← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقفة محاسبة مع حقوق الجار إنك قد تشكو من جارك، وجارك قد يشكو منك؛ لأنك جار وهو جار، فلنقلب النظر في معاملاتنا وفي جوارنا وفي تصرفاتنا مع من حولنا، ولنجعل أنفسنا مقامهم حينما نريد أن نفعل فعلاً، أو نتصرف تصرفاً، فلنجعل أنفسنا مكان ذلك الجار، هل ترضى لنفسك ذلك الفعل؟ إذا لم ترض هذا الفعل؛ فإن الناس لا يرضونه لأنفسهم، إذا لم ترض الإساءة؛ فإن الناس لا يرضونها، إذا لم ترض الأذى؛ فإن الناس لا يرضونه. فاتقوا الله معاشر المؤمنين في حقوق الجوار، واجعلوا لأنفسكم ذكراً وسلفاً ويداً صالحةً بعد فراقكم من الدنيا، حيث إذا فارق الإنسان هذه الدنيا ترحم عليه جاره، وذكره بخيرٍ في كل مجلس، وإذا سمع بجار سوء قال: رحم الله فلان، لقد جاورنا وفارق الدنيا، والله ما أزعج خاطرنا بشيء. هذه هي أعظم صدقةٍ يفعلها الإنسان لنفسه بحسن جواره، أن يجعل من سيرته مع جيرانه سبباً للدعاء له، وأن يجعل من سيرته مع إخوانه سبباً لكثرة الثناء عليه، وفي الحديث أنه: (مرت جنازةٌ، فأثنى الناس عليها خيراً، فقال ﷺ : وجبت. ثم مرت جنازة، فذكروا عنها شراً، فقال ﷺ : وجبت. فعجب الصحابة من هذا القول! قالوا: يا رسول الله! مرت الأولى وقلت: وجبت. قال: نعم، وجبت لها الجنة، قالوا: يا رسول الله! مرت الثانية وقلت: وجبت. قال: نعم. وجبت لها النار، ذكرتم الأولى بخيرٍ فوجبت لها الجنة، وذكرتم عن الثانية شراً وسوءاً فوجبت لها النار، أنتم شهود الله في أرضه) فاجعلوا لأنفسكم ذكراً عاطراً، وصدقة جارية بالثناء والدعاء لكم بعد فراقكم من هذه الدنيا، بعد أعمارٍ طويلة وعملٍ صالح. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لك ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 947

من آداب الجوار الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد على إحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند، وعن المثيل وعن النظير وعن الشريك، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، كل ذلك تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، والزموها، وصلوا معها، وأحسنوا الصحبة والجوار لجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: الآيات والأحاديث كثيرة في حقوق المسلم على أخيه، وحقوق الجار على جاره، ولا يسع المقام لذكرها تفصيلاً، ولكن حسبكم ما سمعتم من الطرف الذي ذكرناه آنفاً، ولكن نواصل في ذكر بعض الآداب المتعلقة بالجار والجوار، فقد كان ابن عمر ﵄ إذا طبخ لحماً في بيته قال لـ نافع: [أكثر مرقه واهد إلى جيراننا] وجاء في الأثر: أنه لا ينبغي لجارٍ أن يدخل بطعامٍ ومتاع وجاره أو أبناء جاره ينظرون، إلا أن يعطيهم مما أدخل بيته؛ خشيةً من أن يكسر ذلك خاطره أو خاطر أبنائه، إلا أن يكون لا يكفيه؛ فيدخله في بيته سراً. انظروا إلى عظم ودقة شأن وحساسية الشعور بالجار، ألا تكدر خاطره بشيءٍ يراه عندك وهو محرومٍ منه، إلا أن تعطيه، إلا أن تعود عليه بفضل ما آتاك الله، إلا أن تتصدق عليه، إلا أن تقدم له الفضل والبر والمعروف، فأين الناس في هذا الزمان من هذه الحقوق، ولقد جاء عنه ﷺ أنه قال يوم أن طُبِخَ في بيته لحمٌ قال: (أهديتم لجارنا اليهودي) جارٌ يهودي، وفعله ﷺ قد يكون من باب الدعوة، ومن باب السياسة الشرعية، ولكنه ﷺ مع ذلك لم يقصر هذه الحقوق، بل تعداها إلى الجار اليهودي طمعاً في إسلامه. ويوم أن افتقد الشوك والأذى من طريقه، وهو يعلم أن جاره اليهودي هو الذي يجعل هذا الأذى والشوك في طريقه؛ ذهب وعاده في بيته، قال: (أنت رسول الله ﷺ وتعودني؟! قال: نعم. قال: كيف علمت بمرضي؟ قال: فقدت الشوك والأذى، قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله). فالصبر على أذى الجار، والنصيحة له، وبذل المعروف والإحسان إليه؛ قد يكون سبباً لهدايته من الكفر إلى الإسلام، ومن الفسق والعصيان إلى الاستقامة والرشاد. ذكروا أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كان له جارٌ يشرب الخمر كل ليلة، فإذا سكر هذى وأخذ يغني: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليومٍ كريهة وسداد ثغرِ فكان الإمام أبو حنيفة ﵀ إذا قام إلى صلاته في هجيع الليل، سمع ذلك الجار في سكره يقول ذلك، فافتقده ذات يوم، وافتقده اليوم الذي يليه، فذهب يسأل عنه، فعلم أن الشرطة والمحتسبة قد وجدوه سكيراً فأخذوه وحبسوه، فذهب الإمام أبو حنيفة يعوده في الحبس، فعجبوا من مجيء الإمام أبي حنيفة ﵀، وكأنهم تغاضوا شيئاً يسيراً عن شأنه، فلما خرج ذلك الشاب قال له الإمام أبو حنيفة: يا فتى! وهل ضيعناك؟ لأنه في حال سكره كان يقول: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا فقال له الإمام أبو حنيفة: هل ضيعناك؟ فحلف بالله ألا يعود لشربها أبداً، وتاب إلى الله توبة صادقة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يمن علينا وعليكم بالاستقامة. معاشر المؤمنين: إن الجار الذي يؤدي المعروف والإحسان إلى جيرانه، ويكف الأذى عنهم لهو بمنزلةٍ عظيمة عند الله، وعند الملائكة والناس أجمعين، فكونوا من أولئك. وإن الناس لتبيع الدور والقصور بأبخس أثمانها فراراً من جيرة السوء، ولتشتري أصغر الدور وغيرها رغبةً وطمعاً في جيرة الخير والصلاح والتقى. ذكروا أن جاراً لـ أبي حاتم ﵀ قد لحقه دينٌ عظيم، فاضطره أن يبيع بيته، فجاءوا يتزاودون على داره فقال: الدار بمائتي ألف دينار، فعجبوا من ذلك، قال: نعم. أما الدار فبخمسين ألف دينار، وجواري من أبي حاتم بمائة وخمسين ألفاً، لقد عظم شأن هذا الجوار، فلما علم أبو حاتم بفعله هذا؛ قضى دينه وقال: اجلس في دارك جزاك الله خيراً من جار. فانظروا يا عباد الله! إلى عظم ومكانة الجار الخيرّ والجار الطيب، ومكانته في نفس جيرانه، ولقد مضى زمنٌ قريب وكلكم أدركه، وقد عاش شيئاً من عمره فيه، يوم أن كان الناس يفتحون من دورهم على دور جيرانهم شيئاً، فإذا احتاجوا لا يخرجون مع الأبواب وإنما يطرقون النافذة من داخل المنازل، فتكلم فلانة إلى فلانة وتؤدي حاجتها إليها عملاً وبراً وإحساناً بالجوار. كانت سطوح المنازل متحدة، وما كان جارٌ يفكر أن يؤذي جاره، كان الجار يسافر الأشهر الطويلة ويوصي جاره بأهله وأهل بيته، وما يتعرض الشيطان له أن يتعرض لهم بسوء، وما كان يمد طرفه وبصره إليهم. أما الآن فإن الأذى مستشرٍ والبلاء منتشرٌ من بعض الجيران، إما بنظرات زائغة أمام الأبواب، وإما بإزعاجٍ، وإما بأذىً يُلقى أمام الدور، فما حال جارٍ هذه أموره مع جاره؟ والله إنه ليبيع داره بأبخس الأثمان فراراً من ذلك الجار.

стр. 948

من أنواع الأذى للجار واعلموا أن من أنواع أذى الجار وهو أمرٌ منتشرٌ بيننا، أن تضع سيارتك دائماً أمام باب جارك، فتعيق سيارة جارك من الخروج، ولو فعله أمام بيتك فهل ترضى؟ وما حاله لو كان في بيته مريض، وخرج مسرعاً، يريد أن يذهب بهذا المريض، فلا يجد طريقاً، فيدعو الله عليك ليلاً ونهاراً لما تسببت فيه من أذى، وفيما تسببت عليه من مضاعفة حال مريضه، إذ قد يدرك شيئاً من الأمر لو لم تفعل هذه الفعلة أمام داره. ومن الأذى أيضاً وهو أذىً مضاعف للجار بالحرام، وهو الأذى بالملاهي والموسيقى وغيرها. بعض الناس لا يراعي حق الجوار، وإذا بلي لا يستتر، فإذا ابتلي أحدٌ فليستتر، نسأل الله لنا وله التوبة والإقلاع، أما أن يجعل المنكر جهاراً نهاراً ويؤذي جاره عياناً بياناً، فأي خلق وأي دينٍ وأين بقية حياءٍ في وجه ذلك الجار؟ فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً، وليفعلوا فعلاً سديداً ولا يؤذوا جيرانهم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). ومن أنواع الأذى ما ورد في الأثر: استطالة الدور بعضها على بعض، بعض الناس يبني داره شاهقاً مرتفعاً، وكأنه يريد أن يسكن في بعض قمم الجبال، وقد يكشف بذلك سطوح بيت جيرانه ونوافذهم، فليتق الله في فعله ذلك، وإن كان قد وقع أو فرط الأمر منه عن خطأ، فليصلح شيئاً من هذه النوافذ بسترةٍ أو بعازل بينه وبين جيرانه حتى لا يكون سبباً لإيجاد شيءٍ في النفوس، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالهداية. واعلموا أن من تعمد أذى جاره؛ أو لم يبال بالأذى الذي يلقيه قرب داره؛ فإنه قد يكون من الذين ذكر الله جل وعلا فيهم كزوجة أبي لهب حينما قال جل وعلا: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:١ - ٤] التي تحمل الحطب والشوك وتجعله بطريق رسول الله ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥] حبلٌ من النار عياذاً بالله من ذلك، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالهداية.

стр. 949

عزاء جار من لا يصلي وإن أعظم البلاء والمصيبة جوار من لا يصلي، إذا كان لا يعرف حق الله، فكيف يعرف حقك؟ إذا كان يضيع حق الله، فكيف يدرك حقوقك؟ وإذا لم تأمنه في حقوق الله، فكيف تأمنه في غيبتك على أهلك وبيتك وأولادك ومالك؟ اتقوا الله يا معاشر المسلمين! أما الذين لا يصلون مع جماعة المسلمين فليتقوا الله، وليسمعها كل جارٍ من جاره الآن أنه بريءٌ منه إن لم يشهد الصلاة معه، أنه يبرأ إلى الله من ذمته ألا يقول يوم القيامة: مررت بداري ولم تأمرني بالصلاة، ما الذي يمنعك من الصلاة، وأنت تسمع النداء خمس مرات؟ معافى في سمعك، معتدياً في بصرك، باطشاً بيديك ورجلك، لا يمنعك إلا البطر والكبر، لا يمنعه إلا أن الشيطان قد عشعش وفرخ في أذنيه وقلبه. نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالهداية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 950

النفخ في الصور إن لهذه الدنيا ومن عليها نهاية بأمرٍ من الله ووقوع آية من آياته، وسيأتي على الخلائق يوم يصعق فيه الجن والإنس، والمخلوقات جميعاً إلا من شاء الله، والنفخ في الصور من أعظم علامات يوم القيامة، ويلي ذلك أهوال وأحوال، ومصائب تشيب لها الولدان، وعن تلك الأحوال والأهوال يتحدث الشيخ حفظه الله.

