Полный текст (797 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
اقتفاء رسول الله أثر إخوانه الأنبياء في تسمية الحسن والحسين
وبعد ذلك بفترة غير بعيدة زوج النبي ﷺ ابنته فاطمة أحب بناته إليه، وكان يقول كما في البخاري وغيره: (فاطمة بضعة مني)، ولذلك لما أراد العلماء أن يعرفوا بـ فاطمة -كما فعل الذهبي في سير الأعلام- قالوا: هي البضعة النبوية والجهة المصطفوية ﵂ وصلى الله على أبيها.
فهذه القريبة جداً من رسولنا ﷺ جاء علي بن أبي طالب ليطلبها من رسول الله، فلما قعد بين يديه استحيا، وأصابته هيبة النبوة، فلم يستطع أن يقول شيئاً، فتكلم رسول الله عنه فقال: (أجئت لتخطب فاطمة؟ قال: نعم)، وبعد أخذ وعطاء زوجه إياها على درع حطمية كانت عند علي، ثم دخل عليها رضوان الله تعالى عليه وأرضاه، فأنجب منها الحسن، فلما أنجب منها الحسن دخل ﵊ يقول: (أين ابني؟ ما سميتموه؟، قالوا: سميناه حرباً قال: بل هو الحسن)، وبعد شهر حملت بغلام ثان، فدخل ﵊ ينشد (أين ابني؟ ما سميتموه؟ قالوا: سميناه حرباً قال: بل هو الحسين) فحملت بعد ذلك فولدت غلاماً، فقال ﵊: (أين ابني؟ ما سميتموه؟ فقالوا: سميناه حرباً، قال: بل هو محسن ثم قال ﵊: سميتهم بولد هارون بشر وبشير ومبشر)، أبناء هارون ﵊.
وهذا أول الدلائل على أن النبي ﷺ كان حريصاً في سيرته على أن يقتفي أثر إخوانه من الأنبياء امتثالاً لقول الله جل وعلا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهو ﵊ أعظم من يمتثل لأمر ربه حتى في التسمية والكنى وما أشبه ذلك مما يراه الناس يسيراً.
والشاهد من هذا كله أن من الناس اليوم من ينأى بنفسه عن هذه الأسماء خوفاً من أن يشبه ببعض الطوائف، والباطل لا يدفع بترك الحق، وإنما يدفع بالمضي على الحق والثبات عليه، لا بالتخلي عن الحق وسنة وهدي نبينا صلوات الله وسلامه.
стр. 177
الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
قلنا: إن النبي ﵊ لم يكن له أبناء، فمات محسن وهو الصغير بعد أشهر من ولادته، وبقي الحسن والحسين يدرجان يغدوان ويروحان في بيت النبوة، فتعلق بهما صلوات الله وسلامه عليه، فعرف الملائكة في الملأ الأعلى بعلم الله تعلق النبي ﵊ بـ الحسن والحسين.
فلما كان ذات يوم جاءه حذيفة ﵁ فقال ﵊: (يا حذيفة! أما رأيت العارض الذي أتاني؟ هذا ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط، استأذن ربه في أن يهبط إلى الأرض ويسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)، فلما علمت الملائكة ﵈ بمقدار ما لهذين الصبيين من مكانة عند رسول الله استأذن أحدهم ربه في أن ينزل إلى الأرض ليبشر النبي ﷺ بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
إن المرء إذا أصبح أباً يتغير كثير من حاله، يقول ﵊: (إنهم -أي: الأبناء- مجبنة مبخلة مجهلة) تدفع الرجل للجبن فيخاف أن يموت عن أبنائه، وتدفعه للبخل فيخاف أن ينفق فيصبح أبناؤه من بعده فقراء، وتدفعه إلى الجهل فيغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم.
стр. 178
حب رسول الله للحسن والحسين
صعد ﵊ المنبر وأخذ يخطب، فدخل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان فيعثران، فنزل من المنبر وهو رأس الملة وسيد الأمة، ولو أوكل هذا الأمر إلى غيره لكفاه، ثم حملهما ووضعهما بين يديه، ثم التفت إلى الناس وقال: (صدق الله ورسوله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، لقد نظرت إلى ابني هذين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما)، وكفى به شاهداً ودليلاً على ما في قلبه صلوات الله وسلامه عليه من الرحمة.
إن كونك مسئولاً في دائرة ما أو رجلاً معروفاً أو إماماً أو خطيباً أو ما إلى ذلك من العطايا الدنيوية لا يغير شيئاً من أن تكون أباً في بيتك رءوفاً بزوجتك، رءوفاً بأولادك رءوفاً بقرابتك تتقرب إليهم وتدنو منهم، فلكل مقام مقال كما تقول العرب في أمثالها.
ومن شواهد هذا أنه ﵊ -كما في المسند بسند صحيح- قام من الليل يسقي الحسن والحسين، فرأته فاطمة وهو يدفع أحدهما ويقدم الآخر، فتعجبت فقال لها: (يا بنية! إن الأول قام قبله فاستسقاني فقمت فأسقيته) ثم قام الثاني فسقاه صلوات الله وسلامه عليه، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
стр. 179
رقية رسول الله للحسن والحسين
فمن شفقة الأب على أبنائه أنه يخاف عليهم، وخوفنا على من نحب يكون من شيء محذور نراه ومحذور لا نراه.
فالمحذور الذي نراه نعرف كيف ندفعه، ونستعين بالله عليه، أما المحذور الذي لا نراه فلا نعرف كيف ندفعه؛ لأننا لا نراه، فيكفينا أن نستعين بالله جل وعلا عليه، فكان صلى الله وسلم عليه يضع يديه على رأس الحسن والحسين ويقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة)، فهذه الاستعاذة تربي الأبناء أول الأمر على أن هناك رباً وإلهاً يكلأ ويحفظ ويرعى ويفعل ما يريد لا إله إلا هو، وأن ثمة شروراً لا ترى بالعين ولا يدفعها إلا الرب ﵎، فالله جل وعلا ولينا في كل نعمة، وملاذنا عند كل نقمة.
كما أن فيها أن المرء يستودع الله جل وعلا ثمرة فؤاده، والله ﵎ -كما قال يعقوب في كتاب الله- خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، والنبي ﷺ يقول: (إن الله إذا استودع شيئاً حفظه)، ومن دلائل هذا من باب الاستئناس أنه جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان الرجل معه ابنه، ولم يكن هناك فرق بين الابن وأبيه، فتعجب عمر قائلاً: والله ما رأيت مثل هذا اليوم عجباً ما أشبه أحد أحداً أنت وابنك إلا كما أشبه الغراب الغراب، والعرب تضرب في أمثالها بالغراب في كثير الشبه بقرينه.
فقال له: يا أمير المؤمنين! كيف ولو عرفت أن أمه ولدته وهي ميتة.
فغير عمر من جلسته وبدل من حالته وكان ﵁ وأرضاه يحب غرائب الأخبار، فقال: أخبرني قال يا أمير المؤمنين! كانت زوجتي أم هذا الغلام حاملاً به، فعزمت على السفر فمنعتني، فلما وصلت إلى الباب ألحت علي ألا أذهب، قالت: كيف تتركني وأنا حامل! فوضعت يدي على بطنها وقلت: اللهم إنني أستودعك غلامي هذا ومضيت -بقدر الله لم يقل وأستودعك أمه- وخرجت فمضيت وقضيت في سفري ما شاء الله لي أن أمضي وأقضي، ثم عدت، فلما عدت إذا الباب مقفلاً، وإذا بأبناء عمومتي يحيطون بي ويخبرونني أن زوجتي قد ماتت، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فأخذوني ليطعموني عشاء أعدوه لي، فبينما أنا على العشاء إذا بدخان يخرج من المقابر، فقلت: ما هذا الدخان؟ فقالوا: هذا الدخان يخرج من قبر زوجتك كل يوم منذ أن دفناها.
فقال الرجل: والله إنني لمن أعلم خلق الله بها، كانت صوامة قوامة عفيفة لا تقر منكراً وتأمر بالمعروف ولا يخزيها الله أبداً، فقام وتوجه إلى المقبرة وتبعه أبناء عمومته، قال: فلما وصلت إليها -يا أمير المؤمنين- أخذت أحفر حتى وصلت إليها، فإذا هي ميتة جالسة وابنها هذا الذي معي حي عند قدميها، وإذا بمناد ينادي: يا من استودعت الله وديعة! خذ وديعتك.
قال العلماء: ولو أنه استودع الله جل وعلا الأم لوجدها كما استودعها، ولكن ليمضي قدر الله لم يجر الله على لسانه أن يودع الأم، فاللهم إنا نستودعك ديننا يا رب العالمين، وارزقنا الثبات عليه حتى نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.
نقول: إن النبي ﷺ كان حريصاً على أن يعوذ الحسن والحسين بما كان أنبياء الله من قبل يعوذون به أبناءهم، فخليل الله إبراهيم كان يعوذ به إسماعيل وإسحاق، فسنته ﷺ في اقتفاء أثر إخوانه من الأنبياء من قبله.
стр. 180
منزلة الحسن والحسين عند الخلفاء بعد رسول الله
ثم توفي صلوات الله وسلامه عليه والحسن والحسين لم يبلغا الحلم بعد، فكانا ﵄ موئل حفاوة الصديق من بعد نبيه، فكان ﵁ وأرضاه يصلي بالناس فيخرج، فإذا لقي الحسن بن علي حمله وأخذ ينشد: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي وعلي يسمع ويضحك، رضي الله عن الجميع.
ثم كانت خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فكان الحسين يرقى إلى المنبر وعمر عليه فيقول: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، فيقول عمر: ولكن أبي ليس له منبر.
ثم يضعه بجواره ويضع عمر يده على رأس الحسين ويقول: والله ما أنبت الشعر على رءوسنا إلا الله ثم أنتم يا آل محمد.
ثم لما كانت خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه تطوع الحسن والحسين بأن يدافعا عن داره حتى أمرهما ﵁ وأرضاه -فيمن أمر- بأن يتركا الدار حتى لا يراق دم بسببه، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه من أحوط الناس ومن أشد الناس ورعاً وحيطة في دماء المسلمين.
