Полный текст (797 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أشراط الساعة
وهذا لن يكون إلا إذا أراد الله جل وعلا، وسيكون كما أخبر الله، إلا أن الله جل وعلا جعل له أشراطاً وبين له علامات سنتقصاها حتى نصل إلى دخول المؤمنين إلى جنة رب العالمين ﷻ ، جعلني الله وإياكم ممن يزاحم على أبوابها.
стр. 212
من أشراط الساعة خروج المهدي
إن أعظم أشراط الساعة: خروج المهدي المنتظر، وهو عبد من ذرية نبينا ﷺ يواطئ اسمه اسم نبينا ﷺ ، فهو محمد بن عبد الله، وهو من ذرية الحسن بن علي على ما عليه أكثر المحققين من العلماء، وهو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، ويملك الأرض سبع سنين، ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، أخبر بذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 213
من أشراط الساعة خروج الدجال
فإذا خرج هذا العبد الصالح حارب الكفر والطغيان سنين، ويكون في أيامه خروج المسيح الدجال، وهو شاب عبد لله مهما بلغت فتنته في الناس؛ يخرج في آخر الزمان، وظاهر السنة أنه الآن حي يرزق كما جاء في حديث الجساسة من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه عند مسلم وغيره من أصحاب السنن، فيخرج هذا الرجل فتنة للناس، قال ﵊: (ما بين خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة هي أعظم من الدجال).
وقد حذر النبي ﵊ من يسمع به أن يخرج إليه، وكذلك المؤمن العاقل إذا سمع بالفتن فإنه يفر منها قدر الإمكان، فإذا ابتلي بها واجه ذلك بالبينات من مشكاة الوحيين من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال ﵊: (أنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، فإنه خارج فيكم لا محالة، وما من نبي قبلي نوح ومن بعده إلا وأنذر قومه إياه).
стр. 214
أمارات المسيح الدجال الخَلقية والخُلقية
وهذا الرجل له أمارات خلقية وأمارات خلقية.
فمن أعظم أماراته الخَلقية: أن عينه اليمنى كأنها عنبة طافية، فهو ممسوح العين والجبين الذي عليها، وبين عينيه ثلاثة أحرف: ك ف ر يقرأها كل مؤمن بنور الله، سواء كان يجيد القراءة أو لا يجيدها، ويغيب عن قراءتها كل كافر ومنافق، سواء أحسن القراءة أو لم يحسن.
وتلك الفتن إنما يهدي الله جل وعلا فيها، ويبين بنور الإيمان والتوحيد الذي في القلوب.
ويمكث في الأرض أربعين يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيامنا هذه، ويعيث يميناً وشمالاً، ويأمر الأرض الخربة أن تخرج كنوزها فتخرجها، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وقبل خروجه يكون جدب في الديار، وقلة في الأمطار، ومع ذلك يأمر الأرض أن تنبت فتنبت، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر؛ فتنةً من الله جل وعلا لعباده، ولهذا قال ﷺ : (إن خروج الدجال من أعظم الفتن).
وأرشد ﵊ المؤمنين إذا خرج بين ظهرانيهم أن يقرءوا عليه أوائل وفواتح سورة الكهف، قال بعض العلماء: إن المناسب في قراءة فواتح سورة الكهف على هذا الطاغية أن المؤمنين الفتية من أهل الكهف لما خرجوا وقاهم الله جل وعلا برحمته وفضله في الكهف يوم أن ضرب على آذانهم، فوقاهم الله جل وعلا شر الطاغية الذي كان في زمانهم، فمن قرأ من المؤمنين فواتح سورة الكهف أيام خروج الدجال يقيه الله جل وعلا -إن صدق النية مع الله- فتنة الدجال.
فيعيث في الأرض يميناً وشمالاً، وتحرم عليه مكة المدينة فلا يستطيع دخولهما، وفي حديث تميم بن أوس الداري أنه سئل عن نخل بيسان: أيثمر أو لا يثمر؟ فأجابوه: بأنه يثمر، قال: يوشك ألا يثمر، وسأل عن بحيرة طبرية: أفيها ماء أو ليس فيها ماء؟ فأخبروه أن ثمة ماء فيها، فأخبرهم أنه سيأتي يوم لا ماء فيها، وهاتان أمارتان على وقت خروجه وقد قلنا: إنه يخرج أيام المهدي فيقاتله المهدي، ويلقى المسلمون والصالحون من عباد الله آنذاك كرباً عظيماً الله جل وعلا أعلم به.
стр. 215
من أشراط الساعة نزول عيسى ابن مريم
ثم بعد ذلك وفي حرب المهدي مع الدجال ينزل عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه، فهي أشراط متتابعة يتبع بعضها بعضاً كالسبحة إذا انفرطت، فينزل عيسى ابن مريم واضعاً يديه على أجنحتي ملك، وقد قال في كتابه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨].
وذكره الله في الزخرف قائلاً: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١] أي: علامة وأمارة من أمارات الساعة.
وقال جل وعلا عن أهل الكتاب: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]، فينزل صلوات وسلامه عليه كأن في وجهه بللاً، وإن لم يترشح بالماء، فينزل فما أن يراه عدو الله الدجال حتى يذوب كما يذوب الملح في الماء، لكن عيسى يريد أن يطمئن المؤمنين أن هذا عبد خاسئ لا يملك من صفات الألوهية شيء، فيقتل عيسى الدجال بحربة كانت في يده؛ ليري المسلمون دمه ويطمئنوا على أن عدو الله قد هلك، فيمكث عيسى والمؤمنون الذين معه ما شاء الله جل وعلا لهم أن يمكثوا.
стр. 216
من أشراط الساعة خروج يأجوج ومأجوج
فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ثم في تلك الأيام يوحي الله جل وعلا إلى عيسى: أنني أخرجت عباداً ليس لأحد بهم قوة، يريد الله قبائل يأجوج ومأجوج من نسل يافث بن نوح على نوح الصلاة والسلام، وهم في ردم بناه عليهم ذو القرنين كما قال الله جل وعلا عنه: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٦ - ٩٧]، وهم قبائل لا يحصي عددهم إلا الله جل وعلا، فيخرجون في آخر الزمان، وهم ما يزالون ساعين في أن يفتحوا ذلك الردم.
وقد دخل ﵊ كما عند مسلم وغيره على زينب بنت جحش قائلاً: (ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج وحلق ﷺ بين أصبعيه الإبهام والسبابة)، فهذا يدل على أنهم ساعون في حفره لكن الله جل وعلا كلما حفروا شيئاً منه رد الله جل وعلا ما حفروه على ما كان؛ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فلما يأتي اليوم الذي يأذن الله جل وعلا لخروجهم فيخرجون، قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٦ - ٩٧]، فيخرجون يعيثون في الأرض فساداً، فيفر عيسى والمؤمنون الذين معه إلى جبل الطور من أرض سيناء، ويمكث هؤلاء يفسدون في الأرض، فيشربون بحيرة طبرية، يشربها أولهم ولا يبقى لآخرهم شيء، ويعيثون في الأرض فساداً.
ثم إنهم لما لم يبق لأحد من أهل الأرض بهم يدان يرمون النشاب إلى السماء فيرد الله رأس الرمح أحمر فتنة لهم، فإذا رأوه أحمر قالوا: قهرنا أهل الأرض وغلبنا أهل السماء.
ثم إن عيسى ﵊ يدعو الله جل وعلا عليهم فيستجيب الله له، فيبعث الله جل وعلا على رقابهم دوداً يكون هلاكهم على يديه، فيموتون فرسى كأنهم نفس واحدة، فسبحان ربك الذي يحيي ويميت، ويبدي ويعيد، ولا يبقى إلا ملكه، ولا ذلة إلا بين يديه، ولا عزة إلا بطاعته.
فيموتون فرسى كموت رجل واحد، فلما ينزل عيسى والمؤمنون الذين معه يدعو الله جل وعلا عليهم كرة أخرى، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت تحملهم وتلقيهم في البحار، ثم ينزل الله جلا وعلا مطراً لا لأهل زرع ولا لأهل ضرع، وإنما ليغسل الأرض من نتنهم وزهمهم، فتصبح الأرض بيضاء نقية.
فإذا نزل عيسى والمؤمنون الذين معه لا يعبد في تلك الفترة إلا الله جل وعلا، ولا يبقى على ظهر الأرض كافر؛ لأن عيسى يخيرهم بين القتل والإيمان، فتوضع الجزية، ويكسر الصليب، ويعيش الناس كأنعم ما يعيشون على وجه الأرض، قال ﷺ : (طوبى للعيش بعد المسيح، طوبى للعيش بعد المسيح، كل ذات حمة - أي: كل ذات بغضاء وشحناء وحقد وشر - ينزعها الله جل وعلا من قلبها).