стр. 951

أحوال الناس بعد النفخ في الصور إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن المثيل وعن الند وعن النظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين! اعلموا أن لهذه الدنيا بما فيها ومن عليها نهاية، نهاية بأمر الله ووقوع آية من آياته، وسيأتي على الخلائق يوم وهو يوم جمعة يصعق فيه الجن والإنس والمخلوقات جميعاً إلا من شاء رب العالمين ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] وإذا وقعت تلك النفخة فحينئذ لا يستطيع أحد أن يستدرك من أمره شيئاً ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٤٩ - ٥٠] وعند ذلك تنطلق صيحات الندم والتمني كما في الحديث الصحيح، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، وقد أخبرنا النبي ﷺ عن سرعة هلاك العباد حين تقوم الساعة فقال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها) رواه البخاري. والنفخ في الصور -يا عباد الله- هو من أكبر وأعظم علامات يوم القيامة، والنفخ في الصور مرتان وقيل ثلاث مرات: الأولى: يصعق فيها العباد، والأخرى: يبعثون بها ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] فبعد النفخة الأولى ينزل الله جل وعلا من السماء مطراً فتنبت منه أجساد العباد، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية، وهي نفخة البعث والنشور، خرج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلاً ويقولون: من بعثنا من قبورنا؟ من بعثنا من مراقدنا؟ ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٢ - ٥٣]. واعلموا -يا عباد الله- أن نبيكم محمداً ﷺ هو أول من تنشق عنه الأرض، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع) ثم يحشر الخلائق أجمعون إلى الموقف العظيم، يحشر الله الأولين والآخرين أينما كانوا، أينما كانوا فإن الله يأت بهم جميعاً، سواء كانوا في القبور أو في البحار، أو في بطون السباع، أو في حواصل الطير ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وفي ذلك اليوم لا يبقى أحد صغيراً كان أو كبيراً عزيزاً أو حقيراً إلا جاء خائفاً وجلاً ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] ويقول جل وعلا: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٧] ثم تأملوا وتفكروا في ذلك اليوم الذي يحشر فيه الخلائق كلهم أجمعون، ويحشر معهم الوحوش والبهائم والطير والسباع، فإذا تأملت حال الخلائق في ذلك الكرب العظيم، وجدتهم حفاة عراة غرلاً أي: غير مختونين، وفي هذا يقول : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] يوم أن سمعت عائشة ﵂ قول النبي ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلاً قالت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ﷺ : يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض) متفق عليه.

стр. 952

تبديل الأرض غير الأرض والسماوات وفي ذلك اليوم يحشر العباد على أرض غير هذه الأرض التي يعرفونها، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي) قال سهل أو غيره: ليس فيها معلم لأحد ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] وفي هذه الآية يقول ترجمان القرآن عبد الله بن مسعود: تبدل الأرض أرضاً كأنها القصعة، كأن لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل عليها خطيئة. وعند عبد بن حميد من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، قال: بلغنا أن هذه الأرض -يعني أرض الدنيا- تطوى وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها. وفي حديث الصور الطويل تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى، ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها كان على ظهرها، وفي تلك اللحظة التي فيها تبدل الأرض غير الأرض أين يكون الخلائق؟ لقد سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! يوم تبدل الأرض غير الأرض أين يكون الناس يا رسول الله؟ فقال: على الصراط) رواه مسلم، وفي صحيح مسلم -أيضاً- عن ثوبان أن حبراً من أحبار اليهود سأل الرسول ﷺ فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال ﷺ : (هم في الظلمة دون الجسر). وفي ذلك اليوم العظيم يوم القيامة يطوي الجبار السماوات ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يأخذها بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وفي هذا يقول : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. أما الجبال في ذلك اليوم العظيم فتدك دكاً وتكون مثل كثبان الرمل المهيلة، بعد أن كانت حجارة صماء، وتكون كالعهن المنفوش، كالصوف المتطاير ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل:١٤] ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧]. أما البحار في ذلك اليوم فإنها تفجر وتشتعل نيراناً عظيمة قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:٣] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] أما السماء فتمور موراً عظيماً، وتضطرب اضطراباً، وتنفطر وتتشقق فتكون بعد ذلك واهية ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٦]. أما الشمس الجميلة المشرقة فإنها تكور وتجمع ويذهب ضوؤها، وأما القمر فإنه يخسف ويذهب ضوؤه، وأما النجوم المتلألئة فإنها تنكدر وتتناثر، وتنصب كأن لم تكن شيئاً. فما حالكم معاشر العباد في هذه الأهوال؟ وما مكانكم في تلك العظائم؟ وما موقفكم من الجبار جل وعلا؟ هل تكونون في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؟ هل تكونون عند الفزع من الآمنين؟ هل تكونون من الذين يبعثون مطمئنين؟ أم -ولا حول ولا قوة إلا بالله ونسأل الله ألا نكون جميعاً منهم- من الذين يبعثون صرعى سكارى تخبطهم الشياطين، وتتمايل بهم بطونهم من الربا، ويدورون في هذا الهول وهذا المحشر سكارى ومجانين، نعوذ بالله أن نكون في حال أولئك. معاشر المؤمنين تأملوا وتدبروا حال ذلك اليوم العظيم، إننا لفي غفلة، وإن الكثير منا في لهوه وفي سكره، لا يتذكر موته، ولا يتذكر قبره، ولا يتذكر بعثه، ولا يتذكر نشوره، ولا صحيفته، وهل يقبضها بيمينه أو بشماله، ويتذكر الصراط هل يمر عليه أم تختطفه كلاليب جهنم، لا يتذكر هل يكون من أهل النار أم من أهل الجنة، أي غفلة في القلوب وأي سكرة في العقول، وأي إعراض عن ذكر الله وهديه؟ نعوذ بالله أن نكون من الغافلين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير:١ - ١٣] عند ذلك ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤] ولا ينفعها ليت ولا تمني. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 953

هول يوم القيامة الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. عباد الله! اعلموا أن من عقيدة كل مسلم أن يؤمن بالبعث والنشور، والحساب والصراط، وأن يؤمن بأهوال يوم القيامة، ودقيق وجليل أمورها وما يكون فيها من الأهوال والعظائم، فإذا حصل الاعتقاد بذلك وجب الإعداد والعمل، ووجب الاستعداد لهذه النقلة العظيمة، يوم يقبل العباد على ربهم ليس ثمة إلا الحسنات والسيئات، ليس ثَم إلا الجنة والنار، وقبل ذلك كل يرجو رحمة ربه الواحد القهار، اللهم فارحمنا وتجاوز عنا وتلطف بنا وكن لنا ولا تكن علينا. معاشر المؤمنين! في ذلك اليوم تأتي الأم لولدها تقول: ولدي حملتك تسعة أشهر ثقلاً في بطني، وحملتك كرهاً ووضعتك كرهاً، حسنة واحدة أرجح بها موازيني فيقول: إليك عني، إليك عني، كل مشغول بنفسه، كل مشغول بنفسه، كل في أمر وشأن عظيم من حاله ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٥] أمه التي حملته ووضعته، وتلقت أذاه، وتلقت نجاسته بيدها، يكون في شأن وفي غفلة، وفي بعد عظيم عنها ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٦] فلذات كبده الذين لا يقعون على الأرض إن وقعوا وإنما قلبه الذي يتكسر ويقع، يكون في تلك اللحظة في غفلة عنهم ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] فما هي إلا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩] اللهم اجعلنا منهم ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٩ - ٤٢] نسأل الله ألا تكونوا منهم، واستعيذوا واستجيروا بربكم وتعوذوا بالله واسألوه ألا تكونوا معهم. عباد الله! إن كثيراً من الناس لا يشهدون الصلاة في المساجد، كأن لم يكن أمامهم بعث ولا حشر ولا نشور، إن كثيراً من الناس يعقون الآباء والأمهات، كأن لم يكن أمامهم حساب ولا عقاب، وإن كثيراً من الناس يظلمون الضعفاء وقد نسوا أن الله جل وعلا فوقهم وما من يد إلا يد الله فوقها وما ظالم إلا سيبلى بأظلم إن كثيراً من الناس يتهاونون بالفواحش، وإن من الناس من وقع في شرب الخمور، ومن الناس من تساهل بالزنا، وإن من الناس من أكل الربا، وإن من الناس من شهد الزور، ومن مشى بالنميمة، أفلا يخشون مشهداً كهذا؟ ألا يخافون موقفاً عظيماً وحشراً مهيلاً؟ أفلا يخافون يوماً كهذا؟ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] يقول ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها) يوم أن يقرأ ﷺ آيات الجنة وآيات النار يتأثر تأثراً عظيماً، فأين تأثرنا حينما نقرأ آيات هذا الهول العظيم؟ أين تفاعلنا يوم أن نتلو في كتاب الله جل وعلا موقف العصاة المذنبين يوم القيامة؟ مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذا كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا البحار تفجرت من خوفها ورأيتها مثل الجحيم تفور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين نسير وإذا تقاة المسلمين تزوجت من حور عين زانهن شعور وإذا المؤودة سئّلت عن شأنها وبأي ذنب قتلها ميسور وإذا الجليل طوى السما بيمينه طي السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف نشرت فتطايرت وتهتكت للكافرين ستور وإذا السماء تكشطت عن أهلها ورأيت أفلاك السماء تدور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور وإذا الجنين بأمه متعلق متشبث يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور كيف الحال بنا والذنوب في بيوتنا، والمعاصي أمامنا، والمنكرات في أسواقنا وكأن لم نر شيئاً، ولا يتحرك فينا شعرة أو شعور لإنكار أو غيرة إيمان لتغيير؟! اللهم لا تجعلنا من الغافلين، اللهم افتح على قلوبنا وتب علينا، اللهم ارزقنا الاستعداد للموت وأعنا على سكراته، اللهم كن لنا في قبورنا، اللهم أفسحها لنا ولأمواتنا ولجميع المسلمين مد أبصارنا، اللهم افتح لنا أبواباً إلى الجنان، اللهم اجعلنا يوم فزع الخلائق من الآمنين، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا على حوض نبيك من الواردين، ولكأسه من الشاربين، وعلى الصراط من العابرين، وآتنا صحفنا باليمين، وبيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمجرمين، اللهم أدخلنا الجنة أول الداخلين، واجعلنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بعلماء الإسلام فتنة، وأراد بولاة المسلمين مكيدة، وأراد بالشباب والنساء ضلالاً وتبرجاً وسفوراً، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رءوس الخلائق. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين وأصلح بطانته، وقرب له من علمت فيه خيراً له، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له، اللهم اجمع شملنا، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اللهم اختم بها آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا. اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 954

مكابد الدنيا ومشاقها لقد وضحت هذه المادة حال الإنسان في الدنيا، مبينة أنه في كبد فيها، ومركّزة على حقيقة هذه الدنيا، وأنه لا استئناس ولا اطمئنان فيها إلا بذكر الله وطاعته وأن حلال الدنيا حساب وحرامها عقاب، ولا خير إلا فيما عند الله .

