Полный текст (797 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ما تصير إليه الروح بعد انفكاكها عن الجسد
ثم تنفك عن ذلك الجسد فيكون بذلك موته، إلا أن أهل العلم اختلفوا بعد ذلك في انفكاك الروح عن الحسد فقالوا: هل ينالها العدم المحض، أم أنها تعود كرة أخرى إلى الجسد لتنعم أو تعذب؟ فمن العلماء من رأى أن الروح بعد انفكاكها عن الجسد تصير إلى عدم محض، وحجة هؤلاء قول الله ﵎: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨]، ووجه الدلالة عندهم أن الله جل وعلا أخبر عن موتتين، فالموتة الأولى انفكاك الروح عن الجسد، والموتة الثانية موتها هي كرة أخرى.
والأظهر -والله تعالى أعلم- أن الله ﷻ عنى بالموتة الأولى موتة العدم قبل الوجود، وعنى بالموتة الثانية الموتة المعلومة التي تكون بفراق الروح لذلك الجسد، قال الله ﵎: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦]، فأخبر جل وعلا أنها موتة واحدة، وهي انفكاك الروح عن الجسد.
إن علاقة الروح بالجسد ذات أربعة أحوال: فعلاقة تكون بينهما عندما كان المخلوق جنيناً في بطن أمه في الظلمات الثلاث، ثم تكون علاقة أخرى في الحياة الدنيا التي أنسها الإنسان وسكن إليها، ثم تكون علاقة أخرى في حياة البرزخ، وهي إما نعيم -بلغنا الله وإياكم إياه- وإما عذاب -عصمنا الله وإياكم منه-، ثم تكون بينهما علاقة كبرى وذلك بعد البعث والنشور يوم يقوم الأشهاد لرب العالمين ﷻ .
стр. 492
شدة ساعة الاحتضار
ساعة الاحتضار هي الساعة أو اللحظة التي تسبق انفصال الروح الثاني عن الجسد، وهذه الحالة تحيط بها السكرات التي تعوذ منها ﷺ يوم عانى من نزع الروح، فكان ﵊ -وهو أشرف الخلق على الله- يضع يده في الإناء ثم يمسح بما أخذ بيديه من ماء وجهه ويقول: (إن للموت لسكرات، اللهم إني أعوذ بك من سكرات الموت)، فهذا نبي الأمة ﷺ يتعوذ بالله من سكرات الموت.
وورد أن أبا بكر الصديق ﵁ في مرضه الذي مات فيه كانت بجواره ابنته عائشة رضي الله تعالى عنها، فلما رأت ما بأبيها من ثقل قالت مرددة ذلك البيت المشهور: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فقال: ليس هذا يا بنتاه، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، فسكرات الموت هي كرباته وغمراته التي تحيط بالمخلوق حين يعاني من نزع الروح وانفكاكها بالكلية وانفصالها عن جسده.
وفي ساعة الاحتضار تتنزل الملائكة تطميناً للمؤمنين، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] وذلك يكون في ساعة الاحتضار ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] من مستقبل أيامكم ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] على ما فاتكم من الدنيا، ثم تبشرهم ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] أي: كما كنا نؤيدكم على اتباع الحق في الدنيا فإنا نؤيدكم في هذه الساعة العصيبة، ثم نؤيدكم يوم يقوم الأشهاد لرب العالمين، قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].
وساعة الاحتضار هذه يفتن فيها العبد، ويقرب فيها الشيطان، ويحاول قدر الإمكان بوساوسه ونزعاته، ألا يفلت منه بنو آدم؛ لأنه -عليه من الله اللعنة- أخذ على نفسه العهد والميثاق أن يضل بني آدم، فإذا قارب العبد الموت خاف أن يفوته، فهناك يبذل الشيطان كل ما في وسعه من وساوس ونزغات وشبهات، محاولاً أن يصرف العبد عن طاعة الله، وأن يغويه؛ لأنه ليس هناك فسحة للتوبة أو الرجوع أو الإنابة بعد ذلك؛ لأن الإنسان مقبل على الآخرة مدبر عن الدنيا، فنسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة في كل آن وحين.
وبعد النزع تخرج الروح، فإن كان مؤمناً تنزع نزعاً خفيفاً، ويكون منظر الملائكة يراه العبد المؤمن منظراً مطمئناً مبشراً، أما إذا كان العبد كافراً أو منافقاً أو مبالغاً في فجوره وفسقه فإنه يرى منظر الملائكة منظراً مخيفاً، وتستل روحه كما تستل الشوكة من العجين، وبعد ذلك تصعد الروح، فإن كانت مؤمنة نوديت بأحسن الأسماء، وفتحت لها أبواب السماء، وإن كانت خلاف ذلك أغلقت دونها أبواب السماء ونوديت بأخبث الأسماء، ثم تعود كرة أخرى إلى جسد صاحبها مصداقاً لقول ربنا ﷻ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥].
