← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحقوق الواجبة على طالب العلم هذا مما يجب أن يتحلى به طالب العلم مما دونه الأكابر، وذكره الفضلاء، وسطره العلماء من قبل، وليس لنا فيه إلا استحضار ذكره للناس. مضى الحديث وسبق القول في قضية بناء الإنسان نفسه إيمانياً ومعرفياً وسلوكياً، فإذا قدر للإنسان أن يبني نفسه إيمانياً ومعرفياً وسلوكياً، فإنه ينطلق بعد ذلك إلى ما يسمى بالجانب العملي في حياته. وهذا الجانب العملي في حياة طالب العلم له شواهد وقرائن تدل عليه، أو له معايير يحكم له بها، فلا مشاحاة في الاصطلاح. والذي نريد أن نذكره بعون الله تعالى أن يعرف طالب العلم لكل ذي حق حقه، وهذا من دلائل يقينه بربه، وسيره على هدي نبيه، واحتكامه إلى العقل، ومعرفة ما يجب عليه، وما يملى عليه من الواجبات. وقولنا: أن يعرف لكل ذي حق حقه من أهم ذلك حق الوالدين. ثم حق ولاة الأمر، وأن يكون المرء العالم والسالك لطلب العلم لبنة خير في مجتمعه، يألف ويؤلف، يحب أن يجتمع الناس على كلمة سواء، يحبب الناس في ولاة أمرهم، ويحبب ولاة الأمر إلى الناس، ويسعى بين الجميع بالمنطق الحسن، وتآلف القلوب، واجتماع الكلمة، ووحدة الصف، ويلتمس الأعذار، ويقبل المعاذير، ويقيل العثرة، ويتغافل عن بعض الأمور، بهذا وأمثاله تعرف الحقوق، ويقوم الإنسان بما عليه؛ لأن أهل العلم هم المنوط بهم أن يتولوا ركاب الأمة قيادة وسعياً إلى الخير، وحتى يكون الإنسان مؤهلاً لذلك عملياً يجب أن يكون قد وطن نفسه على أن يعرف لأهل الفضل فضلهم فقراء المسلمين، ومساكينهم، وأهل الضعفة والعوز منهم، يجب على طالب العلم أن يعرف وصية الله جل وعلا بهم، ووصية رسوله ﷺ في حقهم، فيقربهم ويدنيهم، ويرأف بهم قدر ما يستطيع، وأن يعلم أنهم سبيل إلى رحمة الله، وطريق إلى مرضاته، بل إنهم جميعاً في أداء حقهم طريق إلى أن يحسن الرب ﵎ إلينا، ويرحمنا، وذلك من أعظم أسباب التوفيق، ويقاس على ذلك معرفة فضل أولي الفضل، وإنزال الناس منازلهم، وهذا كله مبني على تلك الأسس التي يجب أن يعنى بها وهي ثلاثة: البناء الإيماني والمعرفي والسلوكي.

стр. 107

أمور يجب على طالب العلم أن ينأى بنفسه عنها ثم ننتقل بعد ذلك إلى ما يمكن أن يكون سمتاً، وهو مندرج في الجانب العملي، ثمة أمور يجب على طالب العلم أن ينأى بنفسه عنها، وأن يجتنبها، لأنها تفقده مروءته، أو تفقده مصداقيته، أو تدفعه لئن يقول ما لا يعلم. وهذه الثلاث المحاذير مما يجب أن ينأى المرء عنه. قد يكون الشيء مباحاً، لكنه لا يليق بمن سلك منهج العلماء، وطريق القادة، وسبيل الربانيين من الكبار، وكنموذج من واقع الناس، كالأناشيد مثلاً، أو ما يعرف بالأناشيد الإسلامية، وإن كان في وصفها بالإسلامية محل نظر، لكنها تكون مباحة عند أكثر العلماء إن لم تكن مصحوبة بآلة عزف، فهذه قد يقبل أن يستمعها شاب أو طالب في مركز، أو رجل في سفر، قد لا يكون هناك حرج كبير في ذلك، لكن لا يليق بطالب علم أن يعزف على تلك الأناشيد، ينتقل من كتف إلى آخر، يتغنى بها أو يرددها، فهذا يقدح غالباً في مروئته، وينأى به عن سمت العلماء وهديهم، ذلك أن للعلماء سمتاً وهدياً خاصة في المحافل والأماكن، والإنسان يتأثر بما يسمع ومما يقول. مما ينبغي أن ينأى طالب العلم بنفسه عنه: أن يتحدث في كل شيء، وأن يرى أنه أهل لئن يتكلم في كل قضية، وإنما العاقل وطالب العلم في المقام الأول، وطالبة العلم في المقام الأول كذلك، فلا يتحدث إلا في الشيء الذي ملأ يده منه، وأحكمه وأجاده. والإنسان إذا كان أكمله الله بالإيمان والمعرفة والسلوك الحسن لا يتحدث بكل قضية، ولا يخطب في كل نادٍ، ولا يهيم في كل واد، وإنما إذا تحدث رأى الناس على حديثه سمت الصدق، ونجم عن حديثه النفع، وكان تحريره للقول تحرير رجل عالم بما يقول، ولهذا لا يمكن أن يتحدث الإنسان في كل قضية، ويخوض في كل مسألة رغبة في أن يتصدر بمجلس، أو أن يشار إليه بالبنان. كما ينبغي أن ينأى طالب العلم بنفسه عن مزاحمة الناس في أمر دنياهم، قال الشافعي ﵀: فإن تجتنبها تجتنبها بعزة وإن تجتذبها نازعتك كلابها أي: الدنيا. وقال الحسن البصري ﵀: اترك للناس دنياهم يتركوا لك دينك. وليس المقصود أن الإنسان يحيى فقيراً على السؤال والمسكنة، لكن الإنسان إذا كان في دائرة ما حكومية، أو غيرها فلا يأخذ غير حقه، أو يشارك في مسألة الأسهم كما في عصرنا، أو يدخل بما يسمى بالجمعيات، أو يأتي إذا كان معلماً في الجدول الدراسي يطالب بأكثر من حقه، أو ما أشبه ذلك مما يشعر الناس فيه أنه حرص على الراحة، أو بحث عن مطالب دنيوية محضة، أو منافسة للناس، وصراع معهم في أمور دنيوية، سواء كانوا زملاء في وظيفة، أو جيران في الحي، أو ما إلى ذلك، هذا كله يقدح في شخصيته، ويقلل في قبول الناس منه، وهو يحمل هماً عظيماً وعلماً جماً، ولا بد أن يتخذ كل الطرائق التي تعينه على تبليغ دعوة الله جل وعلا إلى الناس. فلا يجب أن يجعل هناك حاجزاً وحاجباً بينه وبين الناس في أنه يخوض في دنياهم، وينافسهم فيها، هذا ينأى به عن طريق الله المستقيم على الوجه الأكمل، وأنا لا أتحدث عن الحلال والحرام، إنما أتحدث عن معالي الأمور كيف تنال. وقد قيل: ما انتصف كريم قط، فكرام الناس لا يأخذون حقهم، إنما يشقون؛ لأنهم يتحملون أثقالاً عديدة لا يتحملها غيرهم، وهذا من أسباب صدارتهم في الناس.

стр. 108

تحمل طالب العلم تقصير من له حق عليهم ومما يجب على طالب العلم في الجانب العملي أن يتحمل تقصير من له حق عليهم في حقه، والمعنى: إذا كان أهلك وقرابتك، وأهل حيك، وزملاؤك، وجيرانك، لم يعرفوا لك قدراً، وهذا من سنن الله، في الناس، فإذا قبلت ذلك التقصير ولم تشكوه، وأعطيت الذي عليك من الحق، ولم تبادلهم بالقطيعة، ولم تبحث عندهم عن منزلة ذات شرف، ثق أن الله سيعوضك خيراً من ذلك الذي فقدت، فمن صبر على هجران قلوب أصلها أن تحبه فتح الله له قلوباً ليس عليها واجب شرعي أن تحبه. وهذا بالاستقراء ظاهر للناس، فكم من علماء كتب الله جل وعلا لهم القبول في الأرض، لو تأملت كثيراً من حياتهم لوجدت تقصيراً كثيراً ممن حولهم بهم، لكنهم صبروا على ذلك، ففتح الله جل وعلا لهم قلوباً لا تخطر لهم على بال، ولم يرجفوا عليها بخيلٍ ولا ركاب، ومن أعظم الأمثلة الدالة على هذا نبينا ﷺ فإنه قصر قومه في حقه، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام:٦٦] فلما كذب به قومه وصبر صلوات الله وسلامه عليه فتح الله له قلوب أهل المدينة فآواه الله إلى الأنصار إلى الأوس والخزرج، ونجم عن ذلك الخير العظيم، وانتشار الإسلام انتشاراً عم كثيراً من الأقطار في حياته، وبعد حياته صلوات الله وسلامه عليه. فقد يكون بعض من حولك يقصر في حقك، أو يحسدك على مكانتك، فصبرك عليه مما يورثك الله جل وعلا به الأرض، وأماكن لم تكن تخطر لك على بال. والله لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تطيع الله فيه، لكن الأمر كما قال الله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].

стр. 109

لا يشتت طالب العلم نفسه كذلك من الجانب العملي: أن لا يشتت طالب العلم نفسه، وكثير من الفضلاء ممن اختلطنا بهم أو رأيناهم أو أشرفنا عليهم لا ينقصهم ذكاء، ولا جلد على طلب العلم، ولا نية صادقة، فيما يظهر لنا، صحيحة نواياهم، وعظم صبرهم، واشتد ذكاؤهم، ومع ذلك لم يبلغوا حاجتهم، والله جل وعلا خلق أسباباً ورتب على تلك الأسباب نتائج، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فإذا تأملت في نفسك، أو فيمن حولك تجد أن بعض الفضلاء يشتت نفسه، ولا يجمعها، يريد أن ينجز كل شيء، ومن يريد أن ينجز كل شيء لم ينجز شيئاً، ومن يريد أن يجلس ليقول كل شيء لم يقل شيء. إن مما أضاع طلبة العلم أنهم يشتتون أنفسهم، فيأتي طالب العلم يريد أن يشرف على حلقة التحفيظ، ويريد أن يرتب لقاءات مع المشايخ، ويريد أن يقوم بخدمة المشائخ ذهاباً وإياباً، ويريد أن يقيم احتفالات لأهل حيه في المناسبات الدينية، ويريد أن يقود حملة في الحج، ويريد أن يرأس لجنة توزع الإعلانات، ويريد أن يفعل هذا كله، الجمع بين هذا وطلبه للعلم وهذا محال، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. وسأضرب مثلاً بسيطاً، وقبل أن أضرب المثل اعتذر بأن المثل بسيط جداً، لكن أنا رجل من الله عليه بالتعلق بالقرآن، فلا أجد غضاضة أن أقول المثل؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج:٧٣] ضرب الله مثلاً بالذباب لئلا يأتي أحد يسأل ما هو الذباب؟ فالذباب يعرفه كل أحد، فالمثل لا بد أن يكون قريباً من الناس. المثل هو أن الهر الحيوان المعروف الأليف يقول ﷺ عنه: (من الطوافين عليكم والطوافات)، فلو حجزته في مكان ضيق، وأردت أن تؤذيه فأراد أن يتخلص منك، أول شيء يعمله ينكفئ على نفسه، أي: يجمع نفسه ثم بعد ذلك يفر عنك، فقبل أن يفر عنك يجمع نفسه، جمعه لنفسه ترتيب منطقي عقلي هو الصحيح، لم ينجز حتى يجمع نفسه. فإذا شتت مطالبك وتنوعت أهدافك وغاياتك ضاعت كلها وأنت شخص واحد، الإشراف على التحفيظ قربة من القربات، وسبيل عظيم إلى رحمة رب العالمين، ومنارة من منائر الدين، وشعيرة من شعائر الإسلام، وتعليق الإعلانات دعوة إلى الله، وقيادة الناس في الحج من أعظم السبل إلى رحمته، لكن محال أن يأتي إنسان واحد بهذا كله. والعلم يحتاج في مراحل العمر الأولى، وفي مراحل الطلب إلى جمع، وإلى تدوين، وإلى مراجعة، فلسنا أنبياء يوحى إلينا، كل أحد غير الأنبياء مطالب أن يجمع العلم ويثني الركب، ويحرر ويراجع، وهذا يحتاج إلى مساحة من الوقت، فإذا ذهب الوقت في أمور كثيرة، والذهن اشتغل بعدة أمور لن ينجز شيئاً، فطالب العلم مطالب أن يحدد هدفه، ولا يعني ذلك أنه يحارب أو يعادي إخوانه الذين على تلك الثغور، هذا خطأ عظيم، وسوء ظن بالمسلمين، وعدم معرفة بالشرع، لكن كل ميسر لما خلق له. أيها المبارك، أيتها المباركة: أول الأمر حدد الهدف، ثم لا بد من سنين تمضي حتى تصل إلى هدفك، فإذا حددت الهدف والغاية، ثم صبرت ستصل بإذن الله ورحمته إلى غايتك، لكن لا يعني ذلك أن تفر من هذه الأمور إذا وقعت عارضة، فلا يستنكف المسلم أن يسلم في نشر الإسلام في شيء، فمرة تذهب مع زملائك في حلقة التحفيظ إلى رحلة، أو تأتيهم بعد مغرب أو عشاء تعظهم، ومرة تلصق إعلاناً، ومرة تستضيف شيخاً، المقصود أن الدأب العام، الذي تتولاه في أكثر أوقاتك ينبغي أن يكون محدداً واضحاً بيناً لك، حتى لا تتشتت بك السبل، ولا تحتار في سلوك الطريق. فالأمر الذي يحول بينك وبين هدفك ولو كان صواباً تجنبه، والأمر الذي لا يحول بينك وبين هدفك، ولا يؤخرك من الوصول إلى غايتك فلا بأس أن تأخذ منه بطرف، وبشيء يسير دون أن يكون ملتصقاً بك التصاقاً كلياً، وهذه مسألة يجب التنبه لها، وأنت تطلب العلم.

