريزة المعاملة مع الناس، فكان لابد لكل إنسان أن يختلط بأبناء جنسه، وأفراد مجتمعه في جميع شئون حياته وحاجاته، فلا بد له من المخالطة مع زملائه في المدرسة، ومع زملائه في العمل، ومع جيرانه في الحي، ومع إخوانه المصلين في المسجد، ومع أقاربه وعصابته في صلته لرحمه وفي اتصالاته جميعها، فالإنسان لا شك أنه اجتماعيٌ بطبعه، وكان لهذا الاجتماع مصلحة عظيمة، ومن أجل تحقيق تمام المصلحة في هذا الاجتماع، كان لابد أن يكون له من الضوابط والقيود ما يحقق الأثر المنشود في هذه المخالطة، وفي هذه الصحبة.
وحسبكم -أيها الإخوة في الله- أن الله قد اختار صحبة نبيه، واختار صحب نبيه من الثلة الأولين الطاهرين المطهرين، وأمره ﷺ بأن يلزم ويلزم نفسه بصحبتهم، فقال في كتابه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] فالله قد اختار الصحبة الطيبة الطاهرة لنبيه وأمره بلزومهم.
فنحن -يا معاشر المؤمنين- في دبر هذا الزمان في أمس الحاجة إلى الأصحاب والإخوان والخلان الذين بلينا بكثرتهم، وامتحنا بقلة النافع منهم، نحن بأمس الحاجة في هذا الزمان إلى تحقيق العلاقات، وتمحيص الصداقات، وتدقيق المودات، كل واحد منا لو أمسك أوراقاً، وليست ورقة ليعد كم من الأصدقاء عرفهم، وكم من الخلان اتصل بهم، لوجد أنه عرف الكثير الكثير منهم، ولكن إذا اشتدت الأمور، واستحكمت الأزمات، لن يجد إلا ما هو أقل من عدد أصابع يد واحدة يستطيع أن يفزع إليهم بعد الله ، ويثق في نخوتهم، ويوقن بنجدتهم، بل وهو مطمئنٌ أن يفشي سره عندهم، وأن يفضي بحاجته إليهم، أولئك نزر قليلٌ من الإخوان والخلان والأصدقاء، ومن أجل ذلك كان واجباً أن نختار الأصدقاء، وأن نحدد العلاقات.
стр. 920
المرء على دين خليله
يقول ﷺ : (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) وقوله ﷺ هذا معيارٌ دقيقٌ في تعديد شخصية المرء بمعرفة جليسه، فأنت تستطيع أن تحكم على هذا الرجل، أو ذاك الرجل، تستطيع أن تحكم عليه بالشجاعة، أو القوة، أو الأمانة، أو الديانة والاستقامة إذا عرفت من هم جلساؤه وأصدقاؤه وخلطاؤه، لأن الإنسان على دين وملة وطريقة خليله، فلينظر أحدكم من يخالل كي لا ينسب لنفسه ديناً وملةً خبيثةً وسمعةً سيئةً، والعياذ بالله.
стр. 921
(مثل الجليس الصالح والجليس السوء)
وإذا عدنا لنتأمل الحديث الذي قلناه آنفاً، وهو قوله ﷺ تشبيهاً للجليس الصالح بحامل المسلك، فحامل المسك إما أن يحذيك، أو يطيبك، أو يهديك نصيحة، أو يعرفك بعيب من عيوبك، أو يعلمك أمراً تجهله، أو يرشدك في أمر قد ضل عنك، أو يحذرك من أمر كدت أن تقع فيه، وإما أن تبتاع منه، والمبايعة بما جيء بها في المثل إشارة إلى ما يتعلق بالمعاطاة من الأخلاق، وأنه تمنحه وداً صادقاً، وهو يعطيك علماً نافعاً، أنت تمنحه ثقةً طيبةً، وهو يمنحك أخلاقاً رفيعةً عاليةً، وإما أن تجد منه ريحاً طيبةً، فالجليس الصالح لو لم يكن لك منه إلا ريحه، ذكره، سمعته بين الناس، لقيل: حسبك بفلان أنه من مجالسي أئمة المساجد، حسبكم بفلان أنه من الذين يجالسون أهل الإيمان والذين يحرصون على حلقات الذكر في المساجد، حسبكم بفلان أنه من الذين يجالسون العالم الفلاني، والعالم الفلاني، والعالم الفلاني، وما جالسه إلا لطيبه.
إذاً هذه هي الرائحة الطيبة التي تنتقل إليك بمجالسة الجلساء الطيبين.
أما الجليس السوء، فهو الذي يحرق ثيابك، يحرق سمعتك، ويخبث ذكرك بين الناس، لا سيما إذا رؤي معك على صورة مريبة، أو حالةٍ تدعو إلى العجب والدهشة، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة، وهذه الريح هي ما لا يسلم منه الإنسان، لأن هذه الريح بمثابة غبار دخاني ينطلق بأجواء السماء، فلا يلبث أن يصل إلى جوفك، فتستنشقه وأنت لا تدري، وأعني بهذه الريح في المثال هي: ريح اكتساب الطباع الخبيثة والأخلاق السيئة، ومن هنا قال جملة من علماء الأخلاق والسلوك: المرء من جليسه، والطبع استراق، الطبع استراق: الإنسان يسرق الطباع وهو لا يشعر، وإن الإنسان يكون في أخطر مراحل سرقة الطبع إذا كان في مراحل صغره، وفي مراحل بداية نموه، ومن هنا نلاحظ أن الأطفال الصغار جداً يسرقون طباع والديهم، ونلاحظ أن من كبر قليلاً يسرق طباع المدرسين، ونلاحظ أن من كبر أيضاً يسترق وهو لا يدري طباع أهل حيه وجيرانه، وطباع الذين يعيشون من حوله.
стр. 922
قوة التأثر بالجليس
وأذكر لكم قصةً تدلل على أن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر، وهي قصة غريية، وقد فعلت فعلاً، قيل لأحد الوزراء، وكان حاجباً وجليساً عند ملك من الملوك أن يحضر ليتسلم هديةً أهديت إلى الملك، فجاء الوزير واستلم الهدية، ما هي؟ حصان، فأخذ هذه الهدية، ودخل بها في إسطبل الملك، ثم جاء مع الملك، وأخذ يتأمل هذا الحصان فترةً بعد أخرى، فقال له الملك: ما تقول في هذا الحصان؟، قال: هذا حصان جيد، ومن سلالة عريقة، لكن هذا الحصان قد ربي مع بقر، فعجب الملك من ذلك عجباً شديداً وسكت.
وبعد مدة أهدي إلى الملك صقر-طير من الطيور طير جارح- فدعا وزيره، وقال: تعال -أيها الوزير- وانظر إلى ما أهدي إلينا اليوم، فتأمله مراراً مرةً بعد أخرى، فقال: هذا طير جيد، لكنه قد ربي مع دجاج، فعجب الملك من ذلك عجباً شديداً، ثم سأل: كيف تقول: إن الحصان الذي أهدي إليَّ قد تربى مع البقر؟ وكيف تقول: إن هذا الصقر قد تربى مع الدجاج؟ قال: إني تأملت هذا الحصان فوجدته ينظف نفسه بلسانه، ولا ينظف نفسه بلسانه إلا البقر، أنتم تلاحظون البقرة، هي التي تتنظف بهذه الطريقة، فكون هذا الحصان قد تربى في حظيرة مع جملة من الأبقار، ولو كان حصاناً، فإنه سرق طباعها، وهو أعجميٌ بهيم لا عقل له، فما بالكم بالإنسان وهو يملك السمع والبصر والفؤاد، ألا يتأثر ممن حوله؟ إذا كانت هذه البهيمة تأثرت، وهي لا عقل لها ولا لب، فإن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر.
قال: حسناً: هذا الحصان عرفنا شأنه، فما بال هذا الطير؟، قال: إني تأملت هذا الصقر الذي أهدي إليك، فنظرته مطأطئ الرأس، ومنقاره إلى الأرض يلتقط الحب كما تلتقط الدجاج الحب، وهذه خصلة لا توجد إلا في الدجاج، أما الصقور، فهي لا تنظر إلى الأرض أبداً، بل دائماً تحلق بأبصارها إلى السماء، فإذا رأت فريسةً، انقضت عليها في علوها، ثم نزلت بها إلى الأرض، وما تعودت الصقور أن تأكل مما في الأرض، فهذا الصقر حينما تربى في صغره مع الدجاج، اكتسب طباع الدجاج، وهو أنه يأكل من الحب، أقول هذه القصة لإخواني الشباب، ولأبنائي الصغار الذين يسمعونها لكي يعرفوا كيف يتأثر الإنسان وهو لا يدري، إذا كان الحصان والصقر قد تأثر، وهو ليس له عقلٌ وفؤادٌ وقلبٌ يتأمل ويبصر به ويعقل به، فما بالكم بالإنسان لا شك أنه سوف يتأثر.