стр. 181
تنازل الحسن بالخلافة وتحقيق خبر النبوة
ثم كان الأمر في يوم الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، فكان الحسن والحسين مع أبيهما حتى قتل علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلما قتل سلم بعض المسلمين الخلافة للحسن، فلما خاف على المسلمين أن يقتتلوا وتسفك دماؤهم وتتفرق كلمتهم وتضعف شوكتهم تنازل رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن أمر الخلافة لـ معاوية ﵁ وأرضاه، فبقي معاوية أميراً على المؤمنين شعر سنين بعد ذلك، وهذا تحقيق لقوله ﷺ : (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وفي بعض الروايات: (دعواهما واحدة).
ثم سكن الحسن المدينة المنورة وبقي فيها، وورد أنه مات مسموماً فيها وعمره سبعة وأربعون عاماً، ودفن بجوار أمه فاطمة.
стр. 182
أحداث مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه
وأما الحسين فإنه مكث إلى عام واحد وستين، وهي السنة التي تولى فيها يزيد بن معاوية أمر المسلمين، فلما تولى يزيد كان الحسين يرى أن لا ولاية لـ يزيد، وهذه أمور لا تقال لكل أحد، ولا تنشر للعامة، ولا تعنينا في حديثنا، وإنما الذي يعنينا في الحديث مكانة الحسين عند رسولنا ﷺ .
فخرج الحسين ﵁ وأرضاه من مكة يريد الكوفة لما بعث له أهل العراق أن ائت إلينا فإنا سننصرك، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقيها، فلما علم بخروجه تبعه على مسيرة يومين أو ثلاثة، فلما لقيه قال: يا ابن بنت رسول الله ﷺ ! إنهم لن ينصروك.
فلما ألح الحسين على الخروج قال له ابن عمر -وهذا من فقهه-: إن جبريل أتى النبي ﵊ فخيره بين أمري الدنيا والآخرة، فاختار ﵊ أمر الآخرة وأنت بضعة من رسول الله ﷺ فلن تنال من الدنيا شيئاً ولكن الحسين -ليجري قدر الله- لم يأخذ بنصيحة ابن عمر، ومضى حتى وصل إلى واد الطف في كربلاء من أرض العراق، فكان مقتله في يوم الجمعة في العاشر من محرم لعام واحد وستين من الهجرة ﵁ وأرضاه، وقتل بعد أن أحجم الناس عن قتله قليلاً، وقتل إخوته الأربعة، ثم قتل اثنان من أبنائه علي الأكبر وعبد الله، وبقي علي الأصغر المعروف بـ زين العابدين، وكان مريضاً فلم يستطع أن يخوض المعركة مع أبيه، فتنحى جانباً، ثم أخذ الناس بين إقدام وإحجام، ثم دلهم أحد الأشرار على أن يقتحموا الأمر فقتلوه ﵁ وأرضاه وهو صائم في اليوم العاشر من المحرم.
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد متزملاً في دمائه تزميلاً وكأنما بك يا ابن بنت محمد قتلوا جهاراً عامدين رسولا قتلوك عطشاناً ولم يترقبوا في قتلك التنزيل والتأويلا ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا
стр. 183
حكمة الله تعالى في أقداره
وتلك فتن سلمنا الله جل وعلا منها، ونعوذ بالله من الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن، والذي يعنينا في هذا المقام أن تعلم أمراً واحداً من هذه الموقعة كلها، وهو أن الأمور تجري بقدر الله، وأن الله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، فقد يحرم الإنسان مكاناً هو أهل له، ولكنك لا تدري أين حكمة الله وأين مراد الله، قال العلماء في مقتل الحسين: لعل الله جل وعلا أراد بمقتله بهذا الوصف أن يرفعه إلى درجة جده صلوات الله وسلامه عليه.
وأياً كان الأمر فإنك ترى في واقع الناس أنه قد ينال المال من لم يجمع، وقد يحصد الثمر من لم يزرع، ولكن المؤمن العاقل ليس له في الدنيا مطمع، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
فالمؤمن لا ينشد شيئاً أعظم من رضوان الله ﵎، فما أتى من الدنيا تبعاً غير مقصود فلا مانع، وأما أن يسعى الإنسان في متاع الدنيا وزخرفها فيرتكب من أجل ذلك المحرمات والسرقات والرشوة وما أشبهها ويظلم ويحقد ويحسد ليرتفع؛ فإن الدنيا كلها زهرة حائلة ونعمة زائلة، ولو كانت تنال بالعواطف لكان ابن بنت رسول الله ﷺ أولى بهذا الأمر من يزيد وغيره، ولكن الأمور تجري وتمضي بقدر من الله ﵎.
اللهم إنا نسألك قلوباً تحمدك على نعمائك، وترضى وتصبر على قدرك وقضائك، وتحن وتشتاق إلى يوم لقائك.
стр. 184
الحياة البرزخية
الإضاءة الثالثة: الحياة البرزخية: والمدخل إليها ما ثبت أن النبي ﷺ وضع قتلى بدر من المشركين في قليب، ثم بعد ثلاثة أيام وقف عليهم صلوات الله وسلامه عليه يخاطبهم: يا أبا جهل! يا عتبة بن ربيعة! يا أمية بن خلف! يا فلان بن فلان -يذكرهم بأسمائهم- هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً.
فقال له عمر متعجباً: يا رسول الله! ماذا تسمع من قوم قد جيفوا؟! فقال ﵊: (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يملكون جواباً).
لقد خلق الله خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وحياة البرزخ طور لا بد من أن نمر عليه، قال الله جل وعلا في كتابه المبين: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، والموت أول حياة البرزخ، والبعث والنشور نهاية حياة البرزخ، والقبر موطن حياة البرزخ.
стр. 185
أول سنة دفن الموتى
لقد جهل ابن آدم الأول كيف يواري سوءة أخيه، ثم لما احتضر آدم ﵇ قال لبنيه -كما ثبت في حديث صحيح-: إني اشتهيت ثمار الجنة.
فخرج أبناؤه يلتمسون له ثمار الجنة، فإذا بالملائكة نازلين من السماء معهم حنوط وكفن وغسل من الجنة، ولم يعرفوهم، فسألوهم: أين تذهبون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى ثمار الجنة، فقالوا لهم: عودوا فقد كفيتم.
فذهبت الملائكة إلى آدم، فلما رأتهم حواء عرفتهم فتوارت خلف آدم، فقبضت الملائكة روحه ﵊، ثم غسلته ثم كفنته، ثم حفروا له ثم ألحدوا له ثم حثوا عليه التراب، ثم قالوا لمن حوله من بنيه: هذه سنتكم يا ولد آدم! فأصبح قبر الميت سنة ماضية، كما قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١].
стр. 186
أخبار المعذبين في القبور
وثمة أحاديث نؤمن بها يقينا؛ لأن نبينا ﷺ لا ينطق عن الهوى، ولكن عقولنا في الحياة الدنيا تعجز عن فهمها، وهذا العرض إنما هو محاولة للإخبار المجمل أن هناك تشابها -بلا شك- بين سعي الإنسان في الدنيا وحياته في قبره، والمعنى بتوضيح أكمل: أن الإنسان كلما كان قريباً من العمل الصالح كان قريباً من النعيم في القبر، وكلما كان قريباً من العمل السيئ كان قريباً من عذاب القبر أعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر، يقول ﷺ -كما أخرج الإمام مسلم في الصحيح-: (مررت ليلة أسري بي وموسى بن عمران قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر)، فأشكل على العلماء كيف يكون موسى ﵇ قائماً يصلي في قبره؟! وهل في القبر تكليف؟! ثم إنه في نفس الحديث أخبر ﵊ بأنه التقى بموسى في السماء السادسة، وفي نفس الحديث يخبر ﷺ أنه صلى إماماً بالنبيين في المسجد الأقصى ومن جملتهم موسى.
والجواب عن هذا كله: أن عالم الأرواح أشبه بعالم الملائكة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والصلاة في القبر لبعض الخلق نوع من النعيم يتنعمون به؛ لأنهم تعودوا على الصلاة في الدنيا، فيتنعمون بالصلاة في قبورهم كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح، وأحوال أهل القبور: غيب مكنون لا يعلمه إلا الله جل علا، وإنما نمضي في الحديث فيه وفق ما دل عليه شرع نبينا ﷺ .
стр. 187
كرامات الصالحين بعد الموت
قد يكرم المرء في قبره دون أن يشعر الناس العلاء بن الحضرمي رضي الله تعالى عنه صحابي من المهاجرين الأولين، خرج في الغزو في الجهاد، ثم إنه لما قفل راجعاً من غزوة أصابته علة فمات فدفنه أصحابه، فلما مضوا عنه قليلاً إذا برجل من أهل تلك القرية، فقال: ما هذا الذي دفنتموه؟ قالوا: هذا أحد أصحابنا يقال له العلاء بن الحضرمي، فقال لهم محذراً: إن هذه الأرض تلفظ الموتى، لا يقع فيها القبر.
يعني أن القبر لا يحفظ الموتى، بل يخرجهم، فتشاوروا ﵃ وأرضاهم فقالوا: ما حق العلاء بن الحضرمي علينا أن نتركه.
فأجمعوا أمرهم بعد ذلك على أن يحفروا عنه وينقلوه إلى قرية أخرى، فحفروا القبر، فلما وصلوا إلى القبر وكانوا دافنوه لتوهم لم يجدوا شيئاً، ووجدوا القبر نور يتلألأ مد البصر، وهذا ثابت، وهو من دلائل ما يكرم الله جل وعلا به.
وقد يكون الأثر متعدياً بعد القبر، كما ثبت عن ثابت بن قيس رضي الله تعالى عنه وأرضاه خطيب رسولنا ﷺ ؛ فإنه كان يرفع الصوت في كلامه، فلما أنزل الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] حبس نفسه في الدار، فلما علم النبي ﵊ بالأمر قال لهم: (قولوا له: إنك لست منهم.