стр. 110

يحرص طالب العلم على أن ينتفع بكلامه ووعظه مما يتعلق بالجانب العملي: أن يحرص الإنسان أن يكون في كلامه ووعظه ودرسه ما ينفعه هو قبل أن ينفع الناس، ويكتشف الإنسان أنه سائر على الطريق الحق إذا وجد أنه يزداد كل يوم علماً، أو وجد أن يومه خير من أمسه، وأن غده خير من يومه، ولهذا فإنه يحسن أن تتخذ طريقاً في العلم من طريقة تعليم الناس، تراقب نفسك أن تعلمها فيكون درسك الذي تلقيه درساً علمياً، وإن خالطه وعظ وإنشاء، فأنت أول المستفيدين مما تحرره، ولي تجربة شخصية، فقد بدأت في مسجدي مسجد السلام عام ١٤٠٨هـ تقريباً، وكنت أدرس الناس كل خميس، وأجتهد قدر الإمكان اجتهاداً عظيماً في أن يكون الدرس علمياً يشعر من يسمعه أنه يسمع شيئاً جديداً، واكتفيت بأن يكون مرة في الأسبوع، والشهر أربعة أسابيع، وفي السنة ثمانية وأربعون درساً، فلنقل: ثمانية عشر أسبوعاً حال بيني وبين الدرس أعذار، فيبقى ثلاثون أسبوعاً في العام، لو مضيت على هذا الحال خمس سنين في أربعين درساً ثق أنك إذا أعددت مائتي درس تحضيراً جيداً وأخلصت النية ورزقت الفهم ستصبح شخصية أخرى. وأحرص قدر الإمكان أن يكون الدرس ذا زاد علمي، يتعلق بالقرآن في المقام الأول، ثم بالسنة دون أن أخوض في الإنشاءات والخطابات العامة التي قد يؤدي بعض الفضلاء الدور فيها، والعاقل لا يكرر ما ألقاه غيره، وهذا من أعظم الوصايا. يقول أحد أصحاب الهمم العالية: لا يراني الله أرعى روضة سهلة الأكناف من شاء رعاها ولهذا فـ السهيلي رحمة الله تعالى عليه لما شرح السيرة سمى كتابه: (الروض الأُنُف) روض ما كل أحد يرعاه، فالعاقل يعلم أنه لا يوجد وحي، فقد انقطع بموت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، هي نفسك فارعها، فيطلب العلم بجدية، ولا يقبل أن يجذبه كل فرد ممن حوله كل يوم في قضية، وكل ليلة في منحى، ويغير الكتاب في الأسبوع أكثر من سبع مرات، ولكنه يتخذ سبيلاً بيناً، ويكون الحديث إلى الناس، وتعليمهم الشرع، رغبة فيما عند الله من الأجر. واقطع العلائق بينك وبينهم، إلا أنك تحتويهم بخلقك، هذا الذي يجعل لك بعد رحمة الله الصدارة مع الأيام، إن الأمور على قسمين: أمر يتعلق بك، وأمر يتعلق بالله، فما يتعلق بالله لا تحمل همه، فالله أرحم بك من نفسك، ولكن احمل هم الشيء الذي أوكله الله إليك، وهو جمع العلم، والتقرب إلى الله بالعمل الذي تعمله، أما متى تفتح لك أبواب الناس؟ متى تفتح لك قلوبهم؟ متى تهيأ لك المساجد؟ متى تعطى المنبر الذي تريد؟ متى يستمع الناس إليك؟ هذا يا أخي لا تحمل همه طرفة عين، احمل هم نفس ستقف بين يدي الله، فبادر وخذ بالجد فيه فإن أتاكه انتفعت. فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رؤستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا يحرص الإنسان على أن لا يفضح يوم العرض على الله، وليكن ظنه بالله حسناً، فعبد السوء من يظن بالناس أحسن من ظنه بالله، لكن من عرف الله لا يمكن أن يحسن بأحد ظناً كما يحسنه برب العالمين ﷻ . فنقول: اسع في الأمر الذي يعنيك، فإذا قال لك أحد من المثبطين حولك: لم يحضر أحد، أو لا يدري عنك أحد، أولم ينتفع بك أحد، أولم يسمع لك أحد، فلا تلتفت إليه، لكن من حقك أن تراجع نفسك: هل تقول كلمات تهيج بها أقواماً وتثير بها شباباً، وتلفت إليك بها الأنظار، أو تقول علماً مبني على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . فإن كانت الأولى عياذاً بالله فستقف أو تتأخر ولن تصل إلى مرادك، ولو وصلت لن تؤجر؛ لأن همك قد كان لفت الأنظار إليك، وقد حصل، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦] نسأل الله العافية. أما إذا كنت تريد بذلك وجه الله فلا تلتفت إلى المثبطين، لكن راجع نفسك. ما عاتب الحر الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح وراجع موادك العلمية، ولا تكرر على الناس حديثاً حتى يملوه، وابحث في طيات المراجع، وهذا مبني على التأسيس الأول في الزاد المعرفي؛ حتى تقدم للناس شيئاً جديداً ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم، وثق بعد ذلك أن الله جل وعلا سيقبلك عنده إذا أخلصت نيتك. أما مسألة معرفة الناس لك، أو عدم معرفتهم، فهذه لا تحمل همها إن وقعت، فاسأل الله أن يعينك على شكرها، وإن لم تقع فاسأل الله جنته، فهي أعظم غاية، وأجل مطلوب، وهي التي شمر إليها الصالحون، وسعى في طلبها عباد الله وأولياؤه المتقون.

стр. 111

لا ينتهج طالب العلم أسلوباً قهرياً في حمل الناس على وصاياه ومما يجب أن يتحلى به طالب العلم: ألا يتخذ في بثه للمعلومة، وتحديثه للناس، أسلوباً قهرياً أسلوب من يحمل وصاياه على الخلق، لكن أسلوب من يحسن الظن بإخوانه المؤمنين، من لا يظهر الشماتة بهم، ولا يريد أن يظهر نقصهم للناس، وإنما أسلوب من يستر عيوبهم، ويرحم حالهم، ويرجو لهم الجنة، ويخشى عليهم النار. أسلوب عبد يتقرب إلى الله جل وعلا بنفع عباده، لا بإظهار نفسه، فيعطيهم الموعظة دون أن تنقص من قدرهم، أو أن تقلل من شأنهم في الناس وصية محب، ونصيحة مشفق يرأف بالخلق، ويعرف أن المؤمن لا يخرجه من دائرة الإيمان كبائر ولا معاصٍ، اللهم! إلا إذ وجد من يجاهر بالمعاصي، ويبالغ فيها ويعلنها، فهذا له نوعية خطاب خاص، قال الله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]، لكن من حيث الجملة: في الكلمات الوعظية، أو في الخطب المنبرية، أو في الدروس التي تلقى للناس، ينبغي أن يقدم الدين برفق إلى عباد الله؛ حتى يقلبوه ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن تسعوهم بأخلاقكم) أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه. وليس شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فمثل هذه الطرائق يصل الإنسان إلى مقصوده، لكن خطأنا الأكبر أننا ضحايا لبعض من نتوهم أنه ينصحنا، يدخل أحدنا مع باب المسجد يؤم المنبر ليخطب، فيتسابق إليه رجل أو رجلان، يقولان له: الله! الله! في الذين يفعلون كذا، الله! الله! في الذين يفعلون كذا، يسمي له بعض المعاصي التي يفعلها بعض الناس ممن يحضر جمعة، فيعجب هذا الخطيب بوصية أولئك، فإذا صعد المنبر حتى ما كان قد أعده من لين الخطاب، خرج عنه إلى أقساه لتلك الوصية، فيأتي للناس ولا يرى فيمن حوله إلا أولئك النفر الثلاثة أو الأربعة الذين أخطئوا فيوجه الخطاب إليهم. والعاقل المتبع للسنة لا يقسم الناس حوله، وإنما لا يُدرى من المقصود بخطبته، لكن إذا كانت الخطبة في الغالب يدرى من المقصود بها انقسم الناس بالخطبة إلى متضرر وإلى شامت، فتكون الخطبة قدر الإمكان لا تعنى بموضوع واحد، ومع إجلالنا واحترامنا لكثير من أهل العلم فينا، إلا أنني أقول على بينة من الأمر في أن الخطبة إذا كانت عن موضوع واحد ليست صواباً أبداً، وسأذكر مثلاً: حضرت مرة خطبة لأحد الفضلاء يشهد الله أنني أتقرب إلى الله جل وعلا بحبه، وأتمنى من الله أن يبلغني ما بلغه من العمل الصالح، لكن خطبته وفقنا الله وإياه، كانت في آخر العام، وآخر العام يطالب المأجرون بالإيجار. فكان يتكلم عن وجوب الشفقة بالمستأجرين، فوفى الموضوع حقه، وجمع فيه أدلة بالغة بنية وقلب مخلص، ولا نزكي على الله أحداً، لكني أقول: لا يمكن أن تكون الخطبتان كلاهما عن موضوع المستأجرين؛ لأن نصف المسجد ليس بمؤجر ولا مستأجر، فلم ينتفع من الخطبة بشيء، لكن كان بالإمكان أن يتكلم عن طرائق الرحمة بالمؤمنين، فيذكر منها في آخر العام الرحمة بالمستأجر، والرحمة بالوالدين، والرحمة بالأجراء والعمال أن يعطوا حقهم، والرحمة بالزوجة إذا كان الإنسان عنده أكثر من زوجة، فيشمل الرحمة بالطلاب إن كان معلماً، فبهذه الطريقة يمكن إيصال المغزى من الخطبة إلى أكثر فئات المجتمع. أما أن تكون الخطبة كلها أولها في موضوع، وثانيها نكرر ما قلناه في الأول لا يمكن أن ينتفع الناس منها بشيء، لكن يكون الإنسان جامعاً في كلامه قدر الإمكان، وهذا جانب عملي في قضية كيف يخاطب المؤمن كيف يخاطب المؤمن طالب العلم من حوله من الناس. هذه يا أخي! ما تيسر الحديث عنه من نتف متنوعة، أرجو الله جل وعلا أن ينفع بها، وأن يبلغنا فوق ما نؤمل من الخير، وأن يدفع عنا وعنكم أكثر مما نخاف من السوء إن ربي لسميع الدعاء، وصل الله على محمد وعلى آله.

