Полный текст (673 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الفنون العلمية وجود الخط وتوسع في الحديث والتفسير وقرأ عليه أبو يزيد ابن السلطان مراد العثماني واكسبه مالا عريضا عظيما ثم دخل زبيد سنة ٧٩٢ فتلقاه الملك الأشراف إسماعيل وبالغ في إكرامه وصرف له ألف دينا وأمر صاحب عدن أن يجهزه بألف دينار أخرى وتولى قضآء اليمين كله وقرأ عليه السلطان فمن دونه واستمر بزبيد عشرين سنة وقدم مكة مرارا وجاور بها وأقام بالمدينة المنورة وبالطائف وعمل بها مآثر حسنة وما دخل بلدة إلا أكرمه أهلها ومتوليها وبالغ في تعظيمه مثل شاه منصور ابن شاه شجاع في تبريز والأشراف صاحب مصر وأبي يزيد صاحب الروم وابن إدريس في بغداد وتيمورلنك وغيرهم وكان تيمورلنك مع عتوه يبالغ في إكرامه وتعظيمه وأعطاه عند اجتماعه به مائة ألف درهم وقيل خمسة آلاف دينار وكان السلطان الأشرف تزوج بنته وكانت رائعة في الجمال فنال بذلك منه زيادة البر والرفعة بحيث أنه صنف له كتابا وأهداه له على أطباق فملأها له دراهم. وقال الإمام بدر الدين القرافي كان المصنف مكبا على التحصيل فهر فيه وبهر وفاق من حضر وغير وأخذ عه جماعة من العلمآء منهم الصلاح الصفدي والبهائي ابن عقيل والكمال الأسنوي وابن هشام اه قلت قوله أن ابن هشام أخذ عنه لا ينافي قول الشارح كما سيمر بك أن ابن هشام كان شيخه إذ يحتمل أن ابن هشام أخذ عنه الحديث وهو أخذ عن ابن هشام النحو. وقال الإمام المناوي طاف المؤلف البلاد الشرقية والشامية والحجازية ودخل الهند وما والاه (كذا) ثم رجع إلى اليمن فتلقاه الملك الأشرف إسماعيل من زبيد فبالغ في إكرامه فألقى عصا التسيار في زبيد وصنع هذا الكتاب قال وذكر عنه البرهان الحلبي أنه تتبع فيه أوهام المجمل لابن فارس وكان لا يسافر إلا وصحبته عدة احمال من الكتب فكان يخرجها في كل منزلة ينظر فيها ويعيدها إذا رحل ولم يزل ممتعا بسمعه وبصره متوقد الذهن حاضر العقل معظما في النفوس إلى أن أدركه وهو بهذه الحالة الحمام ليلة الثلثآء العشرين من شوال سنة سبع عشرة وثمانمائة بمدينة زبيد وقد ناهز التسعين واغلقت البلدة لمشهدة وكثر الأسف على فقده. قلت قول البرهان أنه تتبع فيه أوهام المجمل لابن فارس سهوفان المصنف لم يذكر ابن فارس في قاموسه إلا في ثلثه مواضع. أحدها التوث حيث قال التوث الفرصاد لغة في المثناة حكاها ابن فارس. والثاني منع حيث قال المنع محركة مشية قبيحة للنسآء كالثعآء أو هذه سقطة لابن فارس والصواب المنه لا غير. والثالث ابس حيث قال وتابس تغير أو هو تصحيف من ابن فارس والجوهري والصواب تايس بالمثناة التحتية فلعل البرهان أراد تحبير الموشين فيما يقال بالسين والشين كما تقدم عن المحشى فسبق قلمه إلى القاموس وإنما كان تحرش المصنف خاصة بالجوهري الخ. وإلى ذلك أشار بقوله في الخطبة واختصصت كتاب الجوهري الخ. هذا ولما أن اطلعت على ما كان له من الجد
стр. 72
والاجتهاد في التحصيل وكثرة ما كان عنده من الكتب والمطالعة لهما في حالتي الإقامة والرحيل أداني التروي إلى أن اعتقد أنه لم يكن لخلل كتابه من سبب سوى أنه كان ﵀ في خلال تأليفه له مشتغلا بتأليف كتب أخرى فقد ذكر له الشارح في تاج العروس نيفا وأربعين مؤلفا ما بين مطول ومختصر فكان لا يراجع ما يكتبه في القاموس وأعظم شاهد لذلك أنه لم ينسق الواو والياء في المعتل على نسق مطرد فرة يقدم الواو على اليآء ومرة يقدم اليآء على الواو وكثيرا ما يكرر اللفظة في مادتها أو يحيل ذكرها أنى موضع ولا يذكرها فيه حتى أنه ربما أثبت شيا في مادة ثم أنكر كقوله رف الطائر بسط جناحيه كرفرف والثلاثي غير مستعمل وكقوله الفاه والفوه بالضم والفيه بالكسر والفوهة والفم سوآء ج افواه وافام ولا واحد لها وكقوله الاذى واذاة واذية ولا تقل إيذآء ولذلك نظائر سيأتي تفصيلها في مواضعها وإلى هذا أي إلى عدم مراجعته ما كان يكتبه أنسب تخطئته للجوهري في مواضع كثيرة ثم متابعته إياه على ما خطأه به شان من تنازعته الأشغال وتجاذبته خوالج البال مع أن من يتصدى للتأليف في اللغة العربية ينبغي له أن يقتصر عليها ولا يشرك بها شيا فإنها كالزوج الحرة تأنف من الضرة ولو اشتغاله بتأليف كتب أخرى رأى تفضيلها على اللغة أولى وأحرى ككتب الحديث مثلا لما قال في مادة قمحش تبعا للصغاني الاقتحاش التفتيش يقال لاقتحشنه فلا نظرن اسخى هو أم لا وهذا أحد كما جآء على الافتعال متعديا وهو نادر مع أن مجيء افتعل للمتعدي أكثر منه للازم وإلا فهو يساويه حتى أنه كثيرا ما يزاحم اللازم الذي لم يشتهر عند الكتاب سواه وذلك نحو اختبأ واختتأ وارتزأ واصطحب واضطرب واعتصب وانتدب وانتشب وافتأت والتفت وانتحت وانتعت واحتث واختلج وارتاح وانتصج وانتسخ وابترد واجتهد وارتد وازداد واطرد واعتد واختمر وازدجر واشتهر واصطبر واضطر واعتذر واعتمر وافتر واقتدر وانتثر واحتجز واحتبس واخترس واختبص وانتقض واختلط وارتبط واغتبط وارتبع وارتجع وارتفع وانتفع واتضع واصطرف واعترف وانتقف واشتاق وانتطق واحتمل واختبل واختل وارتحل واشتغل واعتل وانتقل واحتشم وارتسم وانتظم واحتقن وافتتن واكتن واتزن واحتوى واختبى واختلى واختفى وارتقى وارتمى وارتوى واشتوى واكتسى واهتدى فهذه خمسة وسبعون فعلا من هذا النوع غير ما تراه متفرقا في الخاتمة إن شآء الله تعالى. ومن غرابة اختل وانتظم اختلافهما في المعنى إذا كانا لازمين واتفاقهما إذا كانا متعديين تقول اختله بالرمح وانتظمه بمعنى وربما جآء افتعل متعديا إلى مفعولين نحو افتلذه المال أي أخذ منه فلذة وافتلته الشيء أي استلبه إياه واختلسه الشيء كما في اللسان. وأغرب من ذلك أني رأيت على حاشية نسخة القاموس المطبوع بمصر قبالة الاقتتحاش عبارة منقولة من
стр. 73
الشارح ونصها قوله نادر قلد المصنف هنا الصغاني وصحف عبارته والصواب أن هذه المادة أصلها نقحش كدحرج والنون تتكون أصلية مثل نهمس وأمر منهمس وقد سبق له ذلك وباب فعلل يأتي متعديا فيقال حينئذ لا نقحشنه كادحرجنه وحينئذ فلا تدرة فيه فليتأمل اه ووجه الغرابة أن قول الشارح وباب فعلل يأتي متعديا فلا ندرة فيه مشعر بأن باب افتعل لا يكون كذلك الثاني أن قوله نهمس وأمر منهمس الذي ذكره المصنف أمر منهمس مستور دون الفعل وهو يحتمل أن يكون مطاوع همس وهو المتبادر إلى الذهن لهرة همس وهكذا رأيته في النسخة الناصرية التي سيأت وصفها مضبوطا بضم الميم وسكون النون وفتح الهآه وكسر الميم الثانية على صيغة اسم الفاعل وكذلك رأيته في النسخة الهروية ونسخة مصر التي تقدم ذكرها فلو مثل بنهثل أي عض وأكل لكان أولى ولفظه منهمس ليست في الصحاح ولا في اللسان. الثالث أنه قال أن المصنف قلد الصغاني ولم يبين في أي شيء قلده. الرابع أن المصنف لم يصحف عبارة الصغاني فأنى رأيتها هكذا في نسختين صحيحتين من العباب أحداهما في خزانة كتب أيا صوفيا والثانية في خزانة كتب المرحوم محمد باشا الكوبريلي ونصها الفرآء الاقتحاش التفتيش جآء به متعديا قال ويقال لاقتحشنه فلا نظرن أسخى هو أم غير سخي قال الصغاني مؤلف هذا الكتاب رحمه الله تعالى هذا أحد ما جآء من بال الافتعال متعديا وذلك نادر اه وبعد هذه العبارة مادة قرقش وليس في النسختين المذكورتين مادة نقحش وكلتا المادتين ليست في التهذيب ولا في المحكم ولا في الصحاح وقوله قال الصغاني مؤلف هذا الكتاب وجدته مكررا في مواد أخرى ونحو من ذلك ما في التهذيب وأقل منه ما في اللسان فأين تقليد المصنف وأين تصحيفه وبقى النظر في شيئين. أحدهما أن الفرآء فسر الاقتحاش بالتفتيش مثل له بقوله فلا نظرن الخ وهذا المعنى إنما يناسب الاختبار والامتحان لا التفتيش. والثاني هل كان الفراء أيضا ممن يرى أن مجيء افتعل للمتعدي نادر فيا للعجب كيف أن ثلثه أو أربعة من أئمة اللغة العظام قد تواطؤوا على هذا الغلط الواضح والوهم الفاضح فهلا تذكروا ما جآء من افتعل متعديا في سورة البقرة في قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] * ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] * ﴿كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [لبقرة: ١٨٧] * ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] * ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] (وهذا الحرف تكرر في سورة الكهف اثنتى عشرة مرة) ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥] * ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] * ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨] * ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٢٦] * ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢] * ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] * ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] * ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] * ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] * ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] * هذا ما جاء في صورة البقرة وحدها فما ظنك بسائر السور وكم من مرة
стр. 74
قرؤوا واتقوا الله بل ما ظنك بالألفي قلمس من العيالم الزاخرة التي جمع منها المصنف كتابه كما قال في خطبته أما افتعل اللازم فلم يأت منه في السورة المذكورة سوى قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] * ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] * ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] * ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] * ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢] * ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] * وهو دليل على أكثرية استعمال افتعل المتعدي. وأغرب مما تقدم أن المصنف بعد أن كتب بيده مئات من افتعل المتعدي ووصل إلى آخر باب الواو واليآء قال في مادة قتو واقتواه استخدمه شاذ لأن افتعل لازم البتة مع أن نفس افتعل متعد يقال افتعل كذبا ونحوه ووروده متعديا في المتعل أكثر منه في غيره من الأبواب كما ستعرف فيا لها من غفلة أو قعته في غلطتين فاحشتين. الأولى أن كثرة مجيء افتعل للمتعدي لا تخفى على أقل الطلبة فكيف قال في خطبة كتابة هذا وإني قد نبغت في هذا الفن قديما وصبغت به اديما ولم أزل في خدمته مستديما فاى نبغ واي صبغ نرى واي حاجة إلى هذا الترصيع وما نرى ثم جوهرا. الثانية أن اقتوى من قتو ليس على وزن افتعل فإن التآء فيه أصلية وإنما يكون كذلك من قوى فتقديره من قتا افعول كارعوى وادحوى واخزوى. وحكى عن ابن الخياط النحوي الذي كان من أصحاب ثعلب أنه قال لقت سنين اسأل عن وزن ارعوى فلم أجد من عرفه وقال أبو العلاء فإن قيل فما الموجود في وزن ارعوى فجائز أن يقال افعلل ولو قال قائل افعلى لكان وجها اه وهذا البنآء لا يأتي متعديا على أن قول المصنف هنا مخالف لقوله في اقتحش لأنه هناك جعل مجيء افتعل المتعدي من النادر وهنا نفاه نفيا مطلقا. وتالله اني طالما فكرت في ذهوله عن هذا ولم اهتد لسببه حتى راجعت لسان العرب في مادة قتو فرأيته قد أطال الكلام على مقتوين في قول عمرو بن كلثوم متى كنا لأمك مقتوينا إلى أن قال وسئل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن امرأة كان زوجها مملوكا فاقتوته فقال إن اقتوته ففرق بينهما وإن أعتقته فهما على النكاح قال الهروى اقتوته أي استخدمته وهو شاذ جدا لأن هذا البنآء غير متعد البتة فتبين لي أن المصنف اخطأ في فهم عبارة الهروى لأن مراده بقوله هذا البنآء بنآء افعول لا افتعل ثم إن الهروى استعمل البتة في النفي والمصنف استعملها في إثبات. والذي زاد الغرين بلة والزمين علة والذهول ضلة والغفول زلة قول المصنف في هذه المادة والمقتوون والمقاتوة والمقاتية الخدام الواحد مقتوى ومقتى أو مقتوين وتفتح الواو غير مصروفين وهي للواحد والجمع والمؤنث سوآء أو الميم فيه أصلية من مقت خدم فإن مجيء مقت بمعنى خدم لم يقل به أحد من أئمة اللغة وإنما اختلفوا في تفسيره ففسره بعضهم بالبغض مطلقا وبعضهم باشده والمصنف نفسه اقتصر على تفسيره بالبغض فكيف تغير معناه في المعتل أن في هذا لعجبا ثم هب أن الميم فيه أصلية فمن أين جآت الواو في هذه
стр. 75
الصيغ وتالله ما زلت أفكر في دعواه هذه حتى تبين لي أن منشأها الذهول عما كتبه هو بخط يده فإنه قال في أول المادة القتو والقتا مثلثه حسن خدمة الملوك كالمقتى فذهب وهمه إلى أن الميم في المقتى أصلية فاشتق منه مقت وإلا فكيف ساغ له أن يقول ان مقت خدم وفيه أيضا أنه قيد القتو بحسن خدمة الملوك وهو مطلق الخدمة كما أفاده الجوهري. وتمام العجب أن المحشى لم يخطئه في هذا ولم أر في حاشية قاموس مصر كلاما من الشارح عليه لا جرم ان افتعل المتعدي كان على المصنف كابوسا ثقيلا فأذهله عن القواعد الصرفية واللغوية وهوى به مهاوي أوهام تكررت منه مرارا فقد اسلفت أنه فك الإدغام في امتخ في مادة قسس ووزن امتر وامصر وانمس وامرط وامعط وامحق وامحى على افتعل وهو على وزن انفعل وقال في البآء في اتب تأتب به وائتب لبسه وصوابه وائتب وأخيرا قال في المعتل اثنى نثنى وهو ثنى ويتعدى بالبآء كما تراه مفصلا في الخاتمة إن شاء الله فقد رأيت ان قوله نبغت وصبغت لم يأخذ بيده حين عثر بهذا الفعل ولعله عثر به في مواضع اخرى فاتتني فإني كنت أشفق من تتبع أوهامه لكثرتها فكان عنآء منها يؤديني إلى عنآء آخر فصرفت النظر عن استقرآئها فإنها لا تنحصر
اما تبجحه بكثرة ما جمعه في القاموس وتوركه على الجوهري في أنه فاته نصف اللغة فالذي حمله على هذا هو أنه كان عنده نسخة من كتاب التكملة والذيل والصلة للإمام رضي الدين الصغاني استدرك فيها على الجوهري ما فاته من اللغة ولذلك سماها التكملة وهي اكبر حجما من الصحاح فظن المصنف أن الصحاح حوى نصف اللغة ونصف الثاني حوته التكملة وكان فراغ الصغاني من تأليفها عاشر شهر صفر سنة ٦٣٥ وهذه اللفظة أعني التكملة لم يذكرها الصغاني في هذا الكتاب ولا في العباب وهو غريب وإنما ذكرها صاحب اللسان والمصنف مع كونه مشى ورآء الصغاني وابن برى في الاستدراك على الجوهري أوهم الناس أنه هو السابق إلى هذه الغاية والفائق بهذه المزية. أما الجوهري فهو الإمام أبو نصر اسمعيل بن نصر بن حماد الجوهري الفارابي نسبة إلى فاراب قيل إنه اسم ناحية من بلاد الترك ورآء نهر سيحون وقال الإمام محمد مرتضى شارح القاموس والصحيح المشهور أنه اسم مدينة يقال لها اترار بالضم هي قاعدة بلاد الترك ونسب إلى الجوهر لبيعه أو لحسن خطه أو أنها نسبة للتشبيه أو لغير ذلك أخذ العلم عن خاله أبي نصر الفارابي صاحب ديوان الأدب وأخذ أيضا عن أبي سعيد السيرافي وارتحل في طلب علوم اللغة وغيرها إلى بلاد ربيعة ومضر فأقام بها مدة ثم عاد إلى خرسان وأقام بنيسابور مدة فبرز في اللغة وحسن الخط وغيرهما وصار من أذكيآء العالم بل من أعاجيب الزمان علما وذكآء وخطا وصار يضرب بخطه المثل وكانت وفاته في حدود الأربعمائة على اختلاف في تعيين
стр. 76