إذاً فعلينا أن ننتبه فيمن نخالطهم، وأن ندقق فيمن نجالسهم حتى لا نقع فريسةً لتصرفاتهم وسلوكهم وعادتهم السيئة والخبيثة.
أنتم تلاحظون الذين يجالسون العلماء، يحبون أن يلبسوا مثل لباسهم، يحبون أن يتهيئوا بمثل هيئاتهم، يحبون أن يجعلوا في مجالسهم مثل ما يجعل العلماء في مجالسهم، والذين يجالسون الفساق يحبون أن يقلدوهم في تكسرهم، أو في عباراتهم، أو في أسلوب حياتهم، أو في طريقة معاملاتهم، إذاً فالإنسان يسرق الطباع وهو لا يدري، الإنسان يسترق الأخلاق سيئها وخبيثها وعنيدها وطيبها وهو لا يدري كلٌ بحسب جليسه.
إذاً -أيها الإخوة- ينبغي أن ننتبه لهذا الأمر انتباهاً مهماً.
يقول عقبة بن دينار: رأيت ذات مرة غراباً وحمامةً يطيران من غصن شجرة إلى أخرى، ومن أعجب العجائب أن يطير الغراب إلى جانب الحمام، لا تشابه بينهما في الفصيلة، لا شك أن كلهم من فصيلة الطيور، لكن هذا من جهة الحمام، وهذا من جهة الغربان، فما علاقة هذا بهذا؟ قال: فتأملتهما، فإذا هو غراب أعرج وحمامة عرجاء قد جمع بينهما المشاكلة في الطباع.
إذاً: فكل جليس يهوى من يجالسه في طباعه وأخلاقه، انظروا حتى البهائم، حتى الطيور، حتى العجماوات تتأثر باختلاطها، وتتأثر بأشكالها وأجناسها.
стр. 923
سبب تآلف الأرواح أو تنافرها
إذاً فالإنسان من باب أولى أن يتأثر بمن يخالطه، فإذا تأملت رجلاً طيباً يصاحب طيبين مثله، فإنما هو من أجل هذه الطيبة، ومن أجل هذا الصلاح، ومن أجل هذا الدين، ومن أجل تلك الاستقامة التي يتمتعون بها، فجمعتهم في نظام واحد، وإذا تأملت بعضاً من الفاسقين، وجدتهم يجتمعون بأمورٍ جمعت بينهم إما في مجالسهم، أو في لهوهم، أو في لغطهم، أو في فسقهم والعياذ بالله، فجمعتهم هذه المجالس على ما عندهم من السوء والخبث وغير ذلك.
ثم تأكدوا -أيها الإخوة- أن الإنسان كما يقول النبي ﷺ : (الأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) فأنت تعرف الإنسان بصلاحه، ودينه واستقامته، فينبلج صدرك له، وينشرح خاطرك في مجالسته، إن ذلك ائتلافٌ ألفه الله جل وعلا بين هذه الأرواح؛ لأنها تجتمع على أمرٍ بطاعة الله : (وما تناكر منها اختلف).
أنا حينما أجد واحداً من هذه الوجوه الطيبة، ولو كنت لا أعرفه من ذي قبل، وأقابله هنا، أو هناك، أو في سوق، أو في أي مكان أسلم عليه، وأصافحه، وتنبلج أسارير وجهي من أجله ارتياحاً وائتلافاً وسروراً وانشراحاً؛ لأن هذه أرواحٌ متعارفة، ما الذي عرف بينها، وجمعها على معرفة واحدة؟ إنه الله ، فهذه الأرواح تعارفت في الله، وتحابت في الله، واجتمعت لأجل الله ، فكان حقها على الله أن يجمعها، وأن يؤلف بينها، وأن يجعل مجالسها مكتوبةً في صحف أصحابها، وتكون بإذن الله جل وعلا سبباً في تثقيل موازينها يوم القيامة، فانتبهوا لذلك أيها الإخوة، واحذروا من التهاون بالجلساء، فإن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر، ثم إن الإنسان قد يقول: أنا أثق بنفسي، أنا أصلي، أنا أطيع والدي، لكني أخالط أناساً لا يصلون، ولا يطيعون والديهم، أو غير ذلك، لكني أنا واثق من نفسي لو أطبقت السماء على الأرض، ما أترك الصلاة، ولا أعصي والدي، ثقةً بنفسه يخالط الأشرار، وهو كما يقول القائل:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
رجل ربطناه، ثم رميناه في البحر، وقلنا له: انتبه لا تبتل ثيابك من الماء، فذلك كمن يجعل نفسه في وسط جلساء السوء، وفي مخالطة الأشرار والسيئين، ثم يقول: أنا لا أتأثر، سبحان الله! من ذا الذي لا يتأثر؟ إنه رسول الله ﷺ المعصوم وحده مع جملة الأنبياء.
وبلوت أخبار الرجال فلم أجد رجلاً يؤثر دون أن يتأثرا
إلا النبي محمداً فجعلته أملاً وسرت على هداه مكبرا
هو الرسول ﷺ كما يقول ابن عباس: [من كان مقتدياً، فعليه بصاحب هذا القبر -يعني: رسول الله- فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة من بعده] كل إنسان يتأثر، كل إنسان يفتتن، فما بالك أنت أيها الطيب، أيها الشاب الصالح، أيها الثمرة، أيها الغرسة التي لا زالت تتأثر بجميع المؤثرات والعوامل، ترمي بنفسك في جلساء السوء وتقول: أنا لا أتأثر، سبحان الله! هل أنت رسول الله ﷺ ؟! ما من إنسان إلا وحوله من يؤثر عليه؛ زوجته إخوانه أصدقاؤه أقاربه جلساؤه، كلٌ لابد أن يتأثر بمن يجالسه.
إذاً فلابد أن نجالس الطيبين، لابد أن نجالس الأخيار، لا بد أن نجالس الصالحين حتى نتأثر بفعالهم وطباعهم، ومن أجل ذلك كان العرب قديماً إذا نشأ الصبي فيهم يافعاً، ذهبوا به إلى البادية لكي يكتسب اللغة، ويكتسب طباع الشهامة والمروءة والشجاعة والفروسية والصدق في كل شيء؛ لأنهم يعرفون أنها لازالت تلك الأخلاق قديماً، أما الآن، فقد استوت الحاضرة مع البادية، آنذاك كانوا يرسلون الإنسان ليأخذ من هذه الطباع، فيتأثر الإنسان حينما يعود إليهم، ويجد الوالد ولده شاباً جلداً شهماً قوياً كريماً فروسياً شجاعاً بسبب مخالطاته آنذاك، أما الذي يقول: أنا أخالط ولا أتأثر، فهذا مسكين يضر نفسه وهو لا يشعر.
стр. 924
خطر القرين السوء
رجل من الرجال، وكان مؤدباً حكيماً وجد ولده يخالط جلساءً سيئين، فقال: يا ولدي! لا تجالس هؤلاء، فإنهم يضرونك، إنهم يؤثرون عليك، إنهم يخبثون ذكرك وسمعتك بين الناس، قال: يا أبت! أنا لا أتأثر أبداً، إنما أضحك عليهم، ألهو معهم قليلاً، لكني لا أتأثر، قال: حسناً يا ولدي، وبعد أيام، قال له: اذهب -يا ولدي- إلى السوق، وائتنا بصندوق تفاح جيد نظيف جداً، فذهب الولد واشترى صندوقاً من التفاح، فجاء وكشفه أمام والده، وقال: ما ترى، هذا تفاح نظيف سليم مائة في المائة، خذ يا ولدي هذه التفاحة، وكانت تفاحة فيها فساد بسيط، ضعها في هذا الصندوق، وغطه كما كان، فأخذ الولد التفاحة وغطاه كما كان، بعد أيام نادى الوالد ولده: تعال -يا ولدي- ائتني بالصندوق، فجاء بالصندوق، قال: اكشفه، فلما كشفه، فإذ بالتفاح كله قد أصبح فاسداً، قال: انظر هذه تفاحة فاسدة أثرت على صندوق طيب، فما بالك بجملة فاسدين ألا يؤثرون على واحد طيب؟! بالعكس يفسدونه، ويخبثون طباعه، ويغيرون أخلاقه، ويجعلونه بدلاً من أن يكون باراً يجعلونه عاقاً، وبدلاً من أن يكون مؤمناً تقياً يجعلونه فاسقاً مجاهراً، وبدلاً من أن يكون ذا أخلاق طيبة ومعاملة حسنة يجعلونه شرس الأخلاق سيئ المعاملة.