حتى أخبر ﷺ وهو الصادق المصدوق: (أن الطفل الوليد الرضيع يضع أصبعه في فم الحية فلا تضره ولا تعضه، ويتعرض الوليد الصغير للأسد فلا يضره أبداً، ويكون الذئب بين الغنم كأنه كلبها، ويأمر الله جل وعلا الأرض أن تخرج بركتها، وأن تنبت ثمرتها، فلو أن عبداً من عباد الله غرس حبة على الصفا على صخرة ملساء لأنبت الله جل وعلا غرسها)، وكل ذلك بأمره ﵎، فيكون الناس على هذا ما شاء الله لهم أن يكونوا.
ثم يقبض نبي الله ﵎ عيسى ﵊، ثم يقبض المؤمنون، فأرواح المؤمنين تقبض شيئاً فشيئاً، ويقل الخير في الناس، ويقبض الأخيار، ويبدأ الإسلام يوشى كما يوشى الثوب، يعني: يذهب شيئاً فشيئاً، ويسرى على القرآن في ليلة واحدة فلا تبقى على ظهر الأرض آية، ويأتي ذو السويقتين من أرض الحبشة إلى الكعبة فيهدمها ويقلعها حجراً حجراً، ويستخرج كنوزها، ويسلبها حليها ولا يبقي منها شيئاً، ولا تؤم الكعبة بعده ولا تحج، ولا يؤدى فيها عمرة ولا حجة، فتهدم الدنيا تدريجياً على هذا، حتى تخرج الدابة كما قال الله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]، فتخطم الناس وتسمهم على خراطيمهم، فينشأ الناس بعد ذهابها فيشب الصغير ويصبح كبيراً، فإذا باع ثوباً أو اشتراه فسئل من اشتراه منه: ممن اشتريته؟ قال: اشتريته من ذلك الرجل المخطوم، أي: الذي خطمته الدابة ووسمته.
стр. 217
من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها
فيستمر الناس على هذا حتى تأتي الشمس تستأذن ربها كما تستأذنه كل يوم أن تخرج وتطلع على الناس من المشرق فلا يأذن العلي الكبير لها، فتطلع على الناس من المغرب، فإذا رآها الناس آمنوا وقت لا ينفع الإيمان، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، يومها يغلق الله جل وعلا باب التوبة، فلا يتوب الله جل وعلا بعد طلوع الشمس من مغربها على أحد، فيمكث على الأرض شرار خلق الله بعد أن يقبض الله أرواح المؤمنين.
стр. 218
النفخ في الصور وحال الناس بعد ذلك
وبعد أمور وأمور يأمر الله جل وعلا ملكاً يقال له: إسرافيل أن ينفخ في الصور فينفخ، فإذا نفخ إسرافيل صعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يمكثون أربعين يوماً أو شهراً أو سنة، ثم بعد ذلك يأمر الله إسرافيل أن ينفخ كرة أخرى فينفخ، فإذا نفخ ما من روح أودعت في مكان ما: إن كانت في عليين أو كانت في سجين إلا وخرجت من مكانها وعادت إلى الجسد الذي خرجت منه، فيخرج الناس كما يستيقظ النائم اليوم من نومه، قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢].
فيخرجون حفاة عراة غرلاً بُهماً إلى أرض بيضاء نقية.
وقد جاء حبر من أحبار يهود فقال: (يا أبا القاسم! أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ قال: هم في ظلمة دون الجسر، قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين؟ قال: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليها بعدئذ؟ قال: عين فيها تسمى سلسبيلاً).
وفي يوم العرض أيها المؤمنون تتقطع الصداقات والقرابات وسائر العلاقات من نسب أو رحم، قال الله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال سبحانه: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١].
ويوم العرض أيها المؤمنون تهتك فيه الأستار، وتظهر فيه الأسرار، قال الله جل وعلا: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٥ - ١٦]، فيكون خليل الله إبراهيم ﵊ أول من يكسى من الخلائق؛ لأن الخلائق يحشرون عراة، ثم بعد ذلك الصالحون الأمثل فالأمثل، حتى يكون الناس على استعداد للعرض والحساب.
وتدنو الشمس ويلجمهم العرق، وتكون أمور عظام منها الحوض والصراط والميزان، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
ثم ينصب الصراط على ظهراني جهنم فيمر عليه الناس كل على قدر عمله، فمنهم من يمشي مشياً، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم والعياذ بالله من تختطفه كلابيب جهنم، قال الله جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٩ - ٧٢].
فالله تعالى لم يقل: ونرمي الظالمين فيها جثياً، بل قال سبحانه: (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ)، فمجرد أن يخذلهم الله ويتركهم يكفي أن يكون سبباً في أن يلقوا في جهنم، نعوذ بالله من الحرمان والخذلان.
стр. 219
دخول الجنة للمتقين
بعد ذلك أيها المؤمنون يأتي بيت القصيد من المحاضرة: يأتي المؤمنون الأتقياء الذين جاوزوا جسر جهنم، كما قيل للإمام أحمد: متى يستريح المؤمن؟ قال: إذا خلف جسر جهنم وراء ظهره.
فتقرب إليهم الجنة، فإذا رأوها ذهبوا إلى أبيهم آدم فقالوا: يا أبانا استفتح لنا الجنة؟ فيقول ﵊: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، فيدفعها عن نفسه، فيأتي نبينا ﷺ فيطرق باب الجنة، فيقول له الخازن: من أنت؟ فيقول: أنا محمد، فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك، فيكون ﷺ أول من يدخلها من سائر الناس، وأول من يدخلها من هذه الأمة أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
والجنة أيها المؤمنون نور يتلألأ، ونهر مضطرد، ونعيم لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وقد كان عباد الله الصالحين في الدنيا يسألونها الله ليلاً ونهاراً، قال الله : ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان:١٦]، وذكر الله خليله وصفيه وحبيبه إبراهيم بقوله: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥]، ووقف أعرابي على النبي ﷺ وهو يدعو هو ومعاذ رضي الله تعالى عنه، فقال الأعرابي: (أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ولكني أسأل الله الجنة، وأستجير به من النار، فقال ﷺ : حولها ندندن) أي: حتى نحن نسأل الله الجنة ونستجير به النار.
فإذا دنت الجنة منهم فتحت أبوابها، وأبواب الجنة ثمانية، وما بين مصراعي كل باب مسيرة خمسمائة عام، وليأتين عليها يوم -مع اتساعها هذا- وهي كضيضة من الزحام، جعلنا الله وإياكم ممن يدخلها آمناً.
стр. 220
طوائف أهل الجنة
وأهل الجنة أيها المؤمنون طوائف، فمنهم من دخل الجنة قبل يوم القيامة، كآدم وحواء والشهداء من المؤمنين ومؤمن آل ياسين، قال الله جل وعلا: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، وقال سبحانه عن مؤمن آل ياسين: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
وأما أول من يدخلها بعد يوم القيامة فكما بينا هو نبينا ﷺ ، سيد كهولها أبو بكر وعمر، قال ﵊ في حديث حسن إسناده بعض العلماء: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، وسيدا شبابها الحسن والحسين) رضوان الله تعالى عليهما.
قال ﵊: (إن ملكاً استأذن ربه أن يأتيني ويبشرني بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).
من نساءها المنعمات خديجة بنت خويلد , وآسية بنت مزاحم، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، فهؤلاء الأربع سيدات نساء أهل الجنة على الإطلاق كما أخبر نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
وممن كتب الله لهم دخولها ممن أخبرنا الله ورسوله ﷺ عنهم العشرة المبشرون من أصحاب نبينا ﵊، وقال العلماء: إنه لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، فجميع من كان في بيعة الرضوان في غزوة الحديبية يدخل الجنة برحمة الله جل وعلا وفضله كما صح الخبر عن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
أيها المؤمنون! إن الجنة نعيم لا ينفذ، وقرة عين لا تنقطع، لهم فيها أطيب المساكن، يدخلونها على طول أبيهم آدم ستون ذارعاً في السماء، جرداً مرداً مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين، وجرداً، أي: لا شعر على أجسادهم، ومرداً: أي لا شعر على وجوههم، أبناء ثلاث وثلاثين، قيل: إنها السن التي رفع فيها عيسى ﵊، وطول أبيهم آدم يوم خلقه الله كان ستين ذراعاً صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 221
نعيم الجنة
فمن يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت، ولا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم، لهم فيها أعظم النعيم وأجل العطايا من رب كريم، تجري من تحتهم الأنهار، وترفرف حولهم الأطيار، ويناديهم ربهم جل وعلا كما قال سبحانه، ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، وينحر لهم أول ما يدخلون ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، ولهم فيها شراب ونعيم، وأنهار من عسل مصفى، وأنهار من لبن، وأنهار من ماء غير آسن، وغير ذلك من لذات النعيم، كما قال الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
وأما أعظم ما يعطيهم الله جل وعلا إياه: فلذة النظر إلى وجهه الكريم، مع رضائه الذي لا سخط بعده، وليس بعد هذين العطائين عطاء أبداً.
