Полный текст (797 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ذكر نبي الله يحيى في السورة
ثم ذكر الله جل وعلا نبيه يحيى ﵊ أي: أن يحيى نبي ابن نبي وهو ابن خالة عيسى بن مريم -كما سيأتي بيانه- قال الله جل وعلا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٢ - ١٣]، ويحيى ﵊ نبي من أنبياء بني إسرائيل وقد كان يجتمع في بني إسرائيل أكثر من نبي في الحقبة الواحدة أو في العصر الواحد أو في الزمن الواحد، ومن هنا اجتمع يحيى وزكريا وعيسى عليهم وعلى نبينا جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وفي قول الله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، استنصار لهمم الشباب ودفع لهم إلى تتبع طرائق الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا رزق يحيى الفهم والعلم والحزم والحكمة وهو صبي، وقد قيل: إن الصبيان اجتمعوا عليه ذات يوم فقالوا له: يا يحيى! هيا بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا؛ خلقنا لعبادة الله.
وقول الله: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، دلالة على إن دين الله لا يحمله إلا ذوي العزم الشديد، وذوي العقل الرشيد، وذوي الحكمة البالغة، وذوي الآفاق الواسعة، ومن اتصف بصفات عدة؛ لأن القوة ليس المقصود: حصرها على قوة البدن فقط ولكن القوة في البدن والقوة في الرشد والتأني، حتى السكينة والصبر والتحمل فإنها شيء من القوة, قال ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
فمن حاولت إغراءه وجلبه بقول أو بما لا يخفى على أحد، فصبر وتأنى وتبين الحق من الباطل واسترشد فهذا يدل على قوة فيه، أما الضعف والخور والطيش والحماس المفرط فهذه لا تبني الأمة ولا تقوي مجير ولا تنفع صحوة إنما يكون أحياناً ضررها أكثر من نفعها.
فالقوة الحق: الاسترشاد، والتأني، والحلم، والبعد، وحسن الظن بالمؤمنين، والنظر في المصالح، والنظر في المفاسد، وتقديم أعظم المصلحتين، ودرء أعظم المفسدتين إلى غير ذلك مما لا يخفى على أحد منكم بإذن الله.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم:١٢ - ١٣]، أي: الذي آتيناه ليحيى آتيناه من فضلنا ومن عطائنا، ومن ذا الذي يمنع -كما قلنا مراراً- فضل الله ورحمته على أحد من عباده كائناً من كان؟!
стр. 457
صفات نبي الله يحيى المذكورة في السورة
ثم ذكر الله بعض الصفات التي وصف الله بها هذا النبي الصالح: قال جل وعلا في أول صفاته: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٣]، والتقوى قيل في وصفها: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله تخشى عقاب الله, وهي وصية الله لكم وللسابقين من قبلكم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، وقد قال ﷺ في خطبته في حجة الوداع وفي غيرها: (يا أيها الناس! اتقوا ربكم)، وما زال الصالحون والأخيار جيلاً بعد جيل خلفاً بعد سلف يوصي بعضهم بعضاً بتقوى الله ﵎.
ولهذا وصف الله ذلك العبد الصالح بقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٣]، أي: مقدماً على الطاعات، محجماً عن المعاصي، يرجو رحمة الله، ويخشى عقاب الله وهذا هو التقوى وأساسها، فإن الإيمان بالعمل وليس الإيمان بالألفاظ فقط والتحلي بها سماعاً دون تطبيق واسترشاد بقول الله وقول رسوله ﷺ .
ثم ذكر ﵎ ثاني صفاته على عبده يحيى قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم:١٤]، وهذه من أعظم الخصال وأجل الصفات، وبر الوالدين قد أطنب ولله الحمد في بيانه كثير من الدعاة والعلماء جزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء، ورغم ما قدمه أهل العلم بل وما ذكر في القران وفي صحيح السنة من دعوة إلى بر الوالدين، إلا إننا مع ذلك نجد البعض -عفا الله عنا وعنهم وردهم إلى سبيله وهديه- يفرط في هذه المسالة حتى ممن من الله عليه بالهداية والعودة إلى الطريق المستقيم، وقد أخبرنا من نثق به على سبيل الشكوى إن هناك من الناس من يضرب أمه وأباه أمام أصحابه إظهاراً لقوة شخصيته، ولا ريب إن هذا والعياذ بالله بلاء عظيم وبعد عن طريق الله المستقيم.
стр. 458
أسباب عقوق الوالدين
ولو استقصينا أسباب العقوق لوجدناها تنحصر في أغلب ما يأتي: أولها: جهل كثير من الناس بما أعده الله من أجر عظيم لمن بر والديه, فهو لا يرى في بر الوالدين منقبة، ولا يرى في بر الوالدين مرقى إلى الملكوت الأعلى والرضا من الله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨]، وقال ﵎: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ [لقمان:١٤]، أي: بالعبادة، ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، أي ببرهما، وقال ﷺ لمن سأله الخروج إلى الجهاد (ألك والدين؟ قال: نعم، قال: الزمهما فثم الجنة)، بل إنه ﷺ في حديث صحيح أوصى أحد أصحابه ممن سألوه أن يلزم خالته؛ لأن أمه متوفاة وقال له: (إن الخالة بمنزلة الأم)، فجهل كثير من الناس لما أعده الله من أجر ببر الوالدين هو الذي دفعهم إلى العقوق.
ومما دفع كثير من الناس إلى العقوق: سخريتهم وعدم اعتقادهم بما أعده الله من وعيد لمن عق والديه، والنبي ﷺ يقول: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)، فليست فقط الكبائر، ولكنها من أكبر الكبائر، ثم قال ﷺ : (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)، فثنى بعقوق الوالدين وهو أعلم الناس بالشرع بعد الفرية الكبرى والذنب الأكبر وهو الإشراك بالله.
كما أنه مما أسهم في وجود ناشئة يعقون والديهم ما يرونه ويسمعونه في بعض المسلسلات والأفلام من عدم وجود حرمة للوالدين وبر الوالدين في ثنايا المسلسل أو الفيلم، فيصور العائلة على أنها إفراد متكافئين والوالد يكلم ولده استرحاماً، والولد يكلم والده علواً وما إلى ذلك حتى غرس في القلوب واستقر في العقول أن هذه هي الحياة الطبيعية؛ لأن النشء من كثرة ما يسمع وما يرى وما إلى ذلك وجد أن الأمر طبيعياً فلا يجد غضاضة ولا ملاماً ولا عتاباً أن يرفع صوته على أحد والديه؛ أمه أو أبيه؛ لأنه يرى أن هذا أمر طبعي جبل الناس عليه بدليل أنه رآه في مسلسل، أو بدليل أنه قرأه في قصة، أو بدليل أنه رآه في فيلم ذات يوم في بيته أو في غيره من بيوت أصحابه.
كذلك مما أسهم في عقوق الوالدين: رفقاء السوء، فإن كثيراً من الشباب -عفا الله عنا وعنهم- يهون بعضهم لبعض مسألة بر الوالدين، حتى أحياناً من الشباب الموسومين بالاستقامة فقد يفضل حضور محاضرة أو درس أو الذهاب إلى نافلة من الطاعات على بره لوالديه، ولا ريب إن هذا خلاف الحق وخلاف الصحيح، فإن إجابة أمر الوالدين واجب وما عدا ذلك من حضور المحاضرات والدروس فإن غالبه داخل في عموم النوافل، وليس من الحكمة تقديم النفل على الواجب, إلا إذا أمرك والداك أو أحدهما بمعصية الله، الكف عن تلك المعصية، والثاني: استرضاءهما ومحاولة تقريبهما من الدين العظيم، ونبينا ﷺ قال كما في الصحيحين وغيرهما: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج)، ثم فصل ﷺ قال: (وكان جريج رجلاً عابداً في بني إسرائيل، فدعته أمه ذات يوم قالت: يا جريج! وهو مقبل على الصلاة، قال: يا رب! أمي أو صلاتي؟ فأقبل على صلاته, فلما كان من الغد دعته أمه فقال: يا رب! أمي أو صلاتي؟ فأقبل على صلاته, فلما كان في اليوم الثالث دعته أمه فقال: يا رب! أمي أو صلاتي فأقبل على صلاته، فدعت أمه عليه: اللهم! لا تمته حتى تريه وجوه المومسات)، والمومسات: هن النساء المشتغلات بالزنا والبغي، فتذاكر بني إسرائيل عبادة جريج فقالت امرأة: أنا أفتنه لكم، وكانت المرأة على قدر كبير من الجمال فتعرضت له في الطريق، فأعرض عنها، فذهبت إلى راعٍ فمكنته من نفسها فحملت منه، ثم لما وضعت أخذت المولود وقدمت به على بني إسرائيل، وقالت: هذا الغلام من جريج , فذهب بنو إسرائيل إليه وهو صومعته فهدموها وأنزلوه وأخذوا يوجعونه ضرباً فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه المرأة فحملت منك مولوداً فقال: ائتوني بماء حتى أتوضأ, فتوضأ وصلى لله ركعتين، وكذلك حال المؤمنون فإذا حلت بهم النوازل لجئوا إلى الله، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥].
ثم إنه بعد ذلك دعا بالغلام فوخزه في خاصرته وقال له: يا غلام! من أبوك؟ فأنطق الله ذلك الغلام في المهد وقال: أبي فلان الراعي! نصراً من الله لـ جريج.
موضع الشاهد: أن الله استجاب لدعوة تلك الأم على ابنها بأن يرى وجوه المومسات فرأى ذلك، لكن عندما كان ذلك العبد قريباً من الله، وذا عبادة عصمه ودافع عنه، وأظهر براءته.
وللحديث بقية وإنما اكتفينا بموضع الشاهد منه؛ لأنه هو المقصود.
وقد جاء في بعض الروايات أو في أقوال بعض أهل العلم أن جريجاً رحمة الله تعالى عليه لم يكن فقيهاً، ولو كان فقيهاً لما قدَّم النافلة على طاعة الوالدين.
ومن أسباب العقوق كذلك: أن كثيراً من الشباب أو من الرجال يكون لديه ضعف في شخصيته، أو كما يطلق بعض الناس على هذه الحالة: أن لديه مركب نقص، فيريد إن يظهر قوته وسلطانه أمام أقرانه وزملائه ورفقائه وأصحابه بأن يعصي والديه أمامهم، أو أن يتجرأ على الوالدين أمامهم، أو أن يبين لهم أنه ليس لوالديه سلطان عليه، فهو يغدو ويروح، ويذهب ويجيء، ويرفع الصوت ولا يبالي، ويأخذ من الأموال ما شاء فيتعجب الرفقاء والقرناء والأصحاب من قوة شخصيته، وهؤلاء يقول الله في مثلهم: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وصدق الله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، فالحق يعرف بنوره ولا يعرف بكثرة أو قلة أتباعه، فإن للحق نوراً لا يخفى على أحد.
هذه بعض أسباب الحقوق، وقد يفتح الله على غيري فيذكر أكثر منها وغالب الظن عندي أنها من أعظم أسباب عقوق الوالدين، وهي منافية لما أمر الله به ولما وصف الله به الصالحين فيحيى ﵇ يقول الله فيه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم:١٤].
ثم ذكر الله جل وعلا الصفة الثالثة ليحيى ﵊ فقال جل ذكره: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم:١٤]، فالكبر رذيلة من الرذائل في حق بني آدم، وهو صفة عظيمة من صفات الله جل وعلا، فالكبرياء رداء الله، والعظمة إزاره، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي كما صح عنه ﷺ : (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قطعته أو بهته)، وأمر الله يكون الإنسان مجبولاً على التواضع وغض الطرف وأمر بذلك رسوله ﷺ ، ورحمة الله على من قال: تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع ولاتكن كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع إن الناس غالباً لا يحترموك إلا لسلطان أو لمال أو لغنى أو لما شابهه، هذا إذا كنت عندهم، فإذا انصرفت عنهم لعنوك، ولكن تكسب قلوب الناس إلا بالخلق الحسن والتواضع والبعد عن الكبر؛ لأنك لا تستطيع ولن تقدر أن تنازع الله بسلطانه، يقول الله جل وعلا مؤدباً لخير المؤدبين ﷺ : ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، ولقد كان ﷺ أبعد الناس عن الكبر، وأقرب الناس ﷺ إلى التواضع، ولذلك تآلفت قلوب المؤمنين الخلّص حوله، قال الله جل وعلا: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
يقول جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه -والحديث في صحيح مسلم (صليت مع رسول الله ﷺ صلاته الأولى يعني: صلاة الظهر، قال: ثم انصرف فتبعه غلمان أهل المدينة يسلمون عليه، قال جابر: فسلم عليهم واحداً واحداً حتى وصل إليَّ -يقصد: نفسه- فسلمت عليه فوجدت بيديه برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار)، صلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه.
ومن أمثلة تواضعه ﷺ , أنه لما زار بعض بيوت أصحابه أخذ يداعب غلاماً صغير يقول: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟)، والنغير: طائر من الطيور كان أبا عمير -وهو طفل صغير- قد وضعه في قفص فمات الطائر، فأخذ النبي ﷺ يداعبه ويسليه والحديث في البخاري وغيره، فهذا من تواضعه ﷺ .
ونحن كمؤمنين لسنا مكلفين بإتباع زيد ولا عمرو ممن يخطئ ويصيب، ولكنا ملزمون شرعاً بإتباع محمد ﷺ ، فلا يعيرك أحد أن التواضع من ضعف الشخصية بل إن التواضع دليل على الصحة النفسية ودليل على ثقة المرء بنفسه إلا عند أهل الكفر، قال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩]، فهذه ثلاث صفات وصف الله جل وعلا بها نبيه يحيى ﵊.
