Полный текст (797 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقفة مع آخر سورة الكهف
стр. 142
الجنة هي أعظم غايات المؤمن
الوقفة الثالثة أيها المؤمنون! مع قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨].
هذه الآية مما ختم الله به سورة الكهف، والمقصود من بيان هذا الأمر أمور عدة: الناس يسمون الخطيب الذي يتحدث كثيراً عن الجنة بأنه يطرق موضوعاً تقليدياً ويتناسون أنه لا بغية للمؤمن أعظم من الجنة؛ لأن من دخل الجنة لم تضره مصائب الدنيا، ومن أدخل النار لم تفده عطايا الدنيا.
الجنة درجة عالية والداخل إليها لا بد أن يكون ذا قلب سليم، قال الله جل وعلا على لسان خليله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، ومر نبيكم ﷺ على أعرابي يدعو فقال الأعرابي لنبي الله ومعه معاذ: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكنني أسأل الله الجنة وأستجير به من النار، فقال ﷺ : (حولها ندندن)، أي: لا بغية لنا ولا مطلوب لنا في دعائنا إلا أن نزحزح عن النار وندخل الجنة.
стр. 143
خلاف العلماء في الجنة التي خرج منها آدم
والجنة أيها المؤمنون! ذكرها الله جل وعلا مرات عديدة في كتابه، قال الله جل وعلا عن أبينا آدم: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، واختلف العلماء هنا في الجنة التي أمر الله آدم وزوجته أن يدخلاها.
فقال فريق منهم: إنها جنة المأوى التي وعدها الله جل وعلا عباده، وحجتهم في هذا أن الألف واللام هنا للمعهود الذهني؛ لأن ذكر الجنة لم يمر من قبل فانتفى المعهود اللفظي، ولا يمكن أن تكون للاستغراق؛ لأنه لا يوجد إلا جنة في السماء فقالوا: لم يبق إلا المعهود الذهني.
ومن حججهم قول النبي ﷺ : (إن أهل الجنة إذا أرادوا أن يدخلوها يجدونها مغلقة الأبواب فيأتون أباهم آدم فيقولون: يا آدم استفتح لنا الجنة، فيقول ﵇: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم اذهبوا إلى محمد) فقالوا: إن قول آدم (وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم)، دليل على أنها جنة المأوى.
وقال آخرون من العلماء: إن ليست الجنة التي دخلها آدم ليست الجنة التي وعدها الله عباده.
ومن حججهم أن إبليس وسوس للشيطان فيها وأن آدم كلف فيها، قالوا: والجنة لا سبيل إلى إبليس عليها ولا تكليف فيها، وإن آدم أخرج منها والذي يدخل الجنة يخلد ولا يخرج؛ لكن جماهير العلماء على أنها جنة المأوى، وهذه إطلالة علمية على الآية.
стр. 144
أقسام الناس في دخول الجنة
نعود للجنة: الناس بالنسبة للجنة فيها ثلاثة أصناف: قوم لا يدخلونها بالكلية، وقوم يمنعون عنها ابتداء، وقوم يدخلونها من غير حساب ولا عذاب.
أما الذين منعوا عنها بالكلية فهم أهل إشراك، فمن مات على أي ملة غير ملة الإسلام لا يدخل الجنة، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢].
والفريق الآخر لا يدخلونها ابتداء، ومن هؤلاء العاق لوالديه، قال ﷺ : (لا يدخل الجنة عاق)، فمن مات وهو عاق لوالديه لا يدخل الجنة ابتداء وإن كان من أهل التوحيد والمحافظين على الصلوات؛ لأن الله جل وعلا لم يعط حقاً لأحد من الخلق بعد حق نبيه أعظم من حق الوالدين.
فإذا وجد عبد نبذ هذا الحق الذي وضعه الله وراء ظهره وقدم عليه غيره وعامل الإحسان بالعقوق كان حقاً على الله ألا يدخله الجنة ابتداء إلا أن يشاء الله.
ولا يدخلها مدمن الخمر، وقد لعن الله جل وعلا في الخمر عشرة كما في حديث ابن عمر، ولا يوجد معصية في الشرع لعن النبي ﷺ بسببها عشرة إلا الخمر أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
كما لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه: فالإنسان إذا كان جاره وهو جاره يبقى على وجل وخوف منه فإن هذا الجار لا يكون أهلاً لأن يدخل الجنة ابتداء.
والفريق الثالث: من يدخلها بلا حساب ولا عذاب جعلنا الله وإياكم منهم.
стр. 145
اشتياق الجنة إلى الصالحين
الأمر الثالث مما يتعلق بالجنة: أن النبي ﷺ نسب إلى الجنة الشوق قال ﵊: (إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: إلى علي، وعمار، وسلمان)، رضوان الله ﵎ عليهم أجمعين.
أما علي ﵁ فهو رابع الخلفاء الراشدين وأرضاه وأحد العشرة المبشرين، وزوج بنت نبينا ﷺ المقتول غدراً في رمضان ﵁ وأرضاه، ومن الترف العلمي أن يعرف الإنسان بمثله! وكذلك سلمان هو أحد أصحاب نبينا ﷺ لآل فارس، اختصمت فيه الأوس والخزرج والمهاجرون والأنصار يوم الخندق فقال ﷺ عنه: (سلمان منا آل البيت).
وأما عمار فهو عمار بن ياسر أبو اليقظان ﵁ وأرضاه، عمِّر حتى جاوز التسعين وشهد الجمل وصفين مع علي ﵁ وأرضاه.
وفي أيام الهجرة الأول كان يحمل لبنتين لبنتين والنبي ﵇ وأصحابه يبنون المسجد، فوضع النبي ﷺ يده على كتفه وقال: (ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) وأخبره النبي ﷺ أن آخر عهده بالدنيا مذقة من لبن، فشهد صفين وهو رجل طويل أسمر كان يرعش من الكبر وفي يده حربة.
وكلما خوفه أحد بالموت يقول: ليس الآن، أخبرني نبي الله ﷺ أن آخر عهدي بالدنيا مذقة من لبن، وبينما هو في المعركة على فرسه جيء له بلبن فشربه ﵁ وأرضاه وعلم أن موته قريب، فمات بعدها بقليل ﵁ وأرضاه، وقد قال عنه ﵊: (واهتدوا بهدي عمار).
فهذا الصحابي الجليل عمار وسلمان، وعلي ﵃ ممن تشتاق لهم الجنة، ونحن إلى جنات ربنا من المشتاقين، جعلنا الله وإياكم من أهلها.
стр. 146
وقفة مع آية: (وألقيت عليك محبة مني)
стр. 147
إلقاء المحبة على موسى ﵇
الوقفة الأخيرة مع قول الله جل وعلا في كليمه موسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩].
الله جل وعلا يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ويبتلي في المنع كما يبتلي في العطاء، ونبي الله موسى ألقته أمه في اليم خوفاً عليه، وهو من حيث العقل لا يستقيم، لكنه أمر الله ﵎.
فلما حملت الأمواج موسى إلى قصر فرعون ورأته آسية بنت مزاحم ألقى الله جل وعلا محبة موسى في قلبها فكان ذلك أحد الأسباب في بقائه واستمرار حياته بقدر الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩]، فلا يرى موسى عبد ذو إنصاف إلا وأحبه مما ألقى الله جل وعلا عليه.
وهذا أيها الأخ الكريم! مطلب عظيم يطلبه عباد الله وأولياؤه وقد ذكر الله جل وعلا شرطه، قال الله تعالى في سورة مريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، فسر الود بأنه ما يجده الإنسان في قلوب المؤمنين من محبة وود له، وهذا لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح، وقلوب العباد ليست لهم حتى يهبوك إياها.
فمن وصل ما بينه وبين الله تكفل الله جل وعلا له بعد ذلك بكل مناه وكل غاياته وكل رغباته.
والغاية من ذلك أن تعلم أن من أعظم العطايا وأجزل الهبات أن يمن الله عليك بمحبة الناس، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالإيمان والعمل الصالح، وهذا يسوقنا إلى بعض ممن كان يحبهم نبينا ﷺ .
стр. 148
محبة رسول الله ﷺ لأسامة بن زيد
وقد كان النبي ﵇ يحب الصحابة كلهم لكن بعضهم ألقى الله عليه محبة، فكان النبي ﷺ يحبه ويؤثره على غيره، ويأتي في مقدمة هؤلاء أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه، غلام أسود أفطس خفيف البدن، وذكر الذهبي في الأعلام خبراً عن عائشة أن مخاطه ﵁ وأرضاه نزل فبادر النبي ﷺ ليمسحه فقالت عائشة: (يا نبي الله! أنا أمسحه عنك، فقال: يا عائشة إني أحبه فأحبيه).
ولما جاء دفنه قال ابن عمر ﵁ وأرضاه: عجلوا بدفن حب نبي الله ﷺ قبل أن تغرب الشمس.
في حجة الوداع كان حول النبي ﷺ بعض أبناء عمومته ممن يشبهون خلقه وخلقه يضيئون كالبدر مثل الحسن، والحسين، وجعفر، وأبناء العباس كـ القاسم والفضل وخيار الصحابة، والنبي ﷺ يتمهل قبل أن يركب القصواء، فيأتي حدثاء العهد بالإيمان يظنون أمراً عظيماً على سننهم في الجاهلية وأن النبي ﷺ أبطأ لأمر عظيم.
فيجيء يجري ﵁ وأرضاه أسود أفطس خفيف البدن فيركب القصواء ويحضن نبي الأمة ﷺ ، فعندها يتحرك تتحرك ناقته ويمضي في سيره صلوات الله وسلامه عليه، يضعه ﷺ على فخذه الأيسر، والحسن على فخذه الأيمن ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما) يجزل له عمر بن الخطاب العطاء فيأته ابنه عبد الله فيعاتبه فيقول له: يا بني! والله لقد كان أحب إلى رسول الله منك؛ ﵁ وأرضاه.
هذا من أعظم الدلائل على أن هذه أشياء يجعلها الله جل وعلا لمن يشاء، وقد كان ﷺ لا يحب أن يسمع من الناس التشكيك في نسب أسامة؛ لأنه كان أسود وأبوه زيد بن حارثة شديد البياض كالقطن، فناما ذات يوم في لحاف واحد وقد غطيت رءوسهما وظهرت أقدامهما، فجاء رجل من بني مدلج أهل القيافة فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل ﷺ تبرق أسارير وجهه على عائشة قال: (يا عائشة! أما علمت أن مجززاً المدلجي نظر إلى قدمي أسامة وأبيه فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) يفرح ﷺ وكأنما بشر بشيء من السماء؛ لأن رجلاً شهد أن أسامة هو ابن لـ زيد.
هذا كله من أعظم الدلائل على أن هناك فضلاً محضاً يضعه الله جل وعلا لمن يشاء.
ونحن نحب أسامة لأن نبينا ﷺ يحبه، ومن محبة الله ورسوله أن تحب ما أحبه الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 149
محبة رسول الله لخاله سعد وزوجه خديجة
وأحب نبينا ﷺ خاله سعد بن أبي وقاص، فإنه من بني زهرة وآمنة بنت وهب من بني زهرة، ورآه ﵊ يمشي فقال: (هذا خالي فليرني أمرؤ خاله) وقال له يوم أحد: (ارم سعد فداك أبي وأمي)، وما جمع النبي ﷺ أبويه لأحد إلا لـ سعد ﵁ وأرضاه.