ثم قال له: يا ثابت! إنك ستعيش حميداً وتموت شهيداً)، فلما كانت موقعة اليمامة في حروب الردة خرج ثابت بن قيس رضي الله تعالى عنه لحروب أهل الردة، وكان يلبس درعاً نفيسة، ومكث في حفرة يقاتل من خلالها، فأصابه سهم فمات، فمر به رجل من المسلمين فوجد الدرع فأعجبته فنزعها وأخذها، فإذا بـ ثابت يظهر في المنام لرجل آخر من المسلمين ويقول له: أنا ثابت بن قيس، وإني سأخبرك خبراً ليس بحلم فلا تضيعه، إنني استشهدت اليوم، وكان لي درع نفيسة أخذها رجل من المسلمين بيته في مكان كذا وكذا، وتجد الدرع عليها برمة وعلى البرمة رحل أخفاه تحتها، فاذهب إلى خالد -أي: قائد المسلمين- وأخبره الخبر وقل له يأخذ الدرع ويبعث بها إلى الصديق ﵁ خليفة رسول الله ﷺ ، وليقل للصديق بعها واقض ما كان علي من دين.
فذهب خالد فوجد الدرع كما وصفها ثابت لذلك الرجل في المنام، فأقره على الأمر وأقر الصديق تصرف خالد، وباع الدرع وتصدق بقيمة بيعها وسدد ما كان عليه من دين.
بل يتجاوز الأمر أكثر من ذلك، فقد صحح العلماء حديثاً -كما قال الشيخ الألباني ﵀ عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: (إن أعمالكم تعرض على إخوانكم من الموتى يسرون أو يساءون) فكان أبو الدرداء ﵁ على علاقة وطيدة بـ عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد كان مات قبله، فكان أبو الدرداء يقول: اللهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد الله بن رواحة.
وفي المسند بسند صحيح -كما قال الشيخ ناصر ﵀: أن النبي ﷺ قال: (إن أعمالكم تعرض على قرابتكم وعشيرتكم من الأموات، فإن كانت حسنة استبشروا وإن كانت سيئة قالوا: اللهم! أهدهم كما هديتنا).
стр. 188
دعوة إلى محاسبة النفس
هذا بعض ما دلت عليه السنة ومشكاة النبوة من عالم الأرواح، والغاية من إيراده كله أن تنظر أين أنت من أوامر الله ونواهيه في هذه الحياة الدنيا حتى تعرف كيف يكون قبرك، فاعرف اليوم وحاسب نفسك قبل أن تموت، فأين أنت من هدي محمد ﷺ ؟ وأين أنت من توحيد الله؟ وأين أنت من الصلوات الخمس؟ وأين أنت من القرب من الله تبارك تعالى والبعد عنه؟ وأين عينك من النظر إلى المحرمات؟ وأين أذنك من سماعها؟ وأين قدماك من المشي إليها؟ وأين يداك من تناولها؟ كل ذلك إذا حاسب الإنسان نفسه فقد وطأ لنفسه موطئاً وثيراً برحمة الله في قبره، وإن كان غير ذلك فلا يهلك على الله جل وعلا إلا هالك.
وتبعاً لهذا الأمر أرشد النبي ﷺ إلى زيارة القبور، وقال ﵊ يذكر العلة: (فإنها تذكركم الآخرة)، فإن القبور تستوي في ظاهرها إن كانت مبنية على منهاج السنة وتختلف في باطنها اختلافاً لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ألا ترى أن الزناة -عياذاً بالله- كأن المحصن منهم يقول بلسان حاله: أنا أتمتع زيادة على زوجتي.
وغير المحصن كأنه يقول بلسان حاله: أنا أتمتع رغم أنني لم أتزوج بعد، والله جل وعلا أجل من أن يخدع، يقول ﵊ في حديث الرؤيا: (فرأيت رجالاً ونساء عراة في تنور ضيق من أدناه واسع من أعلاه، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضو، فقلت للملكين: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء الزناة والزواني).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: لما كان وجودهم في الدنيا خلوة يستترون بمعصية الله كان حقهم أن يفضحون عراة في عذاب القبر.
ويتثاقل الرجل عن الصلاة ويتباطأ في القيام إليها، وربما تردد وربما تركها بالمرة عياذاً بالله، فرأى النبي ﷺ من يرضخ رأسه ويثلغ بالحجارة، فقال للملكين: (من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة) ورأى النبي ﷺ آكل الربا في عذاب البرزخ يسبح في نهر من دم ويلقم الحصى والحجارة، فقال للملكين: (من هؤلاء؟ فقالا: هؤلاء أكلة الربا من أمتك).
والحديث طويل، ويمكن أن تقيس عليه كثيراً من أحوال الناس في الدنيا إن لم يدركهم الله جل وعلا برحمته.
نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وما مضى قبسات وإضاءات من سيرة من ختم الله به النبوات وأتم به الرسالات صلوات الله وسلامه عليه.
وصل اللهم على محمد وعلى آله وسلم تسليماً.
стр. 189
نور التوحيد
التوحيد أهم وأعظم وأجل ما بعث الله به الأنبياء وأرسل من أجله المرسلين، وهو أول الأمر وآخره، وما انقسم الناس إلا به، ولا اقتتلوا إلا من أجله، فبه الدخول في الإسلام، وبتركه الخروج من الملة، ولم يقم سوق الجنة والنار إلا من أجله، فأمره عظيم، وتركه خطر جسيم، والعذاب على ذلك أليم.
стр. 190
الحديث عن الله تعالى هو أعظم الحديث
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، واخرج المرعى فجعله غثاء أحوى.
واشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، وأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فسبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت, ما عبدناك حق عبادتك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ما عرفنا قدرك، وما قدرناك حق قدرك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت تعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وأنت الله لا إله إلا أنت العزيز الجبار، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت الخير كله بيديك والشر ليس إليك، مصير كل أحد إليك، ورزق كل أحد عليك.
سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت رددت موسى إلى أمه، وأرجعت يوسف إلى أبيه، ونجيت إبراهيم، وأغثت ذا النون، وجمعت ليعقوب بنيه.
سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أمرتنا فلم نأتمر، ونهيتنا فلم ننزجر، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك.
سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت لا نستطيع أن نأخذ إلا ما أعطيتنا، ولا أن نتقي إلا ما وقيتنا, أنت خالقنا ورازقنا وربنا ومولانا لا إله إلا أنت.
سبحانك اللهم وبحمدك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، خلقتنا ولا قدرة لنا، ورزقتنا ولا قوة لنا، وهديتنا إلى الإسلام من غير أن نسألك، فلا تحرمنا اللهم الجنة ونحن نسألك.
سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت حنت إليك قلوبنا، واشتاقت إلى لقائك أفئدتنا، نسألك اللهم بعز جلالك وكمال جمالك أن تغفر لنا في الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة المؤمنون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, أما بعد: فهذه موعظة قبل أن تكون محاضرة، وتذكرة قبل أن تكون بياناً، وتقرب إلى الله جل وعلا قبل أن يكون درساً، جعلنا عنوانها: نور التوحيد.
ولقد تأصل في قلوب العارفين، والأئمة المهديين، وعقول المنصفين من المؤمنين، تأصل عند هؤلاء جميعاً أنه لا شيء أعظم من الحديث عن الله ﵎، وبما أن ربنا ﷻ وعز شأنه لا يعدله شيء، فإن الحديث عن الله ﵎ لا يعدله شيء أبداً، ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩].
стр. 191
أنواع العلوم والكلام عليها
أيها المؤمنون! الحديث عن الرب ﵎ حديث تحبه قلوب المؤمنين، فبه البلغة والموعظة والذكرى، ونور التوحيد، وكما قلنا: إنما هي موعظة وبلغة إلى الرب ﵎.
قال الإمام يحيى بن عمار أحد المحدثين رحمه الله تعالى: العلوم خمسة: علم هو حياة الدين، وهو علم التوحيد.
وعلم هو قوت الدين، وهو العظة والذكر.
وعلم هو دواء الدين، وهو علم الفقه.
وعلم هو داء الدين، وهو ذكر أخبار ما وقع بين السلف.
وعلم هو هلاك الدين، وهو علم الكلام.
وهذا التأصيل العلمي من هذا المحدث ظاهر الصحة بلا ريب، فإن علم الكلام يخرج الإنسان مما أراده الله جل وعلا منه، فينشغل بأقوال الفلاسفة، وتنظير أهل المنطق، ويخوض ميمنة وميسرة في عالم الفكر المتأرجح بعيداً عن هدي الله وهدي رسوله ﷺ , وكفى بذلك خيبة وخسراناً.
وأما الاشتغال بإخبار السلف الصالح وما وقع بينهم رحمة الله تعالى عليهم جميعاً، فإنه يقسي القلب، ويجعل من المرء القاصر البعيد زماناً ومكاناً عن أولئك الأخيار يجعله من حيث لا يدري حكماً بين أئمة مهديين, وصحابة مرضيين، وأتباع لهم في الدين سابقة لا تلحق، ومثل هذا يقسي القلب، وحسب المؤمن أن يستمع إلى قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عندما قال: إني لأرجو الله أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:٤٣].
وقوله: وعلم هو دواء الدين وهو علم الفقه؛ ذلك أن الإنسان أحوج ما يكون إلى أن يعلم الحلال والحرام؛ حتى يستبين له الحرام والمكروه فيجتنبه، ويستبين له المباح فيخير فيه، ويستبين له المسنون فيسابق إليه، ويستبين له الواجب فيأتيه راضياً بقضاء الله جل وعلا وقدره، مستسلماً لأمر الله ﵎ ونهيه.
ثم قال رحمة الله: وعلم هو قوت الدين وهو العظة والذكر؛ ذلك أن المؤمن مهما بلغ حاله، وصلح عمله، هو في حاجة إلى أن يذكّر ويوعظ، ولذلك قال الله جل وعلا لنبيه: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣].
وقال العرباض بن سارية ﵁: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منه القلوب، وذرفت منها العيون).
وجاء عنه ﷺ كما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس: (أن موسى ﵇ وقف خطيباً يعظ في بني إسرائيل، حتى إذا رقت القلوب وذرفت العيون) إلى نهاية الحديث.
والمقصود: أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى الوعظ والتذكير، وهذا هو الذي سماه المحدث يحيى بن عمار: قوت القلوب.
стр. 192
علم التوحيد هو حياة الدين
وقال في أول الأمر رحمة الله: علم هو حياة الدين ألا وهو علم التوحيد.