صح عنه ﷺ أنه قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل مازيننا ألم يبيض وجوهنا ألم يجرنا من النار ألم يدخلنا الجنة؟! فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم ﵎، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم هو أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله ﵎.
стр. 222
أسباب دخول الجنة
يبقى أيها المؤمنون السؤال الأعظم: ما السبب في دخول الجنة؟
стр. 223
من أسباب دخول الجنة الإيمان والعمل الصالح
جملةً: الإيمان والعمل الصالح، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨].
стр. 224
تفاوت الناس في دخول الجنة
وأهل الجنة كما قلنا درجات: فأول من يدخلها من عامة الناس: فقراء المهاجرين؛ لأن الفقر من أعظم أنواع الابتلاء، قال ﷺ كما روى الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (يأتي فقراء المهاجرين يستفتحون باب الجنة فيقول لهم خزنتها: أوقد حوسبتم؟ فيقول هؤلاء الفقراء: وعلى أي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا نجاهد في سبيل الله، فيدخلون الجنة فيقيلون فيها: أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس).
وممن يدخل الجنة: مؤمنون كتب الله لهم الجنة بلا حساب ولا عذاب، جعلنا الله وإياكم منها.
ومنهم من يرزقون شفاعة نبينا ﷺ .
ومنهم من يرزقون شفاعة أهليهم من العلماء والشهداء والصديقين، أو من الملائكة المقربين.
ومنهم من يمن الله جل وعلا عليه برحمته، فيدخله الجنة بشفاعة الله ﵎ ذاته.
стр. 225
الذين يحرمون من دخول الجنة مع توحيدهم
стр. 226
الكبر من الأمور التي تمنع العبد من دخول الجنة
ومنهم من يحرم من دخول الجنة ابتداءً، قال ﷺ : (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فهؤلاء وإن كانوا موحدين إلا أن ما في قلوبهم من الكبر يمنعهم من دخول الجنة.
وقد صح عنه ﷺ كما ثبت أن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما التقيا عند المروة في مكة فتحدثا قليلاً ثم مضى عبد الله بن عمرو، فلما مضى بكى عبد الله بن عمر فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إن هذا -وأشار إلى عبد الله بن عمرو ﵁ أخبرني أنه سمع النبي ﷺ يقول: (من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر كبه الله على وجهه في النار).
فالكبر الذي في الصدور والعياذ بالله أعظم ما يحول بين العبد وبين دخول جنات النعيم، والمؤمن إذا عرف أن الله جل وعلا ذم الكبر وأهله، وأنه ﵎ أمر سيد الخلق وصفوة الرسل قائلاً: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧] تواضع كما أمره الله جل وعلا أن يتواضع؛ لأن الكبر والعياذ بالله يسوق العبد إلى كثير من المعاصي والإفساد في الأرض.
стр. 227
الظلم من الأمور التي تحرم العبد من دخول الجنة
ممن يحرم من دخول الجنة وإن كان من الموحدين: الظلمة من العباد، قال ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس)، قال بعض العلماء: وإنهم في زماننا هذا.
قال صديق حسن خان ﵀: بل هم في كل الأمصار والأعصار، وغالباً ما يكونون من ذوي الجاه والقدرة والأعيان الذين يكون لديهم أعوان وقدرة على الظلم، ومعهم ما معهم يضربون به الخلق.
إن الظلم أيها المؤمنون حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرماً، ولأن تلقى الله بكل ذنب دون الشرك أهون من أن تلقاه بظلمك لعباد الله ﵎، قال سبحانه: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣].
جاء رجل إلى مالك ﵀ فقال: يا أبا عبد الله! إنني أعمل عند أناس ظالمين: يظلمون الناس ويجلدونهم بغير وجه حق، وأنا أعمل عندهم خياطاً أحيك لهم الثياب أفأنا من الذين ركنوا إلى الذين ظلموا؟ فقال مالك ﵀: بل أنت منهم، فقال: يا مالك؟ ومن إذاً الذين ركنوا إلى الذين ظلموا؟ قال: يا أخا العرب! الذين ركنوا إلى الذين ظلموا من باعك الخيط الذي تخيط به لهؤلاء.
فالمؤمن يتحرر من كل ما فيه ظلم للعباد، وقد يظن إنسان إن الظلم إنما يكون محصوراً في فئة من الناس، وهذا غير صحيح، فكل من كان تحت يدك وجعل الله جل وعلا لك سلطة عليه فظلمته وبخسته حقه: من زوجة، أو ولد، أو طالب في المدرسة، أو موظف تحت إدارتك، أو أجير، أو عامل، أو خادمة أو سائر ذلك، فظلمته ونهرته وضربته بغير وجه حق دخلت فيمن قال فيهم ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما).
стр. 228
من المحرومين من دخول الجنة الكاسيات العاريات المائلات المميلات
وأما الصنف الآخر فقد قال ﷺ : (ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، عليهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها).
قال العلماء: للجنة ريح عبقة زكية يتلاقها المؤمنون، فإذا كان هؤلاء النساء على هذا الوضع مما هو مشاهد في زماننا هذا في الفضائيات في الأفلام والأغاني ومشاهد في كثير من الأسواق ومشاهد في كثير من صالات الأفراح ومشاهد في كثير من الطرقات نساء والعياذ بالله تحررن من عبودية الخالق إلى عبودية المخلوقين، وأصبحن -أردن أم أبين- أداة لأعداء الدين يلعبون بهن كيفما شاءوا، والمؤمنة التي تعلم أنها ستلقى الله جل وعلا تعلم أن الله جل وعلا فرض عليها حجاباً شرعياً، وخير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال.
ولقد بذل كثير من علماء المسلمين المعاصرين والسابقين بذلوا كثيراً من علمهم ووقتهم في تبيين الحجج للناس، ودمغ حجج الظالمين ممن يزينون للنساء ترك الحجاب، ويدعون عياذاً بالله إلى التبرج السفور مما حرمه الله جل وعلا ونهى عنه.
فالمؤمنة التقية التي تؤمن بملاقاة الله، وتعلم يقيناً أنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] تخشى الله جل وعلا فيما تلبسه، وتتقي الله ﵎ فيما ترتديه، ولا تكون فتنة لشباب المسلمين أينما كانوا وحيثما نزلوا.
فهذه الطائفة محرومة من دخول الجنة.
стр. 229
قتل النفس من الأمور التي تحرم العبد من دخول الجنة
ومنهم: كما ﷺ عن ربه جل وعلا: (عبد بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة) أي: ممن يموت انتحاراً، فمن مات انتحاراً حرم الله جل وعلا عليه الجنة ابتداءً، ولا يعني هذا أنه لا يدخلها أبداً فقد يغفر الله جل وعلا له؛ لأن الانتحار رغم أنه أمر من كبائر الذنوب وعظائم المعاصي ونهى الله جل وعلا عنه قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] لكنه ذنب لا يخرج من الملة، ولا يخرج العبد من حظيرة الإسلام، فمن ابتلي أحد قرابته بشيء من هذا فليصبر ولله الأمر من قبل ومن بعد، ويصلى عليه، إلا أنه لا يصلي عليه الإمام الأكبر أو نائبه ويدفن، في مقابر المسلمين كما بين أهل العلم ﵏.
فهذه هي الأمور التي تحول بين العبد وبين دخول الجنة.
стр. 230
الأمور التي تجعل الإنسان يدخل الجنة
وأما التي تجعل العبد أهلاً لأن يدخل الجنة فينبغي أن نعلم ابتداءً أن الجنة ليست ثمناً للعمل الذي صنعته، وإنما هي فضل من الله وجزاء منه، وفرق بين أن يكون الشيء عوضاً وثمناً، وبين أن يكون الشيء سبباً في رحمة الله جل وعلا.
وأعظم ما يكون سبباً في دخول الجنة: الخوف من مقام الله ﵎ وتقواه، قال الله ﵎: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠]، وذكر الله الجنة ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤].
والخوف من مقام الله كل يدعيه، وكل ينتسب إليه لكن الأعمال غالباً ما تكون شواهد على ما في القلوب.