أحب نبينا ﷺ خديجة بنت خويلد، وكان يذبح الصدقات فيرسلها في قرائب خديجة، ودخلت عليه هالة أخت خديجة تستأذنه، فلما دخلت تمنى أن تكون هالة قبل أن يعلم أنها هالة قال: (اللهم اجعلها هالة) حتى يتذكر خديجة ﵂ وأرضاها.
وهي أول هذه الأمة إسلاماً بلا ريب ولا شك، ولم يسبقها إلى الإسلام أحد من الأمة لا رجل ولا امرأة ولا كبير ولا صغير رضوان الله تعالى عليها.
هؤلاء طائفة ممن أحبهم رسول الله ﷺ .
стр. 150
محبة رسول الله لأحد والمدينة وغيرهما
وأحب نبيكم جبل أحد، فلما صعد عليه ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان رجف الجبل فرحاً وفرقاً وفخراً، قال القاضي عياض: فرح الجبل بمن عليه من الشرفاء وبما حازه من الشرف فسكنه ﷺ بقدميه وقال: (اثبت أحد، إنما عليك نبي وصديق وشهيدان).
قدم له ﷺ هذا كله مما يدل على أنه ﷺ كانت حوله أشياء يحبها، والمؤمن اليوم إذا وفق للسنة وفق لهدي النبوة، يصنع الشيء وربما لا يوافق جبلته، لكن يصنعه تقرباً إلى الله بموافقة نبينا ﷺ .
وهذا زمن الصيف، وقد جمع نبيكم في زمن الصيف بين البطيخ الأصفر والرطب، فكان يأكل الرطب ويأكل البطيخ الأصفر ويقول: (نكسر حر هذا ببرد هذا، ونكسر برد هذا بحر هذا).
لو أن رجلاً يدخل على أبنائه ومعه رطب ومعه بطيخ أصفر فيجمع أبناءه ثم يقسم بينهم البطيخ والرطب ويقول: أحبوا ما أحبه نبيكم ﷺ ؛ فهذا مما يغرس الإيمان في القلوب، ويكسب الرقة في القلب، ويجعل الإنسان على بينة من أمره.
هذه القلوب آنية وأعظمها ما كان ممتلئاً بحب الله وحب رسوله ﷺ ، ولو وكلنا لأعمالنا لم ندخل الجنة قط ولكنها رحمة الله يضعها الله جل وعلا لمن يشاء.
ورحمة الله تستجلب وتستدر وتطلب منه ﵎ بكرة وعشياً، تارة في الدعاء، وتارة بالنوايا، وتارة بالعمل الجامع للنوايا الحسنة، وما عجزنا عنه كله لا نتركه، بل نأخذ بعضاً منه ونتقرب إلى الله بما كان يحبه ويحبه رسولنا ﷺ .
أحب نبيكم ﵊ مدينته.
فإذا أقبل عليها أرخى زمام ناقته وقال: (هذه أرواح طيبة)، ودخلها ﷺ فرحاً مسروراً، وكان يبدأ بالمسجد صلوات الله وسلامه عليه، وذات يوم ضرب رمانة منبره ثلاثاً بيده وهو يخطب قد احمرت عيناه وهو يقول: (هذه طابة هذه طابة هذه طابة، والله لا يدخلها الدجال ولا الطاعون) صلوات الله وسلامه عليه.
فمن أحب ما يحبه الله ويحبه رسوله ﷺ فهذا الذي رق قلبه وحسنت نيته وصلح عمله.
هذا ما تهيأ إيراده وتيسر إعداده جمعنا به بين علم ووعظ، ونحن إن قدمنا أو أخرنا مجتهدون، والموفق للخير والمعين والمتقبل هو الله جل وعلا.
اللهم لك الحمد أنت الله لا إله إلا أنت عالم الغيب والشهادة، أنت الرحمن الرحيم، لا رب غيرك ولا إله سواك، تعطي وتمنع وتخفض وترفع؛ فتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعل ما قلناه وسمعناه ذخراً لنا يوم نلقاك إنك أنت العزيز الكريم.
وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين
стр. 151
الحبيب وساعات الرحيل
إن أعظم مصيبة أصيبت بها الأمة الإسلامية هي موت الحبيب محمد ﷺ .
انقطع بموته وحي السماء، وغاب عن أهل الأرض إنسهم وجنهم خير الخلق وأرأفهم وأرحمهم.
وإن لنا في سيرة الحبيب محمد ﷺ أعظم العبر، ولنا في الإرهاصات التي مرت قبل رحيله من الدنيا أعظم العظات، فحري بكل عاقل أن يتأملها ويستضيء بنورها؛ حتى تكون له دليلاً إلى الخير وحادياً إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.
стр. 152
لمحات من سيرة النبي الكريم قبل رحيله
الحمد لله الذي يتضاءل مع حق جلاله حمد الحامدين، وأشكره ﵎ شكراً متوالياً، وإن كان يتضاءل مع فضله ونعمه شكر الشاكرين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله.
أما بعد: أيها المؤمنون! قبل ألف عام وماتين تقريباً مات أمير من أمراء العرب وقوادهم آنذاك يقال له: محمد بن حميد الطوسي فرثاه أبو تمام الشاعر العباسي المعروف بقوله: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغل عن السفر السفر كأن بني نبهان يوم وفاته نجوم سماء خر من بينها البدر مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر فلئن قيلت هذه الأبيات في رثاء واحد من أمراء أمة محمد ﷺ فيا ترى ما يقول الإنسان وهو يستذكر اللحظات الأخيرة، والساعات التي سبقت وفاة سيد الأولين والآخرين ﷺ .
أيها المؤمنون! نبيكم ﷺ ولد عام الفيل، وصاحب مولده إرهاصات عظيمة تدل على أن هناك شيئاً ما سيكون، وأن هناك نبياً سيبعث، وأن هناك عظيماً سيقود الناس.
ثم نشأ ﷺ في كنف جده عبد المطلب حتى أصاب قريشاً جدب الديار وقلة الأمطار، فطلب القرشيون من عبد المطلب أن يستسقي لهم، فحمل عبد المطلب رسولنا ﷺ فألصقه بجدار الكعبة واستسقى به فما أنزله حتى سقوا وهو يوم ذاك ﷺ غلاماً في الرابعة من عمره تقريبا.
قال أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل حتى إذا بلغ مبلغ الرجال تزوج ﷺ من خديجة بنت خويلد، ثم لما شارف على الأربعين ﷺ حبب إليه أن يخلو بنفسه، فكان يأتي غار حراء يتحنث الليالي ذوات العدد، معه زاده طعاماً وشراباً، حتى كان ذلك اليوم العظيم الجليل في تاريخ الإنسانية كلها يوم ناداه الملك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١ - ٤].
من يومها أخذ ﷺ يدعو إلى دين ربه، ويرشد إليه متحملاً أصناف العذاب، وألواناً من الأذى، وكثيراً من السخرية، وهو لا يزيد ﷺ على أن يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).
حتى بلغ من أذى كفار قريش له أنه كان ﵊ ساجداً عند الكعبة فسخر منه بعض القرشيين المحيطون بها، فقال بعضهم لبعض: من يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد وهو ساجد، فقام أشقى القوم عقبة بن أبي معيط فحمل سلا الجزور ورفثه ووضعه على ظهره صلوات الله وسلامه عليه وهو ساجد، فلم يستطع أن يرفع ظهره حتى ذهب أحد الرجال وأخبر فاطمة فقدمت ﵂ وأرضاها وهي يوم ذاك جارية صغيرة فحملت الأذى عن أبيها، ثم سبتهم، فلما رفع ﷺ رأسه دعا عليهم قائلا: (اللهم عليك بـ شيبة بن أبي ربيعة، اللهم عليك بـ عتبة، اللهم عليك بـ أبي جهل بن هشام، اللهم عليك بـ أمية بن أبي خلف)، وسمى رجالاً فكل من دعا عليهم كانوا صرعى يوم بدر.
ثم ذهب إلى الطائف وعاد منها مكلوم الفؤاد، فلما عاد صادف ذلك موت عمه أبي طالب وموت زوجته خديجة، فأسرى به ربه تسلية له إلى سدرة المنتهى، ثم عرج به إلى السماوات السبع حتى وصل ﷺ إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام.
يا أيها المسرى به شرفا إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوم من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء فلما اشتد عليه أذى قريش أذن له ربه وأمره بالهجرة إلى البلدة الطيبة المباركة مدينته ﷺ ، فحط فيها رحله، وأسس فيها مسجده، وأقام فيها دولة الإسلام، وطبق فيها شرائع الدين، وأخذ ﷺ يدعو إلى الله حق دعوته، ويجاهد في الله ﵎ حق جهاده سنين طوالاً حتى أتم الله جل وعلا له في العام الثامن من هجرته فتح مكة، فدخلها ﷺ وعليه عمامة سوداء، وعلى رأسه المغفر فطاف بالبيت وهو على راحلته.
ثم فتحت له الكعبة فدخلها ﷺ فكبر الله في نواحيها، وأذهب عنها معالم الوثنية، ثم رأى صورة إبراهيم وقد صور له وهو يستقسم بالأزلام فقال: (قاتلهم الله ما لشيخنا وللأزلام ثم تلا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]).
ثم عاد ﷺ يتابع جهاده ودعوته إلى ربه حتى كانت السنة التاسعة للهجرة فبعث أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أميراً على الحج في ذلك العام، وفي آخر العام التاسع بدأ ﷺ يشعر بدنو أجله، ويشعر بقرب رحيله وفراقه لمن حوله من الناس، وكان أول إرهاصات هذا الأمر العظيم أنه ﵊ ودع معاذاً لما بعثه إلى اليمن، ومعاذ على راحلته، وهو ﵊ يمشي إلى جانب ناقة معاذ وبعد أن أوصاه بما يفعل في أمر الدعوة قال: (يا معاذ! لعلك لا تلقاني بعد عامي هذا، يا معاذ! لعلك أن تمر على قبري ومسجدي)، ثم ودعه صلوات الله وسلامه عليه فذهب معاذ إلى اليمن.
стр. 153
مواقف ذات عبر من حجة الوداع
ثم إنه ﷺ عزم على الحج، فأخذ معه ألوفاً عظيمة من الصحابة، وتوجهوا أجمعون إلى بيت الله الحرام، فأحرم ﷺ من ذي الحليفة قائلاً: (لبيك اللهم لبيك)، يكبر على كل شرف من الأرض حتى وصل مكة، فبدأ بالبيت وطاف حوله، ثم أتم ما يتعلق بالطواف، ثم أتى المسعى، فرقى الصفا وقال: (أبدأ بما بدأ الله به: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]).
ثم إنه ﷺ أخذ يتم مناسك الحج شيئاً فشيئاً، حتى كان اليوم التاسع وهو يوم عرفة وكان يوم جمعة فصلى ﷺ بالناس الظهر والعصر جمع تقديم، ثم خطب ﷺ في الناس وهو راكب على راحلته القصواء خطبة عظيمة بين لهم فيها معالم الدين، وأومأ إلى قرب رحيله ودنو أجله، فكان ﷺ يقول بعد كل مقطع من خطبته: (ألا هل بلغت)، فيقول الصحابة: نعم، فيقول صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم فاشهد)، حتى كان واضحاً معهم، رغم أنه صلوات الله وسلامه عليه إمام المخلصين.
قال ﵊ لهم: (أيها الناس! إنكم ستسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا ﵃ وأرضاهم: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ووفيت، وأديت الذي عليك كله، فرفع صلى الله علية وسلم سبابته إلى السماء ثم نكتها إلى الأرض ثم قال: اللهم فاشهد).