ولا ريب أن التوحيد هو حياة الدين كله؛ لأنه أول شيء يدخل به المرء الملة، فقد بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن وقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)؛ لأنه لا يدخل امرؤ في الدين، ولا يجري عليه أحكام الشرع ويطالب بأمر وينتهي عن نهي، حتى يقيم التوحيد أولاً، فجعل الله جل وعلا القول بالتوحيد والنطق به والاعتقاد به المدخل الأعظم لدينه ﵎، كما جعل في الخاتمة أن من كان آخر كلامه الاعتقاد بالتوحيد والتلفظ به كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، قال صلوات الله وسلامه عليه: (من كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
وعلى النقيض من ذلك جعل النبي ﷺ الشرك بالله جل وعلا أعظم الكبائر وأعظم السيئات، كما أن توحيد الله جل وعلا أعظم الحسنات بلا ريب، قال ﷺ وقد سأله عبد الله بن مسعود: يا نبي الله أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وقد خلقك).
ولقد نعى الله على أهل الإشراك من اليهود والنصارى، وكفار قريش وسائر الكفرة، أنهم جعلوا لله جل وعلا شريكاً, أو زعموا لله ولداً وصاحبة, أواتخذوا مع الله ﵎ نداً، كل ذلك نعى الله جل وعلا على من صنعه أعظم النعي، ويؤكد هذا أن الله ما بعث نبياً ولا رسولاً إلا وجعل التوحيد أعظم ما يدعون به أممهم، ولهذا كانت الخصومة قائمة ما بين الأمم وبين رسلهم في قضية توحيد الله وإفراده ﵎ بالعبادة.
قال ﷺ لـ معاذ: (أتدري ماحق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).
ويؤكد هذا أن الله ما بعث نبياً ولا رسولاً إلا وألزمه هذا.
قال العلماء ﵏ عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] قالوا: يروى عن ابن عباس وغيره: (أن النبي ﷺ لما أسري به إلى المسجد الأقصى تقدم جبريل فأذن ثم أقام، ثم أمر نبينا ﷺ أن يصلي بالنبيين إماماً، فصلى خلفه النبيون والمرسلون سبعة صفوف، ثلاثة منهم من صفوف المرسلين، وأربعة من الأنبياء، خلفه مباشرة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وموسى وعيسى عليهم أجمعين صلوات الله جل وعلا وسلامه.
فلما انفتل ﷺ من صلاته قال لهم: إن الله قد أوحى إلي أن أسألكم: هل أرسلكم الله جل وعلا أن يعبد أحد غير الله؟ فقال له أنبياء الله ورسله وهم شهداء على ما أوكل الله جل وعلا إليهم، قالوا: إن الله جل وعلا أوحى إلينا أن ندعو بدعوة واحدة: أن لا إله إلا الله، وأن ما يدعون من دونه باطل) فاتفقت كلمة الأنبياء والمرسلين من لدن آدم إلى محمد ﷺ على أن دين الخلائق كلهم الذي يقبله الله جل وعلا منهم هو توحيده ﵎، وإفراده بالعبادة جل وعلا وحده دون سواه.
قال ابن القيم ﵀: هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيدُ الأديانِ هو دينُ آدم والملائك قبله هو دين نوحٍ صاحبِ الطوفانِ هو دينُ إبراهيم وابنيهِ معاً وبهِ نجا من لفحة النيرانِ وبهِ فدا الله الذبيح من البلا لما فداهُ بأعظم القربانِ هو دينُ يحيى مع أبيه وأمهِ نِعم الصبيُ وحبذا الشيخانِ وكمال دين الله شرع محمدٍ صلى عليهِ مُنزل القرآن.
فالرسل أجمعون والأنبياء معهم والصالحون والأخيار على هذا الطريق إلى أن يلقوا الله؛ لأن الله جل وعلا لا يقبل من أحد صرفاً ولا عدلاً حتى يقيم توحيده ﵎.
стр. 193
وصية الرسل لمن بعدهم بالفرار من الشرك
ولهذا كانت عناية الرسل والأنبياء والصالحين من بعدهم عند الموت أنهم يوصون من بعدهم بأن يفروا من الشرك، وأن يلتزموا توحيد الله بالعبادة، وإفراده جل وعلا بالعبادة دون سواه؛ لعلم أولئك الأخيار والمتقون الأبرار أنه لا ينفع عند الله جل وعلا عمل ما لم يقيم العبد قولاً ومعنى ولفظاً وعقيدة توحيد الرب ﵎، قال سبحانه: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣]، اللهم آمنا بمثل ما آمنوا به.
وما أكد أولئك الأبرار والمتقون الأخيار على هذا الأمر إلا لعلمهم ويقينهم أن أعظم الأمر وأجل السيئات وأكبرها الذي لا يغفره الله جل وعلا أن يجعل أحد من المخلوقين مخلوقاً غيره لله ﵎ نداً.
ولهذا أثنى الله جل وعلى على ذاته العلية في كتابه، وعرف خلقه ﵎ بأسمائه وصفاته حتى يعبدوه على بينة من الأمر، وأخبرهم جل وعلا بكمال قدرته وعظيم صنعته وجلال مشيئته وبلغة حكمته؛ حتى لا يبقى عذر لمعتذر، ولا حجة لمحتج في أن الله جل وعلا لم يبين لهم كثيراً من أسماءه وصفاته، وإنما بينها الله حتى تقوم الحجة على العباد، وينقطع عذر أهل الأعذار، ويعلم كل أحد أن الله جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه، يقول سبحانه ناعياً على من اتخذ مع الله جل وعلا نداً: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:١٠ - ١٢].
ولا يقدر على هذا إلا الله، وهذا من أعظم الأدلة والبراهين على كمال صنعته، وعظيم وحدانيته، وجلال ألوهيته، فلا رب غيره ولا إله سواه، ولذلك كان التوحيد نور يقذفه الله جل وعلا ويلقيه في قلب من يشاء، يقول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
نسأل الله جل وعلا أن يهدينا وإياكم لنوره.
أيها المؤمنون! هذا هو التوحيد على وجه الإجمال: إفراد الله ﵎ بالعبادة وحده دون سواه، وقد بينا أنه أول ما طالبت به الرسل أممهم، وأعظم ما ختم به المتقون وصاياهم، وأن: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) وبه يدخل المرء إلى دين الرب ﵎، وهو الخصومة التي قامت بين الرسل وأممهم على رسل الله أفضل الصلاة والسلام.
стр. 194
لوازم التوحيد
стр. 195
التوحيد منجاة للعبد في الدنيا
أيها المؤمنون! كما أن التوحيد من أعظم المنجيات في الدنيا والآخرة، فإن توحيد الله جل وعلا من أعظم ما يحقق به المرء مقصوده في الدنيا والآخرة، وإذا كانت الجنة تنال بالتوحيد فمن باب أولى أن ينال ما في الدنيا من أماني وغايات بتوحيد الرب ﵎، وإذا كانت الجنة تنال بتوحيد الله، فإنما أماني الدنيا أهون وأقل شأناً من نعيم الجنة، فدل ذلك عقلاً ونقلاً على أن كل غايات الدنيا تنال إذا أذن الله جل وعلا بتوحيد الرب ﵎، وللعلماء في تفسير قول الله جل وعلا على لسان نبيه يوسف قال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢] أوجه منها: أن يوسف ﵊ استعجل الخروج والفرج، فقال للغلام الذي غلب على ظنه أنه سينجو: اذكرني عند ربك، أي: عند الملك، ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٤٢] أي: فعل يوسف خلاف الأولى، واتخذ سبباً وان كان مشروعاً إلا أنه كان لا ينبغي له وهو نبي أن يصنع ذلك، فقال الله جل وعلا: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢].
وهذا كما قلت: أحد أوجه التفسير، وبعض العلماء يرده، لكننا نستأنس به هنا ولا نجزم به، والغاية من ذلك أن تعلم أن كل مطلوب إنما يتحقق مع الأخذ بالأسباب بصدق التوكل على الله الواحد الغلاب.
إذا كان المؤمن يعلم يقيناً أنما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه، وأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
وان الله جل وعلا انطق الصبي في مهده حتى يبين براءة جريج ﵀ كما في حديث جريج في الصحيح.
والمقصود من هذا كله: أن الإنسان إذا حسن ظنه بالله جل وعلا، وعظم يقينه بالرب ﵎، يسر الله جل وعلا له الأسباب التي تحقق له مطلوبه، ولم يكله الله جل وعلا لا إلى نفسه -أي: إلى نفس الرجل- ولا إلى غيره، وإذا أراد الله بعد رحمه نجاه الله جل وعلا من كل سوء, وهيئ الله جل وعلا له أسباب التمكين، ألم يقل الله عن ذي القرنين: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٨٣ - ٨٤].
فالفاعل يعود إلى الرب ﷻ ، ولولا تمكين الله له لما استطاع أن يخطوا في الأرض خطوة واحدة، ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤ - ٨٥].
فهيأ الله جل وعلا له الأسباب، ثم هداه الرب ﵎ لأن يأخذ بالأسباب حتى بلغ أقصى الشرق وأقصى الغرب، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
والمقصود جملة: أن توحيد الله جل وعلا به تتحقق الغايات، ويحصل المأمول، وهذا الذي ينبغي على المرء تحقيقه في قلبه قبل أن يحققه بجوارحه وفي ملأ الناس.
والعبد يبتلى ويختبر كما اختبر كعب بن مالك ﵁ وأرضاه لما كان ما كان من أمره في غزوة جيش العسرة، لما مُنع بقدرة الله من الذهاب مع الجيش، فكانت الأيام التي أجل النبي ﷺ كلامه معه، وأرجى أمره إلى الله، فجاءه رسول من ملك الروم، وهذا كله ابتلاء واختبار، يقول فيه ملك الروم: إنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك فألحق بنا نصلك, فقدم التوكل على الله على مغريات الدنيا، ونجح في الابتلاء، وأخذ الخطاب وألقاه في التنور فاحترق، فما هي إلا أيام معدودات وليالي متتابعات وإذا بمناد يناديه يا كعب بن مالك! أبشر قد فرج الله جل وعلا عنك.
وهذا كله من تحقيق التوحيد والاعتماد على رب العالمين ﷻ ، والله جل وعلا يبتلي ويختبر؛ حتى لا يصل إلى غاياته ولا إلى مراده الشرعي إلا من ابتلاه الله جل وعلا وامتحنه وخلص منه كما يخلص الذهب من كير الحديد.