стр. 112

الأسئلة

стр. 113

الحكمة من تحريم لحم الخنزير السؤال أخت من إيطاليا تقول: أنا مسلمة وأتقابل مع أمهات من ديانات أخرى، ويطرحون عليّ عدة أسئلة، أريد من فضيلتكم معرفة إجاباتها. السؤال ما الحكمة من تحريم لحم الخنزير؟ الجواب حتى تجيبين أيتها المباركة من سألك هذا السؤال، حاولي في أول الأمر أن تبيني لمن سألك التدرج في الأمر، فتقولي: نحن مخلوقون، والذي خلقنا هو ربنا، وإذا اتفقنا على أنه لا خالق إلا الله وجب ألا نعبد إلا الله، فإذا وجب ألا نعبد إلا الله فمن عبوديتنا له ﵎ امتثالنا لأمره، وعلمنا أن ربنا جل وعلا أدرى بمصالحنا منا، وما دمنا قد اتفقنا أن الله أرحم بنا منا، وأنه هو خالقنا، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ عَلِيمًا﴾ [النساء:١٤٧]، ونحن المسلمين نؤمن أن الله جل وعلا هو الرب، وأننا عبيده وخلقه، وأنه يريد بنا الخير، ولا يريد بنا السوء ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فمعنى إسلامنا: أننا أسلمنا أنفسنا كلها لله، نختار ما يختاره الله لنا، فحرم الله علينا لحم الخنزير، والله هو الذي خلق الخنزير، فلو كان في لحم الخنزير خير لنا لما حرمه الله جل وعلا علينا، وما دام الله جل وعلا قد حرمه علينا، فلا بد أن فيه ضرر علينا سواء علمنا هذا الضرر أو لم نعلمه، وبعض من يعنى بالطب يقول: إنه يذهب الغيرة، وأياً كان الأمر صدقوا، أو لم يصدقوا، فنحن نتعبد الله بعدم أكله.

стр. 114

الحكمة من الصيام ومن تحريم شرب الخمر السؤال تقول: لماذا يصوم المسلمون رمضان، وما الحكمة من تحريم شرب الخمر؟ الجواب إن الذي نريد أن نهديه لا بد أن يعلم المعتقد الذي نؤمن به، ما هي منطلقاته؟ فنبين له في المقام الأول قبل الخمر، وقبل رمضان، وقبل أي شيء أننا لا بد أن نعلم أننا مخلوقون، فإذا أقر أن الخلق خلق الله جل وعلا، والأمر أمره، قلنا له: نحن هذا الذي نؤمن به، ونعتقده، ونحن هذا الذي نحاسب عليه، وهذا هو القسيم بين أهل الجنة والنار، فالله اختار من الشهور شهراً، أمرنا أن نصوم فيه؛ حتى نتقرب بذلك الصيام إليه. وكذلك تحريم الخمر، ويقال له: فيه حفظاً لعقولنا التي بها نعرف بها ما حولنا.

стр. 115

صلاح القلوب السؤال سائل آخر يقول: فضيلة الشيخ! كيف نصلح قلوبنا، وكيف نجعلها عامرة بذكر الله؟ الجواب القلوب لا يصلحها شيء أعظم من كلام ربها، وتدبر القرآن السبيل الأول إلى صلاح القلوب، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. فتدبر القرآن ومعرفة مراد الله جل وعلا من آياته مما يجعل القلوب صالحة مصلحة عامرة بذكر الرب ﵎.

стр. 116

كتب ينصح بقراءتها لطالب العلم السؤال فضيلة الشيخ نريد أن تذكر بعض الكتب، وتنصح بعض طلاب العلم في شتى العلوم؟ الجواب إذا كان الطالب مبتدئاً فعليه بتيسير العلام لشرح عمدة الأحكام في الفقه، أنا أتكلم في المبتدئين؛ لأنه مشروح للشيخ: عبد الله البسام وفقه الله، وشرح العقيدة الواسطية للعلامة: ابن عثيمين غفر الله له ورحمه، وسلسلة الشيخ: عمر الأشقر في العقيدة (الجنة والنار) (القيامة الكبرى) و (القيامة الصغرى) و (الرسل والرسالات) وتفسير الحافظ ابن كثير، والروض الأنف للسهيلي في السيرة، وإن تعذر عليه روض الأنف عليه بكتاب: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية لـ مهدي رزق الله، وإن كان تاريخه كثيراً، والروض الأنف مظنة أخبار، أو السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة لـ محمد أبو شهبه ومن باب الفتاوى: فتاوى الشيخ: عبد العزيز بن باز غفر الله له ورحمه، بعد ذلك شرح الزاد للروض الممتع للشيح ابن عثيمين غفر الله له ورحمه إلى الآن في اثني عشر مجلداً، هذه نوافع مما ينفع الله جل وعلا بها طالب العلم. السؤال هذا سائل يقول: قررت الجدية في طلب العلم، وترك التشتت فبماذا تنصحونني؟ الجواب الجدية في طلب العلم وعدم التشتت لا يعني أن تفرط فيما عليك من واجبات، وتغيب عن أمك وأبيك وأمور كثيرة بحجة طلب العلم. لا تطلب العلم لتعظم، أو بتعبير أصح: عش حياتك حياة طبيعية حياة الأنبياء، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أئمة في المحاريب، يحركون القلوب إذا وعظوا، موسى ﵊ لما وعظ الناس حرك القلوب فقال له نفر من بني إسرائيل: هل هناك أحد أعلم منك؟ فنسي أن ينسب العلم إلى الله قال: لا، فعاتبه ربه. كن في درسك ضابطاً قائماً بمنهجك، وبين يدي شيخك مؤدباً، لكن لا تأتي عند والديك أو عند أبنائك على أنك طالب علم تنتظر منهم أن يجلوك؛ لأنك الآن ابن ولست طالب علم، أنت طالب علم في المسجد بين أقرانك، لكن حق الوالدين عليك عظيم، عش كما كان الأنبياء يعيشون. تسئل أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عن رسول الله ﷺ في بيته تقول: كان في مهنة أهله، العظيم يعيش عظيم أينما كان لأنه لا يستمد عظمته من الناس، وإنما عظمته بالعظائم من المعتقدات التي يحملها في قلبه. في صلح الحديبية كتب النبي ﷺ : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، قال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما حاربناك، اكتب أسمك وأسم أبيك، فأمر النبي علياً أن يمحها فرفض علي، فقال ﷺ : (دلني عليها) علم الله به أمماً وهو لا يعرف يخط بالقلم، لا يدري أين محمد من رسول من الله، فدله علي عليها فمسحها. موضع الشاهد قال ﵊ (إني رسول الله وإن كذبتموني) أنتم رضيتم أو لم ترضوا، صدقتم أو ما صدقتم أنا رسول الله، فأنت إن شاء الله إذا كنت تحفظ القرآن تطلب علم، وافق الناس أو لم يوافقوا، فإن جئت في محفل لم يأبه بك أحد، ولم يستمع لك أحد فأنت طالب علم، النقص فيهم ليس فيك. ثم لا تقل كل علمك لكل أحد، الشافعي يقول: أأنثر دري بين سارحة الغنم! لأن قطع الدرر تخرجها لمن يعرف قدرها، عش حياة عادية، لكن إن كنت تبحث عن إجلال من الناس ستتعب كثيراً، ومن أحب شيئاً عذبه الله به. موسى ﵇ قال له ربه: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وماذا قال الله عن الخضر قال: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥] هذا مقامهما عند الله، موسى والخضر دخلوا على أهل القرية: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] ما وجدوا لهما قدراً، لكن لم يغير بشخصية موسى، ولا بشخصية الخضر أن أصحاب القرية لم يعرفوا لهما قدراً، فإذا كانت عظمتك في نفسك المبنية على إيمانك وثقتك بربك لم تلتفت إلى الناس، إذا أتوا لك بسيارة عند باب المسجد فاركبها، فإن لم يكن هناك سيارة فامش على قدميك كل هذا لا يغير فيك إن كنت عظيماً في داخلك، أما إن كنت تبحث عن هذه الأشياء ستتعب كثيراً، سيأتيك ما لا تطلبه. لا تنتظر من الناس أن يعظموك أو يجلوك، العظيم كما قلت عظيم في نفسه، هذه أحد أعظم أسباب عظمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 117

التحدث بأعمال الآخرين في وجوههم السؤال يقول: هل يجوز أن أظهر عملاً صالحاً رأيته في الغير كأن أرى صديقاً لي يقوم الليل، فعندما أراه من الغد أمام الملأ أقول: ما شاء الله ما هذا البكاء؟ البارحة رأيتك تقوم الليل. الجواب لا يحسن، لا تقصم ظهر أخيك.

стр. 118

سماع المنظومات العلمية الملحنة السؤال يقول: إن طالب العلم لا يتبع الأناشيد، ولكن هناك بعض المنظومات العلمية ينشدها ويستمعها لكي ترسخ في ذهنه، وأيضاً بعض المعلقات؟ الجواب مثل هذا لا بأس به إن شاء الله. اللهم! أنت الله لا إله إلا أنت عالم الغيب والشهادة، فالق الحب والنوى، أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن على العرش استوى، نسألك اللهم! بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تصلي على محمد وعلى آله، وأن تغفر لنا خطأنا، وذنوبنا أجمعين، ما قدمنا منها وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وأن تجعل هذه اللقاءات شاهداً لنا يوم نلقاك لا شاهداً علينا، وأن تخلص نياتنا، وتصلح أعمالنا، وتتقبل ما قلناه، لك الحمد ربنا على أن وفقتنا على أن نقول: لا حول لنا ولا قوة إلا بك، سبحانك! لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. اللهم! علمنا جميعاً ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعلنا يا ربنا! مباركين أينما كنا، لا حول لنا ولا قوة إلا بك، أنت ربنا لا إله إلا أنت، تعطي وتمنع، وتخفض وترفع، فنحن عبيدك وبنو عبيدك، وبنو إمائك، نسألك اللهم! بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في أحد كتبك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب غمومنا، وألا تفتنا اللهم برأي الناس فينا، وأن تجعلنا اللهم! خيراً مما يظنه الناس بنا، وأن تغفر اللهم! لنا أجمعين ما لا يعلمه الناس عنا، وأن لا تكلنا اللهم! إلى أحد غيرك، كلنا اللهم! إلى رحمتك وفضلك، وأن تجعلنا جل وعلا ممن يقطع العلائق عن الخلائق يا رب العالمين! اللهم! أعذنا أن نفتن بأحد من خلقك، أو أن يكون في قلوبنا أحد أحب إلينا منك يا رب العالمين! إنك سميع الدعاء. أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 119

العبد الصالح وصف العبد بالصلاح مرتبة عظيمة عند الله تعالى، وقد جاء هذا الوصف في القرآن والسنة على الإجمال وعلى التعيين، لكن هناك أمور لا يكون العبد صالحاً إلا إذا حققها إيماناً وعملاً، فيجب أن يتعلمها ويعمل بها كل من ابتغى إدراج اسمه في قائمة الصالحين.

стр. 120

سليمان ﵇ من عباد الله الصالحين أيها المؤمنون: وإن الله جل وعلا أفاء على عبده سليمان بن داود بالنعم العظيمة والآلاء الكريمة يوم إن استجاب الله له عندما قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، فسخر له الله جل وعلا الجن والإنس والطير، قال الله تعالى في معرض قصصه عن هذا النبي الكريم ﵇: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل:١٧ - ١٩]. مّر سليمان ﵇ في المنعة والعزة والجند الذي أعطاه الله إياه حتى أتى على وادي النمل فسمع نملة تنادي في أصحابها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]، فأعجبه ﵇ رفقها بقومها، وتأدبها مع سليمان وجنده، فرفع يديه يدعو ربه جل وعلا بثلاث دعوات: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل:١٩]، فدعا في الأولى أن يمنّ الله عليه بأن يكون قادراً على شكر ما أفاء الله عليه من النعم وعلى والديه. ثم سأل الله جل وعلا في الثانية: أن يعينه على العمل الصالح الرشيد في قوله ﵇: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل:١٩]، ثم ختم تلك الدعوات الثلاث ﵊ بسؤاله أن يدخله الله برحمته في عباده الصالحين، مع أنه مقرر شرعاً أن سليمان ﵇ نبي كريم، ولا يخفى أنه لا يكون نبياً كريماً حتى يكون في المقام الأول عبداً صالحاً.

