Полный текст (797 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
علو بني إسرائيل وإفسادهم
الوقفة الثانية: مع قول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٨].
إن الله جل وعلا ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، والقيادة الروحية للعالم توارثتها أمم عبر التاريخ كله، وآخر الأمم التي حملت القيادة الروحية بنو إسرائيل أتباع الملة اليهودية، ثم أورث الله جل وعلا أمة محمد ﷺ قيادة العالم روحياً -أي: ديناً وإيماناً- ببعثة نبينا ﷺ .
ووجه الارتباط بين قوله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، وقوله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤] أن الله جل وعلا يخبر أمة اليهود على وجه الخصوص، وكل من يقرأ القرآن على وجه العموم بأن الله جل وعلا بعث نبياً أمياً جعله وجعل أمته قادة للعالم؛ لأن خليل الله جل وعلا الذي لم تبقَ أمة إلا انتسبت إليه وتشرفت به قال الله تعالى عنه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧].
وجمع الله له أرضين مباركتين، فوفاته كانت في أرض المقدس، وهو الذي بنى الكعبة، وأورث الله جل وعلا هذه الأمة أن بعث نبيها من مكة، ثم أسرى به إلى المسجد الأقصى ليأخذ إرث إبراهيم في المسجد الأقصى كما أخذ إرث إبراهيم مولداً في مكة، وليأخذ ما بينهما، فكانت هجرته ووفاته ﷺ في مدينته ﵊، فحاز ﵊ المجد كله من جميع أطرافه الثلاثة.
وقد اختلف العلماء اختلفوا اختلافاً كثيراً سلفاً وخلفاً مفسرين وغير مفسرين فيما قاله الله جل وعلا في هذه الآيات، فالله ﵎ أخبر هنا: أن هناك علوين لبني إسرائيل وإفسادين، ويتبعها قهر ودحر مرتين، فقال جل ذكره: ((وإن عدتم عدنا)) وسأنقل أقوال العلماء إجمالاً، وبذلك نكتفي؛ لأننا لا نستطيع أن نرجح؛ لأن المسألة ليست بذات البيان الصحيح الصريح الواضح الذي نقدر على أن نرجّح فيه؛ لأنها لو كانت واضحة صريحة صحيحة بينة لما اختلف الناس من قبل فيها مع الاتفاق على أن هناك إفسادين لليهود، ودحراً لهم مرتين.
فقد قال فريق من العلماء -وعليه أكثر من فسر القرآن من السابقين-: إن كلا الإفسادين تم قبل بعثة النبي ﷺ ، فعند هؤلاء أن قول الله جل وعلا ((وإن عدتم عدنا)) معناه أنهم أفسدوا في الأول، فسلط الله عليهم، ثم علوا وأفسدوا فسلط الله عليهم، ثم جعل الله منهم أنبياء كموسى وعيسى ويوشع بن نون، ثم إنهم بعد ذلك عادوا للإفساد، فسلط الله جل وعلا عليهم نبينا ﷺ وأصحابه فأجلاهم النبي عن المدينة، ثم أجلاهم عمر رضي الله عن من أرض تيماء.
وقالوا: إنهم عادوا للإفساد في هذا العصر، فسلط الله جل وعلا عليهم النازي (أدولف هتلر) القائد الألماني المعروف، فحرقهم وأبادهم وأكثر القتل والتحريق فيهم، قالوا: هذا مصداقٌ لقول الله جل وعلا: ((وإن عدتم عدنا)) أي: إن عدتم للإفساد عاد الله جل وعلا لتسليط خلقه عليك.
وقال آخرون: إن الإفساد الأول تم في أيام قبل بعثة النبي ﷺ ، وقهرهم الله على يد (بختنصر).
والإفساد الثاني: ما هو حاصل اليوم في أرض بيت المقدس.
وإن هلاكهم مرة أخرى سيكون على يد المسلمين، قريباً كان أو بعيداً عاجلاً أو آجلاً، فعلى يديهم يكون قهر اليهود وإخراجهم من بيت المقدس، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٧]، ويرد على هذا التأويل إشكالان: الإشكال الأول: أن الله جل وعلا قال عنهم: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥] و (بختنصر) لم يكن مسلماً حتى يقال فيه: إنه من عباد الله، أي: الطائعين.
والإشكال الثاني: كيف يفسر قول الله جل وعلا: ((وإن عدتم عدنا))؛ لأننا إذا قلنا إن إخراجهم مرتبط بخروج المهدي وقيام الساعة فإنه لا يصبح هناك أمل في أن يعودوا للإفساد بعد الإفسادين العظيمين اللذين أخبر الله عنهما.
وقال آخرون: إن كلا الإفسادين والظهور لبني إسرائيل لم يقعا بعد، وإن هذا الذي نحنُ فيه من احتلال اليهود اليوم لأرض المقدس هو الإفساد الأول، ثم يقدر الله للمؤمنين إخراجهم منها، ولكنهم لا يخرجون إلا من الضفة الغربية فقط، ويعودون إلى تل أبيب، ثم يعودون مرة أخرى بنصرة الغرب لهم فيفسدون في الأرض ويخرجون المسلمين، ثم يقع مرة أخرى علو المسلمين عليهم فيكون إخراجهم من المسجد الأقصى؛ لقوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٥ - ٦]، إلى أن قال: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧].
وقال آخرون بالتوقف، وهذا هو الأظهر، ويؤيده أن الله جل وعلا قال في آخر السورة: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، وقد كان السابقون من المفسرين يقولون: (اسكنوا الأرض) أي: مصر وبلاد الشام، وهذا عندي بعيد؛ لأن الله قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، ومن تأمل تاريخ اليهود يعلم أنهم كانوا قبل أن يجتمعوا في إسرائيل عام (١٩٤٨) من الميلاد، كانوا متفرقين في أنحاء الأرض، فلما أقيمت دولة إسرائيل زحفوا من كل بقاع الدنيا، حتى إنه من اليمن وحدها خرج أربعة آلاف يهودي، وخرج من يهود الفلاشا من أرض الحبشة ومن يهود الدونمة من أرض الروس وغير ذلك من أصقاع الأرض عدد كثير، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤].
وقد قلت: إن كل قول يدخل عليه إشكال فنرى التوقف في الآيات، ولكن الله جل وعلا مُظهر دينه، ومبلغ رسالة نبيه ﷺ ، وقد كتب الله لنبيه التمكين وزوى له الأرض، وسيبلغ ملك أمته ما زوى الله جل وعلا لنبينا ﷺ منها.
стр. 247
الدعوة إلى العفاف والنهي عن الاقتراب من الفواحش
الوقفة الثالثة: مع قول ﵎: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
هذه الآية ذكرها الله في جملة آداب خاطب الله جل وعلا بها في أول الأمر نبيه ﷺ ، والله ﵎ كما بيّن للمؤمنين علاقتهم مع غيرهم من الأمم، بيّن لهم العلاقة بينهم في المجتمع المسلم على ما ينبغي أن تكون عليه، وأعظم ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع المسلم العفاف والحياء، ولقد جاء الدين كله بالعفاف والحياء، وبيان عظيم هذا الأمر عند الرب ﵎، فنبينا ﷺ يقول: (والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته)، وهذا تحذير للمؤمنين من رب العالمين على لسان نبينا ﷺ ، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، ويذكر النبي ﷺ بالضد فيقول: (ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر.
فهذه كلها آثار تبين أنه ينبغي على المسلم أن يتحلى بالعفاف والحياء، وقد ذكر ﷺ السبعة المقربين تحت ظل العرش فقال عن أحدهم: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله).
فأعراض المؤمنات من أعظم ما حرمه الرب ﵎، ولقد ساعدت الآلة المعاصرة على التصوير الفوتوغرافي والثابت والمرسل والمبعوث عن طريق أجهزة الجوال وغيرها، فيتسلط المسلم على مؤمن أو على مؤمنة، وعلى غلام أو على فتاة، أو على بيت مستور، أو على امرأة في دارها أو خارج دارها فيصورها فيجمع السقطاء من أصحابه والسفهاء من أقرانه ثم يعرض عليهم ما رآه، يفتخر بذلك ويبعثه إلى زيد وإلى عمر، وينسى هؤلاء قدرة الرب ﵎ عليهم، وأن الله جل وعلا يقول يوم القيامة: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] ويقول ﵎: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤]، وينسى أمثال هؤلاء أنه ما من أحد إلا وسيوسد التراب وتُحل عنه أربطة الكفن وسيسأله الملكان، ثم يبعث، وقد جاء في حديث عدي بن حاتم ﵁ عند البخاري وغيره: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه تُرجمان، فيلتفت أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، ويلتفت أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه)، ومن علم ذلك حفظ على نفسه الدين وخشي الله جل وعلا في أعراض المؤمنات وإعراض المؤمنين، وعلم أن الرب ﵎ يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] مع أن الآية آية مكية، ولكن الزنى وقتل النفس بغير حق والشرك بالله اتفقت جميع الشرائع على تحريم كل منها، فما من نبي إلا وحرم على أمته الشرك بالله، وحرم عليها قتل النفس بغير حق، وحرم عليها الزنا، فهذه الثلاث مما اتفقت عليه كلمة الأنبياء والمرسلين، وقد قيل: إن السلامة من سلمى وجارتها أن لا تمر على سلمى وواديها والمؤمن الحق يتقي الله جل وعلا ويعمل بمحكم القرآن، وبمواعظ نبينا ﷺ ، ويحذر من أن يتعرض للمؤمنين والمؤمنات، ويتذكر وقوفه بين يدي الله، وقد ينزع الله عنه الستر، وينزع الله عنه الحفظ وينزع الله جل وعلا عنه الكلأ، فيفضحه الله ﵎ على رءوس الأشهاد، وإن لم يكن ذلك في الدنيا فضحه الرب ﵎ في الآخرة، فيرى في قبره ما يتمنى معه أنه يعود إلى الدنيا حتى يتحلل من إيذاء المؤمنين والمؤمنات والتعرض لأعراضهن، والخوض في الحديث عنهن، عافانا الله وإياكم من ذلك.
стр. 248
التحذير من القول على الله بغير علم
ومن جملة ما أدب الله جل وعلا به نبيه وأرشد إليه خلقه في هذه السورة المباركة قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
إن كون الإنسان يعطى حظاً من علم دلالة على توفيق الرب ﵎ له، ولكن الله يخاطب في هذه الآية أعلم الخلق بالله -نبينا ﷺ فيقول له: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] وإن من أعظم الكذب: أن يكذب الإنسان ويفتري على الرب ﵎، ومن رزق العلم الحق رزق الخشية، ومن رزق الخشية خاف أن يقول على الله ما ليس به علم.