стр. 196
التوحيد سبب للنجاة في الآخرة
ومن لوازم التوحيد: أن تعلم أنه بالتوحيد ينج العبد في الدنيا والآخرة، فلا منجي أعظم من التوحيد، فتوحيد الله جل وعلا في القلب، وحسن الظن به ﵎، وصدق التوكل عليه، مع حسن الاعتماد عليه جل وعلا في كل أمر، هو من أعظم المنجيات، والرب ﵎ له أولياء وأعداء، وأولياءه وأعداءه كلهم يقر أن الله جل وعلا هو المفزع عند حلول الكرب، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
وإنما التفرقة بين أولياء الله وأعداءه عند عدم حلول الكرب، فإن أولياء الله -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- يحبون ربهم في كل آن وحين، ويلجئون إليه جل وعلا في السراء والضراء، ويحمدونه على السراء، ويلجئون إليه في الضراء.
وأما أعداء الله فهم على أقسام عدة لكن لا يقال عدو: إلا لمن كفر بالله أصلاً, ولم يدخل الدين، ولم يؤمن بالله جل وعلا.
فهؤلاء رغم صنيعهم هذا إذا وقعوا في الكرب وحلت بهم النازلة وداهمهم الخطب لجئوا إلى الله جل وعلا، قال الله جل وعلا يصور حالهم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
وأما أولياء الله المتقون فهم يفزعون إلى ربهم جل وعلا في كل آنٍ وحين، والتوحيد مستقر في قلوبهم في البر والبحر، وفي العسر واليسر، وفي المنشط والمكره، وفي السراء والضراء، وهم في المساجد وخارجها، وما بين أهلهم وعند أقرانهم، وفي كل مكان يحلونه وكل زمان يدور عليهم، والتوحيد باق في قلوبهم، ويعلمون أنه لا ملجأ من الله جل وعلا إلا إليه.
وقد حققه يونس لفظاً وحالاً ومقالاً: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فاستجاب الله دعاءه، وأحسن الله عاقبته، وكشف الله كربه, وآمن له قومه، وقدمه الله جل وعلا أعظم تقديم، وذكره في الكتاب الكريم إلي يوم الدين.
فقدم توحيد الله جل وعلا وهو يستغيث بربه صلوات الله وسلامه عليه، وهذه سنن الأخيار وطرائق الأبرار.
وكما أن التوحيد منجي في الدنيا فهو منجي في الآخرة، يقول ﷺ كما في الصحيح وغيره: (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق، ينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، فيقول الرب جل وعلا له: يا هذا! أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: أتنكر مما ترى شيئاً؟ يقول: لا يا رب! فيقول الله جل وعلا له: إن لك عندنا بطاقة، فيقول: يا رب! وما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟ فيقول الحي الذي لا إله إلا هو: في البطاقة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيقول الرجل: يا رب! وما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟)، قال صلوات الله وسلامه عليه مخبراً وهو لا ينطق عن الهوى, قال: (فتوضع السجلات في كفه وتوضع البطاقة في كفه، فطاشت السجلات ورجحت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء).
قال العلماء ﵏ في شرح هذا الحديث: هذا دليل عظيم على أن هذا الرجل وإن كان فرداً قد حقق التوحيد في قلبه أعظم تحقيق، وآمن حقاً أنه لا إله إلا الله، وأنه لا ملجأ من الرب ﵎ إلا إليه، وهذه منازل في القلوب يتفاوت الناس فيها.
ألم يقل ﷺ : (إن رجل ممن كان قبلكم أوصى بنيه: أنني إذا مت فحرقوني، ثم ذروا رمادي في الفلاة والهواء، ففعل بنوه مثل الذي أوصى، فجمع الله جل وعلا ما تفرق منه، ثم أقامه بين يديه، فقال له ربه جل وعلا وهو أعلم: يا عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! مخافتك وخشيتك، فغفر الله جل وعلا له)، مع أن العمل الذي صنعه باطل باتفاق المسلمين، لكن صلحت نيته وعظمت خشيته من الرب ﵎، فحقق بنيته ما لم يحققه بعمله، والله جل وعلا يقول: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩].
وتوحيد الله جل وعلا مكمنه القلوب تطوى عليه الأفئدة، وتكنه الصدور، ويوم القيامة يتبين من بكى ممن تباكى، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣].
يدعى قوم إلى السجود كما أمر الله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، فيقبل الناس على ثلاثة طوائف: قوم يرفضون البتة, وهذا والعياذ بالله صنيع أهل الكفر.
وقوم يقبلون تصنعاً ورياء.
وقوم يقبلون تقرباً إلى الله جل وعلا.
فإذا كان يوم القيامة وكشف الرب جل وعلا عن ساقه خر أهل الموقف سجداً، وهم على ثلاثة طوائف: أما أهل الكفر فلا يسجدون أصلاً.
وأما أهل الإيمان جعلنا الله وإياكم منهم، فيسجدون ويمكنون من السجود، وهذا من دلالة قبول الله لسجودهم في الدنيا.
وآخرون -أعاذنا الله وإياكم- يهمون أن يسجدوا فيجعل الله جل وعلا أظهرهم طبقاً واحداً، فلا يتمكنون من السجود، فهؤلاء المنافقون الذين كانوا يسجدون لغير الله في الدنيا.
نعوذ بالله من الخذلان والحرمان.
стр. 197
من أعظم لوازم التوحيد محبة الله تعالى
وينبغي أن يعلم أن لهذا التوحيد لوازم، ولهذا التوحيد نور يقذفه الله في القلوب، ومن أعظم لوازم توحيد الرب ﵎: محبته جل وعلا محبة لا يقارن بها محبة غيره كائناً من كان، قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
فبين جل وعلا أن صفات عباده المتقين وأولياءه المؤمنين عظيم المحبة لربهم ﵎، وليس العجيب أن يحب العبد ربه، ولكن المؤمل والفوز والسعادة أن يحب الرب عبده، وإن عبداً أحبه الله لن تمسه النار أبداً.
قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] قال الله جل وعلا جواباً عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨].
قال العلماء في تفسيرها: لو كانوا أحباء الله لما عذبهم، وقد جاء في الأثر الصحيح: (إن الله لا يلقي حبيبه في النار).
وهذا لا يقع من أفراد الناس وآحاد العوام أنهم يعذبون من يحبون، فكيف يقع من رب العالمين الرحمن الرحيم جل شأنه وعز ثناءه؟! والمقصود: أن محبة الرب ﵎ تكون أولاً بمحبة العبد لربه جل وعلا، ومحبة العبد لربه هي المنزلة التي شمر إليها العاملون، وتنافس فيها أولياء الله المتقون، وتسابق فيها على مر الدهور وكر العصور الصالحون السابقون، فمحبته جل وعلا تنال بأداء الفرائض على أكمل وجه، ثم بإتيان النوافل، وفي الحديث القدسي الصحيح: (ومازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها).
وهذه الأربع كلهن كناية عن كمال التوفيق من رب العالمين ﷻ ، وإذا أحب الله عبداً وفقه في الدنيا والآخرة، ورزقه الشهادة عند الموت، ورزقه التوفيق وحسن الاختيار في طرائقه إلى الله جل وعلا، وألهمه الله الصبر على المحذور، وبين الله جل وعلا له الحرام فيتقيه، والواجب فيأتيه، والسنن فيسابق إليها، وأضاء الله جل وعلا له طريقه، وأنار الله جل وعلا له مسلكه، وساقه الله جل وعلا إليه سوقاً جميلاً.
ومحبة الله قال العلماء: إنما تنال بأن يحرص الإنسان على اتباع نبينا محمد ﷺ في أقواله وأفعاله وأخلاقه صلوات الله وسلامه عليه، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
فمن أكبر الدلائل وأجل القرائن على أن العبد يحب الله: حرصه على إتباع سنة محمد ﷺ أينما كانت وحيثما نزلت، فيتلبس بها في المنشط والمكره، والعسر واليسر، ويسابق في ذلك قرناءه وخلانه ومن يراهم من الناس؛ رجاء ما عند الله جل وعلا من الخير، لأنه لا يعدل بالفوز بمحبة الرب ﵎ شيئاً.
والعبد إذا أحب الله جل وعلا كان مهيئاً إلى أن يحبه الرب ﵎، وهذا أعظم لوازم توحيد الله، فإذا وقر في الإنسان محبة الله جل وعلا وفق، ودل ذلك على أنه معظم لله موحد لربه ، وهذه منزلة كلٌّ يدعيها، وكلنا يطلبها، ولكن الحياة ميدان عمل ومركب شامل يتسابق فيه الأخيار.
فتسابقوا أيها المؤمنون والمؤمنات! إلى ما يقربكم من الرب ﵎, فائتوا بالفرائض بلا توان، وتسابقوا في النوافل؛ عل الله جل وعلا أن يحبكم، فإن محبة الله جل وعلا منزلة وأي منزلة، وهي أعظم ما يطلبه الطالبون، وأجل ما يسعى إليه المؤملون؛ لأنها من أعظم نور يقذفه الله جل وعلا في قلوب الموحدين من عباده.
стр. 198
من كمال التوحيد الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى
أيها المؤمنون! ألا وإن من كمال التوحيد: أن تعلموا أن لله جل وعلا الأسماء الحسنى والصفات العلى، قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، ويتحرر من هذا أمران: أولهما: أن من أعظم الدلالة على تحقيق التوحيد دعاء الرب ﵎ في كل آن وحين؛ دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء بالحال ودعاء بالمقال.
فقد وقف نبيكم ﷺ وليس بينه وبين فراق الدنيا إلا بضعة أشهر، وهو يعلم ﷺ أن الأجل قريب، وأن الرحيل قد حان؛ لأن الله أنزل عليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، فوقف وليس بينه وبين الموت إلا قرابة سبعين يوماً أو أكثر، وقف ﷺ على ناقته القصواء يدعو الله جل وعلا في يوم عرفة, قال من رآه يدعو صلوات الله وسلامة عليه: رافعاً يديه كاستطعام المسكين صلوات الله وسلامة عليه، يدعو الله بلسانه ويدعو الله بحاله صلوات الله وسلامه عليه, فحقق التوحيد، وهو الدعاء هنا عبادة ومسألة، مقالاً وحالاً صلوات الله وسلامه عليه, ولا غرو في ذلك ولا عجب فهو ﵊ إمام الموحدين، وسيد المتقين، عليه من ربه أفضل صلاة وأتم تسليم.
فتحقيق هذا الأمر على كل آن وحين، وإظهارك لله جل وعلا فقرك ومسكنتك وحاجتك، إصرارك على الاستغفار، ومداومتك على السؤال، كل ذلك من أسباب قربك من الله جل وعلا.