وكان كما قال جابر يودع الناس شاعراً بدنو أجله، وقرب رحيله حتى أتم ﷺ المناسك فقال في اليوم الثاني عشر: (إنا نازلون غداً في خيف بني كنانة، فلما كان اليوم الثالث عشر رمى ﷺ الجمرات الثلاث، ثم خرج من منى قبل أن يصلي الظهر، ونزل في خيف بني كنانة، وهو ما يسمى اليوم في مكة بالأبطح، فصلى بها الظهر والعصر، ثم صلى بها المغرب والعشاء، ثم اضطجع صلوات الله وسلامه عليه، ثم لما كان قبل الفجر أتى المسجد الحرام فطاف طواف الوداع، ثم صلى بالناس صلاة الصبح، ثم قفل راجعاً إلى المدينة، ترفعه النجاد، وتضعه الوهاد، وهي تتشرف بوطأة قدميه عليها، وهو ﵊ يكبر على كل شرف من الأرض حتى دخلها) أي: دخل المدينة صلوات الله وسلامه عليه.
هذه أيها المؤمنون! على وجه الإجمال الأحداث العامة في حياته ﷺ ، والتي سبقت دنو أجله وقرب رحيله.
стр. 154
مرض النبي ﷺ
ثم أعقب حجة النبي ﷺ أحداث متتابعة بدءاً من مرضه صلوات الله وسلامه عليه، وانتهاء بدفنه، وهي على وجه التفصيل: أنه ﷺ بعد حجة الوداع أرسل إلى غلام له مولى له يقال له: أبو مويهبة فذهب هو وأبو مويهبة إلى البقيع، فأتى أهل البقيع واستغفر لهم ودعا لهم -صلوات الله وسلامه عليه- ثم قال: (يا أبا مويهبة! إن الله خيرني بين أن أعطى مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقاطعة أبو مويهبة قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا، والخلد فيها ثم الجنة، فقال صلى الله علية وسلم: لا والله يا أبا مويهبة! ولكنني اخترت لقاء ربي ثم الجنة).
ثم رجع صلوات الله وسلامه عليه وقد شعر بصداع في رأسه، فاستقبلته زوجته عائشة وكانت رضي الله تعالى عنها قد أصابها صداع قبله، فلما دخل عليها قالت: يا رسول الله! وارأساه! تشتكي رأسها، فقال ﵊: (بل أنا وارأساه)، أخبر عن مرضه، وعن الصداع الذي يصيبه.
ثم ما زال الصداع يتعاقب عليه ويشتد مع حمى شديدة كانت تنوبه صلوات الله وسلامه عليه، وأخذ المرض يثقل عليه شيئاً فشيئاً، فلما أثقل عليه عرف أنه لا يستطيع أن يأتي على بيوت نسائه كلها، فلما كان في بيت ميمونة بنت الحارث اشتد عليه وجعه فأستأذن أزواجه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن أن يكون في بيت عائشة، فأذن له صلوات الله وسلامه عليه، فخرج من بيت ميمونة إلى بيت عائشة تختط قدماه في الأرض متكئاً على رجلين: هما الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين، حتى أتى بيت عائشة رضي الله تعالى عنها فمكث في بيتها يشتد عليه الوجع شيئاً فشيئاً، فلما ثقل عليه المرض، وشعر ﷺ بدنو أجله أخذ يصنع أشياء يودع بها الناس، وتبرأ بها الذمة.
ولما كثر عليه المرض واشتد عليه الوجع طلب أن يهرق عليه سبع قرب من الماء لم تحل أوكيتهن، فأهرقوا عليه سبع قرب صلوات الله وسلامه عليه، ثم خرج إلى الناس عاصباً رأسه فدخل المسجد وبدأ بالمنبر، وأول ما بدأ به خطبته أن صلى على شهداء أحد واستغفر لهم؛ وفاء منه ﷺ لأصحابه.
ثم بعد ذالك أخذ يوصي الناس بالأنصار وفاء منه ﷺ للأنصار فقال: (إنهم كرشي وعيبتي، وإنهم أدوا الذي عليهم وبقي الذي لهم)، وأوصى الناس من بعدهم أن يقبلوا من محسنهم وأن يتجاوزوا عن مسيئهم.
ثم إنه ﷺ قال: (إن عبداً خيره الله بين الدنيا وزهرتها ثم الجنة، وبين لقاء ربه فأختار ما عند الله، فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه وفهم المراد، وقال من أقصى المسجد: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! فقال صلى الله علية وسلم: على رسلك يا أبا بكر! ثم التفت إلى الناس يبين لهم مقام أبي بكر في الأمة فقال: إن من أمن الناس علي في ماله وصحبته أبا بكر، ولو كنت متخذ خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم قال: لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر).
فلما انتهى من ذلك ﷺ صلى بهم الظهر، ثم رجع صلوات الله وسلامه عليه إلى بيته يزداد عليه المرض شيئاً فشيئاً.
ثم دخلت عليه ابنته فاطمة فسارها بشيء في أذنها فبكت، ثم سارها كرة أخرى فابتسمت، ثم سئلت عن ذلك بعد فذكرت أنه أخبرها في الأولى بقرب أجله وأنه سيموت في مرضه هذا فبكت، ثم أخبرها بأنها أول أهله لحوقاً به، وأنها سيدة نساء أهل الجنة، فابتسمت رضي الله تعالى وأرضاها.
ثم إنه ﵊ قبل أربعة أيام من وفاته أعتق غلمانه، وتصدق بسبعة أو تسعة دنانير كانت عنده صلوات الله وسلامه عليه.
ثم مكث المرض يشتد عليه فكان يغمى عليه أحياناً ويفيق أحياناً من شدة الحمى التي كانت تصيبه صلوات الله وسلامه عليه، فلما عرف أنه لا يقدر أن يصلي بالناس أرسل إلى أبي بكر أن يصلي، فخافت عائشة أن يتشاءم الناس بأبيها في أن يقف في مقام رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك دمعته، فأوصت من يدعو عمر أن يصلي فصلى بهم عمر، فلما سمع ﷺ صوت عمر قال: (يأبى الله ذلك والمؤمنون، لا يصلين بالناس إلا أبو بكر) كالإشارة إلى استخلافه من بعده رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وبقي أبو بكر يصلي بالناس حتى خرج إليهم ﷺ ذات يوم فوجدهم يصلون وأبو بكر يتقدمهم، فأشار إلى أبي بكر أن ابق مكانك فلم يقبل، فرجع أبو بكر وصلى ﷺ إماماً بهم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فلما فرغ من الصلاة قال لـ أبي بكر: (ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه: ما كان لـ أبي بكر أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ .
стр. 155
وفاته ﷺ
ثم عاد ﷺ إلى بيته يشتد عليه الوجع، ويرى من الكرب ما الله به عليم، حتى كان يوم الإثنين الثاني من شهر ربيع الأول على الصحيح -والثاني عشر من شهر ربيع الأول على قول الجمهور- وكان الناس في صلاة الفجر، وأبو بكر يصلي بهم، وإذا به ﷺ يكشف الستار الذي بينه وبين المسجد فرآهم يصلون خلف أبي بكر فتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، وكادوا يفتنون عن صلاتهم فرحاً وظناً منهم أنه برأ، فهم أبو بكر أن يرجع فأشار إليهم أن على مكانكم، ونظر إليهم نظرة مودع.
ثم رجع ﷺ إلى حجرته يشتد عليه المرض، وبين يديه ركوة فيها ماء، فكان يضع يديه في الركوة ويمسح بها وجهه الطاهر ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات، اللهم أعني على سكرات الموت)، ثم إنها دخلت عليه فاطمة وهو على هذا الحال، ودخل عليه أسامة، فقالت فاطمة: (واكرب أبتاه! فقال ﷺ : ليس على أبيك كرب بعد اليوم).
فدخل عليه أسامة وأشار إليه أن ادع لي! فلم يستطع ﷺ من شدة المرض أن يدعو له بلسانه، ولكنه رفع يديه يدعو لـ أسامة في سره.
ثم ثقل عليه المرض فدخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده سواك يستاك به، فأمعن ﷺ وحد النظر في عبد الرحمن ففهمت عائشة أنه يريد المسواك، فأشارت إليه فأومأ برأسه أن نعم، ولم يستطع أن يقولها بلسانه، فأخذت المسواك من أخيها وقضمته، ثم طيبته وألانته، ثم أعطته رسول الله فاستاك به ﷺ ، كآخر عمل يصنعه في الدنيا، ثم أرجأه، ثم سمعته عائشة وقد أسندته إلى صدرها وهو يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم اغفر لي وارحمني، اللهم اغفر لي وارحمني، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى)، كررها ثلاثاً، رافعاً أصبعه السبابة حتى كان آخر ما قاله من الدنيا: (بل الرفيق الأعلى).
ثم مالت يده صلوات الله وسلامه عليه، فوضعته عائشة على الأرض، وكان سنها يوم ذاك ثمانية عشر عاماً، ثم خرجت تلطم خدها مع من يلطمن من النساء، فشاع خبر وفاته فأصبح الناس فيه بين مفتون ساكت، وغير مصدق، قد أذهلهم الخبر، وداهمتهم الفجيعة، وحق لهم ذلك والله! وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه في السنح -أي: في الحرة الشرقية- فأتاه رجل فأخبره الخبر، فعاد ﵁ وأرضاه إلى بيت رسول الله ﷺ ، فدخل على رسول الله وهو مسجى في بيته، فكشف عن وجهه، وأتاه من قبل رأسه، ثم حدر فاه إلى جبهته وقال: واصفياه! ثم قبله أخرى وقال: وانبياه! ثم قبله أخرى وقال: واخليلاه! ثم قبله وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، وأما غير ذلك فلن يكتبه الله عليك أبداً.
ثم غطاه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وسجاه، ثم خرج إلى الناس يقتحم الصفوف وعمر واقف، فقال: اجلس يا عمر! فلم يجلس، قال: اجلس يا عمر! فلم يجلس، فحمد الله وأثنى عليه، فترك الناس عمر وأقبلوا على أبي بكر فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فكأن الناس لم يعلموا هذه الآية إلا يوم تلاها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وما كان أحد من الخلق إلا وأخذ يرددها.
ثم إنهم ﵃ وأرضاهم انشغلوا بأمر الخلافة، فلما فرغوا من بيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه تفرغوا لرسولهم ﷺ ، فتولى غسله ﵊ أهل بيته: العباس وولداه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وصالح مولاه وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم.
ولم ير منه ﷺ ما يرى من الميت؛ لأنهم عندما أرادوا أن يغسلوه احتاروا هل يجردونه ﷺ أم لا، فألقى الله عليهم النوم فأصابتهم سنة فسمعوا منادياً يناديهم: أن اغسلوا رسول الله وهو في قميصه، فغسلوه صلوات الله وسلامه عليه وهو في قميصه يقلبه العباس وولداه، ويصب الماء أسامة وصالح، ويغسله بيده علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وبينما هم يغسلونه استأذن أوس بن خوري بدري من الخزرج نادى على علي من وراء البيت: يا علي! أنشدك الله وحظنا من رسول الله ﷺ إلا أدخلتني، فأذن له علي ﵁، فدخل أوس فأخذ ينظر دون أن يشاركهم في الغسل، فلما فرغوا من غسله كفنوه صلوات الله وسلامه عليه، وهو سيد ولد آدم، وخير خلق الله، أقسم له ربه بأنه ما ودعه وما قلاه، ومع ذلك يكفن كما كفن الموتى في ثلاثة أثواب.