стр. 121

فضيلة أن يكون الإنسان عبداً صالحاً والمقصود من هذا السياق: أن الدخول في عباد الله الصالحين مطلب عظيم ومرتقى صعب طالما طلبه أنبياء الله ورسله، والأخيار من العباد، والمتقون من الخلق يفزعون إلى الله في أدبار الصلوات وأثناء السجود وغير ذلك من أماكن وأزمنة الإجابة أن يجعلهم في زمرة عباد الله الصالحين، فمرتبة العبد الصالح غاية عظيمة جليلة؛ لأن الله جل وعلا وعد عليها جنات عدن في الآخرة، ووعد عليها عظائم الأمور في الدنيا. والعبد الصالح لفظة شرعية مباركة جاءت في القرآن وفي السنة، جاءت في القرآن وقفاً على أعلام، وجاءت في السنة وقفاً على أعلام، وجاءت في القرآن والسنة صفات مطلقة لعباد غير مذكورة أسماؤهم كما سيأتي بيانه. النبي ﷺ أعلم الناس بالشرع وأحرص العباد على أن ينتفع الخلق، يذكر بالله ويدعو إليه ويعرف به، ومما كان ﷺ يعلمه أصحابه: أنه ﷺ مر بهم ذات يوم فسمعهم يقولون في التشهد: السلام على جبريل وميكال السلام على فلان وفلان. فلما فرغ من صلاته التفت إليهم وقال: (لا تقولوا هذا، قولوا: التحيات إلى الله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ثم قال ﷺ : فإنكم إن قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء أو في الأرض). فهذا مما قصد ﷺ أن يعلمه أصحابه، أن يكون من الفوز الذي ينشدونه والغايات التي يطلبونها أن يكون من عباد الله الصالحين، فإن كان الإنسان عبداً صالحاً فإن قول المصلي في صلاته: السلام علينا وعلى عباد الله الصاحين يدخل هذا المؤمن التقي النقي في زمرة من دعا له ذلك المصلي في صلاته. هذا الأدب النبوي ينجم عنه أمور لا بد من ذكرها، في المقام الأول الملائكة فإيمانهم لا يزيد ولا ينقص؛ لأنهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ﴾ [التحريم:٦] فينقص الإيمان ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] فقد جبلوا على الخير وحرموا من الشر، فلا يزيد إيمانهم ولا ينقص. وأما الأنبياء والمرسلون ﵈ فإن إيمانهم لا ينقص؛ لأنهم لا يعصون الله، وإيمانهم يزداد لأنهم يطيعون الله ﵎، وأما غير الأنبياء والمرسلين وغير الملائكة من الجن والإنس فإن إيمانهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يزيد بالعمل الصالح وينقص بترك العمل الصالح والجنوح إلى المعاصي، ولا يعني ذلك أن العبد الصالح لا يعصي الله أبداً؛ لكنه أقرب إلى زمرة الفلاح منه إلى زمرة الذين ابتعدوا عن طريق الله المستقيم. والعبد الصالح ينبغي أن يعلم أن العباد يتفاوتون تفاوتاً عظيماً في عبادتهم لربهم جل وعلا، يقول ﷺ : (إن من أمتي من يدخل الله بشفاعته أكثر من مضر الجنة)، ومضر هي القبيلة العربية المعروفة، فيوجد من صالحي الأمة من يدخل الله بشفاعته الجنة أكثر من قبيلة مضر. ثم قال ﷺ في الحديث - وهو عند أحمد بسند صحيح -: (وإن من أمتي من يعظم في جهنم حتى يصبح زاوية من زواياها) فالناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً.

стр. 122

توحيد الله ومعرفته وتقديره حق قدره أولى هذه اليقينات وهن سبع: أن يعلم الإنسان أن الله جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه، وأن خزائن كل شيء بيده، وأنه خلق خلقه وهداهم النجدين فمنهم قريب ومنهم بعيد، وأنه جل وعلا خلقهم وسخرهم بمقتضى القبضتين فمنهم شقي وسعيد. وأن الأمر أمره، والخلق خلقه، والكل عنده عبيد قهر وذلة شاءوا أم أبوا. وفي الحديث القدسي أنه ﷺ قال: (يقول الله جل وعلا: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل ذي سؤل مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). إذا أدرك المؤمن هذا يدرك أنه لا عز إلا بالتذلل لعظمته، ولا فوز إلا في طاعته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته، ولا نعيم إلا في قربه، ولا صلاح ولا فلاح إلا في الإخلاص له مع توحيده وحبه جل وعلا. هذا ربنا ﵎ خلقنا وهو غني كل الغنى عنا، فمن تعامل مع الله وهو يعلم أن الله قادر على كل شيء، وأنه إن اهتدى فبفضل من الله ونعمة، وإن ضل فبعدل وبما جنت يداه، وتعامل مع الله على أن الله مطلع عليه، إن قدم الحسنى فسيجازيه عليها، وإن عمل السيئة فسيجازيه عليها إن لم يغفر له؛ كان هذا من أعظم طرائق الوصول إلى الصلاح. والإنسان إذا كان لا يعلم ربه فلن يحسن التعامل معه، ولذلك عرف الله جل وعلا بذاته العلية في آياته وعلى ألسنة رسله، وبين لرسله كيف يعرفون بربهم ويدلون الخلق على خالقهم حتى يحكموا عبادته ﵎، يقول سبحانه بعد أن عرّف بذاته العلية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. فما من شيء إلا وخزائنه بيدي الله، يعطي ويمنع، يخفض ويرفع، يقبض ويبسط، يعز ويذل، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. وأعظم الناس فرحاً بربهم وصلاحاً في أعمالهم هم أعلم الناس بربهم جل وعلا، إلا أنه ينبغي أن يعلم أن روح العبودية يتمثل في محبة الله ﵎، قال العلماء: إن المحبة كلما عظمت في القلب كان التوقير لله أعظم، وكان الإنسان إلى الطاعة أكثر إقبالاً وكان الأنس والسرور بالله جل وعلا أكمل. قال ابن القيم ﵀: من قرّت عينه بالله قرّت له كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. فالمؤمن لا تقر عينه بأعظم من رضوان الله ﵎ عليه، وهو يعلم أن الله جعل الدنيا مراحل مطوية يبتلي ويختبر عباده فيها، حتى إذا قام الأشهاد وحشر العباد أدخل الله جل وعلا في رحمته أهل الصلاح الجنة، وأدخل أهل النار النار، كما أن المؤمن يعلم عن ربه جل وعلا أنه خالق الأسباب وخالق مسبباتها، فلا يكون شيء إلا إذا أراداه الله، ثم هذا الشيء - مما أحبه الله ومما كرهه - إذا وقع يكون بإرادته ﵎. لما تعطلت الأسباب عند زكريا طلب من الله الولد، فلما بشره الله بالولد تعجب قائلاً: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران:٤٠] فجاء الجواب القرآني: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠]. ولما انتفت الأسباب في قصة مريم وأخبرتها الملائكة بأن الله سيرزقها الولد تعجبت قائلة: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران:٤٧] فكان الجواب الإلهي: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٤٧]. فهذه يا أخّي! أول الحقائق وأعظم اليقينيات وأجل المدركات أن تعلم هذا العلم عن ربك ﵎ حتى يتيسر لك بعد ذلك أن تكون عبداً صالحاً.

стр. 123

الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً الأمر الثاني: أن تعلم أن الله جل وعلا طيب لا يقبل إلا طيباً، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. والجسد إما أن ينبت من طعام حلال ومال مباح، وإما أن ينبت من سحت محرم، فإن بُني على محرم فقد قال ﷺ : (أيما جسد نبت على السحت فالنار أولى به)، وإن بني على المباحات فإن الجنة أولى به، فإذا أنفق تقبل الله منه، وإذا غدا أو راح تقبل الله جل وعلا منه. فعلمك بربك أنه طيب لا يقبل إلا طيباً يجعلك تحرص - إن كنت تريد أن تكون عبداً صالحاً - على أن يكون مطعمك ومشربك ومأكلك وملبسك من الحلال، وتتوخى الطرائق الشرعية التي ينجم عنها الرزق غير مبال بكسب الناس وعلو درجاتهم في الدنيا، فإن أي جسد بني على السحت فالنار أولى به. أمر الله النبيين بما أمر به الناس، وأمر الناس بما أمر به النبيين، قال الله ﵎ في حق المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، وقال في حق النبيين: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، فأمر بالأكل من الطيبات حتى تنبت الأجساد على حلال. والجسد إذا بني على حلال كانت دعوته مجابة، وأينا لا يفتقر إلى الدعاء؟ قال سعد بن أبي وقاص ﵁: (يا نبي الله! ادع الله أن يجعلني مجاب الدعوة. قال: يا سعد، أطب مطعمك تجب دعوتك). فالإنسان إذا كان مطعمه حلالاً طيباً كان دعاؤه مقبولاً، يمشي ويغدو في رضوان الرب ﵎.

стр. 124

الله تعالى يكره الكبر ويحب التواضع الحقيقة الثالثة: أن الله يكره الكبر ويحب التواضع. وقال جل وعلا في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قبضته)، ولا يوجد أحد إلا وفي نفسه شيء من الكبر مخلوق معه، فإن ضبطه بضابط الشرع وأخرجه من نفسه سلم ونجا، وإن أبقاه فإنه لا يزال يتمادى في الناس ويعلو حتى يقوده - والعياذ بالله - إلى التسلط على الخلق كما دعا فرعون أن يقول كبراً وعناداً: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى). وقد يزين الشيطان للإنسان أن الكبر نوع من قوة الشخصية، فيخلط المرء بين قوة الشخصية وحب العلو والتكبر على الناس والتعالي عليهم، وهذا كله ممقوت، قال ﷺ : (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر). والجزاء من جنس العمل، قال ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يطؤهم الناس). والتاريخ الإنساني شهد كثيراً ممن طغوا وتجبروا، فهذا أبو طاهر القرمطي أحد أتباع القرامطة كان يزعم أنه على الحق وكان يسكن البحرين. ومعلوم أن نبي الله ﷺ طأطأ رأسه عند البيت الحرام، وأمر الناس أن يكونوا أعظم ما يكونوا خاشعين وخاضعين ومخبتين لله، لكن ركب ذلك المتجبر المتكبر فرسه ثم أخذ يطوف بالبيت حتى بال فرسه عند باب الكعبة، وصعد على باب الكعبة وخطب في الناس قائلاً: أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا ثم قتل ثلاثين ألفاً من الحجاج، وردم بهم بئر زمزم - عياذاً بالله - ثم ما زال طغيانه وجبروته يقوده حتى قلع الحجر الأسود من مكانه وأخذه على فرس له وغدا به إلى البحرين، فبقي الحجر الأسود في بلاد الهجر- البحرين الآن - عشرين عاماً ثم رد إلى بيت الله العتيق. فالذي دفعه إلى هذا الكبر والتعالي، ولذلك ثبت في السنن بسند صحيح: (أن نوحاً ﵊ لما حضرته الوفاة جمع بنيه) ولن تجد أحداً أعلم من الأنبياء ينصح الناس. قال نوح لبنيه: (يا بني! أوصيكم باثنتين وأنهاكم عن اثنتين, أوصيكم بلا إله إلا لله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن كحلقة مفرغة لقصمتهن لا إله إلا الله، وبسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، ثم قال: وأنهاكم عن اثنتين: الشرك والكبر)؛ لعلمه صلوات الله وسلامه عليه أن الشرك والكبر قرينان، وأن أول ذنب عصي لله جل وعلا به هو الكبر يوم أن امتنع إبليس عن السجود لأبينا آدم. وهذا يوجد في حياة الناس إلى اليوم، فمن الناس من ترى فيه التعالي على عباد لله إن كان أميراً أو ذا سلطان، أو كان غنياً أو ذا جاه، أو حتى إن كان إماماً أو خطيباً، أو كان مسئولاً إدارياً رفيعاً أو قائداً عسكرياً مسموع الكلمة تختلف وظائف الناس، لكن ما في القلوب يحكي هذه الوظائف. ومن الناس من يكون الكبر داخله لكن لفقره ولعدم الوظيفة لا يجد فرصة لأن يتعالى على الناس، فما أن يجد فرصة إلا ويبدأ يخرج ما في قلبه من الكبر. فلا يمكن أن يجتمع صلاح عبد مع كبر في القلب، قال ﵊: (ومن تواضع لله رفعه الله)، فالتواضع للرب ﵎ من أعظم المناقب ومن أعظم أمارات صلاح العبد.