ومن قرائن توحيدك لربك : عقدك لأناملك بالتسبيح، فتذكر الله وتهلله، ثم بين الفينة والفينة تقطع ذكرك بسؤال الرب جل وعلا من خيري الدنيا والآخرة، تقول كما قال الله في نعت الأخيار: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
وتتذكر ذنباً سابقاً فتذرف عيناك ويجل قلبك، وتزدلف إلى الله بأن يستر عليك في الدنيا والآخرة، وتذكر قريباً لك قد مات ولت أيامه وخلا زمانه فتسأل الله جل وعلا له؛ لعلمك أن الله جل وعلا يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.
وكم انتفع مقبور من دعاء حي على وجه الأرض، لا ما يصنع كثير من الناس اليوم في بعض البلدان من أنه يذهب إلى أهل القبور يرجو منهم نفعاً أو ضراً، وهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
والمقصود من ذلك: إذا تحقق عند العبد أن الله جل وعلا هو القادر، فإنه سيكثر من الدعاء والإلحاح على رب العالمين، وكلما ضعف يقين العبد بأن الله هو القادر قل دعاؤه، ونبضت مسألته، وقل التجاؤه إلى الله وسؤاله ربه ﵎، وهذه كلها قرائن تبين للعبد أين هو من مقام توحيد رب العالمين ﷻ .
هذا الذي يتحرر أولاً من مسألة الأسماء والصفات.
أما الذي يتحرر آخراً: فاعلم يا أخي! أن وجه الله جل وعلا أعظم الوجوه وأكرمها، وأن اسمه ﵎ أعظم الأسماء وأحسنها، وأن صفاته جل وعلا أعظم الصفات وأجلها، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وله جل وعلا صفات جلال وصفات جمال، فمن صفات جلاله جل وعلا وكماله أنه الحي الذي لا يموت، فأذل الله بالموت كل مخلوق، وأهان به الكياسرة والقياصرة، والملوك والأمراء، والأغنياء والفقراء وأهل المسكنة، والأنبياء والمرسلين، والأبرار والفجار، والمؤمنين والكفار، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فهو جل وعلا الملك الواحد المدبر المتصرف، يقول ﷺ في دعاءه: (أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت، والأنس والجن يموتون).
ومن علم أن الله أذل عبادة بالقهر علم أن العزة الكاملة للرب ﵎، بل ما من صفة كمال إلا والله جل وعلا له هذه الصفة، وما من صفة نقص إلا والله جل وعلا منزه عنها كل التنزه، فهو جل وعلا وتقدس، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣].
وتنزه فلم يتخذ صاحبه ولا ولداً، ولما قالت النصارى في ربها ﷻ : إن المسيح ابن الله، وقالت اليهود: إن عزيز ابن الله، وقال القرشيون عن الملائكة: بنات الله، بيّن الله جل وعلا أن هذا من أعظم الفرية وأجل الكفر، وأنه أمر ترتج له الجبال وترجف له الأرض، قال الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩١].
ثم قال جل وعلا يربي قلوب عباده، ويصفي أفئدة أولياءه، ويبين لخلقه جميعاً كمال غناه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢].
يتخذ الولد من يحتاج إلى المعين، ومن يحتاج إلى النصير، ومن يحتاج إلى من يسليه، ومن يحتاج إلى من يعضده، ولذلك فنعمة الولد عنصر كمال في المخلوق، لكن الله جل وعلا غني عن كل هذا، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢] لماذا يا ربنا؟ ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [مريم:٩٣]، وكل من ألفاظ العموم، فالملائكة والأنبياء والمرسلون، والجن والأنس وغيرهم ممن نعلم ومما لا نعلم ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
فلا يأتون وفق مشيئتهم، بل الله خلقهم وهو الذي يعلم عددهم، وهو الذي جبلهم على أن يأتوا بين يديه، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
ومثل هذه الآيات من وعيد القرآن وقوارعه، يرجف لها قلب المؤمن، وتجعله على بينه من ربه، يخشى لقاء الله ﵎، وبمثل هذا توعظ قلوب المؤمنين.
وإن من أعظم أخطاءنا في صحوتنا المباركة أن يلجأ الناس إلى الأناشيد أو المسارح أو التمثيليات يريدون أن يغيروا بها أفئدة الناس، فلا يغير القلب إلا كلام الرب ﵎، ثم كلام رسوله ﷺ .
وقد يرخص بعض العلماء باتخاذها في مواطن وسائل ترفيه مباحة، قد يقول هذا بعض الفضلاء من العلماء، لكن ينبغي على المؤمن أن يجعل قلبه لا يتأثر بشيء أعظم من كلام الله، ولا يقبل شيئاً أعظم بعد كلام الله من كلام رسوله ﷺ ، ألم يقل الله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦]؟! ألم يقل الله جل وعلا: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]؟! فالمؤمن ذو القلب الحي يطمئن قلبه إذا ذكر الرب ﵎.
جعلنا الله وإياكم ممن تطمئن قلوبهم بذكره سبحانه.
стр. 199
من أسباب رحمة الله كثرة الاستغفار
كما أنه ينبغي أن يعلم أن من أسباب رحمة لله جل وعلا: كثرة الاستغفار، يقول جل وعلا على لسان نبيه صالح: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]، فكثرة الاستغفار من أعظم أسباب أن تنزل على العبد رحمة الله جل وعلا.
стр. 200
من صفات الله أنه أرحم الراحمين
فمن صفات جماله ﷻ : أنه أرحم من سئل، وأكرم من أعطى، قال ﷺ : (إن الله كتب كتاباً فهو عنده تحت العرش: أن رحمتي غلبت غضبي، أو أن رحمتي تسبق غضبي).
والمؤمن إذا علم أن الله جل وعلا أرحم الراحمين علم بداهة أنه لا يهلك على الله إلا هالك، فلا يستقر عياذاً بالله في النار إلا من شقيت طينته، وساءت سريرته، وخبث معدنه، ولم يرد ما عند الله جل وعلا من الفضل، وإن كان قد أظهره للناس عياذاً بالله، على أن العاقل المؤمن الذي يرجو رحمة الله، يتخذ الأسباب التي تجعله قريب من رحمة الله يقول سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
فتوحيد الله هو ذروة الإحسان، وهو أعظم أسباب نزول الرحمة على العبد، ثم رحمة من حولنا من الناس: رحمتك لزوجتك، رحمتك لأولادك، رحمتك لجيرانك، رحمتك لمن تحت يديك في العمل في منزلك، أو من تحت يديك من موظفيك وأجرائك وعمالك ومن جعلهم الله جل وعلا تحت يديك, رحمتك لصغير عندما يسألك، وللجار عندما يطلبك، ولعامة المؤمنين عندما تكون لهم حوائج عندك، تصنعها وأنت تحتسب هذا الصنيع عند أرحم الراحمين جل جلالة، هذا من أعظم الدلائل على أن التوحيد مستقر في قلبك؛ لأنك إذا وحدت الله علمت له نعوت الجمال، وإذا علمت أن لله نعوت الجمال علمت أن من أعظم نعوت جماله جل وعلا صفة الرحمة، فإذا علمت أن من نعوت جماله صفة الرحمة سعيت إلى أن يرحمك الله جل وعلا وعلى أن يغيثك، يقول ﷺ : (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).
وقال صلوات لله وسلامه عليه: (الراحمون يرحمهم الله)، ويقول عليه الصلاة السلام: (ألا أخبركم وأنبائكم بأهل النار؟ كل جعضري جواض مستكبر)؛ لأنه لا توحيد كامل في قلبه، فيعنف هذا ويقسو على هذا، ويرد زوجته ولا يبيت إلا وقد أغضب أهله وأغضب أبنائه، وعق أمة أو عق أباه، أو صنع ما صنع بممن حوله، ثم يسأل لله جل وعلا الرحمة! والله جل وعلا ابتلاه واختبره بما علمه إياه، فلم ينجح في الابتلاء.
وأعظم ما يقربك إلى الله في صفة الرحمة رحمتك بوالديك؛ لأن الله جل وعلا لم يجعل لأحد من الخلق كلهم حق عليك أعظم من حق والديك، فحقهما عظيم مسطور في الكتاب ومسطور في السنة، وهما سبيلان عظيمان بأن تنزل عليك رحمة الرب ﵎.
стр. 201
من صفات الله تعالى أنه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد
كما أن من صفات جلاله جل وعلا: أنه ﵎ يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد, فيدبر الأمور، ويصرف الدهور، ويحكم ما يشاء، ولا ينازعه أحد كائن من كان في سلطانه.
ففي السماء عرشه، وفي كل مكان رحمته وعلمه وسلطانه، فهو جل وعلا يقول عن ذاته العلية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
قال أهل الفضل من العلماء: يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويستر عيباً، ويغني فقيراً، ويجبر كسيراً، ويقيم دولة، ويهلك أخرى، ويحي عبداً، ويميت آخر، فيحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وهذا كله من التوحيد الدال على كمال قدرته ﵎.
وقد خرجت بلقيس من أرض اليمن إلى أرض فلسطين خوفاً على ملكها، فمنحها الله جل وعلا الهداية، فهذا لا يقدر عليه إلا الله ﵎، وهو يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]، وهذا كله من كمال صفات الجلال له .
وأما صفات الجمال: فإن من أعظمها صفة الرحمة، قال الله جل وعلا يخاطب نبيه في قرآنه الذي يتلى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩]، قال بعض السلف: هذه أرجى آية في كتاب الله جل.
стр. 202
من صفات الله تعالى اللطف بعباده
ومن صفات جماله جل وعلا: صفة اللطف، وأنه جل وعلا لطيف بعباده، وقد قال العلماء: إن قدر الله لا ينفك عن لطفه، أو أن لطف لله لا ينفك عن قدرة.
فما من قدر ينزل على العبد إلا وفيه لطف من الله علمه العبد أو لم يعلمه، فعلى قدر تقبل العبد ورضاه بقدر الله يكون بعد ذلك توالي نعم لله بلطفه على عبده.