стр. 493
أين تكون الروح بعد أن تفارق الجسد
إن المستقرئ لآيات الكتاب وأحاديث المعصوم ﷺ يكاد يجزم بأمور، منها: أن أرواح المؤمنين تكون في أعلى عليين، في الرفيق الأعلى والمقام العظيم عند ربهم جل وعلا، ولذلك لما كان الأنبياء يخيرون عند الموت كان ﷺ يقول -كما في حديث النزع المشهور-: (اللهم في الرفيق الأعلى)، أي: الرفيق الأعلى الذين عناهم الله بقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، فالأنبياء والمرسلون في الرفيق الأعلى والمقام العظيم في أعلى عليين.
ومنها أن أرواح الشهداء تكون في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش، كما ثبت ذلك الخبر في صحيح مسلم وغيره عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
وأما أرواح المؤمنين فإنها تكون نسمة في حواصل طير، إلا أنه لم يرد خبر بأنها تسرح في الجنة.
وأما أرواح الفجار والكفار وأهل الفسق والعصيان والخارجين عن طاعة ربهم ﷻ فلا تسل عنهم، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٧ - ٩] فهم في أسفل سافلين في العذاب المقيم، أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله.
стр. 494
مع الموتى في قبورهم
القبر -أيها الأخ المؤمن- أول منازل الآخرة، ومساكن الموتى التي فيها يُؤْوَون، وفيها يبيتون، وفيها يقيمون حتى يدع الداع إلى شيء نكر، كما قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٦ - ٨]، ومفهوم المخالفة أن المؤمنين يقولون: هذا يوم يسير، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥].
стр. 495
ضغطة القبر
وأول ما يفاجئ الميت في قبره ضغطة القبر، وضمته، وكلاهما ورد به الخبر الصحيح عن نبينا ﷺ ، فذلك أمر حتمي لازم لا انفكاك منه، فقد قال ﷺ في دفن سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه: (إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ)، ومعلوم أن سعداً رضي الله تعالى عنه شهد جنازته سبعون ألف ملك، ومشى ﷺ في أوائل المشيعين لها، واهتز عرش الرحمن لصعود روحه فرحاً واستبشاراً، ومع هذا المقام العظيم عند الله وعند رسوله لن ينجو رضي الله تعالى عنه من ضغطة القبر.
وقد ورد حديث آخر حسنه بعض أهل العلم وصححه بعضهم، وهو أنه ﷺ قال هذا في حق صبي، قال: (إن هذا الصبي لن ينجو من ضمة القبر) فأول ما يفجأ الميت في قبره هذه الضمة، وهذه الضغطة التي لا بد منها، ثم يفرج عنه على قدر دينه وإيمانه وورعه كما أخبر ﷺ .
стр. 496
فتنة القبر
ثم بعد ذلك فتنة القبر، ويراد بالفتنة السؤال؛ لأن الفتنة لها معان متعددة، ومن معانيها السؤال، قال الله ﵎: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:١٣]، وكان ﷺ يعلم أتباعه أن يعوذوا بالله من فتنة المحيا والممات، وفتنة القبر هي تلك الأسئلة الثلاثة التي توجه إلى الميت في قبره، وورد أن اللذين يسألانه هما منكر ونكير، فيقعدان الميت ويسألانه تلك الأسئلة التي استفاضت شهرتها: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فعلى قدر صلاح العبد وتقواه وإيمانه يكون جوابه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وهذه الأسئلة اختلف أهل العلم ﵏ فيها، هل يسأل بها كل مكلف؟ وهل يسأل بها الكفار والمؤمنون؟ وهل سئل بها الذين من قبلنا أو لم يسألوا؟ وأظهر أقوال أهل العلم -والله تعالى أعلم- أن الجميع يسأل، وإن خالف في هذه المسألة بعض أهل العلم من أهل السنة، والله تعالى أعلم.
стр. 497
عذاب القبر ونعيمه
ثم بعد ذلك على ما يكون من إجابة، وعلى ما كان من العبد من عمل يكون عذاب القبر ونعيمه، وعذاب القبر ونعيمه أمر استفاض علمه من دلائل الكتاب والسنة المطهرة عن رسولنا ﷺ ، كما في صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار، فحادت به بغلته حتى كادت أن تلقيه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا أقبر خمسة أو ستة أو أربعة، فالتفت ﷺ إلى أصحابه وقال: (من يعرف أصحاب هذه القبور؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله.
فقال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في زمن الإشراك، فقال ﷺ : لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع، ثم قال لأصحابه: تعوذوا بالله من عذاب القبر، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا من فتنة المسيح الدجال، فقالوا: نعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال).
فهذا خبر صحيح، ويؤيده ما جاء في حديث عائشة أن امرأتين من اليهود قدمتا عليها، فأخبرتاها بأن أصحاب القبور يعذبون في قبورهم، فلم تصدقهما أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، فلما قدم نبينا ﷺ أخبرته الخبر، فقال: (نعم، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها.