ثم وضعوه ﷺ على سرير، ثم حفروا له لما أخبرهم أبو بكر بقوله ﷺ : (إنه ما من نبي يقبض إلا ويدفن حيث قبض)، فحفروا له بعد أن بعثوا إلى رجلين: أبي عبيدة وكان يحفر القبر شقاً، وأبي طلحة من الأنصار كان يلحد لحداً.
فالذي ذهب إلى أبي طلحة وجده فعاد معه فحفروا له ﷺ .
ثم إنهم قبل أن يدفنوه وضعوا سريره على حافة القبر، ثم استعظموا أن يصلي أحد بهم إماماً على رسول الله صلى الله علي وسلم، فصلى عليه العباس وهو أسن بني هاشم أول الناس، ثم صلى عليه عصبته وقرابته من بني هاشم، ثم صلى عليه المهاجرون، ثم صلى عليه الأنصار، ثم صلى عليه النساء، ثم صلى عليه الصبيان، ثم صلى عليه العبيد صلوات الله وسلامه عليه.
صلوا عليه أرسالاً كل منهم يصلي لوحده، فلما فرغوا من الصلاة عليه نزل في قبره قثم والفضل وعلي بن أبي طالب ومولاه شقران رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين، فنزلوا في قبره الطاهر الشريف، فوضعوا جسده في اللحد، ثم بنوا عليه تسع لبنات، ثم حثوا التراب على ذلك القبر الطاهر الشريف حتى أتموا دفنه صلوات الله وسلامه عليه.
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الطهر والكرم أيها المؤمنون! هذا على وجه الإجمال موت رسولكم ﷺ .
لا ريب أن الإنسان يعلم أن حديثاً كهذا لا يحتاج إلى بليغ تهتز له المنابر، ولا إلى خطيب تحمل صدى قوله المنائر، إنه حديث عن وفاة حبيبنا الذي لم تكتحل أعيننا بعد برؤيته، حديث عن رحيل حبيبنا الذي نسأل الله أن يرزقنا جواره في جنته، حديث عن حبيبنا الذي بلغ دين الله، وأرشد إليه، وناجى ربه، ودعا إليه، وكان أرحم الخلق بالخلق، وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه لما زار بقيع الغرقد: (وددت لو أني رأيت إخواني فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم يأتوا بعد، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: إنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض)، أي: سابقهم إليه، فصلوات الله وسلامه عليه.
стр. 156
عبر وعظات من وفاته ﷺ
стр. 157
الربانيون ودعوة الناس
هؤلاء الربانيون المفترض أنه لا هم لهم إلا جنات النعيم، فرسولنا ﷺ يخرج إلى الناس مثقلاً بالمرض، مشتداً عليه الوجع، يشعر بصداع في رأسه، فلما كشف الستر ووجد ثمرة فعله ﷺ ووجد الصحابة كلهم على قلب واحد يصلون تبسم صلوات الله وسلامه عليه نسي المرض الذي أصابه نسي الآلام التي يعانيها نسي العناء الذي يجده؛ لأنه ﵊ كان قار العين، فرح الصدر أن أمته من بعده لزمت طريقه المستقيم، ونهجه القويم.
وكذالك الدعاة الربانيون، والعلماء الصالحون، والمصلحون في الأرض ينبغي أن يكون همهم شيء واحد، وهو أن يلزم الناس طريق الهدى، وأن يتبعوا سنة محمد ﷺ .
يا أخي! لا تنتظر من أحد حمداً ولا شكوراً، ولا تنتظر أن يذكرك الناس بلسانهم، ولا أن يشيروا إليك ببنانهم، لا تنتظر كلمة مدح، ولا شريط يوزع.
أخلص نيتك لله جل وعلا، وتقرب إلى الله بالدعوة إليه، واعلم أن الدعوة إلى الله أعظم القربات، ووظيفة الأنبياء، ومهمة المرسلين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
ادع إلى الله في بيتك مع زوجتك وأولادك، ادع إلى الله جل وعلا في مواطن عملك، كن هيناً ليناً، يأخذ الناس منه قولهم، كن هاشاً باشاً يعلم أن الناس لا يمكن أن يجمعوا على قلب واحد، ولذلك قال الله لنبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
يؤتى إليه ﷺ بالرجل وقد شرب الخمر فيجلد مرة بعد مرة، ثم يقول صلوات الله وسلامه عليه: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم، والله ما علمته إلا محباً لله ولرسوله)، إذا أراد أن يدعو دعا بأسلوب حسن لين، يردف معاذاً خلفه، ثم يقول له: (يا معاذ! والله إني لأحبك)، فيحلف ﷺ ، ولا حاجة لمثله أن يحلف، ثم يقول: (يا معاذ! لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
من أراد أن يدعو إلى الله فليكن هيناً ليناً، يبتسم للمسلمين، ويعلم أنه لا يخلو مؤمن من خطيئة.
العبد الصالح ذو العلم والبصيرة يتبع سبيل الحكمة ويبعد عن طرائق الفتنة؛ جاءه ﷺ عمرو بن عنبسة أول بعثته صلوات الله وسلامه عليه وهو رابع أربعة في الإسلام فقال: (من أنت؟ قال: أنا نبي.
قال: وما نبي؟ قال: نبي أدعو إلى الله وأحذر من عبادة الأوثان، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقال ﷺ : اذهب إلى ديار قومك)، أي: لا تعرض نفسك للفتنة، قال: (فإذا سمعت أن الله أظهرني فأتني).
ولم يبتله ﷺ ، فقد يقدر العالم على شيء لا يقدر عليه داعية، ويقدر داعية على كلمة لا يقدر عليها من هو أدنى منه، ويقدر المعلم على كلمة لا يقدر عليها الطالب، ولا يمكن أن يكلف الناس كلهم بالدعوة إلى الله على طريق واحد وعلى كلمة واحدة.
لكن المؤمن قلبه يحترق إذا رأى منكراً، ويحترق إذا رأى معروفاً لا يؤمر به، ومع هذا فعليه أن ينظر إلى وضعه، وإلى أي الطرائق أجدى وأنفع في الدعوة إلى الله جل وعلا.
وكم من كلمة حرمت كلمات، وكم من محاضرة منعت محاضرات، وكم وكم مما لا يخفى على أحد، فالمسلم ينبغي عليه أن يكون همه الأول والأخير أن تبقى الدعوة إلى الله جل وعلا قائمة، لا أن يبقى الأشخاص، فإن كان محمد ﷺ مات والدين باق فمعنى هذا أن الدين لا يعلق بأحد، ولو كان أعلم أهل الأرض.
стр. 158
محبة النبي ﷺ
السابعة: من هذا كله يتضح أيها المؤمنون! أن من أعظم القربات، وأجل المنجيات محبته صلى الله وسلم عليه: وقد علمتم ما أصاب المسلمين عندما علموا بخبر وفاته ﷺ ، حتى عمر وهو المحدث الملهم، الذي قال عنه النبي ﷺ : (لو كان نبي بعدي لكان عمر)، غلب على أمره، وذهل عن عقله، وقال: من قال إن محمداً قد مات ضربت عنقه.
وما ذاك إلا لعظيم محبتهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم لرسول الله ﷺ .
فاعلم يا أخي! أن محبة رسول الله ﷺ دين وملة وقربة، جاء في الصحيح من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن أعرابياً سأل رسول الله ﷺ : (يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال له ﵊: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ : أنت مع من أحببت)، فقال أنس: وأنا والله أحب الله ورسوله، وأحب أبا بكر وعمر.
وأنت أيها المؤمن! لا ريب أنك ترى أن الناس اليوم فريقان: منهم من غالى غلواً زائد عن الحد الشرعي في محبته ﷺ ، ومنهم -والعياذ بالله- من أراد أن يفر من الغلو فلجأ إلى الجفاء، فلم تعد محبته لرسول الله ﷺ عاطفة جياشة، ولا محبة صادقة، وإن سألته قال: أخاف من الشرك، أخاف من البدع، وكلا الفريقين بلا شك على خطأ.
فأما الأولون فربما قادهم الغلو في محبته وتعظيمه وإجلاله صلوات الله وسلامه عليه إلى الشرك بالله، والخروج من الملة بالكلية، والبوصيري نظم قصيدة في مدح رسول الله ﷺ قال في أولها: أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق بالظلماء من إضم فما لعينيك إن قلت اكففا همتا وما لقلبك إن قلت استفق يهم وهذه البردة غالى فيها البوصيري ﵀ وعفا عنه غلواً غير شرعي في رسول الله ﷺ ، حتى بلغ بالناس الذين نهجوا نهجه، ولزموا بدعته أن قالوا: لا يجوز قراءة هذه القصيدة إلا أن يكون الإنسان متوضئاً متطهراً مستقبل القبلة، فجعلوا هذه القصيدة محاكاة للقرآن والعياذ بالله.
ثم نشأ أقوام خافوا أن يقعوا في هذا الأمر فجفوا رسول الله ﷺ ، وربما ذكر أحدهم اسم رسولنا ﵊ أو سمعه دون أن يصلي ويسلم عليه، وربما عاش دهره كله لم يأت قبره الشريف ليسلم عليه، وربما خاف من البدع أكثر فرفض أن يأتي أهل البقيع فيسلم عليهم، وربما رفض أن يأتي شهداء أحد فيسلم عليهم.
ولا ريب أيها المؤمنون! أن أهل السنة والجماعة يدورون مع الحق حيث دار، ويلزمونه حيث وجد، فإن المؤمن لا يتأثر بالبيئة التي حوله، ولا بما يسمع، وإنما يتأثر بالقول الحق الذي مصدره كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفعل سلف الأمة الصالح.
وقد كان ﷺ يأتي البقيع فيسلم على أهله ويستغفر لهم، وكان يأتي شهداء أحد فيسلم عليهم ويستغفر لهم، وكان أصحابه من بعده يأتون قبره الشريف فيسلمون عليه، ويأتون أهل البقيع، ويأتون شهداء أحد فيسلمون عليهم تأسياً بفعله صلوات الله وسلامه عليه.
فلا يوجد في دين الإسلام شخص يموت الدين بموته ويبقي ببقائه، ولو وجد هذا الشخص لكان رسولنا ﷺ ، فلا يجوز لأحد أن يربي الناس على أن يتعلقوا بزيد أو بعمر، أو يتعلقوا بالعالم الفلاني، أو بالداعية الفلاني، أو بالأمير الفلاني، فإن الدين دين الله، والهدى هدى الله، والمراد الجنة، والخوف من النار، أما الناس فإن قلوبهم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فقد يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، والسعيد من تعلق بالله وحده، ولزم سنة محمد ﷺ ، ولم يعط عقله لأحد غيره ولزم الكتاب والسنة ولم يجنح لشيء غيرهما، يحب الحق حيث وجد، ويكره الباطل حيثما وجد، ويعتذر لأئمة المسلمين وعلمائهم ودعاتهم إذا رأى أنهم قد أخطئوا السبيل أو حادو عن المنهج، أو ما إلى ذالك مما لا يسلم منه أحد من الخلق.
стр. 159
التحذير من الفتن
العبرة السادسة: من هذا المقطع يظهر أنه ﷺ لما أتى أهل البقيع مع غلامه أبي مويهبة قال لأهل البقيع: (السلام عليكم يا أهل المقابر! ليهنكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، ثم قال: أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى).
وما زال الناس والعياذ بالله في فتن يتبع بعضها بعضاً إلى يومنا هذا، وسيبقى الأمر إلى أن تقوم الساعة: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
ولا ريب أن أعظم ما فتن به الناس في زماننا هذا ما تبثه القنوات الفضائية من أنواع الفساد والانحلال الخلقي، ودعوة الناس إلى الإفساد، حتى أضحى القوم شباباً وشابات، فتياناً وفتيات يقلدون الغرب، ويحاكونهم في صنيعهم، وغابت الغيرة عن كثير من الرجال، كل ذلك بدعوى الحضارة والتقدم، ونسوا هدي رسول الله ﷺ ، ونسوا سنته وسيرته، ونسوا ما دعاهم رسول الله ﷺ إليه.