فبادره وخذ بالجد فيه فإن آتاكه الله انتفعتا فإن أوتيت فيه طويل باعٍ وقال الناس إنك قد رؤستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخٍ علمت فهل عملتا؟ ذكر الناس أن العرب في جاهليتهم كانوا يعمدون إلى رجل يقال له: عامر بن الضرب العدواني يحتكمون إليه في جاهليتهم إذا اختلفوا، فجاءه مرةً وفد من إحدى القبائل، فقالوا: يا عامر! وجد بيننا شخصاً له آلتان: آلة الرجل وآلة الأنثى، ونريد أن نورثه، فهل نحكم له على أنه أنثى أو نحكم على أنه ذكر؟ فمكث هذا الرجل المشرك أربعين يوماً لا يدري ما يصنع بهم، وكانت له جاريه ترعى له الغنم يقال لها: سخيلة، فقالت له في اليوم الأربعين: يا عامر! قد أكل الضيوف غنمك ولم يبقَ لك إلا اليسير، أخبرني.
فقال: مالكِ ولهذا، انصرفي لرعي الغنم، فأصرت عليه، فلما أصرت عليه الجارية أخبرها بالسؤال وقال لها: ما نزل بي مثلها نازلة، فقالت له تلك الجارية التي ترعى الغنم: يا عامر! أين أنت؟ أتبع الحكم المبال.
أي: إن كان يبول من آلة الذكر فاحكم عليه بأنه ذكر، وإن كان يبول من آلة الأنثى فاحكم عليه بأنه أنثى.
فقال: فرجتها عني يا سخيلة.
وأخبر الناس.
قال الإمام الأوزاعي ﵀ معقباً على هذه القصة: هذا رجل مشرك لا يرجو جنة ولا يخاف من نار ولا يعبد الله، ويتوقف في مسألة أربعين يوماً حتى يفتي فيها، فكيف بمن يرجوا الجنة ويخاف النار؟! فينبغي عليه أن يتحرى إذا صُدِّر للإفتاء، ولقد أدركنا شيخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في مدينة رسول الله ﷺ ، وثبت عندنا أنه جاءه وفد من الكويت يسألونه عن مسائل شرعية، والرجل في آخر أيام حياته، ولو قال قائل: إنه ليس على وجه الأرض آنذاك أحد أعلم منه لما ابتعد عن الصواب، ومع ذلك لما سألوه قال: لا أدري لا أدري لا أدري، فلما أكثروا عليه غَيَّر هيئة جلسته ثم قال: أجيب فيها بكتاب الله، فانتظر الناس الجواب، فقال ﵀ وغفر الله له-: أقول كما قال الله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فلما أكثروا عليه ﵀ قال: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، وقال فلان كذا، أما أنا فلا أحمل ذمتي من كلام الناس شيئاً، لا أدري، قال هذا وهو هو في منزلته وعلمه.
والمقصود أن في هذا موعظة لكل من صدره الله، فلا يغتر بكثرة حضور الناس له، ولا يجب عليك أن تُجيب إن كنت لا تعلم، ولقد قالت الملائكة عند ربها: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢].
ومن دلائل الخشية والتقوى: أن لا يقترب الإنسان من هذه الحُجز، وأن يقف عند ما أوقفه الله جل وعلا عليه، فلا يقول على عينه ما لم ترَ، ولا يقول على سمعه ما لم يسمع، ولا يتحدث على لسانه ما لم يقل، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
стр. 249
فتنة الكافرين برؤية بيت المقدس والشجرة الملعونة
وومما سنقف عنده في هذه الآيات الكريمات قول الرب ﵎: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠].
(الناس) عام أريد به الخصوص، والمراد به -على الصحيح- كفار قريش، والمقصود أن الله متمكن قادر عليهم، ومعلوم أن الله قادر عليهم وعلى غيرهم، ولكن المخاطبة بالآيات لكفار مكة.
قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠] ومعنى الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس فأين الفتنة في الرؤيا؟ وأين الفتنة في الشجرة الملعونة؟ الفتنة في الرؤيا هي: أن كفار قريش يؤمنون بعقولهم، ولا يؤمنون -كما يؤمن أهل الإيمان- بقلوبهم، فالفتنة أن الغدو والرواح من مكة إلى بيت المقدس يحتاج إلى أربعة أشهر، فإذا قال نبينا ﷺ : إنه وقع في برهة من الليل فهذا بالعقل لا يقبل، ولكنه يقبل بالقلب إذا كان المرء مؤمناً بمحمد ﷺ ، وأنه لا يقول على ربه الكذب، وكفار قريش لم يؤمنوا ففتنوا بهذه الرؤيا.
أما سادات المؤمنين -كـ الصديق ﵁ وأرضاه- فقد قالوا: نصدقه في الخبر يأتيه من السماء، فكيف لا نصدقه بأنه غدا وراح إلى بيت المقدس في برهة من الليل؟! وهنا تأتي قضيه مهمة، وهي أن المؤمن يعلم أن ما أخبر به الله وأخبر به رسوله ﷺ هو الحق، فنؤمن بكلام الله على مراد الله، ونؤمن بكلام رسول الله على مراد رسول الله ﷺ ، والله ذكر الأفذاذ -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧].
والمؤمن الحق يعلم أنه لو لم يقدر على أن يفقه ذلك بعقله فإنه ما دام قد ثبت عن الله أو عن رسوله ﷺ فقد وجب قبوله وترك ما يرده عقله بالكلية، فالعقل مكتشف للدليل وليس منشئاً له، فهذه هي الفتنة في الرؤيا.
وأما الفتنة في الشجرة فإن الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم، والفتنة فيها أن العرب وغيرهم من الأمم يعلمون أنه لا يجتمع خضرة مع نار، والله يقول عن هذه الشجرة: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] ونبينا ﷺ يقول لكفار قريش ما أخبره الله به: إن هذه الشجرة تنبت في أصل النار، فقال بعضهم لبعض متهكماً: ما يخبرنا به محمد جنون، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم؟! ونسي هؤلاء ومن تبعهم أن الله جل وعلا خلق الأسباب ومسبباتها.
فالنار جعلها الله جل وعلا ذات قدرة على الإحراق، فالله أعطاها القدرة على أن تحرق البشرة والجلود وغيرها، فلما أراد الله إكرام خليله إبراهيم ووضع عرياناً صلوات الله وسلامه عليه في النار، أمر الله النار -وهو ربها وخالقها-: بأن تسلب عنها خاصيتها التي أعطاها -وهي الإحراق- فناداها ربها وهو أعلم: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فالنار التي جرت السنن على بأنها تحرق لم تحرق؛ لأن الله جل وعلا سلبها تلك الخاصية، والشجرة لم يعطها الله في الدنيا خاصية أن تحيا في النار، فهذه الخاصية يعطيها الله جل وعلا في نار جهنم لشجرة الزقوم فتنبت، وهي طعام أهل النار، عياذاً بالله، فهذا كله بقدرة الرب ﵎.
стр. 250
قدرة الله تعالى على خلق النقيضين والجمع بينهما
ونحن نسلم بأن قدرة الله أعظم من هذا كله، بل إن الله قادر على أن يخلق النقيضين، بل إنه جل وعلا يجمع بين النقيضين في وقت واحد، فقد قال الله عن أصحاب الكهف: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] فلو كانوا هؤلاء الفتية رأوا على أنفسهم تغيراً في الخلقة -بأن طالت أشعارهم، وأظفارهم، واحدودبت ظهورهم، وخطهم الشيب- لما قالوا: (لبثنا يوماً أو بعض يوم) لكن الله جل وعلا أوقف الزمان الذي يجري علينا عن أصحاب الكهف فلم تجرِ عليهم أحكام الزمان، فلم تحدودب لهم ظهور، ولم يطل لهم شعر، ولم تنم لهم أظفار، ولم يخطهم الشيب، ولم يتغير منهم شيء، فهذا وقع من غير جمع للنقيضين.
وأما النقيضان فقد جمعهما الله جل وعلا في قصة الرجل الذي قال عنه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] فأين الجمع بين النقيضين؟ إن الجمع بين النقيضين أن الله في مكان واحد أجرى الزمان على شيء ولم يجره على شيء آخر، فالحمار أجرى الله عليه أحكام الزمان فمات وأصبح عظاماً نخرة، والطعام لم يُجرِ عليه أحكام الزمان، فمكث الطعام مائة عام لم يفسد ولم يتغير منه شيء، ثم بعثه الله فشاهد بعينيه أحكام الله تجري على شيء ولا تجري على شيء آخر، وهذا كله بقدرة الرب ﵎، والحكمة وراء ذلك كله بيان: أنه لا يقدر على هذا الصنيع إلا الله، فلا يمكن لأحد مهما بلغت قوته، وعظمت سطوته، وجل سلطانه أن يقدر على أن يصنع هذا الشيء أبداً، فهذا من خصائص الله التي جعلت ذلك العبد يقول لما رأى الآية بأم عينيه في طعام له مائة عام لم يفسد وحمار أصبح عظاماً نخرة: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] ومن علم أن الله على كل شيء قدير فإنه إذا ذكر بآيات الله يخاف، ولذلك قال الله مختتماً آية سورة الإسراء: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩].
فلنأخذ خسوف القمر مثلاً، فإن القمر يخسف فيراه أقوام فيتعجبون ويمضون، ويراه أقوام ربما كانوا يلعبون الورق، فتارة ينظرون إلى القمر وتارة يكملون ما هم فيه من اللهو، ويراه رجل مشغول بالبحوث العلمية، فيدون ذلك الخسوف يومه وليلته ونهاره وساعته ودخوله وابتداءه ونهايته، ويراه رجل لا يدري ما خسوف القمر.
ويراه مؤمن -جعلنا الله وإياكم مثله- فيتذكر فيه سطوة الجبار ﷻ ، فيخشى الله ويخافه وتتسابق خطواته إلى المسجد يفزع إلى الله جل وعلا ويتذكر قول الله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، وقول الله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠].
فإذا أردت أن تعرف أين مقامك عند الله فانظر كيف حالك عند آياته، فإذا كانت آيات الله التي يجريها في الكون لا تزيدك إلا عبثاً ولهواً وطغياناً وفساداً فأنت بعيد عن الله.
وإن كانت آيات الله التي تراها في نفسك أو في الكون أو تسمع بها أو تشاهدها أو تقرأ عنها لا تزيدك إلا خوفاً وفرقاً ووجلاً من رب العزة والجلال؛ فإنك على حظ عظيم من الدنو من الله.
فالرسول الخاتم الذي جعله الله جل وعلا أمنةً لأمته كان إذا رأى تكاثر الغيم أخذ ﷺ يغدو ويروح خوفاً من أن يكون عذاباً وسخطاً، فتتغير أسارير وجهه حتى يكشف عنه ويقول: (يا عائشة! وما يدريني أنه عذاب)، مع أن الله جل وعلا يقول له: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، فصلوات الله وسلامه عليه.
والغاية من هذا أن يعلم العبد أن القلوب أوعية، ولا تنشغل إلا بما ملئت به، فقلوب ملئت بحب النساء، وقلوب ملئت بحب الغناء، وقلوب ملئت بحب الغلمان، وقلوب ملئت بحب الأسفار، وقلوب ملئت بحب الريال والدولار، وقلوب ملئت بغير ذلك، وقلوب مؤمنة صادقة ملئت بحب الله جل وعلا، فكل ما تراه يذكرها بالله جل وعلا، فتحبه وتجله وترجوه وتخافه سبحانه وبحمده، قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقرب إلى حبك، اللهم إنا نعوذ بك من أن نعدل بحبك أحداً كائناً من كان.