قالت عائشة: فما وجدته بعدها إلا كثيراً ما يستعيذ بالله من عذاب القبر) ويدل عليه ظاهر القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١]، قال بعض أهل العلم: العذاب الأدنى: عذاب القبر، ويدل عليه قول الله جل وعلا في سورة غافر: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، وهذا في القبر ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فعذاب القبر ونعيمه أمر مستفيض مشهور، فمن عقيدتنا -أهل السنة والجماعة- أن أهل القبور إما في نعيم وإما في عذاب.
وهذا العذاب أو النعيم يشمل الروح والجسد، ويشمل الروح حيناً، لأن الروح تنفك عن الجسد حيناً وتنفصل عنه، وهذا أمر غيبي لا يعلمه إلا الله ﵎، فهو الذي يعلم كنهه ولبه ومنتهى إدراكه، فالله ﵎ علام الغيوب.
стр. 498
سماع الموتى كلام من يأتيهم
إن المتأمل في أخبار الكتاب والسنة يجزم بأن أصحاب القبور يسمعون ذلك، ومما يدل عليه أمور عدة: أولها: ما ثبت في الصحيحين من طرق متعددة ووجوه مختلفة من أنه ﷺ لما فرغ من قتلى بدر ألقاهم في قليب، أي: في بئر مهجورة، ثم وقف عليهم بعد ثلاثة أيام فقال: (يا فلان ابن فلان! يا فلان ابن فلان! -يناديهم بأسمائهم- هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً) فأذهل هذا الأمر عمر، فقام على رأس رسول الله ﷺ يقول: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا، فقال: (يا عمر! والله ما أنت بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جواباً) فأثبت لهم صلوات الله وسلامه عليه السمع، وقال: (ما أنت) أي: يا عمر (بأسمع) أي: بأشد سماعاً (لما أقول منهم)، ولكن وجه الخلاف هو أنهم لا يستطيعون جواباً.
ولا يعارض هذا قول ربنا ﷻ في سورة فاطر: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، فإن قول ربنا ﷻ : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] المقصود منه والمراد منه سمع الامتثال والقبول، لا سمع الأصوات، فهم يسمعون، ولكنهم لا يسمعون سماع من يمتثل ويقبل ما تقول، ويستطيع أن يمتثل لأمرك.
ومما يدل عليه أيضاً ما ثبت في السنة الصحيحة أنه ﷺ أخبر أن الميت يسمع قرع نعال من يشيعه إذا انصرفوا عنه.
ومما يدل عليه أيضاً أن نبينا ﷺ لما ندبنا ورغبنا في زيارة القبور علمنا ماذا نقول، فمن ضمن ما نقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) ولا ريب في أن استعمال كاف الخطاب يلزم منه -كما هو مفهوم من لغة العرب- أن يدرك من تبلغه السلام سلامك ذلك، وإلا لكان هذا السلام كالسلام على العدم المحض، وهذا أمر لا يعقل، ولا يخاطبنا رسول الله ﷺ به، فمن ذلك يفهم أن الموتى يأنسون بمن يزورهم، ويسمعون نداء ودعاء من يأتيهم، إلا أنهم لا يملكون إجابة، ولا يستطيعون رداً على ما يقوله لهم من يسلم عليهم.
стр. 499
انتفاع الميت بعمل الحي
هل ينتفع الميت بعمل الحي ودعائه له؟ الذي يكاد ينقل الإجماع فيه أن الموتى ينتفعون بالدعاء والاستغفار لهم، إذ قال الله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] فقول الله جل وعلا حكاية عن الصالحين: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) مفهومه أنهم ينتفعون بذلك الاستغفار -أي: الموتى- وينتفعون بذلك الدعاء، وإلا فلو كانوا لا ينتفعون بذلك الاستغفار، ولا ينتفعون بذلك الدعاء؛ فأي منقبة وأي مدح في دعاء واستغفار أولئك القوم الصالحين.
وقد أخبر ﷻ أن حملة العرش يستغفرون للذين آمنوا، ولم يحصر جل وعلا ذلك الاستغفار على الأحياء دون الأموات، فالآية جاءت عامة.
وثبت عنه ﷺ أنه كان يأتي أهل بقيع الغرقد فيدعو لهم ويستغفر الله جل وعلا لهم، كما ثبت ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه في السنة الصحيحة.
ومما نقل أن الموتى ينتفعون بالصدقة عنهم، كما في حديث ابن عباس في صحيح مسلم وغيره أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه قال: (يا رسول الله! إن أمي ماتت وأنا غائب عنها، أينفعها إن أنا تصدقت عنها؟ فقال ﷺ : نعم، فقال: يا رسول الله! إني أشهدك أن حائطي -أي: بستاني في مكان كذا وكذا- صدقة عن أمي).