стр. 955

بيان حقيقة الدنيا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى بفعل أوامره واجتناب زواجره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: سمعت الحسن بعد أن روى من طريق أبي مورود قرأ هذه الآية، فقال: [يكابد أمراً من أمر الدنيا وأمراً من أمر الآخرة]، وفي رواية: [يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة] واختار ابن جرير أن المراد بالآية: مكابدة الأمور ومشاقها. أيها الأحبة في الله: كلكم يعلم أنه ما من راحة تامة أو سعادة دائمة إلا في الدار الآخرة، دار الخلود والبقاء، وأما هذه الدنيا فدار الابتلاء والكبد والشقاء، ومن أجل ذلك كان عيش الإنسان فيها في كبد ومشقة، ولولا ما فيها من عبادة الله واللجوء إليه، والاستئناس والاطمئنان بذكره لما أطاق المؤمن البقاء فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة، إذ لو صفت الدنيا لأهلها من الأكدار والمصائب لركنوا إليها واطمأنوا بها، ولما اجتهدوا في الأعمال الموصلة إلى دار النعيم والخلود المقيم. قال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله: يا أبت! متى الراحة؟ فقال: الراحة يا بني! عند أول قدم نضعها في الجنة. عباد الله: تأملوا هذه الدنيا وما فيها من خلق الإنسان في كبد، وهي برمتها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل ذلك ما سقى منها كافراً شربة ماء، فالاجتماع في الدنيا مآله إلى الفراق، قال ﷺ : (جاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) فنهاية الحياة إلى موت، وغاية الاجتماع فراق، أما اللذات في الدنيا من المآكل والمشارب والمناكح فتزينها الصحة والعافية، وأكثر أرباب الدنيا والأموال الطائلة والثراء الفاحش فيها يعانون أنواع البلاء والأمراض والأسقام، فيرون نعيماً ونعماً، ولذائذ ولذات لا يتمتعون بها، وأعمار الخلائق في هذه الدنيا محدودة الأجل، ورب معمر شقي بعمره سيما إذا كان مفرطاً فيما مضى من شبابه، قيل للأعشى ميمون بن قيس وقد بلغ من الكبر عتياً: كيف وجدت الحياة؟ فقال: المرء يرغب في الحياة وطول عيشٍ قد يضره تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره وتسوؤه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسره كم شامتٍ بي إذ هلكت وقائلٍ لله دره فلا أنس ولا لذة في الدنيا إلا بذكر الله، ولا راحة ولا نعيم في الدنيا إلا بطاعة الله، وذلك هو الذي يحقق السعادة ويربطها بالحياة ربطاً وثيقاً، فاجتهدوا يا عباد الله! اجتهدوا في طاعة ربكم ومرضاته، وتنافسوا في الأعمال الصالحة والتجارة الرابحة، ولا تغبطوا أحداً في مال أو منصب أو جاه إلا في طاعة الله ومرضاته، وما سوى ذلك فحطام غير حقيقي، وليس بكفء أن يحسد صاحبه، واعلموا أن كل من ترون في هذه الدنيا شقي لا محالة إلا من ربط نفسه بذكر الله وطاعته، لابد أن ترى كثيراً من الخلق والخلائق في شقاء؛ إما بأنفسهم، أو بأموالهم وأولادهم، أو سلطانهم، أو فقرهم أو غناهم، أو ذلة أو عزة، أو غير ذلك، إلا من شدَّ وثاق نفسه عن المعاصي والآثام، وأحكم السير وجد في المسير وأمسك بالزمام، وإلا فهذه الدنيا ومن فيها كما يقول القائل: كل من لاقيت يشكو دهره ليت شعري هذه الدنيا لمن عباد الله: إن بعض المسلمين قد انشغلوا باللهو عن ذكر الله، وغرهم إقبال الدنيا عليهم، وخدعهم تردد خلان الرخاء والغناء إليهم، وما تأملوا حقيقة دنياهم، وما تأملوا حقيقة النعيم الذي فيها، وأنه زائل، وأنه دولة بين الناس يتقلب، يكون عند قوم وينتقل إلى آخرين: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] وكأن الكثير منا ما سمعوا وما عرفوا أحوال الأمم السابقة والحاضرة في هذا الزمان كيف هوت وسقطت من عز إلى ذل، ومن قوة إلى ضعف، ومن غنى إلى فقر، ومن شمل مجتمع إلى شتات وتشرد وتفرق. قالت هند بنت الملك النعمان: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكاً، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس. وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، فقالت: أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجو مالنا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا ويرحمنا مما نحن فيه. قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يوماً، فقلت لها: كيف ترين الأمر بكم؟ فأنشدت قائلة: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصفُ فأفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تارات بنا وتصرفُ قال ﷺ : (حق على الله ما رفع شيئاً إلا وضعه) فلا تغتروا بالدنيا -عباد الله! - وكونوا منها على حذر، وخذوا حذركم في كل صباح ومساء، فإن الإنسان لا يدري ماذا يفجأه من طوارق الزمان. يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا وقال الآخر: لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان فلا يُغر بطيب العيش إنسان هي الحياة كما شاهدتها دولٌ من سره زمنٌ ساءته أزمان بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 956

الدنيا دار عمل حلالها حساب وحرامها عقاب الحمد لله الواحد الأحد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد نصبح ونمسي منك في عافية وأمن، وطمأنينة وستر، ونعيم ورخاء، وكل ذلك منك وحدك لا شريك لك، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، عليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار. معاشر المؤمنين: إننا نرى كثيراً من المسلمين في دعاء بالويل والثبور على واقعهم وما هم فيه، أهم يدعون بالويل والثبور على ما هم فيه من المعاصي؟ أم على ما هم فيه من الآثام؟ أم أنهم يتسخطون ويعترضون على قدر الله ؟ وليس الأمر في ما يدعون عليه من أمر أو مصيبة شديدة، كلا والله، بل ترى الواحد حينما يرى مركباً فارهاً سب الدنيا ومن فيها لأن فلان بن فلان ركب هذا المركب وهو لم يركبه حتى الآن، وإذا مر بقصر شامخ سب هذه الدنيا وحظوظها لأنه لم ينل هذا القصر أو جزءاً منه، وإذا رأى صاحب مال أو ثراء تجده يحتقر نعمة الله عليه، وما درى ذلك المسكين أن الله جل وعلا قد ابتلى صاحب القصر والدابة والمركب والمال والثراء، وقد اختصه بنعمة لم يجدها صاحب تلك النعمة، قد تجد هذا الذي يتسخط ويشكو ويسب هذا الدهر -ولا يجوز سب الدهر- معافىً في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه وغده وسنين قادمة أيضاً، ومع ذلك فإنه لا يقنع ولا يرضى. إن كثيراً ممن ترون من أرباب الأموال والثراء وغير ذلك، ليسوا في نعيم إلا من قيد ماله ونعمته في شكر الله، وخاف على نفسه وحاسبها من هذه الأموال التي دخلت عليه ديناراً ديناراً ودرهماً درهماً، وإلا فإن مثل أولئك لا شك مرتحل عن الدنيا، ومن بعده يأكلونها حلالاً وهو يحاسب عليها في الآخرة، حلالها حساب عليه، وحرامها عقاب عليه!! إذاً: أيها الإخوة: هل نغبط أحداً في هذه الدنيا لماله أو لجاهه أو لمنصبه، والله! لا يغبط أحد إلا في طاعته لله، قال ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً- هل ادخره؟ هل جَمَّعه في رصيده؟ هل اشتغل به من هنا وهناك؟ لا- فأنفقه في سبيل الله هكذا وهكذا) تلك والله! هي الغبطة، ومن تمنى المال من أجل أن ينفقه في سبيل الله كتب الله له أجر نيته تلك. إذاً: فاحمدوا الله على نعم تتقلبون فيها يا عباد الله! احمدوا الله على نعم تتقلبون فيها، وغيركم إما في فقر وذل، أو شتات وتفرق، وغيركم من أرباب المال والثراء يرون نعيماً لا يتمتعون به، إن كثيراً تمتد أمامه المائدة الطويلة قد حجب عن هذا الطعام، ومنع من هذا الطعام، ونهي عن هذا الطعام، فلا يأكل إلا زاداً قليلاً يقدم أمامه، وفقراء الناس يأكلون من كل شيء أمامهم وهو لا يأكل إلا هذا القليل القليل مما أمامه، أترون هذا نعيماً؟ تباً لدنيا هذا مآلها، يجمعها ويكد وينصب في جمعها ويحاسب عليها، ومع ذلك لا يهنأ بقليل من العيش فيها، وترى الآخر قد انشغل بدنياه حتى وصل به الدهر من عمر زمانه عتياً، ثم أصبح مريضاً ضعيفاً لا يستطيع أن يتمتع بشيء، إن أراد النكاح فهو عاجز، وإن أراد الأكل فقد ذهبت لذة الشباب التي تجعل كل شيء هنيئاً مريئاً. إذاً: فعلى أي شيء نغبط الناس في دنياهم؟ على أي شيء نحسد الناس في مراتبهم، أو مراكبهم أو قصورهم، أو قليلهم أو كثيرهم؟ إن الغبطة والله في طاعة الله، إن الغبطة يوم أن ترى شاباً صغيراً يحفظ كتاب الله، أو ترى رجلاً سباقاً إلى المساجد، أو ترى شاباً داعيةً إلى الله قد أمضى وأفنى وقته وشبابه في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما سوى ذلك فليس بحقيق أن يغتبط الناس فيه أو أن يتحاسدوا، لكن أيها الإخوة! كل ما نراه من هذا الاعتراض والسخط على هذه الدنيا وأهلها ومن فيها، إنما هو بسبب عدم القناعة، وإن عدم القناعة إذا بلغ بصاحبه أمراً، فإنه قد يقوده إلى خطر عظيم وهو الاعتراض على ما قدر الله ، قد يعترض الإنسان بطول وكثرة تسخطه على مراتب الناس وحظوظهم ونصيبهم في الدنيا عياذاً بالله من ذلك، يقول النبي ﷺ : (من أمسى آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) ما الفرق بين الأغنياء والفقراء؟ ما الفرق بين الرفعاء والوضعاء؟ ألهم ثلاثة بطون وللفقير بطن واحد؟ ذلك له بطن واحد وهذا كذلك، ألهم ثلاثة أعين وهذا له عينان؟ كلا والله، كلهم يشتركون في ما خلق الله لهم، إذاً فلا دنياً تستحق أن يغتبط الناس بها!! واعلموا أن كل إنسان مهما صغر أو عظم أو كبر فإنه لابد أن يكون في مصيبة من دهره، وهذه الدنيا أيها الإخوة! إذا كان الإنسان في نعيم وهو على حال غفلة، وبُعدٍ عن طاعة الله فليخش الانقلاب وتغير الأحوال، كما يقول القائل: أحب ليالي الهجر لا فرحاً بها عسى الله يأتي بعدها بوصال وأكره أيام الوصال لأنني أرى كل وصلٍ معقباً بزوال وإن الذين ترونهم في هذا الثراء الفاحش والنعيم على بعدٍ وغفلةٍ عن طاعة الله لعلى خطر عظيم، بل إنهم يعيشون في داخل قلوبهم حسرات وأنَّات مما هم فيه، ويصدق عليهم قول القائل: من ذا الذي قد نال راحة فكره في عسره من عمره أو يسره يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره فيظل هذا ساخطاً في قله ويظل هذا تاعباً في كثره عمَّ البلا ولكل شمل فرقةٌ يرمي بها في يومه أو شهره والجن مثل الإنس يجري فيهمُ حكم القضاء بحلوه وبمره أوما ترى الرجل العزيز بجنده رهن الهموم على جلالة قدره فيسره خيرٌ وفي أعقابه همٌ تضيق به جوانب صدره وأخو التجارة حائرٌ متفكرٌ مما يلاقي من خسارة سعره وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الرجل العقيم كمينةٌ في صدره وترى القرين مضمراً لقرينه حسداً وحقداً في غناه وفقره ولرب طالب راحةٍ في نومه جاءته أحلامٌ فهام بأمره والطفل من بطن أمه يخرج إلى غصص الفطام تروعه في صغره ولقد حسست الطير في أوكارها فوجدت منها ما يصاد بوكره والوحش يأتيه الردى في بره والحوت يأتي حتفه في بحره ولربما تأتي السباع لميتٍ فاستخرجته من قرارة قبره كيف التذاذ أخي الحياة بعيشه ما زال وهو مروع في أمره تالله لو عاش الفتى في أهله ألفاً من الأعوام مالك أمره متلذذاً معهم بكل لذيذةٍ متنعماً بالعيش مدة عمره لا يعتريه النقص في أحواله كلا ولا تجري الهموم بفكره ما كان ذلك كله مما يفي بنزول أول ليلةٍ في قبره كيف التخلص يا أخي مما ترى صبراً على حلو القضاء ومره فاقنعوا يا عباد الله! واشكروا الله على نعم أنتم فيها: أعيناً تبصرون بها، وآذاناً تسمعون بها، وأيدي تبطشون بها، وأرجلاً تمشون بها، ونعماً عظيمة لا يحصيها إلا الله . أنتم والله في خير عظيم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] فاحمدوا الله تعالى على ذلك، وقيدوا النعم بشكر الله، إياكم واللهو، إياكم والغفلة عن ذكر الله، إن كثيراً من المسلمين قد ابتلوا بالغفلة فجرتهم هذه الغفلة إلى السخط وعدم القناعة، ترى الواحد منهم منذ أن يصبح إلى أن يمسي ومزامير الشيطان في داره، لا يذكر الله في بيته إلا قليلاً، ولا تسمع آية من آيات الله في بيته تتلى، وتراه منشغلاً بهذه الأمور، ومنشغلاً بهذه الدنيا وحطامها وكل ما فيها. إن حياة تدوم على المعاصي والآثام الموت خير لصاحبها من الحياة ومضاعفة السيئات والآثام. أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالهداية والثبات. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] ويقول الله جل وعلا: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:١ - ٨]. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ضلالاً، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً واختلاطاً مع الرجال في تعليمهم ووظائفهم، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم عجل هلاكه، وأرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأسوأ من ذلك