والمقصود والغاية أن العبد إذا أحب الله يفقه كلام الرب جل وعلا، فإذا قال الله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، وإذا قال الله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠] جعله حبه لله يلجأ إلى الله ويخافه ويخشاه ويرجوه، ويبتعد عن معاصيه، ويستغفر الله دائماً وأبداً؛ لأنه لن يخلو أحد من معاص، ولن يسلم أحد من ذنوب، وإلا لما شرع الله ﵎ أن يستغفره عباده ويخافوه
стр. 251
دعوة كل أناس بإمامهم يوم القيامة
ثم نقف عند قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء:٧١].
اتفق المفسرون على أن هذه الآية المقصود بها يوم القيامة، ولكنهم اختلفوا في معنى قوله جل وعلا: (بإمامهم) على أقوال ثلاثة مشهورة، وقول غير مشهور.
أما الثلاثة المشهورة فإن من العلماء من قال: إن معنى قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) أي: بكتابهم، ثم اختلفوا في المقصود بالكتاب، فمنهم من قال: الكتاب الذي أنزل على نبي تلك الأمة، فيقال للمسلمين: يا أهل القرآن، ويقال لليهود: يا أهل التوراة، ويقال للنصارى: يا أهل الإنجيل.
وقال آخرون: المقصود الكتاب، ولكن لكل إنسان كتاب بنفسه، وحجة هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] فسمى الله جل وعلا الكتاب إماماً، وحجة الأولين قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧]، فوصف الله جل وعلا كتاب موسى -وهو التوراة- بأنه إمام.
القول الثاني: أن المقصود بـ (إمام) هنا العمل، فقالوا: إن المعنى: ينادى كل إنسان بعمله، فيقال: أين الصابرون على المقدور؟ أين الممتنعون من المحذور؟ أين أهل الصلوات؟ أين أهل كذا؟ وقالت طائفة: المقصود بكلمة (إمام) القدوة، فيقال: أين أتباع موسى؟ أين أتباع عيسى؟ أين أتباع نوح؟ أين أتباع محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وذهب محمد بن كعب القرظي ﵁ ورحمه إلى قول غير ذلك، وهو أحد سادات التابعين، وأصله يهودي، فقد كان أبوه كعب ممن لم ينبت يوم بني قريظة فسلم من القتل، ثم أسلم وتزوج وأنجب محمداً هذا، وهو من أئمة التفسير رحمه الله تعالى.
ومما يروى عنه من جميل خصاله: أنه رزق مالاً وفيراً، فقيل له ادخر هذا المال لولدك، فقال: بل ادخر هذا المال لنفسي عند ربي، وأدخر ربي لولدي.
فـ محمد بن كعب ﵁ قال في تفسير هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]: المقصود: يوم ندعو كل أناس بأمهاتهم، فلا يقال: فلان ابن فلان، وإنما يقال فلان ابن فلانة.
وقال: إن الحكمة من وراء ذلك إظهار شرف عيسى ابن مريم أولاً، والأمر الثاني: الستر على أولاد الإثم.
قال القرطبي ﵀: في هذا القول نظر، وقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان: هذا قول باطل، واحتج عليه بحديث ابن عمر مرفوعاً أنه (يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان).
ونرى -والله اعلم- أن القول مقبول، ولا يقال في حقه: باطل، بل هو مقبول إلى حد ما، والأقوال الأخرى أرجح، والمفسرون مجمعون على أن المقصود من الآيات، ذكر أهوال يوم القيامة، وأن أخذ الصحائف بالأيمان أو بالشمال من أهوال وكرب يوم القيامة التي منها الميزان والصراط والدنو من الحوض أو البعد عنه والاستظلال بظل العرش أو النأي عنه، وكل ذلك من أهوال يوم القيامة أجارنا الله وإياكم منها.
стр. 252
الروح وتعلقها بالجسد
يقول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
هذه الآية المشهور عند العلماء أنها مدنية، وقد جاء فيها أن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كنت مع النبي ﷺ ، فمر عليه ملأ من يهود فقال بعضهم: سلوه، وقال بعضهم: لا تسألوه، ثم سألوه، فقالوا: يا أبا القاسم! ما الروح؟ فسكت ﷺ ، قال ابن مسعود: فعلمت أنه يوحى إليه، ثم تلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]) ولا ريب في أن أهل علم الحديث وأهل الفلسفة ومن تكلم في أمور عدة وتصدر لعظيم الفنون قد عجزوا عن مسألة الروح، وحق لهم أن يعجزوا، وأنى لهم أن يدركوا ذلك، والله يقول: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]؟! وسنتكلم عنها إجمالاً وفق ما جاء في الكتاب والسنة، فالروح خلق من خلق الله، ينفخ في جسد ابن آدم وهو جنين في بطن أمه فتدب فيه الحياة، فهذا أول تعلق الروح بالجسد، ثم يكون تعلق آخر، وهو الثاني بعد الولادة، ثم تعلق ثالث حال حياة البرزخ، ثم تعلق رابع -وهو أكملها وأتمها- بعد البعث والنشور؛ إذ لا فراق بعده.
هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع هبطت على كره إليك وربما كرهت فراقك وهي ذات تفجع هذا قول فلسفي لـ ابن سينا يصح في أوله، وهو فاسد في آخره.
والذي يعنينا أن هذه أنواع التعلق الأربعة للروح بالجسم، ولكن الميت -وإن فارقت روحه جسده، وهذا حقيقة الموت- تتصل به اتصالاً لا نعلم كنهه، كما دلت السنة عليه، فقد قال ﷺ : (إنه يسمع قرع النعال)، وأخبر بأن الجنازة إذا كانت صالحة تقول لأصحابها الذين يحملونها: قدموني قدموني، وإذا كانت غير ذلك تقول يا ويلها، أين تذهبون بها؟! والنبي ﷺ خاطب قتلى بدر من أهل الإشراك، وقال لـ عمر: (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، فهذا كله نوع من التعلق.
والميت -وإن كان ميتاً في قبره- ينتفع ببعض الأعمال التي يصنعها من يحبه له في الدنيا، وأعظمها الدعاء والحج والعمرة والصدقة، فهذه الأربع ثابتة، ومثلها الصدقة الجارية، وبقية الأمور فيها خلاف بين العلماء، وقد ذكروا أن رجلاً كان بينه وبين بيته والمسجد مقبرة، فإذا مر على الطريق يمر على المقبرة فيدعوا لهم قائلاً: (اللهم آنس وحشتهم، وارحم غربتهم) يصنع هذا كل ليلة، وفي ذات ليلة قُدر له أن ينساهم، فلما نام رأى في منامه رجالاً يلبسون ثياب بيضاً، فقال من أنتم يرحمكم الله؟ قالوا: نحنُ أصحاب هذه المقبرة التي بجوارك، كان الله يفرج عنا كل ليله بدعائك، فلما تركتنا هذه الليلة لم يأتنا من فرج الله شيء.
ولهذا شرع النبي ﷺ لأمته زيارة القبور لغرضين شرعيين: الاتعاظ بحالهم، ونفعهم بالدعاء لهم لا بالانتفاع منهم، فإنهم لا يملكون لأنفسهم -فضلاً عن غيرهم- حولاً ولا طولاً ولا حياةً ولا بعثاً ولا نشوراً.
стр. 253
القرآن المعجزة الكبرى
الوقفة الأخيرة مع قول الله جل وعلا ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]، هذا القرآن معجزة نبينا الكبرى صلوات الله وسلامه عليه.
الذكر آية ربك الكبرى التي فيها لباغي المعجزات غناءُ أنزله الله جل وعلا على خير خلقه ﷺ منجماً على ثلاثة وعشرين عاماً، وأخبر الله أنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال الصلد، والحجارة الصماء لتشققت من خشية الرب ﵎، ولما تسمع من إنزال الذكر عليها.
стр. 254
وقفة مع الزهراوين
وسنقف هنا مع سورتين قال عنهما ﷺ : (اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما فرقان من طير صواف أو غمامتان أو غايتان يحاجان عن أصحابها)، وقد اختلف العلماء في سبب تسمية هاتين السورتين بالزهراوين على ثلاثة أقوال: فقال بعض العلماء: إنما سميتا بالزهراوين لما يزهر للمؤمن عند تلاوتهما من معانيهما ونور قراءتهما.
وقال آخرون: لأنه يرزق الإنسان بهما النور التام يوم القيامة، قال ﷺ : (يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون في الدنيا تقدمهم البقرة وآل عمران).
وقال آخرون: إنما سميتا بالزهراوين لأنهما اشتملتا على اسم الله الأعظم، فقد قال ﷺ -كما اخرج أبو داود وابن ماجة من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن بسند حسن-: (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] والتي في آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]).
ونقول وفق قواعد التفسير: يصح أن يقال: إنما سميتا بالزهراوين لهذه الثلاثة الأقوال كلها؛ لأنه لا تعارض بينها، وقد تضمنت سورة البقرة أعظم آية في كتاب الله، وهي آية الكرسي، وختمت سورة البقرة بآيتين قال عنهما ﷺ : (من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه)، وختمت سورة آل عمران بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠].
وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ وأرضاهما أنه نام عند خالته ميمونة أخت أم الفضل، وأم الفضل أم ابن عباس، فـ ميمونة زوجة النبي ﷺ خالة ابن عباس، فنام عندها وهو صبي، فرأى النبي ﷺ يقوم من الليل، فأول ما بدأ به ﵊ أنه مسح النوم عن عينيه، ثم تلا العشر الأواخر من آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] حتى ختمها صلوات الله وسلامه عليه، ثم قام إلى شنٍ معلق فتوضأ ثم فصلى وابن عباس يرقبه ﵄ وأرضاه.
فهذا -أيها المؤمن- بعض ليل نبيك ﷺ ، فلينظر أحدنا كيف يقضي ليله، سترنا الله علينا وعليكم في الدنيا والآخرة، ووفقنا الله وإياكم لاتباع سنة نبيه.
نقول: العشر الأواخر من سورة آل عمران كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يفرك النوم عن عينيه ثم يتلوها ثم يصلي، وفي سورة البقرة ذكر الله جل وعلا آية الكرسي، وفي سورة آل عمران ذكر الله جل وعلا آية عظيمه جليلة قال فيها: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]، وهذا كمثل ذكرناه، وإلا فالقرآن كله تجب قراءته، وفيه من الفضل ما لا يخفى على أحد.
ولقد قال محمد بن إبراهيم التيمي ﵀: من لم يبكه القرآن وقد أوتي علماً فخليقٌ أن لا يكون قد أوتي علماً، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٨ - ١٠٩].