стр. 125

الله تعالى يكره الفواحش الحقيقة الرابعة: أن الله جل وعلا يكره الفواحش، ولما نسبها القرشيون إلى الرب نزه الله ﵎ ذاته العلية عنها، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] فقال الله جل وعلا في جوابه عليهم: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]. فالفواحش من زناً ولواط وما شاكلهما من المعاصي كل ذلك مما حرمه الله وحرمه رسوله ﷺ ، ولا يجتمع مع الصلاح أبداً، قال ﵊: (ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فنفى النبي ﷺ كمال الإيمان عن الزناة، ولا يمكن أن يوصف عبد اقترف الزنا أو اقترف الفاحشة الأخرى بأنه عبد صالح. ونبيكم ﷺ لما كسفت الشمس في أيامه خرج يجر رداءه حتى إنه ﷺ من هول الآية أخطأ في الإزار والرداء فلبس أحدهما مكان الآخر ثم تنبه ولبس، ثم خرج إلى الناس وقد نودي الصلاة جامعة وهو أعرف الناس بآيات ربه، ثم لما صلى بالناس خطبهم بعد ذلك خطبة عظيمة، وكان مما قال فيها ﵊: (وإنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو أن تزني أمته). وفي هذا العصر أخذت هذه الفواحش طرائق متعددة كالاتصالات الهاتفية والخلوات المحرمة واللقاءات المذمومة وما أشبه ذلك مما يحصل في الطرق أو الأسواق أو غيرها. ومن الناس من يخرج بجسده وماله، يذكر النبي ﷺ مجاهدين يخرجون لا يرجعون بشيء، ويذكر منفقين ينفقون الليل والنهار حتى لا تعلم شمالهم ما تنفق يمينهم، ويذكر النبي ﷺ أفئدة معلقة بالمساجد، ينتظرون متى يفتح المسجد ليدخلوه ولا يخرجون إلا بإلحاح من يقوم عليه، ومع ذلك يأتي قوم يخرجون بأجسادهم وأموالهم إلى حانات الشرق وبارات الغرب من أجل الزنا والشواطئ التي عليها من العراة ما عليها، أو من القنوات المحرمة والأفلام الإباحية يمتع أحدهم بها نفسه ليلاً ونهاراً يظن أنه ينجو من عذاب لله، لا يمكن أن يوصف هذا بأنه عبد صالح ولو صلى وصام وزكى وحج؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف:٣٣]. والعلماء يقولون: إن الكبائر في المراتب ثلاث: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، والزنا. قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] فذكرها الله جل وعلا من باب الترتيب في أظهر أقوال العلماء. أعاذنا الله وإياكم من الفواحش كلها.

стр. 126

الله تعالى يكره أذية الناس وظلمهم في التعامل مع الرب ﵎ ينبغي أن يعلم أن الله جل وعلا حرم أذية الناس، وقال جل وعلا كما سمعنا في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً). الظلم للناس إما أن يكون بسفك الدماء، وإما أن يكون بانتهاك الأعراض، وإما أن يكون بأكل الأموال، وكله حرمه النبي ﵊ قائلاً: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا). ومن أشد الظلم أن يأخذ الإنسان أموال الناس بالقوة إن كان ذا سلطان، أو ذا إمرة، أو ذا منصب، أو يقع في وظيفة تسمح له وظيفته أن يأخذ ما عند الناس من أموال فيقول: لا أفعل حتى تدفعوا، لا أمنع حتى تدفعوا، لا أصنع حتى تعطوني مالاً وما أشبه ذلك مما هو قريب من المكس، وصاحب المكس -والعياذ بالله- من أعظم من يكونون بعيدين عن الرب ﵎. نبيكم ﷺ جاءته امرأة غامدية زنت بعد أن زنا ماعز فردها ﷺ ، فلما ردها جاءته في اليوم التالي قائلة: (يا نبي الله! إنك لتردني كما رددت ماعزاً بالأمس؟ إني لحبلى من الزنا. فقال ﷺ : اذهبي حتى تضعي، فعادت بعد أن وضعت ومعها غلامها في خرقة فقالت: يا رسول الله! ها قد وضعت. فقال ﷺ : اذهبي حتى تفطميه، فذهبت وعادت بعد أن أتمت رضاعته وقد فطمته وفي يده كسرة خبز حتى تبرهن أنه يأكل فقالت: يا رسول الله! ها هو ذا قد فطمته، فأعطاه النبي ﷺ -أي الغلام- لرجل من الصحابة وأمر برجمها، فلما رجمت كان ممن شهد الرجم خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، فلما أصابها حجر نزح الدم من رأسها فأصاب ثياب خالد فسبها غضباً، فقال ﷺ : لا تسبها يا خالد! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بالصلاة عليها ودفنها). موضع الشاهد كما قال النووي في شرح صحيح مسلم: أن الله قبل توبتها، ولو أن هذه التوبة تابها صاحب مكس لغفر له، وصاحب المكس هو الذي يأخذ أموال الناس بالقوة، وقريب منه من يأخذها بالخداع ويأخذها بالتحايل، أو يأخذها ديناً فلا يردها ولا يعبأ بأصحابها. فالله جل وعلا حرم أذية الناس، ولا يجتمع صلاح مع عدم احترام للعباد، وعدم العناية بهم كما سيأتي في الأمر السادس، فأذية المرء لغيره من المؤمنين تتنافى مع صلاحه، إن تكلم في أعراضهم أو أخذ من أموالهم أو وصل إلى مرحلة أكبر فسفك دماءهم فهذه أشد وأشد. والمقصود: أن الله جل وعلا حرم أذية الناس، قال الله جل وعلا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، وقال الله على لسان شعيب: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء:١٨٣].

стр. 127

الله تعالى يحب الإحسان إلى الخلق الأمر السادس أيها المؤمنون: أن الله جل وعلا كما حرم أذية الناس جعل من أعظم طرائق الصلاح والقرب منه الإحسان إلى الخلق، وكم من أنفس قد لا يكون منها كثير صلاة ولا صيام ولكنها جبلت على الإحسان إلى الخلق، يقول ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). ويخبر ﷺ : (أن بغياً من بغايا بني إسرائيل رأت كلباً يلهث من العطش فسقته، فلما سقته غفر الله جل وعلا لها). وذكر الله في القرآن تأديباً لعباده قصة نبيه موسى ﵇ فقال عنه: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]. والإنسان يتساءل: إلى من نحسن؟ هذا أجاب عنه النبي ﵊ في قوله: (أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك)، ويجاب عنه بأن الناس تختلف حقوقهم، فأعظم الناس حقاً الوالدان والمعلم والجيران وذوو الأرحام من القرابة، ثم يأتي بقية من له حق خاص أو عام، فهؤلاء الإحسان إليهم أفضل من الإحسان إلى غيرهم، كما أن الإساءة إليهم أعظم من الإساءة إلى غيرهم. قال عبد الله بن مسعود ﵁: (يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟! قال: أن تجعل لله نداً وقد خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك)، فجعل ﷺ الزنا بحليلة الجار من كبائر الذنوب، أي: أن الزنا محرم في ذاته لكنه إذا وقع على جارة لها حق الستر وأن يراعيها الإنسان أكثر من غيرها لقرب الدار كان ذلك أعظم وبالاً وأشد خسراناً.

стр. 128

الاقتداء بالصالحين الأمر السابع: من اليقينيات التي يجب أن تدرك أن من سنن الله جل وعلا أنه شرع للخلق الاقتداء بالصالحين فقال في حق سيد الخلق ﷺ بعد أن ذكر جملة من الأنبياء: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]. فأمر الله نبيه ﷺ أن يقتدي بإخوانه من النبيين، وأمرنا نحن المسلمين أن نقتدي بنبينا ﷺ ، فقال ربنا جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. وإن الاقتداء بالنبي ﷺ من أعظم أمارات وقرائن ودلائل الصلاح، خرج عبد الله بن عمر مع النبي ﷺ من المسجد النبوي وكان للمسجد في ذلك الزمان أبواب غير محددة أي: غير مخصوصة للرجال أو للنساء، فقال ﵊: (لو جعلنا هذا الباب -وأشار إلى باب قريب- للنساء) قالها من باب الرأي ولم يقلها من باب الأمر، قال نافع ﵀: فما دخل عبد الله بن عمر من هذا الباب حتى مات. وابن عمر عمّر بعد النبي ﷺ قرابة خمس وخمسين سنة ومع ذلك لم يدخل مع هذا الباب؛ لأنه سمع النبي ﷺ يقول: (لو تركنا هذا الباب للنساء). ومن تأسيه ﵁ بنبيه ﵊ أنه كان يمسح على الركنين اليمانيين فسأله رجل: لماذا تفعل هذا؟ قال: رأيت النبي ﷺ يمسحهما فما تركته منذ أن رأيت النبي ﷺ يفعله. فهذا عبد صالح ظهرت لنا علامة من علامات فوزه بالصلاح والتزكية النبوية أنه كان عظيم التأسي بنبينا ﷺ . وأنت أيها الأخ المبارك السنة أمامك مفتوحة، وكتب الحديث منشورة، وهديه ﷺ ظاهر بين في كل الكتب جعلها العلماء بياناً للناس، فالتأسي به ﷺ طريق عظيم للوصول إلى الصلاح؛ لأن الله جل وعلا سد كل طريق موصل إليه إلا طريق نبينا ﷺ . قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد يذكر بعض سننه ﵊: نام نبينا ﵊ على الأرض، ونام على الحصير، ونام على السرير، ونام على الفراش، وركب البغل، وركب الحصان، وركب الحمار، وركب الفرس مسرجة وغير مسرجة، وأكل ﷺ القثاء بالرطب، وقال: (نذهب حر هذه ببرد هذه)، وأكل ﷺ البطيخ، وأكل ﷺ العسل، وكان صلوات الله وسلامه عليه إذا تعجب من شيء قلب كفيه وقال: سبحان الله، وإذا مشى يتكفأ كأنما ينحدر من مكان عال، وإذا ناداه أحد من الخلف التفت ﷺ ببدنه الشريف كله، وإذا أشار إلى شيء أشار بيده كلها، وإذا وضع يده لينام جعل يمناه تحت جبينه الأيمن وقال: (باسمك اللهم أحيا وأموت)، وإذا قام من الليل قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، ومسح النوم عن عينيه وتلا خواتم آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠] حتى يختمها، ثم يعمد إلى وضوئه فيتوضأ ويستاك، ثم يقف بين يدي ربه جل وعلا يذكره ويدعوه ويهلل ويقرأ القرآن ويصلي حتى يقرب الفجر ثم يضطجع صلوات الله وسلامه عليه، ثم يصلي راتبة الفجر القبلية في بيته، ثم يضطجع قليلاً قبل أن يذهب إلى المصلى. هذه بعض السنن التي كان عليها نبيكم ﷺ ، وكان يقول: (أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه)، كان ﷺ كث اللحية إلى غير ذلك من سننه صلوات الله وسلامه عليه التي دعا إليها وجعل الاقتداء بها من عظيم المطالب وأجلّ ما يدرك به الإنسان أن يكون عبداً صالحاً.

стр. 129

جبل الله الناس على الخطأ وشرع لهم الاستغفار خاتمة اليقينيات: أن تعلم أن الله جل وعلا خلق الخلق وهو يعلم أن دأبهم التقصير والخطايا والذنوب، فقال الله جل وعلا عن عباده: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، فشرع الله لهم الاستغفار، وشرع لهم كثيراً من الأعمال الصالحة التي يسدون بها الخلل، ويوارون بها النقص، ويزدادون بها أجراً، ويتقربون بها إلى الله جل وعلا، فقال ﵊: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). وقال: (الصلوات الخمس والعمرة إلى العمرة والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الذنوب). وأخبر أن تقبيل الحجر الأسود ومسحه يحط الخطايا حطاً، وأخبر الله جل وعلا عن الحمى إذا أصابت الإنسان وبلغت منه مبلغاً وصبر عليها أنها تحط ذنوبه إلى غير ذلك مما كتبه الله وشرعه حتى يتلافى به العباد ما يعتريهم من نقص، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