стр. 957

الولاء والبراء الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، وفي هذه الأيام كثر الذين يميعون هذه القضية، ويدعون إلى التآلف والتآخي مع أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم. وفي هذه المادة ذكر لأهمية الولاء والبراء في الإسلام، ووجوب موالاة المسلمين، والبراءة من الكافرين، مع بيان بعض مظاهر موالاة الكافرين التي منها: التشبه بالكفار السكن في بلادهم مداهنتهم مناصرتهم إلخ

стр. 958

ستر الله علينا نعمة عظيمة الحمد لله الذي ستر القبيح وأظهر الجميل وزيننا بستره، ولو كشف الله عنا أستاره لما كان من مستمع ولا منصت، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأثني عليه الخير كله أوله وآخره وظاهره وباطنه، ملء ما خلق وعدد ما خلق، وملء ما أحصى كتابه وعدد ما أحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة في الله: مما تعلمناه من مشايخنا ونعلمه أحبابنا وإخواننا أن يتجنبوا الثناء والمديح في مستهل المحاضرات واللقاءات، وكما قال ابن الجوزي ﵀ في صيد الخاطر: يا مسكين! إن أعجب الناس بك، فإنما أعجبهم جميل ستر الله عليك، ولو كشف الله للناس كل سيئة من فعلك، لما رأيت أو سمعت في هذه الدنيا محباً، ليس منا أحدٌ إلا وله هنات وأخطاء وتقصير وتفريط، لكن الله جملنا بأن الناس يرى بعضهم من بعض محاسن الأعمال، وسترنا ربنا ليخفي عن الناس مساوئها، فلا ينبغي لعاقل أن يغتر بكلمة هو يعلم أنه دونها. وعلى أية حال، فحبيبي وصديقي الشيخ/ محمد بن إبراهيم السبر أحسبه ولا أزكي على الله أحداً ممن يحترقون إخلاصاً وتفانياً وعملاً في الدعوة إلى الله ، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً، ومحبة بيني وبينه ربما ساقت على لسانه هذه الكلمات من غير كيل ولا حساب، ولكن كما قال أهل العلم: من عرف بعداوة شديدة فشهادته مجروحة، ومن عرف بمحبة شديدة، فشهادته مجروحة، فلعل ما سمعتم من ثنائه يرد بعضه -وإن شئتم كله- عليه لشديد محبته وشديد محبتي له، أسأل الله أن يرفع درجاته وإياكم ونفسي في الجنة، وأن يجعلنا من المتحابين بنور وجهه، لنكون في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. أحبتي في الله: أهنئكم بشرف المكان وشرف المناسبة، فأما شرف المكان، فهو مهابط الرحمة، ومنازل الملائكة، حلق الذكر، رياض الجنة، والله ما من عبدٍ يندم يوم القيامة أنه جلس ساعة مع قوم يذكرون ربهم يتلون كلام الله ويتدارسونه، ويصلون على نبيهم ﷺ ، فمقامنا في هذا المكان شريف عظيم، وأي شرف أعظم من أن نكون في هذه الروضة التي تغشاها السكينة وتحفها الملائكة، وتتنزل عليها الرحمة، ويذكر الله أهلها والجالسين فيها في ملئه الأعلى، ولقد جلست مجالس عدة، وحضرت مواقع مختلفة، فلم أجد أشرح للصدر وأعز للنفس وأكرم للذات من هذه المجالس في هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وأما شرف المناسبة، فاللقاء على هذه المائدة العلمية المفيدة التي نسأل الله أن ينفعنا وإياكم فيها بما علمنا، وأن يعلمنا فيها ما ينفعنا، وأن يرزقنا إتباع العلم بالعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 959

سبب التحدث في موضوع الولاء والبراء أحبتي في الله: موضوعنا هو موضوع الولاء والبراء في سلسلة يبدو لمتأمل موضوعاتها أنها متعلقة بجوانب العقيدة، وإني لأشكر القائمين على هذا المسجد إماماً ومؤذناً، والشباب الدعاة المخلصين المعنيين بالأنشطة الثقافية والفكرية والدعوية، وتحفيظ القرآن وغيره على حسن عنايتهم وانتقائهم لهذه الموضوعات الجليلة.

стр. 960

كثرة خوارم الولاء والبراء عند الكثير من المسلمين سبب طرق هذا الموضوع قد يطول، ولكنني أختصره: لما رأيناه من كثير من الأفعال والسلوك التي لا نشك أنها من خوارم الولاء والبراء في هذه الأزمنة التي اشتدت كربتها وعظمت محنتها، وأصبح الناس يستحسن بعضهم الولاء للكفار، ويعده من باب المجاملات الرقيقة، ويعده من باب اللطف في المعاملة، ولا يستطيع أن يميز بين ما يجوز التعامل به مع الكفار وبين ما لا يجوز، أي: أن هناك أضرباً من التعامل لا تدخل من قبيل الولاء وإن تعاملنا فيها مع الكفار، ولكن أناساً أدخلوا زيادةً على هذه أضرباً من المعاملات، وظنوها لا تخرم الولاء وذلك بسبب الجهل بهذه القضية التي قل من يطرقها ويتحدث عنها في هذا الزمان.

стр. 961

كثرة الندوات والمقالات في نبذ البراءة من الكافرين إن كثيراً من الناس اليوم أصبحوا يسمعون دعوات وصيحات ذات اليمين وذات الشمال تدعو إلى نبذ البراءة من الكفار، بل وتدعو إلى موالاتهم واتخاذهم أحبةً وأصدقاء، ويزعمون أن لا ضير في ذلك؛ لأنه لا طريق للسلام العالمي اليوم والأمن والتعايش والوفاق الدولي إلا في ظل ذلك، وأنه لا يمكن أن يتحقق الوفاق والسلام العالمي إلا في ظل دفن أو وأد أو إجهاض قضية الولاء والبراء، وذلك أمرٌ في غاية الخطورة، لا يستطيع أحد أن يجمع الناس على كلمة واحدة، بل سنة الله أن الخير والشر، والحق والباطل، الإسلام والجاهلية في صراع مرير إلى أن تقوم الساعة: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فقضية الصراع لابد أن تستمر، ونظرية التفرد والسيادة التي يسعى إليها الغرب ليضرب بيده الطويلة عبر قواعده الضاربة بأساطيلها بحار الدنيا كل من يخرج عن النظام العالمي الجديد، وإن أرادوا ذلك، فإنه لن تتمكنوا؛ لأن من سنن الله: التدافع والتنازع، ليبقى المتفرد بالهيمنة التامة والسيطرة الكاملة الذي له الحكم والأمر وحده لا شريك له هو الله وحده . ولكل شيءٍ آفةٌ من جنسه حتى الحديد سطا عليه المبرد لا يمكن أن تتحقق هذه النظرية التي يدندن عليها كثير من الكتاب، أو تطرق عبر الندوات التي تقام في القنوات الفضائية، مستحيلٌ أن يتم ما أرادوه؛ لأن من سنة الله في هذا الكون أن يمضي التدافع والتنازع بين الحق والباطل إلى أن تقوم الساعة، نعم للباطل صولةٌ، لكنها ساعة، وللحق جولةٌ لكنها إلى قيام الساعة: (لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم إلى أن تقوم الساعة) ينبغي أن ندرك هذه الحقائق. وقول الله أبلغ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] لا يمكن أن يتفق الناس، لابد أن يكون من الخلاف والنزاع والتدافع ما يدعو المسلمين إلى أن يعودوا إلى نصوص كتاب ربهم وأحاديث نبيهم ﷺ ؛ ليقرءوا ما يتعلق بهذه المسألة الكبيرة الخطيرة الجليلة (مسألة الولاء والبراء). نعم. هم الآن يجلبون بخيلهم ورجلهم حيال هذه القضية من أجل تذويب مسألة الولاء، وتخفيف المناعة فيما يتعلق بالبراء من المسلمين، ولكن مهما كان: إن الأسود وإن عاشت مع الخراف فستزأر يوماً ما. نحن نعلم أن المسلمين اليوم، أو أن كثيراً من المسلمين اليوم قد روضت في حظائر الخراف، فأصبحت لا تعرف المهاجمة، ولا تعرف الزئير، ولا تعرف السيادة التي عرفت عن أسد الغاب وسيادتها على كل من حولها، لكننا على يقين أن هذه الأسود وإن نامت طويلاً في حظائر الخراف، فسيأتي لها يوم نسمع زئيرها، ونرى كيف ترد عن عرينها، وكيف تصد عن دينها: (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:٥١].