فهي من أعظم الآيات التي ترقق القلوب، وتدل على الرب ﵎، وإن من تعظيم القرآن الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء:١٠٦] أن يؤمن الإنسان بمحكمه ومتشابهه، ويعمل بمحكمه ويخضع لأوامره ويجتنب نواهيه، ويتذكر قول الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١١٥].
هذه وقفات منّ الله علينا بطرحها بين أيديكم حول سورة الإسراء، وكتاب الله جل وعلا أعظم وأجل من أن يستنبطه منه فرد أو شخص كائناً من كان، وإنما فيه من الغُرر والدرر ما لم نحط به علما، وفيه ما أحطنا به علماً ولكن لا يتسع الدرس لقوله، وفيه من وراء ذلك ما اختص الله جل وعلا بعلمه.
والله المستعان وعليه البلاغ، ونسأل الله القبول، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 255
الدر المنثور
جمع الله تعالى في القرآن جميع نواحي التأثير، حيث أنزله الله متضمناً للإعجاز في البلاغة والفصاحة، ومتضمناً للإعجاز في علومه، كما أنزله متضمناً بيان عظيم تدبر آياته التي ذكر الله تعالى فيها أسباب رفعة مقام العبد، وفضل انقطاعه إلى ربه، وعظيم منته على عباده، وكمال اتصافه بعلي الصفات، والأمر الذي يقع أثره على قلب المؤمن عند تدبره لا محالة.
стр. 256
فضل لزوم تلاوة القرآن وتدبره
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أراد ما العباد فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه، وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله نبي الأميين ورسول رب العالمين، آخر الأنبياء في الدنيا عصرا وأرفعهم وأجّلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فإن الأيام لابد لها من أن تقضى وإن الليالي لابد لها من أن تنتهي، وإن الأعمار لابد لها من أن تطوى، والله جل وعلا أراد بنا أشياء وأمرنا بأشياء، وليس من الحكمة أن ننشغل بما أراده بنا عما أمرنا به، والله ﵎ إذا كان قد أخبر بأن الدنيا فانية، وأن الأعمار ذاهبة، فإن أيام العبد ولياليه ما شغلت بشيء أعظم من تدبره لكلام ربه ﷻ ، وتأمله في آيات القرآن العظيم إما بأن يتلوه، وإما بأن يتدبره، وإما بأن يمن الله عليه بالجمع بين الأمرين، قال جل ثناؤه وتباركت أسماؤه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١].
فإذا أراد الله بعبد خيراً ألزمه كتابه المبين يتلوه ويتدبره يقرأه في النهار، ويقوم به يدي ربه في الليل، قال جل ثناؤه وتباركت أسماؤه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
стр. 257
منة الله تعالى على خلقه
وذكر الله جل وعلا نتفاً من أخبار أهل طاعته وأوليائه أنهم يجتمعون يوم القيامة في الجنة كما يجتمعون في الدنيا، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٨]، فمنن الله جل وعلا على خلقه عامةً فيما سخره لهم أو على أفراد من عباده، كل ذلك تضمنته بعض آيات الكتاب العزيز.
فنقول والله المستعان: إن وجود المنن يدل على وجود المنان ﷻ ، كما أن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق، وعظمة المصنوع تدل على عظمة الصانع، فإن وجود المنن على العباد دلالة على أن هناك رباً لا رب غيره ولا إله سواه، والله ﵎ له على عباده المنة السابغة، والحكمة البالغة، وهو ﵎ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لا شريك معه ولا رب غيره ولا وزير له، تنزه وتقدس عن الصاحبة والولد، لا يتعاظم شيئاً أعطاه، يده سحاء الليل والنهار، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
فهو ﵎ رب ذو فضل كريم العطاء واسع السخاء، ولا يمكن أن تكون هناك منن حتى يكون هناك رب عظيم جليل كريم رحمن رحيم يهب ويعطي، يخلق ما يشاء ويختار، والعلم بأن الله جل وعلا هو وحده المنان القادر على أن يهب من أعظم ما يجعل العبد عرضة لرحمة الله ونفحاته وعطاياه ومننه ﵎، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩ - ٩٢].
стр. 258
لا يضيع عند الله صنيع
إن الله -كما أنه رب ذو فضل ﷻ حكم ذو عدل، فالله لا يظلم الناس مثقال ذره، وإن تكُ حسنه يضاعفها، ويعطي خيراً مما أخذ من العبد، فهو -جل وعلا- حكم عدل، وقبل أن تشرع في فهم منن الله جل وعلا على عباده يجب أن تفقه أنه لا يضيع عند الله شيء، فقد قال يوسف ﵇ يمدح ربه ويثني عليه كما حكى الله عنه في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:١٢٠]، وربنا يقول: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران:١١٥].
стр. 259
لطائف قرآنية في إعجاز القرآن
فالقرآن العظيم فيه من البلاغة وفيه من الإعجاز ما يحتوي على الإعجاز في لفظه والإعجاز في معناه، فكما يخبر الله عن المنن إظهاراً أحياناً يخبر عنها جل وعلا من باب الإضمار أحيانا.
فالإظهار يكاد يعرفه كل أحد، وما أضمره الله جل وعلا من منن على بعض عباده هو الذي يتنبه له العلماء ويسابق فيه الأخيار الذين من الله عليهم بقدرته بأن يتدبروا كلام ربهم ﵎.
فمن دلائل إعجاز القرآن: أن الله ذكر في كتابه المشرق والمغرب، ذكرهما مفردين، وذكرهما على هيئة التثنية، وذكرهما على صيغة الجمع، وكل ذكر لهما كان يحاذي السياق العام الذي جاء فيه، فلما ذكر الله جل وعلا عبادته والتوجه إليه في الصلاة -وهو حق مطلق له ﵎ لا يشاركه فيه أحد- قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فأفرد الله ذكر المشرق، وأفرد ذكر المغرب، ولما ذكر جل وعلا الانقطاع إليه، والتبتل إليه، وذكر وحدانيته، وأنه لا رب غيره ولا إله سواه قال سبحانه لنبيه: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٨ - ٩].
فذكرهما الله جل وعلا على هيئة الإفراد؛ لأن السياق والمنحى العام للآيات يتطلب هذا، ولا ملزم على الله فلما خاطب الله الثقلين الجن والأنس، فقال جل ذكره: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٤ - ١٦]، وكان الخطاب للاثنين ثنى جل وعلا المشرق والمغرب، ولم يذكرهما مفردين، فقال جل ذكره: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٧ - ١٨].
ولما ذكر سبحانه تفرق الناس على نبينا ﷺ ، واختلافهم فيه -أي: القرشيين- فهذا يصدقه، وهذا يكذبه، والمكذبون له منهم من يقول: إنه مجنون، ومنهم من يقول: إنه ساحر، ومنهم من يقول: إنه كاهن، ومنهم من هو متوقف فيه، لما ذكر تعالى ذلك قال جل ثناؤه وتبارك اسمه: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ * فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج:٣٧ - ٤٠]، فجمع جل وعلا حتى يناسب اللفظ القرآني السياق العام والمنحى الذي جاء في الآيات، أي: لما كان كفار قريش متفرقين في فهم القرآن وفي فهم الرسالة جاء الخطاب القرآني مفرقاً: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج:٤٠]، وما يقال عن هذا السياق يقال كذلك عن التقديم والتأخير في كلام رب العزة ﷻ .
فقد ذكر الله جل وعلا أولي العزم من الرسل في سورتين من كتابه هما الأحزاب والشورى، فقال في الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]، فلما ذكر الله جل وعلا فضيلة الرسل بدأ بنبينا ﷺ ؛ لأنه أشرف الرسل صلوات الله وسلامه عليه، فقدمه، ثم ذكر الأنبياء بحسب ظهورهم التاريخي فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]، فعلى هذا الترتيب كان ظهورهم التاريخي.
فلما أراد الله ذكر الدين بيان أن الدين قديم قبل محمد ﷺ لم يبدأ الله بنبينا ﵊، وإنما بدأ بنوح؛ لأنه أول من بعث بالرسالة، وأول رسل الله إلى أهل الأرض، فقال جل ثناؤه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فذكر الله جل وعلا أول الرسل، ولم يذكر أشرفهم وسيدهم؛ لأن الكلام عن الدين، وليس الكلام عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد ذكر الله جل وعلا في كتابه الوصية والدين، والفقهاء متفقون على أن الدين مقدم في إنجازه على الوصية، ومع ذلك قال الله تبارك اسمه وجل ثناؤه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، فقدم الوصية على الدين؛ لأن الدين يوجد من يطالب به، وأما الوصية فالغالب أنه لا يعلمها الفقراء، فلا يطالبون بها، فقدم الله جل وعلا ما حقه الاهتمام على ما يمكن تأجيله وإرجاؤه.
وهذا كله مندرج في بلاغة القرآن وإعجازه اللفظي كما هو معجز في معناه، ولا ريب في أنه كتاب من عند رب العالمين، فلا غرو ولا عجب أن يكون بهذا الأمر.
стр. 260
أسباب رفعة مقام العبد عند ربه
على العبد أن يعلم أن الله ﵎ ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، فإن العطايا والمنن -إذا كانت عطايا دينية- إنما تكون على قدر ما للرب جل وعلا من تعظيم وإجلال في قلب ذلك العبد، والأنبياء والمرسلون يدركون مقامهم عند الله؛ لأنهم يعلمون مقام الله في قلوبهم، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم الخليل ﵊ مرت عليه أيام لم يكن أحد على الأرض يعبد الله غيره، فكان يعرف ما له عند الله جل وعلا من رفيع المقام، فلما ابتلي بأبيه قال لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، ثم قال يبين مقامه عند الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧] أي: إنني أعلم من ربي أنه يحتفي بي ولي عنده مقام عظيم؛ لأن إبراهيم يعلم ما في قلبه من تعظيم وإجلال ومحبة وخوف من الله جل وعلا.
والله تعالى يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أراد أن يكون له عند الله جل وعلا المقام الرفيع، فلتكن لله جل وعلا العظمة في قلبه، والمحبة، والإجلال، والخوف، والعبادة، والتقوى، وكل ما أمر الله ﵎ به، وهذا من أعظم ما تستدر به نعم الله وتستدفع به النقم، أعطانا الله ووهبنا وإياكم من نعمه، ودفع الله عنا وإياكم من النقم أكثر مما نخاف ونحذر.
стр. 261
فضل التبتل والانقطاع إلى الله تعالى
قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٦ - ٩].
والتبتل والانقطاع إلى الله جل ذكره من أعظم أسباب التوفيق، بل إنه من أجل مقامات الصديقين وأعظم منازل السائرين في دروب (إياك نعبد وإياك نستعين)، فإن الله ﵎ جعل من الانقطاع إليه سنة ماضية في الأخيار من خلقه، والأفذاذ من عباده، والأتقياء من الصالحين، قال الله لخير الخلق: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٨ - ٩].