إذاًَ فالجلساء لهم أثرٌ عظيم، وإني أحذركم -أيها الشباب- من مجالسة من لا تعرفونه حينما ينصح الوالد ولده، حينما ينصحني أبي، أو كل منكم ينصحه والده، ويقول: يا بني اترك فلاناً، وعليك بفلان، اسمع هذه النصيحة، ولا تتردد في قبولها، فإنها نصيحة من مشفق؛ لأنه لابد وقد رأى خلقاً سيئاً ذميماً، فنهى ولده أن يختلط بأولئك خشيةً من هذا الخلق.
منذ مدة وأنا أعرف هذه القصة بتفاصيلها إلى حد ما؛ شاب كان قريباً من حينا، كان عمره يقارب الثمان عشرة سنة، وأهله أسرة طيبة لا نستطيع أن نحكم عليهم إلا بكل خير، لكن هذا الشاب عنده ضعف في الشخصية، فيأتي من يحب أن يختلط به، فيسمح بهذا الاختلاط، فتجده يجالس هذا، ويجالس هذا، ويختلط بهذا، نصحه الناصحون من أهل الخير وأهل الدين والاستقامة، قالوا: ابتعد عن فلان وعلان وعلان، فلم يجد جدوى من نصيحتهم، ما هناك شيء جديد من هذه النصيحة، الذي حصل أن أولئك الجلساء قبض عليهم ذات يوم وهو معهم في جريمة مخدرات، حبوب -والعياذ بالله- وهو لا يدري هذا المسكين، لا يدري أنهم يحملون هذا المخدر في جيوبهم، أو في سياراتهم، أو في خبايا منازلهم، لا يدري أنهم يستعملون هذا الشيء، فقبض عليه من ضمن من قبض عليه، ونال جزاءه، وخرج بستر الله، لكن بعد ماذا؟ بعد أن شوهت سمعته، ولطخت سيرته، وقيل: فلان بن فلان آل فلان وجدوه مع شلة فاسدة معها مخدرات وحبوب وغير ذلك.
стр. 925
الحرص على مصاحبة العلماء والحكماء
إذاً ليس عجباً أن نحذر من جلساء السوء، ليس عجباً أن نحذر من الفساق، ليس عجباً أن ننصح باختيار الصديق الطيب الذي يعينك إذا تذكرت، ويذكرك إذا نسيت، وتجده دائماً صديقاً صدوقاً صادق الوعد منصفاً في معاملته معك، وفي معاملتك معه، هؤلاء هم الجلساء الذي ينبغي أن نختارهم، وينبغي أن نصحبهم، وإني أنصح نفسي وإياكم بمجالسة من هو أعلم منا، ومن هو أرفع منا، ومن هو أكبر شهامةً ورجولةً وكرامةً وعلماً بأخبار الأولين، وأخبار الرجال المتقدمين، وأهل السير؛ حتى نستفيد من طباعهم، ومن مجالستهم، ومن أسلوب حديثهم، إنك لتنظر الشاب في أول وهلة، فتعرف أن أباه شهماً كريماً، أو تعرف أنه من أسرة شهمة وكريمةٍ وذات رجولة، أو تعرف أنه قد تربى مع النساء والبنات، تعرف لأول نظرة حينما تسلم على الشاب، فتجده رجلاً جريئاً قوياً في الكلام مرحباً مهللاً بمن يقابله خلافاً لمن تجده خجلاً منكسراً لا يستطيع أن يرد أدنى الحديث متأثراً بمن جالس.
إذاً فجالسوا الطيبين، جالسوا الأخيار، وأنتم ترون الإنسان حتى في فلتات اللسان تعرف من يجالس، العامي وهو العامي الذي لم يقرأ ولم يكتب، إذا جلست معه، تقول: هذا رجل يجالس العلماء، ولو تقول له: اكتب اسمك على الورقة، ما استطاع أن يكتب، لكن من حديثه تعرف أنه يجالس العلماء، والإنسان وقد يكون متعلماً حينما تتحدث معه، تقول: لا بأس هذا متعلم، لكنه كثيراً ما يجالس السفلة والغوغاء وسوقة الناس، كيف؟ نعرف ذلك من أسلوب حديثه ومن عباراته، لا يستطيع أن يأتي بالحديث على وجهه، ولا يستطيع أن يأتي بالكلام على متمه ومقاصده.
إذاً فالإنسان يتأثر بمن يختلط به، وأنتم -يا شباب هذا المركز- أنتم -أيها الصغار- انتبهوا لأن الأولياء الذين معنا لم يبذلوا جهداً في التوجيه، لكني أحدث الشباب الصغار، وأخصهم بمزيد من النصيحة استفيدوا من المراكز، وخالطوا المدرسين، استفيدوا من الموجهين، من المشرفين: المشرف الثقافي، المشرف الاجتماعي، المشرف على المجال المعين، ولا تجعل جلوسك في المركز وخروجك سواء، أنت دخلت هذا المركز، ماذا استفدت؟ عندك سؤال، اذهب واسأل مدير المركز، اسأل رائد الأسرة، اسأل موجه الأسرة، في ذهنك شيء حتى ولو لم يكن متعلقاً بالمركز، اسأل؛ لأن الجرأة هي سبيل العلم.
قيل لـ ابن عباس وهو ترجمان القرآن الذي مسح ﷺ على رأسه وكان صغيراً، فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، يعني: علمه التفسير، قيل له: كيف نلت هذا العلم؟، قال: [بلسان سئول] لا أتردد، دائماً أسأل، فأنتم أيها الشباب لا يكون الواحد منكم يدخل المركز ويخرج وما استفاد شيئاً، اسأل تتعلم، اسأل عن أي شيء يخطر على بالك، ولو لم يكن أمام عينيك، اسأل، ناقش حتى تخرج بحصيلة علمية، وليس عجباً قد يكون هذا المدرس الذي سألته لا يملك الجواب، وكثيراً ما نسأل عن أشياء ولا نعرف الجواب عليها، لكن نبحث عنها في الكتب، نبحث عنها في المراجع، نطلب من الأستاذ أو الموجه، أو المشرف، نطلب منه أن يبحث عنها وأن يفيدنا، هذه حاجتنا إليكم أيها الشباب أن تشبوا، وأن تنشئوا على مستوىً من الجرأة، وعلى مستوىً من الفهم.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
فتعودوا فعالاً طيبةً، وتشبهوا بالرجال الأوائل؛ بالصحابة بـ السلف الصالح بالقادة الفاتحين.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
أسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه، وأسأل الله أن يعصمنا عن ما يسخطه، وأن يجنبنا ما يغضبه، وأن يوفقنا إلى ما يرضيه، وأشكر لإدارة المركز، وأشكر لأولياء الأمور هذا الحضور، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 926
الأسئلة
стр. 927
مصاحبة شخص يظهر الطاعة ويبطن المعصية
السؤال
يقول: يا فضيلة الشيخ! أنت تقول: يجب مصاحبة الشخص الذي يذكر اسمه في المجالس بالخير، ولكن هذا الشخص يفعل الخير أمام الناس وخلفهم يفعل غير ذلك العمل، فهل أحب مصاحبة هذا الشخص، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
أولاً: يا أخي! واجبك إذا علمت رجلاً كهذا أن تكون محباً ناصحاً، لا أن تكون حاسداً شامتاً؛ لأن النصيحة هي من حقوق المسلم على أخيه، وإنما يحكم على الناس بالصلاح والفساد مما يظهر لنا من أفعالهم، فمن أظهر لنا خيراً، عرفناه به، ودعونا له به، ومن أظهر خلاف ذلك، جانبناه وتركنا مجالسته، لكن إذا علمت وتيقنت يقيناً في رجل صفته كما ذكرت، فعليك أن تنصحه نصيحةً طيبةً لعل الله أن يهديه على يديك، ومن ثم فالدنيا مليئة بالجلساء والطيبين والصالحين وطلبة العلم والأخيار، فلم تضق الدنيا بأهلها حتى لا تجالس إلا هذا، وإن كان واجبك نصيحته، وواجبك إسداء النصح والمعروف إليه بأسلوب المحب، بأسلوب الداعية الناصح اللطيف، وليس بأسلوب المتشمت المشهر، والله أعلم.