ثم قال الله ﵎ في حق يحيى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥]، وعندما يمعن الإنسان النظر في يوم الميلاد ويوم الموت ويوم البعث يجد أن هذه الثلاثة المواضع لا يمكن أن تتكرر أبداً، فالإنسان أياً كان لا يولد مرتين، ولا يموت مرتين، ولا يبعث مرتين، فكلنا يولد مرة واحده، ويموت مرة واحدة، ويبعث مرة واحدة، فإذا سلم الإنسان في هذه المواطن الثلاثة فقد سلمه الله جل وعلا، والله كتب السلامة ليحيى ولعيسى بن مر
стр. 459
ذكر قصة مريم في السورة
ثم بعد ذلك ذكر الله جل وعلا قصة مريم البتول رضي الله تعالى عنها، وذكر فيها ميلاد المسيح عيسى بن مريم، وقضية المسيح ﵊ قضية كبرى، ولعل الله يوفقنا لبيانها.
فمريم -كما قد علمتم في أول الدرس- امرأة نشأت في بيت من بيوت الله وكانت على قدر كبير من الصلاح والتقوى حتى إن ملائكة الله كانت تزورها في محرابها، قال الله جل وعلا ينبئ عن ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٣].
وهذا كله قبل أن تلد المسيح عيسى بن مريم، بل إن الملائكة بشرتها بالمسيح قبل أن تلد وهذا من فضل الله جل وعلا على تلك المرأة التي وصفها الله في القرآن بقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥]، فشهد الله جل وعلا لها بالصديقية.
فمضت هذه المرأة تعبد الله وتوحده وتذكره وتهلله على الوجه الذي ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، حتى خرجت ذات يوم تريد شيئاً من الراحة شرقي بيت المقدس، وكانت -على قول بعض المفسرين والمؤرخين- تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً.
قال الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم:١٦ - ١٧]، فبعث الله جل وعلا إليها ملكاً وهو على الصحيح والله أعلم: جبرائيل ﵊، فتمثل لها بصورة شاب وضيء الوجه، تام الخلقة، حسن الخلق، قال الله جل وعلا: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧]، أتاها وهي امرأة عذراء، لم تتزوج، وتقابل شاباً أخبر الله أنه وضيء تام الخلقة بشراً سوياً، ومع ذلك لم تفتتن به، ولم تبغي، ولم تهمز، ولم تغمز له، ولم تكشف عن نفسها حجاباً بل إنها خافت على نفسها دون أن يصدر منه أي دليل على أنه يريد بها سوءاً, فهو لم يتكلم معها ولم يطلب منها أمراً محرماً ومع ذلك من شدة عفافها وحيائها وخوفها من الله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨].
فاستعاذت بالله جل وعلا منه ودعته إلى أن يتركها قائلة: ﴿إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كنت تقياً فتخلى عني أو فاتركني أو فلا تلمسني، يقدر بحسبه، لكن هذا هو الصحيح في تفسير الآية؛ ولذلك قال العلماء: علمت أن التُقى ذو نهيه فوصفته وأخبرته وذكرته بتقوى الله جل وعلا.
وفي هذا درس بليغ لأخواتنا المؤمنات: أنه ليس هناك زينة أعظم من الحياء، فالمرأة تتزين حسياً ومعنوياً، أما حسياً فلا حرج فيه إن كان لزوجها قال الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، ولكن أعظم زينة معنوية هي: الحياء؛ لأن الشيء إذا كان مستتراً مكنوناً تشتاق النفوس لرؤيته، أما إذا كان الشيء معروفاً للعيان فإن الناس تحجم عنه، ولذلك أصحاب الغوص والبحار ينزلون إلى قاع البحار للبحث عن الدر المكنون، أما ما يعلو على سطح البحر من أشياء معروضة فإن أهون الصيادين أو أهون من الغواصين أو أهون الباحثين يعرض عنه ولا يريده.
فالله الله يا نساء المؤمنات! وهن يسمعنني الآن أن يستوصين بأنفسهن خيراً، وأن يعلمن أن الحياء والعفة والتزام وتقى الله جل وعلا هي الزينة العظمى، وهي الكساء الأجل والأجمل، وهي ما يدعو الصالحون والأخيار والرجال ذوي الكرامة والشهامة أن يطلبوا أياديكن.
أما إن كنتن غير ذلك -والعياذ بالله- فإنما يهفوا إليكن الرعاع من الناس والسوقة والأقوام الذين لا خلاق لهم، والمرأة الأبية العفيفة لا ترضى بأولئك، ولا ترضى أن تكون قرينة لمثل أولئك ممن لا خلاق لهم، وهو في حقها أعظم من حق الرجل؛ لأنه ربما تاب بعد ذلك وتزوج أما أنت أيها المؤمنة! فإن وبال ذلك قد يبقى وقد لا يُغسل وقد لا يُترك، وقد يبقى وشمة عار، أسأل الله لنا وللمؤمنات إن يحفظهن الله من كيد الأشرار، ومن زيغ الفجار إنه جل وعلا حفيظ عليم.
ثم نقول: في هذا بيان خشية الله فقد ورد أن جبرائيل لما قالت له مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ [مريم:١٨]، قيل: إن جبرائيل لما سمع كلمة الرحمن انتفض فرقاً حتى قيل: إنه عاد لهيأته الطبيعية التي خلقه الله تعالى عليها، وهذا ليس ببعيد؛ لأن الملائكة أعلم الناس بربها ﵎، فطمأنها وهدأ خاطرها، وقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩]، فتعجبت! ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم:٢٠]! الغلام لا يأتي إلا من زواج مشروع أو من بغي محرم، ونفت عن نفسها كلا الأمرين: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم:٢٠]، أي: عن طريق الزواج، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٠]، فقال لها جبرائيل: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ﴾ [مريم:٢١]، أي: هذا الغلام، ﴿آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم:٢١]، لكونه نبي، ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]، أي: هذا أمر منتهٍ؛ لأنه قد خُطَّ في اللوح.
فنفخ جبرائيل ﵊ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى دخلت في فرجها ثم إلى رحمها ثم حملت كما تحمل النساء إذا جامعهن الرجال، قال الله جل وعلا: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم:٢٢]، اختلف أهل العلم رحمة الله ﵎ عليهم في مدة الحمل فمنهم من قال: إنها ساعات معدودة ومنهم من قال: إنها ثلاثة أيام، ومنهم من قال: غير ذلك.
والصواب أن يقال: إن الأمر يبقى على أصله أنه تسعة أشهر؛ لأنه لو كان خلاف الأصل لأخبر الله جل وعلا به، لكن لما سكت الله عنه، فإن الأمر يحمل على ما يجري على غيرها من النساء، والعادة أن المرأة تحمل جنينها في بطنها تسعة أشهر، ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم:٢٢]، أي: بعيداً، فلما اشتد عليها المخاض قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٣]، أي: ألزمها المخاض، وما يكون من ألم يصيب المرأة إذا ولدت، ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣]، قيل: إنها كانت يابسة.
فلما أحست شدة ألم الولادة خافت أن تفتن في دينها، وماذا تقول للناس إن عادت به إليهم؟ ولم تعلم أن الله سيظهر دلالة صدقها.
﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣]، ومنه أي: من هذه الآية أخذ بعض أهل العلم جواز تمني الموت عند نزول الفتن، فلقد قال ﷺ في شروط الساعة: (إن الرجل يمر على قبر الرجل يقول: ياليتني مكانك! مما يرى من الفتن)، عافانا الله وإياكم قبل ذلك اليوم.
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم:٢٣ - ٢٤]، قيل: إنه جبريل، وقيل: إنه عيسى، الظاهر -والله أعلم- أنه جبرائيل، ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم:٢٤]، والسري في لغة العرب: هو الجدول من الماء الصغير أو قيل: هو النهر الصغير.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، فلما هزت جذع النخلة تساقطت عليها الرطب، وفي قول الله جل وعلا لها وأمره بأن تهز جذع النخلة دليل على أن الأمور مربوطة بأسبابها -وإن كان فضل الله واسعاً- وبيان للعبد أن يتبع الأسباب، ولذلك قيل: ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يتساقط الرطب ولو شاء ألقى الثمر من غير هزة ولكن كل شيء له سبب فلما هزت واطمأنت وقرت عيناً كما أراد الله لها أوصاها الله جل وعلا ألا تتكلم، وأن يكون شعارها الصمت، ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦]، أي: امتناعاً عن الكلام، ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].
فحملته ووضعته في مهده، وقدمت به على الملأ من بني إسرائيل، قال الله جل وعلا: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم:٢٧]، فتعجبوا!! ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧]، أي: أمر عظيم هائل لا تصدقه العقول، ثم أخذوا يكثرون عليها اللوم والعتاب: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨]، وهارون هذا رجل صالح كان في بني إسرائيل فشبهوها به؛ لأنها كانت تشبهه في عبادتها لله جل وعلا، وليس المقصود به: هارون أخو موسى بن عمران عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، فأنت من عائلة معروفة بالتقى، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨]، فمن أين أتيت بهذا الشيء الذي ليس من طبع قومك، ولا من أخلاق والديك، وليس منك بشيء؟! فلم تملك جواباً؛ لأنها أمرت بالصمت، فما زادت على أن أشارت إليه، فلما أشارت إليه ظنوا أن هذا زيادة في التهكم.
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩]، هنا أظهر الله جل وعلا أولى معجزات المسيح ابن مريم فأنطقه الله في مهده والله على كل شيء قدير: ﴿
стр. 460
اختلاف الناس في المسيح بن مريم
إنه ما اختلفت أمة من الأمم ولا قوم من الأقوام كما اختلف الناس في المسيح عيسى بن مريم, فاليهود حاربوه وحاولوا صلبه وظنوا أنهم صلبوه، وقومه النصارى منهم من زعم أنه هو الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ومنهم من زعم أنه ابن الله، ومنهم من قال بعقيدة الأقانين الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، وهم يقولون: الثلاثة واحد والواحد ثلاثة.
والله جل علا كفَّر كل قائل بهذا القول، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وكفر الله جل وعلا الذين قالوا: إن المسيح هو ابن الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٤].
وكفر الله جل وعلا الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء:١٧١]، فهذه عقيدة النصارى في المسيح بن مريم ﵊.
وهم يزعمون في بعض معتقداتهم أن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة ارتكب خطأ عظيماً، ولما اهبط إلى الأرض كان على خطيئته وتبعه أبناؤه على تلك الخطيئة، وقالوا: إن من عدل الله ألا يترك خطيئة بدون عقاب، فأنزل الله جل وعلا ابنه الذي هو الله على الأرض، ليأتي من رحم امرأة فيكون إنساناً من جهة لكونه ابن مريم، وليكون إلهاً من جهة لكونه ابن الله، ثم إنه يدعو إلى شريعة الله الذي أتى منه، ثم يتكالب عليه الأشرار فيقتلوه ويصلبوه يسمِّروه على الخشب، فيكون بذلك هذا الابن قد خلص الناس من خطيئاتهم؛ لأنه تحمل عنهم تلك العقوبة، فلذلك يسمونه بعضهم: ذي نصير.
هذا قد يكون مجمل عقيدة النصارى في المسيح بن مريم، ولا ريب أنها عقيدة باطلة ما أنزل الله جل علا بها من سلطان، ولغلوهم في المسيح لجئوا إلى هذه الأمور، وتفرقوا تلك الفرق، وقالوا على المسيح ابن مريم ما قد سمعتموه وما أخبر الله جل وعلا عنه.
أما عقيدتنا -نحن المسلمين- في المسيح بن مريم فإننا نقول كما قال الله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، وانظر إلى الإشارة في قول الله جل وعلا: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، فإن من يأكل الطعام لا بد أن يخرج هذا الطعام، فكيف يكون إلهاً من يذهب إلى الحمام؟!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ولكن الله كنى عن هذه المسألة وهذا من الأدب القرآني بقوله ﵎: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، ليستدعي الانتباه، وليثبت العقول إلى هذا المقصود؛ ولأنه يستحيل أن يكون نبياً, ثم إن عيسى بن مريم ﵊ هو نفسه يقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، والنصارى يزعمون أنه الله على قول، ويزعمون أنه ابن الله، والله جل وعلا ليس المسيح بن مريم وهو منزه عن الولد، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
فينبغي أن يعلم أن المسيح بن مريم سبقت له من الله الحسنى فلا يضيره كون النصارى زعموا أنه إله أو زعموا أنه ابن الله، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩]، هنا رفع أهل الشرك أعناقهم وقالوا: إن على هذا القول المسيح في النار! فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، وهذا جواب.
والجواب الثاني: أن الله قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، و (ما) تطلق على غير العاقل ولا تشمل العاقل؛ لأن العرب تستخدم (ما) الموصولة لغير العاقل وتستخدم (مَنْ) للعاقل.
مكث المسيح ﵊ يدعو إلى الله جل وعلا وأنزل الله جل وعلا عليه كتاباً سماوياً: هو الإنجيل, والإنجيل: كلمة عبرية ومعناها: البشارة, وقد ضمنَّ الله الإنجيل العظيم من الهدى والنور، ومما جاءه الإنجيل البشارة بمحمد ﷺ ، قال تعالى على لسان عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، وجاء فيه وصف أصحاب محمد ﷺ ، قال الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩].
وعيسى ﵊ لما دعا الله جل وعلا تكالب عليه الأشرار في زمانه، فاتفق أشرار اليهود على قتله والخلاص منه، فطاردوه بعد أن دخل أورشليم -أي: القدس- فلما دخلها ذهبت فئة من اليهود وحاصرته في مكان ليأخذوه ويصلبوه، فرفعه الله جل وعلا إليه كما نص الله في القران، وألقى الشبهة -أي: هيأته على واحدٍ ممن كان موجوداً- فأخذ ذلك الواحد، قال جمهرة المؤرخين: أن اسمه: يهوذاً والله أعلم، فأخذوه وقتلوه وصلبوه، فظنت النصارى أن المسيح صلب وخلص الناس من خطاياهم، وظنت اليهود أنهم شفوا غليلهم وقتلوا المسيح بن مريم، وكلا الفرقتين واهم ومخطئ فيما ظنه وزعمه وادعاه، قال الله جل وعلا عن اليهود: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء:١٥٦ - ١٥٧]، ما الذي حدث؟ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، النساء.