стр. 962

جهل الكثير من الناس في مسألة الولاء والبراء المسألة المهمة المتعلقة بأسباب طرق هذا الموضوع أيضاً هي: أن كثيراً من المسلمين لا يعرف شيئاً البتة عن الولاء والبراء، بل لو سألته عن حقيقة الولاء والبراء، أو ما تقتضيه لا إله إلا الله محمد رسول الله من الولاء والبراء، لرأيته لا يعرف في هذه المسألة نقيراً ولا قطميراً، وهو على حد قول القائل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا إذاً نحن نلاحظ فئةً تجهل هذه القضية تماماً، ونلاحظ فئةً أخرى تعيش انفصاماً بين قضية الولاء والبراء، فأناسٌ يوالون المؤمنين، لكن لا يتبرءون من الكافرين، ولا إله إلا الله إثبات ونفي، ولاء وبراء، تحقيق وتبرؤ، فلابد أن نجمع بين هذه، وأن نضم أختها إليها لأولئك الذين لا يعرفون لهذه المسألة إلا فقهها الأول وهو الولاء، لابد أن يضموا إليه الجانب الآخر من البراء.

стр. 963

إدخال شيء في البراء مما ليس منه كذلك من دواعي طرق هذا الموضوع: أن من المسلمين من يخلط بين بعض القضايا وبعضها، وتختلط الأوراق لديه كما قلت بصدر كلامي آنفاً، فيدخل في البراء ما ليس منه، ويخرج من الولاء ما هو من لوازمه، ولذا تراه بسبب قلة علمه، أو جهله، أو عدم اهتمامه بهذه القضية لا يستطيع التمييز بين من يستحق الولاء ومن يستحق البراء.

стр. 964

تعريف الولاء والبراء وأهميته وأدلته جديرٌ بنا في صدر هذه الكلمات أن نعرف الولاء والبراء، الولاء هو: النصرة والمحبة والإكرام والاحترام، من نصرته وأحببته وأكرمته واحترمته، فأنت تواليه، وله في نفسك ولاء، وكونك معه ظاهراً وباطناً، فذلك أيضاً من الولاء، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧] فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم، وإظهار المودة لهم بالأقوال، أو بالأفعال، أو حتى بالنوايا، أي قلب أضمر أو انطوى على حب للكفار، حتى وإن لم يصدر منه قول أو فعل يدل على ذلك، فليعلم أن مسألة الولاء والبراء في نفسه فيها خلل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الولاية ضد العداوة، وأصلها المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد. والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ كما ذكره ابن أبي شيبة في المصنف أن رسول الله ﷺ قال: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) وفي الصحيحين أيضاً عن جرير أن النبي ﷺ بايعه، قال: (بايعت رسول الله ﷺ ، وذكر منها قال: على أن تنصح لكل مسلم، وأن تبرأ من الكافر) والله المستعان على ما نرى ونسمع في هذا الزمان من ذوبان مسألة الولاء والبراء إذا عرفنا معناها على ضوء ما سلف ذكره. لقد أصبح غالب أحوال الناس اليوم ولاؤهم وبراؤهم لأجل هذه الدنيا: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨]. أما البراء فهو: البعد والخلاص، والعداوة بعد الإعذار والإنذار، قال ابن الأعرابي: برئ إذا تخلص، وبرئ إذا تنزه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر، ومنه قول الله تعالى في صدر سورة التوبة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:١] أي: إعذارٌ وإنذار.

стр. 965

الولاء والبراء عقيدة جميع الأنبياء أيها الأحبة! الولاء والبراء ليس شريعة جاءت فيما جاء به النبي ﷺ وحده، بل الولاء والبراء عقيدة الأنبياء المرسلين جميعاً، والله سبحانه تعالى لما ذكر أولي العزم من أنبيائه ورسله، وذكر صفوة خلقه من أنبيائه ورسله، قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] أي: فنحن مأمورون أن نقتدي بنبينا وبهدي الأنبياء الذي لا يختلف مع هدي نبينا ﷺ ، وقد جاء في كتاب الله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة:٤] انظروا إلى صريح المفارقة، وصريح المقاطعة، وإلى الكلمات التي لا تجد في أحرفها أدنى شبهةٍ من المجاملة، أو المداراة، أو التميع، أو التقرب: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. فهذا إبراهيم ﵇ خليل الله، صاحب الملة الحنيفية الذي حطم الوثنية نادى بالولاء والبراء كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨] تتوارثها أجياله من الأنبياء وأتباعه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨] وهي كلمة (لا إله إلا الله) المتضمنة والمشتملة على حقيقة الولاء والبراء، ولا تزال هذه العقيدة عقيدة الولاء والبراء باقيةً تتوارثها أجيال الأنبياء والمرسلين، فمن هنا نعلم أن الولاء والبراء ليس أمراً جديداً جاء في شريعة محمد ﷺ ، بل هو أمر قديم، بل هو دين الأنبياء والمرسلين جميعاً؛ لأن جميع الأنبياء والمرسلين دينهم واحدٌ وهو إفراد الله وتوحيده بالعبادة، وهذا يقتضي مقاطعة أهل الشرك وأهل الكفر وأهل الأوثان وأهل الجاهلية ولم يتخلف عن ذلك نبي من الأنبياء.

стр. 966

سورة الكافرون أصل في البراءة من الكافرين ظل الأنبياء يضربون بمطارق النبوة هامات الخرافة والذلة لغير الله، ويلهبون بسياط التجرد الخالص لله كل من عاداهم، أو أراد أن يذوب هذه المسألة، لقد حاولت قريش عبر المفاوضات الدبلوماسية الطويلة، وقدمت العروض من أجل أن تنال شيئاً يفت في قضية الولاء والبراء قالوا: يا محمد! اعبد ربنا سنة ونعبد ربك سنة، فماذا كان منه ﷺ ، وقد أنزل الله عليه قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]. فقضية الولاء وقضية البراء وقضية الفيصل الفارق الواضح البارز الجلي بين الحق والباطل، بين الإسلام والجاهلية؛ لابد أن يكون واضحاً بيناً لا يلتبس على أحد أبداً، لقد حاولوا كل شيء، حتى عرضوا على النبي ﷺ الملك والرئاسة والجاه والسؤدد بعد أن عرضوا الأموال والنساء، وكل ما استطاعوا أن يبذلوه، فلما عرضوا عليه الملك والرئاسة، قد يقول قائل: لماذا لا يجاملهم فترةً حتى يكون ﷺ رئيساً زعيماً وملكاً على قريش، ومن ثم بمقتضى السلطة ومقتضى قوة الرئاسة والزعامة يستطيع أن يأمر وينهى فيهم؟ حتى هذا الأمر لم يقبله ﷺ ، بل قال كما جاء في السيرة: (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أن تندق هذه السالفة) أي: فالمسألة لا تحتاج إلى تفاوض، أو هدنة، أو تأجيل، أو مراحل، نجامل الكفار هذه السنة ثم بعد ذلك نفاصلهم أو نعلن البراء منهم، لا. مسألة البراء لابد أن تكون جلية واضحة، لا يقبل فيها أي عروض، أو أي مفاوضات تماماً. ونبينا ﷺ اعتنى غاية العناية بهذه المسألة، بل لقد جاء عنه ﷺ فيما رواه أبو داود في سننه: (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، ألا لا تراءى ناراهم) وهذا الحديث يحسنه بعض أهل العلم، وهو في الحقيقة حجة على كل مسلم ظل يعيش في بلاد الغرب بلاد الكفر دون حاجة أو مصلحة أو ضرورة على تفصيلات سوف يأتي بيانها. أيها الأحبة: إن كون كثير من الناس اليوم أصبحوا بسبب التضليل الإعلامي لا يعطون قضية الولاء والبراء نصيبها من الإدراك والتأمل، وحظها من السلوك والمعاملة، فإن هذا لا يعني أن القضية أصبحت ميتة، إن الذهب يبقى ذهباً وإن لم يحصل عليه الفقراء، وإن الشهد يبقى شهداً وإن لم يستطع المرضى أن يتناولوه، فقضية الولاء والبراء قضية مهمة حتى وإن جهلها من جهلها، أو غفل عنها من غفل عنها، وحسبنا أن كلمة (لا إله إلا الله) التي نرددها في ذكرنا وعباداتنا وصلاتنا هي في الحقيقة مشتملة على الولاء والبراء، ومن لوازمها مسألة الولاء والبراء، والتطبيق العملي الواقعي لكلمة التوحيد لا يتحقق إلا بالولاء والبراء، وحسبنا أن نعلم أن كتاب الله قد امتلأ بهذه المسألة، وعلى سبيل المثال من هذه الآيات: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:٢٣]. وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] فمسألة الولاء قد امتلأت بها آيات القرآن، ولا نظن أنها مسألة نادرة، أو جزئية، أو مسألة شكلية، وإذا تأملنا أنها تناولت البراء من الكفار عامة، وحتى لا يبقى في ذهن أحدٍ أدنى شبهة من أن من كان قريباً أو نسيباً أو تربطنا به صلة رحم أن مسألة البراء يستثنى هو منها، بل جاءت الآية: ﴿لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ﴾ [التوبة:٢٣].

стр. 967

أدلة واضحة في الولاء والبراء فقضية الولاء والبراء قربت بلالاً الأسود، وأقصت أبا لهب الأحمر، وقضية الولاء والبراء قربت صهيباً الرومي وأبعدت أبا جهل القرشي المخزومي، وقضية الولاء والبراء قربت سلمان الفارسي وأبعدت كل نسيب وكل حسيب من أرومة قريش أو من جرثومتها. إذاً: فحتى القرابات والأنساب والمصاهرات، والخئولة والعمومة، والأبوة والبنوة ينبغي أن تتحطم أمام مسألة الولاء والبراء إلا في حدود ما شرع الله من الصلة الداعية إلى الإحسان بقصد الدعوة والقربى إلى الله ، يقول أحد أئمة الدعوة النجدية الشيخ / حمد بن عتيق ﵀ من أئمة الدعوة السلفية، يقول: إنه ليس في كتاب الله تعالى حكمٌ فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم وهو الولاء والبراء؛ بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده، وقد أوجب الله علينا موالاة المؤمنين ومحبتهم ونصرتهم، كما أوجب علينا البراءة من المشركين وبغضهم وعداوتهم، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١] وخص أهل الكتاب أيضاً، فهناك آيات تنهى عن موالاة الكفار عامة، وآيات تنهى عن موالاة الكفار أهل الكتاب على وجه الخصوص، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] بل إن من في قلبه صريح الإيمان وصادق اليقين، لا يمكن أن يقبل بأن يساكن قلبه موالاة للكافرين أبداً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:٢٣]. ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. من كان في قلبه صريح الإيمان وصادق اليقين بالله وبرسوله، فلا يمكن أن تسكن قلبه موالاة للكفار حتى ولو كان هذا الكافر أباً أو ولداً، قريباً أو نسيباً، وقد جهل كثير من المسلمين اليوم هذه المسألة حتى بتنا -ويا للأسف- نسمع في بعض المناسبات من يقول: الكفار إخواننا، اليهود إخواننا، النصارى إخواننا، سبحان الله العلي العظيم! يشرفنا الله فيرفعنا فوقهم، فنصر إلا أن نكون أذلاء لنكون بجوارهم ومقامهم، بل إن الكفار كما أخبر تعالى يتمنون أن ننزل إلى حضيض مستنقع مستواهم، اليهود والنصارى يتمنون أن ننزل بترك الإيمان والسقوط في الكفر إلى مستواهم، ولذا قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]. الذي يتمنى أن يساويك بنفسه لاشك أنه إنما يريد أن ينتشلك من الحضيض ليرتفع بك إلى الأعلى، والكفار لا يتمنون لنا أن نرتفع إلى مستواهم لا في صناعة، ولا في زراعة، ولا في تجارة، ولا في سياسة، ولا في قيادة، ولا في ريادة، ولا في اقتصاد، ولا غير ذلك، إذاً بقي شعورهم بأننا فقط بالإيمان أعلى منهم، فيتمنون أن نكفر كما كفروا: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] يتمنون أن نهبط من مستعصم مواقعنا وعزةٍ شماء نرتفع إليها بسبب تعلقنا بديننا، يريدون أن نهبط إلى مستواهم، فإذا كان الله يكرمنا ويذلهم، ويرفعنا ويدنيهم، ويجعل مقامهم وضيعاً، فلماذا نصر ونقول: هؤلاء إخواننا، ولماذا نصر ونقول: هؤلاء وهؤلاء؟ يا أخي الحبيب! ليسوا لنا بآل، وليسوا لنا بإخوة، وليسوا لنا بأولياء، حتى وإن حصل بيننا وبينهم تعامل، حتى وإن حصل بيننا وبينهم أمور، فإن ذلك مفصلٌ أحكامه في بابه، لكن لا يعني ذلك الرضى بقوتهم بأي حال من الأحوال.