стр. 928
أصاحب قرناء سوء منذ مدة ولم أتأثر بهم
السؤال
أنا شاب في العشرين من عمري، ومنذ خمس سنوات وحتى هذا الوقت أجلس مع أصدقاء يلعبون الورق، ولا يحافظون على الصلاة، ويشربون الدخان، ولكني -ولله الحمد- أحافظ على الصلاة في وقتها، وبارٌ بوالدي، وأؤدي معهم كل واجب علي في الإسلام، ولكني أجلس معهم فقط مجرد جلوس؛ لأنه لا يوجد لدي أصدقاء غير هؤلاء؟
الجواب
أخي السائل! أقول: ثبتك الله على استقامتك ودينك وصلاحك، ولكن أقول لك كما قال الشاعر:
لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجرب
يقول العوام: (من بار الأجرب على الحول يجرب) لاشك أنك ستتأثر، السنة الأولى طيب ومطيع لوالديك، لكن السنة الآتية تقل صلاتك، وتقل طاعة والديك فتتأثر قليلاً قليلاً حتى تصبح-والعياذ بالله- من عداد الفاسدين، لا تخالط الأشرار ثقةً بنفسك أبداً، إنما ثق بالله واسأله الثبات، وخالط الأخيار الذين يعينونك كما قال الله لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨].
لما طمع ﷺ في إسلام صناديد قريش لـ أبي جهل، الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط وكبار القبائل في قريش، طمع ﷺ فيهم وفي إسلامهم، وكأنه انشغل قليلاً عن بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وغيرهم أنزل الله عليه قوله وهو رسول الله المعصوم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨].
الزم هؤلاء، جالسهم، خالطهم، تأثر بهم واستفد منهم أيها الشاب، ينبغي أن تتأثر بالطيبين الصالحين؛ لأنك لا شك سوف تتأثر إذا علمت أن الإنسان قد يختم له بخاتمة السوء -والعياذ بالله- بسبب المجالسة السيئة، فـ أبو طالب عم الرسول ﷺ كان بالإمكان -وقد جرى القلم فيما جرى به، وكتب في اللوح ما كتب فيه- كان بالإمكان أن يموت على ملة إبراهيم على دين الإسلام، لكن جلساؤه وما سبق له من الخاتمة -والعياذ بالله- لما أن جاءه رسول الله ﷺ ، والرسول يعرف معروف عمه أبي طالب عليه؛ لأنه حماه ورحمه ورأف به مما يفعل به المشركون أعداء الدعوة، فكان أن رأى النبي ﷺ من واجبه أن يدعو عمه، فجاء إلى عمه -وقد كان مريضاً مرض الموت- قال: (يا عم! كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله، قل: لا إله إلا الله) فقال الصناديد الكبار من قريش: أتترك دين الآباء والأجداد يا أبا طالب؟! ورسول الله يترجاه، ويتمناه، ويدعوه (يا عم! كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله، قل: لا إله إلا الله)، وهم يقولون: أتترك دين الآباء والأجداد يا أبا طالب؟! حتى فاضت روحه، وقال قبل أن يموت: هو على ملة عبد المطلب، يعني: أبو طالب قال عن نفسه أنه مات على ملة عبد المطلب، ملة الأصنام والأوثان عياذاً بالله، فهذا هو أثر الجلساء، والجلساء لهم خطر عظيم.
ثم يا أخي! لو فرضنا وسلمنا تسليماً جازماً أنك لن تتأثر بهؤلاء الذين يشربون الدخان، ويتهاونون في الصلاة، وقتك أين يذهب؟ ألست مسئولاً أمام الله عن وقتك: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه) شبابٌ فيما أبليته، وعمرٌ فيما أفنيته، ماذا تقول عند ربك حينما يسألك ويسائلك؟، تقول: يا رب! جلست معهم وهم يلعبون الورق، تقول: يا رب! جلست معهم وهم يدخنون، هذا جواب! هل يسرك أن تلقى الله بعمل كهذا؟! هل يسرك أن تموت وأنت على صحبة المدخنين والفساق؟! أسأل الله لي ولهم الهداية؛ لأن من كان مصراً على المعصية لاشك أنه فاسق، لكن من ارتكبها وهو يريد التوبة، أو عزم على التوبة، فنسأل الله لنا وله الهداية، الوقت أثمن من ذلك كله، ومن أنت حتى لا تتأثر؟ كما قلنا آنفا: من هو الذي لا يتأثر؟، إذاً فلابد أن تنتبه، ثم أيضاً ما هي النتيجة؟ اعرض عقلك، ناقش نفسك حينما تأوي إلى الفراش، اجلس يوماً مع العلماء والرجال حتى إذا لم تجد من العلماء من تجلس معه، اجلس مع كبار السن من الرجال أهل الشهامة والمروءة، فتجد أنك قد تعلمت منهم أحاديث فيها عبر، وتعلمت منهم طباعاً حميدةً يحمدك الناس بها، وليس الحمد هو المقصود، لكن تبدو في فعالك ومعاملاتك، لكن اجلس مع هؤلاء، أقل الأحوال تأوي إلى فراشك وثيابك كلها رائحة دخان، أقل الأحوال تعود إلى بيتك وأولادك قد ألفوا منك رائحة الدخان، فمادام والدهم يجالس الذين يدخنون، فنحن -الأولاد- من باب أولى نجالس المدخنين، لأن والدنا يجالسهم، ثم بعد ذلك إذا لم تتأثر أنت، أولادك يتأثرون، مادام أنك لا ترفع نفسك عن مستوى أولئك، وتجعلهم يدخلون في بيتك، ويشربون الدخان في دارك وأولادك ينظرون، فلا غرابة أن يذهب أحد أولادك ويجلس في بيوت الذين يدخنون، ويجلس في بيوت الذين يلهون، والأمر في النهاية مضرة عليك، وعلى أولادك، وهذا سؤالٌ وجيه جداً، وأسأل الله أن تكون الإجابة شافية.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 929
الحج المبرور
لقد أوجب الله على عباده حج بيته الحرام مرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا، وجعل ذلك سبباً لطهارة القلوب ومغفرة الذنوب، ونيل النعيم في دار الخلود، وفي هذه المادة تعيشون مع فضل الحج المبرور، والتحذير من التهاون بالحج وتأخيره، ثم آداب وواجبات ينبغي الأخذ بها لمن عزم على الحج.
стр. 930
فضل الحج المبرور
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن الله جل وعلا قد أنعم عليكم بنعمة الإسلام، وفضلكم على كثير من الأمم تفضيلاً، وشرع لكم في أركان دينكم حج بيته العظيم الذي جعله مثابةً للناس وأمناً، وأوجب على عباده المسلمين حج بيته الحرام مرةً واحدةً في العمر، وجعل ذلك سبباً لطهارة القلوب ومغفرة الذنوب، ففي الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: (من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) من سره أن يقدم عملاً يكون سبباً لتكفير الذنوب ونيل دار الخلود والنعيم، فليبادر إلى حج بيت الله الحرام.
وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) بل لقد عدَّه ﷺ من أفضل الأعمال حينما سئل: (أي العمل أفضل؟ فقال: إيمانٌ بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) ومن عظيم رحمة الرب الكريم بعباده أن فرض الحج على العباد مرة واحدة، وما زاد فهو قربة وتطوع، ولم يجعل فرض الحج دائماً في كل عام، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁، قال: (خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل -وفي رواية: أنه الأقرع بن حابس -: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال النبي ﷺ : لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع) رواه أحمد والنسائي.
стр. 931
التحذير من التهاون وتأخير الحج
عباد الله: إن من الأمور الداعية إلى العجب والدهشة والغرابة ما يقع فيه كثير من المسلمين -وبالأخص بعض شباب المسلمين- من تأجيلهم الحج سنة بعد أخرى، وهم في أمنٍ، قد ملكوا الزاد والراحلة، والكثير منهم مقيم قريب من بيت الله الحرام، والأسوأ من ذلك أن ترى بعضهم قد زار بلاد الشرق والغرب من دول أوروبا وأمريكا، وأنفق فيها أموالاً طائلةً، وأوقاتاً طويلةً، ومع ذلك لم يحج فرضه، ولم يقم بالعبادة الجليلة الواجبة، تلك العبادة التي لا تحتاج إلى وقتٍ طويل، أو أموال طائلة، فالحذر الحذر يا شباب المسلمين من هذا التساهل.
أما يخاف أولئك الذين يؤجلون الحج ويسوفونه؟ أما يخشون أن تصرعهم المنايا، أو تخطفهم سهام المنون وهم بين أظهر الكفار غافلين عن أداء فرض الله؟ أما يخافون المروق من الدين بنص وعيد المصطفى ﷺ في قوله: (من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً) رواه الترمذي.