فالله جل وعلا أخبر بأن المسيح عيسى بن مريم لم يقتل ولم يصلب ولكن القتل والصلب وقع على غيره، وأنه ﵊ قد رفعه الله جل وعلا إليه، وهذه هي عقيدتنا نحن المؤمنين في قضية صلب المسيح عليه الصلاة السلام.
стр. 461
ذم اليهود على ألسنة أنبيائهم
وهنا نجنح ونتحدث عن اليهود اليهود أمة ملعونة على ألسنة أنبيائهم والمقصود: الكفار منهم، قال الله جل وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨].
وهم أشد الناس عداوة لأهل الإيمان، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢].
وتطاولهم على أنبياء الله ورسله أمر ذكره الله في القران، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧].
بل إنهم تطاولوا على رب العالمين فإن الله جل وعلا لما بعث خير خلقه وصفوة رسله محمد ﷺ حاربه اليهود وتطاولوا على الذات العلية في حياته ﷺ ، فلما أنزل الله جل وعلا على نبيه قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، قالت اليهود: يا محمد! افتقر ربك فسأل عباده القرض، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْر ِحَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:١٨١]، ثم تطاولوا فزعموا -عليهم من الله اللعنة- أن الله بخيل يشح بما يعطي، فأنزل الله جل وعلا تنزيه ذاته العلية ورده على أولئك المغضوب عليهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤].
اليهود قوم جبلوا على الحسد، تقول صفية بنت حيي بن أخطب -كما ذكر ابن إسحاق بإسناد جيد في السير- قالت: إن أباها حيي بن أخطب، وعمها أبا ياسر لما علما بمقدم الرسول ﷺ خرجا في ضواحي عمر بن عوف -أي: عند قباء اليوم- ينتظرون قدوم النبي ﷺ ، فلما رأوه وهو قادم ﵊، واليهود كما تعلمون قوم أوتوا الكتاب وكانوا على علم عظيم، فلما رأوه عرفوه فرجعوا وفيهم ما فيهم من الحقد والبغض لنبينا ﷺ ، تقول صفية رضي الله تعالى عنها -ومعلوم أنها أسلمت وتزوجها النبي ﷺ : فسمعت عمي يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم، هو بعينه، قال: أتعرفه؟ قال: نعم، هو كما عندنا في وصفه، فقال أبو ياسر بن حيي: فما رأيك نحوه؟ قال: عداوته ما بقيت، ما تبلوا عليه والعياذ بالله من كفر وحسد للمؤمنين، قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة:١٤٦]، أي: محمد ﷺ ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، ولكن -والعياذ بالله- منعهم الكبر والحسد عن اتباع هدي محمد ﷺ ، وفيه إشارة عظيمة لما يمكن أن يصنعه الحسد في الصدور أخلص الله سريرتي وسريرتكم، وصفَّى الله صدري وصدركم.
стр. 462
الحديث عن تحريف الإنجيل
الإنجيل الذي أنزله الله جل وعلا على عيسى من المعلوم أنه قد لحقه التحريف الكثير، والأناجيل الموجودة اليوم والتي تقر بها الكنيسة: إنجيل متى، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، وإنجيل مرقص.
هذه على ما نعلم الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم، وهناك إنجيل قال بعض العارفين والعالمين بهذا الشأن إنه أقرب إلى الحق والصواب وهو إنجيل برنابا أو اسماً قريب من هذا، لكن الكنيسة لا تعترف به اليوم، ثم إنكم ترون دفاع الكثير من المؤمنين من العلماء والدعاة والجهود المبذولة في قضية تصحيح عقيدة النصارى في المسيح بن مريم، وقد كتب حتى بعض العلماء السابقين في هذا الباب كما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه وقدس الله روحه كتابه الشهير: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ومن علماء العصر ودعاتهم الذين برزوا في هذا المجال، والذي ينبغي للداعية ولطالب العلوم ولغيرهم أن يطلعوا على جهودهم، وأن يقرءوا ما لهم وأن يشاهدوا مناظراتهم الداعية الإسلامي الشهير أحمد ديدات وفقه الله وتقبله عنده في الصالحين، والدكتور جمال بدوي تقبل الله منهما ومن غيرهما مما لا نعلم ولا يضرهم أننا لا نعلم منهم شيئاً ممن يجاهدون بالكلمة الصادقة في الغرب وفي أمريكا وفي غيرها من معاقل الكنائس، وبيان أرباب الكفر وممن يصححون للناس هذه العقيدة الباطلة.
стр. 463
بيان أن نزول عيسى من علامات الساعة الكبرى وبيان الحكمة من نزوله
خص الله جل وعلا عيسى بالنزول دون غيره من الأنبياء، وأن نزول عيسى ﵊ علامة من علامات الساعة الكبرى، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ﴾ [الزخرف:٦١]، فالضمير عائد على عيسى، ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف:٦١]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩].
فنزول عيسى أمر جاء به صريح القران، وجاء به صحيح سنة محمد ﷺ ، وقد أخبر ﷺ أنه بعد ظهور الدجال وما يشيع في الأرض من فساد كبير، ينزل عيسى بن مريم واضعاً يديه على جناحي ملك شرقي المنارة البيضاء عند بيت المقدس، وبيده حربة يطعن بها الدجال فيموت الدجال، فيحكم عيسى ﵇ بالعدل فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويرى الناس في عهده الأمنة والبركة، وهذا من علامات الساعة الكبرى.
وهناك
السؤال
لماذا كان عيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان دون غيره من الأنبياء؟
و
الجواب
أولاً: لسنا مطالبين بهذا إلزاماً، لكننا نقول: إن كثيراً من العلماء تلمسوا الحكمة في هذا فذكروا أموراً لا نجد غضاضة في قولها، وربما كانت قريبة من الصواب، منها: حتى يبين الله جل وعلا بطلان ما زعمته اليهود أنهم قتلوا المسيح بن مريم، وفي نزوله ﵊: إثبات لضلال أولئك اليهود؛ ولكي يعلموا أنهم لم يصلوا إلى عيسى ولم يتطاولوا عليه؛ لأن الله جل وعلا حفظه من كيدهم وشرهم.
الحكمة الثانية: في نزوله ﵇ بيان لبطلان عقيدة النصارى في أن المسيح صلب وخلَّص الناس من خطاياهم، فبنزوله يثبت عدم صلبه وبذلك يبطل عقيدة من زعم من النصارى أن المسيح صلب، وكذلك من الحكم في نزول المسيح عيسى بن مريم ﵊ أن عيسى ﵊ هو آخر الأنبياء عهداً وأقربهم عهداً نبينا ﷺ ، وقد ثبت عنه ﵊ أنه قال كما في صحيح البخاري: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم).
وكذلك من الحكم: في ذلك بيان أنه بشر، فلا بد أن يدفن في الأرض، فكان حقاً أن ينزل إلى الأرض كرة أخرى فيموت فيها كما يموت البشر، ثم يدفن فيها كما يدفن البشر.
стр. 464
عظات وعبر من قصة المسيح بن مريم
هذا مجمل ما أردنا بيانه في قصة المسيح عيسى ﵊ وفيه من العظات والعبر ما يأتي: أولاً: أن الله جل وعلا منزه عن كل عيب ونقص, وأنه ﵎ غني عن كل ما سواه, وما سواه فقير إليه جل وعلا، وأنه من أعظم الفرية أن يزعم عبد من العباد أن الله جل وعلا اتخذ ولداً, وأن من موجبات الدعاء أن تعظم الله جل وعلا وتنزهه عن الصاحبة والولد، وتنزهه ﵎ عما وصفه به الظالمون، ولذلك فإن الله في القرآن ينزه ذاته العلية عما يقولون، قال الله ﵎: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا * قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٠ - ٤٤].
الفائدة الثانية: أن الله جل وعلا يمن بالفضل على من يشاء من عباده، ويظهر أحياناً جل وعلا قدراته ولكن ليس كل عبد يفتح عليه في أن يعلم تلك القدرات، ففي كون المسيح يأتي من غير أب إتمام للحقائق الأربع وهي: أن الله جل وعلا خلق آدم من غير أب ولا أم، هذه واحدة، وخلق حواء من رجل دون أنثى هذه الثانية، وخلق الناس جميعاً من أب وأم هذه الثالثة، وتبقى واحدة وهي أنه يخلق ويوجد عبد من أم دون أب، فكان المسيح بن مريم.
لذلك قال الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى عليه في تفسيره لهذا الأمر: تمت القدرة الإلهية وأظهر الله جل وعلا عظيم سلطانه وعظيم قدرته في كونه ﵎ فخلق الخلائق على أربعة قدرات أو على أربعة أنماط.
стр. 465
ذكر إبراهيم ودعوته لأبيه في السورة
الوقفة الأخيرة في سورة مريم مع قول الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤١ - ٤٤].
أنبأ الله في هذه الآيات عن الدعوة والسبيل الذي اتخذه نبي الله جل وعلا إبراهيم ﵊.
وإبراهيم ﵊ عبد اصطفاه الله وما من أصحاب ملة إلا وزعموا أن إبراهيم منهم, فاليهودية زعمت ذلك، والنصرانية زعمت ذلك، حتى إن أهل الإشراك زعموا أن إبراهيم منهم، والله جل وعلا نزهه عن ذلك كله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، ونبينا ﷺ في عام الفتح عندما دخل الكعبة وجد المشركين قد وضعوا صورة إبراهيم وصورة إسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فقال ﵊: (قاتلهم الله! ما لشيخنا وللأزلام)، ثم تلا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران:٦٧]، إلى آخر الآية.
стр. 466
بيان كيفية الدعوة من خلال قصة إبراهيم ﵇
وهذه الآيات تبين كيفية الدعوة إلى الله جل وعلا.
فالدعوة هي أعظم مهمة، وأجل رسالة، ولذلك أناطها الله بالأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، ولقد بعث الله أنبياءه ورسله للدعوة إليه، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
فشخصية من تدعوه تلعب دوراً كبيراً، فهي تحدد كيف تدعوه؟ فإبراهيم ﵇ دعا أباه، ودعا عبدة أوثان، ودعا عبدة كواكب، وكان في كل مرة يستخدم الأسلوب المناسب في الدعوة.
ففي دعوته لعبدة الأوثان والرعاع قال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء:٦٧]، وفي دعوته لأبيه اتخذ الأسلوب الأمثل في حق والده عليه قال: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم:٤٢] ثم يكمل شيئاً فشيئاً حتى نهره أبوه، ثم قال بعد ذلك: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، وقال في دعوته: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم:٤٥].
فاختار كلمة عذاب؛ لأنها نكرة حتى لا يعلم مقدراه، واختار كلمة الرحمن حتى يكون أرفق بالوالد، ولم يقل يمسك عذاب من الجبار أو من القوي أو من العزيز فكلها أسماء لله ولكنه اختار أسلوباً قريباً من نفسية والده.
وعندما دعا أصحاب الكواكب تنازل معهم إلى ما يريدون، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٧]، أي: معاملة لهم بعقليتهم، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨]، فأقروا أنه يريد ملتهم ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ [الأنعام:٧٨]، وهنا توقف وأقام عليهم الحجة، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩]، فأقام عليهم الحجة، وسواء اهتدوا أم لم يهتدوا فإنه لم يكلف بهدايتهم، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النور:٥٤].
فلذلك انظر إلى من تدعوه قبل أن تعرف ماذا ستقول له.
وإن هناك سؤالاً يطرح نفسه كثيراً وهو: هل الوسائل والطرائق في الدعوة تتعدد أم لا تتعدد؟ والحق الذي ندين الله جل وعلا به أن ما تدعو إليه واحد لا يتغير، فإنك تدعو إلى الكتاب والسنة، أما أسلوبك في الدعوة فإننا نرى أنه متوقف على شخصية من تدعوه، فلكل إنسان مفتاح إلى شخصيته، وإلى قلبه، ولو طرقت قلبه من ذلك الطريق لقبل منك, فنبينا ﵊ علم أن أبا سفيان رضي الله تعالى عنه قبل إسلامه كان رجلاً يحب الفخر، فقال في يوم الفتح يرغِّب أبا سفيان في الدخول في الإسلام قال: (ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، وهو ﵊ يعلم أن دار أبا سفيان لا يمكن لها أبداً أن تتسع لأهل مكة ولكن ترغيباً منه لـ أبي سفيان في أن يدخل في دين الله.
وبعث ﷺ إلى هرقل عظيم الروم وهو كافر بالكتاب كافر بالسنة قال له في رسالته: (من محمد بن عبد الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم)، فوسمه ووصفه بأنه عظيم الروم حتى يكون أدعى في قبول دين الله جل وعلا.
وكذلك المؤمن فلا تظلم من تدعوه، بل ائته بالأسلوب الحسن بالطريق الأمثل وبخاصة عند دعوة الشباب فربما رأى منظراً أعجبه فقلَّد شخصاً بعينه فلما قلده لأول وهلة أو لأول نظرة لو لأول حدث فلو أتيته بالحكمة وذكرته بالله ووصفت له ما كان عليه ﷺ من هدي قويم لقبل منك، دون الدخول في العنف والمواجهة المباشرة، فعندما تدعو رجلاً لا يدعو إلى ضلال ولا يدعو إلى فجور ولكن ضلالته وفجوره على نفسه ذلك يختلف اختلافاً كثيراً عندما تدعو رجلاً من أئمة الضلال ممن يؤلفون الكتب أو ممن يلمزون في الدين أو ممن يسخرون من أهل الدين أو تصدروا للصد عن سبيل الله جل وعلا.