سنة الوفاة فقيل سنة ثلث وتسعين وثلثمائة وقيل غير ذلك وقيل أنه توفي مترديا من سطح داره وقيل أنه تغير عقله فعمل له دفتين وشدهما كالجناحين وأراد أن يطير فوقع من على فهلك اه وقال يا قوت الحموي في معجم الأدباء كتاب الصحاح الذي عليه اعتماد الناس قد أحسن الجوهري تصنيفه وجود تأليفه وفيه مع ذلك تصحيف في عدة مواضع تتبعها عليه المحققون وسببه أنه لما صانعه سمع عليه إلى باب الضاد المعجمة وعرضت له وسوسة فصعد إلى سطح الجامع بنيسابور وقال يا أيها الناس أني عملت في الدنيا شيئا لم أسبق إليه فاعمل للآخرة شيئا لا أسبق إليه وألقى نفسه فات وبقى سائر الكتاب غير منقح ولا مبيض فبيضه تلميذه إبراهيم بن صالح الوراق فغلط فيه في مواضع اه ونقل الإمام السيوطي في المزهر عن أبي زكريا الخطيب أن الصحاح كتاب حسن الترتيب سهل المطلب لما يراد منه وقد أتى فيه مؤلفه باشيآء حسنة وتفاسير مشكلات من اللغة إل أنه مع ذلك فيه تصحيف لا يشك في أنه من المصنف لا من الناسخ لأن الكتاب مبني على الحروف قال ولا تخلو هذه الكتب الكبار من سهو يقع فيها أو غلط وقد رد على أبي عبيد في الغريب المصنف مواضع كثيرة منه غير أن القليل من الغلط الذي يقع في الكتب إلى جنب الكثير الذين اجتهدوا فيه واتعبوا نفوسهم في تصحيحه وتنقيحه معفوا عنه اه وبالجملة فإن ترجمة الجوهري غير كافية إذ لم يذكروا له تأليفا غير الصحاح ولم يذكروا أيضا صفة من خلقه وخلقه وكلامه ولا وقت ولادته وبودي لو أن الذين ترجموا المشاهير من العلمآء والشعرآء وخصوصا أئمة اللغة تصدوا لهذا الوصف فإن النفوس تتشوق لمعرفة ذلك
أما المحكم فمؤلفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل المشهور بابن سيده الأندلسي كان ضريرا وابن ضرير وكان رأسا في العربية وحجة في نقلها حافظا لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وانساب العرب صنف الكتاب المذكور وشرح الحماسة وإصلاح المنطق وكتاب الأخفش قال القاضي ابن خلكان كان علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده إماما في اللغة والعربية حافظا لهما وقد جمع في ذلك جموعا (كذا) منها كتاب المحكم في اللغة وهو كتاب كبير جامع يشتمل على أنواع اللغة وله المخصص (في اللغة أيضا) وكتاب الأنيق في شرح الحماسة في ست مجلدات وغير ذلك من المصنفات النافعة وكان ضريرا وأبوه كذلك كان ضريرا قيما بعلوم اللغة وعليه اشتغل ولده في أول امره ثم على أبي العلآء طاهر البغدادي وقرأ على أبي عمرو المطلمنكى قال المطلنكى دخلت مرسية فكثت في أهلها يسمعون علىّ غريب الحديث فقلت لهم انظروا من يقرأ لكم وأنا أمسك كتابي فاتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده فقرأه عليّ من أوله إلى آخره فعجبت من حفظه وكان له في الشعر حظ
стр. 77
وتصرف توفى بحضرة دانية لاربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وعمره ثمانون سنة انتهى وهو أعظم دليل على فضل العرب على من سواهم من الأمم فإن العميان منهم علمآء مؤلفون وهذه المزية لم تزل خاصة بهم إلى عصرنا هذا أما مرسية فمدينة بالأندلس وعرفها المصنف بأنها بلد بالغرب
أما العباب فمءلفة الإمام رضى الدين أبو الفضائل الحسن بن الحسين بن حيدر العمري الصغاني ولد يوم الخميس عاشر صفر سنة سبع وسبعين وخمسمائة وتوفي ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان سنة خمسين وستمائة. وقرأت في نسخة من العباب أنه ولد في لوهور (كذا) أحدى مدن الهند الكثيرة الخيرات ويقال لها أيضا وورا وأنه نشأ بغزنة ودخل بغداد في صفر سنة خمس عشرة وستمائة وتوفي بها ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان سنة خمسين وستمائة ودفن بداره في الحرم الظاهري ثم نقل إلى مكة شرفها الله تعالى ودفن بها وكان أوصى بذلك بداره في الحرم الظاهري ثم نقل إلى مكة شرفها الله تعالى ودفن بها وكان أوصى بذلك وجعل لمن يحمله ويدفنه بمكة خمسين دينارا ووجدت في نسخة أخرى كتبت سنة ٦٤٨ وعلى حاشيتها خط المصنف وهو خط يشبه خط صاحب القاموس ما نصه بلغ العراض بأصلي الذي هو بخطى بقراءة ابني أبي البركات محمد الملقب بالضياء أراه الله مراشده في السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وستمه وكتب الصغاني حامدا ومصليا, ومن خصائص العباب أن مؤلفه كان يكتب في آخر كل مادة والتركيب يدل على كذا وكذا وينبه على الألفاظ المقلوبة غير أن هذا الكتاب لم يتم فإن المنية اخترمت مؤلفه عند تحريره مادة بكم فقال فيه بعض الأدباء
(إن الصغاني الذي ... حاز العلوم والحكم)
(كان قصارى أمره ... إن انتهى إلى بكم)
وللصغاني أيضا كتاب الشوارد في اللغة ومجمع البحرين في اللغة أيضا وكتاب توشيح الدريدية وكتاب التركيب وكتاب فعال وكتاب فعلان وكتاب الانفعال وكتاب فعول وكتاب الأضداد وكتاب أسماء السعادة وكتاب الأثر وكتاب العروض وكتاب أسماء الذهب وكتا تقرير منتهى الحريري (كذا) وكتاب في علم الحديث الاصطلاحي وكتاب مشارق الأنوار وكتاب مصباح الدعاء وكتاب الشمس المنيرة وشرح البخاري وكتاب در السحابة في معرفة طبقات الصحابة وكتاب الضعفاء وكتاب الفرائض وشرح أبيات المفصل وكتاب في التصريف وكتاب تكملة العزيزي وكتاب في المناسك قال الحافظ الدمياطي كان الصغاني شيخا صالحا صدوقا صموتا عن فضول الكلام إماما في اللغة والفقه والحديث قرأت عليه وحضرت دفنه بدار الحريم الظاهري وكان له محفل عظيم ومشهد جامع ﵀ أ, وقال صاحب القاموس
стр. 78
في باب النون صغانيان كورة عظيمة بما وراء النهر وإليها ينسب الإمام الحافظ في اللغة الحسن ابن محمد بن الحسن ذو التصانيف والنسبة صغاني وصاغاني معرب صغانيان
وأما لسان العرب فمؤلفه الإمام جمال الدين محمد بن جلال الدين مكرم بن نجيب الدين أبي الحسن الأنصاري الخزرجي الأفريقي نزيل مصر ولد في الحرم سنة ٦٩٠ وسمع من ابن المقبر وغيره وروى عنه السبكي والذهبي وتوفى سنة ٧٧١ كذا في تاج العروس وزاد على أن قال وهو ثلاثون مجلدا التزم فيه جمع الصحاح والتهذيب والنهاية (لابن الأثير) والمحكم والجمهرة وامالي ابن برى وهو مادة شرحى هذا في غالب المواضع وقد اطلعت منها على نسخة قديمة يقال أنها بخط المؤلف وعلى أول جزء منها خط سيدنا الإمام جلال الدين السيوطي نفعنا الله به ذكر مولده ووفاته اه وفي الفوائد التي حررها العلامة المرحوم الشيخ نصر الهوريني في أول الصحاح المطبوع أن ما كتبه الشارح هنا كان في مسودته وضرب عليها بالمبيضة لأنه ذكر قبل عند تعداد الكتب التي كانت معه حال الشرح للقاموس أنه كان عنده نسخة من لسان العرب ٢٨ مجلدا قال وهي المنقولة من مسودة المصنف في حياته اه ومن الغريب أن الإمام السيوطي لم يذكر صاحب اللسن في جملة الذين ألفوا في اللغة لا في أول المزهر ولا في الوفيات في آخره قال المحشى والعجب من الجلال كيف أغفل التنبيه على لسان العرب الذي عنى بجمعه العلامة أبو الفضل جمال الدين بن منظور الأفريقي الأنصاري فقد قيل أنه جمع فيه من التهذيب والصحاح وحواشيه والمحكم والجمهرة وغيرها وقالوا انه اشتمل على ثمانين ألف مادة وهو عجيب في نقوله وتهذيبه وتنقيحه وترتيبه إلا أنه قليل بالنسبة لغيره من المصنفات المتداولة وكان بعد الزمان الأول وزاحم عصره عصر المؤلف والله يرحم الجميع. قلت سبب قلته وعدم اشتهاره كبر حجمه فإنه كتاب لغة وفقه ونحو وصرف وشرح للحديث وتفسير للقرآن وتكرير تعاريفه فإن المادة التي تشتمل مثلا في القاموس على خمسين سطرا تراها فيه مشتملة على مائتين وخمسين سطرا لأنه يستقصي تعاريف الكتب المذكورة حتى تظن أنه كررها سهوا وذلك كقوله في كمل الكمال التمام كمل الشيء يكمل ويكمل وكمل كمالا وكمولا وتكمل ككمل وتكامل الشيء وأكملته أنا وأكملت الشيء أي كملته وأتممته وأكمله هو واستكمله وكمله أتمه إللى أن قال وكملت له عدد حقه تكميلا وتكملة والتكميل والاكمال الإتمام واستكمله استتمه وقس على ذلك وربما كان في تكريره تناقض كقوله في ملك وشهدنا أملاك فلان وملاكه وملاكه الاخيرتان عن اللحياني أي عقده مع امرأته ثم لم يلبث أن قال وجئنا من أملاكه ولا تقل من ملاكه فالعبارة الأولى من المحكم والثانية من الصحاح فكان ينبغي له أن يقول بعد الرواية الأولى وقال الجوهري ولا تقل من ملاكه وبالجملة فلسان العرب أعظم كتاب ألف في اللغة غير أنه لكبر حجمه كما
стр. 79
تقدم قل تداوله والانتفاع به فلذلك الكبر أعجز الطلبة عن اقتنائه وذلك التطويل جلأ الوراد عن فنآئه فصدق عليه المثل القائل إن من الحسن لشقوة *وهنا ملاحظة من عدة أوجه. أحدها أن قول الشارح وقد اطلعت منها على نسخة قديمة يقال إنها بخط المؤلف مشكل فإن عادة المؤلفين أن يكتبوا اسمآءهم في آخر تأليفهم واسم الشهر والسنة التي فرغوا فيها من التأليف فكيف خفى ذلك عليه وقول الشيخ نصر أنه ضرب على هذه الفقرة من المبيضة مع إثباتها في النسخة المطبوعة مشكل آخر. الثاني أن ابن منظور لم ينقل عن العباب والبارع والجامع وغيرها من الكتب التي ذكرها صاحب المصباح في آخر كتابه وهو غريب. الثالث أن صاحب القاموس لم يذكر ابن منظور في جملة المؤلفين ولا في جملة الفقهآء وهذا البحث يعاد في النقد الاخير مع زيادة بيان. الرابع أن المؤلفين الأقدمين كانوا يطلقون اسم افريقية على مملكة تونس فابن منظور إذا تونسي وقد عرفوه مرة بابن مكرم ومرة بابن المكرم من غير ضبط حركاتها. الخامس أن إهمال السيوطي لذكره غريب جدا إذ هو أولى بالذكر من الزبيدي الذي اختصر كتاب العين إذ لا مناسبة بين من يختصر كتابا وبين من يجمع خمسة كتب كبار في سفر واحد غير أن المحشى نسب القصور إلى السيوطي في غير هذا أيضا ونص عبارته أن السيوطي إنما ذكر المشاهير التي خطرت بباله وقت الوضع وإلا فأين البحور المواجة من الكتب اللغوية المتقدمة والمتأخرة ابن تهذيب اللغة وأين مجمل ابن فارس وأين الجامع للقزاز فقد قال أرباب الفن أنه ما ألف في اللغة أكبر منه ولا أجمع وأين كتاب المخصص لابن سيده فإنه كالمحكم أو أعظم وفيه ما ليس في المحكم من التصرفات الصرفيه والأنظار العربية وأين خلاصة المحكم ففيه الطم والرم واين لسان العرب الجامع الفذ وأين مصنفات أصحابنا الأندلسيين الأئمة غير ابن سيده كالزبيدي وابن السير والقرطبي صاحب المصباح وشيوخ ابن مالك وأبي حيان وغير ذلك من المصنفات والمصنفين الذين لا يدخلون تحت أين ولا يحصرهم ديوان اه, ثلت السيوطي ﵀ ذكر التهذيب للأزهري والمجمل لابن فارس والجامع للقزاز فاعتراض المحشى في غير محله ولكن لم يذكر اللسان كما تقدم ولا المشوف ولا أساس البلاغة للزمخشري ولا المصباح المنير للفيومي ولا مجمع البحرين للصغاني مع أنه ذكر التكملة والعباب وهذا الكتاب جامع لعبارة الصحاح والتكملة مع حاشية وعلامة الأولى ص والثانية ت والثالثة ح
ومع بسط عبارة هذه الكتب التي تيسر لي مطالعتها لم أجد فيها ما وجدت في القاموس من وصف الأدوية والعقاقير وأسماء المحدثين والفقهاء وغير ذلك مما لم تكن العرب تعرف له عينا ولا أثرا حتى أن المصنف من شدة تهافته على ذكر الإعلام أهمل ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف ففي مادة رحم أهمل الرحمن والرحيم واجتزأ عنهما بذكر محمد بن رحمويه
стр. 80
كعمرويه ورحيم كزبير بن مالك الخزرجي وابن حسان الدهقان ومرحوم العطار محدثون ورحمة من أسمائهن والجوهري ذكرهما وأتى في ذكرهما بفوائد عظيمة حيث قال والرحمن والرحيم اسمان مشتقان ونظيرهما ندمان ونديم وهما بمعنى ويجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد كما يقال جادّ مجدّ إلا أن اسم الرحمن مختص لله تعالى لا يجوز أن يسمى به غيره ألا ترى إنه ﵎ قال ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره وكان مسيلمة الكذاب يقال له رحمن اليمامة والرحيم قد يكون بمعنى المرحوم كما يكون بمعنى الراحم قال عملس بن عقيل
(فإما إذا عضت بك الحرب عضة ... فإنك معطوف عليك رحيم)
وتراحم القوم رحم بعضهم بعضا وكل ذلك ليس في القاموس غير أن حق اللغة اقتص من مصنفة فإنه ربكه في أغلاط كثيرة في ذكر تلك الإعلام التي فضلها على كلام العرب كما يعلم من حاشية القاموس المطبوع بمصر حيث جعل الابن أبا والأب ابنا والرجل امرأة والمرأة رجلا والمدينة جبلا والجبل مدينة والغرب شرقا والشرق غربا لا جرم أن للصحاح مزية على القاموس في وضوح العبارة والاستدلال بالآيات والحديث والشواهد من كلام العرب والقواعد الصرفية والنحوية واللغوية وكثيرا ما ينحو مؤلفه منحى تعليم المركب من الكلام فضلا عن تعريف المفردات كقوله مثلا ويقال سن للناس الندى فندوا وقوله ما كنت عما ولقد عممت عمومة وبيني وبين فلان عمومة كما يقال ابوة وخؤولة وعمم الرجل سود لأن العمائم تيجان العرب كما قيل في العجم توج وقوله اية غول أغول من الغضب وقوله برئت إليك من شبابه وشبيبه وعضاضة وعضيضه وقوله الصبابة رقة الشوق وحرارته يقال صب عاشق مشتاق وقوله دعني وعلىّ خطأي وصوبي أي صوابي وقوله والمنديات المخزيات يقال ما نديت بشيء أنت تكرهه وقوله الاسجاح حسن العفو يقال ملكت فاسجح ويقال إذا سألت فاسجح أي سهل ألفاظك وأرفق وهلم جرا ودون ذلك قوله العقيصة الضفيرة يقال لفلان عقيصتان وقوله المسد الليف يقال حبل من مسد وقوله وهذا مهنأ قد جآءؤ وهو اسم رجل وقوله العرف الريح طيبة كانت أو منتنة يقال ما أطيب عرفه. وأشهر من تحرى تعليم المركبات مع السجع الزمخشري في أساس البلاغة فهذا الأسلوب انتهى إليه. وللصحاح مزية أخرى وهي أن مؤلفه شافه العرب وضبط كلامهم وكلام الأئمة الذين نقل عنهم على الترتيب الحسن الذي ابتدعه فهو أول من رتب اللغة على هذا الأسلوب وبه اقتدى الصغاني وابن منظور والمصنف ومع أن المصنف ألف كتابه في زبيد وزعم أن أهل جبل عكاد القريب منها باقون على العربية الفصيحة كما سيأتي لم يتعن لمشافهتهم والأخذ عنهم بل قلما اسند شيئا مما رواه إلى قائله وإن كان على غير القياس خلافا لغيره ممن ألف في اللغة فإنهم متى ذكروا شيئا من
стр. 81
هذا النوع نسبوه إلى قائله لتطمئن نفس طالب العلم فلا تقع عنده شبهة في صحته فشتان ما بين تأليفه وتأليف الجوهري غير أن الجوهري لم يضبط الألفاظ بذكر مثال أو بالنص على الحركات خلافا للمصنف وإنما اعتمد على مجرد وضع الحركات بخطه كابن سيده والأزهري وغيرهما ومن ثم يصح أن يقال أن للقاموس مزية على سائر كتب اللغة الأصول بالنظر إلى هذا الضبط فإن النساخ لا يتورعون من تغير الحركات أو أنها تلتبس عليهم فإن الضمة كثيرا ما تلتبس بالفتحة وبالعكس ولهذا قال الإمام المناوي وقد أجاد الجوهري في الترتيب ولكن أهمل الضبط الذي يتطرق إليه التبديل والتحريف وقال الإمام الرازي مختصر الصحاح والتزمنا في الموازين أنا متى قلنا في فعل من الأفعال أنه من باب ضرب أو نصر أو قطع أو غير ذلك فإنه يكون موازنا له في حركات ماضيه ومضارعه ومصدره أيضا وأما الأسماء فانا ضبطنا كل اسم يشتبه على الأعم الأغلب إما بذكر مثال مشهور عقبه وإما بالنص على حركات حروفه التي يقه فيها اللبس وإن كان مثيرا مما قيدنا يستغنى عنه الخواص ولهذا أهمله الجوهري ﵀ لظهوره عنده ولكنا قصدنا بزيادة الضبط بالميزان أو بالنص عموم الانتفاع به وأن لا يتطرق إليه بمرور الأيام تحريف النساخ وتصحيفهم فإن أكثر أصول اللغة إنما يقل الانتفاع بها ويعسر لعلتين أحداهما عسر الترتيب والثانية قلة الضبط بالموازين المشهورة وقلة التنصيص على أنواع الحركات اعتمادا من مصنفيها على ضبطها بالشكل الذي يعكس التبديل والتحريف عن قريب أو اعتمادا على ظهورها عندهم فيهملونها من أصل التصنيف انتهى