стр. 130

ما أعده الله لعباده الصالحين هذه الثمانية أو التسعة الأمور اجتهدنا قدر الإمكان أن نصل إليها، فإذا تبين هذا يتساءل المؤمن: ما الذي أعده الله جل وعلا لعبده الصالح؟ و الجواب أعد الله جل وعلا للعبد الصالح في الآخرة جنات النعيم، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء:١٢٤]، أعد الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أعد لهم رؤية وجهه الكريم وهو أعظم الهبات وأجل العطايا، أما في الدنيا فإن من تأمل القرآن والسنة وجد أن الله جل وعلا وعد عباده الصالحين بأمور منها: أولها: أن الله جل وعلا يتولاهم في الدنيا والآخرة، قال الله جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:١٩٦]، وإذا تولاك الله فلن يصيبك شيء يضرك في دنياك وآخرتك إلا شيء من ورائه منفعة لك من حيث لا تدري؛ لأن ولاية الله جل وعلا سد منيع وعطايا عظيمة لا يبلغها أحد، والإنسان إذا تولاه الله ﵎ فأعظم ما يرزق التوفيق، قال ﷺ عن ربه: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، وقدمه التي يمشي عليها، ويده التي يبطش بها). والمقصود من هذه الأربع التوفيق الذي يناله العبد من ربه ﵎، وأنت ترى حولك من الناس من رزقهم الله جل وعلا الكثير من التوفيق؛ لأن الله ﵎ تولاهم بولايته. العطية الثانية من الله: أن الله جل وعلا يجعل العبد الصالح مقبولاً محبوباً في الدنيا، قال ﷺ : (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل فقال: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، ثم يقول جبريل لأهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يكتب الله جل وعلا له القبول فيحبه أهل الأرض)، وهذا من أعظم العطايا، والمؤمن الحق يألف ويؤلف، ويسمع، ويطيع، ويأخذ ويمنع، ويعيش مع الناس حياتهم كما كان النبي ﷺ يعيشها وهو سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه. كما أن من عطايا الرب ﵎ لعباده الصالحين التثبيت؛ فإن الإنسان في طريقه إلى الله لن يسلم من نزغات الشيطان، يأتيك الشيطان فيشكك في الدين الذي أنت فيه، يشكك في الرب الذي تعبده، والرسول الذي أرسل إليك، والعمل الصالح الذي تفعله، والأئمة الذين تقتدي بهم. ولا يرد ذلك إلا الاستعاذة واللجوء إلى الرب ﵎، والله جل وعلا يقول لنبيه: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤]، ولذلك كان ﷺ يقول: (يا مقلب المقلوب ثبت قلبي على دينك)، ولا يخلو إنسان من نزغات تأتيه ووساوس تعتريه ليس لها إلا الاستعاذة بالرب ﵎، فإذا أراد لله به خيراً ثبته على الصلاح ووقاه جل وعلا شر النزغات وإثم الوساوس. نبيكم ﷺ في منقلبه من الطائف أصابه الهم؛ لأن أهل مكة منعوه وأهل الطائف ردوه فلما رجع وأصابه من الكرب والضيق ما أصابه جاءه جبريل في رسالة من الله يراد بها التثبيت، فلما جلس ﵊ وقد أصابه الحزن قال له جبريل وأشار إلى شجرة بعيدة: (ادع تلك الشجرة، فناداها ﷺ فتركت مكانها ووقفت بين يديه، ثم فقال له جبريل: ردها كما كانت فقال ﵊ للشجرة: اذهبي إلى حيث كنت، فقامت الشجرة تمشي حتى رجعت إلى مكانها)، فقال النبي ﷺ وقد أدرك أنها تثبيت من لله له في رسالته: (حسبي ما قدر رأيت). وأنت يا أخي! قد تخرج من هذه المحاضرة فيأتيك الشيطان من قبل أو من بعد يوسوس لك، فالإنسان في مثل هذه الحالات إن كان عبداً صالحاً له عمل صالح ونية صادقة يأتيه التثبيت من الله، فإما أن يفتح المذياع فيسمع آيات يثبته الله جل وعلا بها، وإما أن يلقى أخاً مباركاً يخبره بحديث سمعه، وإما أن يفتح كتاباً فيقرأ فيه ما يثبته ويدله على صراط الله المستقيم، أو يجد أخاً يحمله إلى مسجد رسول الله ﷺ فيصلي فيه، ولن يعدم أمراً يثبته الله جل وعلا به إن صدقت نيته وخلصت سريرته وصلح أمره وأذعن لربه ﵎. مما يرزقه العبد الصالح قبل مماته: أن الملائكة تأتيه في أحرج اللحظات التي يكون فيها قريباً من الله، والإنسان تكون أيامه الأخيرة خلاصة لأيامه كلها لا يظهر فيها إلا ما كان الإنسان منكباً عليه منشرح الصدر له يريده بقلبه وجوارحه، فيوفق المؤمن لقول الشهادة أينما كان وحيثما حل. أما إن كان -والعياذ بالله- ليس من أهل العمل الصالح ولا من أهل الطاعة فهو إلى الخذلان أقرب منه إلى التوفيق، ولا يهلك على الله إلا هالك، قال الرب ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]. هذا أيها المؤمنون ما تهيأ إيراده، ووفقنا الله جل وعلا إلى قوله، فإن وجدت فيه خيراً فاقبله، وإن وجدت فيه نقصاً فسده. اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد، أنت ربنا لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا سواك، جمعتنا من غير ميعاد وأنت الرب الرحيم الرحمن في بيت من بيوتك، اللهم فارزقنا عملاً صالحاً زاكياً ترضى به عنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. اللهم إنا نسألك السريرة الصادقة، والدمعة الخالصة، والعمل الصالح، والحياة الطيبة. اللهم إنا نسألك مرداً إليك غير مخز ولا فاضح يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إن لنا من الذنوب والخطايا ما لا يعلمه غيرك، ولا يدري عنه سواك، اللهم كما سترتها علينا في الدنيا فامحها عنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن ترزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقرب إلى حبك، اللهم ارزقنا محبة نبينا ﷺ ، اللهم أحينا في الدنيا على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا يوم القيامة في زمرته، اللهم أوردنا حوضه واسقنا من يده يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا نسألك الدرجات العلى من الجنة، اللهم إنا نسألك الدرجات العلى من الجنة، ونستجير بوجهك الأكرم وباسمك الأعظم من النار يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا يا رب العالمين، اللهم اغفر لأمهاتنا وآبائنا ومن له حق علينا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إننا نخطئ ونصيب، اللهم إنا أطعناك في أعظم ما أمرتنا به فلا إله إلا أنت، وانتهيا عن أعظم ما نهيتنا عنه، فنعوذ بك أن نشرك بك غيرك، اللهم اغفر لنا ما بين ذلك يا رب العالمين. اللهم إننا أطعناك في أعظم ما أمرتنا به فلا إله إلا أنت، واجتنبنا أعظم ما نهيتنا عنه فنشهد أنه لا شريك لك فاغفر اللهم لنا ما بين ذلك من الذنوب. اللهم اجعلنا أحسن مما يظنه الناس بنا، واغفر لنا ما لا يعلمه الناس عنا، وارزقنا اللهم القبول عندك لا إله إلا أنت. اللهم اجعلنا ممن قرت أعينهم بك فتعلقت بك ولم تنقطع إلى غيرك يا رب العالمين، اللهم اقطع علائقنا مع كل أحد غيرك يا رب العالمين، اللهم لا تجعل لأحد غيرك من أعمالنا حظاً ولا نصيباً ولا ذكراً يا رب العالمين، واجعلها اللهم برحمتك خالصة لوجهك، اللهم من حضر مجلسنا هذا يريد التوبة والإنابة إليك فبلغه مراده، اللهم من حضر مجلسنا هذا يريد التوبة والانتفاع فبلغه مراده. اللهم أصلحنا أجمعين واجعلنا من عبادك المخلصين، واغفر لنا لا إله إلا أنت أنت ربنا ومولانا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا سواك. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 131

أهل الله وخاصته أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، يتلون آياته ويتدبرون في مفرداته، ويقفون عند عبره وعظاته فيعتبرون ويتذكرون، وفي هذه المادة وقفات مع آيات، منها آية الملكين هاروت وماروت، وكذلك الباقيات الصالحات، وإلقاء المحبة على موسى.

стр. 132

عظمة القرآن الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، نبي شرح الله له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه كما عرف بالله ووحده ودعا إليه وعلى آله وأصحابه وعلى سار من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت:٤٠ - ٤٣]. أيها المؤمنون! ما أنزل كتاب من السماء على نبي من الأنبياء أعظم ولا أجل من القرآن العظيم الذي أنزله الله على قلب محمد ﷺ ، فما بين دفتي المصحف مما يراه المؤمن اليوم ويقرؤه هو كلام رب العزة والجلال ﷻ ، نزل به أمين السماء جبريل على قلب أمين أهل الأرض محمد ﷺ ، في خير ليلة هي ليلة القدر، وفي خير شهر هو شهر رمضان، أنزله الرب ﵎ ولم يكل إلى أحد من الخلق حفظه، وإنما أوكل جل وعلا حفظه إلى ذاته العلية، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فكتاب بهذه المنزلة حري بأن يكون من يحفظه، ويتدبره، ويعلمه، ويقرؤه، ويتلوه، ويقوم به، ويعمل به، ويؤمن بمتشابهه، ويعمل بحكمه، حري أن يكون من أهل الله وخاصته. جعل الله جل وعلا لأهل القرآن في الدنيا صدور المجالس، وجعل لهم في المساجد صدور المحاريب، وجعل لهم في حياة البرزخ أول القبر، وجعلهم يوم القيامة أهل الله وخاصته جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم ولقد عرف التاريخ الإسلامي منذ أن جمع القرآن في عهد أبي بكر إلى يومنا هذا أفذاذاً من الرجال وأئمة من الأخيار أفنوا أعمارهم وقضوا أيام حياتهم في كلام ربهم ﵎، إما يتلونه وإما يعلمونه وإما يتدبرونه وإما يفسرونه وفي ذلك كله كانوا يعملون به؛ لأنهم يعلمون أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب إلا العمل الصالح، استفتح شيخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى رحمة واسعة في مسجد رسول الله ﷺ تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦]، في الحرم بعد صلاة المغرب، فمكث ﵀ رحمة واسعة يبكي لا يقدر على أن يفسرها إلى أن أذن العشاء، كيف يتصور أن يفسد أحد في الأرض بعد أن أصلحها الله! وفسر قول الله جل وعلا: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة:٦١]، في ٤ ساعات دون أن يكرر كلامه أو يخرج عن معنى هذه الآية ﵀ وعفى عنه، وهو آخر من أدركنا من الأئمة الكبار الذين يؤخذ عنهم العلم في كلام الرب ﵎ أخذاً كلياً. غاية المقصود من هذا كله أننا في هذا اللقاء المبارك سنتأمل آيات متفرقات من كلام الرب جل وعلا، أحياناً نتأملها تأملاً علمياً محضاً وأحياناً نتأملها تأملاً وعظياً محضاً، وأحياناً نحاول أن نجمع بين العلم والوعظ ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