وهذا الانقطاع إلى الله جل وعلا -كما بينا- منزلة عظيمة ذكرها الله جل وعلا في سورة الزمر في مواطن متفرقة، فذكرها تارة بالتصريح، وذكرها تارة بالتضمين، فقال جل وعلا بالتصريح: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١]، وقال جل ذكره: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، فهذه الآيات وما أشبهها ومثيلاتها في هذه الصورة دعوة للمؤمن إلى أن ينقطع إلى ربه، والانقطاع إلى الله معناه: أن الإنسان لا تقر عينه بشيء أعظم مما تقر عينه بالله، وما يكون مقرباً من الله من شيء تكون قرة عينه به، فهذه إحدى معاني الانقطاع إلى الرب جل وعلا، وهذا ينجم عنه صدق التوكل على الله جل وعلا، وسيأتي بيانه تفصيلاً في قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣].
стр. 262
آثار العلم بملك الله للضر والنفع
والآيات في هذا الشأن كثيرة، ولكنها تدور على محور واحد، وهو أنه لا أحد غير الله يملك ضراً ولا نفعاً، وما دام أنه لا أحد غير الله يملك ضراً ولا نفعاً فلا يجوز للمؤمن أن ينقطع إلى غير الرب ﵎، وهذا من الحقائق العظيمة التي أرادها الله جل وعلا أن تثبت في قلوب عباده المؤمنين.
ولذلك فالناس فريقان: فريق إذا ذكرت الله وحده عنده، وكان حديثك معه فيما يتعلق بقدرة الله وجلاله وفضله وكمال عزته كان فرحاً مسروراً مستبشراً.
وفريق آخر -عياذاً بالله، وأجارنا الله وإياكم من ذلك- يحب أن يذكر مع الله غيره، فلا يفرح إذا ذكرت لله وحده، وإنما يستأنس إذا ذكرت أن للأولياء والصالحين من الأنبياء أو من الملائكة أو من الأتقياء منزلة ومكانة، فينقل أقاصيص مكذوبة عنهم، فتستبشر نفسه، وتفرح إذا ذكر مع الله جل وعلا أحد غيره، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥].
قال السيد الألوسي ﵀ -وهو أحد علماء السنة في العراق-: وقد وجدنا هذا في بعض أهل زماننا، إذا تكلمنا عن الله وكمال قدرته جل وعلا وحده ضاقوا بنا ذرعاً، وإذا ذكرنا ما للموتى من الصالحين في قبورهم من قدرات وما أعطاهم الله جل وعلا من عطايا يحسبونها موجودة وهي ليس فيها إلا الوهم ظنوا بنا الظنون، وأنكروا علينا الأمر، وهذا كله - والعياذ بالله - من عدم كمال الانقطاع إلى الله جل وعلا، ومن انقطع قلبه إلى الله جل وعلا وحده علم أن أي أحد من الخلق لا يمكن أن يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن ملكه لغيره.
ويروى عن الإمام الشافعي ﵀ أنه أهمه أمر ذات يوم، فرأى في منامه من يقول له يا أبا عبد الله! قل في دعائك: اللهم أني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشورا، ولن أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، ولن أتقي إلا ما وقيتني، فوفقني لما تحب وترضى من القول والعمل في عافية.
ففرج الله عن هذا العبد الصالح همه بعد أن ذكر هذا الدعاء.
وموطن الشاهد منه أنه لا يملك الضر والنفع إلا الله، فما دام أن الأمر إلى الله فإن أعظم مقامات التوحيد أن يفر المؤمن إلى الله جل وعلا وينقطع إليه وحده دون سواه كما قال العبد الصالح: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
стр. 263
عظم البلاء بقسوة القلب
ومما دلت عليه هذه السورة الكريمة من قضاياها أن الله جل وعلا ما ابتلى أحداً بذنب أو بلاء أو عقوبة أعظم من قسوة القلب، قال وهب بن منبه ﵀: ما ابتلى الله قوماً بشيء أعظم من قسوة قلب، قال الله جل وعلا: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢]، و (من) هنا اختلف العلماء في بيانها نحوياً ولغوياً، ولكن الأظهر -كما اختاره الطبري ﵀ أنها بمعنى: (عن)، فيصبح معنى العبارة: فويل للقاسية قلوبهم عن ذكر الله.
وأما قوله جل شأنه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] فقد قال العلماء في بيانه جملةً: إذا كان القلب معرضاً عن الله ملتفتاً إلى غيره فهو قلب قاس، وإذا كان القلب مقبلاً على الله معرضاً عن غير الله فهو القلب اللين، وما ابتلى العبد بشيء أعظم من أن يتعلق بالأشباح والصور من دون الرب ﵎، ويعرض عن الله، فيجد أنسه وفرحته في مجالس لا يذكر الله جل وعلا فيها طرفة عين، ويجد فرحته وأنسه في مواطن يُعصى الله جل وعلا فيها جهاراً، ويجد أنسه ورغبته وحياته في سفر بعيد عن مواطن يرفع فيها الآذان، وتقام فيها الصلوات.
أما الذين ألان الله جل وعلا قلوبهم فإنهم -وإن قرت أعينهم ببعض المجالس المباحة- لا تقر أعينهم وقلوبهم بشيء أعظم من مواطن يذكر الله جل وعلا فيها.
стр. 264
بيان أعظم ما تلين به القلوب
فلما ذكر الله قسوة القلب -والله رحيم بعباده- أردف جل وعلا ببيان أعظم ما يلين القلوب، فقال جل ذكره: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، فبين جل وعلا أن أعظم ما يلين القلوب هو ذكر الله جل وعلا، وأعظم ذكر للرب ﵎ تلاوة آياته وتأملها وتدبرها، وهو ما نحن فيه في هذا الدرس تقبل الله منا ومنكم صالح أعمالنا.
стр. 265
دعوة الله تعالى عباده إلى التوبة
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
جمهور أهل التفسير على أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله، قالوا: أضاف الله جل وعلا العباد إلى ذاته العلية، وأخبر بأنهم مسرفون في الذنوب، ثم أخبر جل وعلا بعد ذلك كله أنه يغفر لهم، وهذا من أعظم القرائن على أن هذه الآية هي أرجى آية في كتاب الله، وقد قال بعض أهل العلم: إنها آية مدنية نزلت في وحشي قاتل حمزة، فإذا كان قاتل حمزة قد غفر الله له مع أن حمزة كان أسد الله محبباً مقرباً من رسول الله ﷺ ، فهو عمه وأخوه من الرضاعة، فإذا كان الله جل وعلا قد قبل توبته وإنابته، فما بالك بغير ذلك من الذنوب، فالله جل وعلا أرحم الرحماء، ولذلك قلنا: إنه ذو فضل، ولكنه جل وعلا حكم ذو عدل لا يظلم الناس مثقال ذره، وهذا قد ذكره الله في هذه السورة، فإن الله ذكر أهل الكفر فقال: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، ثم بين عدله جل وعلا فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، فهنا ميز جل وعلا بين المعرضين عنه والمقبلين عليه، وذكر أعظم صفات المقبلين عليه، فقال جل ذكره: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
فمعنى الآية إجمالاً: أن هذا الموصوف بهذه الصفة من عباد الله، وإن كان أكثر أهل العلم يقول: إنها تنطبق على عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه كما حكي ذلك عن ابن عمر وغيره، ولكنها عامه في الأمة كلها.
وهذا القنوت جاء في الآية مبهماً، ولكن السنة بينت، حيث قال ﷺ -كما أخرجه الإمام أحمد في المسند والنسائي في السنن بسند صحيح من حديث تميم بن أوس الداري ﵁: (من قرأ بمائة آية من القرآن في ليلة كتب له قنوت ليلة)، فأيما عبد أراد بقيامه بين يدي الله رحمة الله، فلا هم له إلا أن يرحمه الله، وفي نفس الوقت يتلو مخافةً من عذاب الله، فتلا مائة آية من القرآن أو يزيد في ليلة واحدة، ولو في عدة ركعات كتبه الله جل وعلا من القانتين، وهذا سياق مدح عظيم من رب العالمين تشرئب إليه الأعناق وتنقطع دونه أمور الوصال.
قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩]، فقدم الله السجود على القيام؛ لأن العبد لا يكون في موضع هو فيه أقرب إلى الله جل وعلا من موضع السجود، فلهذا قال سبحانه: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، الذين يعلمون أن الله وحده أحق بأن يعبد، والذين لا يعلمون أن الله إله واحد، فلم يعبدوه، وإنما يعرف الفرق بين الأمرين والتفريق بين الحالين من كان ذا لب وعقل وإنصاف، ولهذا قال جل ذكره وتبارك اسمه: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
стр. 266
كمال فضل الله وعدله
والله رب ذو فضل، قال الله جل وعلا في آخر السورة: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر:٧٥] أي: بين أهل الكفر وبين أهل الإيمان، قضي بينهم بالحق، ولم يقل الله جل وعلا: (بالعدل) هنا؛ لأنه أدخل الجنة من كان له ذنوب وأخرج من النار من كانت له ذنوب، والجنة والنار مخلوقتان لله ﵎، فهو خالق الجنة وخالق النار، يدخل من يشاء الجنة بفضله، ويدخل من يشاء النار بعدله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله، ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله، جعلني الله وإياكم ممن كتب الله لهم الحسنى من قبل.
стр. 267
عاجل بشرى المؤمن
ومن البشارات أن يكتب الله جل وعلا لأحد من الناس قبولاً في الأرض ومحبةً من الناس وذكراً طيباً، قال ﷺ : (تلك عاجل بشرى المؤمن)، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى شيء من السرائر يصنعها العبد.
ويحكى عن رجل من الصالحين يقال له: أبو عثمان النيسابوري أنه كان محبوباً عند الناس، ففي آخر حياته جاءه رجل فقال له: يا أبا عثمان! إنك لست إماماً ولا خطيباً، وإنني أجد الله قد وضع لك قبولاً في الأرض ومحبة، فأسألك بالله إلا أخبرتني بأرجى عمل عملته في الدين.
فوافق الرجل على أن يخبره شريطة ألا يحدث به الناس إلا بعد موته، فحدث به السامع بعد موته.
قال: يا هذا إنه جاءني رجل ذات يوم أظنه من أهل الصلاح، فقال لي: إني أريد أن أزوجك ابنتي.
فقبلت، فلما دخلت عليها إذا هي عوراء شوهاء عرجاء لا تحسن الكلام، وليس فيها من الجمال مثقال ذرة، فلما رأيتها رضيت بقضاء الله وقدره، فأقمت معها خمسة عشر عاماً، ففتنت بي وليس في قلبي نحوها من الهوى والميل مثقال ذرة، ولكنني كنت صابراً عليها أحسن إليها ولا أخبرها عما في قلبي إجلالاً لله ﵎ حتى توفاها الله جل وعلا.
وكان من تعلقها بي أنها تمنعني من أن أذهب إلى المسجد وإلى أقاربي وأصدقائي، وتريدني طيلة النهار أن أكون معها، فأطيعها في كثير من الأحيان، ولم أخبر بهذا أحداً، ولم أشك أمري إلى أحد غير الله، وفعلت ما فعلت إجلالاً لله، فإن كان الله كتب لي قبولاً فإني أرجو أن يكون بسريرتي هذه.