فيا أيها المؤمن! ينبغي عليك إن كنت قادراً على أن تنهى عن منكر أو تأمر بمعروف أن تتقي الله جل وعلا فيما بين يديك من أهلك ومن أبنائك وبناتك، وأن تتقي الله جل وعلا في من لك سلطان عليهم، فإن ما تبثه هذه القنوات بلا ريب ولا مرية ولا شك إنما هي دعوة لأخذ الناس عن دين الله، حتى يصبح الناس في الشر سواء، وفي الكفر على ملة واحدة، وفي الضلال على نهج واحد، أعاذنا الله من ذلك.
стр. 160
التعوذ بآيات القرآن أمر مشروع
العبرة الرابعة: أن قراءة القرآن وتعويذ المريض بها أمر مشروع: فإن النبي ﷺ كان في حياته وقوته ونشاطه يقرأ على نفسه بالمعوذات، فيقرؤها في كفه ثم ينفث، ثم يمسح بيده ﷺ ، أما عند دنو أجله، وقرب رحيله صلوات الله وسلامه عليه فكانت عائشة تقرأ عليه، ثم إنها تنفث عليه، وتأخذ يده الطاهرة وتمسح بها على جسده صلوات الله وسلامه عليه رجاء البركة، وكانت تقول: علمت أن يده لنفسه خير من يدي! فرضي الله تعالى عنها وأرضاها.
والبعض اليوم يغفل عن أن يتعوذ بالقرآن، وأن يلجأ إلى الله جل وعلا في مرضه وفي كربه وفي شدته، وأن يستعين بالله جل وعلا، وقد كان ﷺ يضع يده الشريفة على رأسي الحسن والحسين حفيديه ويقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، وكان يقول: (إن أباكما -يقصد إبراهيم- كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق)، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 161
أهمية الصلاة
العبرة الخامسة: أهمية الصلاة: فإنه ﷺ كان كلما رجع إليه نشاطه، وعادت إليه قوته يوصي الناس ويقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، وهو القائل: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).
ولما كشف الستر الذي في حجرة عائشة ورأى المسلمين يصلون تبسم ﷺ ، وقرت عينه، لأن هذا هو العهد الذي ترك النبي ﷺ عليه أمته، ومع ذلك لتجدن في الناس اليوم أقواماً وفئاماً يسمعون: حي على الصلاة حي على الفلاح، ومع ذلك يعرضون عن المساجد، ويقبلون على أماكن لهوهم، وعبثهم، وأماكن لا يليق ذكرها في مكان جليل كهذا، وهذا والعياذ بالله من الغفلة، ومن الإعراض عن الله وعن ذكره، ومن سوء الحياة التي يبتلي الله جل وعلا بها بعض عباده.
стр. 162
مقابلة أهل المعروف بالمعروف
العبرة الثالثة: أن الوفاء للغير، وإسداء الجميل إلى أهله من أعظم خصال الربانيين، وأعظم صفات الصادقين: فرسول الله ﷺ في أخريات حياته كان حريصاً على أن يكون وفياً مع من وقفوا معه، فخطب في آخر حياته يصلي ويستغفر لشهداء أحد؛ لأنهم قدموا أرواحهم، وقدموا مهجهم وأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله، ووصى بالأنصار خيراً صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنهم قبلوه في دارهم، وحموه، ونصروه، وأيدوه، وظاهروه، وعزروه، صلوات الله وسلامه عليه، فحفظ لهم هذا الجميل، ووصى الأمة من بعدهم بهم خيراً.
وتذكر ﷺ صنيع أبي بكر، وأنه أول الناس إيماناً، وأعظم الناس نصرة للدين، وأنه الذي أيد الله به دينه بعد رسولنا ﷺ ، فأخبر الناس بمقام أبي بكر، وبمنزلته، وبعلو درجته عند الله وعند رسوله ﷺ ، وينبغي على المؤمن أن يتأسى في هذا وفي غيره بوفائه للناس، وإسدائه الجميل لمن يحسنون إليه ويقدمون له المعروف.
стр. 163
عظمة الرب ﷻ
أيها المؤمنون! لا ريب أن هذا المقطع العظيم من سيرته العطرة وأيامه النظرة صلوات الله وسلامه عليه، يقف عندها المؤمن ليستلهم دروساً وعبراً، وآيات وخبراً، وما أعظم تلك الدروس، وما أجل تلك العبر! ألا وإن أولها: عظمة الرب ﷻ : الله ﵎ هو الحي وحده حياة لا موت فيها، والله ﵎ وحده من بيده مقاليد السماوات والأرض، والله جل وعلا وحده من بيده النفع وبيده الضر، وهذا سيد الخلق ورسول الحق، وصفوة الله من خلقه أجمعين، ومع ذلك ما كان له ولا لغيره أن يتجاوز مقام العبودية أبداً، فالله خالق وما سواه مخلوق، والله رب وما سواه مربوب، فمتى ينظر أولئك المتكبرون المتجبرون المتألهون بمالهم أو بسلطانهم أو بجاههم، متى يعلمون أن حقيقية الموت لم يسلم منها رسول الله ﷺ ، على قربه وجلال مكانته، وعلو منزلته، ودنوه ﷺ من ربه، وقربه منه، ومع ذلك ذاق ﷺ من الموت وكربه.
ولاقى ﷺ من الأوجاع والشدائد حتى أضحى وهو نبي الأمة وأفصح الناس لساناً وبياناً ومقاماً، يطلب منه أن يتكلم فيعجز ويثقل لسانه عن الكلام، حتى أصبح ﷺ يصلي الناس على أمتار من بيته ولا يستطيع أن يقوم إليهم، ولا أن يشاركهم صلاتهم، ولا أن يؤمهم حتى يثبت الله لكل أحد أنه ﷺ وإن كان في المقام المحمود، والمنزلة العظيمة التي هو فيها، إلا أنه ﵊ يبقى بشراً، فلا يتعلق أحد من الخلق بأي مخلوق كائناً من كان، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا عبد صالح، ولا ولي فاضل، وإنما ينبغي أن تصرف القلوب كلها لله جل وعلا الواحد القهار.
قال ﵎ يعلم نبيه ويرشده: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥].
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥]، عموم لا تخصيص فيه، وإطلاق لا قيد له، فكل ذي روح لا بد أن يوفى أجله، ويؤتى كتابه، ويموت كما يموت غيره: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
لقد دعا الله جل وعلا الناس إلى أن يتكلوا على الله جل وعلا وحده لأنهم إذا توكلوا على شخص، واعتمدوا عليه في إنجاز شيء فربما مات هذا الذي توكلوا عليه قبل أن يقضي حوائجهم، ولذلك قال الله لنبيه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨].
стр. 164
فضل البقيع وأهله
العبرة الثانية: فضل البقيع: فإن رسولنا ﷺ كان حريصاً في أخريات حياته أن يأتي إلى بقيع الغرقد مدفن أهل المدينة بين الفينة والفينة، حتى قال بعض العلماء: إنه كان ﷺ ربما أتاه في كل أسبوع، فكان يأتي صلوات الله وسلامه عليه يدعو لأهله، ويستغفر لهم، ويدعو الله جل وعلا أن يمحو عنهم الخطايا، ويقيل عنهم العثرات.
أخرج الإمام مسلم في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها قالت: (بات عندي رسول الله صلى الله علية وسلم ذات ليلة، وخلع نعليه ووضعهما عند قدميه، قالت: ثم لبث قليلاً حتى شعر أنني رقدت، ثم لبس نعليه رويداً، وأخذ رداءه رويداً، ثم مشى رويداً، وفتح الباب وأجفاه رويداً، قالت: فاختمرت وتقنعت ولبست إزاري وتبعته قالت: فإذا به يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم، ويدعو لهم ثلاثاً رافعاً يديه، قالت: ثم انحرف فانحرفت، ثم هرول فهرولت، ثم أسرع فأسرعت، فدخلت البيت قبله، فلما رآني نائمة ﵂ قد حفزني النفس قال: ما لك يا عائش! حشيا رابية -أي: أن صدرك يعلو وينزل- قالت: لا شيء يا رسول الله! فقال صلوات الله وسلامه عليه: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير؟ فلما قالها استكانت رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وأخبرته بالخبر فقال: أنت السواد الذي رأيته أمامي؟ قالت: نعم يا رسول الله! قالت: فلهدني لهدة في صدري أوجعتني، ثم قال لي: يا عائشة! إن جبرائيل أتاني وقال لي: إن الله يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قال: وما كنت لأدخل جبريل عليك وقد خلعت ثيابك، وخشيت أن أوقظك، فقالت له ﵂ وأرضاها: يا رسول الله! فماذا أقول إن أنا أتيتهم؟ قال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وأنتم السابقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للالحقون).
وثبت عنه ﷺ أنه قال: (أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم تنشق الأرض عن أهل البقيع فيحشرون معي، ثم قال ﷺ : وأنتظر أهل مكة فتنشق الأرض عنهم فنحشر أنا وإياهم بين الحرمين)، صلوات الله وسلامه عليه.
فالموت في المدينة فضيلة وأي فضيلة، قال عليه الصلاة السلام: (من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل فإني أشفع لمن يموت بها)، ومعلوم أنه ﷺ يعلم أن أحداً لا يعلم متى يموت، ولكن قوله ﷺ : (من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل)، أي: أن يكون غالب وقته، وعيشه، وغدوه ورواحه في المدينة التي حرمها الله وحرمها رسوله ﷺ .
فالبقيع قد دعا نبي الأمة ﷺ لأهله، وقد قال بعض العلماء: إن دعوته ﷺ لأهل البقيع ربما تشمل من يدفن فيه بعد موته صلوات الله وسلامه عليه، والحق أن النص يحتمله؛ لأنه ﵊ قال: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)، ولم يخصص زماناً ولا قوماً ولا أناساً، وإنما جعلها مطلقة وذلك الظن به وبرحمته صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 165
من حقوق النبي ﷺ علينا بعد موته
стр. 166
الالتزام بالهدي النبوي في احترام الآخرين وإجلالهم
إن احترام الغير أمر مطلوب به الشرع، فـ أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه لما دخل عليه رسول الله ﷺ تأخر، فقال له ﵊: (يا أبا بكر! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ .
ومع ذلك كم ترى في الناس اليوم من لا يعرف رحمة للصغير، ولا توقيراً للكبير.
إن العلماء الربانيين والمسلمين الصادقين يحترم بعضهم بعضاً، لا لشيء إلا تأسياً بهدي محمد ﷺ ؛ ونحن ننقل من أرض الواقع: فقد كنا في العام الماضي مع الشيخين عبد العزيز بن باز ومحمد بن عثيمين حفظهما الله، فكانت هناك محاضرة للشيخ محمد في مسجد الشيخ عبد العزيز في مكة، فالمحاضرة معلن عنها أنها للشيخ محمد بن عثيمين فلما جلس الشيخ على الكرسي كان أول الحضور بين قدميه الشيخ عبد العزيز بن باز رغم أنه حفظه الله مفتي الأمه، فتحرج الشيخ محمد أن يتحدث، لكنه غلب عليه فتحدث.