стр. 133

وقفة مع آية: (وما أنزل على الملكين ببابل) الآية الأولى: قول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠١ - ١٠٢]. أيها المؤمنون! هذه الآية بمجملها اخترناها عمداً لكثرة الأسئلة التي ترد إلينا عن الإشكال في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ [البقرة:١٠٢]. وذلك أن (ما) هنا تحتمل أن تكون نافية، وتحتمل حسب اللغة أن تكون موصولة، لكننا سنبدأ في تفسير الآيات من أولها. الآيات جاءت في سورة البقرة في ذكر اليهود، والله هنا يقول: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:١٠١]، هو نبينا محمد ﷺ ، وما معهم هي التوراة، وفي التوراة وصف لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، ذلك أن الله جل وعلا وصف محمداً وأصحابه في التوراة والإنجيل ثم ابتعثه من أعز قبيل في أكرم جيل وأمثل رعيل، صلوات الله وسلامه عليه. ولما قيل لـ عبد الله بن سلام اليهودي الذي أسلم أتعرف أن النبي ﷺ هو بعينه ووصفه ونفسه؟ قال: نعم ولا أشك في ذلك، أعرفه أكثر مما أعرف ابني، ثم بين ﵁ وأرضاه قال: ذلك أن أمين السماء نزل على موسى وأعطاه التوراة فأخبره بوصف نبينا ﷺ ، أما ابني في صلبي فلا أدري ما كان من شأن أمه كذبت علي أو صدقت! غاية الأمر أن يعلم أن الله هنا يقول: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١٠١]، وهذا أسلوب القرآن العظيم في التحرز من تعميم الأحكام قال الله جل وعلا: ﴿فَرِيقٌ﴾ [البقرة:١٠١]، ولم يقل (أمة اليهود بأكملها) ذلك أن كل أمة فيها الأخيار وفيها دون ذلك، قال الله جل وعلا في آية محكمة: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١]. وهذا قول الله جل وعلا ﴿فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١٠١] يشهد له الواقع، فالإسلام دين الفطرة، وما زال الناس من يهود، ومجوس، ونصارى، ووثنيون وغير ذلك يدخلون في الإسلام تباعاً حتى إن آخر يهودي أسلم قبل أيام واسمه، ميخائيل هاجر من روسيا إلى إسرائيل رغبة بأن يستوطن أرض الميعاد، وسكن في مستوطنة يهودية يقال لها: كربات أو كريات، فمكث فيها ثم هداه الله جل وعلا إلى الإسلام، فغير اسمه من ميخائيل إلى محمد المهدي، وانتقل يسكن في قطاع غزة مع سائر المسلمين ممن يسكن في تلك البلاد المباركة. هذا كله يدل على التحرز القرآني في كلام الرب جل وعلا، ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠١ - ١٠٢]، عدى الله الفعل (تتلو) هنا بحرف الجر (على) وهذا يحتمل أن المقصود من الآية: أن اليهود تركوا الأمر البين الواضح الذي أنزله الله جل وعلا عليهم، ولجئوا إلى الكذب. والآية تفهم من سياقها التاريخي، ذلك أن سليمان ﵊ أعطاه الله جل وعلا أموراً عظاماً، قال الله جل وعلا: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٩]. كان سليمان قبل أن يموت قد دفن السحر الذي جاءت به الشياطين، فلما مات أخرجته الشياطين وأخرجه اليهود ونسبوا إلى سليمان ﵇ السحر، وإنما كان يصنعه سليمان ولم يكن معجزة من الله بزعمهم، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:١٠٢]، رغم أن اليهود لم ينسبوا إلى سليمان الكفر وإنما قال الله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:١٠٢]؛ لأنهم نسبوا إلى سليمان السحر والسحر هو الكفر أو قرين الكفر، أو بتعبير أوضح: السحر من الكفر، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:١٠٢]. إلى هنا لا يوجد خلاف كبير بين العلماء في معنى الآية، لكن قال الله بعدها: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢]. قال فريق من العلماء: إن (ما) هنا نافية، والآية عندهم فيها تقديم وتأخير، ومعنى الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:١٠٢]، أن الله نفى الكفر عن سليمان، ويقولون: إن الأصل في الآية: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ [البقرة:١٠٢]، لهاروت وماروت أي: أن الله ينفي أن يكون قد أنزل على الملكين أي شيء من السحر. هذا معنى الآية عند بعض العلماء، واختاره القرطبي ﵀، وأيده الشوكاني من المتأخرين. لكن هذا القول لا يستقيم مع الآية أبداً؛ لأن الله قال بعدها: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة:١٠٢]، فجاء الله بألف التثنية في (يقولا ومنهما ويتعلمان) مما يدل على أنها تعود على الملكين هاروت وماروت، فعلى هذا يبطل هذا القول في ظننا. القول الثاني: اختاره الإمام ابن حزم ﵀، وحجته أن الواو للعطف، والعطف يقتضي المغايرة وفق قواعد اللغة، يقول ﵀: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: الذي أنزل على الملكين غير السحر؛ لأن الواو عاطفة والعطف يقتضي المغايرة. والذي دفع العلماء إلى هذا القول ما روي عن ابن عمر وغيره من الصحابة بأسانيد مرفوعة وموقوفة أن الله جل وعلا أنزل الملكين هاروت وماروت وابتلاهما بالكوكب المعروف: الزهرة، تمثلت لهم كأنها امرأة ففتن بها الملكان فردها الله وجعلها كوكباً، هذا الذي جعل بعض العلماء يحيد عن معنى الآية. والحق إن شاء الله تعالى في تفسير الآية ما يلي: أما ما نقل من أن الله ابتلى الملكين بالزهرة فهذا باطل لا يمكن أن يثبت، ومجمل الأمر أن الله جل وعلا لا ملزم له ولا معقب لحكمه، فلما فشا في ذلك الزمان السحر حتى اختلط على الناس ما هو السحر وما هي معجزات الأنبياء أرسل الله جل وعلا هذين الملكين هاروت وماروت فتنة للناس يبينون للناس ما هو السحر، فإذا عرف الناس ما هو السحر عرفوا أن يفرقوا ما بين السحر ومعجزات الأنبياء، وهذا هو الذي يستقيم مع الآية، فمعنى (وما أنزل) أي: والذي أنزل على الملكين بابل هاروت وماروت. والذي يدل على صحة هذا المعنى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: أن الملكين لا يعلمان أحداً، حتى يبينا ويقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، وفي هذا دلالة على أن السحر كفر، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: يتعلم شرار الناس من الملكين، ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وهذا أحد أنواع السحر المنصوص عليها في كلام ربنا جل وعلا، والنوع الثاني ذكره الله جل وعلا في سورة طه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، وهو سحر التخييل كما هو ظاهر في سورة طه. نعود للآية، قال الله جل وعلا: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فقد يقع الضرر وقد لا يقع، وسواء وقع أو لم يقع فكل ذلك لا يمكن أن يتم ولا يكون إلا بمشيئة الله ﵎، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]، وآخر الآية ظاهر بين في ذم السحر وأربابه وأتباعه ومن يقوم به ومن يؤذي الناس به، عافنا الله وإياكم من ذلك كله.

стр. 134

وقفة مع آية (المال والبنون زينة الحياة)

стр. 135

تفسير الباقيات الصالحات الوقفة الثانية مع قول الله جل وعلا في سورة الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦]. قال ﷺ : (من أمسى معافى في بدنه آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما جمعت له الدنيا بحذافيرها). هذه الحياة فيها ضروريات وفيها زينة زائدة على الضروريات، فالضروريات وفق الشرع ثلاث: أن يكون الإنسان معافى في البدن. وأن يملك الإنسان قوت يومه. وأن يجد الإنسان أمناً ليعبد الله جل وعلا. وقد جمعها نبينا ﷺ في هذا الحديث الشريف، وما زاد عن ذلك فهو من زينة الدنيا، ولهذا قال الله جل وعلا في آية الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، أي: ليس من الضروريات، فالإنسان يمكن أن يعيش دون أن يكون له ولد، ويمكن أن يعيش دون أن يكون له مال مدخر في البنوك ولا في المصارف ولا في البيوت، ولا في الصناديق ولا في أي شيء سواها. لكن لا ينغص العيش إلا عدم وجود قوت اليوم، أو السقم في البدن، أو الخوف وعدم الأمن عياذاً بالله من هذه الثلاث كلها. فلما ذكر الله جل وعلا ضروريات الحياة بعد أن أرشد إلى زينتها جملة قال جل وعلا: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦]. ثمة مدركات يجب أن ينتبه لها المسلم وهو يتأمل ويتدبر هذه الآية الكريمة. قبل أن نشرع في هذه المدركات نبين أن العلماء ﵏ اختلفوا في الباقيات الصالحات، فمنهم من حصرها بأنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا ريب أن هذه من الباقيات الصالحات لكنها لا تستوعب الباقيات الصالحات كلها، والأصل والصواب أن يقال: كل عمل صالح أريد به وجه الله جل وعلا فهو من الباقيات الصالحات.

стр. 136

الحياة الدنيا زهرة حائلة ونعمة زائلة أما التأمل في الآية تعمقاً فإننا نقول: إن الله يبين من هذه الآية أن الحياة زهرة حائلة ونعمة زائلة لا بد أن تنقضي، وما ادخره الإنسان في حياته الدنيا يتلاشى ويذهب إلا ما أريد به وجه الله جل وعلا فإنه يبقى له مدخراً يوم القيامة، والواقع أعظم الشهود فعندما يموت الرجل أو المرأة فأول ما ينسى منه اسمه، فإن الناس إذا مات الميت وجاءوا ليسألوا عنه قبل أن يغسل يقولون: أين الجثة؟ لا يقولون: أين فلان! ثم ينتقل الإنسان إلى مرحلة ثانية، فإذا غسل تركوا جسده كما تركوا اسمه. فالذي يريد أن يسأل عنك لن يقول: أين الجثة؟ ولا يقول: أين الاسم ولا أين فلان وإنما يقول: أين الجنازة؟ فينسبونك إلى الخشبة التي تحملك يقول: تبعت الجنازة، صلوا على الجنازة، أين الجنازة؟ قدموا الجنازة، أخروا الجنازة، هاتوا الجنازة. وبعد أن يترك بعد اسمك وجسدك تترك بالكلية، فإنه يوضع الميت في قبره فلا يقال له بعد وضعه في القبر جثة، وإنما يقولون: ميت، مصداقاً لقول الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، فيذكر ويترحم عليه إن كان من المؤمنين. والغاية من هذا كله أن يسعى الإنسان في شيء باق، وهذا أعظم ما يعينك على أن تأتي الباقيات الصالحات، وهو علمك بمصيرك وأنك كما قال الرب جل وعلا في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، فلا بد من ملاقاة الله، جعلنا الله وإياكم ممن طال عمره وحسن عمله.

стр. 137

الباقيات الصالحات توفيق من الله تعالى الأمر الثاني: أن تعلم أن الباقيات الصالحات توفيق من الله، وأن الهداية نور من الله يضعه الله جل وعلا في قلب من يشاء لا يناله أحد بعلمه ولا بجهده ولا بسعيه ولا بغدوه ولا برواحه، قال الحق ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. ولقد شبه الله جل وعلا قلب المؤمن بالكوة التي في الجدار والتي فيها مصباح، فالكوة نفسها هي قلب المؤمن والمصباح الذي فيها يضيء من خلال زيت، فيجتمع فيه سببان لأن يضئ، المصباح سبب، وهذا المصباح متكئ على سبب آخر هو الزيت، فالزيت تفسيره: هي الفطرة التي جعلها الله جل وعلا في قلوب الناس، والمصباح هي الآيات البينة التي أنزلها الله على قلب نبينا ﷺ . وهذه الفطرة تكاد تهدي صاحبها من غير دليل كما أن الزيت يكاد يضيء من غير نار، فتشع هذه الفطرة مع آيات الله البينات في قلب المؤمن. والكوة أمر مقوس محفوظ، فالشعاع فيه يبقى ظاهراً ممتلئاً، وكذلك قلب المؤمن يشع بنورين نور الفطرة التي فطره الله جل وعلا عليها ونور آيات بينات استفاد منها وجعلها الله جل وعلا في قلبه. ولا سبيل إلى الفطرة ولا إلى الآيات البينات إلا بالله ﵎، قال العز بن عبد السلام ﵀: والله لن يصلوا إلى شيء بغير الله فكيف يوصل إلى الله بغير الله؟ قال: فإذا كان النور يهدي إلى الله فإنه لا ينكر أن يطلب إلا من الله، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]، ثم قال الله الكلمة التي توجب على العبد أن يستكين بين يدي ربه قال جل وعلا: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. إن العبد إذا تأمل من حرم من هذا النور يعلم أنه فضل من الله، فكم من أستاذ جامعي لا تكاد توجد لغة إلا ويجيدها تتسابق إليه الفضائيات وتتزاحم عليه القنوات وله المال الوفير والجاه العظيم لكن غاب عنه نور الله جل وعلا فلم تكتحل عيناه يوماً بالسجود لرب العالمين ﵎. فانظر فيما وصل وعما ضل حتى تعلم أن قول الحق: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، يستوجب أن يستكين العبد بين يدي مولاه، يسأل الله جل وعلا بكرة وعشية أن يهديه إلى نوره المبين وإلى صراطه المستقيم قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].

стр. 138

الله وحده من يعلم الغيب الأمر الثالث من المدركات حول الباقيات الصالحات: أن تعلم أن الله جل وعلا وحده من يعلم الغيب كله، فكم من إنسان يسعى في أمر يؤمل خيراً فيلقى ضده، وكم ممن يؤمل غير ذلك فيلقيه الله جل وعلا الخير، ومن علم أن الغيب كله لله اطمأنت نفسه وسكن قلبه ولم يركن إلى أحد من الدنيا يتكئ عليه: واشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان عبد الله بن الزبير ﵁ وأرضاه كان بينه وبين عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي المعروف نزاع حول الخلافة، فـ عبد الله في الحجاز وعبد الملك في الشام، وكان في الحجاز رجل يقال له كعب الأحبار يهودي أسلم أوتي علماً جماً من علم الكتاب الأول. فكان يسكن مع عبد الله بالحجاز في مكة ويحدث عبد الله ببعض ما هو كائن، فكان مما عبد الله بن الزبير أخبره أنه سيموت ويقتل على يد رجل من ثقيف، قال: يا عبد الله يقتلك رجل من ثقيف! فلما ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي من أهل الطائف وعلا شأنه أمر عبد الله بن الزبير أخاه مصعباً أن يقاتل المختار فقتل مصعب المختار الثقفي، وبعث برأسه إلى عبد الله بن الزبير، فلما وضع رأس المختار الثقفي بين يدي عبد الله بن الزبير قال ﵁ دون أن يدري كل ما أخبرني به كعب الأحبار وجدته رأي العين إلا قوله إنه سيقتلني شاب من ثقيف وما أراني إلا قتلته. وما درى عبد الله ﵁ وأرضاه أن الله خبأ له في القدر الحجاج بن يوسف الثقفي، فمرت أيام وتوالت أعوام فبعث عبد الملك الحجاج بن يوسف وحاصر مكة، وكان من أمره أنه قتل عبد الله بن الزبير، فوقع ما أخبر به كعب من قبل. موضع الشاهد من القصة أن الإنسان لا يعلم الغيب، وما دام لا يعلم الغيب فليس له مفر إلا إلى الله جل وعلا. وهذا العلم في هذه الآية بينه الله جل وعلا في خاتمة سورة هود قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]، فإن من أعظم ما يعين على إتيان العمل الصالح أن تستسلم لأمر الله ﵎، وأن ترضى بقضائه وقدره، وأن تعلم أن الغيب طوي عنك، ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥].