стр. 968

وجوب موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين وكما أن الله سبحانه حرم علينا موالاة الكفار، فقد أوجب علينا موالاة المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦] وقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] وواقع بعض المسلمين اليوم أن تراهم مؤدبين طيبين لينين، رفقاء بالكفار أشداء على المؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إما جهلاً وإما تأولاً باطلا، والله قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فالمؤمنون إخواننا في الدين والعقيدة وإن تباعدت الأنساب والأوطان والأزمان كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. ما الذي يجعلنا نحب خالد بن الوليد وأبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن تيمية وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل والشافعي والإمام مالك وإبراهيم النخعي، وأقواماً لم نعرفهم وبيننا وبينهم قرون؟ ذلك هو الولاء الذي لا يقف عند حاجز الزمن، فمن سبقنا بالإيمان أحببناه، والذين يجيئون بعدنا نحبهم، وإن كانوا لا يزالون في أرحام النساء أو في أصلاب الرجال، هذا مقتضى الولاء، ومن عاش من الكفار على ظهر الدنيا، فإننا نبغضه حتى وإن لم يقتل لنا قريباً، أو يسطو لنا على منزل، أن يكون بيننا وبينه معركة بأي حال، والكفار الذين لا يزالون في أصلاب الرجال أو أرحام النساء، فإننا نبغضهم ونكرهم.

стр. 969

الولاء والبراء أوثق عرى لا إله إلا الله عقيدة الولاء ترتبط بلا إله إلا الله منذ أن نزلت على هذه الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا شيء يحبس ولاءنا للمؤمنين، الموالاة للمؤمنين لا تحبسها لغة، فنحن نحب الأعاجم من المسلمين الذين لا يعرفون من العربية حرفا إلا الفاتحة والشهادة وبعض الأحكام التي لابد من العربية فيها، ونحن أيضاً نحب أقواماً تفصل بيننا وبينهم البحار والمحيطات، ونحب أقواماً ليس بيننا وبينهم من القرابات والأنساب شيء: إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ أو يختلف نسبٌ يؤلف بيننا دينٌ أقمناه مقام الوالدِ هذه من أهم الأمور وأهم القضايا، وبناءً على ذلك: فإذا شجر بين المسلمين قضايا في باب الاقتصاد، أو في باب السياسة، فينبغي لعامة المسلمين ألا يتدابروا ولا يتقاطعوا بسبب تقاطع الأنظمة أو تقاطع الحكومات. أي: فلو أن حرباً وقعت بين دولتين مسلمتين، فإن هذا يعني ألا نتبرأ من إخواننا المسلمين، وألا يفضي بنا ذلك إلى بغضائهم وكراهيتهم، بل يبقون إخواننا ويبقون أحبابنا، وما ذنب إخواننا إذا تسلط عليهم من قال الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨] فهذه مسألة مهمة جداً؛ لأن بعض الناس يظن أن مسألة الولاء والبراء مسألة جغرافية، فما كان داخل الحدود الجغرافية شمالاً وشرقاً وجنوباً وغرباً فإنه يستحق الولاء، وما كان خارج الحدود إن كان بيننا وبينه حرب أو معركة معينة، فلا يستحق الولاء، لا. يبقى المسلم مستحقاً للولاء أياً كانت قيادته التي تقوده، قد تكون قيادة كافرة، أو ظالمة جائرة، أو قيادة مستبدة، لكن حتى وإن أوذينا من قبل قيادته، لكن الولاء بيننا وبين هذه الشعوب المسلمة لابد أن يبقى حياً يقظاً.

стр. 970

الأصل الولاء لكل مسلم والبراءة من كل كافر يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأصل الولاء لكل مسلم مهما كانت ذنوبه، والأصل البراء من كل كافر مهما كانت محاسنه. فالكفار مهما كانت إبداعاتهم وما يقدمونه من أسباب الترفيه في أمور الحياة، نعم نستفيد منها، لكن لا يعني ذلك موالاتهم، سنظل نتبرأ من الكافر والكفار، والمؤمن أياً كان الأمر لابد أن نظل نواليه بحسب ما فيه من الإيمان والطاعة، ونتبرأ مما فيه من المعصية على تفصيلٍ سوف يأتي بيانه قريباً. وهذه مسألة مهمة: إنني أعجب من بعض الشباب، مثلا: ً تراه يكره لاعباً مسلماً ويحب لاعباً كافراً لا لشيء، إلا لأن هذا اللاعب المسلم في فريق لا يشجعه، وهذا اللاعب الكافر في الفريق الذي يشجعه، وهذه مسألة خطيرة جداً، لسنا الآن نريد أن نقول: تعالوا نشجع فريقاً معيناً، لكن خطورة الأمر التي تفوت على كثير من المسلمين هو أنه يجهل أن الأصل هو البراء من كل كافر حتى وإن كان في شركتك، أو كان في النادي الذي تشجعه، أو كان في المكان الذي أنت تحبه أو ترتضيه مثلاً، والأصل الولاء لكل مسلم. فالشباب الذين يسجنون الآن في سجون انفرادية بسبب جرائمهم، أو بسبب تعاطيهم للمخدرات، لهم علينا حق الولاء فيما بقي عندهم من الإسلام والإيمان، ونتبرأ مما يفعلونه من المعاصي والمنكرات، وهم أعظم قدراً في أنفسنا من أولئك الكفار الذين لا يعبدون الله ويشركون به أنداداً ونظراء وآخرين، لابد أن ندرك هذه القضية الدقيقة حتى لا تذوب لأدنى مشكلة، أو لأدنى شائبة، ثم لنعلم أنه لابد من تلازم الولاء والبراء، فهذا مرتبطٌ بهذا، وحقيقة الولاء داعيةٌ إلى البراء، حقيقة الولاء للمؤمنين داعيةٌ إلى البراء من الكافرين، وحقيقة البراء من الكافرين داعيةٌ إلى الولاء للمؤمنين.

стр. 971

الإمام محمد بن عبد الوهاب في الولاء والبراء يقول الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀: لا يستقيم للإنسان إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. وقال ﵀ في الأصول الثلاثة: إن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢].

стр. 972

سلوكيات تقدح في الولاء والبراء وهنا سؤال إذا علمنا وأيقنا أن هذه هي منزلة الولاء والبراء، وهذه هي حقيقة الولاء والبراء؛ فيا ترى: لماذا يصر أقوامٌ بعد ذلك على الولاء للكافرين وعدم البراءة منهم، وضعف الولاء مع المسلمين، أو يوشك أن ينعدم عند بعض المسلمين الولاء، فلا يبالي بأي وادٍ هلك المسلمون ولا يسأل عنهم؟ بعض المسلمين يقع في خللٍ تجاه هذه القضية (قضية الولاء والبراء) ويمارس من السلوكيات ما يوقعه في الولاء للكافرين؛ كلٌ بحسب نوع عمله وتعامله الذي يفضي به إلى هذا الولاء مع الكفار، بعضهم يقول: هؤلاء كفار، ونحن لابد أن ندخل معهم في هذا الأمر، ولابد أن تكون لنا مكانة عندهم، وأن تكون لنا منزلة عندهم، والله قد بين هذه القضية؛ لأن الله قد خلق هؤلاء البشر ويعلم ما يدور في أنفسهم، وما سوف يقولونه منذ خلقهم إلى أن تقوم الساعة، ولذلك قال تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩] يريدون المنعة والرفعة والمنصب والمال والتسهيلات، قال الله عن الذين هدموا عقيدة الولاء والبراء من المنافقين: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩] فبعض من يوالي الكفار يقول: نحن نواليهم ولا نتبرأ منهم، نريد أن تكون لنا عندهم مكانة، نريد أن يكون لنا عندهم شأن، يا أخي الكريم! لا يمكن أن يكون لك عند الكافر شأن إلا بمقدار ما تتمسك به في دينك، أي: فبمقدار التمسك في الدين يجعل الكافر يحسب لك ألف حساب، ويهابك ألف هيبة، ويقيم لك أعلى وزن، وإن مجاراة الكفار وضعف البراء منهم، وذوبان الولاء فيهم يجعلهم يحتقرونك حتى وإن ضحكوا وابتسموا ابتسامةً صفراء. إذا رأيت نيوب الليث بارزةً فلا تظنن أن الليث يبتسم قد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هي قضية فلسطين الآن كم قدم المسلمون فيها من تنازلات؟ ولو ذهبت تستقرئ التاريخ من ثمانية وأربعين إلى سبعة وستين إلى ثلاثة وسبعين إلى أوسلو وقبلها مدريد وغير ذلك، الآن رغم كل هذه التنازلات تأتي شركة دزني بأورلاندو لتقيم مهرجانات تقرر فيها أن القدس عاصمة يهودية، ماذا يفعل هؤلاء؟ كل هذه المفاوضات وكل الأعمال والتنازلات والأمور التي حرصنا أن نقترب بها، أو نصلح القضية بها، أو نصل إلى ما يسمى بالسلام، والأرض مقابل السلام إلى آخر ذلك ما قدمت شيئا، لا يزالون على مبدأ خذ وطالب، خذ وطالب، خذ وطالب، وحسبكم أن المؤمنين في فلسطين الآن والمجاهدين المسلمين المساكين في كربٍ شديدٍ لا يعلمه إلا الله، سواءً في الأراضي الفلسطينية التي تسمى تحت الحكم الذاتي، أو في مناطق الانتشار اليهودي، فإذاً ينبغي أن نعرف أن مسألة البراء من الكفار هي التي تجعل الكافر يحسب لك ألف حساب.

стр. 973

أسباب تميع قضية الولاء والبراء

стр. 974

ضعف الإيمان سبب في ذوبان الولاء والبراء إن بعض الذين يتولون الكفار، أو يميعون مسألة الولاء والبراء سبب وقوعهم في ذلك: ضعف إيمانهم، كما أخبر تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١] الفسق والخروج عن الجادة والصراط المستقيم والصواب والحق الذي لابد منه. أقول: إن ضعف الإيمان من أسباب ذوبان قضية الولاء والبراء، وكما أخبر تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١].