فمن أمثلة إهمال الضبط وقصور التعريف في الصحاح قوله السهاد الأرق وهو بالضم وفي النسخة المطبوعة بطهران بالفتح اعتمادا على أن المصنف متى أطلق فالفتح كما هو اصطلاح صاحب القاموس وقوله النطع فيه أربع لغات نطع ونطع ونطع ونطع فلو قال النطع بالكسر والفتح وبالتحريك وكعنب بساط من الديم كم قال صاحب القاموس لكان أولى *الشغل فيه أربع لغات شغل وشغل وشغل وشغل وشغل وكان الأولى أن يقول الشغل بالضم وبضمتين وبالفتح وبفتحتين على أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم *الكمال التمام وفيه ثلاث لغات كمل وكمل وبالكسر اردؤها وكان الأولى أن يقول كمل بفتح العين وضمها والكسر اردؤها *شرب المآء وغيره شربا وشربا وشربا وكان الأولى أن يقول شربا بالفتح والضم وبفتح فكسر على أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم *هو العبد زلمة وزلمة وزلمة وزلمة أي قدّ قدّ العبد وكان الأولى أن يقول هو العبد زلمة بالفتح والضم والتحريك وبالضم والفتح كهمزة ومثله هو العبد زلمة بلغاتها *ومما لم يفسره من الأفعال والأسماء قوله عتوت يا فلان تعتو عتيا وعتوا قال الإمام الرازي المشار إليه العاتي المجاوز الحد في الاستكبار والعاني الجبار أيضا وقيل العاتي
стр. 82
هو المبالغ في ركوب المعاصي المتردد الذي لا يقع منه الوعظ والتنبيه موقعا والجوهري ﵀ لم يفسره *ونحوه قوله سلكت الشيء في الشيء فانسلك أي أدخلته فيه فدخل قال الإمام المشار إليه وسلك الطريق إذا ذهبت فيه وبابه دخل وأظنه سها عن ذلك لأنه مما لا يترك قصدا *حار يحار حيرة وحيرا أي تحير في أمره *زاد الشيء يزيد زيدا وزيادة *أحدث الرجل من الحدث مع أنه لم يذكر الحدث من قبل *كشفت الشيء فانكشف وتكشف مع أن تكشف مطاوع كشف المشدد وهو كقول المصنف فرز الثوب شقه فتفزر وانفزر *جلب الشيء يجلبه ويجلبه جلبا وجلبا *دفنت الشيء فهو دفين ومدفون *خانه في كذا يخونه خونا وخيانة ومخانة *هلك الشيء يهلك هلاكا وهلوكا * ذخرت الشيء اذخره ذخرا وكذلك ادخرته على افتعلته *آذاه يؤذيه أذى وأذاه وأذية وتأذيث به * هذا ينافي ذاك *مسست الشيء بالكسر امسه مسا فهذه هي اللغة الفصحى *قتشت الشيء فتشا وفتشته تفتيشا مثله *دعمت الشيء دعما والدعامة عماد البيت *غمزت الشيء بيدي وغمزته بعيني وهو يوهم أن الضمير في غمزته الثاني يرجع إلى الشيء وليس مرادا *رقص يرقص رقصا فهو رقاص وهو يوهم إنه لا يقال راقص *غرزت الشيء بالإبرة اغرزه غرزا وعندي أنه على القلب إذ حقيقة المعنى غرز الأبرة في الشيء ومنه قولهم غرز رجله في الركاب وغرزت الجرادة بذنبها في الأرض وهو غارز في سنته أي جاهل *غلظ الشيء يغلظ صار غليظا فكأن النعت أشهر من الفعل حتى فسره به ومثله قوله وطؤ الموضع صار وطئيا وله نظائر كثيرة *شق على الشيء يشق شقا ومشقة * خطر الشيء ببالي وأخطره الله ببالي *أضمرت في نفسي شيئا *نكرت الرجل واستنكرته بمعنى *حاسبته من المحاسبة *ناظره من المناظرة *قاربته من البيع مقاربة فأهمل تفسير الفعل وذكر المصدر وهو مستغنى عنه *اقتضى دينه وتقاضاه بمعنى *أوثقه شدة في الوثاق *لقيته لقآء بالمد ولقى بالضم والقصر ولقيا بالتشديد ولقيانا ولقيانة واحدة ولقية واحدة ولقآءة واحدة ولا تقل لقاة فإنها مولدة وليست من كلام العرب فالتنبية على هذا مع إهمال تفسير الفعل غريب جدا فإن معناه خفى على كثير من العلمآء وناهيك أن المصنف فسره برأى *مشت المرأة تمشي مشآء إذا كثر ولدها وكذلك الماشية إذا كثر نسلها ولم يفسر الماشية مع أن العلمآء اختلفوا في تعريفها فالمصنف قيدها بالإبل والغنم وصاحب المصباح ادخل فيها البقر أيضا *رضت المهر اروضة رياضا ورياضة *عرفته معرفة وعرفانا *عبرت النهر وغير عبرا عن يعقوب وعبورا *الأدب أدب النفس والدرس تقول منه أدب الرجل بالضم فهو أديب وعبارة مختصرة أدب وعبارة مختصرة أدب بفتحتين فهو مع أنه عاب عليه إهماله تفسير عتا * سلوت عنه سلوا وسليت عنه بالكسر سليا مثله مع أن أهل اللغة
стр. 83
اختلفوا في تفسير السلو ففسره المصنف بالنسيان وفسره صاحب المصباح عن أبي زيد بأنه طيب نفس الألف عن ألفه ومقتضاه أنه غير عام بل مختص بالألف *الفعل بالفتح مصدر فعل يفعل وقرأ يقرأ وبعضهم وأوحينا إليه فعل الخيرات والفعل بالكسر الاسم والجمع الفعال مثل قدح وقداح وبئر وبئار فلو فسر الفعل وذكر الفرق بينه وبين العمل كما هو شان اللغوي وحذف قوله بئر وبئار لكان أولى غير أنه أحسن في قوله وفعلت الشيء فانفعل كقوله كسرته فانكسر وهو مما فات المصنف *وهنا ملاحظة وهي أن الصرفيين والنحويين واللغويين يزنون الأفعال على ما وافق ميزانها من مادة فعل كقولهم مثلا تضاربوا على وزن تفاعلوا واستخرج على وزن استفعل غير أن اللغويين لم يذكروا مزيدات فعل في مادتها *خدمة يخدمه خدمة والخادم واحد الخدم غلاما كان أو جارية واخدمه أي اعطاه خادما *دام الشيء يدوم ويدام دوما ودواما وديممومة وادامه غيره *صممت الشيء إلى الشيء فانضم إليه *الغم واحد الغموم تقول منه غمة فاغتم *القسم مصدر قسمت الشيء فانقسم *فام الرجل قياما والقومة المرة الواحدة وقام بامر كدا *كتمت لشيء كتما وكتمانا واكتتمته أيضا *نجز حاجته بالفتح ينجزها بالضم نجزا قضاها يقال نجز الوعد وانجز حرّ ما وعد فيكون نجز لازما ومتعديا وقد استطردته هنا لبيان أن العرب تعدى بالهمزة ما يتعدى بنفسه كما تقدم ونحو فاظ فإنه لازم ومتعد ثم تقول افاظه ومثله نشر الموتى نشورا حيوا ونشرهم الله يتعدى ولا يتعدى ثم يعدى بالهمزة أيضا فيقال انشرهم الله ومثله حسر البعير أي اعيا وحسرته أنا واحسرته وساغ الشراب وسغته وهدر الدم وهدرته واهدرته وخرب الدار فخربت واخربها ونقع ارتوى ونقع وانقع رزى وقس عليه شال تقول شال الشيء أي ارتفع وشاله أي رفعه كما في المصباح لكن الجوهري نهى عنه لأنه رأى أنه يعدي بالبآء والهمزة تقول شلت به واشلته وجآء رجع لازما ومتعديا وهذيل تقول ارجعه فعل يقاس على هذه اللغة هاج وزاف ونظائرهما. ومن ذلك قوله الوفاق الموافقة والتوافق الاتفاق والتظاهر ووفقه الله من التوفيق واستوفقت الله سالته التوفيق فذكر التوفيق مرتين ولم يفسره وإنما جعل وفق منه وهو تحصيل الحاصل ثم لم يزد على أن فسر الوفاق بمصدر آخر مثله *ومن ذلك الشفعة في الدار والأرض والشفيع صاحب الشفعة وصاحب الشفاعة علق تعريف الشفيع على الشفعة والشفاعة ولم يفسرهما ولم يضبط الشفعة والشفاعة على مثال *الجزف أخذ الشيء مجازفة *الفاكهة معروفة وأجناسها الفواكه مع أنهم اختلفوا فيها *الطبق واحد الأطباق *الحجر واحد الأحجار *الذخيرة واحد الذخائر *الحقيبة واحدة الحقائب *الوتر واحد أوتار القوس *الكف واحدة الأكف *انبار الطعام واحدها نبر مثل نقس وانقاس *الخز واحد الخزوز *الخف واحد الخفاف التي تلبس ومثله قوله الجباب التي
стр. 84
تلبس *الكراسة واحدة الكراس والكراريس *المدرة واحدة المدر *الناصية واحدة النواصي *العقبة واحدة عقاب الجبل *اللذة واحدة اللذات وعرفها المصنف بأنها نقيض الألم *الثمرة واحدة الثمر والثمرات وجمع الثمر ثمار *التمر اسم جنس الواحدة منها (كذا) تمرة وجمعها تمرات بالتحريك وجمع التمر تمور وتمران بالضم *الفرسخ واحد الفراسخ وهنا تعرض له لمصنف بقوله الفرسخ ذكره الجوهري ولم يذكر له معنى وهو السكون والساعة والراحة ومنه فرسخ الطريق الخ قلت عبارة المصباح والفرسخة السعة ومنه اشتق الفرسخ وهو ثلثة أميال وهو الأقرب إلى الصواب إذ لا معنى لاشتقاق الفرسخ من الراحة ويفهم من عبارة الجوهري أنه فارسي معرب فكان ينبغي للمصنف هنا أن يخطئه وفي معنى الفرسخة الفرشخة ذكرها المصنف وأهملها الجوهري. ومن الغريب أن الإمام لخفاجي لم يتعرض للفرسخ في شفآء الغليل خلافا لعاته فإنه إذا كان في الكلمة قولان ذكرهما فكان عليه أن يقول الفرسخ عربي أو معرب. وأغرب من ذلك أن الشارح أورد الفرسخ بمعنى الساعة واستشهد عليه بقول الكلابية فراسخ الليل والنهار ساعاتهما وأوقاتهما وبقول خالد بن جنبة هؤلاء قوم لا يعرفون مواقيت الدهر وفراسخ الأيام قال ويوجد في نسخ المصباح الفرسخة السعة ومنه أخذ فرسخ الطريق والصواب أن الذي بمعنة السعة هو الفرشخة بالشين المعجمة وهي التي تليها. قلت هذا الصواب غريب جدا فإن المصنف ذكر بهد ذلك سراويل مفرشخة أي واسعة فزاد الشارح بعده من الفرشخة وهي السعة على ما في المصباح فأقبت هنا ما أنكره أو لا على أن العباب أيضا ذكر سراويل مفرسخة أي واسعة وافر نسخ أي انفرج ولم يذكر فرشخ بالشين. ومن ذلك التقض نقض البنآء *الطلع طله النخلة *العمود عمود البيت *القالب بالفتح قالب الخف *البرقع والبرقع للدواب ولنسآء الاعراب *القلب من السور ما كان قلبا واحد فكأنه قال قلب السوار قلب *المناقضة في القول أن تتكلم بما يناقض معناه *اللبنة الي يبن بها *وهو يصدق على الآلة *الطبل الذي يضرب به وهو يصدق على العصا والدرة والسوط والهراوة والمنسأة والعود والقضيب والمدقة والمرزبة وغيرها *الفنينة بالكسر والتشديد ما يجعل فيه الشراب وهو يصدق على الدن والناجود والراووق والخرس والكوز والبوقال والأبريق والدورق والكاس والطاس والجام والقدح والكوب والعس والجرة والحب والزير وغير ذلك *سحآء الكتاب مكسور ممدود الواحدة سحاءة *درهم زيف وزائف وقد زيفت أنا عليه الدراهم *الظئر مهموز والجمع ظآء *الدينار معرب وأصله دنار *الكرباس معرب عرب يكسر الكاف والكرباسة أخص منه *البيازرة جمع بيزار وهو معرب بازيار *الفيج فارسي معرب والجمع فيوج *الحدث والحدث والحدثان كله بمعنى *الاشتقاق الأخذ في
стр. 85
الكلام وعليه يكون الاستطراد اشتقاقا *رجل حوشى لا يخالط الناس وهي أيضا صفة النزيه كما في القاموس والمعروف أنه الذي لا يخالطهم لتوحشه *سفر اسم من اسمآء النار وهو علم على جهنم لا مطلق النار *الوسوسة حديث النفس وهي كما قيدها المصنف وغيره بما لا خير فيه *العنكبوت الناسجة *الأحمر ما لونه الحمرة وعكس ذلك المصنف فقال الحمرة لون الأحمر ثم بعد أن ذكر أشيآء كثيرة قال والحمرة اللون المعروف *مطارحة الكلام معروف قال الإمام الرازي المطارحة القآء القوم المسائل بعضهم على بعض تقول طارحه الكلام متعديا إلى مفعولين. ومن تعريف الدوري والتسلسلي باحة الدار ساحتها ثم قال في فصل السين ساحة الدار باحتها *بنيقة القيمص لبنته *وفي لبن لبنة القميص جربانه *وفي جرب جربان القميص لبنته *ولفظه جربان مضبوطة في موضع بالكسر والسكون وفي موضع آخر بالتشديد هكذا رأيتها في عدة نسخ وهي في القاموس أيضا مختلفة الشكل *الجنس الضرب من الشيء وهو أعم من النوع وفي ضرب الضرب الصنف من الآشياء وفي صنف النوع والضرب فرجع الكلام إلى أن الجنس والنوع واحد * تسنيم القبر خلاف تسطيحه *وفي سطح تسطيح القبر خلاف تسنيمه *التشيب السبب يقال هو يشبب بفلانة أي ينسب بها وفي نسب نسب الشاعر بالمرأة إذا شبب بها *تسور الحائط تسلقه وفي سلق تسلق الحائط تسوره. ومن قصوره أيضا أن يذكر الكلمة في غير موضعها فقد ذكر الثوب المعين في برج ولم يذكره في عين *وذكر الحظى من اسمآء خيل السباق في فسكل ولك يذكره في المعتل *وذكر الخارصة في دمغ *والشحن وهم الذين كان ينزلهم كسرى منازل في بلاده في وضع *وهذا النموذج كاف فانى ادخرت بسط الكلام لنقد القاموس ولكن قبل الخوض في هذه اللجة ينبغي أن أبث هنا ما كنت أضمرته عند ذكر ترتيب كتب اللغة والخلاف وإنما أخرته إلى هذا الموضع لئلا يظن بي أني حاولت أن أكون في عداد أولئك الأئمة. فأقول أن من شآء أن يطلع على سر وضع الأفعال وتناسب بعضها ببعض واصل مبنيها وكنه معانيها فلا يرى محيصا عن الإقرار بأن الابتدآء بالثنائي المضاعف على نسق كتابي سر الليالي في القلب والإبدال بقطع النظر عن قلب الافعال هو المتكفل بجميع هذا وحسبك شاهدا على ذلك هذا المثال. وهو أن تبتدئ مثلا بفعل فت وهو حكاية صوت فيظهر لك منه معنيان وهما الانكسار والانفتاح والأول مستلزم للثاني بالضرورة فإن كل ما انكسر انفتح ثم تاخد بعده فتأ كمنع ومعناه كسر واطفأ وفتيء عنه كسمع نسيه فكأنك قلت انكسر عنه ومنه قولهم ما فتيء زيد يفعل فإن فعل المكسور العين كثيرا ما يأتي مطاوعا لمفتوحها ولا سيما فيما كان متضمنا معنى الكسر والقطع فإنهما متلازمان وهذا الاستنباط لم يعرج عليه فيما أظن الصرفيون ولا صرح به اللغويون
стр. 86
وإنما يؤخذ من فحوى عبارتهم أحيانا كما سيأتي. فمن أمثلة ذلك هرأ اللحم انضجه فهرئ هو ومثله هرد اللحم فهرد ويأتي هرد بمعنى مزق وخرق. جلب كنصر جمع وجلب كسمع اجتمع. ثعب الماء والدم اجراه فثعب كفرح جرى. ذرب الحديدة احدها فذربت هي كفرح ومثله ذبق السكينة حددها فدلقت هي. خربة ضرب خربته وثقبه وشقه والدار خربها كاخربها فخربت هي. نصبه المرض أوجعه والهم أتعبه ونصب هو كفرح اعيا. شجبه الله أهلكه فشجب هو كفرح هلك. نقب الحائط خرقه ونقب الخف كفرح تخرق. بلت قطع وبلت كفرح انقطع. غمته الطعام ثقل على قلبه فصيره كالسكران فغمت هو كفرح. قرح كمنع جرح وقرح وقرح كسمع خرجت به القروح. امره الله كثر نسله وماشيته وأمر الرجل كفرح كثرت ماشيته لكن المصنف جعل أمره لنية يعني أن الفصيح آمره بالمد ونص عبارته وآمره الله وأمره كنصر لغية كثر نسله وماشيته ثم قال بعد عدة أسطر وخير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة أي مهرة كثيرة النتاج والنسل والأصل مؤمرة وإنما هو للازدواج أو لغيه كما سبق ويخالفه ما في لسان العرب ونص عبارته وروى عن الحسن أنه قرأ أمرنا مترفيها وروى عنه أنه بمعنى كثرنا والعرب تقول أمر بنو فلان أي كثروا ومهرة مأمورة أي نتوج ولود قال أبو عبيد وفيها لغتان أمرها الله فهي مأمورة وآمرها الله فهي مؤمرة وقال أبو زيد ومهرة مأمورة هي التي كثر نسلها يقولون أمر الله المهرة أي كثر ولدها وأمر القوم أي كثروا إلى أن قال قال أبو عبيدة آمرته بالمد وأمرته لغتان بمعنى كثرته فأمر هو أي كثر. حصره ضيق عله وحبسه عن السفر وغيره وحصر كفرح ضاق صدره واعيا في النطق وأن يمتنع عن القراءة فلا يقدر عليه والصواب عليها. خضره الله وسع عليه فخضر هو. سأر أبقى وسئر بقى. الشتر القطع وبالتحريك الانقطاع وبعبارة أخرى شتره قطعه فشتر هو أي انقطع. عمره الله أبقاه زمانا طويلا فعمر هو. دهشه فدهش فقد حكى صاحب المصباح أنه يتعدى بالحركة في لغة والأفصح ادهشه. صقعته الصاقعة مقلوب صعقته الصاعقة أو لغة فيها فصقع هو. قطع ومعناه ظاهر وقطع كفرح وكرم إذا لم يقدر على الكلام ولسانه ذهبت سلاطته وقطعت اليد كفرح انقطعت بدآء عرض لها. قصف الشيء يقصفه قصفا كسره وقد قصف فهو قصف هذه عبارة العباب وعبارة الأساس قصف القناة والعود كسره فقصف قصفا وانقصف وهذا الذي أشرت إليه أولا أي أن فعل للمطاوعة يفهم من فحوى عبارة اللغويين ولكن لك يصرحوا به. زلقه عن مكانه نحاه وفلانا أزله كازلقه وزلق هو زل. شرق الشاة أذنها وشرقت هي. صقل السيف من باب كتب جلاه فهو صقيل وشيء صقيل أملس مصمت لا يخلل المآء اجزآءه كالحديد والنحاس وصقل صقلا من باب تعب إذا كان كذلك كما في المصباح.