فعلمك بمن تدعوه يلعب دوراً كبيراً فيما ستقول له من كلام, فأبوك في المنزل لا يعقل أن تناديه وأن تخاطبه أو تدعوه بالطريقة التي تدعو بها أصحابك أو تدعو بها أقرانك أو تدعو بها في المسجد، وإنما اتخذ أكمل السبل فلا يمكن إذا ابتليت بأب لا يصلي بأن تناديه من الدور الثاني مثلاً: هيا قم صلِّ! فهذا لا يقبل، ولكن إذا قربت سيارتك من الدار وفتحت باب مقعد الجلوس ثم ذهبت إليه وقلت له: يا أبي! اعتقد أنه حان وقت الصلاة، بأسلوب مؤدب ويرى السيارة مجهزة، ويرى الباب مفتوحاً فإنه سيقبل ويستحيي أن يقول لك: لا, لكن أن تناديه أمام أمك وأمام إخوانك وتظهر لأمك ولإخوانك أنك الرجل الكامل في البيت، وما سواك أنهم من أهل النار، أو أن تناديهم لأنك قد ملكت السلطان المبين وهم على ضلال وزيغ فهذا لا يعقل أبداً, وأنت بذلك صددت الباب قبل أن تفتحه, أنت أغلقت على نفسك الطرق إلى قلب والدك, وحرمت نفسك من أجر هداية والدك أو غيره فالمقصود: ينبغي أن يختار الإنسان الأسلوب الأكمل والأمثل في الدعوة مع قيد واحد ألا يكون ذلك الأسلوب أمراً محرماً, فلا تأتي لشخص يحب الخمر فتهدي إليه كأساً من الخمر وأنت تزعم أنك تدعوه إلى طاعة الله! فهذا الضلال بعينه أما سوى ذلك فإننا لا نرى والله تعالى أعلم حرجاً في أن تتعدد الوسائل في الدعوة إلى الله.
هذا ما أردنا بيانه في قصة مريم.
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا.
стр. 467
الأسئلة
стр. 468
بيان فضل أصحاب محمد ﷺ على حواريي عيسى
السؤال
أيهما أفضل: الحواريون أم أصحاب محمد ﷺ ؟
الجواب
الحواريون: هو نعت لأصحاب عيسى ﵊، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢].
وهم قوم أثنى الله جل وعلا عليهم في كتابه إلا أنهم رغم ما هم فيه من علو المقام ومن صحبة نبي كريم هو عيسى ﵊ إلا أنهم ليسوا بأفضل من أصحاب محمد ﷺ ، فكما أن نبينا ﵊ هو خير النبيين فكذلك أصحابه رضي الله تعالى عليهم أجمعين -بلا استثناء- هم خير أصحاب النبيين على الإطلاق.
ولذلك كان أبو بكر أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين؛ لأنه أفضل هذه الأمة، وكذلك عمر، وعثمان، وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين, والمقصود: أن للحواريين فضلاً، وللصحابة فضل، ولكن فضل أصحاب محمد ﷺ أعظم قدراً من فضل الحواريين عليهم من الله الرضا.
стр. 469
الإرشاد إلى كيفية التصرف مع الإخوان إذا كانوا غير ملتزمين
السؤال
يقول: إنه شاب مبتلى بإخوان غير ملتزمين ولكن أباه -حسب قوله- رجل صالح، وإنهم ابتلوا بشيء من الآلات التي تكون سبباً في وجود الفساد، فكيف التصرف معهم؟
الجواب
مسالة أن الإنسان يبتلى بإخوان غير صالحين قل من يسلم منها، وهي تضاعف المسئولية على الوالد وتضاعف المسئولية على الابن الصالح في البيت.
ولذلك يقع واجب عظيم على الإخوان الذين منَّ الله عليهم بالهداية في بذل الجهد في دعوة إخوانهم من الشباب الذين يسكنون معهم في بيت واحد وتحت سقف واحد، فأما كون المؤمن يبتلى بآلة في بيته وراءها شر مستطير، فإننا نقول أولاً: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نقول: إن وقعت وكانت ووجدت فإن السبيل يكون بأن تضرب الصفح ذكراً عنها في المواجهة المباشرة, ولكن حاول أن تكسب إخوانك شيئاً فشيئاً ولا تملي عليهم زيداً أو عمرو فلو قلت لهم: قال الشيخ فلان! أو يفعل الشيخ فلان فإنهم لا يجدون غضاضة في أن يتجرءوا عليك؛ لأنهم بشر، ولكن ادخل إلى قلوبهم من باب وصف هدي محمد ﷺ فإنني لا أظن أن مؤمناً يخبر عن المعصوم ﷺ فلا يملك المدعو إلا إن يغض الطرف ويسلم بالأمر، وإن لم يفعل فإن أقل القليل أنك تسلم من ردة فعله, ثم أبدا بالأقرب منهم إلى الهدى فإذا كنتم اثنان فإن جهد الاثنين ليس كجهد الواحد، فإذا ضممتم إليكم ثالثاً فإن جهد الثلاثة ليس كجهد الاثنين، وهكذا شيئاً فشيئاً مع إلانة القول لهم حيناً والوعيد حيناً آخر بحسب الحال.
فإن كانوا مجتمعين غلِّب جانب الرقة وإن كان واحداً غلب جانب الوعيد؛ لأنه لا يملك أن يرد عليك، لكن إن كانوا كثيرين فلا تأتيهم بالوعيد فربما تسلطوا عليك، وإنما ائتهم بالرقة والحنان واتخاذ أسلوب الوعد علّ الله جل وعلا أن يمن عليهم وعلى شباب المسلمين بالهداية.
стр. 470
وصية للنساء
السؤال
هل من وصية للنساء بمناسبة الحديث عن مريم بنت عمران؟
الجواب
سبق وصية النساء في الدرس، ولكن لا ضير في التذكير كرة أخرى، فإننا نوصي المؤمنين والمؤمنات وأنفسنا أولاً بتقوى الله جل وعلا والرغبة فيما عنده، والرهبة مما عنده ﵎، وأن يكون الإنسان على هدي قويم من الله، وأن يعلم انه سيبتلى بالفتن فالنبي ﷺ زار البقيع في آخر أيام حياته فقال لأهل البقيع: (ليهنكم ما أنتم فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها)، هذا قاله النبي ﷺ في أخريات حياته قبل ١٤٠٠ عام، فما بالك بالفتن في هذه الأيام وهذه السنين وهذه الأعوام؟! نسأل الله لنا ولكم السلامة, المهم أن يستمسك الإنسان بحبل الله المتين، وأن يرجع إلى الله جل وعلا بالدعاء فإن الدعاء كما بينا: هو العبادة والله جل وعلا قال: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣].
فالتضرع إلى الله أمر مطلوب، فأوصي المؤمنين والمؤمنات بتقوى الله والتضرع إلى الله جل وعلا، وأن يتقي الله المؤمن فيما بين يديه، وأن يتقي الله المؤمن فيما يأتيه، وفيما يتركه، عصمنا الله وإياكم من الزلل، وألبسنا الله وإياكم من الإيمان الحلل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 471
وقفات مع سورة ص
حوت سورة ص على تساؤلات تساءل بها أهل الكفر والضلال من مشركي قريش، ينكرون فيها رسالة النبي الكريم ﵊ فردّ الله عليهم في هذه السورة بردود مفحمة ملجمة لأفواههم.
ثم ذكر الله بعضاً من قصص الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام مثل: داود وسليمان وأيوب وغيرهم، وفي هذا تسلية لقلب الرسول الكريم، وتسريح لما قد يصيبه من الهم والحزن من جراء صدود جهلاء الناس عن الرسالة
стр. 472
بين يدي سورة صّ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق آدم من طين، وأسجد له ملائكته المقربين.
وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب، هدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، أغنى به من العيلة، وكثر به من القلة، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه، اللهم وعلى من اقتفى أثرهم واتبع نهجهم وسلك مسلكهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا أحد دروس التفسير تحت العنوان الأكمل والشامل: وقفات قرآنية.
وفي هذا اليوم معنا وقفات مع سورة ص: وقد صدر الله جل وعلا هذه السورة الكريمة بحرف هو (ص)، وهي لها مثيلات في القرآن صدرنَّ وكانت فواتح تلك السور حروف متقطعة، ولعله كما هو معلوم أظهر ما قيل في هذه الحروف: أن مرد علمها إلى الله جل وعلا، والتوقف في بيانها لعله أبرأ وأكمل وأفضل.
والعرب لها ثمانية وعشرون حرفاً وقد رتبت أحياناً كما تدرس اليوم: ألف، باء، تاء إلى آخره، ورتبت قديماً على قاعدة قولهم: أبجد، هوز إلى آخره، ورتبها الخليل بن أحمد الفراهيدي بحسب مخارجها من الحلق فبدأ بالعين، وسمى معجمه معجم العين، وأياً كان ذلك الترتيب فإن من هذه الحروف تكون لغة العرب التي نزل الله جل وعلا بها القرآن على قلب محمد ﷺ .
قال الله جل ذكره: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، وقال جل ذكره: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣].
стр. 473
وقفة مع قوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر فليرتقوا في الأسباب)
ثم صدر الله ﵎ هذه السورة بالقسم فقال جل ذكره: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص:١ - ٢].
أخبر جل ذكره: أن هذا القرآن الذي تدعو إليه وترشد إليه وتأمر الأمة أن تتبعك عليه أن فيه ذكر لأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وفيه ذكر لخيري الدنيا والآخرة، وفيه ذكر لما يصلح للعباد في أمر دينهم وفي أمر دنياهم، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وكون هؤلاء الملأ من الكفار يعرضون عن ذكرك فهذا نقص فيهم ليس في الكتاب الذي أنزل عليك.
стр. 474
سبب نزول الآيات
(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) أي: في منعة واستكبار ومجادلة من الحق منعتهم أن يتبعوه وأن يسترشدوا به، وقد قيل: إن نفراً من قريش قدموا إلى النبي ﷺ في أول دعوته، وقدموا إلى أبي طالب عم النبي ﷺ ، وأخذوا يخبرونه بما كان من أمر ابن أخيه، وما فرق الناس عليه - حسب زعمهم - فلما لام أبوطالب نبينا محمداً ﷺ وأخذ يعاتبه ويسأله على ما كان منه قال: (يا عماه! إنما دعوتهم إلى كلمة تدين لهم بها العرب، ويسودون بها العجم.
فقال أبوطالب مستفهماً: وما هي؟ فقال ﷺ : لا إله إلا الله)، هنا انتفض الملأ من قريش، وأخذوا ينفضون ثيابهم ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وهذا يدل على سعة إدراكهم؛ ولأنهم علموا المعنى الحقيقي لكلمة (لا إله إلا الله)، ولأنهم علموا معناها وعلموا أنهم لا يستطيعون تطبيق ذلك المعنى على الوجه الأتم؛ ولأنه يعني البراءة من كل مظاهر الشرك التي كانوا يصنعونها ويفعلونها ويزعمون أنها حق فقاوموا تلك الكلمة بقولهم: (أجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)، وتكاتفوا على الباطل واجتمعوا عليه، وحث بعضهم بعضاً عليه، قال الله جل وعلا: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ [ص:٦] أي: أشرافهم، ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص:٦]، وإنها لكلمة تجعل في القلب رنة أسى، إن كان هؤلاء وهم أهل باطل وعباد وثن ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم، يعبدون أصناماً لا تقدم ولا تؤخر بل إنها لا تنطق أصلاً كما قال الخليل إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء:٦٧]، ومع الباطل الذي هم فيه فقد كانوا متكاتفين، ويزعمون أنهم يؤيد بعضهم بعضاً، ويوصي كل خل منهم خليله بأن يصبر على هذا الأمر الذي كانوا عليه (واصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ).
ثم ذكروا ما يدعوهم إلى الصبر، وذكروا ما يرونه سبباً في بقائهم على ذلك الدين الباطل فقالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧]، وهذه الآية فيها دليل صريح على أن التقليد المحض غير المبني على برهان ولا دليل ولا بينة إنما التقليد لمجرد التقليد والإمعة في القول والعمل أمر مرفوض مذموم في ذاته، فإن هؤلاء الأقوام قالوا: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ)، أي: لا نحن أدركنا آباءنا ولا آباؤنا أدركوا أجدادهم على هذا الأمر، وإنما نشئوا جيلاً بعد جيل على ملة الكفر.
(ما سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ)، فزعموا أن ما جاء به محمد ﷺ أمر مختلق من عنده، وما ذلك إلا لكبر في أنفسهم.
ثم نال ﷺ منهم ما ناله قبله إخوانه النبيين، فإنه ما جاء أحد بحق كما قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ : ما جاء أحد بالحق من عند الله إلا وحورب من أئمة الكفر، وهذا الأمر من لدن آدم أو من يوم أن بعث الله على الصحيح نوحاً إلى أن تقوم الساعة، والصراع بين الحق والباطل قائم، فلما جاء محمد ﷺ بالدين القويم من ربه أنف أولئك الأقوام وحاربوه واتهموه بالتهم التي لا أساس لها فتارة يزعمون أنه ساحر، وتارة يزعمون أنه كاهن، وتارة يزعمون أنه كذاب إلى غير ذلك من الاختلاقات التي وصفوا بها أكمل البشر على الإطلاق محمد ﷺ .
ومن هنا تعلم أن قدح الناس فيك إن كان مبنياً على باطل أمر لا يضر ولا يقدم ولا يؤخر، لكن المهم أن توصف بشيء من الحق، أما أن يتجرأ عليك سفهاء أو سقطاء الناس أو الرعاع الذين لا يميزون بين حق والباطل فقد تعرض لهذا الأمر محمد ﷺ ومن قبله إخوانه من النبيين عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولهذا صبر ﷺ على قولهم وعلى أذاهم حتى بلغ دين الله - كما هو معلوم - على الوجه الأكمل.
ثم إن هؤلاء الأقوام حجَّهم الله جل وعلا بأمور عدة، قالوا فيما قالوه: ﴿أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص:٨] يقولون هذا مستغربين: فلأي سبب أنزل عليه الذكر؟ ولأي مزية يخُتَص هذا الرجل بالنبوة والحكمة وإنزال القرآن؟ وهنا غاب عن رشدهم أمر لا ينبغي أن يغيب عن أحد، إن أي أمر يمنحه الله جل وعلا لعبد إنما هوفضل من الله ورحمة، وليس لي ولا لك أن نمنع رحمة الله جل وعلا، قال الله ﵎: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران:٧٤]، فالله ﵎ هو صاحب الفضل، وهو صاحب المنة، وله ﵎ الأمر من قبل ومن بعد، ولذلك قال الله ﵎ يرد على أولئك الأقوام لما قالوا: ﴿أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص:٨] قال الله ﵎: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص:٩] أي: هل بيد هؤلاء الأقوام خزائن رحمة الله فيعطون من شاءوا ويحرمون من شاءوا حتى لا يكون لك حظ ولا نصيب من قسمتهم؟
و
الجواب
بالتأكيد لا، ليس لهم ولا لغيرهم خزائن رحمة الله ﵎.