يقول عمر بن الخطاب ﵁: [لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الفدية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين].
فبادروا بالحج وتعجلوا يا من لم تقضوا فرضكم، ومن حج وابتغى التقرب في الزيادة، فليجتهد في حسن الأداء, والبشارة له بعد ذلك في قول النبي ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والحج المبرور ليس له ثوابٌ إلا الجنة) فمن استطاع الحج بوجود الزاد والراحلة، فليبادر وليتعجل إذا كان حراً بالغاً عاقلاً، والمرأة كذلك إذا وجدت محرماً زوجاً كان أو من تحرم عليه على التأبيد بسبب نسب فليبادر كلٌ بقضاء فرضه، واحرصوا على قضاء المرأة فرضها، وليحرص من هي في ذمته على ذلك، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
стр. 932
الحج عن الغير
معاشر المؤمنين: اعلموا أنه لا يجوز لأحدٍ أن يحج عن غيره قبل أن يحج حجة الإسلام عن نفسه، فعن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً بالحج يقول: لبيك عن شبرمة، فقال ﷺ : ومن شبرمة؟ فقال: أخٌ لي، أو قريب، فقال ﷺ : حججت عن نفسك؟ قال: لا.
قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة.
ومن عجز عن أداء فريضة الحج لكبرٍ أو مرضٍ لا يرجى برؤه، لزمه إقامة من ينوب عنه لأداء فرضه، ففي الصحيحين: (أن النبي ﷺ سألته امرأةٌ من خثعم، قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم).
وعن عبد الله بن الزبير ﵁، قال: (جاء رجل من خثعم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ فقال ﷺ : أنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: فاحجج عنه) رواه الإمام أحمد.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 933
آداب وواجبات لمن عزم على الحج
الحمد لله منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، وهازم الأحزاب، وخالق الخلق من تراب، لا إله إلا هو عليه توكلنا وإليه المناب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
معاشر المؤمنين: ينبغي لمن جمع الهمة والقصد لحج بيت الله الحرام أن يراعي آداباً وواجبات في سفره لهذه العبادة الجليلة.
стр. 934
التوبة الصادقة النصوح
أول ما ينبغي لمن أراد الحج أن يبادر بالتوبة الصادقة النصوح من كل المعاصي والمحرمات، وأن يجتهد بإبراء ذمته من مظالم الخلق وحقوقهم عليه.
стр. 935
أن يكون المال حلالاً
وتذكروا الحديث عن النبي ﷺ الذي ذكر فيه: (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!!).
أنى يستجاب لمن تزود لهذه الطاعة من مال حرام؟! أو تزود لها من مال فيه ربا، أو مال فيه خيانة حتى ناله وجلبه على نفسه؟! فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أنها عبادة جليلة لابد لها من زاد نقي طيب، والله لا يقبل إلا الطيب، في يوم عرفة آنذاك نظر أحد الصحابة إلى الحاج، قال: [إن الراكب كثير، فقال ابن عمر: ولكن الحاج قليل] فاعجبوا يا عباد الله من هذه الجموع العظيمة.
نسأل الله ألا يردها خائبة، وأن يكتب لنا حجاًً مع الحاجين، وفضلاً مع أصحاب الثواب والنعيم.
стр. 936
الإكثار من النفقة لمواساة المحتاجين
معاشر المؤمنين: كما ينبغي لمن أراد الحج أن يكثر من النفقة والزاد، ليواسي المحتاجين منه، وقبل ذلك كله أن تكون النفقة -كما قلنا- من مالٍ حلال لم تكدره الشوائب من المحرمات والشبهات.
إذا حججت بمالٍ أصله سحتٌ فما حججت ولكن حجت العير
وليكن المسلم طيب النفس بما أنفق؛ ليكون أقرب إلى القبول والإجابة.
стр. 937
تعلم كيفية الحج
كما يجب على المسلم أن يتعلم كيفية الحج، وليحذر من قول الكثير: سأحج مع جماعة وما سيفعلونه أفعله، إذ إن هذا دليل الجهل والإصرار عليه، بل والواجب على المسلم أن يتعلم كيفية أداء النسك، وعليه أن يتعلم كيفية أداء العبادة التي يؤديها، لا أن يفعلها تقليداً كما يفعلها غيره، ومن الجميل المناسب أن يصحب الحاج معه كتيباً جامعاً لأحكام المناسك، وأن يديم مطالعته ومدارسته مع غيره ليتفقه في أحكام الحج، واعلموا أن الكتب في هذا الموضوع كثيرة، والكتاب الذي ننصح به أنفسنا وإخواننا هو كتاب التحقيق والإيضاح لمسائل الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة لسماحة مفتي هذه البلاد وشيخها/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أطال الله بقاءه، ومتعه بالصحة والعافية، ونفع به الإسلام والمسلمين.
стр. 938
الاجتهاد في تحصيل الرفقة الصالحة
ينبغي لمن عزم على الحج أن يجتهد في تحصيل الرفقة الصالحة الرائدة للخير، المتمسكة بأحكام الشريعة؛ لتكون عوناً له على أداء النسك، وإن تيسر الحج في رفقة فيهم العلماء، أو طلبة العلم المدركون لأحكام الحج فيا حبذا ذلك؛ لأجل التواصي بالحق وحفظ آداب المناسك، والبعد عما يطرأ على المسافرين من مساوئ الأخلاق والتساهل في أمور الدين، وعلى الحاج مع رفقته أن يحرص على خدمتهم، وأن يحرص على رضاهم، وأن يتحمل عنهم شيئاً من المشقة، لا كما يفعله بعض ضعاف النفوس إذا ذهبوا مع رفقة، كانوا الجالسين وغيرهم يخدمونهم، وكم من رفقة تفرقت وعادت بالشحناء والعداوة من بينها من جراء أنانية بعضهم، والأثرة وحب الزاد.
عباد الله: الحذر الحذر من مصاحبة الجهال والسفهاء، والعصاة المصرين الحذر الحذر من مصاحبتهم في سفر الحج، فإن هؤلاء لا يسلم من خالطهم في الغالب من الإثم واللغو في الحج.
стр. 939
الإخلاص لله تعالى
أما الأمر المهم في هذه الفريضة لمن أراد أن يؤدي فرضه ورغب التزود والنافلة، فهو النية الصادقة الخالصة، إن من الناس من يحج ليسمى حاجاً، إذا عاد إلى بلاده، فلا ينادى إلا بها، ومنهم من يسافر ويفاخر بحجاته، وإذا جلس في مجلس قال: حججت ست عشرة حجة، أو ثماني عشرة حجة، وبعضهم إذا تكلم غيره، قال: أنا أكثر منك في حجاتي، فمن كانت هذه حاله، فهو على خطر عظيم في حبوط العمل وسقوطه في الرياء عياذاً بالله من ذلك.
أيها المسلم: احرص على التزود من فعل الخيرات، والمحافظة على الواجبات، فإن ذلك من أعظم القربات، وما زاد عن الفريضة فهو نافلة، فلا يضيع الواجب بالنافلة.
اتقوا الله في أداء ما فرضه عليكم، وتقربوا إليه بذلك، ولا تطلبوا بذلك سوى وجه الله.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (يأتي على الناس زمان يحج أمتي نزهة، وأوساطهم للتجارة، وقراؤهم للرياء والسمعة، وفقراؤهم للمسألة) نعوذ بالله من حال أولئك أجمعين.
стр. 940
الابتعاد عن المعاصي والمنكرات
معاشر المؤمنين: إن بعض الحجاج-منَّ الله علينا وعليهم بالهداية- إذا عزموا على الحج كأنهم عازمون على سفر ترفيهي، بل وإن الكثير منهم من يعمد إلى ما يعصي الله به، ليذهب به إلى المشاعر وليتنقل به بين المناسك، كثير منهم يأخذ معه تلفازاً، وكأن المكان ليس لذكر الله والاستغفار والتوبة والإنابة، وكثير منهم يريد أن يقضي ليالي التشريق حتى ينتهي من هذا الموسم ويعود، وهذا جهل عظيم، بل إنه قد يظن أنه ذاهب إلى عبادة جليلة، فيعود بأوزار مضاعفة، لأنه لم يحترم حرمة الزمان والمكان الذي هو فيه.