فهذا نبي لله يوسف أخرج من كنف أبيه المحب، ورمي في غيابة الجب، فهذا المقدور صحبه لطف لله أن الله جل وعلا أخرجه من غيابة الجب وأسكنه ردهات القصور، ثم ابتلي وأدخل السجن، وهذا المقدور رزقه الله جل وعلا معه لطفاً آخر أن كان سبباً في أنه يلتحق بالغلامين فيروا الرؤيا، ثم يكون تعبيره ثم يكون هذا اللطف سبباً في خروجه من السجن، وسبباً في حوزته على كرسي الوزارة، ولذلك قال ﵊ كما حكى الله عنه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠].
فمن صفات جماله جل وعلا: لطفه ﵎ بخلقه علم هذا من علمه وجهل هذا من جهله.
ومن صفات جماله جل وعلا: نصرته جل وعلا لأوليائه، والنصرة غير اللطف وإنما تأتي بعدها، وقد نصر الله جل وعلا بجماله وجلاله كثيراً من خلقه ممن حققوا التوحيد على أكمل وجه، وهذا باب مستفيض، كنصرته ﵎ لنبيه ﷺ في الغار وفي غيره، ونصرته جل وعلا لكليمه موسى، ونصرته لـ يوشع بن نون، وغير ذلك من أولياء لله الذين نصرهم الله جل وعلا في أكثر المواطن.
стр. 203
الأمور التي تخدش التوحيد
خاتمة المطاف أيها المؤمنون أن نقول:
стр. 204
مما يخدش التوحيد الرياء
إن التوحيد من أعظم العطايا، ومع ذلك فهناك ما يخدشه: ومن أعظم ما يخدشه أو قد يذهبه: الرياء، عافانا الله جل وعلا وإياكم منه، وهو الشرك الأصغر الذي يدب في هذه الأمة كدبيب النمل، والنبي ﷺ ارشد أمته أن تستغفر لله جل وعلا، وقد أثر عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول في السعي بين الصفاء والمروة: رب اغفر وارحم والطف وتكرم وتجاوز عما تعلم، إنك تعلم ما لا نعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.
فيدخل في قوله ﵁ وعن أبيه: إنك تعلم ما لا نعلم، قضيه ما يصنعه الإنسان رياء أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله، ولا شك أن المؤمن محتاج في كل آن وحين إلى أن يجدد نيته ويقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما تعلم).
стр. 205
مما يخدش التوحيد الغلو في الصالحين
الأمر الثاني مما يخدش فيه: قال بعض العلماء ﵏ كلمة في هذا الباب جامعه مانعه قال: إن من أعظم أوديه الباطل: الغلو في الأفاضل.
فيأتي الإنسان إلى عبد يرى عليه أمارات الصلاح من العلماء أو الدعاة أو الناصحين أو العباد أو ما أشبه ذلك، أو من الأنبياء المرسلين كل بدرجاته, أو من آل البيت أو من غيرهم فيغلو فيه غلواً يخرج الغالي من دين الله جل وعلا، أو على الأقل يخدش في دينه، ويخدش في توحيده، ويقلل من كمال عبوديته للرب ﵎.
وما رأيته من أحد فيه خير فلا تمدحه وهو يسمعك، فإن كان فيمن تراه خير فثق أن الله جل وعلا لن يضيعه، وإن كان الذي تراه ليس فيه خير فثق أنه لن يخفى على الله، فلا تشغل نفسك به ولا تغلو في أي أحد تراه: إما لجمال صوت، أو لمظهر بكاء، أو لبلاغه لسان، أو ما أشبه ذلك، فأحب بقدر وأبغض بقدر، فالأمور مطوية، والموعد الله، والانصراف إلى الجنة أو إلى النار, جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة.
والمقصود: أن من أعظم أوديه الباطل: الغلو في الأفاضل.
وأنتم تعلمون أن كثيراً أو بعضاً من طوائف المسلمين إنما ضلت وهلكت وبعضهم خرج من الدين بغلوهم في آحاد المؤمنين، وغلوهم في الأفاضل حتى بلغوا بهم منازل لم يعطها الله جل وعلا أحداً من الخلق، ثم نافسوا في أئمتهم منازل الرب, وهذا كله بدءوا به درجة درجة حتى انتهى بهم الأمر إلى ما وصلوا إليه، أعاذنا الله وإياكم من الغلو في الدين.
والمقصود أن المؤمن لا يعظم إلا ربه، وينظر إلى الخلق نظرة إنصاف، يقول: هذا ما أعلم، أو لا أعلم إلا خيراً، نسأل الله جل وعلا لفلان القبول، ولا يثني عليه أمام ملأ من الناس، ولا يبالغ في السلام عليه ولا في تعظيمه خاصة في المساجد؛ لأنها إنما بنيت وشرعت وأسست لأن يعظم الله جل وعلا وحده دون سواه.
هذان أمران مهمان فيما يخدش توحيد العبد لربه ﵎.
стр. 206
مما يخدش التوحيد الجهل بالرب تعالى
ومما يخدش التوحيد: الجهل بالرب ﵎ فيريد الإنسان أن يحسن فيسيء من حيث أراد الإحسان، فجهله بالعلم الشرعي يجعله يتلفظ ألفاظاً ويقول أقوالاً يحسب أنها صحيحة وهي بعيده عما بينه النبي ﷺ لأمته، ولهذا فالعلم الشرعي تجلو به الشبهات كما أن اليقين والإيمان بالله تزاح به الشبهات.
بلغنا الله وإياكم من الخير كله، عاجله وآجله, ووقانا الله وإياكم شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول ويتبع أحسنه.
وقد قلت في مقدمه كلامي: إنها هي موعظة أقرب منها إلى أن تكون محاضرة، وبلغة أقرب منها إلى أن تكون درساً، ولعل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم، ويستر علينا وعليكم في الدنيا والآخرة سبحان رب العزة عما يصفون، وسلا م على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 207
ذواتا أفنان
نعيم الجنة نعيم لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وقد جعل الله تعالى الجنة داراً لأهل طاعته، ومسكناً لأهل رحمته، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
من دخلها أمن، ومن نالها أفلح وفاز، فلا يصيبه هم ولا حزن، ولا نصب ولا وصب، ولا جوع ولا عطش، ولا مرض ولا سقم، ولا داء ولا علة، ويخلد فيها أبد الآبدين.
стр. 208
وقت دخول الجنة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تقدست عن الأشباه ذاته، دلت على وجوده آياته ومخلوقاته، خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزةً واقتداراً، سبق الأشياء علمه، ونفذت فيها مشيئته، وغلبت عليها حكمته، يقدم من يشاء بفضله، ويؤخر من يشاء بعدله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله، كما لا يعترض عليه ذو عقل بعقله.
وأشهد أن معالم الحق ومسالك الهدى وطرائق المجد جعلها الله وفق هدي نبينا الأمين الصادق الوعد، المولود في مكة والمسترضع في بني سعد، صلى الله وسلم عليه صلاةً وسلاماً دائمين ما اتصلت أذن بخبر وعين بنظر، وما أظل الناس برق ورعد.
أما بعد: عباد الله! فإن قول ربنا جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٨]، إنما هو بيان لما أعده الله جل وعلا لأوليائه الصالحين ممن خاف مقامه، وسلك طريقه من جنات النعيم.
الجنة أيها المؤمنون! نعيم لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، جعلها الله جل وعلا داراً لأهل طاعته، ومسكناً لأهل رحمته، نسأل الله في هذه الليلة المباركة الكريمة أن يجعلنا وإياكم من أهلها.
стр. 209
لا يكون دخول الجنة إلا بعد الموت
أيها المؤمنون! لقد مضت سنة الله جل وعلا في خلقه، وكلمته في عباده: أن أهل الجنة لن يدخلوها زمنياً إلا بعد حادثتين: الأولى: موت النفوس وفراقها للأجساد.
والثانية: انتهاء الدنيا وقيام الساعة والبعث والنشور، وبعد هذين زمناً يكون دخول أولياء الله المتقين وعباد الله الصالحين لجنات النعيم.
فأما الأولى: فإن الله جل وعلا قال في كتابه وقوله الحق: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤].
وكتب الله جل وعلا على هذه الأرواح أن تسكن الأجساد يوم يأتي الملك والنطفة مستقرة في رحم الأم فينفخ فيها، ثم تمكث ما شاء الله لها حتى يصبح العبد خلقاً آخر كما أخبر الله رب العالمين، ثم إذا كتب الله ساعة الفراق حضرت الملائكة كما حضرت في الأول لتنفخ في الرحم تحضر لتأخذ الأمانة التي أودعتها في ذلك الجسد، فتكون ساعة الوفاة.
وما أرَّقَ الصالحين، وأقض مضاجع المتقين إلا ساعة الإقبال على الله جل وعلا، فإن العبرة بالخواتيم، ويثبت الله من شاء على صراطه، ويبقي الله ﵎ من صدقت نيتهم على طريقه، قال أهل العلم ﵏: من صدق فراره إلى الله صدق قراره مع الله، فمن صدقت توبته وإنابته وأوبته إلى ربه صدق قراره وسيره وهديه على صراط الله حتى يلقى الله ﵎.
فهذا الهم أقض مضاجع المتقين من قبل، وأرق الصالحين من عباد الله؛ ولذلك سعوا أعظم ما سعوا في أن يختم الله جل وعلا لهم بخير.
ولما كان النوم أخو الموت كما أخبر نبينا ﷺ مضت السنة الفعلية والقولية أنه ﵊ كان إذا أضطجع وأراد أن ينام وضع يده تحت خده قائلاً: (باسمك اللهم أحيا وأموت)؛ رجاء أنه إذا قبض فإنه يقبض على اسم الله ﵎.
وفي الخبر الصحيح أنه ﷺ جاءته فاطمة ابنته وقد أتعبها كدها في بيتها ولم يكن لها خادم، فجاءت إلى بيته تبحث عنه وتسأله خادماً لما علمت أن سبياً أتاه، فلم تجده، فأخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم أخبرت أم سلمة، فلما قدم ﷺ وأخبرتاه زوجتاه بالأمر قدم ﵊ على علي وفاطمة كما عند البخاري وغيره وهما على فراشهما، فلما همّا بأن يقوما إليه أشار إليهما أن ابقيا على مكانكما؛ حفظاً لعوراتهما، ثم دنى منهما ﷺ وهو أعلم الناس بالشرع، فلما قصا عليه ما طلباه قال ﵊: (إلا أدلكما على خير من ذلك؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين فذلك تمام المائة).