وكذلك نقل أن الموتى ينتفعون بالحج والعمرة عنهم، واختلف في غير ذلك، كالصيام وما شابهه ذلك من قراءة القرآن وغير ذلك من سائر الأعمال الصالحة، ويظهر -والله تعالى أعلم- أنا لا نجد مانعاً من أنهم ينتفعون بذلك كله، فإن قال قائل: ما تقولون في قول ربنا ﷻ : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] في سورة النجم؟ فنقول: إن الله جل وعلا في الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] قصر ما يحاسبون عليه في سعيهم، وأما ما يكون لهم فإنه ليس في الآية ما يدل عليه، فلو فرضنا أن رجلاً استدان من بقال ثلاثة آلاف ريال، فكتبها عليه ديناً، فجاء رجل آخر فدفع ثلاثة آلاف للبقال، وقال له: اقض بهذا المال دين فلان، فلا يقول عاقل: إن هذه الثلاثة الآلاف للرجل المتصدق، وفي نفس الوقت نفعت ذلك المديون فأدت دينه عنه، فنفع المؤمن الحي لأخيه الميت كائن بهذا المثال، فإنك إذا استغفرت لأخيك أو دعوت له أو تصدقت عنه، أو اعتمرت عنه، أو حججت عنه، فإن كل ذلك -بإذن الله- ينفعك، ولا يمنع ولا يعارض قول ربنا ﵎: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩].
стр. 500
حتمية الموت
فمن ذلك كله يفهم أن الموت أمر محتوم، وأمر لازم، ولكن الله جل وعلا أخفى عن كل أحد ساعة موته، قال ربنا ﵎: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] وفسر ﷺ مفاتح حالغيب، فقال -كما في المسند من حديث ابن عمر -: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله،) ثم تلا خواتيم سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، فلا تعلم نفس بأي أرض تموت، ومن جهل المكان أولى وأحرى به أن يجهل الزمان، فكل إنسان يعلم أنه ميت، وهنا نقول: إن حقيقة الموت - أي علم الإنسان بأنه يموت- لا أعلم أحداً حتى الساعة خالف فيها، فأهل الكفر وأهل الملل المتفرقة، وأهل النفاق، وأهل الفسق، والدهريون، والبعثيون، والشيوعيون، والماركسيون، وغيرهم من أهل الملل والنحل من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة لا يظهر لنا أنهم خالفوا في حقيقة الموت، فلم يأت أحد من الناس ليقول: إنه لا يموت، ولكن الخلاف بيننا وبينهم فيما بعد الموت من بعث ونشور، فحقيقة الموت قد سلم بها الجميع، ولذلك ترى الله جل وعلا يحكي عن كفار قريش قولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فأثبتوا لأنفسهم أنهم يموتون، وإن نسبوا ذلك إلى الدهر، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وذلك الرجل البالغ في الإثم من القرشيين لما أخذ عظاماً قد بليت، وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه بعدما أرمت؟! ونفخها بفيه حتى تناثرت، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٨]، فذلك القرشي لم ينكر أن الناس سيموتون، لكنه أنكر أن يكون هناك بعث بعد ذلك الموت.
فحقيقة الموت قد سلم بها كل أحد، وأيقن كل أحد، بأنه ميت لا محالة، ومقدار إيمانك ويقينك بأنك ستبعث بعد الموت هو الدافع للعمل الصالح.
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شيء فالموت أمر حتمي لازم لا ينجو منه أحد، وقد جاء في الحديث عن ابن عباس: (أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت والجن والأنس يموتون)، وظاهر الكتاب والسنة أن الموت أمر حتمي لازم لا ينجو منه أحد، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨]، ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فالموت أمر حتمي لازم لا يفر منه أحد.
وهنا نقول: إنه لا ينجي من الموت حذر، ولا ينجي من الموت سبب، ولا يعصم من الموت ملجأ ولا نفق ولا سرداب، ولا سلم في السماء، ولا غير ذلك مما يخطر ببالك أو لا يخطر ببالك، فالموت أمر حتمي لازم، ولذلك ورد أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه لما مكث في مسجده يحدث الناس ويفسر لهم كتاب ربنا ﷻ وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠] فقال رضي الله تعالى عنه يخبر من حوله: إن الهدهد كان يعمل لسليمان أنه يرى له تخوم الأرض، فينظر إلى مواقع الماء ومواقع القطر.
فتعجب نافع بن الأزرق -وهو رجل من الخوارج كان حاضراً- من مقولة ابن عباس، وقال: غلبت اليوم يا ابن عباس، قال: وما ذاك؟ قال: تزعم أن الهدهد يعلم ما تحت تخوم الأرض من مواقع الماء؟ قال: نعم، قال: يا ابن عم رسول الله! كيف والطفل الصغير يأتي بالفخ فيضع عليه شيئاً من التراب فيقع فيه الهدهد دون أن يدري ما تحت ذلك التراب؟ فقال له ابن عباس ذلك الحبر العظيم: يا ابن أخي! خفت أن تخرج من حلقتي وتقول: غلب ابن عباس، وإلا لما أجبتك، ثم أجابه فقال: يا ابن أخي! إنه إذا نزل القدر عمي البصر وبطل الحذر؛ لأنه لابد من أن يقع أمر الله، فلا يمنع وقوع أمر الله شيء، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٢].