ثم قال الله جل وعلا قامعاً إياهم بالحجة: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾ [ص:١٠]، أي: إن كانوا يملكون السماوات، وما فيها ويملكون الأرض وما فيها وما بينهما فليرتقوا فيها، وليمنعوا رحمة الله من أن تصيبك، وأنى لهم ذلك بل هم من أضعف خلق الله جل وعلا قال الله ﵎: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، فإن مردهم إلى ضعف، بل مردهم إلى جيفة قذرة، وهؤلاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً على أن يمنعوا رحمة الله أن تصيبك أو أن تنالك، يا نبينا يا محمد! ﷺ .
ثم لما كان هذا الأمر في أول الدعوة وكان النبي ﷺ يلقى ما يلقى من أذى قومه حتى إنه ﵊ كما في الصحيح عرض نفسه على شيوخ القبائل لما قالت له عائشة: (يا رسول الله! ما أشد ما لقيت من قومك؟! قال: يا عائشة! إن أشد ما لقيت من قومك يوم العقبة عندما عرضت نفسي على فلان وفلان وفلان فصدوني، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب)، وهذا مكان بين مكة والطائف، وكان ذلك بعد أن انطلق ﷺ مهموماً على صدره، ثم قال: (فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب وإذا بسحابة قد أظلتني فإذا فيها جبريل فعرفته فسلم علي، ثم قال: يا محمد! هذا ملك الجبال بعثه الله إليك لتأمره بما شئت.
فسلم ملك الجبال على نبينا محمد ﷺ ثم قال: إن الله بعثني إليك لتأمرني بما شئت، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين) وقد كان ﷺ في ذروة الهم مما رآه من قومه ومع ذلك قال وهو الرحيم الرءوف بالأمة ﵊: (لا، إني لأرجو الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً).
وإنها من أعظم الدلائل على سعة رحمته ﷺ ، وعلى سعة أفقه، وعلى النظرة البعدية للداعية، فمن تصدر للدعوة إلى دين الله جل وعلا ينبغي ألا يكون أنفه هو حدود نظره، وإنما ينظر إلى مستقبل الأيام وإلى من يدعوه، فرب صغير مررت عليه بجوار المسجد لا يصلي ولو أغلظت له القول لما صلى أبداً، ولكن لو ألنت له القول ولو لم يصل في تلك اللحظة التي ذهبت فيها، لو قابلته بعد سنين لتذكر لينك ورفقتك معه، وقبل رأسك ربما، وأخبرك أن الله جل وعلا منّ عليه بالهداية، ولكن الناس طبعوا على العجلة قال الله جل وعلا: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١].
ومن شدة ما رآه ﷺ من أذى قومه ومن تكالبهم عليه حتى إنه كان يمشي في أسواق مكة فيمر به الرجل ويناديه مناداة ملاطفة يطوي في طيها الخبث يقول: يا أيها الذي نزل عليه الذكر! فيلتفت ﷺ مستبشراً فإذا استبشر ونظر إلى من سأله قال له ذلك الشيطان المارد من الإنس: إنك لمجنون.
قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦]، ومع ذلك كله وغيره صبر ﷺ ليكون حجة على العالمين، وليكون ﷺ إماماً للصابرين من العلماء والدعاة بعده صلوات الله وسلامه عليه بكرة وأصيلاً.
أقول في هذا الخضم: عز الله جل وعلا نبيه ﷺ ، وسلاه بخبر إخوانه من النبيين قبله حتى يكون له ﵊ أسوة فيمن مضى من النبيين، وحتى يعلم أن هذا الطريق الذي هو عليه قد مر على من قبله من النبيين وإن كان ﵊ أكملهم وأعظمهم إيماناً إلى غير ذلك من صفات الكمال التي آتاها الله هذا النبي المعصوم.
стр. 475
تسلية الله لنبيه بذكره الأنبياء السابقين
стр. 476
ذكر نبي الله داود في السورة
فقال جل ذكره: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص:١٧] أي: فاصبر على ما يقولون لك، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٠].
ذكر الله جل وعلا لنبيه نبياً من أنبياء بني إسرائيل قبله وهو داود ﵊، والعجيب أن قصة هذا النبي الكريم ﵊ جاءت بها السنة حتى قبل مولده، فقد أخرج الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره، فأخرج من ظهره ذريته إلى يوم القيامة، فرآهم بين يديه فقال: يا رب من هؤلاء؟! قال الله جل وعلا له: هؤلاء ذريتك إلى يوم القيامة.
فجعل الله بين عيني كل فرد من تلك الذرية وبيصاً بين عينيه، فرأى وبيصاً -أي نوراً- من عيني داود أعجبه قال: يا رب! من هذا؟ فقال الله جل وعلا له: هذا فرد من أمتك يكون في آخر الزمان يقال له: داود، قال: يا رب! كم جعلت عمره؟ قال الله ﵎: ستين عاماً، فقال آدم: يا رب! زده من عمري أربعين سنة، قال ﷺ : فلما جاء ملك الموت إلى آدم قال: بقي من عمري أربعين سنة، فقال له ملك الموت: ألم تعطها ابنك داود؟ قال ﷺ : فنسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم وخطئت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته).
فهذا خبر داود ﵊ في السنة، وأول ظهوره ﵊ أنه كان فرداً في الجيش الذي حارب به طالوت جالوت، ومعلوم أن الله جل وعلا سلط الملوك الجبابرة على بني إسرائيل فترة من الزمن، ثم إن الله ﵎ اصطفى طالوت من هؤلاء ملكاً عليهم قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]، فقاتل طالوت ببني إسرائيل ملوك الجبابرة، كان يوم ذاك داود شاباً أزهر من ضمن جنود طالوت، فلما وقعت المعركة قتل داود جالوت بإذن الله جل وعلا.
وقد ذكر المفسرون: أن داود ﵇ قتل جالوت بمقلاع كان في يده، والمقلاع: حبل ليس بالطويل يوضع في آخره حجر ثم يعقد عليه ثم يلفه الرامي مرة ومرتين وثلاث ثم يرميه بقوة إلى الخصم فيصيبه، فقيل: إن داود ﵊ قتل جالوت بهذه الطريقة حتى قيل: إنه مر على حجر، فقيل إن الحجر كلمَّه وقال: يا داود! خذني معك فأخذه ووضعه في كمه، فلما كانت أرض المعركة فعل به ما فعل.
وقد أعاد هذا المقلاع شباب الانتفاضة اليوم ورجالها وأطفالها في أرض فلسطين وأعادوا سيرة المقلاع من جديد، فإن المتأمل في شاشات التلفاز أوفي أوراق الصحف أوفي غيرهما إذا نظر على اللقطات التي يظهر قليل منها عن أخبار المؤمنين في أرض فلسطين يجد أن كثيراً من أطفال الانتفاضة يحملون بأيديهم مقلاعاً يحاربون به بني إسرائيل، وهذا فيه من التذكير بما كانت عليه الأمة سلفاً من مجد سابق، والحق أن هؤلاء الفتية على قلة ما في أيديهم، وعلى قلة عددهم، وعلى عظمة من يقاومونه ظاهرياً وإلا فهم عبدة الطواغيت أحفاد القردة والخنازير إلا أنه رغم كل مظاهر التأييد التي تتلقاها إسرائيل إلا أن هؤلاء الفتية قدموا للعالم خلال أكثر من سنين عديدة صورة حقيقية للمؤمن إذا كان في عز وشموخ وإباء وأنه بحجر ومقلاع وما شابهه يحارب طواغيت الكفر وأئمتهم، أسال الله جل وعلا في لحظتنا هذه أن يؤيدهم بنصره، وأن يظهر على أيديهم دينه.
ثم ذكر الله أن داود لما آل الأمر إليه آتاه الله ﵎ الملك بعد طالوت وآتاه مع الملك النبوة، وقد يظن بعض الناس أن الملك أمر مذموم، والصواب الذي ينبغي أن يعقل: أن الملك نعمة وفضل من الله جل وعلا، ولو كان الملك مذموماً في ذاته لما آتاه الله النبيين من قبل، قال الله ﵎: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:٢٥١]، وأخبر ﵎ أن سليمان كان ملكاً، وقد آتى الله كثيراً من الصالحين والمخلَصين في الأرض الملك، ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٧]؛ لأنه لا بد للناس من رئيس يسوس أمورهم، فتقام به الحدود، وتسد به الثغور، ويظهر به دين الله، وتعلن به شعائر الحق، وهذا أمر لا انفكاك للمسلمين عنه، ولذلك كان الإمام مالك رحمة الله تعالى عليه يقول: لأن يحرم الناس القطرة ستين عاماً خير لهم من ليلة بلا إمام؛ لأنه إذا غاب السيد والرئيس المطاع أصبح الأمر فوضى، وتسلط أهل الباطل على أهل الحق، وأصبح لا يستطيع أحد أن يقيم لله عبادة، ولا أن يقيم لله حدوداً.
الشاهد: أن من مواهب الله وفضله على نبي الله داود: أن آتاه الله الملك.
стр. 477
ذكر النعم التي أُنعِمَ بها على داود ﵇
وقد عد الله في هذه الآيات آلاءه وفيأه ونعمه على هذا النبي الكريم، فقال ﵎: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص:١٧] و (ذا الأيد) بمعنى: ذا القوة في بدنه وطاعته، فقد آتاه الله جل وعلا قوة في بدنه وقوة على إتيان الطاعة، ولذلك قال ﷺ كما في الصحيحين وغيرهما: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود) ثم فسر ﷺ صلاته فقال: (كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)، وقال في الصيام: (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، ولا ريب كونه يصوم يوماً ويفطر يوماً ويصلي كل يوم ثلث الليل يدل هذا على قوة أعطيها ذلك النبي الكريم أعانته على عبادة الله جل وعلا.
﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧] أي: كثير الرجوع إلى الله، فعندما تسمع أن الله جل وعلا منّ على نبي وأثنى عليه بقوله: (إِنَّهُ أَوَّابٌ) ففي هذا دليل على أن الرجوع إلى الله فضيلة عظمى، فالذي ينبغي أن نحرص عليه جميعاً أن نكثر من الرجوع إلى الله جل وعلا بالتوبة، والاستغفار، والإكثار من الطاعات، ومصاحبة الصالحين، في كل حين، ولا تنتابك الغفلة أكثر من ذكر الله جل وعلا لعل الله ﵎ أن يكتبك من الأوابين.
ثم عد الله جل وعلا مزية أخرى خص بها هذا النبي الكريم، قال: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٨ - ١٩].
لقد منَّ الله على داود بصوت رخيم جميل، وآتاه الله جل وعلا الزبور، فكان يردد الزبور وقد خففها على لسانه حتى قال ﷺ : (إنه كان يأمر بالدابة فتُسرج فيقرأ الزبور كاملاً) أي: يقرأ الزبور كاملاً قبل أن ينتهي خدمه وحشمه من إسراج الدابة له، وهذا من فضل الله جل وعلا عليه.
وكان ﵊ إذا ردد الزبور ورتله وقرأه تجاوبت معه الجبال الصم، والطيور البهم حتى إن الطير يقف عن الطيران ويجتمع صافات يردد مع داود ﵊ ما يقوله، وحتى الجبال وهي صماء لا تعقل ولا تتكلم فإذا رتل ﵊ زبوره، وذكر الله جل وعلا فيه، جاوبته تلك الجبال فضلاً من الله جل وعلا لهذا النبي الكريم.
﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ﴾ [ص:١٨ - ١٩] أي: من الجبال والطير ﴿لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٩] أي: يردد معه قوله وذكره وتلاوته لآيات الله ﵎.
وهذه فضل من الله جل وعلا وسيأتي التعليق عليها.
﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص:٢٠]، شد الملك يكون بكثرة الوزراء، وكثرة الجنود، وقوام العدد، وقوام العدة، وما إلى ذلك مما يصلح به الملك فإن الله جل وعلا مكن لداود في الأرض وشد ملكه بما آتاه من وزراء وجنود لا يحصى عددهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، حتى قيل: إنه كان يتعامل مع الحديد كالعجين في يده، وهوأول من صنع الدروع، قال الله ﵎: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١] أي: دروعاً تسبغ عليه عورته إذا حارب فلا يصيبه كثير من الأذى في الحروب من السهام وغيرها من أدوات الحرب في ذلك العصر.
ثم قال الله ﵎: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٠]، (الحكمة) الصحيح أنها النبوة، (وفصل الخطاب) أي: القدرة على الفصل بين الخصوم، وقيل: البلاغة في القول، وقيل -وهو بعيد- أنه أول من قال: أما بعد، وهذا فيه نظر؛ لأن داود ﵊ لم يكن عربياً حتى يقال: إنه أول من قال: أما بعد.
لكنه قول مذكور في بطون الكتب، والله تعالى أعلم بصحته.