ومن أعظم ما يدل على الخوف من مقام الله: الإئتمار بأمره، والانتهاء عما نهى الله ﵎ عنه، والبعد عن محارمه، والكف عن معاصيه، وقيام فلق الأسحار، فإن قيام الليل من أعظم الشواهد على أن العبد يخاف مقام ربه ﵎؛ إذ قل ما يترك إنسان فراشاً وثيراً، وزوجة محببة إليه، أو رفقة من الإمكان أن يأوي إليهم فيترك ذلك كله وينزوي في بيته في وضع مظلم، أو نور خافت يقف بين يدي ربه، يتلو كتاب الله وآياته، ويتوسل إلى الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجيره من النار، ويدخله الجنة إلا وهو عبد قد خاف مقام الله ﵎، قال الله ﵎: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
стр. 231
كفالة الأيتام من أسباب دخول الجنة
مما يكون سبباً في دخول الجنة: كفالة الأيتام، فالله ﵎ يبتلي بالموت فيبقي هذا ما شاء الله له أن يبقيه، ويقبض روح هذا ويترك وراءه ذرية، فنقول لمن يخشى أن يموت عن ذريته: إنه لا ذخر لأبنائك من بعدك أعظم من عمل صالح تتقرب به إلى الله، فإن الله أخرج موسى والخضر يطويان البحار والقفار حتى وصلا إلى جدار ليتيمين، فلما بنياه قال الله جل وعلا على لسان الخضر: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢]، فقد يكون العبد الصالح في قبره لا يستطيع أن يخرج فينفع أبنائه؛ لأنه صلاحه الذي سبق، وذكره الذي فات يجعله الله جل وعلا ذخراً لبنيه من بعده، فيسخّر الله جل وعلا لأولئك اليتامى خلقاً، ويسوق الله جل وعلا إليهم عباده، ويحنن الله ﵎ عليهم أوليائه، فيخدمون أكثر مما يخدمون لو كان أبوهم حياً.
وكفالة اليتيم من أعظم الذخر الذي يدخره العبد عند لقاء الله جل وعلا، قال ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وجمع ﵊ بين أصبعيه السبابة والوسطى)، وقال صلوات الله وسلامه عليه كما في المسند بسند صحيح: (خير بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه).
стр. 232
طاعة الوالدين من أسباب دخول الجنة
مما يكون سبباً في دخول الجنة: طاعة الوالدين، فالزمهما فثم الجنة، وطاعة الوالدة على وجه الخصوص، في الحديث: (قال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك)، فبر الوالدين والصبر على ما يناله الإنسان منهما من أذى خاصة إذا كبرا، وأن يوقف الإنسان وقته عليهما، فيخدمهما في المنشط والمكره، ويقوم بشئونهما، ويرعاهما، ويغض طرفاً عما قد يبدر منهما من الأفعال السيئة، كل ذلك من أعظم أسباب دخول الجنة، والقرب من رب العالمين.
وقد بينا مراراً في محاضرات سلفت ومضت: أن موسى ﵊ سأل ربه أن يريه عبداً كتب الله له أن يكون رفيقاً لموسى في الجنة، فأوحى الله جل وعلا إليه: إن عبدي فلاناً كتبت له أن يكون لك رفيقاً في الجنة، فتبع موسى ذلك العبد ليرى ما الذي يصنعه؟ فوجد ذلك الرجل من بني إسرائيل يعمد إلى كهف فيه أم له عجوز قد بلغت من الكبر عتياً وهو يطعمها ويسقيها ويقوم على خدمتها، فلما خرج منها سأله موسى: من هذه؟ قال: هذه أمي، قال: وما تصنع لها؟ قال: أطعمها وأسقيها وأقوم على خدمتها، قال: فهل تجزيك أمك على ما تصنعه لها شيئاً؟ قال: لا، إلا أنني كثيراً ما أسمعها تقول: اللهم اجعل ابني هذا رفيق موسى بن عمران في الجنة، فقال موسى ﵊: أنا موسى بن عمران وقد أوحى الله جل وعلا إلي أن الله استجاب دعوة أمك، فأنت رفيقي في الجنة.
فبدعاء الوالدين وبرهما وغض الطرف عما يكون منهما ينال الإنسان جنات النعيم.
стр. 233
مما ينال به الجنة ذكر الله تعالى
ومما ينال به الإنسان جنات النعيم: الإكثار من ذكر الله، قال ﷺ : (سبق المفردون، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).
وفي الخبر الصحيح أن إبراهيم ﵊ أخبر نبينا ﷺ : (أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، وقد جاء في حديث صحيح عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: (إذا قال العبد: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله جل وعلا: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي).
كما أن من أعظم كنوز الجنة كما في حديث أبي موسى الأشعري: (أن يكثر العبد من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)، فبذكر الله ﵎ والانصراف عن معاصيه ينبت للمؤمن غراس في الجنة.
стр. 234
الأعمال التي تكون سبباً في أن الله يبني للعبد بيتاً في الجنة
стр. 235
بناء المساجد في الدنيا
وأما بيوت الجنة وقصورها فإنما تبنى بعظيم الأعمال، ومن أعظمها: أن يبني الإنسان لله جل وعلا بيتاً، قال ﵊: (من بنا لله بيتاً في الدنيا ولو كمفحص قطاة - أي: ولو كان صغيراً- بنى الله جل وعلا له بيتاً في الجنة).
стр. 236
الصبر على موت الولد الصغير والاحتساب على ذلك
ومن كان له ولد أثير صالح ثم قبض رحمه قبل أبيه فصبر ذلك الوالد واحتسب ذلك الولد عند الله جل وعلا بنى الله جل وعلا للوالد بيتاً في الجنة يسمى بيت الحمد؛ لأن ذلك العبد حمد الله جل وعلا على ما ابتلاه الله ﵎ به.
بل ثبت عنه ﷺ : (أنه قابل رجلاً من الأنصار ومع الأنصاري ابن له، فقال ﵊ للأنصاري: أتحبه؟ قال: يا رسول الله! أحبك الله كما أحبه، ثم إنه ﵊ فقد الرجل دهراً، فقال: ما فعل صاحبكم، قالوا: يا رسول الله! مات ابنه، فلما لقيه ﵊، قال: أما يسرك أنك لا تأتي غداً باباً من أبواب الجنة إلا وجدته أمامك يأخذ بثوبك حتى يدخلك إياها؟ قالوا: يا رسول الله! -وهذا من حرص الصحابة على الخير-: أله خاصة أم لنا كلنا؟ فقال ﵊: بل هي لكم كلكم)، وهذا من رحمة الله بأمة محمد ﷺ .
стр. 237
من الأسباب التي تدخل العبد الجنة الركعتان بعد الوضوء
ومما يكتب الله جل وعلا به الجنة: ركعتا الوضوء، فإن النبي ﵊ دخل الجنة وكلما دخلها في منام أو يقظة كما في المعراج ورآها سمع صوت نعلي بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه، (فسأل النبي ﷺ بلالاً عن أرجى عمل عمله في الإسلام، قال: يا رسول الله! لا أعلم شيئاً أكثر من أنني ما توضأت وضوءً إلا صليت بعده ما شاء الله لي أن أصلي، فقال ﷺ في رواية صحيحة -: فهذه بهذه) أي: هذا الجزاء حصلت عليه بهذا العمل.
стр. 238
من حافظ على الرواتب بنى الله له بيتاً في الجنة
كما أن مما يبنى قصور الجنة وبيوتها: أن يحافظ المؤمن على السنن الرواتب، قال ﵊: (من صلى لله في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بنى الله جل وعلا له بيتاً في الجنة).
فهذه أيها المؤمنون! جم من الأعمال تعددت مشاربها، وكثرت مناهلها؛ لأن الله جل وعلا لم يخلق العباد على نسق واحد، قال سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠]، وقال جل وعلا: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وقال النبي ﷺ لـ معاذ: (ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]).
стр. 239
ليس في الجنة جوع ولا عطش ولا تكليف
أيها المؤمنون! ليس في الجنة جوع ولا عطش، ومع ذلك يأكلون ويشربون، ولا يأكلون ليسدوا جوعاً، ولا يشربون ليرووا ظمئاً، وإنما هو نعيم متتابع، وفضل من الله جل وعلا وإحسان.
وليس في الجنة تكليف: قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]، وهذا الذكر من التسبيح والحمد يلهمونه إلهاماً كما يلهم أحدنا النفس اليوم في حياته ما دام حياً.