فلما أكمل محاضرته جاءته الأسئلة، فقال: أحيلها إلى الشيخ، فقال الشيخ عبد العزيز: إنما كتبت لك، والله ما كنت لأجيب وأنت حاضر، فحلف الشيخ عبد العزيز على الشيخ محمد أن يجيب هو، فاستحيا الشيخ محمد وأخذ يجيب، وكأنه لم يستطع أدباً فأجاب على سؤال أو سؤالين ثم قال لفرط ذكائه: هذا سؤال يحتاج إلى تعقيب من الشيخ عبد العزيز، فلو عقبت! فعقب الشيخ عبد العزيز، فلما انتهى قال الشيخ محمد: الآن لا أتكلم بعد ذلك، وقد أجاب الشيخ ابن باز.
فهذا مثال واقعي شاهدته بعيني وأنقله لك يا أخي! وربما نقله لك غيري، لكن المقصود أنه ينبغي على المؤمن أن يحترم ويوقر من هو أكبر منه، وبالأخص الوالدين.
من الناس اليوم من تسأله: أين أبوك؟ فيؤشر وكأنه يؤشر على رجل في قارعة الطريق، ويتكلم عن أبيه وكأنه يتكلم عن مرءوس بين يديه.
ينبغي للإنسان أن يعلم أن هذه الآداب الاجتماعية أصل من أصول دين الله جل وعلا، أمر الله بها، ودعا إليها، وطبقها رسول الله ﷺ .
فاحترام المسلمين أياً كانت جنسياتهم، وأياً كانت دولهم، وأياً كانت منازلهم؛ أمر جاء به الشرع، ولذلك قال ﷺ في خطبة الوداع: (كلكم لآدم وآدم من تراب)، ولما أراد أن يبعث جيشاً إلى الروم أمر عليه أسامة بن زيد رغم أن في القوم أبا بكر وعمر.
هذا أيها المؤمنون! ما أردنا بيانه، ونعتذر عما أخللنا به، لكن الذي ينبغي أن يصل إلى قلبي وقلبك أيها المؤمن! أن نعاهد الله جل وعلا على أن نكون صادقين في محبتنا لرسولنا ﷺ ، وأن نلتزم هديه، وأن نتبع سنته، وأن نكون على قلب لا يعرف إلا الله، ولا يحب إلا الله، ثم يحب من أمر الله جل وعلا بحبه.
كما يجب أن يسلم المسلمون جميعاً من ألسنتنا همزاً ولمزاً: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وأن يسلم المسلمون جميعاً من قلوبنا، فلا يكون فيها غل ولا حسد ولا بغضاء.
نعلم أن هناك منكرات ومعاصي لن نستطيع أن نتخلص منها، فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا على أن تخلص منها.
نرقب الله جل وعلا فيما نقول ونفعل، ونرجوه جل وعلا أن يرحمنا وأن يرزقنا شفاعة رسول الله ﷺ .
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت أنت، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يلد ولم يولد، ونسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، خلقت السماوات السبع وما أظلت، وخلقت الأرضين السبع وما أقلت، تبدئ وتعيد، وأنت على كل شيء شهيد، أرجعت يوسف إلى أبيه، ورددت موسى إلى أمه، وجعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وسعت كل مخلوق عزة وحكمة، ووسعت كل شيء رحمة وعلماً، نسألك اللهم باسمك الأعظم وبوجهك الأكرم يا حي يا قيوم! أن تصلي على محمد وعلى آله، وأن ترزقنا جواره في جنات النعيم، اللهم ارزقنا جوار نبينا ﷺ في جنات النعيم.
اللهم ارزقنا جوار نبينا ﷺ في جنات النعيم، اللهم أحينا في هذه الدنيا على هديه وسنته، وأمتنا اللهم مخلصين على ملته، اللهم وابعثنا تحت لوائه وفي زمرته، اللهم وأوردنا حوضه وارزقنا شفاعته، اللهم واختم لنا بخير واجعل مآلنا قربه في جناتك يا رب العالمين! اللهم إن لم نكن أهلاً لأن ترحمنا فإن رحمتك أهل لأن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لأن ترحمنا فإن رحمتك أهل لأن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاًَ لأن ترحمنا فإن رحمتك أهل لأن تسعنا.
اللهم وردنا جميعا رجالاً ونساءً إلى دينك وهديك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبنا على دينك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبنا على دينك، اللهم إننا بشر يعرض علينا من الفتن ما يحيد بنا عن طريقك، اللهم ثبتنا على كل حال، اللهم إن حدنا عنك فردنا إليك يا رب العالمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 167
اتباع رسول الله ﷺ بالابتعاد عن المعاصي
كيف تدعي امرأة محبة محمد ﷺ وهو القائل: (أيقظوا صواحب الحجرات، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة، ثم قال: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن!) ومع ذلك ربما تسهر الفتاة على الهاتف، أو على المذياع، وأخرى على التلفاز، وأخرى تخاطب أصحاب القنوات، وما إلى ذلك! أين هؤلاء إن كانوا صادقين من محبة رسول الله ﷺ ؟ إن المحبة لا تعرف بالدموع، ولا بالخشوع أمام الناس، ولا بمثل ذلك، إنما تعرف حقيقتها باتباع هديه ﷺ ، وإن كان البكاء والخشوع عند ذكره ﷺ منقبة؛ فإن مالكاً رحمه الله تعالى كان إذا ذكر رسول الله بكى، فقال له أصحابه: ما هذا يا أبا عبد الله؟ قال: لقد أدركت محمد بن المنكدر ما ذكر رسول الله ﷺ إلا فاضت عيناه رحمه الله تعالى ورضي عنه! فمحبته ﷺ بالقلب والجوارح، ومحبته ﷺ باتباع منهجه وسلوك مسلكه.
стр. 168
الاقتداء بهديه واتباع سنته ﷺ
ينبغي على المؤمن في غدوه ورواحه أن يكثر من الصلاة والسلام على رسوله ﷺ ، وأن يستحضر أنه ﵊ قد وفى وأدى ما عليه، وأن ينظر في أفعاله أين هي من هديه ﷺ .
إن كنا صادقين محقين في محبته فالفيصل في ذلك أن ننظر في أعمالنا, وفي خطواتنا، وفي أقوالنا، أين هوانا من هواه، أين هدينا من هديه، أين سمتنا من سمته، أين حديثنا من حديثه، أين ليلنا من ليله، أين نهارنا من نهاره، كيف يدعي مسلم أنه يحب الله حقاً، ويحب رسوله ﷺ وهو يعكف ليلة حتى الفجر على أمور حرمها الله وحرمها رسوله ﷺ من أغان ماجنة، وأفلام خليعة، ما فيها ما يذكر بالله أو يدعو إلى رسوله ﷺ .
تقول عائشة (بات عندي صلوات الله وسلامه عليه، حتى وجدت برد جسمه ثم قال لي: يا عائشة! أتأذنين لي أن أعبد ربي؟ قالت: قلت: يا رسول الله! والله إني لأحب قربك، وأحب أن تعبد ربك، فقام ﷺ إلى شن معلق فتوضأ ثم مكث يصلي ويبكي حتى دخل عليه بلال يستأذنه لصلاة الفجر، فقال له بلال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: يا بلال! كيف لا أبكي وقد أنزل علي الليلة، ثم تلا خواتيم آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]).
стр. 169
الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ
ينبغي على المسلم أن يكثر من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ؛ لأن هذا من حقه ﷺ على أمته، وقد أدى صلوات الله وسلامه عليه الذي عليه، فبقي الذي له، وقد قال وهو الصادق المصدوق: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً).
وينبغي أن يعلم المؤمن أن هذا النبي ما مات إلا وقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة ونصح الأمة، كنا في حج مع شيخنا ابن باز حفظه الله فجلس يحدث عن حجة الوداع، فلما وصل إلى قول الرسول ﷺ للناس: (فإنكم ستسألون عني، فقال الناس: يا رسول الله! نشهد أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة) بكى شيخنا حفظه الله، والله كأني أنظر إليه وهو يبكي في هذه اللحظة ويقول: وأنا أشهد أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله بأفضل ما جزى نبياً عن أمته.
стр. 170
فاجعة الفجر
في حياته ﷺ وهديه بيان وإضاءات وومضات، ومن جملة تلك الإضاءات بيان عظيم أجر صلاة الفجر ومنزلتها في العبادات، وبيان منزلة رجلين من الصحابة وعظيم مكانتهما، وهما ابناه الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما.
وبيان عاقبة المرء بعد الموت في البرزخ، تلك الحياة التي يصل المرء إلى نعيمها بمحافظته على صلاة الفجر وغيرها من العبادات، وامتثاله هدي رسول الله الأكمل الذي سلكه الحسنان وغيرهما من صحابته الكرام.
стр. 171
اتباع هدي النبوة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، لا رب غيره ولا إله سواه، وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أنه قال ذات يوم لنفسه: لأكونن بواب رسول الله ﷺ .
فتوضأ في بيته وخرج يسأل عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فكلما سأل عنه في مكان قيل له: مر من هاهنا، حتى علم أن النبي ﵊ توجه إلى بئر أريس في قباء اليوم، فتبعه، فدخل ﷺ حائطاً -أي: بستاناً- فتوضأ ثم جلس على قف بئر أريس وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فجلس أبو موسى الأشعري بواباً لرسول الله ﷺ .
فجاء أبو بكر يستأذن، فأذن له وقال له: ائذن له وبشره بالجنة، فدخل أبو بكر وجلس بجوار رسولنا صلواته الله وسلامه عليه، وكشف عن ساقيه ودلاهما كما فعل المصطفى ﷺ ، ثم جاء عمر فاستأذن فأُذن له وقيل له: بشره بالجنة، فدخل عمر فصنع ما صنع صاحباه، ثم جاء عثمان فاستأذن فأذن له وقال: بشره بالجنة على بلوى تصيبه.
فقال عثمان: الله المستعان، ثم لما أتى البئر وجد القف قد امتلأ من الجهة التي هم فيها، فقابلهما -أي: جلس في الجهة المقابلة- وكشف عن ساقيه ودلاهما كما فعل صاحباه من قبل، فصلى الله على نبيه ورضي الله عن أصحابه.
أيها الأخ الكريم! كذلك المؤمنون الأخيار يتبعون سنة وهدي نبيهم ﷺ ، فقد كان الصحابة يلتمسونه حياً بين أظهرهم، ونحن اليوم نلتمس حياته وسيرته وهديه فيما نقله المتقون الأبرار والصالحون الأخيار مما حوته كتب العلماء من سيرته صلوات الله وسلامه عليه.
وفي العام التاسع كان عام الوفود، فقدم المدينة خلق كثير كلهم يفد إلى رسولنا ﷺ ممثلاً لعشيرته وقبيلته وقومه يريد أن يسمو بنفسه ويزكي قلبه ويتطهر من الذنوب بملاقاة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقد ذكر ابن كثير ﵀ بسنده أن ممن قدم ذئب، فقدم حتى أتى بين يدي رسول الله ﷺ فعوى، فقال ﵊: (هذا وافد السباع).
ونحن لا نجيء إلى بيوت الله إلا لنتلمس بعضاً من هديه صلوات الله وسلامه عليه، فكم في السنة من دلالات ضافية ومعان شامخة وعظات بالغة يفيء المؤمنون إلى فحواها ويقتبسون من سناها.
أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتساباً فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتاباً مدحت المالكين فزدت قدراً فلما مدحتك اقتدت السحابا فمن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا لها ضحك القيان إلى غبي ولي ضحك اللبيب إذا تغابى جنيت بروضها ورداً وشوكاً وذقت بكأسها شهداً وصاباً فلم أر مثل حكم الله حكماً ولم أر مثل باب الله باباً
стр. 172
منزلة صلاة الفجر
إن للعلماء في تتبع السيرة العطرة طرائق عدة، منها طرائق الفقهاء في استنباط الأحكام، ومنها ما نشرع فيه من التتبع العام لهدية صلوات الله وسلامه عليه، فنستضيء بقدر ما أمكن ببعض سيرته، فيكون العنوان مدخلاً لما يريد أن يبث في الناس من الهدي النبوي والسيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الإضاءات هي على الترتيب: صلاة الفجر، الريحنتان، الحياة البرزخية.
إن هدي الأنبياء الأعظم في القيام بالعبادات، والصلوات ذروة العبادات، وصلاة الفجر ذروة الصلوات وتاجها، أفردها الله جل وعلا في القرآن ذكراً فقال ﷻ : ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
فجعل الله جل وعلا الفرائض الأربع يتبع بعضها بعضاً، وأفرد صلاة الفجر لوحدها زماناً وأثراً، فصلاة الفجر أحد أعظم الأسباب في رؤية وجه الله ﵎، وليس للمؤمنين غاية أعظم من أن يروا وجه ربهم ﵎، أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (أن النبي ﷺ رأى القمر ليلة البدر فقال ﵊ بعد ذلك لأصحابه: إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا.
ثم تلا صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠])، قال العلماء من المفسرين وغيرهم: (قبل طلوع الشمس) أي: صلاة الفجر، و (قبل غروبها) أي: صلاة العصر.
وصلاة الفجر المحافظة عليها جماعة في مساجد المسلمين للرجال بعض دلالة على البراءة من النفاق، قال ﵊: (ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا)، فصلاة الفجر مع أخواتها مما يؤدى في الظلمة تكسب المؤمن نوراً تاماً في عرصات يوم القيامة، يوم يكون المؤمن أحوج ما يكون إلى النور، قال ﵊: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).
стр. 173
صلة صلاة الفجر بالأحداث العظيمة في التاريخ الإسلامي
وصلاة الفجر ارتبطت في تاريخ الأمة بأحداث عظام، إما بفقد عظمائها أو بآمالها أو بآلامها، فمن تتبع السيرة والتاريخ الإسلامي كله سيجد إرثاً كبيراً في قضية صلاة الفجر، فصلاة الفجر آخر صلاة صلاها النبي ﷺ قبل موقعة يوم بدر، فإنها كانت صبيحة اليوم السابع عشر من شهر رمضان، فكان آخر عهد من استشهدوا من الصحابة في بدر كان آخر عهدهم بالدنيا آنذاك صلاة الفجر خلف رسولنا ﷺ .
وصلاة الفجر صلاها النبي ﷺ أيام غزوة خيبر على مقربة من خيبر قبل أن يصل إليها، فصلى ﷺ بأصحابه صلاة الصبح ثم دخل على خيبر، فلما دخل خيبر بعد أن طلعت الشمس كان اليهود خارجون إلى أراضيهم ومعهم المساحي والمكاتل، فتفاءل ﷺ بما في أيديهم، وقال ﵊: (الله أكبر خربت خيبر، إننا إذا نزلنا بساحة أرض فساء صباح المنذرين).
وصلاة الفجر آخر صلاة صلاها نبينا ﷺ في مكة قبل وفاته، فإنه ﵊ حج حجة الوداع في العام العاشر ولم يعش بعدها نبينا ﵊ أكثر من ثلاثة أشهر، ولما كان في اليوم الثالث عشر رمى الجمرات الثلاث وقال قبلها: (إنا نازلون غداً في خيف بني كنانة) فنزل ﵊ في خيف بني كنانة، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وعند السحر قبل الفجر نزل ﵊ إلى الحرم، فطاف طواف الوداع ثم صلى صلاة الفجر بأصحابه وبأهل مكة، ثم رجع ﵊ إلى المدينة تشرف به المهاد والنجاد يكبر على كل شرف من الأرض، فكانت صلاة الفجر آخر صلاة صلاها نبينا ﷺ في مكة.
وصلاة الفجر آخر صلاة صلاها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ونبينا ﵊ حي بين أظهرهم، فلم يصلوا صلاة بعد صلاة الفجر إلا والنبي ﵊ قد مات وانتقل إلى الرفيق الأعلى والمحل الأسنى.
ذلك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم خرج عليهم رسول الله ﷺ بعد أن كشف الستار الذي بين المسجد وحجرة عائشة وأطل عليهم وهم يصلون خلف أبي بكر صلاة الفجر فقرت عينه واطمأنت نفسه وتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف رغم وطأة الحمى عليه صلوات الله وسلامه عليه.
ثم بعد وفاته ﵊ ارتبطت صلاة الفجر بكثير من الأحداث العظام بفقد عظماء الأمة، تقول السيدة الجليلة الصحابية أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنها وأرضاها: مالي ولصلاة الفجر.
وهذه الصحابية ولدت قرابة سنة ست من الهجرة، ورأت النبي ﵊ ولكنها لم ترو عنه؛ لأنه مات وسنها أربع سنين، وهذه الصحابية أرادها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لنفسه ليتزوجها حتى يكون بينه وبين آل بيت رسول الله ﷺ نسب، فكلم أباها علياً فاعتذر بصغر سنها، فلما رأى إلحاحه قال له: إني سأبعثها إليك، فإن رضيت بها فثم، فأعطاها برداً وقال لها اذهبي به إلى أمير المؤمنين، فذهبت به إلى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلما رآها كشف عن ساقها بعد أن لمسه، فقالت له وهي لا تعلم ما كان بينه وبين أبيها، لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، فرجعت إلى أبيها فأخبرته الخبر، وقالت: يا أبتاه لقد بعثتني إلى شيخ سوء، فقال ﵁ وأرضاه: يا بنية هذا زوجك، فتزوجها عمر رضي الله تعالى عنه وأصدقها أربعة آلاف، ولم يكن يعطى مهر في ذلك الزمان بمثل هذا القدر، ولكن عمر رضي الله تعالى عنه كان فرحاً بأن أصبح على نسب بآل رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
فلما تزوجها عمر مكثت عنده ما شاء الله، ثم خرج عمر إلى صلاة الفجر، ثم أعيد به إلى بيته ليقال لها ﵂ وأرضاها: طعن زوجك وقتل في صلاة الفجر.
ثم بعد عمر رضي الله تعالى عنه تزوجها بعض الصحابة، فخرجت مع أبيها علي بن أبي طالب إلى الكوفة، فلما كان يوم السابع عشر من رمضان خرج علي رضي الله تعالى عنه ليصلي بالناس صلاة الفجر فطعن علي وضربت عنقه وهو ذاهب إلى صلاة الفجر، فأعيد إلى بيته ليقال لتلك المرأة كرة أخرى: إن أباك قد قتل وهو ذاهب إلى صلاة الفجر.
فقالت ﵂ وأرضاها: سبحان الله! مالي ولصلاة الفجر.
وفي عصرنا هذا يوم الإثنين الماضي -كما لا يجهله أحد- اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين ﵀ شيخ المجاهدين والمرابطين في عصرنا ولا نزكي على الله أحداً، اغتالته وهو خارج من صلاة الفجر، حتى قال بعض علماء العصر -وهي كلمة محمودة-: إن أول من يعزى في الشيخ أحمد أهل صلاة الفجر؛ لأن أهل صلاة الفجر في الأمة قوم مميزون، فاغتالته إسرائيل تريد أن تعرف الناس بمنطق حق القوة، وليأتين عليها يوم -بإذن الله- يعرفها فيه أهل الإسلام بمنطق قوة الحق، وشتان بين الحالتين لمن تدبر اللفظين وما يعقلها إلا العالمون.
وقد كان اغتياله رحمه الله تعالى فجيعة على الأمة ينضم مع الفارق إلى سلسلة من فقدتهم الأمة من عظمائها ومجاهديها وأمرائها عبر السنين ممن ارتبط موتهم بصلاة الفجر بعد أن أنشأ جيلاً قرآنياً في الدور والمساجد وحلقات التحفيظ، فخرج أولئك الشباب بعد ذلك بقوة الإيمان التي في قلوبهم يقفون أمام آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية وحلفائها بما أورثهم الله جل وعلا من اليقين في قلوبهم، وهذا اليقين ربوا من خلاله على سور القرآن، وإلا فإنه يستحيل عقلاً ونقلاً أن يقف أولئك الشباب والفتيان شامخين أمام العدو لو لم يكن في قلبهم من الإيمان واليقين والقرآن ما يثبتهم الله جل وعلا به.
اضرب تحجرت القلوب وليس لها إلا الحجر اضرب فمن كفيك ينهمر المطر في خان يونس في بلاطة في البوادي والحضر ولى زمان الخوف أثمر في مساجدنا الشرر في فتية الأنفال والشورى ولقمان وحفاظ الزمر فرضي الله عن كل مؤمن جاهد في سبيل الله
стр. 174
صلاة الفجر سبب الكينونة في ذمة الله
يقول نبينا ﷺ : (من صلى الفجر فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمت).
إن أعظم ما يقف به المؤمن على هدي محمد ﷺ أن يعلم أن النبي ﵊ مات وهو محافظ على هذه الصلاة وغيرها أعظم محافظة، حتى إنه قال في السنة القبلية التي قبلها: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)، وإن من أعجب العجب أن يفقد الإنسان حياءه من ربه جل وعلا فيسهر على لهو محرم أو يمكث على الفساد أياً كانت صوره الليل كله حتى إذا دنا الفجر نام، فإذا أصبح لعمله أو تجارته أو غير ذلك خرج يرجو الرزق ولا رزق إلا من الله، ويرجو أن يأمن العواقب ولا حافظ إلا الله، ويرجو أن يوفق ويسدد فيما يقول ويفعل والمسدد والموفق والمعطي والمانع الله، فيطلب ما عند الله وقد عصاه من قبل وفرط في أعظم فرائضه، يقول الله ﵎: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٠ - ٢٢].
إن من أعظم دلائل النجاح وأسباب الفلاح أن يؤدي الإنسان -إن كان رجلاً- صلاة الفجر في جماعة مع المسلمين، وأن تؤديها المرأة أو الفتاة في وقتها في بيتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فأداء صلاة الفجر نوع من السكينة والاطمئنان وأمان، ويقع بها المؤمن في ذمة الله، وليس المراد بأن يكون المؤمن في ذمة الله أنه لا يصيبه أذى، فهذا لا يمكن أن يثبت عقلاً ولا نقلاً، فإن النبي ﵊ صلى الفجر يوم أحد ومع ذلك كسرت رباعيته وشج رأسه وأدمي ﵊، ولكن المقصود أن الإنسان إذا بقي يبقى على خير وعافية، وإن قبض يقبض وقد كان في ذمة رب العالمين ﷻ ، والله ﵎ خير الحافظين.
وكل سبب أدى إلى المحافظة عليها يجب أن يسعى المؤمن إليه، وكل سبب أعاق عنها أو حرم منها أو منعها فيجب على المؤمن أن ينأى بنفسه عنه؛ لأنه لا جمع بين الاثنين، فلا يمكن أن يتم الأمران، فالله ﵎ خلق الناس منهم مؤمن ومنهم كافر، وبين لعباده النجدين، وأداء صلاة الفجر جماعة من أعظم أسباب التوفيق.
стр. 175
الحسن والحسين ومنزلتهما في الإسلام
الإضاءة الثانية: الريحنتان.
وهذا العنوان مقتبس مما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (سمعت النبي ﷺ يقول عن الحسن والحسين: هما ريحانتاي من الدنيا).