стр. 87
الثجم سرعة الصرف عن الشيء وبالتحريك سرعة الانصراف هذه عبارة المصنف وبعبارة أخرى نجمه صرفه سريعا فثجم هو أي انصرف. جذم يده قطعها فجذمت هي كفرح ومثله خذمه بالخاء قطعه وخذم كسمع انقطع. خرم فلانا شق وترة انفه وهي ما بين المنخرين فخرم هو كفرح أي تخرمت وترته. ثرمه واثرمه كسر سنه من أصله الخ فثرم هو كفرح لكن المصنف ابتدأ بهذا أولاد. دقه كسر أسنانه فدقم هو لكن المصنف خالف في عبارته ونصها دقم كفرح ذهب مقدم أسنانه ودقمه كسر أسنانه وعبارة الصحاح دقم فاع مثل دمق على القلب أي كسر أسنانه والمتبادر منها أن دقم مقلوب من دمق والصحيح العكس. هتم فاه القى مقدم أسنانه أي ضربه فألقى مقدم أسنانه كما في الصحاح فإنه قال ضربه فهتم فاه إذا ألقة مقدم أسنانه وهتم كفرح انكسرت ثناياه من أصولها. فجوت القوي إذا رفعت وترها عن كبدها وفجيت هي بالكسر هذه عبارة الجوهري ولو قال ففجيت لكان أدنى إلى أدراك سر الوضع. افن الحالب إذا لم يدع في الضرع شيئا وافنت الناقة بالكسر قل لبنها فهي افنة مقصورة كما في الصحاح فأطلق في الأول وقيد في الثاني. حزنه فحزن وشجنه فشجن. خفى الشيء ستره وأظهره وخفى الشيء استتر وظهر فهو من الأضداد كما تشير إليه عبارة المصباح وهذا أعجب من كل ما تقدم لأنه مطاوع من وجهين
فإن قلت لم لم تجعل فعل المكسور العين قبل المفتوح كما عبر المصنف في جذم حيث قال جذمت يده كفرح وجذمتها وكما وقع أيضا في عبارة الجوهري في شتر حيث قال رجل اشتر بين الشتر وقد شتر الرجل وشتر أيضا مثل افن وافن وشترته أنا مثل ثرم وثرمته أنا وبذلك يبعد فعل المكسور العين عن المطاوعة قلت أن الكسرة التي في شَترِ هي أخت الكسرة التي في شُتِر وكلناهما أثر الفعل المتعدي اعني شتر فتأمله فإنه من غرائب اللغة العربية بل من عجائبها فإن كنت في شك من ذلك فراجع عبارة العباب والأساس في قصف وبقى النظر في اختصاص الجوهري إيراد الفعل المجهول من شر وافن وهو مستغن عنه دون ثرم وأخواته وأغرب من ذلك أنه لم يذكر افن المجهول في مادته بل ذكره في شتر. هذا واني طالما جزمت بأن فعل المكسور العين يأتي مطاوعا لفعل المفتوح وكنت أظن أني أول من فطن لهذا السر فكنت بذلك مسرورا جدا وخيل لي أنه كان فتحا على وجدا أني إن شرعت في تحرير النقد الثالث والعشرين فرأيت المحشى قد ألم بهذا المعنى فإنه لما روى عن المصنف قوله ملأه وملَأه فامتلأ وتملأ وملى كسمع تعقبه بقوله قد خلط المصنف في ترتيبها فإن امتلأ مطاوع وكذلك مليء كفرح كما صرحوا به فكان الأولى ذكره مقترنا به وتملأ مطاوع ملأ كعلمه تعليما فتعلم غير أن تعبيره بفرح لم يوافق كلام
стр. 88
المصنف وإن كان هو الصواب لأم مليء لما كان مطاوعا هنا كان الأنسب به أن يوزن على فعل لازم ومع هذا التصريح فبقى في نفسي شيء حتى رأيته قد أعاد المعنى في هر أحيث قال قوله وقد هريء بالكسر أي كفرح فهو مطاوع الثلاثي فإنه كير ثم أعاده ثالثة في ثعب بقوله ثعب فلان الدم والمآء كمنع فانثعب وثعب كفرح والمكسور كثيرا ما يكون مطاوعا للمفتوح كما يأتي في مواضع فثبت عندي أنه كان مطلعا على هذا السر فتجاذبني جاذبا سرور ونغص أما السرور فلتحققى حدسي في وجود هذه الصيغة من صيغ الكلام وأما النغص فلأن غيري سبقني إليه مع أني كنت معتقدا خلافه ولكن طابت نفسي عند تذكري حكاية ابن ميادة الرماح الشاعر وذلك أنه أنشد ممدوحه قصيدة فلما وصل فيها إلى قوله
(مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند)
قال له بعض الحاضرين أين يذهب بك هذا البيت برمته للحطيئة فضرب بعمارته الأرض وقال اليوم علمت أني شاعر وعلى كل حال فالحمد لله على أن ألهمني الصواب
ولنعد الآن إلى ما كنا بصدده من ذكر الفآء مع التآء وما يثلثهما. وهو فتح ومعناه ظاهر فإذا تأملته وجدته يرجع إلى أحد معنيي فت أعني الفتح وقد أخذ على المصنف في هذه المادة بعض تراها في النقد الثالث والعشرين. ثم الفتخ محركة استرخآء المفاصل وفتخ أصابعه عرضها وارخاها وعبارة الصحاح فتخ أصابع رجله في الجلوس ثناها ولينها قال الأصمعي أصل الفتخ اللين فقرب من معنى الانكسار وبقى النظر في الفرق بين التعريفين والفتخة ويحرك خاتم كبير يكون في اليد والرجل أو حلقة من فضة كالخاتم وعبارة الصحاح حلقة من فضة لا فص فيها وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها وهي غير منفكة عن معنى الفتح وافتح اعيا وانبهر وهو من معنى الانكسار ومثله رجل افتخ الطرف أي فاتره. ثم فتر سكن بعد حدة ولان بعد شدة وفتر المآء سكن حره فرجه المعنى إلى الانكسار والفتر معروف وهو عندي من معنى الانفتاح. ثم الفتش طلب عن بحث وهي عبارة العباب أيضا وعبارة الصحاح هنا قاصرة جدا وقد مرت وعبارة المصباح فتشت الشيء فتشا من باب ضرب تصفحته وفتشت عنه سألت واستقصيت في الطلب وفتشت الثوب بالتشديد هو الفاشي في الاستعمال وهو غير منقطع عن الفتح. ثم فترصع قطعه فرجع المعنى إلى الكسر ومثله فرصه. ثم فتغه وطئه حتى ينشدخ ونحوه فدغه. ثم فتقه شقه فرجع المعنى إلى الفتح. ثم فتك به انتهز منه فرصة فقتله أو جرحه وفي نوادر أبي زيد أو قطعت منه شيئا وعبارة المصباح فتكت به بطشت به أو قتلته على غفلة وافتكت به بالألف لغة وهو جامع لمعنيي فتق وفترص ويقرب منه بتكمه وتفتيك القطن نفشه ومثله
стр. 89
تفديكه والجوهري ابتدأ هذه المادة باسم الفاعل فقال الفاتك الجريء والجمع الفتاك. ثم فتله لوا وعبارة الصحاح فتلت الحبل وغيره وفتله عن وجهه فانفتل أي صرفه فانصر وهو قلب لفت. قلت هذا القلب غير متعين فإن فتل الحبل غير منفك عن التليين وهوأصل معنى الفتل مرادف الصرف. ثم فتنت الذهب والفضة إذا أحرقه بالنار ليبين الجيد من الرديء كما في المصباح وهو أصل معنى الفتنة فإذا تأملته وجدته غير منقطع عن الفتح والكسر. ثم الفتاء كسماء الشباب وحقيقة معناه تفتح النمو في شخص وأفتاه في الأمر إبانه له وحقيقة معناه فتحة له وكشفه. وقس على ذلك سائر المواد فهذا النسق هو الذي يكشف عن سر وضع الألفاظ ونسبة بعضها إلى بعض وهو الذي اختاره الزمخشري وبني عليه الأساس واقتدى به صاحب المصباح والسابق إلى ذلك ابن فارس في المجمل ﵃ أجمعين
وهذا أوان الشروع في المقصود وهو النقد الموعود
النقد الأول: (في الكلام على خطبة المصنف)
قوله بعد البسملة الحمد لله منطق البلغاء باللغي في البوادي تعريف الحمد في مادته في القاموس مخالف للجمهور فإنه عرفه بالشكر وبينهما فرق فقد حكي الشارح عن ثعلب أن الحمد يكون عن يد وعن غير يد والشكر لا يكون إلا عن يد قال وقال الأزهري الشكر لا يكون إلا ثناء ليد أوليتها والحمد قد يكون شكرا للصنيعة ويكون ابتداء للثناء على الرجل آه وعبارة الصحاح الحمد نقيض الذم ثم قال والحمد أعم من الشكر ومثلها عبارة المحكم وعبارة المصباح حمدته على شجاعته وإحسانه جدا أثنيت عليه ومن هنا كان الحمد غير الشكر لأنه يستعمل لصفة في الشخص وفيه معنى التعجب ويكون فيه معنى التعظيم للممدوح وخضوع للمادح وأما الشكر فلا يكون إلا في مقابلة الصنيع فلا يقال شكرته على شجاعته وقيل غير ذلك. وقال المحشي وفي حواشي السعد والبيضاوي والكشاف من ذلك ما يغني وقد أبديت منه فوائد وأشرت إلى ما في كلام المصنف من مخالفة الجمهور في ذلك لأن كلامهم يقتضي المباينة بينهما (أي الحمد والشكر) وكلامه يقتضي اتحادهما معنى الخ ومما فاته في هذه المادة تحمد فلان أي تكلف الحمد كما في الأساس والمصنف ذكره بمعنى يمتن وعداه بعلي وفيه أيضا واستحمد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم والرعاة يتحامدون الكلأ زفي الصحاح واحتمد الحر قلب احتدم والمصنف لم يصرح به فإنه اقتصر على أن يقول ويوم محتمد شديد الحر وقوله منطق لم يذكر في هذه المادة أن النطق بالفتح مصدر والنطق بالضم أسم كما في المصباح ولا النطق
стр. 90
كحذر بمعنى الناطق وهو في شعر المتنبي ولا أن كسر الطاء من المنطق اللغوي شاذ لأنه مصدر فحقه أن يكون مفتوحا مع أنه تصدى لذكر شذوذ المرجع ولا المنطق الاصطلاحي مع أنه ذكر العروض والفقه والشعر وغيرها من الألفاظ الاصطلاحية ولا ناطقة بمعنى حادثه وإنما فسر بها فاهماه وكان عليه أيضا أن يقول أن نطق يستعمل لغير العاقل يقال نطق العود والطائر وكتاب ناطق أي بين وبذلك نطق الكتاب ومنه قوله تعالى وعلمناه منطق الطير وفاته أيضا رجل نطيق على وزن سكبت بمعنى منطيق وتنطقت أرضهم بالجبال وانتطقت وتنطبق الماء الشجر والأكمة بلغ وسطعها كذا في الأساس وإنما ذكر نطق على وزن فعل مشدودا وكذلك فاته المناقطة لمن يتعاطون علم المنطق وانتطق فلان تكلم كما في المصباح والنطاقة بمعنى البطاقة حكاها الصفاني فقد رأيت ما ذات المصنف في هذه المادة فاظنك بباقي المواد وما قولك في كتاب صريح ألفى كتاب من الكتب الفاخرة وسنيح ألفى فلمس من العيالم الزاخرة كما ستقف عليه في آخر الخطبة. وقوله البلغاء قال المحشي هو جمع بليغ وهو الفصيح الذي يبلغ بعبارته إلى كنه ضميره وقد بلغ الرجل بلاغة كما في المصباح وغيره وإن أهمله المصنف كما سيأتي التنبيه عليه في مادته قلت هذا الاعتراض غريب فإن المصنف قال في بلغ والبلغ ويكسر وكعنب وسكارى وحباري البليغ الفصيح يبلغ بعبارته كنه ضميره بلغ ككرم. وإنما فاته تبالغ في كلامه أي تعاطي البلاغة وليس من أهلها وما هو ببليغ ولكن يتبالغ وأبلغت إلى فلان فعلت به ما بلغ به الأذى والمكروه كما في الأساس وفاته أيضا بلغت الثمار أي أدركت ونضجت كما في الصباح. وقوله باللغي هو جمع لغة ولم يذكره في مادته وإنما اقتصر على لغات ولغون والجوهري ذكره فإن قلت أن جمع فعلة على فعل قياسي فلا حاجة إلى ذكره وكذا الجمع السالم في مثل هذه الصيغة كثبة وثبون وقد ذكر هذه بل هو كثيرا ما يذكر جمع فعلة من السالم فذكره من المعتل أولى قال المحشي قد أهمل المصنف اللغي في مادتها واقتصر على لغات ولغون وذكره الجوهري وابن سيده وغيرها واستعمله المصنف هنا فاحتاج في تصحيح أول فقرة من كلامه للنقل عن الجوهري فا أغنى عنه بتحججه الآتي في قوله ويظهر للناظر بادئ بدء فضل كتابي عليه. قلت ومما فات المصنف أيضا في هذه المادة مما ذكره الجوهري ألغيت العدد أي أسقطته وإنما قال ألغاه خيبه وهو لا يفيد معنى الجوهري ولعل الذي أذهله عن ذلك تهافته على تخطئه الجوهري في قوله لناح كلب لغو وعبارة المصباح ألغيته أبطلته وألغيته من العدد أسقطته قال وكان ابن عباس يلغي طلاق المكره أي يسقط ويبطل آه وهو المتعارف الآن بين الناس قال ومن الفرق اللطيف قول الخليل اللغط كلام لشيء ليس من شأنك والكذب كلام لشيء تغر به والمحال كلام لغير شيء والمستقيم كلام لشيء منتظم واللغو كلام لشيء لم ترده. ومما فاته أيضا لغا عن الطريق
стр. 91