стр. 240
تزاور أهل الجنة وتذاكرهم فيها
إن أهل الجنة أيها المؤمنون يتزاورون ويتذاكرون مجالسهم في الدنيا، جعلني الله وإياكم ممن يذكر هذا المجلس يوم القيامة.
فيتذاكرون مجالسهم في الدنيا، كما أن بين أهل النار خصومة ومحاجة، فالله ذكر أهل النار وذكر خصومتهم ومحاجتهم فقال: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ * وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦١ - ٦٤].
ويكون بين أهل الجنة لقاءات وتزاور، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧] أي: يتذاكرون مجالسهم في الدنيا، ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧].
ومن كان له قرين في الدنيا يحاول أن يغويه من أهل الكفر أو الفسق ويظله ثم يمن الله عليه بالثبات على الهداية، يتذكر وهو في الجنة ذلك القرين، قال الله جل وعلا: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [الصافات:٥٠ - ٥١] أي: من أهل الجنة، ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٣] فيطلع ذلك المؤمن على أهل النار: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤]، فاطلع فيراه في سواء الجحيم، فلما يراه على تلك الحال يتذكر نعمة الله جل وعلا عليه من الثبات على الهداية، قال الله جل وعلا بعدها: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١].
وما زلنا وإياكم في دار عمل، وما زالت أرواحنا في أجسادنا، وهذه بعض مما ذكره الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسوله من جنات النعيم.
فنسأل الله الذي رزقنا الإسلام من غير أن نسأله ألا يحرمنا الجنة وقد سألناه إياها.
اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يلد ولم يولد، ولا تواري عنك أرض أرضاً، ولا سماء سماء، ولا يُخفي عليك جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره، تعلم ما كان وما سيكون وما هو كائن، لا يخفى عليك شيء من أعمالنا، نسألك اللهم أن تعيذنا من ذل الفضيحة يوم العرض عليك، اللهم أعذنا من ذل الفضيحة يوم العرض عليك، اللهم إن لنا ذنوباً سترتها علينا في الدنيا فأدم يا الله سترها علينا يوم نلقاك، وأدم اللهم علينا عفوك ومغفرتك، وأدخلنا اللهم جناتك مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 241
وإن عدتم عدنا
ضمن الله تعالى سورة الإسراء آيات مليئة بزاد القلوب وبيان الحقائق العلمية والتاريخية، فقد ذكر تعالى في فاتحتها منته على نبينا ﷺ بالإسراء بروحه وجسده إلى بيت المقدس في برهة من الليل، وذكر خبر بني إسرائيل في إفسادهم في الأرض وهلاكهم بعد ذلك، كما ذكر بعض أخبار يوم القيامة، وحقيقة أمر الروح، وغير ذلك من الحقائق العظيمة التي تؤصل توحيد الله في النفوس، وتعظم قدره في القلوب.
стр. 242
وقفات قرآنية في سورة الإسراء
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلّ وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الله ﵎ أنزل هذا القرآن -وهو خير كتبه- على خير نبي بعثه وأرسله، وهو نبينا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وإن من العتاق الأول والتلاد القديم الذي أنزل على نبي الهدى ورسول الرحمة صلوات الله وسلامه عليه سورة (الإسراء، والكهف، ومريم) كما جاء هذا التعبير على لسان عبد الله بن مسعود ﵁، فقد قال ﵁ لما ذكر سورة الإسراء والكهف ومريم: (إنهن من العتاق الأول، وإنهن من تلادي) يقصد أنه أخذهن عن النبي ﷺ وهو في مكة صلوات الله وسلامه عليه.
وسورة الإسراء تقوم أعظم غاياتها على شخصية نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقد صدرها الله جل وعلا بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ﴾ [الإسراء:١]، وختمها جل ذكره بقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١].
وقد اشتهر عند العلماء أن هذه الآية الأخيرة من سورة الإسراء تسمى آية العز، كما أنها عند كثير منهم -بناءً على ما نقل مما يمكن قبوله من الإسرائيليات- أنها آخر آية في التوراة، كما أن المشهور عند العلماء أن أول آية في التوراة هي قول الله جل وعلا في فاتحة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].
ولنا مع هذه السورة المباركة وقفات، فنرجو الله جل وعلا بلاغاً للحاضر والباد، ونفعاً للعباد وتقريباً إليه ودعوة نحو دينه ﵎.
стр. 243
حادثة الإسراء والمعراج
أول تلك الوقفات فإن الله وعلا قد افتتحها بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، فهذا حدثٌ وقع في ليلة من الليالي عبّر الله جل وعلا عنها بالتنكير، فقال : (ليلاً)، قال العلماء: إن التنكير هنا ورد لغرضين بلاغيين قال بكل واحد منهما فريق من أهل العلم: أما الفريق الأول فقد قالوا: إن الله جل وعلا نكّر كلمة (ليل) هنا لتدل على التقليل، فتكون الغاية من ذلك أن هذا الأمر الذي يقع عادة في شهور وليالٍ وأيام وقع في برهة من الليل، ولا يقدر على هذا إلا العلي الكبير ﷻ .
وقال آخرون: إن كلمة (ليل) نكرت هنا للتعظيم والتفخيم، والمراد: ليل وأي ليل؟ ليلٌ دنا فيه الحبيب ﷺ من ربه ﵎ فقربه الله وناجاه، وأدناه وكلمه، وفرض عليه الصلوات الخمس، ودخل ﷺ الجنة واطلع على النار صلوات الله وسلامه عليه.
قال الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء:١]، والمجيء بالمفعول المطلق (سبحان) هنا يدل على أن ثمة أمراً عظيماً وقع لا يقدر عليه إلا رب العزة، فقد أسري به ﷺ من المسجد الحرام أول بيت وضع في الأرض إلى المسجد الأقصى البيت الثاني الذي وضع، وبينهما أربعون عاماً.
وقول الله جل وعلا: ((الأقصى)) إشارة إلى هناك مسجداً سيكون بينهما، وقد وقع بعد الهجرة بناؤه ﷺ لمسجده الشريف في مدينته صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أسرى الله به ليلاً بعد أن غُسل قلبه وصدره، غسل قلبه ﷺ بماء زمزم، وهذا الغسل غسل حقيقي، حيث أخرج القلب من الصدر ووضع في طست فيه ماء زمزم، ثم غُسل وملئ إيماناً وحكمةً، ثم أعيد إلى مكانه، ثم أسري به على دابة يقال لها: (البراق) من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بيت المقدس، فربط ﷺ البراق في الحلقة التي في باب المسجد التي يربط بها الأنبياء دوابهم صلوات الله وسلامه عليهم.
وبيت المقدس أرض الأنبياء، ومع ذلك صلى إماماً؛ ليقول الله جل وعلا للخلق أجمعين ولنبينا في المقام الأول: إن هذا النبي -وإن كان آخر الأنبياء مبعثاً ودهراً وظهوراً- وهو أول الأنبياء وأعظمهم قدراً وأجلهم ذكراً، فصلى بهم ﷺ في موطنهم في مكانهم في دارهم إماماً بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.
والفعل (سرى) لا يقال إلا لمن مشى وارتحل ومضى في الليل، والله تعالى قال: (ليلاً) للغرضين البلاغيين اللذين قدمناهما، وأحدهما على أن المراد به التقليل، والمقصود أن هذا الأمر لا يتم عادة إلا في الليالي والشهور والأيام، فتم في برهة من الليل، والآخر على أن المراد به التفخيم.
стр. 244
علة الإسراء برسولنا ﷺ
وقد ذكر الله جل وعلا في صدر السورة العلة فقال جل ذكره: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، وهذه سنة الله في العظماء من الأنبياء، فقد قال الله جل وعلا في الخليل إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] فالنبي إذا رأى الآيات عياناً، واستقرت في قلبه إيماناً كان أقدر على أن يبلغ عن الله رسالاته، وينصح له في برياته، ويتكلم عن الله وعن آياته على علم بين، وعلى المشاهدة مما أذن الله جل وعلا له بأن يطلعه عليه من الغيب، وكذلك نبينا ﷺ أسري به إلى المسجد الأقصى ثم عُرج به إلى السماوات السبع الطباق حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام بعد أن جاوز سدرة المنتهى صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله جل وعلا: (لنريه من آياتنا) من أعظم الحُجج -على قول جماهير العلماء من السلف والخلف- على أن النبي ﷺ لم يرَ ربه ليلة المعراج؛ لأنه ﵊ لو كان رأى ربه -والآية في مساق الامتنان والثناء عليه- لكان التعبير برؤية الله أعظم من التعبير برؤية آياته جل وعلا، والله جل وعلا قال وقوله الحق: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، وقد رأى النبي ﷺ جماً غفيراً من آيات الله، فرأى الجنة، واطلع على النار، ورأى سدرة المنتهى، ورأى خلقاً كثيراً يعذبون، وآخرين ينعمون، كلٌ بحسب عمله، وكان يسأل جبريل بين الفينة والفينة، ورأى أباه آدم وعن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، فإذا نظر جهة اليمين ابتسم، وإذا نظر جهة الشمال بكى، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال هذا أبوك آدم والأسودة التي عن يمينه وشماله أرواح بنيه، فإذا نظر جهة اليمين رأى أهل الجنة فابتسم، وإذا نظر جهة الشمال رأى أهل النار فبكى، فعليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
والمسجد الحرام أول بيت وضع في الأرض، وقد جعل الله جل وعلا الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، والمسجد الأقصى بني بعده بأربعين عاماً، والصلاة فيه بمائتين وخمسين صلاة؛ لقوله ﷺ لما سُئل عن المسجد الأقصى: (لنعم المصلى هو، ولصلاةٌ في مسجدي هذا بأربع صلوات فيه)، رواه الحاكم بسند صحيح من حديث أبي ذر ﵁.