لقد خلق الله جل وعلا الرسل بشراً فيهم ما في الناس من العواطف، والرحمة، والألفة، وكل ما تقتضيه البشرية من خير، وأعطاهم من ذلك النصيب الأوفر والحظ الأمثل، ونبينا ﵊ في الذروة من ذلك كله، ولقد كان ﵊ شفيقاً رحيماً بالمؤمنين كلهم، فإذا تدبر الإنسان كيف كان نبينا ﵊ رحيماً بآل بيته وريحانتيه من الدنيا الحسن والحسين؛ استبان له كثير مما خفي من سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه.
تزوج نبينا ﵊ خديجة، ورزق منها الولد، ومات الأبناء قبل المبعث أو بعد المبعث بقليل، وبقي البنات الأربع: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، فتزوجت زينب ابن خالتها أبا العاص، وتزوج عثمان رقية ثم ماتت عنه يوم بدر، فتزوج بعدها أختها أم كلثوم.
وبعد منصرفه ﷺ من بدر فدى المسلمون بعض أسراهم، فكان من الأسرى أبو العاص زوج ابنته زينب، وكان على كفره، فأخرجت زينب -لتفدي زوجها- شيئاً من المصوغات كان عندها أخذته من أمها خديجة، فأخرجته من خبائه لتفدي به زوجها أبا العاص، فلما أخرجته ونظر النبي صلى الله وسلم إليه تذكر أيام خديجة فذرفت عيناه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 176
اقتفاء رسول الله أثر إخوانه الأنبياء في تسمية الحسن والحسين
وبعد ذلك بفترة غير بعيدة زوج النبي ﷺ ابنته فاطمة أحب بناته إليه، وكان يقول كما في البخاري وغيره: (فاطمة بضعة مني)، ولذلك لما أراد العلماء أن يعرفوا بـ فاطمة -كما فعل الذهبي في سير الأعلام- قالوا: هي البضعة النبوية والجهة المصطفوية ﵂ وصلى الله على أبيها.
فهذه القريبة جداً من رسولنا ﷺ جاء علي بن أبي طالب ليطلبها من رسول الله، فلما قعد بين يديه استحيا، وأصابته هيبة النبوة، فلم يستطع أن يقول شيئاً، فتكلم رسول الله عنه فقال: (أجئت لتخطب فاطمة؟ قال: نعم)، وبعد أخذ وعطاء زوجه إياها على درع حطمية كانت عند علي، ثم دخل عليها رضوان الله تعالى عليه وأرضاه، فأنجب منها الحسن، فلما أنجب منها الحسن دخل ﵊ يقول: (أين ابني؟ ما سميتموه؟، قالوا: سميناه حرباً قال: بل هو الحسن)، وبعد شهر حملت بغلام ثان، فدخل ﵊ ينشد (أين ابني؟ ما سميتموه؟ قالوا: سميناه حرباً قال: بل هو الحسين) فحملت بعد ذلك فولدت غلاماً، فقال ﵊: (أين ابني؟ ما سميتموه؟ فقالوا: سميناه حرباً، قال: بل هو محسن ثم قال ﵊: سميتهم بولد هارون بشر وبشير ومبشر)، أبناء هارون ﵊.
وهذا أول الدلائل على أن النبي ﷺ كان حريصاً في سيرته على أن يقتفي أثر إخوانه من الأنبياء امتثالاً لقول الله جل وعلا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهو ﵊ أعظم من يمتثل لأمر ربه حتى في التسمية والكنى وما أشبه ذلك مما يراه الناس يسيراً.
والشاهد من هذا كله أن من الناس اليوم من ينأى بنفسه عن هذه الأسماء خوفاً من أن يشبه ببعض الطوائف، والباطل لا يدفع بترك الحق، وإنما يدفع بالمضي على الحق والثبات عليه، لا بالتخلي عن الحق وسنة وهدي نبينا صلوات الله وسلامه.
стр. 177
الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
قلنا: إن النبي ﵊ لم يكن له أبناء، فمات محسن وهو الصغير بعد أشهر من ولادته، وبقي الحسن والحسين يدرجان يغدوان ويروحان في بيت النبوة، فتعلق بهما صلوات الله وسلامه عليه، فعرف الملائكة في الملأ الأعلى بعلم الله تعلق النبي ﵊ بـ الحسن والحسين.
فلما كان ذات يوم جاءه حذيفة ﵁ فقال ﵊: (يا حذيفة! أما رأيت العارض الذي أتاني؟ هذا ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط، استأذن ربه في أن يهبط إلى الأرض ويسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)، فلما علمت الملائكة ﵈ بمقدار ما لهذين الصبيين من مكانة عند رسول الله استأذن أحدهم ربه في أن ينزل إلى الأرض ليبشر النبي ﷺ بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
إن المرء إذا أصبح أباً يتغير كثير من حاله، يقول ﵊: (إنهم -أي: الأبناء- مجبنة مبخلة مجهلة) تدفع الرجل للجبن فيخاف أن يموت عن أبنائه، وتدفعه للبخل فيخاف أن ينفق فيصبح أبناؤه من بعده فقراء، وتدفعه إلى الجهل فيغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم.
стр. 178
حب رسول الله للحسن والحسين
صعد ﵊ المنبر وأخذ يخطب، فدخل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان فيعثران، فنزل من المنبر وهو رأس الملة وسيد الأمة، ولو أوكل هذا الأمر إلى غيره لكفاه، ثم حملهما ووضعهما بين يديه، ثم التفت إلى الناس وقال: (صدق الله ورسوله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، لقد نظرت إلى ابني هذين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما)، وكفى به شاهداً ودليلاً على ما في قلبه صلوات الله وسلامه عليه من الرحمة.
إن كونك مسئولاً في دائرة ما أو رجلاً معروفاً أو إماماً أو خطيباً أو ما إلى ذلك من العطايا الدنيوية لا يغير شيئاً من أن تكون أباً في بيتك رءوفاً بزوجتك، رءوفاً بأولادك رءوفاً بقرابتك تتقرب إليهم وتدنو منهم، فلكل مقام مقال كما تقول العرب في أمثالها.
ومن شواهد هذا أنه ﵊ -كما في المسند بسند صحيح- قام من الليل يسقي الحسن والحسين، فرأته فاطمة وهو يدفع أحدهما ويقدم الآخر، فتعجبت فقال لها: (يا بنية! إن الأول قام قبله فاستسقاني فقمت فأسقيته) ثم قام الثاني فسقاه صلوات الله وسلامه عليه، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
стр. 179
رقية رسول الله للحسن والحسين
فمن شفقة الأب على أبنائه أنه يخاف عليهم، وخوفنا على من نحب يكون من شيء محذور نراه ومحذور لا نراه.
فالمحذور الذي نراه نعرف كيف ندفعه، ونستعين بالله عليه، أما المحذور الذي لا نراه فلا نعرف كيف ندفعه؛ لأننا لا نراه، فيكفينا أن نستعين بالله جل وعلا عليه، فكان صلى الله وسلم عليه يضع يديه على رأس الحسن والحسين ويقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة)، فهذه الاستعاذة تربي الأبناء أول الأمر على أن هناك رباً وإلهاً يكلأ ويحفظ ويرعى ويفعل ما يريد لا إله إلا هو، وأن ثمة شروراً لا ترى بالعين ولا يدفعها إلا الرب ﵎، فالله جل وعلا ولينا في كل نعمة، وملاذنا عند كل نقمة.
كما أن فيها أن المرء يستودع الله جل وعلا ثمرة فؤاده، والله ﵎ -كما قال يعقوب في كتاب الله- خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، والنبي ﷺ يقول: (إن الله إذا استودع شيئاً حفظه)، ومن دلائل هذا من باب الاستئناس أنه جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان الرجل معه ابنه، ولم يكن هناك فرق بين الابن وأبيه، فتعجب عمر قائلاً: والله ما رأيت مثل هذا اليوم عجباً ما أشبه أحد أحداً أنت وابنك إلا كما أشبه الغراب الغراب، والعرب تضرب في أمثالها بالغراب في كثير الشبه بقرينه.
فقال له: يا أمير المؤمنين! كيف ولو عرفت أن أمه ولدته وهي ميتة.
فغير عمر من جلسته وبدل من حالته وكان ﵁ وأرضاه يحب غرائب الأخبار، فقال: أخبرني قال يا أمير المؤمنين! كانت زوجتي أم هذا الغلام حاملاً به، فعزمت على السفر فمنعتني، فلما وصلت إلى الباب ألحت علي ألا أذهب، قالت: كيف تتركني وأنا حامل! فوضعت يدي على بطنها وقلت: اللهم إنني أستودعك غلامي هذا ومضيت -بقدر الله لم يقل وأستودعك أمه- وخرجت فمضيت وقضيت في سفري ما شاء الله لي أن أمضي وأقضي، ثم عدت، فلما عدت إذا الباب مقفلاً، وإذا بأبناء عمومتي يحيطون بي ويخبرونني أن زوجتي قد ماتت، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فأخذوني ليطعموني عشاء أعدوه لي، فبينما أنا على العشاء إذا بدخان يخرج من المقابر، فقلت: ما هذا الدخان؟ فقالوا: هذا الدخان يخرج من قبر زوجتك كل يوم منذ أن دفناها.
فقال الرجل: والله إنني لمن أعلم خلق الله بها، كانت صوامة قوامة عفيفة لا تقر منكراً وتأمر بالمعروف ولا يخزيها الله أبداً، فقام وتوجه إلى المقبرة وتبعه أبناء عمومته، قال: فلما وصلت إليها -يا أمير المؤمنين- أخذت أحفر حتى وصلت إليها، فإذا هي ميتة جالسة وابنها هذا الذي معي حي عند قدميها، وإذا بمناد ينادي: يا من استودعت الله وديعة! خذ وديعتك.
قال العلماء: ولو أنه استودع الله جل وعلا الأم لوجدها كما استودعها، ولكن ليمضي قدر الله لم يجر الله على لسانه أن يودع الأم، فاللهم إنا نستودعك ديننا يا رب العالمين، وارزقنا الثبات عليه حتى نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.
نقول: إن النبي ﷺ كان حريصاً على أن يعوذ الحسن والحسين بما كان أنبياء الله من قبل يعوذون به أبناءهم، فخليل الله إبراهيم كان يعوذ به إسماعيل وإسحاق، فسنته ﷺ في اقتفاء أثر إخوانه من الأنبياء من قبله.
стр. 180
منزلة الحسن والحسين عند الخلفاء بعد رسول الله
ثم توفي صلوات الله وسلامه عليه والحسن والحسين لم يبلغا الحلم بعد، فكانا ﵄ موئل حفاوة الصديق من بعد نبيه، فكان ﵁ وأرضاه يصلي بالناس فيخرج، فإذا لقي الحسن بن علي حمله وأخذ ينشد: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي وعلي يسمع ويضحك، رضي الله عن الجميع.
ثم كانت خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فكان الحسين يرقى إلى المنبر وعمر عليه فيقول: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، فيقول عمر: ولكن أبي ليس له منبر.
ثم يضعه بجواره ويضع عمر يده على رأس الحسين ويقول: والله ما أنبت الشعر على رءوسنا إلا الله ثم أنتم يا آل محمد.
ثم لما كانت خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه تطوع الحسن والحسين بأن يدافعا عن داره حتى أمرهما ﵁ وأرضاه -فيمن أمر- بأن يتركا الدار حتى لا يراق دم بسببه، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه من أحوط الناس ومن أشد الناس ورعاً وحيطة في دماء المسلمين.
следующие страницы →