стр. 975

الخوف والخشية من الكفار كذلك من الأمور التي أوقعت بعض المسلمين في نسيان وذوبان قضية الولاء والبراء: الخوف والخشية من الكفار، نخاف المقاطعة، نخاف من أذية، نخاف من كذا، نخاف من كذا، نعم المسلم يحسب لأعدائه حساباً ولا يتساهل، ويعد العدة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] لكن إن كنت تظن أن تذويب الولاء والبراء يعصمك من أذية الكفار، فاعلم أن الأمر كما أخبر تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] كان أناسٌ من العرب إذا نزلوا في أودية موحشة، واستوحشوا المكان، قالوا: إنا نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يعني: ما يستعيذون بالله، ما يلوذون بالله، بل يلوذون بكبير الجن (بالشيطان أو بالمارد) يقولون: إنا نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فما الذي يكون؟ الشياطين عندما يجدون هؤلاء العرب يستعيذون بالجن من دون الله، يقولون: تعالوا، هؤلاء قومٌ ضعفاء تسلطوا عليهم، فيزدادون عليهم تسلطاً وإرهاقا، كما أخبر تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]. كلما ازداد لياذ المسلمين بالكافرين، ازداد الكافرون لهم رهقاً وإذلالاً وتجويعاً وتشريداً، لكن الكفار لا يفرقون بين الجنسيات، اليوم تجويع في العراق، وهنا ضرب في السودان، وهنا فعل في داغستان، وهنا إبادة في الشيشان، الكفار لا يعرفون تمييزاً بين جنسية وجنسية أخرى. فإذا علمنا تمام العلم أن الركون إلى الكفار، أو أن ذوبان قضية الولاء والبراء لا تنفعنا أمامهم، بل إن ذوبان القضية بدعوى أننا نخشى منهم هي في الحقيقة مدعاة لمزيد تسلطهم علينا، يتسلطون علينا وعلى أموالنا، على أولادنا، ولذا قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة:٥٢] فبين تعالى أنه لا يذوب قضية الولاء والبراء ويسقط في مآسٍ الموالاة للكافرين إلا من في قلبه مرض: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة:٥٢] لماذا تسارعون فيهم؟ ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢] وعسى من الله واجبة، والحمد لله لقد جاء فتح مكة، وأصبح مرضى القلوب (أهل الظنون الفاسدة) على ما أسروا في أنفسهم نادمين. فكذلك الآن إذا سئل من سئل عن هذا التهافت والتساقط والانبطاح أمام الكفر، وقيل له: لماذا؟ يقول: نخشى أن تصيبنا دائرة، مثل ما قالت قريش لما جاء نهي النبي ﷺ ونزلت سورة براءة ألا يحج البيت مشرك، وألا يطوف في البيت عريان، ومنع المشركين من قدوم البيت، قالوا: هذا ربما يضر بالاقتصاد، هذا يمنعنا، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:٢٨] أي: ما أغناكم إلا هؤلاء الكفار الذين يطوفون بالبيت عراة، هؤلاء الذين تنتظرون قدومهم عراةً بأنجاس الشرك والوثنية، وترضون ببقائهم جوار البيت حتى تضمنوا استمرار التدفق الاقتصادي أو المالي الذي تجنونه من ورائهم؟ وكذلك كل من عصى الله بمعصية وهو يرجو وراءها من المطامع المالية، والله لا تزيده إلا رهقا، ولا تزيده إلا نقصاً وخسارة، سواءً كان ذلك من الأمر الظاهري، أو الأمر الباطني، ومن هنا نعلم أن كل شيء لا نستجلبه بما يرضي الله، فإنه ينقلب علينا بعد سخط الله بنقيض ما قصدناه وأردناه. على سبيل المثال: السياحة، السياحة أمرٌ جيد إذا أردنا أن نحول دون تدفق الناس إلى الخارج ليكون سواحنا في أرضنا، وإنفاق السواح يعود إلى بلادنا وتقوية اقتصاد وطننا، هذا شيء جيد جداً، لكن هل من ذلك أن نجعل في السياحة من معاصي الله ونرضاه حتى نقول من أجل أن تتدفق إلينا الأموال؟ لا. لأننا ما اعتمدنا على السياحة في اقتصادنا، بل على فضل الله الذي أنعم علينا وأعطانا وأكرمنا وآوانا، لا بكدنا ولا بكد آبائنا وأجدادنا، نعم الآباء والأجداد والقادة والسادة والأمراء والعلماء الذين سلفوا، وموحد هذه الجزيرة عليه شآبيب الرحمة وأسكنه الله فسيح جناته الملك/ عبد العزيز له علينا حق الدعاء بالمغفرة والرحمة والجنة لما كان له من دور يدركه الآباء والأجداد، وبضدها تتميز الأشياء، لكن هذه الخيرات التي تدفقت، بماذا؟ بفضل من الله، ثم بالتوحيد والعقيدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن حافظنا على العقيدة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح المجتمع، تستمر هذه الخيرات، وإذا أردنا أن نظن أن مزيداً من الخيرات سوف يأتينا، أو معالجة أي مشكلة سوف تأتينا بمعصيةٍ نرتكبها في أي مسمى، أو في ظل أي شعار، فإن ذلك لن ينقلب علينا إلا بنقيض ما أردناه بعد سخط الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إذاً فالذين لا يتبرءون من الكفار، ولا يوالون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، فأولئك على خطر عظيم؛ لأن الأمر بيد الله، وإليه يرجع الأمر كله، فينبغي ألا نخشى أحداً إلا الله .

стр. 976

إبراهيم ﵇ قدوتنا في البراءة من الكافرين إن موقف إبراهيم ﵇ في براءته من الشرك وأهله لموقفٌ حريٌ بالتأمل والتدبر كما قال ابن القيم ﵀ في الجواب الكافي: لا تصفو الموالاة إلا بالمعاداة، وكما قال تعالى عن إمام الحنفاء أنه قال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧] فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة، أعني: من الكفار، فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بعد البراءة من كل معبود سواه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨] أي: جعل هذه الموالاة والبراءة من كل معبود سوى الله كلمةً باقيةً يتوارثها الأنبياء بعضهم عن بعض وأتباع الأنبياء يتوارثونها أيضاً، وهي كلمة: لا إله إلا الله، ولم يخش منهم، ولم يخش مقاطعتهم، ولم يطلب عندهم شيئاً من العزة، فاستحق ﵇ بالتزامه بعقيدة الولاء والبراء أن جعله الله أمَّة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] وجعله الله إماماً يقتدى ويتأسى به: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. وبلغ من براءة إبراهيم ﵇ من المشركين وشركهم أنه فارقهم ببدنه كما خالفهم بقلبه وعقيدته، كما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ [مريم:٤٨] أي: سأجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، وأدعو ربي أي: أعبده وحده لا شريك له عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً، فانظروا إلى تضحية إبراهيم بالوطن، وتضحيته بمراتع الصبا من أجل الولاء والبراء، وانظروا إلى تضحيته بالقرابات والوشائج والصلات من أجل الولاء والبراء، فأورثه الله بركةً وخيراً، وعوضه الله بها بدلاً من الخلطة السيئة للمشركين ولده إسحاق وولده يعقوب، وأنعم عليه في ذريته بالنبوة، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء:٧٢] وقال مبيناً عقبى وبركة الفرار في الدين لما اعتزلهم، لما حقق الولاء لله والبراء من المشركين من قومه: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ [مريم:٤٩].

стр. 977

مظاهر موالاة الكافرين

стр. 978

الرضا بكفرهم وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أيها الأحبة: إن من مظاهر موالاة الكفار: الرضا بكفرهم وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذاهبهم الكافرة، وهذا لا يحتاج إلى دليل، فالرضى بالكفر كفر، ومن لم يكفر الكافر فقد كفر. مسألة خطيرة أن نجامل أو نداهن في مسألة تكفير الكافر، وللأسف أن نسمع من بعض الطلاب يقول: إنه سمع بعض المدرسين، أو قرأ، يقول: لا يمكن أن نسمي هؤلاء اليهود أو النصارى كفاراً: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] إذا لم يكن هؤلاء الكفار، فمن هم الكفار إذاً، الوحوش والزرافات والنعام؟! إذا لم يكن هؤلاء اليهود والنصارى هم الكفار الذين أمرنا بالبراءة منهم، وكتاب ربنا وسنة نبينا مليئة بالأحكام التي تضبط تعاملنا معهم بدقة، وضرورة الإعداد في مواجهتهم، فمن هم الكفار إذاً؟

стр. 979

اتخاذهم أعواناً وأنصاراً وأولياء ومن مظاهر موالاة المشركين: اتخاذهم أعواناً وأنصاراً وأولياء، أو الدخول في دينهم، قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨]. قال ابن جرير: من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين؛ فليس من الله في شيء، أي: قد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. وقال أبو محمد بن حزم ﵀: صحَّ أن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] إنما هو على ظاهره بأنه كافرٌ من جملة الكفار، يعني: من والى الكفار وظاهرهم على المسلمين وأعانهم على المسلمين، فلا شك أن هذا من أسباب المروق من الملة ونقض الشهادة والدخول في الكفر، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أخبر الله في هذه الآية أن متوليهم منهم.

стр. 980

الإيمان ببعض ما هم عليه أو التحاكم إليه كذلك من صور موالاة الكفار: الإيمان ببعض ما هم عليه، أو التحاكم إليهم دون القرآن، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠] وقد يقول قائل: هل يعقل أن مسلماً يتحاكم إلى الكفر؟ نعم. في جولات متعددة في بلاد الغرب، ومقابلة بعض إخواننا المسلمين فرج الله عنهم من الجالية المسلمة المقيمة في الغرب، تجد أن منهم من إذا صار بينه وبين مسلم آخر شجار أو نزاع، فإنه يقاضيه ويشكوه ويتحاكم معه لدى محكمة كافرة؛ لأن حكم القانون الوضعي يحقق له من الربح المادي والعوض المالي أضعاف ما يمكن أن يستحقه حينما يحكم له إمام المركز الإسلامي بحقه. أو مثلاً: امرأة مسلمة، ربما تتحاكم ضد زوجها في قضايا مدنية غربية كافرة، ومعلومٌ شرعاً أنها لا تستحق مثلاً من النفقة إلا كذا، ولأولادها إلا كذا، لكن القانون الوضعي يحسب إلى مدة، ويحسب إلى مال، ويحسب إلى ثروة، ثم تجد المرأة المسلمة تقاضي وتحاكم زوجها لدى المحاكم الغربية الكافرة، وهذا لا يجوز أبداً، بل هذا من موالاة الكافرين، لا يلزم من موالاة الكافرين أن تمسك يد كافر وتقعد تقبل يده، كونك تذهب لتقاضي مسلماً مسلماً عند قاضٍ كافر، هذا من موالاة الكفار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 981