فهذه رحلة الإسراء على وجه الإجمال، ذكرناها لأنها أولى الوقفات في هذه السورة.
стр. 245
إكرام الله لنبيه بالإسراء بروحه وجسده
والذي ينبغي أن تعلمه -أيها المؤمن- أن هذه الآية دليل صريح على إسراء الله جل وعلا بنبيه ﷺ ، وقول الله جل وعلا بـ (عبده) دلالة على أنه ﷺ أسري به جسداً وروحاً، ولم يكن رؤيا منام، ولو كان رؤيا منامية -كما سيأتي بيانه- لما تعجب منه الخلق، ولما كان في ذلك فتنة، ولا اختباراً ولا ابتلاء للناس، ولكنه إكرام من الله العلي الكبير لآخر الأنبياء حطنا من النبيين، ونحنُ حظه من الأمم صلوات الله وسلامه عليه.
زانتك في الخلق العظيم شمائلٌ يغرى بهن ويولع الكرماءُ فإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ هذان في الدنيا هما الرحماءُ يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمسُ والجوزاءُ يتساءلون وأنت أطهر هيكلٍ بالروح أم بالهيكلِ الإسراءُ؟ بهما سموت مطهرين كلاهما روحٌ وريحانية وبهاءُ تغشى الغيوب من العوالمِ كلما طويت سماءٌ قُلدتك سماءُ أنت الذي نظم البرية دينهُ ماذا يقول وينظُم الشعراءُ المصلحون أصابعٌ جُمعت يداً هي أنت بل أنت اليدُ البيضاءُ صلى عليك الله ما صحب الدجى حادٍ وحنت بالفلا وجناءُ واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنات عدنٍ آلك السُمحاءُ هذه هي الوقفة الأولى على وجه الإجمال كانت مع ما أخبر الله عنه من الإسراء بنبينا ﷺ .
стр. 246
علو بني إسرائيل وإفسادهم
الوقفة الثانية: مع قول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٨].
إن الله جل وعلا ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، والقيادة الروحية للعالم توارثتها أمم عبر التاريخ كله، وآخر الأمم التي حملت القيادة الروحية بنو إسرائيل أتباع الملة اليهودية، ثم أورث الله جل وعلا أمة محمد ﷺ قيادة العالم روحياً -أي: ديناً وإيماناً- ببعثة نبينا ﷺ .
ووجه الارتباط بين قوله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، وقوله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤] أن الله جل وعلا يخبر أمة اليهود على وجه الخصوص، وكل من يقرأ القرآن على وجه العموم بأن الله جل وعلا بعث نبياً أمياً جعله وجعل أمته قادة للعالم؛ لأن خليل الله جل وعلا الذي لم تبقَ أمة إلا انتسبت إليه وتشرفت به قال الله تعالى عنه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧].
وجمع الله له أرضين مباركتين، فوفاته كانت في أرض المقدس، وهو الذي بنى الكعبة، وأورث الله جل وعلا هذه الأمة أن بعث نبيها من مكة، ثم أسرى به إلى المسجد الأقصى ليأخذ إرث إبراهيم في المسجد الأقصى كما أخذ إرث إبراهيم مولداً في مكة، وليأخذ ما بينهما، فكانت هجرته ووفاته ﷺ في مدينته ﵊، فحاز ﵊ المجد كله من جميع أطرافه الثلاثة.
وقد اختلف العلماء اختلفوا اختلافاً كثيراً سلفاً وخلفاً مفسرين وغير مفسرين فيما قاله الله جل وعلا في هذه الآيات، فالله ﵎ أخبر هنا: أن هناك علوين لبني إسرائيل وإفسادين، ويتبعها قهر ودحر مرتين، فقال جل ذكره: ((وإن عدتم عدنا)) وسأنقل أقوال العلماء إجمالاً، وبذلك نكتفي؛ لأننا لا نستطيع أن نرجح؛ لأن المسألة ليست بذات البيان الصحيح الصريح الواضح الذي نقدر على أن نرجّح فيه؛ لأنها لو كانت واضحة صريحة صحيحة بينة لما اختلف الناس من قبل فيها مع الاتفاق على أن هناك إفسادين لليهود، ودحراً لهم مرتين.
فقد قال فريق من العلماء -وعليه أكثر من فسر القرآن من السابقين-: إن كلا الإفسادين تم قبل بعثة النبي ﷺ ، فعند هؤلاء أن قول الله جل وعلا ((وإن عدتم عدنا)) معناه أنهم أفسدوا في الأول، فسلط الله عليهم، ثم علوا وأفسدوا فسلط الله عليهم، ثم جعل الله منهم أنبياء كموسى وعيسى ويوشع بن نون، ثم إنهم بعد ذلك عادوا للإفساد، فسلط الله جل وعلا عليهم نبينا ﷺ وأصحابه فأجلاهم النبي عن المدينة، ثم أجلاهم عمر رضي الله عن من أرض تيماء.
وقالوا: إنهم عادوا للإفساد في هذا العصر، فسلط الله جل وعلا عليهم النازي (أدولف هتلر) القائد الألماني المعروف، فحرقهم وأبادهم وأكثر القتل والتحريق فيهم، قالوا: هذا مصداقٌ لقول الله جل وعلا: ((وإن عدتم عدنا)) أي: إن عدتم للإفساد عاد الله جل وعلا لتسليط خلقه عليك.
وقال آخرون: إن الإفساد الأول تم في أيام قبل بعثة النبي ﷺ ، وقهرهم الله على يد (بختنصر).
والإفساد الثاني: ما هو حاصل اليوم في أرض بيت المقدس.
وإن هلاكهم مرة أخرى سيكون على يد المسلمين، قريباً كان أو بعيداً عاجلاً أو آجلاً، فعلى يديهم يكون قهر اليهود وإخراجهم من بيت المقدس، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٧]، ويرد على هذا التأويل إشكالان: الإشكال الأول: أن الله جل وعلا قال عنهم: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥] و (بختنصر) لم يكن مسلماً حتى يقال فيه: إنه من عباد الله، أي: الطائعين.
والإشكال الثاني: كيف يفسر قول الله جل وعلا: ((وإن عدتم عدنا))؛ لأننا إذا قلنا إن إخراجهم مرتبط بخروج المهدي وقيام الساعة فإنه لا يصبح هناك أمل في أن يعودوا للإفساد بعد الإفسادين العظيمين اللذين أخبر الله عنهما.
وقال آخرون: إن كلا الإفسادين والظهور لبني إسرائيل لم يقعا بعد، وإن هذا الذي نحنُ فيه من احتلال اليهود اليوم لأرض المقدس هو الإفساد الأول، ثم يقدر الله للمؤمنين إخراجهم منها، ولكنهم لا يخرجون إلا من الضفة الغربية فقط، ويعودون إلى تل أبيب، ثم يعودون مرة أخرى بنصرة الغرب لهم فيفسدون في الأرض ويخرجون المسلمين، ثم يقع مرة أخرى علو المسلمين عليهم فيكون إخراجهم من المسجد الأقصى؛ لقوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٥ - ٦]، إلى أن قال: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧].
وقال آخرون بالتوقف، وهذا هو الأظهر، ويؤيده أن الله جل وعلا قال في آخر السورة: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، وقد كان السابقون من المفسرين يقولون: (اسكنوا الأرض) أي: مصر وبلاد الشام، وهذا عندي بعيد؛ لأن الله قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، ومن تأمل تاريخ اليهود يعلم أنهم كانوا قبل أن يجتمعوا في إسرائيل عام (١٩٤٨) من الميلاد، كانوا متفرقين في أنحاء الأرض، فلما أقيمت دولة إسرائيل زحفوا من كل بقاع الدنيا، حتى إنه من اليمن وحدها خرج أربعة آلاف يهودي، وخرج من يهود الفلاشا من أرض الحبشة ومن يهود الدونمة من أرض الروس وغير ذلك من أصقاع الأرض عدد كثير، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤].