أي مال عنه ولاغيته هازلته وهو يلاغي صاحبه وما هذه الملاغاة كما في الأساس. ومن غريب استعمال اللغة قولهم مثلا في لغة في ثم ولم يتعرض لها في المغنى. وقوله في البوادي قال المحشي جمع بادية كما صرحوا به واقتضاء القياس وإن أغفله المصنف في مادته. قلت هي من بدا يبدو إذا ظهر فاختصاصها بأرض العرب من استعمال العام في الخاص. ومما فاته في هذه المادة كلفنى من بدواتك أي من حوائجك التي تبدو لك وركى مبد بارز ونقيضه ركى غامد وبادا, بارزة وكاشفت الرجل وباديته وجاليته بمعنى وبادي بين الرجلين قايس بينهما وباين كما في الأساس. وفاته أيضا تبدي أي ظهر يقال تبدي كالبدر عند تمامه والمصنف ذكره بمعنى أقام في البادية وفي الصحاح ويقال أبديت في منطقك أي جرت مثل أعديت ومن قولهم السلطان ذو عدوان وذو بدوان بالتحريك فيهما وأهل المدينة يقولون بدينا بمعنى بدأنا وربما جعلوا قولهم افعل ذاك بادي بد وبأي بدى اسما للداهية واصله الهمز كما قال الراجز. وقد علتني ذرأة بادي بدى. ورثية تنهض بالتشدد. وصار للنحل لساني ويدي. وهما اسمان جعلا اسما واحدا مثل معدي كرب وقالي قلا قوله ومخصص عروق القيصوم وغضا القصيم بما لم ينله المبهر والجادي عبارته في خصص التخصيص ضد التعميم وفي عمم التعميم ضد التخصيص وفي شرح الإمام المناوي التخصيص جعل الشيء لشيء معين دون غيره وعبارة المصباح خصصته بكذا إذا جعلته له دون غيره وخصصته بالتثقيل مبالغة وفي المفردات هو تفرد بعض الشيء بما لا تشاركه فيه الجملة ولعل الأولى أن يقال هو إفراد بعض الشيء كما أشار إليه المحشي بقوله خصصه بالشيء إذا أفرده به وآثره وفضله فشتان بين تعريف المصنف وهؤلاء الأئمة. أما قوله في أول المادة خصه بالشيء خصا وخصوصا وخصوصية ويفتح فصاحب المصباح جعل الضم لغة في الفتح لكن الزمخشري جعل الفتح أفصح. وكذلك قصر في تعريف الخاصة فإنه لم يزد على أن قال الخاصة ضد العامة فلم يقل أنها للمفرد والجمع يقال هذا خاصتي وهم خاصتي كما في الأساس وكثيرا ما تستعمل بمعنى خصوصا كقول ابن الأعرابي الفعال بالفتح فعل الواحد خاصة ثم نسب إليها فيقال مثلا خاصية الحروف وخاصية النبات. وفيه أيضا وهو يستخص فلانا ويستخلصه كأنه يخصه بصفاء المودة واختص الرجل اختل أي افتقر وسددت خصاصة فلان جبرت فقره. ومن الغريب هنا أن المصنف ذكر استخلصه في مادة خلص إذ فسر به استخلصه تبعا للجوهري وسيأتي له نظائر ذلك وهو دليل على أن غالب ثقله كان من الصحاح. ووجدت في كلام الإمام الشربشي تخصص الرجل بمعنى صار من الخاصة وتمام الغرابة أني لم أجد في هذه الكتب الخصيصة مفرد الخصائص وهي في كلام أبي تمام وغيره وحسبك تأليف ابن فارس وابن جني في خصائص اللغة. وقوله القيصوم ذكر منافعه في مادته بما لا مزيد عليه ولكن لم يقل أنه من
стр. 92
خصائص أهل البدو حتى يقال فلان يمضغ القيصوم لمن خلصت بدويته وتمحضت عربيته كما أفاده المناوي والغضا مقصورا شجر عربي مشهور تأكله الإبل وقيل أنه من مأكولات الأعراب والقصيم رملة تنبت الغضا والعبهر فسروه بالنرجس وقال المصنف أنه النرجس والياسمين ونبت آخر والظاهر أنه لا ينبت في البادية لقوله بما لم ينله العبهر والجادي الزعفران نسبة إلى الجادية قرية من أعمال البلقاء وقيل بالشام والياء فيه مشدودة لكنها سكنت لتناسب الفقر وذكر المصنف هذا الحرف في جود وفسره بالزعفران ثم أعاده في جدي وفسره بالزعفران والخمر ويطلق أيضا على طالب الجدوى وعلى معطيها كما في الأساس وهو مما فات المصنف والجوهري فقد عرفت تقصير المصنف في المواد فهو نموذج مغن عن تتبع نظائره في سائرها فإن ذلك يطول ويمول. قوله ومفيض الأيادي الذي ذكره في المعتل أن هذه الصيغة جمع الجمع لليد التي بمعنى الجارحة أما اليد التي بمعنى النعمة والإحسان وهي المرادة هنا فجمعها على يدي مثلثة الأول وعلى أيد. وقال المحشي قال ابن جني أكثر ما يستعمل هذا الجمع (أي الأيادي) في النعم لا في الأعضاء والمحب اقتصر عليه. قوله بالكرم الممادى ذكر في المعتل ماديته وأمديت له أمليت ولم يذكر تمادي في الأمر إذا لج ودام على فعله كما في المصباح وقال المحشي الممادى اسم فاعل من مادى أي طال واستمر فجعله لازما والمصنف جعله متعديا قال وهو المصحح في النسخ المروية المقروءة وفي النسخ المتمادي وهو الظاهر في الدراية لشيوع تمادى على الأمر أس استمر عليه ودام وهو في أمهات اللغة دون مادى. قوله بسقت دوحة رسالته فظهرت على شوك الكوادي واستأسلت رياض نبوته فعيت في المآسد أنليوث العوادي هاتان الفقرتان وجدتا مختلفتين في عدة نسخ ففي إحداهما نبينا الذي الذي بسقت دوحة رسالته فظهرت شوكة الكوادي قال المحشي قال المحب هكذا في النسخ القديمة التي بأيدينا (لعله النسخة) وهي إحدى النسخ الثلاث التي وقفت عليها وكان يرى أنها متأخرة وأنها لذلك معتمدة, وقال بعد ذكر النسختين ثم اجتهدت فحصلت نسخة صلاح الدين بن رسول سلطان اليمني ورأيت بآخرها بخط المؤلف كل بحمد الله تصحيح الكتاب بقراءة كاتبه على مؤلف أضعف خلق الله قراءة بينة متقنة في مدة قليلة أعلى الله سعادة مالكها خليفة الله في خليقته ولله الحمد على جزيل أنعامه وحسبنا الله ونعمة الوكيل قال ورقم كاتبها (كذا) فرغ من زبره الفقير إلى الله تعالى أبو بكر بن يوسف بن عثمان المغربي الحميدي يوم السبت العشرين من رجب سنة أربع عشرة وثمانمائة اه. قلت قد حظيت بمطالعة هذه النسخة الجليلة في خزانة المرحوم كوبريلي محمد باشا المقابلة لتربة المرحوم السلطان محمود وإذا هي أثر يملأ العين نورا والقلب سرورا لحسن خطها وتناسق سطورها وجودة ورقها وجميع موادها مكتوبة بالذهب وفصولها بالحبر الأزرق ولكن لن تعدم الحسناء ذاما فإنها غير تامة النقط في مواضع كثيرة وكتب في ظهر أعلى
стр. 93
صحيفة منها بالخط الثلث بماء الذهب كتاب القاموس المحيط والقابوس الوسيط في اللغة وفي وسطها برسم الخزانة السلطانية الملكية الناصرية الصلاحية الرسولية عمرها الله آمين وفي أسفلها تأليف القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أيادي نفع الله به ورأيت على حواشيها بلغ العراض فصح إن شاء الله وكتب مؤلفه أو بلغ العراض مع مؤلفه أو بلغ العراض معي وكتب مؤلفه أو بلغ العراض معي فصح ولله الحمد أو بلغ العراض مع مؤلفه فصح ولله الحمد أو بلغ العراض وكتب مؤلفه تاب الله عليه أو بلغ العراض فصح بتوفيق الله وكتب مؤلفه وهكذا وكل ما كتبه غير منقوط جريا على عادته ويعلم من ترجمته أن ما كتبه في آخر هذه النسخة كان قبل وفاته ﵀ بنحو ثلاث سنين مع أن حسن الخلط لم يفارق يده ورأيت ما كتبه هنا كما قال المحب ولكن كتب بعد قوله في مدة قليلة دلت على سعادة مالكها بدل أعلى الله سعادة مالكها ووجدت أيضا ما رقة كاتبها كما قال المحب غير أن لفظتي المغربي الحميدي تصحيف في نسخة المحشي بل في نسختين له عن المقري الجبري الثانية غير منقوطة ثم رأيت بجانب هذه النسخة نسخة أخرى نفيسة بخط الملا علي بن سلطان محمد الهروي بتاريخ سنة ٩٨٢ وهي أحسن خطا وأتم وضعا من تلك فإن لها جداول من الذهب والجبر الأزرق وكل مادة منها مرقومة في سطر على حدته فتعجبت من إتقانها ولاسيما أني رأيت فيها تصحيح بعض الألفاظ كتبت ملحونة في النسخة الناصرية وكان من تمام حظي برؤيتها أني رأيت في ترجمة محررها في خطبة تاج العروس أن الشارح وصفه بالعلامة الملا وقال أنه ألف شرحا على القاموس سماه الناموس وعلى حواشي كلتا النسختين تنبيهات على ما اشتملت عليه المواد مثل أو طب أو نادرة أو عجيبة فكأن هذه التنبيهات كانت في نسخة المصنف قصد بها زيادة التنويه بكتابه. ولنعد إلى اختلاف الروايات فنقول أنه وجد في نسخة أخرى نبينا الذي شعب دوح رسالته طهرت شوكة شوك العوادي ولا استأسدت رياض نبوته تحم الذوابل نضرتها إلا رعت في المآسد اللبون ذات التعادي فضلا عن الذئاب العوادي في أردأ الضوادي. وذكر المحب هذه النسخة وقال هي الثالثة التي وقف عليها من النسخ اليمنية وفي نسخة أخرى ولا استأسدت رياض نبوته تحم الذوابل نضرتها إلا وعيت في المآسد اللبون ذات التعادي إلى قوله الضوادي. قال المحشي في شرح قوله فطهرت شوكة الكوادي هذا التطهير إن ثبت رواية فإنه يحتاج إلى ضروب من المجاز وإلا صح في الرواية أنه بالظاء المعجمة قلت الذي في النسخة الناصرية طهرت بالطاء المهملة وتشديد الهاء. أما قوله والأصح في الرواية أنه بالظاء المعجمة فقتضاه أن ظهر يتعدى بنفسه ولم أجده متعديا في الصحاح ولسان العرب إلا في قولهم ظهرت البيت أي علوته وعبارة المصنف ظهر على أعانني وبه وعليه غلبه وبفلان أعلن به وكان حقه أن يقول ظهر عليه أعانه وغلبه وضد وظهر به
стр. 94
أعلن به وغلبه. والكوادي جمع كادية وهي الأرض الصلبة البطيئة النبات واستشكل المحب جزم تحم من دون جازم فأجاب المحشي بأن الياء حذفت من آخره في الخلط تبعا لحذفها في اللفظ لالتقاء الساكنين نظير ما قالوا في سندع الزبانية. قوله ﷺ وعلى آله وأصحابه نجوم الدادي وبدور القوادي الدادي جمع دأداء وهي آخر الشهر وفيها أقوال والقوادي قال الإمام المناوي من قدى كرضى إذا تسنن والمصنف لم يذكرها في محلها ونص عبارته القدوة مثلثة وكعدة ما تسننت به واقتديت وطعام قدي وقد طيب الطعم والريح قدي كرضى فقصر الفعل على الطعام. قال المحشي والقوادي مما وقع الخلاف في ضبطه لفظا وشرحه معنى قال في القول المانوس التوادي بفتح التاء جمع تادية وفي بعض النسخ القوادي بالقاف وهو الموجود في جميع النسخ التي بأيدينا وعن الإثبات والجهابذة رويناها ونسخة المثناة الفوقية لا تصح وبالقاف ضبطها أرباب الحواشي والشروح ما عدا القرافي ومتبوعه وإن تبعهم من لا معرفة له بالكتاب ولا بألفاظه. قوله ما ناح الحمام الشادي وساح النعام القادي عبارته في شدو شدا الإبل ساقها والشعر غنى به أو ترنم فيكون الشادي ضد النائح وأجاب المحشي عن ذلك بأن إطلاق النوح والبكاء والتغريد والترنم والسجع ونحوها على هدير الحمام ونحوه يختلف باختلاف القائلين فن صادفته اسجاع الحمام في أنسه مع حبيبه سماه غناء وترنما ومن صادفته أوقات مجانبته سماه بكاء ونوحا ونحو ذلك اه فيكون تأويل كلام المصنف ما ناح الحمام في اعتقاد قوم وما غنى في اعتقاد قوم آخرين. وقوله النعام القادي قال المناوي أي المسرع وعبارة المصنف في قدو قدت قادية جاء قوم قد أقحموا من البادية والفرس قديانا أسرع فقيده بالفرس ولم
يذكر القادية أول جماعة تطرأ عليك كما أفاده الشارح. قوله ورشفت الطفاوة رضاب الطل من كظام الجل والجادي الطفاوة فسرها بعضهم بدارة الشمس أو القمرين كما هي في تعريف المصنف وهي أيضاً ما طفا من زبد القدر وفسرها المناوي بالشمس بعينها والكظام أفواه الوادي والآبار المتقاربة والكظامة فم الوادي الذي يخرج منه الماء وكأنه عكس معنى كظم وعبارة المصنف الكظامة فم الوادي ومخرج البول من المرأة وككتاب سداد الشيء واخذ بكظام الأمر أي الثقة فلم يذكر أنه جمع كظامة والجل بفتح الجيم وضمها فسره بالياسمين والورد أبيضه وأحمره وأصفره ولم يقل أنه معرب من الفارسية والجادي تقدم ذكره. وقوله وبعد فإن للعلم رياضا وحياضا عبارته في روض الروضة والريضة بالكسر من الرمل والعشب مستنقع الماء لاستراضة الماء فيها ونحو النصف من القربة وكل ماء يجتمع في الأخاذات والماكات ج روض ورياض وريضان قال المحشي أو هي الأرض ذات الخضرة والبستان الحسن أو الروضة عشب وماء ولا تكون روضة إلا والماء
стр. 95
معها أو إلى جانبها أو غير ذلك مما أهمله المصنف قلت لعل هذا الإهمال من عدم تعريف الجوهري للروضة فإنه لم يقل شيئا في وصفها فغاية ما قال الروضة من البقل والعشب والجمع روض ورياض وقوله وحياضا قال المناوي حوّض وتحويض اتخذ لإبله حياضا والمصنف اقتصر على الثلاثي تبعا للجوهري أما حوض فأورده بمعنى آخر حيث قال وأنا أحوض لك هذا الأمر أي أدور حوله وهي أيضا عبارة الصحاح غير أن الجوهري نبه على أنه مثل أحوط. قوله وطرائق وشعابا قال المناوي عن الراغب الشعب من الوادي ما اجتمع فيه طرق وتفرق منه طرق فإذا نظرت إليه من الجانب الذي يتفرق منه أحدث في وهمك اثنين اجتمعا فلذلك يقال شعبت الشيء جمعته وشعبته فرقته فهو من الأضداد والمصنف لم يزد على أن قال الشعب بالكسر الطريق في الجبل أو ما انفرج بين الجبلين ومسيل الماء في بطن أرض وسمة للإبل وبقي النظر في الطرائق فإن عبارة المصنف فيها مبهجة فراجها وعبارة الصحاح وطريقة الرجل مذهبة يقال ما زال فلان على طريقة واحدة أي على حالة واحدة.