فمن أعظم ما تتقرب به إلى ربك أن يكون بينك وبين الله جل وعلا سريرة لا يعلمها أحد من الخلق تدخرها لنفسك بين يدي الله في يوم تكون أحوج ما تكون فيه إلى ما يكسو عورتك ويطفئ ظمأك، ويجعلك تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
فأعمال السرائر إذا أخلص العبد لله فيها النية، وكان له عمل، سواء أكان عملاً عبادياً محضاً بينه وبين الله، أم عملاً بينه وبين الخلق، كإحسان إلى والده، أو قيام على أرملة أو عطف على يتيم، أو غير ذلك مما شرع الله مما لا يمكن لي ولا لغيري أن يحصيه، إذا جعل ذلك سريرة يدخرها بينه وبين الله كان ذلك من أعظم البشارات، فتأتيه بشارته في الدنيا قبل الآخرة، ألم يقل نبينا ﷺ : (يا بلال! إنني ما دخلت الجنة إلا ووجدت دف نعليك أمامي)، وذلك أنه ﷺ كان يدخل الجنة في منامه، ورؤيا الأنبياء حق، فكلما دخلها يسمع صوت خشخشة نعلي بلال ﵁ وأرضاه، فقال: (فأخبرني -يا بلال - بأرجى عمل عملته في الإسلام؟ فقال: يا رسول الله! إنني ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت لله ما شاء الله لي أن أصل).
فهذه سريرة أظهرها بلال لعارض، وعظمتها في المداومة عليها، وأحب العمل إلى الله جل وعلا أدومه، وكلما ابتلي الإنسان ببلاء ونجح في الابتلاء كان ذلك بشارة من الله له بالثبات يوم القيامة يوم تزل الأقدام، والله تعالى حكم عدل، فلا يمكن أن يهبك هبة وينزل منزلة حتى يؤهلك للوصول إليها، فإذا أراد الله لك منزلة أعطاك ما يعينك على الوصول إليها، إما بالفقد، وإما بالعطاء، فإما أن تفقد شيئاً فتصبر، وإما أن يوفقك الله لعمل صالح فتصنعه.
стр. 268
عظم أثر القرآن على القلوب
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤].
لا تعود نفسك أن يرق قلبك إلى شيء أعظم من القرآن، فلو سمعت مئات المحاضرات فإنها -والله الذي لا إله إلا هو- لا تعدل آية واحدة من كتاب الله، فالله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٣].
فالمؤمن لا يريد شيئاً أعظم من رضوان الله، ورضوان الله لا ينال بشيء أعظم من حب كلام رب العالمين ﷻ ، ومن أعظم ما أثنى الله به على أوليائه والصالحين من خلقه أنهم يتصفون بثلاث صفات إذا تليت عليهم آيات الله: وجل القلب، واقشعرار الجلد، وذروف العين.
قال الله عن موسى وهارون وإبراهيم وإدريس وإسماعيل ومريم وابنها في سورة مريم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، وأعظم ما ينصح به الإنسان ليحيا قلبه أن يقوم بين يديّ الله في الليل.
стр. 269
أثر ثناء الله على نفسه على قلوب المؤمنين
ثم تأتي آيات أثنى الله فيها على ذاته العلية، ولا يوجد كلام أجمل وأعظم تأثيراً من ثناء الله على نفسه وإخبار الله عن ذاته، لأنه لا أحد أعظم من الله، فلا كلام أعظم من كلام الله، وبما أنه لا أحد أعظم من الله فلا أحد أعلم بالله من الله.
فإذا جئت لتقف بين يديه واختر آيات في أول تعودك على قيام الليل أثنى الله بها على ذاته العلية، ثم رددها كثيراً وأنت تصلي حتى تستميل قلبك، وتذرف عينك تدريجياً، ومع الأيام فإن قلبك لن يسكن بشيء أعظم من ذكر الله، ومن استأنس بالله استوحش من خلقه.
فالله تعالى يقول عن ذاته العلية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٥ - ٤٧]، فهذه أشياء محسوسة تراها قبل أن تنام، فإذا ربطتها بخالقها عظم اليقين في قلبك، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان:٤٨ - ٥٠].
ويقول جل وعلا في خواتيم الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤].
فأين شعر الشعراء؟! وأين كلام البلغاء؟ أين وصف الفصحاء؟ هذا كلام رب العزة ﷻ ، هذا قوت القلوب الحقيقي الذي يعيش به المؤمن، ويتعود على ألا يشرب إلا منه ولا ينهل إلا من معينه، هذا الذي يسوق إلى رضوان الجنات، ويوفق به المؤمن للطاعات، ويقاد به إلى أعلى المنازل.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت عالم الغيب والشهادة، مصير كل أحد إليك، ورزق كل أحد إليك، أسألك -اللهم- بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلى أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، وأن ترزقنا الإخلاص فيما نقول ونسمع، وصل اللهم على محمد وعلى آله.
стр. 270
القطوف الدانية
هناك أمور كثيرة ينبغي الإطلاع عليها ومعرفتها، وهنا يذكر الشيخ قطوفاً دانية تشمل فوائد متفرقة، بعضها تتعلق بالعقيدة وبعضها بالتزكية وبعضها بالأمور الاجتماعية وآداب الصداقة، وبعضها متعلقة بالأدب والبلاغة
стр. 271
دور الصحوة الإسلامية في نشر الوعي الديني
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اعترافاً بفضله وإذعاناً لأمره، وأشهد أن محمداً عبده المجتبى ونبيه المصطفى ورسوله المرتضى، سيد الأولين والآخرين، وأكرم الأنبياء والمرسلين، خصه ربه بالشفاعة العظمى، وعرج به ليلاً إلى سدرة المنتهى، فهو خليل الرحمن، ورسول الملك الديان، حظنا من النبيين ونحن حظه من الأمم، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، اللهم وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم واتبع نهجهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا اللقاء الطيب المبارك الذي يتجدد أسبوعياً، ستكون هذه الليلة خاتمة مرحلته الثانية، ولذلك نقول: إن الصحوة الإسلامية المباركة التي امتد جذرها شرقي العالم وغربيه شماله وجنوبه صاحبها الكثير من المحاضرات والدروس العلمية النافعة، وهذه المحاضرات وتلك الدروس كانت في غالبها على منهجين: منها: دروس علمية بحتة، تعنى بشرح المتون، وبيان ما دونه أهل العلم في المطولات والمختصرات، وكانت تلك المحاضرات موجهة إلى طلبة العلم بصفة خاصة.
والنوع الآخر: كان على هيئة محاضرات، وهذه المحاضرات أخذت في طبيعتها قسمين: منها: ما عنى بالجانب الفكري، ومنها: ما عنى بالجانب الوعظي، وفي كل خير.
فأما الجانب الوعظي فقد نفع الله به كثيراً من عباد الله المؤمنين أحجم بتلك المواعظ عن كثير من المعاصي، وكانت سبباً في إقدامهم على كثير من الطاعات.
كما أن المحاضرات التي عنيت بالجانب الفكري فتحت آفاقاً لدى الشباب خاصة، وسائر الناس عامة، وأسهمت إسهاماً كبيراً في أن يدرك المرء حال الأمة الإسلامية شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وهذا كله فضل من الله.
ويمكن أن يدرج في ذلك أيضاً: ما نحاول أن ننتهج خطاه هذه الليلة، وهو أن يكون في المحاضرة شيء من التنويه، وذلك أن النفوس والقلوب مثل الأبدان، يصيبها الملل، ويصيبها التعب، فهذه القطوف الدانية التي نستعين الله جل وعلا في ارتجالنا هذه الليلة إنما المقصود منها أمور عدة: أولها وأجلها: الانتفاع العلمي مما يحصل به نيل الدرجتين في الدنيا والآخرة.
والأمر الثاني: أن يجد المؤمن من أخيه زاداً علمياً وفكرياً وثقافياً يعيش به في حياته الدنيوية، وإن كان الباع قصيراً، والبضاعة مزجاة، لكن لو أن كل واحد منا سد ثغرة في حياة المؤمنين لسدت الثغرات جميعها.
والأمر الثالث: أن الإنسان قد يحتاج في هذه الحياة إلى ما يطرد سأمه، ويذهب ملالته، وبخاصة عندما يلم به الحزن، أو يأتيه الكرب، أو ما إلى ذلك، فإن التسلي بأخبار الصادقين، وأنباء الأولين فيه شيء من التعزية للنفس، وفيه زاد لروح المؤمن وبدنه! من أجل هذا وغيره، كانت محاضرة هذه الليلة (القطوف الدانية) وهي أيها الأخ المؤمن إن لم تصل إلى الحد الذي تريده، فإن مثلك أهل لأن يعذر، ومثلنا بشر قابل لأن يخطئ فيعتذر! وستأخذ هذه القطوف عناوين متعددة على غرار النهج الأول الذي انتهجناه في الجزء الأول من القطوف الدانية.
стр. 272
من أخبار المهدي المنتظر
стр. 273
عقيدة أهل السنة والجماعة في المهدي
وأولى عناوين هذه القطوف المهدي المنتظر: وهذه مسألة عقدية، فإن الله جل وعلا جعل للساعة أشراطاً وعلامات وآيات منها آيات صغرى وآيات كبر، والمهدي المنتظر إحدى الآيات الكبرى، وقد خصصناه بالذكر لاختلاف الناس فيه، ما بين مخطئ في التعيين، ومخطئ في التصديق أو التكذيب.
فالمهدي المنتظر في عقيدة أهل السنة والجماعة رجل من آل بيت محمد ﷺ يخرج في آخر الزمان اسمه واسم أبيه موافق لاسم محمد ﷺ واسم أبيه، أي: أن اسمه محمد أو أحمد بن عبد الله.
وهو عند أهل السنة من ذرية الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، فيقال في نسبه: محمد بن عبد الله العلوي الحسني الفاطمي.
وجاء في صفاته عن الصادق المصدوق ﷺ أنه رجل أقنى الأنف أجلى الجبهة، ومعنى أجلى الجبهة: أن الشعر منحسر من جهة الصدغين عن جبهته، ومعنى أقنى الأنف أي: أن أرنبة أنفه طويلة مع شيء من الحدب، أي الميل.
وهذا الرجل كما قال الحافظ ابن كثير وغيره يكون الدين في عهده ظاهراً، والسلطان قاهراً، والعدو راغماً، والخير قائماً، وتكون في عهده الثمار كثيرة، والأموال وفيرة، بل قيل: إن أهل الإسلام يحيون سبع سنين في حكم ذلك الرجل في أعم أمن ورخاء، كما ثبت ذلك عن المعصوم ﷺ .
стр. 274
عقيدة الإمامية في المهدي
والناس في هذا الرجل طوائف عدة: فمنهم: أهل السنة وقد بينا مذهبهم ومنهجهم آنفاً.