وقد قلت: إن كل قول يدخل عليه إشكال فنرى التوقف في الآيات، ولكن الله جل وعلا مُظهر دينه، ومبلغ رسالة نبيه ﷺ ، وقد كتب الله لنبيه التمكين وزوى له الأرض، وسيبلغ ملك أمته ما زوى الله جل وعلا لنبينا ﷺ منها.
стр. 247
الدعوة إلى العفاف والنهي عن الاقتراب من الفواحش
الوقفة الثالثة: مع قول ﵎: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
هذه الآية ذكرها الله في جملة آداب خاطب الله جل وعلا بها في أول الأمر نبيه ﷺ ، والله ﵎ كما بيّن للمؤمنين علاقتهم مع غيرهم من الأمم، بيّن لهم العلاقة بينهم في المجتمع المسلم على ما ينبغي أن تكون عليه، وأعظم ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع المسلم العفاف والحياء، ولقد جاء الدين كله بالعفاف والحياء، وبيان عظيم هذا الأمر عند الرب ﵎، فنبينا ﷺ يقول: (والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته)، وهذا تحذير للمؤمنين من رب العالمين على لسان نبينا ﷺ ، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، ويذكر النبي ﷺ بالضد فيقول: (ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر.
فهذه كلها آثار تبين أنه ينبغي على المسلم أن يتحلى بالعفاف والحياء، وقد ذكر ﷺ السبعة المقربين تحت ظل العرش فقال عن أحدهم: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله).
فأعراض المؤمنات من أعظم ما حرمه الرب ﵎، ولقد ساعدت الآلة المعاصرة على التصوير الفوتوغرافي والثابت والمرسل والمبعوث عن طريق أجهزة الجوال وغيرها، فيتسلط المسلم على مؤمن أو على مؤمنة، وعلى غلام أو على فتاة، أو على بيت مستور، أو على امرأة في دارها أو خارج دارها فيصورها فيجمع السقطاء من أصحابه والسفهاء من أقرانه ثم يعرض عليهم ما رآه، يفتخر بذلك ويبعثه إلى زيد وإلى عمر، وينسى هؤلاء قدرة الرب ﵎ عليهم، وأن الله جل وعلا يقول يوم القيامة: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] ويقول ﵎: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤]، وينسى أمثال هؤلاء أنه ما من أحد إلا وسيوسد التراب وتُحل عنه أربطة الكفن وسيسأله الملكان، ثم يبعث، وقد جاء في حديث عدي بن حاتم ﵁ عند البخاري وغيره: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه تُرجمان، فيلتفت أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، ويلتفت أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه)، ومن علم ذلك حفظ على نفسه الدين وخشي الله جل وعلا في أعراض المؤمنات وإعراض المؤمنين، وعلم أن الرب ﵎ يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] مع أن الآية آية مكية، ولكن الزنى وقتل النفس بغير حق والشرك بالله اتفقت جميع الشرائع على تحريم كل منها، فما من نبي إلا وحرم على أمته الشرك بالله، وحرم عليها قتل النفس بغير حق، وحرم عليها الزنا، فهذه الثلاث مما اتفقت عليه كلمة الأنبياء والمرسلين، وقد قيل: إن السلامة من سلمى وجارتها أن لا تمر على سلمى وواديها والمؤمن الحق يتقي الله جل وعلا ويعمل بمحكم القرآن، وبمواعظ نبينا ﷺ ، ويحذر من أن يتعرض للمؤمنين والمؤمنات، ويتذكر وقوفه بين يدي الله، وقد ينزع الله عنه الستر، وينزع الله عنه الحفظ وينزع الله جل وعلا عنه الكلأ، فيفضحه الله ﵎ على رءوس الأشهاد، وإن لم يكن ذلك في الدنيا فضحه الرب ﵎ في الآخرة، فيرى في قبره ما يتمنى معه أنه يعود إلى الدنيا حتى يتحلل من إيذاء المؤمنين والمؤمنات والتعرض لأعراضهن، والخوض في الحديث عنهن، عافانا الله وإياكم من ذلك.
стр. 248
التحذير من القول على الله بغير علم
ومن جملة ما أدب الله جل وعلا به نبيه وأرشد إليه خلقه في هذه السورة المباركة قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
إن كون الإنسان يعطى حظاً من علم دلالة على توفيق الرب ﵎ له، ولكن الله يخاطب في هذه الآية أعلم الخلق بالله -نبينا ﷺ فيقول له: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] وإن من أعظم الكذب: أن يكذب الإنسان ويفتري على الرب ﵎، ومن رزق العلم الحق رزق الخشية، ومن رزق الخشية خاف أن يقول على الله ما ليس به علم.
فبادره وخذ بالجد فيه فإن آتاكه الله انتفعتا فإن أوتيت فيه طويل باعٍ وقال الناس إنك قد رؤستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخٍ علمت فهل عملتا؟ ذكر الناس أن العرب في جاهليتهم كانوا يعمدون إلى رجل يقال له: عامر بن الضرب العدواني يحتكمون إليه في جاهليتهم إذا اختلفوا، فجاءه مرةً وفد من إحدى القبائل، فقالوا: يا عامر! وجد بيننا شخصاً له آلتان: آلة الرجل وآلة الأنثى، ونريد أن نورثه، فهل نحكم له على أنه أنثى أو نحكم على أنه ذكر؟ فمكث هذا الرجل المشرك أربعين يوماً لا يدري ما يصنع بهم، وكانت له جاريه ترعى له الغنم يقال لها: سخيلة، فقالت له في اليوم الأربعين: يا عامر! قد أكل الضيوف غنمك ولم يبقَ لك إلا اليسير، أخبرني.
فقال: مالكِ ولهذا، انصرفي لرعي الغنم، فأصرت عليه، فلما أصرت عليه الجارية أخبرها بالسؤال وقال لها: ما نزل بي مثلها نازلة، فقالت له تلك الجارية التي ترعى الغنم: يا عامر! أين أنت؟ أتبع الحكم المبال.
أي: إن كان يبول من آلة الذكر فاحكم عليه بأنه ذكر، وإن كان يبول من آلة الأنثى فاحكم عليه بأنه أنثى.
فقال: فرجتها عني يا سخيلة.
وأخبر الناس.
قال الإمام الأوزاعي ﵀ معقباً على هذه القصة: هذا رجل مشرك لا يرجو جنة ولا يخاف من نار ولا يعبد الله، ويتوقف في مسألة أربعين يوماً حتى يفتي فيها، فكيف بمن يرجوا الجنة ويخاف النار؟! فينبغي عليه أن يتحرى إذا صُدِّر للإفتاء، ولقد أدركنا شيخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في مدينة رسول الله ﷺ ، وثبت عندنا أنه جاءه وفد من الكويت يسألونه عن مسائل شرعية، والرجل في آخر أيام حياته، ولو قال قائل: إنه ليس على وجه الأرض آنذاك أحد أعلم منه لما ابتعد عن الصواب، ومع ذلك لما سألوه قال: لا أدري لا أدري لا أدري، فلما أكثروا عليه غَيَّر هيئة جلسته ثم قال: أجيب فيها بكتاب الله، فانتظر الناس الجواب، فقال ﵀ وغفر الله له-: أقول كما قال الله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فلما أكثروا عليه ﵀ قال: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، وقال فلان كذا، أما أنا فلا أحمل ذمتي من كلام الناس شيئاً، لا أدري، قال هذا وهو هو في منزلته وعلمه.
والمقصود أن في هذا موعظة لكل من صدره الله، فلا يغتر بكثرة حضور الناس له، ولا يجب عليك أن تُجيب إن كنت لا تعلم، ولقد قالت الملائكة عند ربها: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢].
ومن دلائل الخشية والتقوى: أن لا يقترب الإنسان من هذه الحُجز، وأن يقف عند ما أوقفه الله جل وعلا عليه، فلا يقول على عينه ما لم ترَ، ولا يقول على سمعه ما لم يسمع، ولا يتحدث على لسانه ما لم يقل، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
стр. 249
فتنة الكافرين برؤية بيت المقدس والشجرة الملعونة
وومما سنقف عنده في هذه الآيات الكريمات قول الرب ﵎: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠].