قوله وشواهق وهضابا قال المناوي الشواهق جمع شاهق من شهق يشهق بفتحتين شهوقا أي ارتفع وجبل شاهق ممتنع طولا كما في الصحاح وقال الراغب هو المتناهي طولا اه قلت كان الأولى رده إلى الارتفاع وعبارة المصنف شهق كمنع وضرب وسمع شهيقا وشهاقا بالضم وتشهاقا بالفتح تردد البكاء في صدره وعين الناظر إليه إصابته بعين والشاهق المرتفع من الجبال والأبنية وغيرها والعرق الضارب إلى فوق فلم يذكر له فعلا اكتفاء بذكر اسم الفاعل على عادته وعندي شهق بمعنى ارتفع هو أصل معنى تردد البكاء في الصدر لأن التردد هنا كناية عن ارتفاع الصوت في الصدر فالمصنف أهمل الأصل وذكر الفرع. وقوله وهضابا قال الشارح المذكور قال الزمخشري ومن المجاز هضبوا في الحديث أفاضوا فيه وهو يهضب بالشعر والخطب أي يسح سحا وعبارة المصنف هنا قاصرة فأنه قال هضبت السماء أمطرت والرجل مشى مشي البليد وفي الحديث أفاض فلو قال وفي الحديث والشعر والخطب لكان أولى وبقي النظر في تعدية الزمخشري هضب الحديث بقي وهضب الشعر والخطب بالباء. قوله يتفرع عن كل أصل منه أفنان قال الشارح الفرع ما يتفرع من أصله وعبارة الزمخشري ومن المجاز فلان فرع قومه أي شريفهم وهو من فروعهم وجلست فرع فلان أي فوقه وامرأة طويلة الفروع وهي الشعر ولها فرع تطأه وتقول لابد للفرعاء من حسد القرعاء وتفرعت في بني فلان تزوجت سيدهم. ثم أن الشارح عرف الأفنان بأنها جمع فنن وهو الغصن الطري الورق والمصنف ذكره بمعنى الغصن مطلقا وعبارة المحشي أفنان بالفتح جمع فن بالفتح أيضا وهو الحال والضرب من الشيء أو جمع فنن محركة وهو الغصن قلت
стр. 96
قوله بالفتح جمع فن فيه أن الجمع لا يكون إلا مفتوحا. قوله الحافل بما يتضلع منه القاحل والكاهل والفاقع والرضيع عبارته في قحل غريبة فإنه قال قحل كمنع قحولا وكعلم قحلا أو يحرك وكعني قحولا يبس جدله على عظمه وقحل الشيخ كفرح يبس جلده على عظمه فهو قحل بالفتح وككتف فما معنى إطلاق يبس الجلد على العظم من باب منع وعلم وعني وتقييده بالشيخ من باب فرح وإذا كان كذلك لزمه أن يقول هنا القحل والكاهل أو بالحوى القحل والكهل وعبارة المصباح قحل الشيء قحلا من باب نفع يبس فهو قاحل وقحل قحلا من باب تعب فهو قحل مثله وعبارة الأساس ومن المجاز قحل الشيخ وقحل وأنه لقاحل الجسم وشيخ قحل اه والكهل عرف المصنف بأنه من وخطه الشيب ورأيت له بجالة إلى أن قال واكتهل صار كهلا قالوا ولا تقل كهل وقد جاء في الحديث هل في أهلك من كاهل ويروي من كاهل أي تزوج وعبارة الصحاح من أسن وعبارة المحشي والكاهل بالكاف والهاء واللام فسروه بالقوي وهو الظاهر وإن أغفله المصنف اه وقوله الفاقع والرضيع فسروا الفاقع بالغلام الذي تحرك ونشأ والظاهر أن بعض النساخ استهجن الفاقع فأبدلها باليافع لأنه رأى المصنف قد ابتدأ هذه المادة بمعنى سخيف فإنه قال وفقع كمنع سرق وضرط غيران لفظة فاقع وردت في التنزيل فهي إذا فصيحة وأيا كان فكلام المصنف هنا مبالغة وزاده بعدا عن الاحتمال قوله والرضيع إذ لا يتصور في الذهن أن الرضيع يتضلع من علم. قوله علم اللغة والمعرفة بوجودها والوقوف على مثلها ورسومها جعل الضمير هنا قافية وهو غير جائز ويمكن أن يقال أنه لم يقصد به السحيح والمحشي والشارح لم يتعرضا لذلك. قوله جزاهم الله رضوانه وأحلهم من رياض القدس ميطانه قال الإمام المناوي الميطان كميزان موضع يهيأ لإرسال خيل السباق فيكون غاية في المسابقة وعبارة المصنف في وطن والمطيان بالكسر الغاية وفسر الغاية في المعتل بالمدى والراية. وعبارة الصحاح والميطان الموضع الذي يوطن لترسل منه الخيل في السباق وهو أول الغاية والميتاء والميداء آخر الغاية. وعبارة المحشي بعد أن عرف الميطان وبقى أن الرياض جمع وهو مؤنث على ما عرف في العربية فكان مقتضى القياس في التعبير ميطانها ألا أن يدعى التأويل والمجز (تفعل من الجاز) أو يقال أنه عائد إلى القدس على ما فيه. قوله وأني قد نبغت في هذا الفن قديما وصبعت به أديما ولم أزل في خدمته مستديما قال الإمام المناوي نبغت بالغين المعجمة أي فقت غيري وفي بعض النسخ نبعت بالعين المهملة وعليها شرح القاضي عيسى بن عبد الرحيم الكهراتي وغيره وتكلفوا لمعناه أي خرجت من ينبوعه وهو محض تكلف ومخالف للروايات وقيل أن نبع بالمهلة لغة في نبغ بالمعجمة فزال الأشكال. قلت الأولى المعجمة لتطابق صبغت لأن المصنف تعمد الترصيع في هذه الخطبة كثيرا ولم
стр. 97
يذكر نبع بمعنى نبغ وقوله مستديما فسره الإمام محمد مرتضى بدائما غير أن دائما من فعل لازم ومستديما من فعل متعد فيكون مفموله مقدرا. قوله ووكنت برهة من الدهر التمس كتابا جامعا بسيطا ومصنفا على الفصح والشوارد محيطا قلت عبارته في بسط البسيط المنبسط بلسانه وهى بهاء وقد بسط ككرم وثابت بحور العروض ووزنه مستفعلن فأعلن ثماني مرات وبسيط الوجه متهلل واليدين مسماح فلم يذكر البسيط بالمعنى الذي أراده هنا وهو المنشور الممتد الواسع وفاته أيضا البسيط ضد المركب مع أنه ذكر بسيط العروض ووزنه مستفعلن فاعلن ثماني مرات وبسيط الوجه متهلل واليدين مسماح فلم يذكر البسيط بالمعنى الذي أراده هنا وهو المنشور الممتد الواسع وفاته أيضا البسيط ضد المركب مع أنه ذكر بسيط العروض وهو من الألفاظ الاصطلاحية وقوله مسماح لم ينص عليه في بابه قوله برهة ضبطت هنا بالضم وعبارته في باب الهاء البرهة ويضم الزمان الطويل أو أعم قوله على الفصح والشوادر محيطا الفصح جمع فصحى ولم يذكرها في مادتها وكان الأولى أن يقول بالفصح إلا أن يقال أنه ضمن أحاط معنى اشتمل ولا داعي إليه. قوله ولما أعياني الطلاب قال الإمام
المناوي كذا في النسخ وهو الطلب وفي نسخة الشيخ أبي الحسن على بن غانم المقدسي ﵀ التطلاب بزيادة التاء وهو من المصادر القياسية يؤتي بها غالبا للمبالغة اه. وقال الجوهري في بين والتبيان مصدر وهو شاذ لأن المصادر إنما تجيء على التفسال بفتح التاء مثل التذكار والتكرار والتو كاف ولم يجيء بالكسر إلا خرفان وهما التبيان التلفاء. وقال أيضا في كرر كررت الشيء تكريرا وتكرارا قال أبو سعيد الضرير قلت لأبي عمرو وما الفرق بين تفعال وتفعال فقال تفعال بالكسر اسم وتفعال بالفتح مصدر. وقال الحريري في درة الغواص ويقولون في مصدر ذكر الشيء تذكارا بكسر التاء والصواب فتحها كما تفتح في تسأل وتيار وتهيام وعليه قول كثير
(وإني وتهيامي بعزة بعدها .. تخليت مما بيننا وتخلت)
وذكر أهل العربية أن جميع المصادر التي جاءت على تفعال بفتح التاء إلا مصدرين تبيان وتلقاء قال بعضهم وتنضال أيضا فأما أسماء الأجناس والصفات فقد جاءت منها عدة أسماء على تفعال بالكسر كقولهم تجفاف وتمثال وتمساح وتقصار وهي المخنقة القصيرة ورجل تيتاء وهو المذيوط وتبراك وتعشار وترباع وهي أسماء أمكنة وقالوا مر تهواء من الليل بمعنى هوى ورجل تنبال أي قصير تلعاب أي كثير اللعب وتلقام أي سريع اللقم وقالوا أيضا ناقة تضراب إذا ضربها الفحل وثوب تلفاق أي لفقان. وقال الإمام الخفاجي في شرحه الدرة هذا ما ذكره أهل اللغة ومثله التجفاف شيء يجعل على الخيل كأنه درع لها وفي المغرب أنه تفعل من جف لما فيه من الصلابة قال وقد ذكر هذا في الشرح الكتاب وفيه لم يجيء بالكسر إلا حرف وهو تبيان مصدر بين وقال غيره أنه لم يجيء مكسورا على أنه مصدر وإنما وافق معنى المصدر فاستعمل في موضعه كما وقع كثير
стр. 98
من الأسماء موقع المصادر كالتطعام اسم للمأكول وقع موقع الإطعام وفي الصحاح لم يجيء مصدر بكسر التاء الأتبيان تلقاء وزادوا عليه تشرابا في قولهم شرب الخمر تشرابا وسمع فيه الفتح أيضا واقتصر عليه الجوهري وغيره وزاد الرعيني في شرح الغية ابن معطي تفراج للجبان وتكلام للكثير الكلام وتنضال من المناضلة وتتفاق الهلال بتائين أولاهما مكسورة ميقاته يقال جئتك لنتفاق الهلال أي حين أهل وتسخان لواحد التساخين (شبه الطيالسة) وتنبال وتنبالة للقصير ووزنه عند سيبويه فعلان فالتاء عنده أصلية. قلت قوله ومثله تجفاف مشكل لأن الحريري ذكره ولكن لم يفسره وقوله تتفاق الهلال بتائين لم أجده في في الصحاح ولا في القاموس وإنما يوجد فيهما ميفاق الهلال ويتفاق وتوفاقه. وعقد الإمام السيوطي في المزهر فصلا لتفعال المكسور وذكر فيه ألفاظا كثيرة عن ابن دريد وأبي العلاء إلى أن قال في آخره قال ابن مكتوم وزادوا عليه التيتاء للكثير الفتور وشرب الخمر تشرابا والتسخان للخفف لكن الفتح فيه أكثر قال في الصحاح قال أبو سعيد الضرير قلت لأبى عمرو ما (الفرق) بين تفعال وتفعال فقال تفعال اسم وتفعال مصدر اه وبقي النظر في تفسير التيتاء بالكثير الفتور وهو غير الصواب والاقتصار على تفسير التسخان بالخف ففي القاموس والتساخن المراجل والخفاف وشيء كالطيالس بلا واحد أو واحدها تسخن وتسخنان. وقال ابن سيده في مادة ردد رده يرده ردا وتردانا وهو بناء للتكثير قال سيبوبه هذا باب ما يكثر فيه المصدر من فعلت فتلحق الزوائد وتبنيه بناء آخر كما أنك قلت في فعلت فعلت حين كثرت الفعل ثم ذكر المصادر التي جاءت على التفعال كالترداد والتلعاب والتصفاف والتقتال والتسيار وأخواتها وقال وليس شيء من هذا مصدر فعلت ولكن لما أردت التكثير بنيت المصدر على هذا كما بنيت فعلت على فعلت اه وقال العلامة الرضى الاسترابادي في شرح الشافيه إذا قصدت المبالغة في مصدر الثلاثي بنيته على التفعال وهذا قول سيبويه كالتهذار في الهذر والتلعاب والترداد وهو مع كثرته ليس بقياس مطرد وقال الكوفيون أن التفعال أصله التفعيل الذي يفيد التكثير قلبت ياؤه ألفا فاصل التكرار التكرير ويرجح قول سيبويه أنهم قالوا التلعاب ولم يجيء ولهم أن يقولوا أن ذلك مما رفض أصله قال سيبويه وأما التبيان فليس بناء مبالغة وإلا لفتح تاؤه بل هو اسم أقيم مقام مصدر بين كما أقيمت الغارة وهي اسم مقام الإغارة في قلوبهم أغرت غارة الخ. وهنا ملاحظة من عدة أوجه. أحدهما أن الإمام محمد مرتضى قال في تاج العروس ما خالف به جميع الصرفيين واللغويين ونص عبارته بعد قول المصنف (طاب يطيب طابا وطيبا وطيبة وتطيابا) بالفتح لكونه معتلا وأما من الصحيح فبالكسر كتذكار وتطلاب وتضراب ونحوها صرح به أئمة الصرف وهو سهو غريب
стр. 99
ليس عنه مجيب وتمام الغرابة أن خلافه هذا لم ينبه عليه في هامش الكتاب. الثاني أن الإمام الفيومي صاحب المصباح خالف الرضي وغيره في جعله بناء تفعال مقيسا من كل فعل ثلاثي ونص عبارته في مادة عسف وهو راكب التعاسيف وكأنه جمع تعساف بالفتح مثل التضراب والتقتال والترحال من الضرب والقتل والرحيل والتفعال مطرد من كل فعل ثلاثي اه ويؤيد, قول الإمام المحشي عند قول المصنف الأخذ التناول كالتأخاذ هو مصدر جيء به على تفعال بالفتح مبالغة وقررنا غير مرة أنه يبنى من الثلاثي لقصد المبالغة كالنّسيار والتعذال فذكره ليس من اللوازم ولكن قال بعد قول المصنف في الخطبة ولما أعياني الطلاب وفي نسخة التطلاب تفعال من الطلب وهو بنا ءيؤتى به للمبالغة في المصادر نحو التذكار والتكرار والتطواف وما لا يحصى بل هو عند بعض أئمة الصرف من المقيس كأوزان المبالغة في الأسماء اه فذكره إذا من اللوازم وكذلك قول الإمام المناوي أنه من المصادر القياسية يؤتى بها غالبا للمبالغة له وجهان كذا يظهر لي. الثالث أن أهل اللغة أوردوا التفعال من الثلاثى والرباعي معا فإن الجوهري أورد التكرار من كرر ونص عبارته وكررت الشيء تكريرا وتكرارا فالظاهر أنه مشى على مذهب الكوفيين كما تقدم عن الرضى والمصنف أورده من كر وكرر جميعا ونص عبارته كر عليه كرا وكرورا وتكرارا عطف وكرره تكريرا وتكرارا وتكرة كتحلة إعادة مرة بعد أخرى وعبارة المصباح وأفناه كر الليل والنهار أي عودهما مرة بعد أخرى منه اشتق تكرير الشيء وهو إعادته مرارا والاسم التكرار وهو خلاف قوله أولاً أنه يبنى من كل فعل ثلاثي وقال المصنف في ذرف الدمع ذرفا وذرفانا وذروفا وذريفا وتذرافا سال إلى أن قال وذرف دمعه تذريفا وتذرافا وتذرفه صبه ولو قال اسأله لكان أولى وقال في سجم سجم الدمع سجوما وسجاما إلى أن قال وسجمه هو واسجمه وسجمه تسجيما وتسجاما وقال في جول جال في الحرب جولة وفي الطواف جولا وجولانا محركة وجول تجوالا ونحوها عبارة الجوهري والإمام الزمخشري قصره في المفصل على الثلاثي ونص عبارته والتفعال كالتهدار والتلعاب والترداد والتجوال والتقتال والتيسار بمعنى الهدر واللعب والرد والجولان والقتل والسير مما بني لتكثير الفعل والمبالغة فيه. الرابع كما أنهم اختلفوا في إيراد التفعال من الثلاثي والرباعي كذلك اختلفوا في إيراده من اللازم والمتعدي فإن الجوهري قال في سكب سكبت الماء سكبا أي صببته وسكب الماء بنفسه سكوبا وتسكابا وانسكب بمعنى وعبارة المصنف سكب الماء سكبا وتسكابا فسكب هو سكوبا صبه فانصب. الخامس أن حكم هذا المصدر في عمله النصب كحكم غيره من المصادر وعليه قول طرفة وما زال تشرابي الخمور ولذتي البيت. السادس أن المصنف قد فاته من صيغة تفعال كثير وكذلك الجوهري وغيره فإن كانت قياسية كما قال
стр. 100
صاحب المصباح فلا لزوم لذكرها وإن كانت غير قاسية كما قال الرضى وجب ذكرها بالاطراد وإلا فما معنى ذكرها مرة وإهمالها أخرى فهذا أحد الحروف التي ربكت غير واحد من فحول العلماء وبقي النظر في قول المصنف ولما أعياني الطلاب فإنه كان يمكنه مع عزة شأنه ورفعة قدره أن يحصل على بعض الكتب التي نقل منها الإمام الفيومي في المصباح كما ذكر في آخر كتابه من جملتها البارع لأبي علي القالي البغدادي والتهذيب للأزهري وهما من أمهات الكتب وسيأتي بسط الكلام على هذا المعنى. قوله شرعت في كتابي الموسوم باللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب فهما غرتا الكتب المصنفة في هذا الباب ونيرا براقع الفضل والآداب قلت الذي عليه الشراح أن المصنف لم يتم من كتاب اللامع إلا خمس مجلدات فقط ولكن يلمح من قوله في القاموس في باب الهاء الفاكهة الثمر كله وقول مخرج التمر والعنب والرمان منها مستدلا بقوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان أو لعله ذكر ذلك في باب آخر وقوله غرتا الكتب الخ ليس صحيح على الإطلاق فإن العباب غير تام كما تقدم والمحكم أقل رواية عن العرب من التهذيب فإن مؤلف التهذيب شافه العرب كان يسألهم عما أنكره من رواية اللغويين فكثيرا ما يقول هذا الحرف لم أسمعه من العرب أو سألت العرب عنه فلم يعرفوه وما أشبه ذلك فإن قيل أن لغة العرب في زمانه لم تكن سالمة من اللحن فلم يكن الاستشهاد بها حجة قلت أن الجوهري احتج بكلام العرب الذين شافههم وقبل منه ذلك ثم ابن البارع لأبي على البغدادي الذي قال فيه ابن طرخان أنه يحتوي على مائة مجلد وفي رواية ابن خلكان خمسة آلاف كراس وإنه لم يصنف مثله في الإحاطة والاستيعاب وابن جامع القزاز الذي قال فيه المحشي نقلا عن أرباب الفن أنه ما ألف في اللغة أكبر منه ولا أجمع وأين لسان العرب الذي جمع المحكم والتهذيب والصحاح وحواشي ابن بري عليه والنهاية لابن الأثير والجمهرة فإن قيل أن المصنف لم يطلع على هذه الكتب وإلا لذكرها قلت هذا القول لا تقوم به حجة فإنه ذكر في آخر الخطبة أن كتابه صريح ألفي مصنف من الكتب الفاخرة وسنيح ألفي قلمس من العيالم الزاخرة فكيف يحتمل أن هذه الكتب لم تكن في جملة الألفين ولعلي أعود إلى هذا الموضوع لأنه من أهم الأمور وإعادة ما بهم تحقيقه ليس بها محذور. وبقي النظر في التوفيق بين قول المصنف الجامع بين المحكم والعباب وقوله غير أني خمنته في ستين سفرا يعجز تحصيله الطلاب فإن هذين الكتابين لا يبلغان ستين سفرا فإن قيل أن ذلك من الزيادات التي إليها كما صرح به قلت مدار هذه الزيادات على أسماء أعلام وأمكنة أو وصف أدوية أذكر أشياء لا تعلق لها باللغة كحكاية الفقاس واللوف ونحو ذلك وهب إنها كانت في حجم الكتابين فلا يبلغ ستين سفرا إلا أن المراد بالسفر هنا جزء صغير خلافا لما عرفه هو به