стр. 478
ما يُستنبط من قصة داود ﵇
وبعد هذه الوقفات مع هذا النبي الكريم الذي عزَّى الله بقصته نبينا محمداً ﷺ أن نستنبط أموراً عدة: أن الله جل وعلا يبتلي بالخير كما يبتلي بالشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فالله يبتلي بالنعم كما يبتلي بالنقم، وقد آتى الله داود قوة صرفها في الطاعة والعبادة، وآتى الله داود صوتاً رخيماً جميلاً صرفه في تلاوة كتاب الله جل وعلا، وآتى الله داود فصل الخطاب فصرفه في الحكم بين الناس بالحق، وآتى الله ﵎ غير ذلك من النعم داود فوظفها كلها في رفعة دين الله جل وعلا، ولهذا ينبغي أن يقال: إن من أفاء الله عليه نعماً معدودة كانت أو واحدة أو قليلة فينبغي أن تصرف في دين الله جل وعلا، فالملوك والأمراء وذووا السلطان ومن أفاء الله عليهم بمثل هذا ينبغي عليهم وجوباً أن يصرف ملكهم وغمرتهم وسلطانهم ومسئولياتهم في رفعة شأن دين الله جل وعلا، فهذا هو الهدف الأسمى الذي ينبغي أن يسعى كل مؤمن من أجله، فالمؤمن التاجر الذي أفاء الله جل وعلا عليه بالأموال والنعم الكثيرة ينبغي أن يصرف هذه النعمة في رضوان الله جل وعلا، فيتفقد فقراء المسلمين، ويسهم في العمل الدعوي: في توزيع الأشرطة والمذكرات والنشرات النافعة المفيدة التي يكون فيها الخير أكثر من الشر، ويسهم في الأعمال الإغاثية المتجاوزة لحدود هذا البلد للمسلمين المستضعفين المغلوبين على أمرهم في كل مكان.
والشاب القوي الذي آتاه الله جل وعلا فراغاً وصحة ينبغي أن يسهم في رفعة دين الله جل وعلا، وأن يوظف قوته في ذلك، فاجعل لنفسك ولو وقتاً يسيراً تهبه لله ﵎ من أجل أن تحمل شيئاً من هم دين الله العظيم، ومن أجل أن تسهم في رفعة دين الله ﵎، فلا تنم الليل إلا وقد أرقك أحوال المؤمنين في كل مكان: أرخص الدماء دماءهم، أضعف الناس هم، وما ذلك إلا لأنني أنا وأنت كل منا تنصَّل من مسئوليته وكل منا يقذف بالمسئولية على الآخر حتى خلت الساحة ممن يحملون هم الإسلام وممن يحملون مسئولية رفعة دين الله جل وعلا، وغدا المسلمون أمماً وشيعاً كل حزب بما لديهم فرحون.
كما إنه ينبغي أن يُعلم أننا في حاجة لكل مؤمن ولو كان يحمل من الخير مثقال ذرة، أما قضية تصنيف الناس حتى قول: ملتزم وغير ملتزم والله الذي لا إله إلا هو! إن في النفس منها أشياء كثيرة.
فـ أبو محجن الثقفي إن صح أنه صحابي رضي الله تعالى عنه - وهذا من باب الدعاء إن لم يكن من الصحابة - هذا الرجل كان في جيش سعد في معركة القادسية، وكان مقيداً بالسلاسل بحجة أنه شارب للخمر، وقد نقل عنه أنه قال يوصي بنيه: أن يسقوا على قبره الخمر إذا مات، فإني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها.
ففكت قيده امرأة سعد وكانت زوجة للمثنى بن حارثة؛ لأنها علمت أن المسألة الآن ليست مسألة خمر ولا ميسر، فذهب وحارب في صفوف المسلمين وفعل بالفرس ما فعل حتى ظنوه رجلاً من الجن يحارب مع المؤمنين.
فالمقصود: أن كل من في قلبه: لا إله إلا الله فنحن اليوم محتاجين إليه؛ بسبب الضعف الذي أصاب الأمة والوهن والعجز، وما ذلك إلا لأن كل شخص يعتقد أنه سيبدأ من الأَلِف من جديد، والمفروض أن نبدأ بالموجود بالمحسوس ونرقع ونلمم ما يمكن ترقيعه وتلميمه، ثم إذا قويت شوكة الإسلام وعلت عزته فإن كان أمر أو بدا رأي، فلا بأس أن يعمل به في تلك اللحظات، أما أن نحرم أنفسنا من إخواننا المؤمنين بحجة مظهر أو بحجة مخبر فهذا أمر غير مقبول، وصحيح أن المجاهرين بالفسق والأقل صلاحاً لا يصدَّرون، ولا يعطون القيادة، ولا يطلب منهم إرشاد الناس، لكن من الممكن الاستفادة منهم ولو بشيء يسير في رفعة دين الله جل وعلا، وأنا أذكر -والله يعلم- عندما أعدنا بناء هذا المسجد جاءني شخص، لو صنفنا الناس على ما يقولون: ملتزم وغير ملتزم فإنه ليس فيه مظهر من مظاهر الالتزام الظاهر ولا مثقال ذرة، ومع ذلك ترك عندي مائتي ألف ريال، وقال: اجعلها في بيت من بيوت الله، ثم خرج وأنا إلى الساعة لا أحفظ إلا اسمه الأول ولا أدري حتى ما اسمه الآخر.
لكنني لا أريد من الشخص أن يعمل حتى يبلغ مرحلة لا يعمل فيها لدين الله، مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع أهل الفسق وأهل الزيغ يكون البناء والأخذ من الناس أحسن ما فيهم، فحجر من هذا ولبنة من هذا وشيئاً فشيئاً حتى يكتمل بناء الأمة.
أسأل الله جل وعلا أن يبلغ الأمة منازلها العظيمة التي كانت عليها.
وعلى العكس تماماً مما قلناه فإن بعض الناس قد يستثمر نعم الله عليه في أمور تجلب سخط الله جل وعلا، فكثير من المغنين الذين فاقت شهرتهم وذاعت لا ريب ولا جدال أن أصواتهم جميلة وأصواتهم رخيمة وإلا فإنهم ما دخلوا عالم الغناء، لكن هذه النعمة لم يحسنوا توظيفها وإنما وظفوها في محاربة الله جل وعلا، ولا ريب أن من الأمور التي لا تقبل أن يحارب العبد ربه بنعمة أنعمها الله جل وعلا عليه والممثلات اللاتي فتنَّ المؤمنين في المشرق والمغرب فقد منحهن الله قدراً من الجمال - هذا من باب الإخبار بما نسمع لا من باب الإخبار بما نرى - منحهن الله جل وعلا قدراً من الجمال لكنهن لتغلب الشيطان عليهن استثمرن هذا في معصية الله جل وعلا، وقد ورد: أن أبا حازم -وهو أحد أئمة السلف- حج ذات يوم إلى البيت العتيق، فلما كان في رمي الجمرات وجد امرأة في قمة الجمال قد كشفت عن وجهها ووقفت وترك أكثر الشباب الرمي وأخذوا ينظرون إليها، فجاء إليها وقال: يا أمة الله! اتقي الله واستتري فقد فتنت الناس عن نسكهم، فأخبرته تلك المرأة وهي من جنس هؤلاء الممثلات أنها لم تأت للحج ولكنها أتت لفتنة الناس بجمالها: قالت من اللائي لم يأتين يبغين حجة ولكن ليقتلن البريء المغفلا وصحت الرواية أولم تصح فإن كثير من الناس يمن الله جل وعلا عليه حتى بخفة الدم والظرافة في المجلس فالعياذ بالله فلا يجد شيئاً يضحك به الناس حتى يقولوا عنه: إنه خفيف الدم ورجل ظريف إلا السخرية بدين الله جل وعلا، أو السخرية ممن يحملون شعائر الله، أو السخرية بتقليد العلماء أو الدعاة، أو السخرية بمظاهر ولبس المستقيمين على شرع الله جل وعلا، فكونك ظريف وخفيف دم فهذا نعمة من الله جل وعلا، أنك لم تكن رجلاً ثقيلاً غير مرغوب فيك ولا محبوب، ولكن من السفه العظيم أن تسخِّر تلك الموهبة على قلتها في محاربة الله ﵎ والاستخفاف بدينه، وحصر هذا الأمر طويل جداً لكنني أضع إشارات وملامح على الطريق وكلكم أبصر منا وأعلم تقيسون عليها ما ينفعنا والمؤمنين في أمر ديننا ودنيانا هذه الوقفة مع نبي الله ﵎ داود.
стр. 479
وقفة مع قوله تعالى: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى إنه أواب)
أما الوقفة الثالثة فمع قول الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤١ - ٤٤].
ذكر الله تعالى أنه ابتلى داود ﵊ بالنعم، وأيوب ﵊ ابتلاه الله جل وعلا بالضر، وكلاً من داود وأيوب نجح في الابتلاء، فأما أيوب فإن الله جل وعلا ابتلاه بمرض أثقله ظاهراً وباطناً، وعانا منه ما عانا حتى قال بعض الأئمة من المفسرين: لم يسلم منه إلا قلبه، ﵊، ومع شدة الكرب، وطول الدهر، وكثرة التقلب على فراش الأمل، وتخلي الصديق، وغياب الرفيق، وطول الليل والسنين المتتابعة في ألم لا يعلمه إلا الله، وتخلي الزوار وانقضاء من يأتي لقضاء حاجته، ونسيان الناس لأمره ثمانية عشر عاماً وهو في البلاء وليست ثمانية عشر يوماً لا تفتح له أبواب المستشفى ليتقرب أصحابه وأقرباؤه إليه بأنواع من الحلوى والصحف التي تسلي غربته، ولكنه وحيد طريح فراشه لم يبق له إلا زوجته وصديقان له، حتى إنه مسه ما مسه ومع ذلك ﵊ من أدبه لم يجعله ينسب كل ذلك إلى الله وهو يعلم أن الأمر بيده قال: ﴿رَبِّ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١]، وهذا أدب أجل وأعظم مما أدب الله به هذا النبي ﵊؛ العبد المجتبى نبي الله أيوب، وإنما صبر ﵊ في البلاء ثمانية عشر عاماً حتى قال بعض الأئمة من المفسرين: إن زوجته خرجت ذات يوم لتخدم عند بعض الناس علها تأتي له بطعام، فلما علم الناس أنها زوجة أيوب خافوا على ظنهم الجاهل أن تنقل إليهم العدوى فامتنعوا من استخدامها، فعملت عند قوم من الأشراف حتى رفضوها ثم بعد ذلك باعت إحدى ضفائر شعرها واشترت بما باعته طعاماً لأيوب فقدمته بين يديه فأكله، فلما كان اليوم الثاني لم تجد أحداً يستخدمها فذهبت وباعت ما تبقى من ضفائر شعرها واشترت به طعاماً وقدمته بين يدي أيوب، فأقسم ﵊ ألا يأكل منه حتى تخبره من أين لها الدراهم التي اشترت بها الطعام، فخلعت تلك المرأة خمار رأسها فإذا برأسها محلوق، قال العلماء: فلما رأى الضر الذي مسه والضر الذي مس زوجه لجأ إلى كاشف الضر إلى الواحد الأحد الفرد الصمد قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، فاستجاب الله ﵎ إليه، وكلمه ربه جل وعلا، ولعل الظاهر أن الله كلمه بواسطة ملك، فقال له ربه -ولم يحله إلى أحد من خلقه-: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]، لم يكلفه أن يذهب إلى طبيب، ولعظمة من لجأ إليه جعل العلاج يأتيه وهو في مقره ومكانه لم يقم حتى من فراشه، فركض بالأرض التي بجواره برجليه تنفيذاً لأمر الله جل وعلا، ومع ذلك لما ركض فإذا الماء ينبع فشرب منه فبرئ باطنه واغتسل فبرئ ظاهره، قال الحي تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] ليبرأ باطنك.
ثم إن الله جل وعلا يداه ملأى سحاء الليل والنهار لا ينفذ ما عنده، زاده على ما طلب، قال الله جل وعلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤٣] وهذه تكون لمن صنع صنيعة أيوب، ولجأ إلى الله جل وعلا في السر والعلن، وعلم أن الله وحده دون غيره هو الذي يكشف الضر، وأن الطبيب والمستشفى وما إلى ذلك أسباب لا تضر ولا تنفع، وبيد الله وحده مقاليد السماوات والأرض، وكم من مريض أنفق على علاجه الملايين لم يكتب له العلاج، وكم من مريض يئس منه الطبيب ودعا الله جل وعلا فكشف الله جل وعلا عنه ضره.
قال الله جل وعلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤٣]، وكان قد حصل بين أيوب وزوجه شيء إن صح التعبير من سوء التفاهم وإلا فالمرأة كانت صالحة محسنة إليه، ولذلك أقسم أيوب ونذر أن الله إذا شفاه أن يضربها مائة جلدة، فأخبره الله جل وعلا بقوله رحمة بتلك المرأة على ما قدمت قال الله جل وعلا: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص:٤٤] أي: أخلاطاً، ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤] أي: بدلاً من أن تضربها مائة ضربة متتابعة خذ مائة عصا فاجعلها في حزمة واحدة واضربها بها مرة واحدة إنفاذاً لنذرك وتخفيفاً على تلك المرأة.
ثم قال الله جل وعلا آية يثني بها على ذلك العبد الصالح قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص:٤٤] أي: بلوناه واختبرناه ثمانية عشر عاماً فصبر فتمت له من الله الحسنى، وشهد الله جل وعلا له بالصبر.
فلما تجاوز هذه المرحلة شهد الله له في المقام الأعلى، قال الله جل وعلا: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤].
إن مقام العبودية أعظم مقام يمدح الله جل وعلا به أحداً من خلقه.
стр. 480
أنواع العبودية
والعبودية نوعان: عبودية قهر، وعبودية متعلقة بالعبادة.
فأما العبودية العامة وهي عبودية القهر فيدخل فيها الناس جميعاً: أبراراً وفجاراً مؤمنين وكفاراً، قال الله جل وعلا: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٥]، وقال ﵎ قبلها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤].
فجميع المؤمنين وجميع الكفار، وجميع الأبرار وجميع الفجار عبيد لله ﵎ لا يخرجون عن أمره ولو مثقال ذرة.
أما العبودية الخاصة الواردة هنا فإنها من نوع العبودية الخاصة التي هي مقام عظيم يتفاوت الناس فيه، وكلما كان الإنسان لله أطوع ومن الله أخوف قائماً بأوامر الله مجتنباً نواهيه كان راقياً في هذا السلم، وهذا السلم على ذروته وقمته محمد ﷺ ، قال ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، وقال الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، وقال الله ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وقال جل ذكره: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢]، والله جل وعلا أثنى على داود في الآية التي شرحناها: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ [ص:١٧] وهنا لما كان من أيوب ما كان من عمل صالح وصبر على البلاء وطاعات متتابعة أثنى الله جل وعلا عليه بهذا الثناء العظيم الذي سيظل يتلى على لسان المؤمنين الأطهار إلى أن تقوم الساعة قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤].