(الناس) عام أريد به الخصوص، والمراد به -على الصحيح- كفار قريش، والمقصود أن الله متمكن قادر عليهم، ومعلوم أن الله قادر عليهم وعلى غيرهم، ولكن المخاطبة بالآيات لكفار مكة.
قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠] ومعنى الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس فأين الفتنة في الرؤيا؟ وأين الفتنة في الشجرة الملعونة؟ الفتنة في الرؤيا هي: أن كفار قريش يؤمنون بعقولهم، ولا يؤمنون -كما يؤمن أهل الإيمان- بقلوبهم، فالفتنة أن الغدو والرواح من مكة إلى بيت المقدس يحتاج إلى أربعة أشهر، فإذا قال نبينا ﷺ : إنه وقع في برهة من الليل فهذا بالعقل لا يقبل، ولكنه يقبل بالقلب إذا كان المرء مؤمناً بمحمد ﷺ ، وأنه لا يقول على ربه الكذب، وكفار قريش لم يؤمنوا ففتنوا بهذه الرؤيا.
أما سادات المؤمنين -كـ الصديق ﵁ وأرضاه- فقد قالوا: نصدقه في الخبر يأتيه من السماء، فكيف لا نصدقه بأنه غدا وراح إلى بيت المقدس في برهة من الليل؟! وهنا تأتي قضيه مهمة، وهي أن المؤمن يعلم أن ما أخبر به الله وأخبر به رسوله ﷺ هو الحق، فنؤمن بكلام الله على مراد الله، ونؤمن بكلام رسول الله على مراد رسول الله ﷺ ، والله ذكر الأفذاذ -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧].
والمؤمن الحق يعلم أنه لو لم يقدر على أن يفقه ذلك بعقله فإنه ما دام قد ثبت عن الله أو عن رسوله ﷺ فقد وجب قبوله وترك ما يرده عقله بالكلية، فالعقل مكتشف للدليل وليس منشئاً له، فهذه هي الفتنة في الرؤيا.
وأما الفتنة في الشجرة فإن الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم، والفتنة فيها أن العرب وغيرهم من الأمم يعلمون أنه لا يجتمع خضرة مع نار، والله يقول عن هذه الشجرة: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] ونبينا ﷺ يقول لكفار قريش ما أخبره الله به: إن هذه الشجرة تنبت في أصل النار، فقال بعضهم لبعض متهكماً: ما يخبرنا به محمد جنون، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم؟! ونسي هؤلاء ومن تبعهم أن الله جل وعلا خلق الأسباب ومسبباتها.
فالنار جعلها الله جل وعلا ذات قدرة على الإحراق، فالله أعطاها القدرة على أن تحرق البشرة والجلود وغيرها، فلما أراد الله إكرام خليله إبراهيم ووضع عرياناً صلوات الله وسلامه عليه في النار، أمر الله النار -وهو ربها وخالقها-: بأن تسلب عنها خاصيتها التي أعطاها -وهي الإحراق- فناداها ربها وهو أعلم: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فالنار التي جرت السنن على بأنها تحرق لم تحرق؛ لأن الله جل وعلا سلبها تلك الخاصية، والشجرة لم يعطها الله في الدنيا خاصية أن تحيا في النار، فهذه الخاصية يعطيها الله جل وعلا في نار جهنم لشجرة الزقوم فتنبت، وهي طعام أهل النار، عياذاً بالله، فهذا كله بقدرة الرب ﵎.
стр. 250
قدرة الله تعالى على خلق النقيضين والجمع بينهما
ونحن نسلم بأن قدرة الله أعظم من هذا كله، بل إن الله قادر على أن يخلق النقيضين، بل إنه جل وعلا يجمع بين النقيضين في وقت واحد، فقد قال الله عن أصحاب الكهف: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] فلو كانوا هؤلاء الفتية رأوا على أنفسهم تغيراً في الخلقة -بأن طالت أشعارهم، وأظفارهم، واحدودبت ظهورهم، وخطهم الشيب- لما قالوا: (لبثنا يوماً أو بعض يوم) لكن الله جل وعلا أوقف الزمان الذي يجري علينا عن أصحاب الكهف فلم تجرِ عليهم أحكام الزمان، فلم تحدودب لهم ظهور، ولم يطل لهم شعر، ولم تنم لهم أظفار، ولم يخطهم الشيب، ولم يتغير منهم شيء، فهذا وقع من غير جمع للنقيضين.
وأما النقيضان فقد جمعهما الله جل وعلا في قصة الرجل الذي قال عنه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] فأين الجمع بين النقيضين؟ إن الجمع بين النقيضين أن الله في مكان واحد أجرى الزمان على شيء ولم يجره على شيء آخر، فالحمار أجرى الله عليه أحكام الزمان فمات وأصبح عظاماً نخرة، والطعام لم يُجرِ عليه أحكام الزمان، فمكث الطعام مائة عام لم يفسد ولم يتغير منه شيء، ثم بعثه الله فشاهد بعينيه أحكام الله تجري على شيء ولا تجري على شيء آخر، وهذا كله بقدرة الرب ﵎، والحكمة وراء ذلك كله بيان: أنه لا يقدر على هذا الصنيع إلا الله، فلا يمكن لأحد مهما بلغت قوته، وعظمت سطوته، وجل سلطانه أن يقدر على أن يصنع هذا الشيء أبداً، فهذا من خصائص الله التي جعلت ذلك العبد يقول لما رأى الآية بأم عينيه في طعام له مائة عام لم يفسد وحمار أصبح عظاماً نخرة: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] ومن علم أن الله على كل شيء قدير فإنه إذا ذكر بآيات الله يخاف، ولذلك قال الله مختتماً آية سورة الإسراء: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩].
فلنأخذ خسوف القمر مثلاً، فإن القمر يخسف فيراه أقوام فيتعجبون ويمضون، ويراه أقوام ربما كانوا يلعبون الورق، فتارة ينظرون إلى القمر وتارة يكملون ما هم فيه من اللهو، ويراه رجل مشغول بالبحوث العلمية، فيدون ذلك الخسوف يومه وليلته ونهاره وساعته ودخوله وابتداءه ونهايته، ويراه رجل لا يدري ما خسوف القمر.
ويراه مؤمن -جعلنا الله وإياكم مثله- فيتذكر فيه سطوة الجبار ﷻ ، فيخشى الله ويخافه وتتسابق خطواته إلى المسجد يفزع إلى الله جل وعلا ويتذكر قول الله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، وقول الله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠].
فإذا أردت أن تعرف أين مقامك عند الله فانظر كيف حالك عند آياته، فإذا كانت آيات الله التي يجريها في الكون لا تزيدك إلا عبثاً ولهواً وطغياناً وفساداً فأنت بعيد عن الله.
وإن كانت آيات الله التي تراها في نفسك أو في الكون أو تسمع بها أو تشاهدها أو تقرأ عنها لا تزيدك إلا خوفاً وفرقاً ووجلاً من رب العزة والجلال؛ فإنك على حظ عظيم من الدنو من الله.
فالرسول الخاتم الذي جعله الله جل وعلا أمنةً لأمته كان إذا رأى تكاثر الغيم أخذ ﷺ يغدو ويروح خوفاً من أن يكون عذاباً وسخطاً، فتتغير أسارير وجهه حتى يكشف عنه ويقول: (يا عائشة! وما يدريني أنه عذاب)، مع أن الله جل وعلا يقول له: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، فصلوات الله وسلامه عليه.
والغاية من هذا أن يعلم العبد أن القلوب أوعية، ولا تنشغل إلا بما ملئت به، فقلوب ملئت بحب النساء، وقلوب ملئت بحب الغناء، وقلوب ملئت بحب الغلمان، وقلوب ملئت بحب الأسفار، وقلوب ملئت بحب الريال والدولار، وقلوب ملئت بغير ذلك، وقلوب مؤمنة صادقة ملئت بحب الله جل وعلا، فكل ما تراه يذكرها بالله جل وعلا، فتحبه وتجله وترجوه وتخافه سبحانه وبحمده، قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقرب إلى حبك، اللهم إنا نعوذ بك من أن نعدل بحبك أحداً كائناً من كان.
والمقصود والغاية أن العبد إذا أحب الله يفقه كلام الرب جل وعلا، فإذا قال الله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، وإذا قال الله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠] جعله حبه لله يلجأ إلى الله ويخافه ويخشاه ويرجوه، ويبتعد عن معاصيه، ويستغفر الله دائماً وأبداً؛ لأنه لن يخلو أحد من معاص، ولن يسلم أحد من ذنوب، وإلا لما شرع الله ﵎ أن يستغفره عباده ويخافوه
следующие страницы →