стр. 101
في مادة سفر. وقوله نيرا براقع الفضل والآداب قال الإمام المناوي نيرا تثنية نير كسيد وهو الجامع للنور الممتلي والنيران الشمس والقمراه قلت المصنف لم يذكر هذه الصيغة في بابها وإنما ذكر الفعل بالإشارة والجوهري أهمله أصلا وعبارة المصباح ونار الشي ينور نيارا بالكسر وبه سمي إضاءة أيضا فهو نير والبراقع فسرها المحشي بأنها جمع برقع وهي السماء السابعة أو الرابعة أو الأولى كما في القاموس قال واقتصر في الصحاح على ضبطه بالكسر وعلى تفسيره بالسماء السابعة وشنع على من فسر البراقع بأنها جمع برقع وهو ما تستر به المرأة وجهها وهو غريب فإن برقع السماء مفرد فكيف يصح جمعه ولعل سبب هذا التكلف أنه لم ير مناسبة بين النور وبراقع النساء إذا المشهور أن يقال نير الفلك أو الأفق ونحو ذلك وقوله الفضل عبارته في باب اللام الفضل ضد النقص وأحسن منها عبارة الجوهري فإنه قال الفضل والفضيلة ضد النقص والنقيصة وعبارة الكليات والفضل في الخير ويستعمل لمطلق النفع والفضول جمع فضل بمعنى الزيادة غلب على ما لا خير فيه حتى قيل
(فضول بلا فضل وسن بلا سنا .... وطول بلا طول وعرض بلا عرض)
ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه فضولي وفي المصباح واشتق منه (أي من الفضول) فضالة مثل جهالة وضلالة والمصنف لم يذكر الفضالة بالفتح بهذا المعنى وقوله والآداب سيجيء الكلام على تعريفه الأدب بأنه الطرف وحسن والتناول. قوله مع التزام إتمام المعاني وإبرام المباني يعني أن القاموس مع كونه اختصر من اللامع المعلم العجاب فقد جمع جميع معانيه وفيه أنه خلا عن كثير من الألفاظ الفصيحة المذكورة في الصحاح وغيره فيكون اللامع أيضا مثله في الخلو فكيف خمنه في ستين سفرا وبالجملة فإن إتمام المعاني في القاموس على صغره مجرد دعوى وقوله إبرام المباني قال الإمام المناوي المباني جمع مبنى استعمل في الكلمات والألفاظ والصيغ اه والمصنف لم يذكر في المعتل المباني ولا مفردها وكان حقه أن يقول وإبرام نظام المباني ليطابق الفقرة الأولى. قوله فصرفت صوب هذا القصد عناني قال الإمام المناوي صوب أي جهة وناحية وهو مما فات المؤلف يعني أنه لم يذكره في صوب. وقال المحشي. قد قصر المصنف في هذه المادة غاية وترك أمورا يحتاج إليها أرباب البداية والنهاية منها الصرب بمعنى الناحية والجهة فقد أهمله بالكلية حتى خفي على بعض من يدعي التحقيق فجعله استعارة من الصوب بمعنى المطر وفي حواشي المغنى للخفاجي أن الصوب بمعنى الجهة حقيقة كما في التهذيب والمصباح قال فتفسير الدماميني له بالمطر أو نزوله على الاستعارة مما يقتضي منه العجب. قوله وجعلت بتوفيق الله زفرا في زفر ولخصت كل ثلاثين سفرا في سفر قال المحشي التوفيق خلق قدرة
стр. 102
الطاعة في العبد وقال المحب التوفيق الإلهام لوقوع الأمر على المطابقة بين الشيئين اه وعبارة المصنف في وفق واستوفقت الله سألته التوفيق ووفقه الله توفيقا ولا يتوفق عبد إلا بتوفيقه فذكره ثلث مرات ولم يفسره وعبارة المصباح وفقه الله توفيقا سدده ووفقت بينهم أصلحت والزفر كصرد قال المحشي له معان الأليق منها البحر والزفر بالكسر له معان أيضا أحسنها هنا وأليقها القربة والتلخيص الاختصار كما قاله جماعة وإن أغفله المصنف فقد استدار كناه عليه اه ولم ينتقد عليه حوشية الزفر على أنه كان الأولى أن يقول وجعلت بتوفيق الله كل زفرفي زفر ليناسب الفقرة الثانية. قوله وضمنته خلاصة ما في العباب والمحكم قال الإمام المناوي خلاصة بالضم بمعنى خالص ولباب عبارة المصنف في خلص خلاصة السمن بالضم والكسر ما خلص منه فقيده بالسمن وهذه الدعوى مبالغة إذا لو كان القاموس متضمنا خلاصة هذين الكتابين لزاد حجمه أضعافا فإن حجمه ليس بأكبر من حجم الصحاح مع أن ربعه أسماء أعلام وبقاع وأودية ووصف أدوية وبعد فما الذي منع المصنف من أن يقول أن كتابه تضمن خلاصة الصحاح أيضا إذا لو قال ذلك لربما حمل الناس على أن يظنوا أن كتابه مغن عن الصحاح فحسده للجوهري صرفه عن مصلحة نفسه والواقع أن غالب ما في القاموس من الكلام الفصيح الصحيح فإنما هو مقتبس منه كما يعلم من مطابقة الكتابين. وهنا سر قل من تنبه له وهو أن الجوهري سها عن إيراد بعض ألفاظ واردة في فصيح الكلام ومثبتة في أصلي القاموس أعني المحكم والعباب وفي غيرهما فقلده المصنف في إهمالها أصلا وفرعا. من ذلك الحزب بمعنى النوبة والحظ والنصيب واحتج بالشيء إذا اتخذه حجة وارتصده بمعنى رصده واستظرف أي عده ظريفا واستلطفه أي عده لطيفا وامتلك الشيء بمعنى ملكه واكتمل بمعنى كمل وابتعد نقيض اقترب وارتبط مطاوع ربط وامتزج مطاوع مزج ومازجه ممازجة ومزاجا واقتنع بالشيء بمعنى قنع وشاق إلى الشيء بمعنى اشتاق وماثله أي شابهه وزلف إليه أي دنا منه وارتجف والتقف والتمع مبنيا للفاعل بمعنى لمع واغتبطه بمعنى غبطه والتجانس والتآنس والاتحاد والشديدة واحدة الشدائد والعار والغرابة مصدر غرب الشخص بالضم أي بعد عن وطنه والاسترباح طلب الربح والاستشفاف في البحر وهو الربح ولسان مرجم ويائس اسم فاعل من بئس وقلده أيضا في قوله ورض الرجل توريضا وورضت الدجاجة بعد ما أنكره عليه في ورص وفي ركن مستهدف وهو في الحكم ركب وفي خلط الواو بالياء في مادة روح وعود وابا وذرا وصاحب المحكم فرق بينهما وفي ذكر الخضر منكرا وهو في المحكم معرف وفي إيراده الناس في نوس وابن سيده أورده في أنس وفي سد التملة وفي قوله ويقال طاق نعل وطاقة ريحان وفي فلان تيسية وتيسوسية من دون تفسير له وفي قوله أن الحوائج غير قياسية أو مولدة كأنهم جمعوا حائجة مع أن ابن
стр. 103
سيد أثبت الحائجة وفي قوله أيضا أن البطاقة سميت لأنها تشد بطاقة من هدب الثوب مع أن ابن سيده أنكر هذا القول وجعل الباء أصلية وفي قوله أيضا أن العاج عظم الفيل وابن سيده نص على أنه أنيابه وأن الطحان من طحن أو طح وفي شرح خاصمه فخصمه وفي تفسير اختلاج العين بطيرانها وفي تعريف الشوائب وغير ذلك وخطأ الجوهري في قوله البثر خراج صغار لأنه ظن أن الخراج مفرد مع أن ابن سيده عبر عنه أيضا بصيغة الجمع فلو أنه نظر في المحكم في هذا لمادة لما أقدم على هذه التخطئة وكل ذلك دليل على أن أخذه من الصحاح كان أكثر منه من غيره وتمام الغرابة أن الجوهري ذكر انتتف في مادة مرق بقوله والمراقة ما انتتفته من الصوف وذكره في مادته مطاوع نتف وذكر من معاني استلطف استلطف البعير دون استلطفه أي عده لطيفا مع أن هذا المعنى أشهر وذكر استخصه في تعريف استخلصه لا في مادته والمصنف تابعه على ذلك كما يتابع التلميذ أستاذه مقلدا له فع هذا السر واحرص عليه ولك أن تفشيه حين تمس الحاجة إليه وأن تتخذ هذا النموذج وسيلة إلى إصابة نظائره وكأن المحشي قد ألم به فإنه لما استغرب من الجوهري إهماله للحزب بمعنى الحظ والنصيب أردفه بقوله وأهمله المجد كالجوهري وهو عجيب منهما ولاسيما مع دعاوي المجد النازلة من (؟ ) كل غور ونجد ثم تعجب أيضا من عدم ذكرهما الحزب بمعنى النوبة مع أن هذا المعنى هو الأصل فقال ومن العجائب إهمال الجوهري للحزب بمعنى النوبة بالكلية فضلا عن الحكام له بالفرعية والأصلية وأعجب منه اقتفاء المجد آثاره القاصرة وإبطال الدعاوي المتطاولة بالإحاطة والوساطة وإظهار أنها فاضحة ومتقاصرة والكمال لله وحده. قوله واسميته القاموس المحيط لأنه البحر العظم قال المحشي ولو قال بالقاموس بالباء الجارة لكان استعمالا فصيحا سائغا قلت هذا الاعتراض مخالف لما قاله الجوهري في سما ونص عبارته وسميت فلانا زايدا وسميته بزيد بمعنى وأسميته مثله والعجب من المصنف أنه ذكر هنا نصف اسم كتابه وترك النصف الآخر وإنما ذكره في آخر الكتاب حيث قال هذا آخر القاموس المحيط والقابوس الوسيط وقد عرف القابوس بأنه الرجل الجميل الوجه وعرف القاموس بأنه البحر أو أبعد موضع فيه غورا لكن غيره لم يفسره بالبحر فإن الجوهري عرفه بأنه وسط البحر ومعظمه وعبارة التهذيب ومن أمثالهم قال فلان قولا بلغ به قاموس البحر أي قعره الأقصى وقال أبو عبيد الله القاموس أبعد موضع غورا في البحر وعبارة المحكم القاموس والقومس قعر البحر وقيل وسطه وعبارة الأساس غرق في قاموس البحر أي في قعره وعبارة العباب قال ابن دريد قومس البحر وقاموسه معظم مائة وقال أبو عبيد أبعد موضع غورا في البحر وفي حديث ابن عباس ﵄ أنه سئل عن المد والجزر فقال ملك موكل بقاموس البحار فإذا وضع قدمه فاضت وإذا رفعها غاضت
стр. 104
وعليه يفسد قول المصنف المحيط كما لا يخفى وتمام الغرابة أن المحشي فسر القاموس بالبحر نقلا عن المصنف وقال ولا يحتاج إلى النظر في المادة ولا مراجعة الغير فإن صاحب البيت أدرى بما فيه مع أن المصنف نفسه لم يجزم به كما مر وهبه جزم فما وجه نعته له أولا بالأعظم وزد على ذلك أن الشارح ذكر القومس البحر واسقط لفظة القاموس فإن المصنف قال قبل تعريفه القاموس القومس الأمير ومعظم البحر كالقاموس وأغرب من ذلك كله أنه أي الشارح نقل القومس بمعنى البحر عن ابن ريد وهو لم يقل ذلك كما مرعن العباب ثم طالعت الجمهرة فوجدت فيها ما نصه القمس الغوص في الماء ومنه قاموس البحر وهو معظم مائه فانظر إلى هذا التخليط. وقوله ولما رأيت إقبال الناس على صحاح الجوهري وهو جدير بذلك غير أنه فاته نصف اللغة أو أكثر إما بإهمال المادة أو بترك المعاني الغريبة النادة قال المحشي وفي بعض النسخ ثلثا اللغة وهو الواقع في نسخة المحب وقيل أنه في النسخة الناصرية وهو يدل على أنه جمع اللغة كلها وأحاط بها بأسرها وهذا أمر متعذر لا يمكن لأحد من الآحاد على أن الجوهري لم يقصد الجمع والإحاطة وإنما التزم الصحة وجعلها شرطا فيما أورده وأراده على أن لصاحب الصحاح أن يدعي أحسنية كتابة وتفوقه على القاموس لأن جمع ما صح وإن قل أحسن من مطلق الجمع وليس الاعتماد على كثرة الجمع بل على شرط الصحة الذي فاق به الصحاح على جميع من تقدمه أو تأخر عنه ولم يصل شيء من مصنفات اللغة في كثرة التداول والاعتماد على ما فيه إلى ما وصل إليه الصحاح ولا نقصت شهرة ما قاله من التوسع في أبنية الكلمات وضبطها وذكر شواهدها وتصرفاتها ومشافهة العرب بمدلولاتها وذلك مما خلا عنه القاموس وغيره على أن المصنف أهمل كثيرا من الألفاظ التي ذكرها الجوهري مبسوطة مشروحة مع شدة الاحتياج إليها وتوقف الأمر عليها لا يقال أنه يغتفر في جنب ما زاد لانا نقول الالتزام بذكر ذلك والاعتراض والتبجح بإيراده صراحة وتعريضا وادعاء الإحاطة يمنع من ذلك كما هو ظاهر وقوله إما بإهمال المادة ظاهرة حصر الفوات وهي دعوى لا دليل عليها إذ لا يتحقق فوات شيء فضلا عن النصف أو الثلثين قال القرافي بقي شيء وهو أن عادته في القاموس غالبا أن يفسر المادة بعبارة يخترعها ومن عنده وصاحب الصحاح يأتي بها بالكلام العربي الفصيح ولا يخفاك (كذا) أن التصرف في اللغة غير معهود ولا يخلو غالبا من عدم المساواة خصوصا إذا كان المفسر غير عربي خالص قال ثم إن المصنف بين المواد التي أهملها الجوهري بالحمرة لكنه أهمل علامة ما زاده في المواد المشتركة مما تركه الجوهري فما يعلم قدر ما زاده إلا بعد مقابلة كتابه بالصحاح إذا لا علامة على التمييز وكان الجاري على مقتضى ما نبه عليه بالحمرة أن يجعل لما زاد علامة أخرى وفيما أودعه الجوهري من الشواهد والفوائد ما يقوم مقام تلك الزوائد اه وقوله أما بإهمال المادة قد عرفها
стр. 105
في مادتها بأنها الزيادة المتصلة وفي المحكم مادة الشيء ما يمده دخلت فيه الهاء للمبالغة وعرفها الإمام المناوي بأنها حروف اللفظ الدالة على المعنى وتعريفها في اللغات الإفرنجية التي ترجم إليها القاموس أنها الجرم الأصل ما يركب منه الشيء ما يبنى عليه الكلام الأمر المهم الأمر مطلقا ما يكون عنه نسبة خاصة. وقال المحشي أيضا غالب ما أهمله الجوهري من المواد التي زادها المصنف إنما هي مواد عجمية ليست من كلام العرب في شيء فضلا عن كونها من الصحيح الذي التزمه الجوهري وقد مر أن الجوهري لم يدع جمع جميع المواد حتى يتوجه عليه الإيراد ولم يدع الإحاطة نعم يتجه على المصنف الألفاظ التي تركها ونقصها مع ادعاء الإحاطة وتسمية كتابه بالبحر المحيط الذي لا يفوته شيء مع أنه فاته عشرون ألف مادة ذكرها صاحب لسان العرب فقد قالوا أن الصحاح اشتمل على أربعين ألف مادة زانها الحسن والصحة والبيان وأن صاحب القاموس توسع فجمع فيه ستين ألف مادة ولسان العرب اشتمل على ثمانين ألف مادة فكان على صاحب القاموس أن يتمم ما ذكره صاحب اللسان حتى يكون كتابه محيطا كدعواه بل كان الأليق بالتبجح الاستقراء التام حتى يجد مواد يزيدها عليه ويورد ما يظهر للناظر بادي بدء ما يحقق نسبة الإحاطة إليه وأما غير الغالب الذي ذكره المصنف فقد أورده قبله جماعة من كتاب الحواشي على الصحاح كابن بري والصغاني في التكملة وغيرهما ومع ذلك فقد بحثوا معهم وقالوا لعل ما أوردتموه لم يصح عند الجوهري. وقوله أو بترك المعاني الغريبة النادة هذه المعاني التي جاء بها المصنف أثناء المواد وتبجح بها هنا مع كونها غير ظاهرة كما أشرنا إليه غالبها إما مولد لا أصل له في كلام العرب أو مجازات مستعملة في غير موضعها الأصلي أو اصطلاحات لبعض الفقهاء والأطباء وغيرهم كما لا يخفى عمن له أدنى مسكة بعلوم اللسان. ثم أن المصنف اعترف بإقبال الناس على الصحاح واعتمادهم عليه وسبقه إليه غير واحد من أئمة هذا الشأن وفضلوه على غيره من مصنفات اللغة تفضيلا مطلقا لالتزامه الصحيح وبسطه الكلام وإيراده الشواهد على ذلك ونقله كلام أهل الفن دون تصرف فيه وغير ذلك من المحاسن التي لا تحصى واقتصروا على تقديمه المحض دون شائبة ذم لا صراحة ولا تعريضا بخلاف المصنف فته وإن ذكر ذلك ونقل الثناء على المتقدمين إلا أنه استدركه بقوله غير أنه فاته نصف اللغة الخ ففيه نسبة القصور إلى الذين اعتمدوه (كذا) وأقبلوا عليه والإشارة إلى الغض منهم وأنهم لم يدركوا مدرك المصنف ولا تنبهوا لما أورده ولا يخفي ما فيه فإنه لم يقصد إلا بيان قصور هؤلاء الناس الذين اعتمدوا الصحاح وأقبلوا عليه انتهى مع بعض تصرف. وهنا ملاحظة من عدة أوجه أحدها أن قول المحشي وغيره أن القاموس جمع ستين ألف مادة فيه نظر لأنهم إن أرادوا بالمواد مثل كأب وكبب وكتب وكثب فهذا المقدار أعني الستين ألفا كثير فإني تتبعت القاموس