بعضهم يذهب بالتلفاز معه إلى هناك، ولا يتورع أن يرى كل ما يعرض فيه، وبعضهم تسمع الأغاني في خيمته، وبعضهم تشم رائحة الدخان من مكانه، وكثير منهم ترى الكاميرا قد علقها على صدره يأخذ لهؤلاء صورة للذكرى هنا، وصورة للذكرى هناك، وصورة عند هذا المكان، وصورة عند غيره، متى كان الحج ذكريات في الصور والمنكرات والملاهي؟ يا عباد الله: ينبغي لمن عزم على الحج أن يكون حريصاً على خلو حجه من المنكرات والمخالفات، ومن غلب على ظنه أنه سيقع في كثير من التساهل والتجاوز إما بسبب ضعف نفسه، أو بسبب رفقة هو يخالطها، فالأولى له أن يتصدق بنفقة حجه، ولا حج حجاً هذه حاله! لأن الله جل وعلا طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً، فلا تختلط الأعمال الصالحة بالمعاصي والمنكرات.
стр. 941
فضل عشر ذي الحجة
معاشر المؤمنين: يومان أو ثلاثة ويحل عليكم شهر ذي الحجة، أسأل الله أن يهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، فينبغي -يا معاشر المؤمنين- لنا أن نعرف قدر هذه الأيام الفضيلة التي أقسم الله بلياليها بقوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] وعظم الأجر ومضاعفته للعاملين فيها، ينبغي لنا أن نجتهد، ونحرص على الأعمال الصالحة.
روى الإمام أحمد، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد).
وروى البخاري في صحيحه، عن ابن عمر وأبي هريرة (أنهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما) وهذا الحديث نصٌ صريحٌ في وجوب إحياء هذه السنة سنة التكبير المطلق أيام العشر، وإننا نكاد لا نسمعها إلا قليلاً، فينبغي لنا أن نضج بها في أسواقنا ومجالسنا ومساجدنا ومنتدياتنا، وفي كل مكان ينبغي أن نظهر الشعور بحرمة هذه الأيام، وأن نظهر الشعور بعظيم فضلها وجليل قدرها، فإذا داومنا على هذا التكبير، وجعلناه دائماً على ألسنتنا، فإن ذلك مما يعظم الشعور بهذه الأيام في نفوسنا ونفوس غيرنا.
عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: (ما من أيامٍ العمل الصالح أحب إلى الله فيها من هذه الأيام -أي: أيام العشر- قال ابن عباس: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بماله ونفسه، ولم يرجع من ذلك بشيء) فانظروا عظم العمل في هذه الأيام، واستغلوها بما استطعتم من الصيام وتلاوة كتاب الله، وخصوها بمزيد من الطاعة.
أيها الإخوة: إذا أهل شهر ذي الحجة كره لمن أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئاً حتى يذبح أضحيته، لقول النبي ﷺ : (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي).
عباد الله: اتقوا الله في هذه الأيام الفاضلة خاصة، وفي غيرها من أيام أعمالكم عامة، وأسأل الله جل وعلا أن يكتب لنا حجاً مع الحاجين، وأن يتقبل منا أعمالنا أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين.
اللهم من أراد بيتك وحرمك وضيوفك القاصدين بيتك بسوء فأشغله في نفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك يا جبار السماوات والأرض، إنهم لا يعجزونك.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين وارزقه البطانة الصالحة، وقرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، وجنبه بطانة السوء، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم لا تدع لأحدٍ منا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا مكسوراً إلا جبرته، ولا غائباً إلا رددته، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضاً ولنا فيها صلاح، إلا قضيتها وأعنتنا على قضائها يا رب العالمين! اللهم اجعل لنا من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، ومن كل فاحشة سداً، ومن كل فتنةٍ عصمة.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك.
اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم سدد رصاصهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحد صفوفهم، اللهم ثبت الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم ارزقهم العلم النافع والعمل الصالح وإيانا برحمتك يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك محمدٍ، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 942
من حقوق الجار
منزلة الجار في الإسلام عظيمة، دلت على ذلك آيات القرآن وأحاديث السنة، لكن الواقع المعاش يشهد علاقات سيئة بين الجيران، فكان لابد من التحذير منها، مع ذكر ما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من حسن معاملة ومعاشرة، وآداب وحقوق للجار.
стр. 943
حقوق الجار المسلم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: يقول الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٦] الجار ذو القربى هو ما اقترب داره من دارك، والجار الجنب هو: الجار البعيد، والصاحب بالجنب هو: رفيقك في سفر أو مهنة أو علم أو عمل أو وظيفة، فكل أولئك قد وصى الله جل وعلا بهم، ونوه بحقهم وذكرهم صريحاً في كتابه، وعطفهم على عبادته، والأمر بتوحيده وعدم الإشراك به، والحث على بر الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، وما ذاك إلا لعظم شأن الجار، وما ذاك إلا لعظم منزلته ومكانته.
معاشر المؤمنين: إن كثيراً من الناس يجهلون حقوق الجوار، إن كثيراً من الناس لا يعرفون من الحقوق إلا أدناها وأيسرها، وما علموا أن حقوق المسلم على أخيه المسلم متعددة ومتنوعة ومختلفة المراتب، بحسب حال المرء من جاره، فإن كان جاراً مسلماً فله حقوق الإسلام وله حقوق الجوار، وإن كان جاراً ذا رحم فله حقوق الإسلام والرحم والجوار.
إذاً فما بال بعض الذين لا يدركون لهذه الحقوق أمرها، ولا يعرفون لها قيمتها؟ أيجهلون حقوق الجوار أم هم في غفلة من النصوص المتعددة من الآيات والأحاديث في هذا الباب؟ وما دام الجار مسلماً فله حقوق المسلم، ألا وهي التي جاءت في الحديث الصحيح الذي يرويه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم ست: إذا استنصحك فانصحه) إذا طلب منك النصيحة؛ فواجب عليك أن تخلص وأن تمحض النصح له.
(وإذا لقيته فسلم عليه، وإذا عطس فحمد الله فشمته) وإذا دعاك إلى وليمة أو مأدبة طعامٍ، وغلب على ظنك ألا يكون في هذا المقام منكر، أو ورد بخاطرك أن سيكون هناك منكر ولكن غلب على ظنك أنك تستطيع تغييره وإنكاره؛ فواجبٌ عليك إجابة هذه الدعوة (وإذا دعاك فأجبه، وإذا مرض فعده).
والعيادة هي الزيارة، وكثيرٌ منا يفقد جاره أياماً وليالي وشهوراً عديدة، ثم إذا لقيه تذكر أن له جاراً قد افتقد وجهه، أين أنت منذ زمن، بل لم لا تتفقد جارك؟ وقد يكون ذلك المرء معذوراً؛ لأن ذلك الجار الذي غاب وجهه عن المكان أو الحي أو الجوار، من الذين لا يشهدون المسجد ولا يشهدون الصلاة مع المسلمين، فلا غرو أن ينسى، ومن ضيع حق الله في العبادة؛ فلا يعجب إن ضيع الناس حقوقه في الجوار.
(وإذا مات فاتبع جنازته) هذا آخر حقٍ من حقوق المسلم على أخيه، إذ أن بعده لن تستطيع أن تقدم شيئاً أو تؤخر، فينبغي لكل مسلم إذا علم بوفاة جارٍ ولو بعيد، أن يبادر ما استطاع إلى اتباع جنازته، وشهود الصلاة عليه؛ لأنه لن يستطيع أن يقدم حقاً من حقوقه بعد ذلك.
стр. 944
عظم حق الجار في الإسلام
معاشر المؤمنين: هذه حقوق أي مسلم على مسلم، فكيف الأمر إذا كان له جوار، فكيف الأمر إذا كان له مكانة ومنزلة، قد اعتنى بها جبريل ﵇، وما زال يوصي رسول الله ﷺ بالجار حتى قال ﷺ في الحديث الذي يرويه ابن عمر وعائشة ﵄، قال ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه.
وأي شيء أعظم من هذه الوصية، التي بلغت في نفس النبي ﷺ أن جبريل سيأتي يوماً من الأيام ويقول لمحمد ﷺ : إن الجار سيرث جاره من كثرة ما يوصي جبريل ﵇ النبي ﷺ بحقوقه.
حديثٌ متفق عليه.
فأي شيء أعظم من هذا؟! إن الإنسان من العصبة قد لا يرث، وإن الإنسان من ذوي الأرحام قد لا يرث، والرسول ﷺ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه) أي شيء أبلغ وأعظم من هذا ما دام قد وصل الأمر بوصيته، والحث على أداء حقوقه إلى درجة ظن النبي ﷺ نزول وحي في توريث الجار من جاره.
إذاً فالجار له حق عظيم قد يقارب حقوق الأقارب، وحقوق ذوي الرحم، وحقوق غيرهم.