ولذلك قد ترى الحادث المروري فتقول عند رؤيتك له: لن ينجو منه أحد، فترى القوم جميعاً سالمين، وترى الحادث المروري فتقول: هذا حادث يسير لا يصاب فيه أحد، فإذا بالقوم أمواتاً، وما ذلك إلا لأن الأمر أولاً وأخيراً منوط بما قدر له الله أن يكون، فما قدر الله له أن يكون لابد من أن يكون حتماً ولزاماً، قال الله ﷻ : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
стр. 501
نكبة البرامكة ودلالتها على نفاذ ما قدره الله
تأمل في نكبة البرامكة، فمن المعلوم آل برمك كانوا في دولة بني العباس، جعل الله في أيديهم نواصي الخلق، وملكهم من الأموال ما الله به عليم، وكان لهم من الحظوة والمنزلة المكان العظيم عند هارون الرشيد رحمة الله تعالى عليه، فلما عزم الرشيد على أن ينكبهم وعلى أن يبطش بهم وعلى أن يقتلهم شفعت فيهم أم الرشيد من الرضاعة، وكانت من آل برمك، فهي أرضعت جعفراً ويحيى، وفي نفس الوقت أرضعت الرشيد، أي: كانت ضئراً للرشيد؛ لأن الضئر في اللغة هي المرأة التي ترضع طفلاً آخر، فتصبح له ضئراً، أي: أماً من الرضاعة.
فلما عزم على ذلك الأمر، شفعت تلك الأم عند الرشيد فيهم، فقدمت عليه بعد أن سد دونها الأبواب، وتنصل منها وتهرب، فجاءت إلى حاجبه وكان يقال له: عبد الملك، فلما رآها عرفها، وكانت قد حسرت عن لثامها، وهي امرأة عجوز، فقالت له: يا عبد الملك! استأذن لي عند أمير المؤمنين، فدخل عبد الملك حاجب الخليفة وقد بلغه من الشفقة عليها ما بلغه، فقال بصوت حزين: ضئر أمير المؤمنين بالباب، فقال الرشيد: ويحك يا عبد الملك! أوَسَاعِية؟! -أي: أجاءتنا على قدميها؟ - قال: نعم يا أمير المؤمنين، وحافية.
يريد أن يستجر عطفه، فلما دخلت عليه قال عبد الملك: والله ما شككت لحظة في أنه سيرد جوابها أو لا يقبل شفاعتها، فلما دخلت عليه أخذت تكلمه وتذكره بماضيه وتسأله، أن يوقف ما قرره عليهم، فهي ذات المكانة عنده.
كان -رحمة الله تعالى- كلما طرقت باباً أوصده، وكلما سلكت طريقاً فر منه، وكلما رامت جواباً أجاب بأفصح منه، حتى صد عليها الأبواب، فلما رأت أنه سد عليها الأبواب أخرجت حقاً كان معها له قفل من ذهب، فقال: ما هذا يا أم الرشيد؟! فإذا بها تخرج ذؤابة شعره عندما كان صغيراً، وثنايا أسنانه عندما سقطت وهو صغير، وأخرجت مع ذلك ما كان يلبسه من رداء في أيام طفولته؛ لأنها كانت مرضعته والمشفقة عليه؛ لأن أم الرشيد ماتت وهو صغير، فقالت: يا أمير المؤمنين! هذه ثناياك، وهذه ذؤابتك، وهذا رداؤك، ثم قالت: إني أتشفع ببعض جوارك إليك.
وهي منتهى الشفاعة، فاستعبر الرشيد وبكى بكاء شديداً حتى أبكى من حوله من قواده ووزرائه، ثم قال: يا أم الرشيد! لا أجد مناصاً مما عزمت عليه، فخرجت وقد يئست منه، حتى قالوا: إنه لما بلغها مقتل أبنائها وزوجها لم تذرف لها عبرة، ولم يسمع له أنة؛ لأنها قد فعلت ما بوسعها أن تفعل.
والمقصود من الدلالة أنه ما كان الرشيد ليرد شفاعتها حتى يقضي الله أمره، ويمضي في الخلق ما أراده الله جل وعلا لهم، فالموت حتم لازم لا يُنجي منه شيء، فلا ينجي منه خوف الجبناء ولا يعجل به إقدام الشجعان، فساعتك التي أرادها الله لك أن تكون ستحين، فلا مفر ولا محالة، ولا أظن أن عاقلاً اليوم يخالف في هذا.