стр. 139

المسارعة إلى العمل الصالح فهذا يعينك برحمة الله على المسارعة في الباقيات الصالحات. ثم تنتقل في هذه المدركات إلى أمر عظيم، وهو المسارعة إلى العمل الصالح وانتهاز الفرص. والناس في هذا الباب طرائق شتى كما أخبر الله جل وعلا قال سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤]. فمن الناس من يتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة ليل نهار، جاء في سيرة نبي الله إدريس ﵊ أن الملائكة كانت تعجب منه، يرفع لإدريس وحده من الأعمال الصالحة ما يرفع لأهل الأرض كلهم من أهل زمانه، فكانت الملائكة تغبط إدريس على هذا العمل. ومن تأمل سير الأخيار وطرائق الأبرار وجد كثيراً من ذلك، فمن ذلك الصديق ﵁ وأرضاه، ففي حادثة الإفك كانت المتهمة بالإفك هي ابنته عائشة ﵂ وأرضاها زوجة نبينا ﷺ ، وكان الصديق ﵁ وأرضاه على سقف بيته يقرأ القرآن فيسمع بكاء ابنته عائشة وبكاء أمها أم رومان، فتذرف عيناه ويبكي ويقول: هذا والله أمر ما رمينا به في جاهلية ولا إسلام! ومع ذلك يمكث شهراً كاملاً يستحيي ﵁ وأرضاه أن يأتي النبي ﷺ ويكلمه في الأمر رغم أن الشأن شأن ابنته ﵂ وعن أبويها. فهذا عمل صالح قد لا يخطر على بال أحد. وكذلك أنت أيها المؤمن! في طريقك إلى الله لا تدعن عملاً تستطيع أن تعمله تعرف أن فيه رضوان الرب جل وعلا، قد تخرج من مسجد أو من مكتبة أو من مكان موصول بالإيمان فتجد رجلاً يبيع السواك وعندك في بيتك منه ما يغني؛ لكنك تتذكر قول النبي ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، فتشتريه أملاً أن تنال رضوان الله جل وعلا. وليس المقصود ضرب الأمثال، وإنما المقصود تنبه الناس، ألا ترى إلى نبي الله يونس لما وضع في بطن الحوت وكان في الظلمات الثلاث ثم حرك أطرافه فوجدها تتحرك فعلم أنه حي فأسمعه الله جل وعلا تسبيح الحصى والثرى لرب السموات العلا، فبادر ﵇ يتخذ في ذلك المكان عملاً صالحاً فسجد، فورد أنه قال: (اللهم إنني اتخذت لك مسجداً في مكان ما أظن أن أحداً عبدك فيه). وكم من بقعة في الأرض يغلب على الظن أن أحداً لم يعبد الله جل وعلا فيها، فإن أوتيتها اختياراً أو اضطراراً فلا تنس أن تعبد الله جل وعلا فيها، تدخر فيها لنفسك عملاً صالحاً، قال لي أحد الفضلاء يوماً وهو يريد أن يعمل ما يسمى بالأشعة المقطعية وهم يضعونه في أشبه بالتابوت في داخل الجهاز ليمكث ٤٥ دقيقة؛ قال لي: يا أبا هاشم أوصني قبل أن أدخل وكان يخشى أن تطفأ الكهرباء فيموت! قلت له: إن استطعت أن تصلي في هذا المكان ركعتين ولو مستلقياً فافعل، فإنني لا أظن أحداً عبد الله في مثل هذا المكان. الغاية من هذه النصيحة لي ولكم أن يأتي الإنسان إلى موطن يغلب على الظن أنه لم يسجد لله جل وعلا سجدة، ويكون قد دخله كما قلت اختياراً أو اضطراراً فيتذكر قول الله جل وعلا: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦]، فيدخر لنفسه عملاً صالحاً يخلص لله فيه النية لعل الله جل وعلا أن يتقبل منه هذا العمل يوم يلقاه، قال علي ﵁ وأرضاه: إن الله أخفى اثنتين في اثنتين؛ أخفى أولياءه في عباده فلا تدري فيمن تلقاه أيهم ولي لله، وأخفى رضوانه في طاعته فلا تدري أي طاعة لك أطعت الله بها كانت سبباً في رضوان الله جل وعلا، فلا تحقرن من الأعمال الصالحة شيئاً.

стр. 140

يعظم العمل بإخلاص النية وقد يعظم العمل بإخلاص النية، وهذا يقودنا إلى مدركة أخرى وأنت تستعد للأعمال الصالحة، ألا وهي: أن تعلم أن الله ﷻ غني عن طاعتك، وما دام الله غنياً عن طاعتنا فإن الله غني عن أن نشرك معه أحداً. فكن ممن يبتغي بعلمه وجه الله والدار الآخرة ولا يشرك مع الله أحداً كائناً من كان، ولذلك أمارات في القبول أو في الرد، لكن من أعظم أمارات توحيد العبد لربه استكانة قلبه واقشعرار جلده وذروف عينيه إذا ذكر الله جل وعلا عنده؛ لأن الله قال في الضد عن أهل معصيته ممن كتب لهم الجحيم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]. فمن تواضع قلبه وخضعت نفسه وسكنت لله جل وعلا خرج من هذا المفهوم والمنطوق للآية، ولعل في ذلك علامة وأمارة على قبول الله جل وعلا منه ذلك العمل.

стр. 141

وقفة مع آخر سورة الكهف

стр. 142

الجنة هي أعظم غايات المؤمن الوقفة الثالثة أيها المؤمنون! مع قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨]. هذه الآية مما ختم الله به سورة الكهف، والمقصود من بيان هذا الأمر أمور عدة: الناس يسمون الخطيب الذي يتحدث كثيراً عن الجنة بأنه يطرق موضوعاً تقليدياً ويتناسون أنه لا بغية للمؤمن أعظم من الجنة؛ لأن من دخل الجنة لم تضره مصائب الدنيا، ومن أدخل النار لم تفده عطايا الدنيا. الجنة درجة عالية والداخل إليها لا بد أن يكون ذا قلب سليم، قال الله جل وعلا على لسان خليله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، ومر نبيكم ﷺ على أعرابي يدعو فقال الأعرابي لنبي الله ومعه معاذ: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكنني أسأل الله الجنة وأستجير به من النار، فقال ﷺ : (حولها ندندن)، أي: لا بغية لنا ولا مطلوب لنا في دعائنا إلا أن نزحزح عن النار وندخل الجنة.

стр. 143

خلاف العلماء في الجنة التي خرج منها آدم والجنة أيها المؤمنون! ذكرها الله جل وعلا مرات عديدة في كتابه، قال الله جل وعلا عن أبينا آدم: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، واختلف العلماء هنا في الجنة التي أمر الله آدم وزوجته أن يدخلاها. فقال فريق منهم: إنها جنة المأوى التي وعدها الله جل وعلا عباده، وحجتهم في هذا أن الألف واللام هنا للمعهود الذهني؛ لأن ذكر الجنة لم يمر من قبل فانتفى المعهود اللفظي، ولا يمكن أن تكون للاستغراق؛ لأنه لا يوجد إلا جنة في السماء فقالوا: لم يبق إلا المعهود الذهني. ومن حججهم قول النبي ﷺ : (إن أهل الجنة إذا أرادوا أن يدخلوها يجدونها مغلقة الأبواب فيأتون أباهم آدم فيقولون: يا آدم استفتح لنا الجنة، فيقول ﵇: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم اذهبوا إلى محمد) فقالوا: إن قول آدم (وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم)، دليل على أنها جنة المأوى. وقال آخرون من العلماء: إن ليست الجنة التي دخلها آدم ليست الجنة التي وعدها الله عباده. ومن حججهم أن إبليس وسوس للشيطان فيها وأن آدم كلف فيها، قالوا: والجنة لا سبيل إلى إبليس عليها ولا تكليف فيها، وإن آدم أخرج منها والذي يدخل الجنة يخلد ولا يخرج؛ لكن جماهير العلماء على أنها جنة المأوى، وهذه إطلالة علمية على الآية.

стр. 144

أقسام الناس في دخول الجنة نعود للجنة: الناس بالنسبة للجنة فيها ثلاثة أصناف: قوم لا يدخلونها بالكلية، وقوم يمنعون عنها ابتداء، وقوم يدخلونها من غير حساب ولا عذاب. أما الذين منعوا عنها بالكلية فهم أهل إشراك، فمن مات على أي ملة غير ملة الإسلام لا يدخل الجنة، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢]. والفريق الآخر لا يدخلونها ابتداء، ومن هؤلاء العاق لوالديه، قال ﷺ : (لا يدخل الجنة عاق)، فمن مات وهو عاق لوالديه لا يدخل الجنة ابتداء وإن كان من أهل التوحيد والمحافظين على الصلوات؛ لأن الله جل وعلا لم يعط حقاً لأحد من الخلق بعد حق نبيه أعظم من حق الوالدين. فإذا وجد عبد نبذ هذا الحق الذي وضعه الله وراء ظهره وقدم عليه غيره وعامل الإحسان بالعقوق كان حقاً على الله ألا يدخله الجنة ابتداء إلا أن يشاء الله. ولا يدخلها مدمن الخمر، وقد لعن الله جل وعلا في الخمر عشرة كما في حديث ابن عمر، ولا يوجد معصية في الشرع لعن النبي ﷺ بسببها عشرة إلا الخمر أعاذنا الله وإياكم من ذلك. كما لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه: فالإنسان إذا كان جاره وهو جاره يبقى على وجل وخوف منه فإن هذا الجار لا يكون أهلاً لأن يدخل الجنة ابتداء. والفريق الثالث: من يدخلها بلا حساب ولا عذاب جعلنا الله وإياكم منهم.

стр. 145

اشتياق الجنة إلى الصالحين الأمر الثالث مما يتعلق بالجنة: أن النبي ﷺ نسب إلى الجنة الشوق قال ﵊: (إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: إلى علي، وعمار، وسلمان)، رضوان الله ﵎ عليهم أجمعين. أما علي ﵁ فهو رابع الخلفاء الراشدين وأرضاه وأحد العشرة المبشرين، وزوج بنت نبينا ﷺ المقتول غدراً في رمضان ﵁ وأرضاه، ومن الترف العلمي أن يعرف الإنسان بمثله! وكذلك سلمان هو أحد أصحاب نبينا ﷺ لآل فارس، اختصمت فيه الأوس والخزرج والمهاجرون والأنصار يوم الخندق فقال ﷺ عنه: (سلمان منا آل البيت). وأما عمار فهو عمار بن ياسر أبو اليقظان ﵁ وأرضاه، عمِّر حتى جاوز التسعين وشهد الجمل وصفين مع علي ﵁ وأرضاه. وفي أيام الهجرة الأول كان يحمل لبنتين لبنتين والنبي ﵇ وأصحابه يبنون المسجد، فوضع النبي ﷺ يده على كتفه وقال: (ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) وأخبره النبي ﷺ أن آخر عهده بالدنيا مذقة من لبن، فشهد صفين وهو رجل طويل أسمر كان يرعش من الكبر وفي يده حربة. وكلما خوفه أحد بالموت يقول: ليس الآن، أخبرني نبي الله ﷺ أن آخر عهدي بالدنيا مذقة من لبن، وبينما هو في المعركة على فرسه جيء له بلبن فشربه ﵁ وأرضاه وعلم أن موته قريب، فمات بعدها بقليل ﵁ وأرضاه، وقد قال عنه ﵊: (واهتدوا بهدي عمار). فهذا الصحابي الجليل عمار وسلمان، وعلي ﵃ ممن تشتاق لهم الجنة، ونحن إلى جنات ربنا من المشتاقين، جعلنا الله وإياكم من أهلها.
следующие страницы →