стр. 945
حرمة إيذاء الجار
جاء عن النبي ﷺ في الحديث الذي يرويه أبو هريرة ﵁، قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) متفق عليه.
والبوائق: جمع بائقة، وتدخل في معنى الجائحة والضرر والمصيبة والأذى، فأي شيء أعظم من نفي الإيمان عن جارٍ يخشى جاره أن يدركه الضرر أو يلحقه الأذى بسبب جواره، وأي بلاء وأي مصيبة أعظم من نفي الإيمان عن جارٍ لا يأمن جاره بوائقه؟! وما أكثر الجيران في هذا الزمان الذين لا تؤمن بوائقهم، وأقول لكم وهي علامة متميزة واضحة: إن جارك الذي لا تطمئن له، ولا تأمن بائقته لو فتشت حقيقة الأمر؛ لوجدته من الذين لا يؤدون حقوق الله جل وعلا، فمن ضيع حقوق الله، فلا غرابة أن يضيع ويتهاون ويتساهل بحقوق غيره من الجيران وغيرهم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه).
وعنه أن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره) إذاً فكف الأذى عن الجار دليل وعلامةٌ من علامات الإيمان بالله جل وعلا، الذي أوصى بالجار نصاً وصراحةً، والذي جعل حقوق الجار والقيام بها من تمام الإيمان به، حيث قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيراً أو ليسكت).
فما بالكم بجارٍ يؤذي جاره، ولا يكف الكلام والأذى عنه، بل لا يسلم منه، وكثيراً ما يقع في عرضه وفي شتيمته وفي سبابه، نسأل الله جل وعلا أن يعيذنا وإياكم من جار السوء.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
فاعلموا يا معاشر الأحباب! أن الفضيلة والكرامة والفضل والبر والمعروف، أن يقدم الإنسان الخير والفضل والإحسان إلى جاره، فإن لم يكن؛ فلا أقل من أن يسلم من شره، وكان ﷺ يستعيذ بالله من جار السوء، ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دارٍ مقامة) جار المقام والبقاء هو جار أمامك وفي وجهك، صباحاً ومساءً، وليلاً ونهاراً، أنت تخرج وهو بالقرب من زوجتك، وهو بالقرب من أطفالك، وهو بالقرب من أموالك، وهو بالقرب من أهل بيتك، فما حالك في جارٍ لا تأمنه على نفسك وذريتك وأهلك؟ فما حالك في جارٍ تخشى على أهلك حين تغادر بيتك منه؟ إذاً فهو من الذين لا يطمئن لهم وهو الذي قال فيهم ﷺ في الحديث: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه) (جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ يشكو جاره، فقال له: اذهب فاصبر -وفي هذا حثٌ على الصبر على أذى الجار- فأتاه مرةً أخرى فقال: اذهب واصبر.
حتى جاءه في الثالثة يشتكي أذى جاره، فقال ﷺ : اذهب فاطرح متاعك في الطريق -القِ متاعك في قارعة الطريق- ففعل، فجعل الناس يمرون ويسألونه: ما بالك؟ ما الذي أصابك؟ لم تجعل متاعك في قارعة الطريق؟ فيخبرهم خبر جاره يقول: إن جاري يؤذيني، فجعل الناس يلعنونه، وبعضهم يدعو عليه، فجاء جاره إليه، فقال: ارجع متاعك إلى بيتك، فإنك لن ترى شيئاً تكرهه مني أبداً).
أراد بذلك ﷺ أن يبين أن الناس تلعن وتبغض وتدعو على من يؤذي جاره، بهذه الواقعة التي بلغ من أذى الجار فيها ما بلغ حتى جاء يشتكي إلى رسول الله مراراً، ووجهه إلى أن يلقي متاعه على قارعة الطريق؛ حتى يرى الناس هذا الأذى، ولكي يرى جار السوء ذلك، ولكي يرى أن الناس يدعون عليه، ويمقتون فعله هذا.
فاستخدم مثل هذه الطريقة لكي يبين خطر وعظم وسوء الجوار، وفي الحديث الذي يرويه أبو هريرة ﵁: (جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! فلانةٌ تصوم النهار وتقوم الليل، وتتصدق بالأتوار من الأقط، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال ﷺ : هي في النار) انظروا إلى عظم سوء الجوار، كيف محق بركة الأعمال من قيام الليل وصيام النهار والصدقات، وجعل ذلك لا ينفعها بما كسبت وجنت يداها من سوء الجوار، وروي عنه ﷺ : (من أغلق بابه دون جاره خوفاً على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك فأعنه، وإذا استقرضك فأقرضه، وإذا افتقر عدت عليه بالمال، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خيراً هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، إلى أن قال ﷺ : لن يؤدي حق الجار إلا قليلاً ممن رحم الله) أين الذين يقومون بحقوق الجار في هذا الزمان؟
стр. 946
وقفة محاسبة مع حقوق الجار
إنك قد تشكو من جارك، وجارك قد يشكو منك؛ لأنك جار وهو جار، فلنقلب النظر في معاملاتنا وفي جوارنا وفي تصرفاتنا مع من حولنا، ولنجعل أنفسنا مقامهم حينما نريد أن نفعل فعلاً، أو نتصرف تصرفاً، فلنجعل أنفسنا مكان ذلك الجار، هل ترضى لنفسك ذلك الفعل؟ إذا لم ترض هذا الفعل؛ فإن الناس لا يرضونه لأنفسهم، إذا لم ترض الإساءة؛ فإن الناس لا يرضونها، إذا لم ترض الأذى؛ فإن الناس لا يرضونه.
فاتقوا الله معاشر المؤمنين في حقوق الجوار، واجعلوا لأنفسكم ذكراً وسلفاً ويداً صالحةً بعد فراقكم من الدنيا، حيث إذا فارق الإنسان هذه الدنيا ترحم عليه جاره، وذكره بخيرٍ في كل مجلس، وإذا سمع بجار سوء قال: رحم الله فلان، لقد جاورنا وفارق الدنيا، والله ما أزعج خاطرنا بشيء.
هذه هي أعظم صدقةٍ يفعلها الإنسان لنفسه بحسن جواره، أن يجعل من سيرته مع جيرانه سبباً للدعاء له، وأن يجعل من سيرته مع إخوانه سبباً لكثرة الثناء عليه، وفي الحديث أنه: (مرت جنازةٌ، فأثنى الناس عليها خيراً، فقال ﷺ : وجبت.
ثم مرت جنازة، فذكروا عنها شراً، فقال ﷺ : وجبت.
فعجب الصحابة من هذا القول! قالوا: يا رسول الله! مرت الأولى وقلت: وجبت.
قال: نعم، وجبت لها الجنة، قالوا: يا رسول الله! مرت الثانية وقلت: وجبت.
قال: نعم.
وجبت لها النار، ذكرتم الأولى بخيرٍ فوجبت لها الجنة، وذكرتم عن الثانية شراً وسوءاً فوجبت لها النار، أنتم شهود الله في أرضه) فاجعلوا لأنفسكم ذكراً عاطراً، وصدقة جارية بالثناء والدعاء لكم بعد فراقكم من هذه الدنيا، بعد أعمارٍ طويلة وعملٍ صالح.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لك ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 947
من آداب الجوار
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد على إحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند، وعن المثيل وعن النظير وعن الشريك، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، كل ذلك تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، والزموها، وصلوا معها، وأحسنوا الصحبة والجوار لجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: الآيات والأحاديث كثيرة في حقوق المسلم على أخيه، وحقوق الجار على جاره، ولا يسع المقام لذكرها تفصيلاً، ولكن حسبكم ما سمعتم من الطرف الذي ذكرناه آنفاً، ولكن نواصل في ذكر بعض الآداب المتعلقة بالجار والجوار، فقد كان ابن عمر ﵄ إذا طبخ لحماً في بيته قال لـ نافع: [أكثر مرقه واهد إلى جيراننا] وجاء في الأثر: أنه لا ينبغي لجارٍ أن يدخل بطعامٍ ومتاع وجاره أو أبناء جاره ينظرون، إلا أن يعطيهم مما أدخل بيته؛ خشيةً من أن يكسر ذلك خاطره أو خاطر أبنائه، إلا أن يكون لا يكفيه؛ فيدخله في بيته سراً.