стр. 502
ذكر من عاش بعد الموت
بقي أن نقول: إن هناك أقواماً ماتوا ثم استثناهم الله جل وعلا فأحياهم بعد موتهم، ومنهم من صرح الله به في صريح المحكم، قال الله ﷻ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣]، قال بعض أئمة التفسير: كانوا قرابة أربعة آلاف من بني إسرائيل، داهمهم الطاعون ففروا من القرية التي هم فيها، وهاموا على وجوههم في الصحراء حتى ملئوا شعباً من الأودية، ومكثوا فيه، وما ذاك إلا لأمر واحد، هو الفرار من الموت، فبعث الله إليهم ملكين: أحدهما في أول الوادي والآخر في آخر الوادي، فصاحا بهم صيحة واحدة فخروا ميتين، فلما ماتوا بقوا على ذلك دهراً من الزمن، فقيل: إن أحد الأنبياء من بني إسرائيل استشفع لهم عند ربهم، ودعا الله لهم أن يحييهم، فأحياهم ربهم جل وعلا، ونحن لا نشك في أنهم أحيوا؛ لأن الله صرح بذلك بما لا يقبل التأويل، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣]، وفي ذلك على قدرة الله جل وعلا على البعث والنشور.
وممن استثناه الله جل وعلا عزير ذلك العبد الصالح من بني إسرائيل، فقد أخبروا أنه خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما قفل راجعاً اشتد عليه حر الشمس، فآوى إلى قرية خربة على حمار له ومعه سلتان في إحداهما تين وفي الأخرى عنب، فمكث يأكل منهما حتى استلقى على قفاه، فرأى أسقف تلك القرية قد خربت، ورأى عظاماً حوله قد هرمت، فقال من باب التعجب لا من باب الإنكار: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] فبعث الله إليه ملكاً فقبض روحه، فمكث مائة عام ميتاً، وكذلك حماره، ثم بعد مائة عام جاءه الملك فنفخ فيه الروح بأمر الله، فإذا به قائم، فسأله الملك: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً، فلما رأى الشمس لم تغب ظن بعث أنه في نفس اليوم الذي مات فيه، فقال: أو بعض يوم، فأراه الملك حماره وما صار إليه، ثم دعا ذلك الحمار عصباً وجلداً ولحماً ودماً حتى اجتمع ونفخت فيه الروح، قال الله جل وعلا يبين ذلك في صريح كتابه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]، وكذلك قدرته جل وعلا، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
فهؤلاء ممن استثناهم الله جل وعلا فماتوا ثم أحيوا، ولكنهم مع ذلك يموتون كرة أخرى، ويؤبون إلى ربهم ﷻ ، فلا يستثنى من الموت والأجل المحتوم أحد.
стр. 503
كيف يموت العبد
إن كيفية قبض الأرواح تختلف من زيد إلى عمرو، ومن مؤمن إلى كافر، ومن بار إلى فاجر، ولكن من صور الموت التي يستصعبها الإنسان ما يسمى بالقتل صبراً، ومعنى القتل صبراً: أن يمشى بالرجل يساق إلى القتل، فيعلم أنه قد أتي به ليقتل، فهذا القتل تسميه العرب القتل صبراً، وكثير من الناس مات على هذه الطريقة، سواء من الأخيار أو من الفجار، فمن مشاهير الأخيار الذين ماتوا على هذه الصورة خبيب بن عدي رضي الله تعالى عنه، ذلك الصحابي الذي ذهب به الملأ من قريش إلى التنعيم، فقدموه واختبروه قبل أن يقتلوه، وسألوه إن كان يرضى أن يشاك نبينا ﷺ أو يؤذى بأذى وهو آمن في بيته، فأخبرهم بأنه لا يرضى أن يكون آمناً في بيته على أن يصاب ﷺ بشوكة.
ثم قدموه إلى الموت، فصلى ركعتين، وأخبر أنه لولا أن يظن به أنه أطال مظنة الخوف لأطال في صلاته تلك، ثم دعا عليهم: اللهم أحصهم عدداً، وأفنهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً.
ثم قتلوه وصلبوه، فذلك هو الموت صبراً.
وممن مات به من الفجار النضر بن الحارث، كان من أعظم أعداء نبينا ﷺ في مكة، وشهد بدراً مع قريش، ووقع في أسر المقداد بن عمرو رضي الله تعالى عنه، وكان يسمى في الجاهلية المقداد بن الأسود، فلما بلغ النبي ﷺ قريباً من المدينة أمر بقتل عقبة بن أبي معيط، وقتل ﵊ النضر بن الحارث صبراً، حيث أمر علياً رضي الله تعالى عنه بأن يجره إلى الموت فيقتله، فذكروا أن أخت النضر لما بلغها الكيفية التي قتل بها أخوها ذكرت في ذلك شعراً، منه: أخذت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تقطع وذكرت فيه أبياتاً تستعطف بها نبينا ﷺ ، ونقل ابن هشام في السير أن النبي ﷺ قال: (لو أن شعرها هذا بلغني قبل أن أقتله لما قتلته) والله تعالى أعلم بصحة الرواية، فهذا ما يسمى بالقتل صبراً.