التشبه بالكفار في الملبس والكلام كذلك من مظاهر موالاة المشركين: التشبه بهم في الملبس والكلام وغيره، ولأن التشبه بهم في الكلام والملبس وغيره يدل على محبة المتشبه به، ولهذا قال ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، يعني: الصراط المستقيم الذي أنت تدعو الله أن يهديك إليه كل يوم في المفروضات سبع عشرة مرة في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] في كل ركعات الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، اقتضاء الصراط المستقيم هذا أن تخالف أصحاب الجحيم، فلا تتشبه بهم البتة فيما هو من خصائصهم، أما ما أصبح عاماً ليس من خصائصهم، فلا يدل ذلك على موالاتهم، فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم وسمتهم وأخلاقهم وما يقعون فيه، وللأسف الآن أصبح بعض المسلمين يتشبه بهم حذو القذة بالقذة، كما قال ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه). مرة من المرات لقيت شاباً في ولاية اسمها ساندياجو على حدود المكسيك، فسلم علي بعد محاضرة أقيمت، ولكن لفت نظري أن له ظفيرة وعليها ثلاث ربطات، فقلت: هذه فتاة التزمت وحضرت المحاضرة، فلما دنا، عرفني بنفسه، فإذ به يتلكم العربي واللهجة التي أعرفها تماماً، ما شاء الله! من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان من المكان الفلاني والحي الفلاني، قلت: يا سبحان الله! ما الذي حدث لك حلقت شاربك على لحيتك، وعصبت شعرك؟ فأخذ يبتسم، وقال: لا. أنا جئت وسكنت مع مجموعة من الطلبة والطالبات في دورات لغة ودورات أخرى. انظروا خطورة الاتصال الذي لا يسبقه مناعة وحذر من الموالاة، يقع الإنسان في التشبه مباشرةً من حيث لا يشعر، انظروا إلى ما في قلبه أيضاً، انظروا إلى الجانب الطيب في شخصيته أنه جاء ليحضر المحاضرة، وجاء ليشهد معنا الصلاة جماعةً، فهذه من الأشياء التي يشكر عليها أنه قدم واستمع إلى المحاضرة، وجاء يسلم وشكر واستفاد، لكن مسكين نسي أنه في حال منكرة من هذا الحال الذي هو عليه، تشبه بالكفار تماماً، حلق لحيته وشاربه، ما كنا نرى ونعرف أن الشباب يعصبون شعرهم ويجعلونه ظفيرة واحدة ويربطون عليه بكله إلا لما فعل الكفار ذلك، وأصبحت -للأسف- ترى أن من شباب الإسلام اليوم من يفعل ذلك، بل وأصبح من ذلك التشبه بالنساء ليس تشبهاً بنسائنا، لكن تشبهاً بشباب الكفار هناك لما وضعوا الأقراط، القرط يضعه بعض الشباب في أذنه، وبعضهم يضع قرطين، وبعضهم يلبس القلادة والسلسلة، من أين جاء هذا؟ من ضعف الولاء والبراء، وإلا أمة لا تسجد لله وتكفر بنعم الله وتتسلط على أولياء الله وتجوع شعوب المسلمين، هل يستحقون أن تشابههم؟ تصور أن قبيلةً من القبائل مثلاً غزو أهلك وجماعتك وقبيلتك، وذبحوكم وآذوكم، وفتكوا فيكم شر الفتك، وهذه القبيلة لها سمتٌ معين في شعرها، وسمتٌ معين في لباسها، وسمتٌ معين في هيئاتها، أفتظن أنك يا ولد القبيلة التي نحرت وذبحت وأوذيت وجوعت وطردت وشردت تقبل أن تتشبه بهم، أو ترى أحداً من قبيلتك يتشبه بتلك القبيلة الذين آووك وذبحوك وشردوك وطردوك؟ الجواب لا. فلماذا يتشبه أبناؤنا بهؤلاء الكفار الذين لم يألونا خبالاً؟ لماذا يتشبه أبناء المسلمين بهؤلاء الكفار الذين هم أنفسهم لا يرون لنا قدراً ولا وزناً؟ هذا الفنان الغربي الذي يسمى مايكل جاكسون قيل له: إن العرب يعجبون بأغانيك، قال: لو علمت أن العرب يسمعون غنائي لغنيت للخنازير ولا أغني للعرب، انظر إلى أي درجة بعض المسلمين يتعلقون في محبة من لا يرى لهم قدراً، ويتعلقون بأقدام من لا يراهم إلا كالصراصير والجرذان والفئران، فيا عجباً كيف تتعلق بمن لا يراك إلا حشرة؟! وكيف تتشبه بمن لا يراك إلا نقيصة؟! وكيف تتبع وتقلد من لا يراك شيئاً أبداً؟! تلك وايم الله من العجائب والمشكلات. إذاً فالتشبه بالكفار بهذا السمت من دلائل التأثر بهم، أو تحقق نوع موالاة لهم.

стр. 982

الإقامة في بلد الكفار والركون إليهم أيها الأحبة: ومن صور موالاة الكفار: الإقامة في بلدهم والركون إليهم، وعدم الانتقال من ديارهم إلى بلد الإسلام لمن تيسر له ذلك لأجل الفرار بالدين؛ لأن هناك من المسلمين من اضطر إلى البقاء في دار الكفار اضطراراً، فلم يجد بلداً تؤويه، وقد أهدر دمه، أو خشي على دينه، وأصبح في حال لا يأمن فيها على نفسه وعرضه في بعض بلاد الإسلام، فاضطر اضطراراً أن يهاجر ليفر بنفسه وعرضه ودينه. إن خطر ذوبان المسلمين في مجتمع الكافرين لا يستطيع أحد أن يتصوره، بل لا يصفه لسان ولا يخطه قلم، فالإقامة في بلدهم وعدم التحول منها لمن قدر على ذلك يعتبر من موالاتهم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:٩٧] يعني: الذين جاءت الملائكة لتقبض أرواحهم وهم لا يزالون في مكة، والعبرة في الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهؤلاء الذين نزلت بهم المنية وحل بهم الموت ولم يهاجروا مع النبي ﷺ ، وقد أذن الله لنبيه وأتباعه بالهجرة، نزلت بهم هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٩٧ - ٩٩] فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كانت في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله، ونشر الإسلام في بلادهم، فلا شك أن إقامته مما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة، لكن البقاء بين كثرتهم الكاثرة مع كثرة الإمساس وقلة الإحساس تقلل العداوة، وتذيب حديد البراء، وتؤثر على سلوكيات المسلم الخلقية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى أقل إيماناً من غيرهم؛ لأن الإنسان اجتماعي ومدني بطبعه، وهذه جبلة جبل الله عليها بني آدم، فكثرة المساس والمخالطة تفقد الإحساس، لا سيما إذا كان الذي يخالطهم لا يحمل هدفاً في دعوتهم وبيان الحق الذي شرعه الله ، وهذا معلوم، بل إن الإنسان إذا عاشر بهيمة من البهائم تأثر بطباعها، فمن عاشر نوعاً من البهائم اكتسب بعض طباعها، ولذا صار الفخر والخيلاء في أهل الإبل، وصارت السكينة والوقار في أهل الغنم، وصار أصحاب الجمال والبغال فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق البغال والجمال، بل وصار الحيوان إنسياً ووحشياً فيه بعض أخلاق الناس من المعاشرة وقلة النفرة، ولأجل ذلك قال ﷺ -وصدق بأبي هو وأمي-: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد وأبو داود. فإذا كان الأمر كما نسمع، فما بال أقوام لازالوا يعزفون على وتر النشاز، ويعقرون عقائرهم بنداءات مرفوضة وليست بمقبولة، بدعوى التقارب والتآلف والتآخي إلى آخره مع هذه الشعوب الكافرة، نعم. نحن لا ندعو إلى ظلم أحد، لكن لا ندعو المسلمين أن يذيبوا مسألة الولاء والبراء، لقد قال ﷺ : (من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله) رواه أبو داود والترمذي، فلا تجوز مساكنتهم في ديارهم وتكثير سوادهم، وقد قال ﷺ : (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، ألا لا تراءى ناراهما).

стр. 983

اتخاذ الكفار مستشارين من دون المؤمنين كذلك من صور الولاء: اتخاذ الكفار مستشارين من دون المؤمنين، اتخاذهم بطانة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران:١١٨ - ١١٩] والتقدير: تؤمنون بمحمد وعيسى وموسى، وهم طبعاً لا يؤمنون بمحمد: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] بطانة الرجل: خاصته، سميت البطانة بطانة تشبيهاً ببطانة الثوب التي تلي البطن، يعني: من جعل أحداً بطانةً، فهو يستبطن أمره، وهذه البطانة تطلع منه على ما لا يطلع عليه غيره، وقد بينت العلة في النهي عن مباطنتهم في القرآن: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: العلة في النهي عن اتخاذ الكفار بطانةً وأولياء لأنهم لا يألونكم خبالا، يعني: لا يقصرون في أذيتكم وما يجركم إلى الخبال والوبال، ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد، ثم إنهم يودون عنتكم ومشقتكم والضرر والهلاك بكم، ثم إن العداوة التي ظهرت منهم دليلٌ واضح على ما يكنونه في أنفسهم، فحينئذٍ لا يجوز أن يكون الكفار بطانةً من دون المؤمنين، فالقرآن يبين لنا دخائل الكفار ويحلل نفسياتهم وما يكنون وما يضمرون من بغض وكيد وخيانة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين لإيقاع الضرر بهم. روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري، قال: [قلت لـ عمر بن الخطاب: لي كاتب نصراني، فقال عمر: ما لك قاتلك الله؟! أما سمعت قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] ألا اتخذت حنيفاً؟ يعني: مسلماً، قلت: يا أمير المؤمنين! لي كتابته وله دينه، فقال عمر: لا أكرمهم وقد أهانهم الله، ولا أعزهم وقد أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله]. وروى الإمام أحمد ومسلم أن النبي ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرة، فقال: (إني أردت أن أتبعك وأصيب معك، فقال ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال: ارجع فلن أستعين بمشرك) ومن هذه النصوص يتضح لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين الذين يتمكنون بواسطتها الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١]. ومن عجبٍ أيها الأحبة! ما وقع في هذا الزمان من تساهل الكثير من المسلمين في جلب الكفار إلى بلاد الإسلام وإلى جزيرة العرب خاصة، وجعلهم عمالاً وسائقين ومستخدمين ومربين وبطانةً وغير ذلك، والنبي ﷺ يقول: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).

стр. 984

مداهنة الكفار والركون إليهم ومجاملتهم أحبتنا في الله: الحديث في صور موالاة الكفار كثير، ومن صور موالاة الكفار: الركون إليهم ومداهنتهم ومجاملتهم على حساب الدين، والاستغفار لهم والترحم عليهم، والثناء عليهم، ومشاركتهم في أعيادهم، والمساعدة في إقامة هذه الأعياد، وطاعتهم، ومجالستهم، والدخول عليهم في وقت يستهزئون فيه بآيات الله، والله يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]. ومن صور موالاتهم: مودتهم ومحبتهم ومعاونتهم على أذية المسلمين، ومعاونتهم على ظلمهم ونصرتهم والتسمي بأسمائهم. بالمناسبة: الآن بعض المسلمين أصبح يبحث عن قاموس الأسماء والكنى ثم لا يثق فيه ولا يجد فيها اسماً لولد أو بنت، لكنه يتحرى أن يسمي ولده أو ابنته باسم كافر، ويفتخر والعياذ بالله، بل بعض المسلمين الذين ذهبوا في مجتمعات الغرب يفتخر أن ولده لا يعرف من العربية شيئاً، ويفتخر أن ولده يجيد رطانة الكفار. نكتفي بما سبق، وأسأل الله أن يحقق لنا ولكم في قلوبنا البراءة الحقة من الكافرين، والموالاة الصادقة لإخواننا المؤمنين المسلمين، وإن كان بقية العناصر تتعلق في صور موالاة المسلمين، وما يجب للمسلمين من الموالاة، لكن لعل الشق الأول قد أخذ كل وقت هذه المحاضرة. أسال الله بمنه وكرمه أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعله حجةً لنا لا علينا، اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك يا رب العالمين، نسألك اللهم لنا ولإخواننا ولأخواتنا في هذا المكان، وآبائنا وأمهاتنا ألا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا تائباً إلا قبلته، اللهم استعملنا في طاعتك، وتوفنا على أحسن حال ترضيك عنا يا رب العالمين. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه، وجزاكم الله خيراً.

стр. 985

الأسئلة
следующие страницы →