فهذا مجمل قصة أيوب، وفيها دلالة ظاهرة لا تغيب عن أحد أنه ينبغي أن يستقر في قلبك وقلوبنا جميعاً أن الله تبارك الله وتعالى بيده وحده النفع والضر، وبيده وحده المنع والعطاء، وأن زيداً أو عمراً على سلطانه، أو إذا كثرت أمواله أو قلت، أو إذا عظم جاهه أو حقر، أياً كان أمره إنما هو سبب يصيب ويخطي، ويجرى على يديه أمر أولا يجرى على يديه أمر والأمور كلها بيد الله ﵎، فاسأل الذي لا تنفد خزائنه، وافزع إليه في ثلث الليل الآخر خاصة وفي كل آن وحين، واسأله ﵎ من خيري الدنيا والآخرة، لا تحتقرن شيئاً، ولا تستعظمن شيئاً، واعلم أن ما عند الله ﵎ خير وأبقى، وأن الدعاء والذلة والانكسار بين يدي الله تجعلك قريباً من الله ﵎، وتجعلك قريباً من عفوه ورحمته والله ذوالفضل العظيم.
стр. 481
وقفة مع قوله تعالى: (قل هو نبأ عظيم) إلى آخر السورة
﴿قُلْ هُونَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٦٧ - ٧٢] إلى آخر السورة.
ذكر الله جل وعلا في هذه الآيات قصة خلق آدم وما كان من إبليس عليه لعائن الله تترى إلى يوم القيامة.
الله ﵎ (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)، وهو ﵎ غني بحمده، عزيز حكيم لا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وقد اقتضت حكمته جل وعلا أن يخلق آدم بيده، وأن يأمر ملائكته بالسجود لهذا المخلوق سجود تكريم لا سجود عبادة.
стр. 482
المراحل التي خلق الله بها آدم
والله ﵎ خلق آدم على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: والتي يمكن الاصطلاح على تسميتها بالمرحلة الترابية، ودليلها قول الله جل وعلا: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]، فقد خلقه من قبضة قبضها ربنا جل وعلا من جميع الأرض فكانت مخلطة، ولذلك يوجد في الناس السهل والحزن والأسود والأبيض وما ترونه من اختلاف الناس.
ثم مزج هذا التراب بماء حتى غدا طيناً، وهذا قول ربنا في سورة الصافات: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١].
ثم ترك هذا الطين مدة حتى جف وأضحى كالصلصال بحيث لو قرعته لأحدث صوتاً، وهذا قول ربنا في سورة الرحمن: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤] , ثم إن الله جل وعلا نفخ في هذا الجسد الذي خلقه وهو جسد آدم فنفخ فيه ﵎ من روحه، فلما نفخ فيه من روحه أمر الملائكة بأن يسجدوا سجود تكريم لآدم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧١ - ٧٢]، وقول الله جل وعلا: (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) هذا أمر وسيأتي بيانه فيما بعد.
فسجد الملائكة لله جل وعلا، وكان من الحاضرين عند الأمر إبليس فامتنع عن السجود، قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١١]، فخاطبه ربه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وزعم إبليس أن مادة النار خير من مادة الطين وهذا قياس خاطئ, فإن من النار السفه والطيش، وإن من الطين السكينة والركادة كما هو معلوم.
وفي الآية جاء الاستثناء بعد ذكر الملائكة فذهب فريق من أهل العلم إلى أن إبليس في هذه الآية وغيرها هو من الملائكة, ولا ريب أن هذا قول مرجوح.
стр. 483
الأدلة التي تجعل إبليس من الجن وليس من الملائكة
والراجح: أن إبليس من الجن لأربعة أمور أو أربعة أدلة:- الدليل الأول: أن الله جل وعلا وصف الملائكة بأنهم (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وإبليس هنا عصى الله جل وعلا ولم يأتمر بأمره.
والثاني: أن الله جل وعلا أخبر أنه خلق آدم من طين، وإبليس اعترف بنفسه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ) والملائكة خلقت من نور كما هو معلوم فدل على أنه من الجن.
والدليل الثالث: جاء مصرحاً به في سورة الكهف قال الله ﵎: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُو﴾ [الكهف:٥٠].
ولعل الدليل الرابع قد غاب، فسبحان من وسع علمه كل شيء.
فهذه أدلة على أن إبليس كان من الجن ولم يكن من الملائكة.
فلما امتنع واستكبر طرده الله جل وعلا من المحل السامي وهو السماء ومن المقام الرفيع وهو الرحمة.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٧ - ٧٨]، فبعد أن يئس من رحمة الله طلب من الله البقاء: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص:٧٩ - ٨١] فبعد أن علم أنه باق أخبر ربه بأنه سيتسلط على آدم وذريته، والله جل وعلا قد علم هذا في الأزل، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]، ومن هنا يعلم أن العداوة بين إبليس وأبينا آدم عداوة قديمة منذ ذلك اليوم الذي أمر الله فيه الملائكة أن تسجد لآدم وحمل إبليس على عدم السجود أمران: الأول: الحسد على ما كان من فضل الله لآدم.
والثاني: الكبر الذي منعه من أن يسجد لأمر الله جل وعلا.
وقول الله جل وعلا: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧٢] فعل أمر، فالله جل وعلا له أوامر وله نواهٍ، والواجب تنفيذ أمره وترك نهيه، لكن من باب التقعيد ترك الأمر أعظم جرماً من اقتراف النهي والدليل: أن الله جل وعلا أمر إبليس أن يسجد لآدم، ونهى آدم أن يأكل من الشجرة، فأما إبليس فلم يستجب للأمر وكذلك آدم ﵊ أكل من الشجرة ولم ينفذ النهي، قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، لكن الله جل وعلا تاب على آدم ولم يتب على إبليس، ومن هنا يُعلم ما ذهب إليه جمع من العلماء إلى أن ارتكاب النهي أهون من ترك فعل الأمر، وإن كان الإنسان مطالب في كلا الحالتين بأن ينفذ أوامر الله جل وعلا وأن يجتنب نواهيه، وحتى تتضح الصورة: لو أن إنساناً أمره الله بالصلاة -وكلنا مأمورون بها- فترك هذا الأمر فإن هذا أعظم من أن يشرب عبد الدخان؛ لأن شرب الدخان أمر نهيت أن تفعله، فشربك للدخان داخل في باب فعلك لأمر نهيت عنه، ولكن تركك للصلاة داخل في باب تركك لأمر أمرت أن تنفده، ولكن هذا ينظر فيه مع النصوص الشرعية؛ لأن لكل أمر ضابطه، وهناك كبائر وهناك صغائر، وهناك لمم، ولكننا نذكر ما هو من مسائل التقعيد.
ثم قال الله جل وعلا: قال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]، فقال الله ﵎ له: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص:٨٤]، أي: فالحق صفتي والحق قولي، فلذلك جاءت الأولى مرفوعة على أنها خبر لمبتدأ محذوف أو لمبتدأ له خبر محذوف، والثانية جاءت منصوبة على أنها مفعول به مقدم للفظ الفعل (أقول)، فيصبح معنى الآية فالحقُّ وصفي والحقَّ قولي ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥]، فالله جل وعلا خلق دارين: جنة وناراً، أعد الجنة لأوليائه وأعد النار لأعدائه ولمن عصاه، والله ﵎ سبقت منه الكلمة: أن يملأ النار ويملأ الجنة، فأما الجنة فإنها قطعاً لا تمتلئ، ولذلك يخلق الله جل وعلا من سعة رحمته لها خلقاً ثم يدخلهم الجنة إنفاذاً لوعده، ورحمة من الله جل وعلا فإن الجنة لا تضيق على أهلها.
وأما النار فإن الله لا يعذب فيها إلا بعدله، ويرحم ﵎ بفضله، فإنه يضع فيها الجبار ﵎ قدمه حتى ينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط أي: يكفي يكفي، وبهذا تكون امتلأت حقيقة.
قال تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٤ - ٨٥].
ثم قال الله لنبيه يؤدب أولئك الأقوام من الملأ من قريش: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] أي: أنا لا أتكلف صنعة، ولا آتي بشي من عندي، ولا أتكلف أمراً أحاول أن أنال به غيري أو أنافس فيه شخصاً آخر، ولكنه فضل من الله وهداية لكم، قال ﵎: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُو﴾ [ص:٨٦ - ٨٧] أي: القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٧ - ٨٨] أي: ولتعلمن خبره ونبأ ذلك القرآن بعد أن يحل العقاب ويحل ما أخبر ووعد الله ﵎ به، عندها يعلم حقيقة نبأ ذلك القرآن على الوجه البين حين لا يرتاب الكافرون عندما يكون آخر عهدهم بالدنيا وأول عهدهم بالآخرة.
هذا ما أردنا بيانه في وقفاتنا مع سورة (ص)، أسأل الله العظيم الجليل جلت قدرته أن ينفع بما قلنا، وأن يعيننا وإياكم على أمر ديننا ودنيانا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ما تبقى من الوقت نقضيه في الإجابة على الأسئلة.
стр. 484
الأسئلة
стр. 485
بيان معنى الحكمة وشروطها
السؤال
ما هي الحكمة؟ وما شروطها؟
الجواب
اختلفت أقوال أهل العلم ﵏ في تفسير الحكمة، فأحياناً تأتي في القرآن بمعنى الكتاب، وأحياناً تأتي بمعنى السنة، وأحياناً تأتي بمعنى النبوة، ولكنها إذا أطلقت فإن المراد بها: وضع الأمور في نصابها أو على الأصح قيل إن المراد بها: القول النافع والعمل الصالح.
وأياً كان التعريف فإنه قريب بعضه من بعض.
أما شروطها فإن للحكمة شروطاً متعددة، وهي في الغالب ثلاثة: العلم، والحلم، والأناة.
أما العلم فدليله قول الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، والإنسان إذا كان لا يعلم ما هو المقبول وما هو المردود، وما هو الصحيح وما هو السيئ، وما هو الحق وما هو الباطل، وما هو الراجح وما هو المرجوح، من أين له أن يفصل في الأمور، ومن أين له أن يدرك وأن يبين للناس حقيقة ما يسألونه عنه، فلذلك كان أول شروط الحكمة: العلم.
الشرط الثاني: الحلم، والحلم صفة متوسطة بين صفتين وهما: الغضب والبلادة، فمن الناس من يغضب لأدنى كلمة، ومن الناس من لا يتحرك لأي كلمة، فالحلم فضيلة بين هاتين الرذيلتين، والحلم يحتاج المرء معه أحياناً لأن يكون جهولاً، ولذلك قال النابغة الجعدي: ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا وقد قيل: إنه لما قال هذا البيت من الشعر قال له النبي ﷺ : (لا فض فوك).
وقيل: إن النابغة الجعدي عاش بعد ذلك عمر طويلاً بلغ مائة وخمسين عاماً ومع ذلك لم تسقط له سن ببركة هذا الدعاء النبوي.
ولكن عندما تنتهك حرمات الله جل وعلا يجب أن تغضب، وعند الأمور التي تكون بين وبين فتجمل بالحمل؛ لأن الله جل وعلا وصف به الأخيار: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وصف به النبي ﷺ أشج بن عبد القيس وقال له: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).
الشرط الثالث من شروط الحكمة هو: التأني، وكما أن الحلم فضيلة بين رذيلتين فكذلك التأني فضيلة بين رذيلتين هما: العجلة والبطء الشديد، ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، فإن الإنسان بين أمرين: إما دنيوي وإما أخروي، فأما الأخروي الذي جاءت به الشرائع فينبغي للعبد أن يعجل فيه، قال الله جل وعلا: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]، وقال الله ﵎ يمدح آل زكريا: ﴿إنَّهَم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وأما غير ذلك فإن المرء يحتاج إلى أن يتزين بزينة الحكمة، وأن يتبين صلاح الأمور، وأن يعرف مخرجه ومدخله، ولا يتكلم في أمر حتى يكون على بينة منه.
стр. 486
معنى قوله تعالى (فظن أن لن نقدر عليه)
السؤال
ما معنى قول الله جل وعلا: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]؟
الجواب
هذه الآية الكريمة ذكرها الله جل وعلا في سورة الأنبياء في نبأ نبي الله يونس ﵊، قال الله جل وعلا: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، قد يبدو لأول وهلة أن المراد بقول الله جل وعلا: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) أن نبي الله يونس غلب على ظنه أو على علمه أن الله لن يستطيع أن يفعل به كذا وكذا، ولا ريب أن هذا كفر ولا يمكن أن يقوله آحاد المؤمنين فضلاً عن نبي أرسله الله جل وعلا لتبليغ رسالته، ولما كان القرآن يفسر بعضه بعضاً فقد ورد في القرآن بيان هذا المعنى، قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] أي: ضيق عليه رزقه، فيحمل معنى الآية على أن يونس ﵊ غلب على ظنه أن الله جل وعلا لم يضيق عليه، ولم يعاتبه على ما كان منه من تركه لقومه لما تركهم على ما هم عليه وغضب منهم كما أخبر الله جل وعلا، وخرج بعد أن يئس من دعوتهم، ولجأ إلى الفلك واستهم مع أصحابه، وكان آخر الأمر أن ابتلعه الحوت، وما وقع من فضل الله جل وعلا عليه، فهذا بيان قول الله ﵎: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧].
стр. 487
عرش الشيطان ومثلث برمودا
السؤال
ما تقولون في قول بعض مؤلفي الكتب: بأن عرش الشيطان في مثلث برمودا.