стр. 106
من أول حرف الهمزة إلى آخر حرف الظاء وهو نصف تقريبا فلم أجد سوى خمسة آلاف وأربعمائة وإحدى وخمسين مادة من جملتها المواد الزائدة على الصحاح ولا شك أن الباقي أقل وذلك لطول المواد فيه فربما ملأت المادة الواحدة منها صفحتين وإن أرادوا المادة وما يشتق منها فذلك فوق العدد فربما أناف على مليون. الثاني أن قول المحشي وبعض النسخ ثلثا اللغة وهو الواقع في نسخة المحب وقيل أنه في النسخة الناصرية الذي رأيته في النسخة المذكورة نصف اللغة ولكن قوله بعده فأكثر يوصله إلى الثلثين وقد أسلفت ذكر السبب الذي حمله على هذا القول فلا حاجة إلى إعادته هنا وإنما أقول أن المصنف لم يكن بدعا في قوله نصف اللغة وإن قال الشارح وغيره أن اللغة لا يعرف لها نصف ولا ثلثان فقد حكي الإمام السيوطي في المزهر أن ابن منادر قال كان الأصمعي يجيب في ثلث اللغة وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها وكان أبو زيد يجيب في ثلثيها وكان أبو مالك يجيب فيها كلها غير أن هذه الدعوى كانت فيما أرى أليق بالصغاني حين استدرك في التكملة ما فات لجوهري من فصيح الكلام ومع ذلك فلم يقل أن الجوهري فاته نصف اللغة تأدبا معه. وهذا نص عبارته في خطبة التكملة هذا كتاب جمعت فيه ما أهمله أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه وذيلته عليه وسميته التكملة والذيل والصلة غير مدع استيفاء ما أهمله واستيعاب ما أغفله ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وفوق كل ذي علم عليم وكم ترك الأول للآخر. ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزا. والله تعالى الموفق لما صمدت له والميسر ما صعب منه والعاصم من الزلل والخلل والخطأ والخطل وهو حسبي ونعم الوكيل. الثالث أن قول المحشي أن المصنف أهمل كثيرا من الألفاظ التي ذكرها الجوهري مبسوطة مشروحة الخ شاهده ما في النقد السابع عشر وأغربه ما كان في المواد القليلة الاشتياق نحو سهد فإن المصنف أهمل فيها السهاد مع أن الجوهري ابتدأ المادة به ونظيره السجية بمعنى الخلق والطبيعة ونحو سمت فإنه أهمل فيها تسمته بمعنى قصده وله نظائر كثيرة. الرابع أن قول الذين انتصروا للجوهري لعل ما أوردتموه لم يصح عند الجوهري غير صحيح على الإطلاق فإنه أهمل كثيرا من الألفاظ التي لا يشك في صحتها وفصاحتها كما مر بيانه وهو قليل من كثير وجل من لا يسهو وأعظم أسباب هذا الإهمال أنه لم ينسق ترتيب الأفعال ومشتقاتها على نسق الصرفيين كما بينته في أول المقدمة مثال ذلك قوله في أول مادة عرر عرت الإبل فهي معرورة ثم به عرة وهو ما اعتراء من الجنون ثم ذكر أعرت الدار وعر الطير وهو يعر قومه ثم استعرهم الجرب ثم عار الظليم بتشديد الراء ثم تعار الرجل من الليل ثم عرعرت رأس القارورة وركب عرعره ثم عره بشر ثم المعتر وهكذا سائر المواد فن يخلط في ترتيب الكلام على هذا المثال فلابد
стр. 107
وأن يفوته منه شيء. الخامس أن قول المحشي وفضلوه (أي الصحاح) على غيره من مصنفات اللغة تفضيلا مطلقا لعل هذا التفضيل بالنسبة إلى ما ألف قبله فلا يشمل لسان العرب أما قول المصنف أو بترك المعاني الغريبة النادة فهل حسب منها واشظا وتواشظا واجخر الرجل وعذمت المرأة زوجها وعقد الكلبة وامتعاس الأست والجيهبوق وغير ذلك مما بسطت الكلام عليه في النقد الرابع عشر. قوله أردت أن يظهر للناظر بادئ بدء فضل كتابي عليه فكتبت بالحمرة المادة المهملة ليه قال المحشي أن من نظر إلى القاموس أولا في بادئ الرأي ظن أنه محيط كأسمه وإن تبجح صاحبه جامع بحر اللغة ورسمه فإذا تأمله حق التأمل علم أن تلك الزيادات غير واردة لأنها إما مجازية أو عرفية لأقوام أو مولدة كما مر وهذا لا يعد زيادة عند ذوي التحقيق. قلت لا يظهر للناظر في بادئ الرأي أن القاموس أجمع للغة من الصحاح لأنهما متقاربان في الحجم وفضلا عن ذلك فإن أول ما يقع عليه نظر الناظر إلى الصحاح الأبيات التي استشهد بها فيحكم بأن مؤلفه لغوي أديب فإذا وقع نظره على المواد المكتوبة في القاموس بالحمرة حكم بأن مؤلفه طبيب وذلك نحو قوله الأشيح والبرنج والبسفانج والبابونج والبهرامج والجسميرج والجوزاهنج والاسفيداج والشاففج والشهدانج ونحو ذلك فالمادة الحبرية ليست دليلا على المزية الحبرية. وقوله وأنت أيها اليلمع العروف والمعمع اليهفوف قال المناوي قوله اليلع المعروف فيه اليلمعي بالياء المشددة الدالة على المبالغة كالالمعي بالهمزة وأما اليلمع فهو البرق الخلب وبمعنى الكذاب وكلاهما غير مناسب هنا ومثلها عبارة المحشي وقوله العروف فسره المحشي بأنه مبالغة غير أن المصنف ذكره في مادته بمعنى الصبور وإنما ذكر العريف والعروفة بمعنى العارف وقوله المعمع قال المحشي فسر بعضهم المعمع بالصبر على الأمور ومداولتها وهو على تقدير مضاف أي ذو المعمع وكأنه أخذه من كلام المصنف في مع حيث قال والمعمع المرأة التي أمرها مجمع لا تعطي أحدا من مالها شيئا والذكية المتوقدة وهو ذو معمع ذو صبر على الأمر ومزاولة فقصر المعمع على الأنثى وكذلك أورده في الصحاح لكنه في المحكم صفة للرجل أيضا فكأن المصنف أخذ ألفاظ الخطبة من المحكم ونسيها في المواد واليهفوف كيعفور الحديد القلب كما في الحكم وغيره ويطلق على الجبان أيضا وليس بمراد هنا قلت وهذا أيضا لم يذكره المصنف في مادته وهذه الألفاظ حوشية لا يستسيغها من له في الأدب أدنى مزية. وقوله إذا تأملت صنيعي هذا قال الشارح الصنيع مصدر كالصنع فسوى بينهما وعبارة الصحاح الصنع بالضم مصدر قولك صنع إليه معروفا وصنع به صنيعا قبيحا أي فعل والصناعة حرفة الصانع وعمله الصنعة وعبارة المصباح صنعته اصنعه صنعا والاسم الصناعة والصنعة عمل الصانع وعبارة المصنف صنع إليه معروفا كمنع صنعا بالضم وصنع به صنيعا قبيحا فعله والشيء صنعا بالفتح والضم عمله وما أحسن صنع
стр. 108
الله بالضم وصنيع الله عندك والصناعة ككتابة حرفة الصانع وعمله الصنعة وعبارة المحشي صنيعي أي ما صنعته والذي حققه الراغب وغيره أن الصنيع هو إجادة العمل والصنيع يكون مصدرا كالصنع وقيده المصنف فيما يأتي بالقبيح فكان الأولى تعبيره بالصنع بغير ياء دفعا للإبهام وإن قال غيره أنه يقال مطلقا ومقيدا. قلت المصنف بعد أن قال وصنع به صنيعا قبيحا قال وصنيع الله عندك وهو إشارة إلى أنه يستعمل مطلقا ومقيدا وإنما نشأ معناه في القبيح من اقترانه بحرف الجر كما تقول فعل به ما يكره وسعى به إلى السلطان وقول المصنف والشيء صنعا بالفتح والضم عمله عندي أن المفتوح مصدر والمضموم اسم مصدر كالغسل والغسل وقول المحشي أي ما صنعته إشارة إلى أن الصنيع هنا فعيل بمعنى مفعول وهو الذي أذهب إليه. قوله مشتملا على فرائد أثيرة قال الشارح أعني الإمام محمد مرتضى أثيرة أي جليلة لها أثره وخصوصية تمتاز منها أو أن هذه الفرائد متلقاة من قرن بعد قرن قلت عبارة المصنف في أثر الأثيرة الدابة العظيمة الثر بحافرها في الأرض فقيده بالدابة وإذا كان لابد من التأويل فالأولى تفسير الأثيرة هنا بالمأثورة أو المروية. قوله ومن أحسن ما اختص به هذا الكتاب تخليصه الواو من الياء وذلك قسم يسم المصنفين بالعي والإعياء قال المحشي قد نازعه في ذلك المحققون وصرحوا بأنه تقدمه بذلك جماعة وأقول أنه تقدمه في تمييز ذلك وبيانه أمام المحراب اللغوي وخطيب المنبر الصرفي وهو الجوهري في صحاحه فقد نبه على ذلك في أول باب المعتل وجاء منه بأمثلة والتزم بيانه في كل بناء يكون فيه اشتباه فأين هذا التخصيص بالتخليص وهو أشار ووقعت له الاشتباهات وغيره جاء في ذلك بالتصريح والتنصيص اه قلت الحق أحق بأن يتبع ولا ينكر الفضل إلا من للهوى خضع وللغواية اتبع أن الجوهري وإن كان قد راعى تخليص الواو من الياء في الأبواب إلا أنه لم يراع ذلك في باب المعتل بخلاف المصنف فإنه راعاه في هذا الباب إلا ما ندر لكنه استفاد ذلك من المحكم وقصر عنه في أبواب كثيرة ثم أن المصنف لم يذكر التصنيف في مادته بهذا المعنى الذي أراد هنا فإنه قال وصنفه تصنيفا جعله أصنافا وميز بعضها عن بعض وهو أصل المعنى لكنه خص في العرف بتصنيف الكتب فلا يطلق المصنف على التاجر الذي يميز ما عنده من أصناف الحرير والصوف فكان عليه أن يذكر ذلك في محله كما ذكر في الشعر أنه غلب على منظوم القول لشرفه بالوزن والقافية وإن كان كل علم شعرا وكقوله أيضا في الفقه أنه العلم بالشيء والفهم له والفطنة وغلب على علم الدين لشرفه وعبارة الأساس وصنف الأشياء جعلها صنوفا وميز بعضها من بعض ومنه تصنيف الكتاب. وقوله ومن بديع اختصاره وحسن ترصيع تقصاره قال الإمام المناوي الترصيع التركيب على وجه يورث الزينة والتحلية يقال سيف مرصع أي محلى بالجواهر ونحوها قال الزمخشري رصع التاج حلاه بكواكب
стр. 109
الحلية والترصيع أيضا أن تكون الألفاظ مستوية الأوزان مستقيمة الإعجاز كقوله تعالى إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم اه والمصنف أهمل هذا المعنى وذكر ترصيع السيف وكان حقه أن يذكر لأنه من أشرف أنواع البديع وذكره أولى من ذكر اصطلاحات العروضيين. قوله ولا أعيد الصيغة قال الإمام المشار إليه الصيغة العمل والتقدير وصيغة القول كذا أي مثاله وصورته على التشبيه بالعمل والتقدير وقال المحشي قوله ولا أعيد الصيغة أي لا أقول هو كريم وهي كريمة مثلا بل اترك ذلك اختصارا على أنه ترك هذا الاصطلاح في مواضع كثيرة منها أنه قال العم وهي عمة وقال ضبعان وهي ضبعانة وقال ثعلب والأنثى ثعلبة وقال قنبع والأنثى قنبعة وقال خروف والأنثى خروفة وقال هم وهي وهمة وغير ذلك مما لا يحصى. قوله وإذا ذكرت المصدر مطلقا أو الماضي بدون الآتي ولا مانع فالفعل على مثال كتب قلت أن معرفة المصدر من كلامه متعذرة جدا فإنه كثيرا ما يلتبس بالاسم كما تراه في محله وقوله مطلقا يشمل اختلاف الحركات في المصدر كأن يكون ساكن العين أو مفتوحا مع أن المفتوح يأتي فعله غالبا من وزن فرح ولهذا انتقد كلامه في العنت فإنه ذكره محركا واقتصر عليه وفعله ليس على مثال كتب وأجاب عنه المحشي في طرب بقوله زعم بعض من ادعى النظر في القاموس ومعرفة اصطلاحه أن الفعل من الطرب ككتب لقوله في الخطبة وإذا ذكرت المصدر مطلقا فالفعل على مثال كتب وهو من العجائب فإنه هناك قيد بقوله ولا مانع والمانع هنا كونه محركا فإن ورود المصدر محركا إنما يقاس في فعل المكسور اللازم كفرح ووروده على خلاف ذلك في غيره نادر كالطلب ونحوه ثم شروطها كلها مقيدة بعدم الشهرة كما في الفتح وأما إذا أطلق المشاهير فلا يعتد بإطلاقه فيها بل تجري على قواعد الصرف المشهورة ويعمل فيها بالاشتهار الرافع للنزاع كما هنا فإن الفعل من الطرب اجمعوا على كسره على القياس فلا اعتداد بالإطلاق ولا بغيره مما يخالف المشهور قلت قول المصنف ولا مانع رأيته في النسخة الناصرية تحت السطر ثم إن المحشي نفسه اعترض على المصنف لقوله نتجت الناقة كعني وقد نتجها أهلها فقال قوله نتجها أهلها إطلاقة صريح في أنه على مثال كتب ولكن الذي في المصباح ومختار الصحاح وغيرهما أنه كضرب فكان الأولى أن يتبع الماضي بالمستقبل على عادته ومصدره النتج بالفتح على القياس كما في الصحاح وغيره وأهمله المصنف تقصيرا وسيعاد ويرد عليه أيضا الغلب ويحرك وفعله على مثال ضرب وعمد للشيء ومسك به وعف عنه كلها على هذا المثال مع أن المصنف أطلقه وله نظائر. قلت وهو اصطلاح حسن وأن شذ منه ألفاظ ولعل هذه القاعدة هي التي حملت مصحح
стр. 110
الصحاح المطبوع بطهران على أن يحرك السهاد بالفتح فإن الجوهري لم يضبطه قال المحشي هذا الكلام (أي قوله وكل كلمة الخ) ثابت في بعض النسخ الصحيحة وعليه شرح المناوي وغيره من أرباب الحواشي ونبهوا على زيادته وهو ساقط في كثير من الأصول وأهمله المحب وابن الشحنة والبدر القرافي. وما سوى ذلك فأقيده بصريح الكلام غير
مقتنع بتوشيح القلام قال الشارح مقتنع مجتزئ ومكتف قلت المصنف لم يذكر هذه الصيغة في بابها تبعا للجوهري كما مر والقلام جمع قلم كالأقلام وآثره هنا ليوازن الكلام ويدل على سعة اطلاعه.
قوله وكل غث إن شاء الله عنه مصروف قال المناوي أي كلام فاسد أو كل ما لا يليق قال الزمخشري تقول حديثكم غث وسلاحكم رث وأغث فلان في كلامه تكلم بما لا خير فيه اه وعبارة المصنف في أول المادة الغث المهزول وقد غث يغث ويغث بالفتح والكسر وغث الحديث فسد كأغث وهو مخالف لقول الزمخشري فإنه جعل أغث للمتكلم لا للكلام وعبارة الجوهري غثت الشاة هزلت فهي غثة اللحم يغث ويغث غثاثة وغثوثة فهو غث وغيث إذا كان مهزولا وكذلك غث حديث القوم وأغث ردؤ وفسد تقول أغث الرجل في منطقة وهي أحسن من عبارة المصنف لأنه ابتدأ بالفعل والمصنف ابتدأ بالنعت. قوله ثم إنني نبهت فيه على أشياء ركب الجوهري رحمه الله تعالى فيها خلاف الصواب قال المناوي أصل الركوب حقيقة في الأجسام ثم استعير للمعاني فقالوا ركبته الديون وركب الشخص رأسه إذا مضى على غير قصد ومنه راكب التعاسيف قال الزمخشري ومن المجاز ركب ذنبا وارتكبه وركبه بالمكروه وارتكبه وقال المحشي التنبيه أصله الإيقاظ من النوم والمصنفون يستعملونه بمعنى الأعلام بتفصيل ما علم إجمالا وقد حرر البدر القرافي رسالة في الجواب عما أورده المصنف على الجوهري جمعها في خطوط عبد الباسط البلقيني وسعدي أفندي مفتي الديار الرومية وغيرها وسماها بهجة النفوس في المحاكمة بين الصحاح والقاموس قلت هذا الكلام لا يليق بعالم منصف فإن بهجة النفوس تشتمل على أربعمائة صفحة في كل صفحة سبعة وعشرون سطرا فهي كتاب لا رسالة وتمام عدم الإنصاف قوله جمعها قوله غير طاعن فيه قال المناوي يقال طعنت فيه بالقول وطعنت عليه من باب فتك ونفع أي قدحت وعبت ومنه هو طعان في أعراض الناس وقال الراغب أصل الطعن الضرب بالرمح وغيره ثم استعير للوقيعة وقال الزمخشري ومن المجاز طعن فيه وعليه وعبارة المصنف طعنه بالرمح كمنعه ونصره طعنا ضربه ووخزه وفيه بالقول طعنا وطعنانا وفي المفازة ذهب والليل سار فيه كله والفرس في العنان مده وتبسط في السير فقال طعن فيه السن ومن الغريب هنا قول المحشي يقال طعنه بالرمح إذا ضربه وباللسان سبه ووقع فيه وعابه
следующие страницы →