ومنهم: الشيعة الإمامية، وهؤلاء طائفة ينعتون بالإثني عشرية فـ المهدي المنتظر عندهم هو آخر الأئمة، ومعلوم أن الشيعة الإثني عشرية، عندهم اثنا عشر إماماً يقولون فيهم أقوالاً لا تقبل، إلا أن من تلك الأقوال أن هذا المهدي يخرج في آخر الزمان وهو عندهم الآن في سرداب في (سر من رأى) وهو عندهم كذلك من ذرية الحسين بن علي لا من ذرية الحسن، وفي ظنهم أنه غائب عن الأبصار حاضر في الأمصار، ويخرج من ذلك السرداب بعد أن يكون قد قضى فيه آلاف السنين وهو على عددهم وحسابهم قد قضى فيه إلى الآن ألفاً ومائة عام؛ لأن غيابه كان في عهد الدولة العباسية، فهذا اعتقاد الشيعة الإثني عشرية فيه.
стр. 275
عقيدة الكيسانية في المهدي
وهناك طائفة أخرى من الشيعة تنعت بالكيسانية، وهؤلاء عندهم مهدي غائب مثل غيرهم، وينتظرون خروجه، إلا أنهم يقولون: إن اسمه محمد بن الحنفية، وهذا يقولون: إنه موجود الآن في جبال الحجاز الغربية المسماة بجبال رضوى، فيقولون: إنه في كهف من كهوفها، وعندهم أو غالب ظنهم أن عنده عسلاً وماء يشرب منهما، ويحرسه أسد أو ذئب.
وهذه الأقوال تمجها عقول الصبيان، ويضحك منها كل من لديه عقل؛ لأن هذا لا يقوم عليه دليل واضح، ولا حجة ظاهرة، ولا خبر عن المعصوم ﷺ .
وفي ذلك يقول كثير عزة وهو أحد المنتسبين إلى هذه الفرقة: ألا إن الأئمة من قريش حماة الدين أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يُرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء فهو يزعم أن الأئمة أربعة فقط: علي رضي الله تعالى عنه، والثلاثة من بنيه، فـ الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية الذين يعتقدون الآن أنه في جبال رضوى.
فأما قوله: إن علياً إمام فهذا حق نؤمن به وندين الله به.
وأما قوله: إن السبط الأول سبط إيمان وبر، فهذا حق، وإن قال به كثير فإن الحسن رضي الله تعالى عنه مشهود له بالجنة.
وأما قوله: وسبط غيبته كربلاء -يعني: الحسين بن علي - فنشهد كذلك بأن الحسين إمام من أئمة المسلمين، وصحابي له قرابة من النبي ﷺ ، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه حباً جماً، وشهد له ﵊ بالجنة، وأخبر أنه وأخاه ريحانتاه ﷺ من الدنيا.
أما قوله: وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء فهذا هو الباطل بعينه، فإن محمداً هذا قد مات، وفاضت روحه إلى الله، وأصابه ما يصيب الناس جميعاً من فناء وموت، وهو يحيا الآن كسائر العباد حياة برزخية الله أعلم بها، أما أن يقال أنه موجود في جبال رضوى، وأنه سيخرج، فهذا هو الباطل، أو هو الهراء بعينه.
стр. 276
قول العصرانيين في المهدي والرد عليهم
بقي قول آخر في المهدي المنتظر، وهو قول بعض المنتسبين إلى أهل السنة، وأغلبهم من العلماء المعاصرين، فهؤلاء يقولون: إنه لا حقيقة وجودية للمهدي المنتظر، وحجتهم في ذلك أن أحاديث المهدي ليست موجودة في الصحيحين بالاسم الصريح، وإنما غالبها في السنن، أو في صحيح ابن حبان، أو في مسند أحمد، أو في غيرها من كتب السنة.
والرد على هذا من وجوه عدة: أولها: أنه لم يقل أحد من أهل العلم إن أحاديث المعصوم ﷺ الصحيحة محصورة في الصحيحين، فإن كل ما في الصحيحين صحيح، لكن يوجد الصحيح كذلك في غيرهما، في كتب السنن، أو في كتب الحديث غير الكتب الستة.
والأمر الثاني: أن جمعاً من محققي أهل العلم أثبتوا أن أحاديث المهدي المنتظر منقولة للأمة تواتراً معنوياً لا يمكن رده بأي حال من الأحوال، وممن نص على هذا من علماء العصر سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز.
بل إن أهل العلم اجتهدوا في تأليف رسائل خاصة يردون فيها على من زعم أنه لم يصح خبر في أحاديث المهدي المنتظر ومنهم العلامة الشيخ عبد المحسن العباد، فإنه ألف كتاباً رد فيه على المشككين في صحة أحاديث المهدي، وبين من خلال التحقيق العلمي الموثوق أن ستة وعشرين صحابياً من أصحاب محمد ﷺ رووا أحاديث المهدي، وأن أكثر من ستة وثلاثين مصنفاً من مصنفات الأحاديث ذكرت أحاديث المهدي.
وهذا فيه رد على الحجج الواهية للعلامة ابن خلدون في كتابه الشهير: ديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والبربر ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر والذي ألمح فيه عفا الله عنه إلى تضعيف أحاديث المهدي المنتظر دون أن يصرح بذلك، ومعلوم أن ابن خلدون على جلالة قدره وعلمه في التاريخ ليس من فرسان الحديث، وليس له باع طويل في معرفة صحيح الأحاديث من ضعيفها.
فعلى هذا يقال بعد هذا القول المجمل كله: إن المهدي المنتظر رجل من آل بيت رسول الله ﷺ سيخرج قطعاً في آخر الزمان، وخروجه إحدى آيات وعلامات الساعة الكبرى، وإنه مما يكرمه الله ويخصه به أن عيسى بن مريم ﵊ وهو من أولي العزم من الرسل يصلي خلفه، قال ﵊: (إن منا لمن يصلي عيسى بن مريم خلفه تكرمة من الله لهذه الأمة) وهذا حديث مقطوع بصحته، فهذا مجمل ما أردنا بيانه في المهدي المنتظر.
ولكونه شخصاً مرغوباً فقد تسمى كثير من الخلفاء والسلاطين من أهل الحق ومن أهل الباطل إلى هذا العصر بلقب المهدي، كلهم يؤمل أو يتفاءل بأن يكون هو المهدي، ولعل من أشهرهم وأظهرهم المهدي العباسي، ولعل من أسوئهم وأبطرهم أحد حكام القرامطة الباطنيين، فإنه زعم أنه المهدي المنتظر، لكن ذلك فيما يظهر لم يحن بعد، وسيأذن الله جل وعلا به يوماً من الدهر كما أخبر الصادق المصدوق والنبي المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 277
من جوامع الدعاء
стр. 278
فضل الدعاء
القطوف الثانية من جوامع الدعاء: الدعاء منة من الله جل وعلا على عباده المؤمنين، وذلك أن الاستكانة والذل بين يدي الله جل وعلا ودعائه هو كنه العبادة ولبها، قال ربنا ﷻ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].
فأنبأ الله ﷻ أن الدعاء هو العبادة، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (الدعاء هو العبادة (.
فدعاء الله جل وعلا ينبئ عن تعلق به، ولذلك كان دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شركاً أكبر مخرجاً من الملة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥].
وحرم الله على عباده دعاء غيره، بل إن دعاء غير الله هو الشرك بعينه، وهو أعظم المحرمات على الإطلاق، ولذلك كان الداء الأكبر في كفار قريش أنهم كانوا يشركون مع الله في دعائه أحداً غيره.
ولذلك كان من أعظم صفات المؤمنين الخلص: أنهم لا يدعون إلا ربهم، ولا يشكون ولا يؤوبون إلا إليه، لعلمهم ويقينهم أنه ليس بيد أحد ضر ولا نفع إلا الله جل وعلا، قال الله ﵎ يخبر عن ذاته العلية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
سنبين ثلاثة أدعية منصوصاً عليها في الكتاب الكريم، وهي من أعظم جوامع الدعاء وأبلغه:
стр. 279
من جوامع الدعاء (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)
أما أولها: فقول الله جل وعلا في نعته لعباده المؤمنين عندما يفيضون من عرفات إلى مزدلفة: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠٠ - ٢٠١].
فهذا من أعظم جوامع الدعاء وأبلغه.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان كثيراً ما يدعو به، بل ثبت عنه ﷺ أنه كان إذا طاف بالبيت العتيق، وأضحى بين الركنين اليمانيين -الركن اليماني والحجر الأسود- دعا ﷺ بنص هذه الآية: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
وأنت أيها المؤمن إذا تأملت هذا الدعاء وجدت أنه دعاء جامع، وذلك لأمور: الأول: أنه قصير، والنبي ﷺ كان من دعائه جوامع الكلم الموجزة، وقد أوتي ﵊ جوامع الكلم.
الأمر الثاني: أنه جمع بين خيري الدنيا والآخرة، وكذلك المؤمنون إنما يدعون ربهم بخيري الدنيا والآخرة.
ومن آتاه الله في الدنيا حسنة فمعناه أنه أحياه الحياة الطيبة، ومن آتاه الله في الآخرة حسنة فمعناه أنه زحزح عن النار وأدخل الجنة، وذلك هو الفوز العظيم التي كانت وما زالت قلوب المؤمنين تنشده وتطلبه.
стр. 280
من جوامع الدعاء (ربنا إننا ظلمنا أنفسنا إلخ)
الدعاء الثاني: قول الله جل وعلا على لسان الأبوين -آدم وحواء - لما أهبطا إلى الأرض وأخرجا من الجنة، وكان قد وقع منهما ذلك العصيان الذي أنبأ الله به بقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] فعلم الله جل وعلا آدم كلمات حتى يعود إليه، ويتوب الله جل وعلا عليه، وقد ذكر بعض أهل العلم أن تلك الكلمات هن الدعاء الذي نص الله جل وعلا عليه في سورة الأعراف يوم قال جل ذكره على لسان الأبوين آدم وحواء: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
فهذا من أعظم الدعاء وأجمعه، وفيه من الذل ما هو ظاهر جلي، وواضح لا يحتاج إلى بيان، فإن فيه إخباراً بالمسكنة وظلم النفس، وفيه بيان أن الغوث والعون إنما يكون من الله وحده، وهذا نص قولهما: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
فالإنسان إن لم تتداركه رحمة الله ولم تنله رحمة الله أضحى في الخسران المبين، والضلال الواضح، ولذلك حري بالمؤمن أن يكون في دعائه ما ينبئ عن عظيم تعلقه بالله، وعلمه أن الفضل كله بيد الله وحده يؤتيه من يشاء، ألا ترى يا أخي إلى دعاء موسى يوم سقى الفتاتين فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤] فإنه أظهر ذله وفقره إلى علام الغيوب، وغفار الذنوب ﷻ ، والإنسان إذا أظهر إلى الله شدة فقره، واستزاد من الله النعم، أفاء الله جل وعلا عليه من العطايا، وآتاه ﵎ من المزايا.