كما ورد في كتاب: حوار مع جني مسلم؟
الجواب
ذكر ﷺ : (أن عرش الشيطان في البحر)، أو شيئاً من ذلك ولكن الأمور الغيبية التي لم يرد فيها نص قطعي من الله ورسوله ﷺ فلا يحسن الجزم بها؛ لأننا إن جزمنا بها اليوم ثم بدا لنا غير ذلك فماذا نقول لمن أقنعناهم سابقاً؟ فإذا أخبر الله بأمر وأخبر به ﷺ على وجه واضح صريح بيّن فلا تتردد لحظة في الإخبار به؛ لأنك تعتمد على أساس عظيم وهو: قول الله وقول رسوله، أما غير ذلك فلا بأس أن تقول: ربما يحتمل ومن الممكن أن يكون مثلث برمودا أو غيره عرشاً للشيطان أوما إلى ذلك تحمل عليه بعض الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، لكن إخبارك هذا لا تنسبه إلى الله ولا تنسبه إلى رسوله ﷺ ، ولا تخبر به على صيغة الجزم والقطع، ولكن أخبر به على وجه غلبة الظن؛ لأنه لا يعدوكونه أمراً نظرياً اجتهادياً قابلاً لأن يكون صواباً، وقابلاً لأن يكون خطأً، ولذلك الجهل بالحكم والجهل بالدين قد يورد الإنسان المهالك، فمثلاً: حرم الله جل وعلا الزنا، فقد يأتي داعية ليقنع شخصاً من ملة أخرى بأن الله حرم الزنا، فيسأله ذلك الرجل: لم حرم الله الزنا؟ فإن فيه لذة وفيه وفيه ويذكر الأمور التي يجدها الزاني من لذة عاجلة في زناه، فقد يهم ذلك الرجل ويقول: إن الله حرم الزنا حتى لا تختلط الأنساب، وهذا صحيح فإن الله حرم الزنا لحكم عديدة واحدة من العشرات: حتى لا تختلط الأنساب، ولكن لا تحصل هذه الحكمة في هذا الأمر وحده؛ لأنه سيقول لك: إذاً لو زنيت بامرأة عقيم فلا حرج، ولو أن رجلاً عقيماً زنى بامرأة عقيم ليس في ذلك خلط نسب، إذاً الزنا في هذه الحالة جائز، فالكلام والإخبار عن الله ورسوله والمحاجة عن دين الله تحتاج إلى علم متين، وعلى اطلاع واسع،
стр. 488
كل نفس ذائقة الموت
الموت قدر الله المكتوب على كل نفس، وقد جعله الله تعالى لزاماً لا نجاة لحي منه، وبه تنفصل الروح عن الجسد، فينتقل الميت إلى أول ساعات القيامة، فيفتن في قبره، ويبتلى بضمة القبر، ويصير حاله إما إلى نعيم أو عذاب مقيم، وإن المتأمل في المقابر والواقف على حقائقها يدرك قيمة الدنيا وغرور الأيام، فيدعوه ذلك إلى إحسان العمل والمبادرة بالطاعة.
стр. 489
بين يدي الموضوع
الحمد لله الذي قصم بالموت رقاب الجبابرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وقصر به آمال القياصرة، فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ما أصاب الناس من مصيبة أعظم من فقده، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة حتى تركها على المحجة البيضاء والطريق الواضحة الغراء، فصلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه، وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار، وعلى من اقتفى آثارهم واتبع نهجهم وسلك مسلكهم إلى يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار.
أما بعد: فهذا درس نذكر فيه بعض آيات كتاب ربنا ﷻ ، والحديث سيكون عن قول ربنا وخالقنا جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وسنتكلم عن هذه الآية كلاماً مجملاً، سواء من الناحية العلمية، أو من الناحية الأدبية، أو من الناحية التربوية ودلالة الآيات وزيادة المعارف حول حقيقة الموت، مع التعريج على الجانب الوعظي.
وقبل الحديث المفصل يحسن أن نقول: إن كثيراً من الأئمة الأخيار والعلماء الأبرار، والدعاة المجتهدين على مر العصور وكر الدهور منذ أن حملوا راية الدعوة والبلاغ عن نبينا ﷺ إلى يومنا هذا يذكرون الناس بالموت وما بعده، ولا ريب في أنهم قد أصابوا فيما قالوه؛ لأن ذلك منطوق ومفهوم كتاب ربنا ﷻ ، ومنطوق ومفهوم سنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، إلا أننا قد لا نعرج على الوعظ المحض، وربما عرجنا على مسائل علمية، ودقائق فقهية، وأمور تربوية، وغير ذلك مما نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا به أولاً وأخيراً، وأن يجعله ﵎ عملاً تبيض به الصحائف يوم نلقاه في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وسيكون الحديث حديثاً مجملاً متشعباً ذا شجون، وقد لا نلتزم فيه بالترتيب، ولا نلتزم فيه بتتابع الأفكار؛ لأن المقصود الإثراء العلمي في المقام الأول.
стр. 490
بيان معنى الروح
فنقول مستعينين بالله: إن الله ﵎ جعل الموت والحياة متناقضين متضادين لا يجتمعان في آن واحد، فالفرد من الأحياء إما أن يكون حياً وإما أن يكون ميتاً، ولا يوجد حي يجمع بين الموت والحياة، والموت والحياة كلاهما من خلق الله ﵎، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:١ - ٢]، فقد أخبر ربنا ﷻ أن الموت خلق من خلقه، كما أن الحياة خلق من خلقه ﵎.
والموت يقع على الأحياء، على من ركب من جسد وروح، فقد خلق ﵎ الجسد وجعل فيه الروح، فيكون الموت انفصالاً تاماً لهذه الروح وانفكاكاً عن ذلك الجسد، وتلك هي حقيقة الموت، والحديث في هذا يتضمن ما يلي: أولاً: ما هي الروح التي يعتريها الموت بانفكاكها عن ذلك الجسد؟ إن الروح أمر غيبي، وقد جاء في حديث عبد الله بن مسعود أن نبينا ﷺ (مر على حائط لرجل أنصاري، فقابله جماعة من يهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه، وقال بعضهم: لا تسألوه، ثم عزموا على الأمر وسألوه، فقالوا: يا أبا القاسم! ما الروح؟ فسكت النبي ﷺ فعلمت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]).
إذاً: فالروح أمر غيبي، وهذا الأمر لكونه غيبياً تجرأ عليه بعض الناس، وقولنا: (بعض الناس) إجمال يدخل فيه أهل العلم من جميع الطوائف، فبعض أولئك تكلموا فيه، وأبعدوا فيه النجعة، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الروح شيء نوراني خفيف متحرك في جسد مخلوق يسري فيه كما يسري الماء في الورد، وكما تسري النار في الفحم والهشيم، فهذا مجمل تعريف الأئمة الأعلام من أهل السنة للروح.
стр. 491
ما تصير إليه الروح بعد انفكاكها عن الجسد
ثم تنفك عن ذلك الجسد فيكون بذلك موته، إلا أن أهل العلم اختلفوا بعد ذلك في انفكاك الروح عن الحسد فقالوا: هل ينالها العدم المحض، أم أنها تعود كرة أخرى إلى الجسد لتنعم أو تعذب؟ فمن العلماء من رأى أن الروح بعد انفكاكها عن الجسد تصير إلى عدم محض، وحجة هؤلاء قول الله ﵎: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨]، ووجه الدلالة عندهم أن الله جل وعلا أخبر عن موتتين، فالموتة الأولى انفكاك الروح عن الجسد، والموتة الثانية موتها هي كرة أخرى.
والأظهر -والله تعالى أعلم- أن الله ﷻ عنى بالموتة الأولى موتة العدم قبل الوجود، وعنى بالموتة الثانية الموتة المعلومة التي تكون بفراق الروح لذلك الجسد، قال الله ﵎: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦]، فأخبر جل وعلا أنها موتة واحدة، وهي انفكاك الروح عن الجسد.
إن علاقة الروح بالجسد ذات أربعة أحوال: فعلاقة تكون بينهما عندما كان المخلوق جنيناً في بطن أمه في الظلمات الثلاث، ثم تكون علاقة أخرى في الحياة الدنيا التي أنسها الإنسان وسكن إليها، ثم تكون علاقة أخرى في حياة البرزخ، وهي إما نعيم -بلغنا الله وإياكم إياه- وإما عذاب -عصمنا الله وإياكم منه-، ثم تكون بينهما علاقة كبرى وذلك بعد البعث والنشور يوم يقوم الأشهاد لرب العالمين ﷻ .
стр. 492
شدة ساعة الاحتضار
ساعة الاحتضار هي الساعة أو اللحظة التي تسبق انفصال الروح الثاني عن الجسد، وهذه الحالة تحيط بها السكرات التي تعوذ منها ﷺ يوم عانى من نزع الروح، فكان ﵊ -وهو أشرف الخلق على الله- يضع يده في الإناء ثم يمسح بما أخذ بيديه من ماء وجهه ويقول: (إن للموت لسكرات، اللهم إني أعوذ بك من سكرات الموت)، فهذا نبي الأمة ﷺ يتعوذ بالله من سكرات الموت.
وورد أن أبا بكر الصديق ﵁ في مرضه الذي مات فيه كانت بجواره ابنته عائشة رضي الله تعالى عنها، فلما رأت ما بأبيها من ثقل قالت مرددة ذلك البيت المشهور: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فقال: ليس هذا يا بنتاه، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، فسكرات الموت هي كرباته وغمراته التي تحيط بالمخلوق حين يعاني من نزع الروح وانفكاكها بالكلية وانفصالها عن جسده.
وفي ساعة الاحتضار تتنزل الملائكة تطميناً للمؤمنين، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] وذلك يكون في ساعة الاحتضار ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] من مستقبل أيامكم ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] على ما فاتكم من الدنيا، ثم تبشرهم ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] أي: كما كنا نؤيدكم على اتباع الحق في الدنيا فإنا نؤيدكم في هذه الساعة العصيبة، ثم نؤيدكم يوم يقوم الأشهاد لرب العالمين، قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].
وساعة الاحتضار هذه يفتن فيها العبد، ويقرب فيها الشيطان، ويحاول قدر الإمكان بوساوسه ونزعاته، ألا يفلت منه بنو آدم؛ لأنه -عليه من الله اللعنة- أخذ على نفسه العهد والميثاق أن يضل بني آدم، فإذا قارب العبد الموت خاف أن يفوته، فهناك يبذل الشيطان كل ما في وسعه من وساوس ونزغات وشبهات، محاولاً أن يصرف العبد عن طاعة الله، وأن يغويه؛ لأنه ليس هناك فسحة للتوبة أو الرجوع أو الإنابة بعد ذلك؛ لأن الإنسان مقبل على الآخرة مدبر عن الدنيا، فنسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة في كل آن وحين.
وبعد النزع تخرج الروح، فإن كان مؤمناً تنزع نزعاً خفيفاً، ويكون منظر الملائكة يراه العبد المؤمن منظراً مطمئناً مبشراً، أما إذا كان العبد كافراً أو منافقاً أو مبالغاً في فجوره وفسقه فإنه يرى منظر الملائكة منظراً مخيفاً، وتستل روحه كما تستل الشوكة من العجين، وبعد ذلك تصعد الروح، فإن كانت مؤمنة نوديت بأحسن الأسماء، وفتحت لها أبواب السماء، وإن كانت خلاف ذلك أغلقت دونها أبواب السماء ونوديت بأخبث الأسماء، ثم تعود كرة أخرى إلى جسد صاحبها مصداقاً لقول ربنا ﷻ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥].
стр. 493
أين تكون الروح بعد أن تفارق الجسد
إن المستقرئ لآيات الكتاب وأحاديث المعصوم ﷺ يكاد يجزم بأمور، منها: أن أرواح المؤمنين تكون في أعلى عليين، في الرفيق الأعلى والمقام العظيم عند ربهم جل وعلا، ولذلك لما كان الأنبياء يخيرون عند الموت كان ﷺ يقول -كما في حديث النزع المشهور-: (اللهم في الرفيق الأعلى)، أي: الرفيق الأعلى الذين عناهم الله بقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، فالأنبياء والمرسلون في الرفيق الأعلى والمقام العظيم في أعلى عليين.
ومنها أن أرواح الشهداء تكون في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش، كما ثبت ذلك الخبر في صحيح مسلم وغيره عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
وأما أرواح المؤمنين فإنها تكون نسمة في حواصل طير، إلا أنه لم يرد خبر بأنها تسرح في الجنة.
وأما أرواح الفجار والكفار وأهل الفسق والعصيان والخارجين عن طاعة ربهم ﷻ فلا تسل عنهم، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٧ - ٩] فهم في أسفل سافلين في العذاب المقيم، أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله.
стр. 494
مع الموتى في قبورهم
القبر -أيها الأخ المؤمن- أول منازل الآخرة، ومساكن الموتى التي فيها يُؤْوَون، وفيها يبيتون، وفيها يقيمون حتى يدع الداع إلى شيء نكر، كما قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٦ - ٨]، ومفهوم المخالفة أن المؤمنين يقولون: هذا يوم يسير، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥].
стр. 495
ضغطة القبر
وأول ما يفاجئ الميت في قبره ضغطة القبر، وضمته، وكلاهما ورد به الخبر الصحيح عن نبينا ﷺ ، فذلك أمر حتمي لازم لا انفكاك منه، فقد قال ﷺ في دفن سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه: (إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ)، ومعلوم أن سعداً رضي الله تعالى عنه شهد جنازته سبعون ألف ملك، ومشى ﷺ في أوائل المشيعين لها، واهتز عرش الرحمن لصعود روحه فرحاً واستبشاراً، ومع هذا المقام العظيم عند الله وعند رسوله لن ينجو رضي الله تعالى عنه من ضغطة القبر.
وقد ورد حديث آخر حسنه بعض أهل العلم وصححه بعضهم، وهو أنه ﷺ قال هذا في حق صبي، قال: (إن هذا الصبي لن ينجو من ضمة القبر) فأول ما يفجأ الميت في قبره هذه الضمة، وهذه الضغطة التي لا بد منها، ثم يفرج عنه على قدر دينه وإيمانه وورعه كما أخبر ﷺ .
следующие страницы →