وبعض الناس يُظهر في هذه المواقف شدة وبأساً تكاد تتفطر لها الأكباد وتذهل لها العقول، فمن ذلك ما نقلوا أن رجلاً قتل رجلاً في أيام معاوية رضي الله تعالى عنه، فلما قدم به على معاوية قال له أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: يا فلان! قال: يا فلان! إن هؤلاء يزعمون أنك قتلت أباهم، فقال: يا أمير المؤمنين! أتريد الجواب شعراً أم نثراً؟ فقال: بل شعراً، فأجابه بأبيات يعترف فيها بخطئه، فأمر معاوية بأن يقتل، فقدم به إلى المدينة؛ لأنه كان من سكانها، وقد جرت العادة آنذاك بأن أولياء المقتول يتولون قتل واترهم، أي: من قتل مقتولهم، فلما قدم به في ساحات المدينة واجتمع الناس، وحضر الأمير بحجابه وأبوابه وجنده وحاشيته، قال ذلك الرجل الذي يقاد إلى الموت لأحد أولياء المقتول: قال: يا فلان! إنني قتلت أباك ولم أرحمه، فاقتلني بشدة وقوة، فلما وضعوه في القيد تعجب منهم، قال: وأي حاجة للقيد، فأمر بأن يفك قيده، ثم رفع بصره إلى السماء وقال: أذا العرش! إني عائذ بك مؤمن مقر بزلاتي إليك فقير وإني وإن قالوا أمير مسلط وحجاب أبواب لهن صريرُ لأعلم أن الأمر أمرك إن تَدِن فرب وإن ترحم فأنت غفورُ ثم ضرب بالسيف، فقال من شهده كما نقل عنهم: والله ما رفست قدماه، ولا تحرك منه شعرة واحدة.
وهذا أمر يؤتيه الله جل وعلا بعض عباده، ويقبضه الله ﵎ عن آخرين، وإنما أردت أن أستدل به على ما يسمى بالقتل صبراً.
стр. 504
أثر مشاهدة أمر الموت على الأحياء
ومما يستأنس به من الحديث في مثل هذا أن للموت أثراً على الأحياء، فإن مشاهدة حالة النزع والوقوف على المقابر وما إلى ذلك يضع الرقة في القلب، قال ﷺ : (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) وهذا أمر مشاهد واقع معلوم لا يمتري فيه اثنان.
كما أنه قد تكون هناك قصة منفردة، أو أمر غريب يضع في النفوس أمراً أغرب، ويجعل الأثر أبعد، ويجعل له مناطاً أقوى، فمن ذلك أن معاوية رضي الله تعالى عنه سأل رجلاً عن أعجب ما رأى، فقال: يا أمير المؤمنين! لقد دخلت ذات يوم بلدة لا أعرف فيها أحداً، فأنا غريب فيها، فصليت في أحد مساجدها، فلما صليت وفرغنا من الصلاة إذا بجنازة قدمت، فصليت عليها مع من صلى، ثم رغبت أن أذهب معهم إلى القبر، فذهبت معهم، فلما وقفنا على القبر استعبرت، وتذكرت أبياتاً كنت أحفظها لرجل آخر، ومنها: يا قلب إنك من أسماء مغرور فاذكر هل ينفع عنك اليوم تذكير فبينما المرء في الأحياء مغتبطاً إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير يبكي عليه الغريب وليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور قال: فلما قلت إذا بالناس يحلقون حولي، قالوا: يا رجل! أتعرف الميت؟ قلت: لا والله، فأنا غريب عن هذه البلدة، قالوا: والله إن الأبيات التي قلتها قائلها هو هذا المقبور الذي لا تعرفه، فالرجل قال الأبيات ومضت بين الناس واشتهرت، وأخبر فيها أنه ربما يقف غريب على قبره فينعاه، ويتخلى عنه ذو قرابته، ثم يقع هذا الأمر حقيقة، فيأتي رجل غريب لا يعرفه فيقف على القبر ويستعبر ويبكي ويندبه وهو لا يدري عنه، ويكون له من القرابة والرحم من يتخلون عنه في يوم موته، فمثل هذه الحوادث تجعل في النفس رقة.