فقد طلبا شيئاً من متاع الدنيا فدلهما ﵊ على ما ينفعهما في آخرتهما، حتى إذا قبض العبد وقد ذكر هذه الأذكار قبض على عمل صالح، ومن أجل ذلك خلصت نيات المؤمنين وصدقت مع ربهم؛ رجاء أن يقبضهم الله على خاتمة حسنة.
ومما يعين عليها: الإكثار من الأعمال الصالحات، فقلما أكثر عبد من عمل صالح إلا وتوفاه الله جل وعلا على ذلك العمل.
وقبل سنوات غير بعيدة كان في مسجد رسول الله ﷺ رجل من العامة يمني الجنسية لا يقرأ، فإذا دخل المسجد النبوي ورأى رجلاً خالياً من شغل أعطاه قرآناً في يده وقال له: أقرأ علي من كلام الله، فيمضي الرجل يقرأ وهذا العبد الصالح الأمي يستمع، فقضى أكثر عمره على هذا النحو، فلما أراد الله جل وعلا أن يقبض روحه -وربما كان ذلك العبد صادقاً مع مولاه والحكم على الظواهر- دخل الحرم ذات يوم فقدم المصحف لرجل جالس في الحرم فلما أخذ ذلك القارئ يقرأ وهذا العبد الصالح يستمع إليه مرا على آية سجدة، فسجد الاثنان فرفع الأول منهما وأما ذلك العبد الصالح فقبض الله روحه وهو ساجد في مسجد رسول الله ﷺ ، إنه لا يهلك على الله إلا هالك، فالصدق مع الله أعظم ما يرث فيه العبد الخاتمة الحسنة، وحسن الوفادة والإقبال على رب العالمين ﷻ .
ومن ينشد الخاتمة الحسنة ينبغي أن يكون سليم الصدر للمؤمنين، فليس في قلبه بغض ولا حقد ولا حسد ولا شحناء لأحد من المؤمنين؛ فإن كثرة الغل والحسد والبغضاء والشحناء لعباد الله أعظم ما يورث به سوء الخاتمة والعياذ بالله.
أورد ابن خلكان ﵀ في (وفيات الأعيان)، في ترجمة يوسف بن أيوب الهمداني أنه كان عبداً صالحاً محبوباً من الناس، فبينما هو ذات يوم في درسه إذا قام رجل من الصالحين ظاهراً يقال له: ابن السقا، وكان يحفظ القرآن وعنده شيء من الفقه، فقام ذلك الرجل يسأله مسائل يريد بها أن يسيء الأمر في حلقته، ويشغب عليه وجموع الناس حوله.
لما أكثر عليه قال يوسف بن أيوب لـ ابن السقا: اجلس فوالله إني لأشم من كلامك رائحة الكفر، وأظنك ستموت على غير ملة الإسلام، فمضت أيام قدم فيه وفد من ملك الروم إلى الخليفة، فلما خرج عائداً إلى القسطنطينية تبعه ابن السقا وذهب معه، واستقر به الأمر في تلك المدينة، فما لبث فيها أيام حتى تنصر والعياذ بالله وأعجبه ما عليه النصارى من دين، وخرج من ملة الإسلام فبقي فيها، وكان يحفظ القرآن، ثم قُدِّر لرجل من أهل بغداد أن يذهب إلى تلك البلدة لتجارة له فوجده مريضاً على دكة وبيده مروحة يذب بها الذباب عن نفسه، فقال له: يا ابن السقا! إني أعهد أنك تحفظ القرآن فهل بقي من القرآن في صدرك شيء؟ قال: لا، ولا آية إلا آية واحدة: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢]، نعوذ بالله من سوء الخاتمة.
وعمر رضي الله تعالى عنه قتل في محراب رسول الله ﷺ بخنجر ذي نصلين على يد أبي لؤلؤة، فلما حمل ﵁ وأرضاه وهو هو في علمه وجلالة قدره وصحبته وفضله وضع على الأرض، وشعر بدنو الأجل، فدخل الناس من الصحابة يثنون عليه، وكان فمن دخل عليه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فلما رآه أخذ ابن عباس يثني على عمر ويذكره بنصرته لرسول الله ﷺ ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه، وكان يعجبه كلام ابن عباس: أعد علي ما قلت، فلما أعادها قال: وإنني مع الذي تقول لو كان لي ملء الأرض ذهباً لافتديت به من هول المطلع.
كل ذلك داخل في سياق ما ذكرناه من أنه ما أهم الصالحين شيء أكثر من حسن الإقبال على الله جل وعلا، وهذا على حسب حال كل إنسان بخاصة نفسه.
стр. 210
لا يكون دخول الجنة إلا بعد الحشر والنشور
وأما على الجانب الآخر فإنه لن يدخل أهل الجنة الجنة إلا إذا قامت الساعة، وحشر الأشهاد وقام العباد لرب العالمين ﵎.
стр. 211
أشراط الساعة
وهذا لن يكون إلا إذا أراد الله جل وعلا، وسيكون كما أخبر الله، إلا أن الله جل وعلا جعل له أشراطاً وبين له علامات سنتقصاها حتى نصل إلى دخول المؤمنين إلى جنة رب العالمين ﷻ ، جعلني الله وإياكم ممن يزاحم على أبوابها.
стр. 212
من أشراط الساعة خروج المهدي
إن أعظم أشراط الساعة: خروج المهدي المنتظر، وهو عبد من ذرية نبينا ﷺ يواطئ اسمه اسم نبينا ﷺ ، فهو محمد بن عبد الله، وهو من ذرية الحسن بن علي على ما عليه أكثر المحققين من العلماء، وهو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، ويملك الأرض سبع سنين، ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، أخبر بذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 213
من أشراط الساعة خروج الدجال
فإذا خرج هذا العبد الصالح حارب الكفر والطغيان سنين، ويكون في أيامه خروج المسيح الدجال، وهو شاب عبد لله مهما بلغت فتنته في الناس؛ يخرج في آخر الزمان، وظاهر السنة أنه الآن حي يرزق كما جاء في حديث الجساسة من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه عند مسلم وغيره من أصحاب السنن، فيخرج هذا الرجل فتنة للناس، قال ﵊: (ما بين خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة هي أعظم من الدجال).
وقد حذر النبي ﵊ من يسمع به أن يخرج إليه، وكذلك المؤمن العاقل إذا سمع بالفتن فإنه يفر منها قدر الإمكان، فإذا ابتلي بها واجه ذلك بالبينات من مشكاة الوحيين من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال ﵊: (أنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، فإنه خارج فيكم لا محالة، وما من نبي قبلي نوح ومن بعده إلا وأنذر قومه إياه).
стр. 214
أمارات المسيح الدجال الخَلقية والخُلقية
وهذا الرجل له أمارات خلقية وأمارات خلقية.
فمن أعظم أماراته الخَلقية: أن عينه اليمنى كأنها عنبة طافية، فهو ممسوح العين والجبين الذي عليها، وبين عينيه ثلاثة أحرف: ك ف ر يقرأها كل مؤمن بنور الله، سواء كان يجيد القراءة أو لا يجيدها، ويغيب عن قراءتها كل كافر ومنافق، سواء أحسن القراءة أو لم يحسن.
وتلك الفتن إنما يهدي الله جل وعلا فيها، ويبين بنور الإيمان والتوحيد الذي في القلوب.
ويمكث في الأرض أربعين يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيامنا هذه، ويعيث يميناً وشمالاً، ويأمر الأرض الخربة أن تخرج كنوزها فتخرجها، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وقبل خروجه يكون جدب في الديار، وقلة في الأمطار، ومع ذلك يأمر الأرض أن تنبت فتنبت، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر؛ فتنةً من الله جل وعلا لعباده، ولهذا قال ﷺ : (إن خروج الدجال من أعظم الفتن).
وأرشد ﵊ المؤمنين إذا خرج بين ظهرانيهم أن يقرءوا عليه أوائل وفواتح سورة الكهف، قال بعض العلماء: إن المناسب في قراءة فواتح سورة الكهف على هذا الطاغية أن المؤمنين الفتية من أهل الكهف لما خرجوا وقاهم الله جل وعلا برحمته وفضله في الكهف يوم أن ضرب على آذانهم، فوقاهم الله جل وعلا شر الطاغية الذي كان في زمانهم، فمن قرأ من المؤمنين فواتح سورة الكهف أيام خروج الدجال يقيه الله جل وعلا -إن صدق النية مع الله- فتنة الدجال.
فيعيث في الأرض يميناً وشمالاً، وتحرم عليه مكة المدينة فلا يستطيع دخولهما، وفي حديث تميم بن أوس الداري أنه سئل عن نخل بيسان: أيثمر أو لا يثمر؟ فأجابوه: بأنه يثمر، قال: يوشك ألا يثمر، وسأل عن بحيرة طبرية: أفيها ماء أو ليس فيها ماء؟ فأخبروه أن ثمة ماء فيها، فأخبرهم أنه سيأتي يوم لا ماء فيها، وهاتان أمارتان على وقت خروجه وقد قلنا: إنه يخرج أيام المهدي فيقاتله المهدي، ويلقى المسلمون والصالحون من عباد الله آنذاك كرباً عظيماً الله جل وعلا أعلم به.
стр. 215
من أشراط الساعة نزول عيسى ابن مريم
ثم بعد ذلك وفي حرب المهدي مع الدجال ينزل عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه، فهي أشراط متتابعة يتبع بعضها بعضاً كالسبحة إذا انفرطت، فينزل عيسى ابن مريم واضعاً يديه على أجنحتي ملك، وقد قال في كتابه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨].
وذكره الله في الزخرف قائلاً: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١] أي: علامة وأمارة من أمارات الساعة.
وقال جل وعلا عن أهل الكتاب: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]، فينزل صلوات وسلامه عليه كأن في وجهه بللاً، وإن لم يترشح بالماء، فينزل فما أن يراه عدو الله الدجال حتى يذوب كما يذوب الملح في الماء، لكن عيسى يريد أن يطمئن المؤمنين أن هذا عبد خاسئ لا يملك من صفات الألوهية شيء، فيقتل عيسى الدجال بحربة كانت في يده؛ ليري المسلمون دمه ويطمئنوا على أن عدو الله قد هلك، فيمكث عيسى والمؤمنون الذين معه ما شاء الله جل وعلا لهم أن يمكثوا.
следующие страницы →