стр. 281
من جوامع الدعاء دعاء امرأة فرعون
الدعاء الثالث: في جوامع الدعاء ما ذكره الله ﵎ على لسان تلك المرأة الصالحة الصادقة آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، فهذه المرأة عاشت في قصر كفري كان صاحبه ومالكه -وزوجها في نفس الوقت- رجلاً يزعم أنه الرب الأعلى قال تعالى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وأي: ذنب وجرم بعد ذلك؟ ومع ذلك فإن الله إذا أراد بعبد خيراً، وأراد له فضلاً ومزية، لم تمنع الله عن ذلك الحجب، ولم تمنع الله عن ذلك الجن، ولم تمنع الله عن ذلك السلاطين، فدخل الإيمان في سويداء قلب هذه المرأة العظيمة المؤمنة، رغم أنها تسكن في قصر لا يوحد فيه إلا فرعون، ولا يأمر فيه إلا فرعون، ولا ينهى فيه إلا فرعون، لكن لما تملكها الإيمان بطل كل من حولها.
وقد قال بعض أهل العلم: أن إيمان امرأة فرعون إنما كان بسبب تلك المرأة الماشطة! وماشطة امرأة فرعون ورد عنها حديث صححه بعض أهل العلم ونكاد نجزم بصحته: (أن النبي ﷺ لما عرج به مر بالسموات السبع فكأنه شم ريحاً طيبة، فقال لجبريل: ما هذا؟ أو ما هذه الريح الطيبة؟ قال: هذه ريح ماشطة ابنة فرعون، فقال ﷺ : وما ماشطة ابنة فرعون؟ قال: إن ماشطة ابنة فرعون كانت تمشط لابنة فرعون شعرها، فسقط المشط من يدها، فهمت لتتناوله وقالت: باسم الله.
فقالت بنت فرعون: وما الله؟ قالت: ربي.
قالت: ألك رب غير أبي؟ قالت: نعم.
ربي وربك ورب أبيك الله فقالت الفتاة: لأخبرن أبي.
قالت: أخبريه.
فأخبرت أباها.
فلما وضعها فرعون بين يديه قال لها: ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله! فأمر بنقرة من نحاس أن تحمى وأمر بزيت يصب فيها، وأمر بأن ترمى فيه فقالت له: إن لي إليك حاجة.
قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع بين عظامي وعظام أبنائي فقال: ذاك لك لما لك علينا من الحق، فأخذ يرمي أبناءها على مرأى من عينيها واحداً بعد الآخر حتى بقي الرابع فقال: يا أماه! اصبري فإنك على الحق).
فهذه المرأة العظيمة كانت سبباً -على ما نص عليه بعض أهل العلم- في إيمان امرأة فرعون، وامرأة فرعون لما كان يخرج بها لتعذب كان الله جل وعلا يريها منزلها في الجنة، فكانت تقول كما أخبر العلي الكبير عنها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].
وتأمل أيها المؤمن هذا الدعاء: إن العرب جرت العادة من كلامهم أن تقدم الفعل ثم الفاعل ثم المفعول به، ثم الباقي من مكملات الجملة، ولكنك إذا تأملت قولة امرأة فرعون تجد أنها قدمت مكملات الجملة على المفعول به: ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] ولم تقل: رب ابن لي بيتاً عندك.
قال العلماء: اختارت الجار ﷻ قبل أن تختار الدار، فجوار الله جل وعلا أعظم مما سواه، ومنزلته وهي الجنة أعظم ما طلبه المؤمنون من ربهم، فقولها هذا -رحمة الله تعالى عليها ورضي الله عنها- قول بليغ في الدعاء، وحري بكل مؤمن، ومؤمنة أن يكون من دعائه الذي يبتهل به إلى الله جل وعلا أن يدعو بهذا الدعاء: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١].
أما القول: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم:١١]، فهذا ليس بموجود، فدعاء الله به في هذا الوقت من الاعتداء في الدعاء.
ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل الله جل وعلا أموراً لا توافق الحال، أو يسأل الله جل وعلا أموراً أخبر الله أنها لم تكن.
فمثلاً: أخبر الله جل وعلا أنه حرم الجنة على الكفار، فلو أن رجلاً يحب أحداً من أهل الكفر -أبيه أو أخيه قريبه أو ما إلى ذلك- وقد مات على الكفر الصريح، فلا يجوز شرعاً أن يقول: اللهم اغفر لفلان، وهو يعلم أنه كافر كفراً أكبر لا تأويل فيه، ولا خلاف بين أهل العلم فيه؛ لأن هذا مما لا يقع أبداً.
أو كأن يقول رجل: اللهم اجعلني نبياً، فإذا سألته قال: أليس الله على كل شيء قدير؟ نقول: بلى.
إن الله على كل شيء قدير، ولكن الله أخبر أنه لا نبي بعد محمد ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] فسؤال الله النبوة بعد إخبار الله بختمها يعد من الدعاء الذي نص الله على حرمته، قال الله جل وعلا: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف:٥٦].
وقال الله ﵎: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] أي: الذين يعتدون في دعائهم كما بينا.
والله تعالى أعلم.
стр. 282
من معاني الصداقة
القطوف الثالثة: من معاني الصداقة.
وهذا جانب يعنى بحال كثير من الناس رجالاً ونساءً، وبحال الكثير من الشباب اليوم.
الإنسان بطبعه من الصعب والمشقة عليه أن يعيش وحيداً فريداً، فلابد له من خلة، ولابد له من خلطاء، ولابد له من أصدقاء، ولابد من أصحاب، وهذا أمر شائع ذائع يعرفه الصغير والكبير، إلا أن الناس من خلال استقرائهم للدهر ومعرفة الأيام زعم الكثير منهم أنه لا يوجد في الدنيا صديق وفي، بل إن العرب كانت ترى أن الصديق الوفي أمر مستحيل، فنسمع اليوم في خلال تعبيرات الناس أنهم يقولون: ثالث المستحيلات سابع المستحيلات، وما إلى ذلك!! المستحيلات المنصوص عليها ثلاث: الغول، والعنقاء، والخل الوفي.
فالعرب تقول: إن الغول شيء يخوف به، وليس له وجود.
والعنقاء طائر يخوف به، وليس له وجود.
والخل الوفي: شيء يتمناه كل إنسان وهو غير موجود؛ وانظر إلى قول أحدهم: لما رأيت بني الزمان وما بهم خل وفي للشدائد أصطفي فعلمت أن المستحيل ثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي فهم يزعمون أنه لا يوجد خل وفي، وهذا في ظننا بعيد، وأعظم دلالة على بطلانه: صداقة النبي وصحبته لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنه تلك الصحبة التي شهد الله بها، قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
وصداقته ﷺ لـ عمر وغيره من الصحابة.
ويوجد في واقع الناس اليوم كثير من الخلطاء الصالحين، ونحن نريد أن نبين بعض الوصايا لمن تكون بينهم صداقة ومحبة ومودة، لعل الله أن ينفع بها:
стр. 283
الوصية الأولى في الصداقة
أول تلك الوصايا: أن يعلم أن كل صداقة ومودة ومحبة لا تقوم على أساس ديني مرتبط بالله جل وعلا، فإنها لابد أن تنتهي وتتلاشى ذات يوم، وإن بقيت فإنها لا تنفع في الآخرة في شيء، قال الله جل وعلا: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فكل الأخلاء والأصدقاء والأصحاب يكونون يوم القيامة أعداءً لبعض، إلا من كانت صداقته مبنية على التقوى، والمتحابون في جلال الله يظلهم الله جل وعلا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما في حديث أبي هريرة: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه).
وينادى يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي؟) إلى غير ذلك مما هو مستفيض معروف في بيان فضل المحبة في الله جل وعلا.
стр. 284
الوصية الثانية في الصداقة
الوصية الثانية: إذا أنشأ الله بينك وبين أحد إخوانك صداقة ومودة ومحبة، فاعلم أنها قد تزول ذات يوم، إما لعارض منك، وإما لعارض منه، وإما لعارض لا تملكه أنت ولا هو كالرحيل والسفر، أو تبدل الأيام، أو ما إلى ذلك مما يصعب حصره.
لكن ما واجبك بعد أن يتغير الود وتتبدل المحبة؟ فإنه لابد قطعاً أن يكون قد مضى فيما بينكما أيام القرب والوصال والمحبة والوئام أسرار، وسفر ورحيل، وشيء من الهنات والزلات والأمور التي لا مفر منها، فإنك لا تخلو من أن تكون أحد رجلين: إما رجل يمشي ويحدث بما كان في أخيه من أخطاء، وهذا أمر لا يليق بالأحرار، ولا يليق بالشرفاء، ولا يليق بذوي المعدن الأصيل من الناس.
وإما أن تمشي وتحدث بأحسن ما سمعت من أخيك، وأحسن ما رأيت من صحبته، وأجمل ما لقيت من خلته، فهذا هو طبع الأحرار، وهذا هو دأب الشرفاء، وهذا هو نعت الأبرار.
إن الكريم إذا تغير وده ستر القبيح وأظهر الإحسانا إن كان ولابد أن تخبر فلا تخبر إلا بما هو خير، لكن أن يذكر خليلك السابق، أو صديقك الماضي في مجلس، وتبطن على ما قيل فيه من عثرات، أو تثبت على ما هو فيه من أخطاء، فإن هذا يجمع بين الغيبة -وهي محرمة شرعاً- ولؤم الطبع، وحري بي وبك أن ننأى بأنفسنا على أن نكون من اللئام! فهذا أمر ينبغي للأخ المؤمن أن يجتنبه كل الاجتناب، ولا يحدث عن إخوانه المؤمنين إلا بأمر حسن.
стр. 285
الوصية الثالثة في الصداقة
ثالثة الوصايا: اعلم أن الود والمحبة ليس من شرائطه الالتزام الكامل، فبعض الشباب إنما يقيس محبة أخيه له بمدى تعلقه به وغدوه ورواحه معه، فإما أن تكون معي أربعاً وعشرين ساعة، وإلا فإنك لست خليلاً ولا محباً، بل تكون شخصاً مبغضاً.
فنقول: إنه لا يخلو كل فرد من خاصة في نفسه، وانقطاع إلى أهله، وشئون يحب أن يقضيها بمفرده، فأعط أخاك المؤمن فرصة في أن يبقى في بعض أوقاته وحيداً دون أن تكثر عليه من الغدو والرواح، ولا تظنن يوماً من الدهر أن غدوك ورواحك وانقطاعك إليه ساعات كثيرة متواصلة هو السبب في أن يكون محباً لك، إن من لم تغرس لك المحبة في قلبه لن يغرسها غدوك ورواحك، فإن حياة القلوب غير حياة الأبدان.
وقد زعموا أن المحب إذا دنا تسلى وأن القرب أوهن للود ولكن تدانينا فلم يشف ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود فلو ألصقت بيتك ببيته، وجعلت له مكاناً ثابتاً في سيارتك، ولكن ليس لك في قلبه محبة أو مودة أو مكانة، فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً.
следующие страницы →