انظروا إلى عظم ودقة شأن وحساسية الشعور بالجار، ألا تكدر خاطره بشيءٍ يراه عندك وهو محرومٍ منه، إلا أن تعطيه، إلا أن تعود عليه بفضل ما آتاك الله، إلا أن تتصدق عليه، إلا أن تقدم له الفضل والبر والمعروف، فأين الناس في هذا الزمان من هذه الحقوق، ولقد جاء عنه ﷺ أنه قال يوم أن طُبِخَ في بيته لحمٌ قال: (أهديتم لجارنا اليهودي) جارٌ يهودي، وفعله ﷺ قد يكون من باب الدعوة، ومن باب السياسة الشرعية، ولكنه ﷺ مع ذلك لم يقصر هذه الحقوق، بل تعداها إلى الجار اليهودي طمعاً في إسلامه.
ويوم أن افتقد الشوك والأذى من طريقه، وهو يعلم أن جاره اليهودي هو الذي يجعل هذا الأذى والشوك في طريقه؛ ذهب وعاده في بيته، قال: (أنت رسول الله ﷺ وتعودني؟! قال: نعم.
قال: كيف علمت بمرضي؟ قال: فقدت الشوك والأذى، قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله).
فالصبر على أذى الجار، والنصيحة له، وبذل المعروف والإحسان إليه؛ قد يكون سبباً لهدايته من الكفر إلى الإسلام، ومن الفسق والعصيان إلى الاستقامة والرشاد.
ذكروا أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كان له جارٌ يشرب الخمر كل ليلة، فإذا سكر هذى وأخذ يغني:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليومٍ كريهة وسداد ثغرِ
فكان الإمام أبو حنيفة ﵀ إذا قام إلى صلاته في هجيع الليل، سمع ذلك الجار في سكره يقول ذلك، فافتقده ذات يوم، وافتقده اليوم الذي يليه، فذهب يسأل عنه، فعلم أن الشرطة والمحتسبة قد وجدوه سكيراً فأخذوه وحبسوه، فذهب الإمام أبو حنيفة يعوده في الحبس، فعجبوا من مجيء الإمام أبي حنيفة ﵀، وكأنهم تغاضوا شيئاً يسيراً عن شأنه، فلما خرج ذلك الشاب قال له الإمام أبو حنيفة: يا فتى! وهل ضيعناك؟ لأنه في حال سكره كان يقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا
فقال له الإمام أبو حنيفة: هل ضيعناك؟ فحلف بالله ألا يعود لشربها أبداً، وتاب إلى الله توبة صادقة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يمن علينا وعليكم بالاستقامة.
معاشر المؤمنين: إن الجار الذي يؤدي المعروف والإحسان إلى جيرانه، ويكف الأذى عنهم لهو بمنزلةٍ عظيمة عند الله، وعند الملائكة والناس أجمعين، فكونوا من أولئك.
وإن الناس لتبيع الدور والقصور بأبخس أثمانها فراراً من جيرة السوء، ولتشتري أصغر الدور وغيرها رغبةً وطمعاً في جيرة الخير والصلاح والتقى.
ذكروا أن جاراً لـ أبي حاتم ﵀ قد لحقه دينٌ عظيم، فاضطره أن يبيع بيته، فجاءوا يتزاودون على داره فقال: الدار بمائتي ألف دينار، فعجبوا من ذلك، قال: نعم.
أما الدار فبخمسين ألف دينار، وجواري من أبي حاتم بمائة وخمسين ألفاً، لقد عظم شأن هذا الجوار، فلما علم أبو حاتم بفعله هذا؛ قضى دينه وقال: اجلس في دارك جزاك الله خيراً من جار.
فانظروا يا عباد الله! إلى عظم ومكانة الجار الخيرّ والجار الطيب، ومكانته في نفس جيرانه، ولقد مضى زمنٌ قريب وكلكم أدركه، وقد عاش شيئاً من عمره فيه، يوم أن كان الناس يفتحون من دورهم على دور جيرانهم شيئاً، فإذا احتاجوا لا يخرجون مع الأبواب وإنما يطرقون النافذة من داخل المنازل، فتكلم فلانة إلى فلانة وتؤدي حاجتها إليها عملاً وبراً وإحساناً بالجوار.
كانت سطوح المنازل متحدة، وما كان جارٌ يفكر أن يؤذي جاره، كان الجار يسافر الأشهر الطويلة ويوصي جاره بأهله وأهل بيته، وما يتعرض الشيطان له أن يتعرض لهم بسوء، وما كان يمد طرفه وبصره إليهم.
أما الآن فإن الأذى مستشرٍ والبلاء منتشرٌ من بعض الجيران، إما بنظرات زائغة أمام الأبواب، وإما بإزعاجٍ، وإما بأذىً يُلقى أمام الدور، فما حال جارٍ هذه أموره مع جاره؟ والله إنه ليبيع داره بأبخس الأثمان فراراً من ذلك الجار.
стр. 948
من أنواع الأذى للجار
واعلموا أن من أنواع أذى الجار وهو أمرٌ منتشرٌ بيننا، أن تضع سيارتك دائماً أمام باب جارك، فتعيق سيارة جارك من الخروج، ولو فعله أمام بيتك فهل ترضى؟ وما حاله لو كان في بيته مريض، وخرج مسرعاً، يريد أن يذهب بهذا المريض، فلا يجد طريقاً، فيدعو الله عليك ليلاً ونهاراً لما تسببت فيه من أذى، وفيما تسببت عليه من مضاعفة حال مريضه، إذ قد يدرك شيئاً من الأمر لو لم تفعل هذه الفعلة أمام داره.
ومن الأذى أيضاً وهو أذىً مضاعف للجار بالحرام، وهو الأذى بالملاهي والموسيقى وغيرها.
بعض الناس لا يراعي حق الجوار، وإذا بلي لا يستتر، فإذا ابتلي أحدٌ فليستتر، نسأل الله لنا وله التوبة والإقلاع، أما أن يجعل المنكر جهاراً نهاراً ويؤذي جاره عياناً بياناً، فأي خلق وأي دينٍ وأين بقية حياءٍ في وجه ذلك الجار؟ فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً، وليفعلوا فعلاً سديداً ولا يؤذوا جيرانهم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
ومن أنواع الأذى ما ورد في الأثر: استطالة الدور بعضها على بعض، بعض الناس يبني داره شاهقاً مرتفعاً، وكأنه يريد أن يسكن في بعض قمم الجبال، وقد يكشف بذلك سطوح بيت جيرانه ونوافذهم، فليتق الله في فعله ذلك، وإن كان قد وقع أو فرط الأمر منه عن خطأ، فليصلح شيئاً من هذه النوافذ بسترةٍ أو بعازل بينه وبين جيرانه حتى لا يكون سبباً لإيجاد شيءٍ في النفوس، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالهداية.
واعلموا أن من تعمد أذى جاره؛ أو لم يبال بالأذى الذي يلقيه قرب داره؛ فإنه قد يكون من الذين ذكر الله جل وعلا فيهم كزوجة أبي لهب حينما قال جل وعلا: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:١ - ٤] التي تحمل الحطب والشوك وتجعله بطريق رسول الله ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥] حبلٌ من النار عياذاً بالله من ذلك، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالهداية.
стр. 949
عزاء جار من لا يصلي
وإن أعظم البلاء والمصيبة جوار من لا يصلي، إذا كان لا يعرف حق الله، فكيف يعرف حقك؟ إذا كان يضيع حق الله، فكيف يدرك حقوقك؟ وإذا لم تأمنه في حقوق الله، فكيف تأمنه في غيبتك على أهلك وبيتك وأولادك ومالك؟ اتقوا الله يا معاشر المسلمين! أما الذين لا يصلون مع جماعة المسلمين فليتقوا الله، وليسمعها كل جارٍ من جاره الآن أنه بريءٌ منه إن لم يشهد الصلاة معه، أنه يبرأ إلى الله من ذمته ألا يقول يوم القيامة: مررت بداري ولم تأمرني بالصلاة، ما الذي يمنعك من الصلاة، وأنت تسمع النداء خمس مرات؟ معافى في سمعك، معتدياً في بصرك، باطشاً بيديك ورجلك، لا يمنعك إلا البطر والكبر، لا يمنعه إلا أن الشيطان قد عشعش وفرخ في أذنيه وقلبه.
نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالهداية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 950
النفخ في الصور
إن لهذه الدنيا ومن عليها نهاية بأمرٍ من الله ووقوع آية من آياته، وسيأتي على الخلائق يوم يصعق فيه الجن والإنس، والمخلوقات جميعاً إلا من شاء الله، والنفخ في الصور من أعظم علامات يوم القيامة، ويلي ذلك أهوال وأحوال، ومصائب تشيب لها الولدان، وعن تلك الأحوال والأهوال يتحدث الشيخ حفظه الله.
следующие страницы →