ومن ذلك ما ذكر ابن القيم في الجواب الكافي أن شاباً جاءته امرأة تائهة تبحث عن حمام تغتسل فيه على عادة الناس في ذلك الزمان، فقالت لذلك الشاب: يا أخا العرب! أين حمام منجاب؟ فكان باب داره مفتوحاً، ورأى من أمارات الغفلة على المرأة، فأشار إلى باب الدار وقال: هاهنا، فدخلت المرأة، فدخل وراءها وأغلق الباب، وأراد أن يراودها عن نفسها، فكأن الله ألهمها؛ فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فألهمها أن تظهر له موافقتها على ما يريد، فقالت: أنا بين يديك، ولكن ليس من المعقول أن لا نلهو بشراب وطعام قبل أن نعزم على ما تريد، فتعجب فرحاً وخرج يبحث عن طعام وشراب، فلما خرج خرجت هي بعده وانصرفت إلى دارها، فلما أتى الدار أغمي عليه مما وقع فيه، ومن أسفه على أن فرت من بين يديه، فأخذ الهم يغتاله شيئاً فشيئاً حتى غرغرت روحه، فلما اجتمع عليه أهله وذووه، وقالوا: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، كان يردد: ولرب سائلة يوماً وقد ذهلت أين الطريق إلى حمام منجاب فمثل هذا وغيره يجعل في النفس رقة، ويجعل الإنسان في خوف ووجل من تلك الساعة، فإننا -يا أخي- لا ندري أنثبت على ما نحن عليه من الهدى أو لا نثبت، أسأل الله لي ولكم الثبات.
ولذلك حكى الله عن الصالحين دعاءهم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
ثم إننا لا ندري على أي حال يختم لنا، فالسعيد كل السعادة من ختم الله له بخير، ومن جعل الله جل وعلا مآله إلى خير، ومن قدمه ربه ﵎ إلى خير.
стр. 505
التأمل في الموتى يفضح غرور الأيام
ولا ريب في أن ذكر الموت إيضاح وبيان لغررور الأيام، وأن هذه الدنيا يقبض الله فيها عن عباد ويبسط لآخرين، فكم من عباد اليوم ملكهم الله نواصي الخلق، وكم من عباد اليوم أفاض الله عليهم من النعمة ما لا يحصى عدداً، وكم من عباد اليوم يجلسون على كراسي يأمرون منها وينهون، وكم من عباد اليوم آتاهم الله من السلطان والمال والعدد والعدة والكثرة في الولد، والوجاهة في الناس، وما إلى ذلك، فلا يسألهم أحد عما يفعلون، فهم في غدو ورواح وذهاب ومجيء، إن لم يرزقوا التقوى فقد هلكوا؛ لأنهم لا يخافون سلطان أحد من الناس، فمن هؤلاء من أهل الإسلام، ومنهم من أهل الكفر، ومنهم ممن هو من أهل المشرق، ومنهم من هو من أهل المغرب.
ومن العباد من قبض الله الدنيا عنه لحكمة أرادها، فهو لا يملك قوت يومه، ولا طعام أبنائه، ولا يجد ما يسد به رمقه، ولكن هذا وهذا مصيرهما إلى الموت.
ثم انظر بعد ذلك إلى إجابة هذا وهذا، فلا ريب في أن الفقير إذا استعصم كان أقدر على الإجابة من الغني، والإنسان لا يحتقر الدنيا، ولا يراها من منظار صحيح إلا إذا وقف يوماً وقفة منصف على شفير قبر، فتأمل وأنت واقف على شفير القبر تدفن قريباً أو حبيباً أو صديقاً لك، فالو عنقك في تلك الساعة وانظر نظرة فهم وإدراك للدنيا كلها، فوالله -إن كنت لبيباً وأوتيت علماً وإنصافاً- لتحتقرن الدنيا كلها، وهذا حق، فإن الدنيا لو بلغت عند الله جناح بعوضة لما سقى منها كافراً شربة ماء.
تأمل في هذا المقبور أليس له خلان فارقهم ومضى؟! أليس له أموال تركها ومضى؟! أليس له مواعيد لا يستطيع إنجازها؟! أليست له أسرار لم يبح بها بعد؟! أليست له أسرار تركها في صدر فلان وفلان؟! له ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ولكن في تلك اللحظة التي فارقت روحه جسده انقطع كل شيء، فأتاه ما يشغله عن أهل الدنيا، وأتاه ما يشغله عما كان فيه وما كان يهتم له ويغتم له، فأصبح في هم أعظم، ومصاب أكبر.
وهذه النظرة إن أوتيها العبد رزق التقوى، فأنصف نفسه في هذه الحياة، ولم يحرص الحرص التام على أن يخلد فيها، أما أن تعصم الناس أموالهم، أو تعصم الناس حجابهم فليس ذاك بكائن، ونقلوا عن أحد خلفاء بني عثمان -والله أعلم بصحة الرواية- أنه من فرط حبه للدنيا أمر المصورين وأصحاب التماثيل أن يجعلوا صوراً وتماثيل بأحوال متعددة من هيئته، فإذا دخلت قصره وجدت صورته وتمثاله وهو نائم، وصورته وهو جالس، وصورته وهو مضطجع، وصورته وهو يمشي، صورته وهو قائم، وصورته وهو يشرب، وصورته وهو يأكل، كأنه يريد أن يغالب الموت، حتى قالوا: إن من فرط قدرة أولئك الذين قاموا بإتقان التماثيل والصور لم يبق من فارق بينه وبين تلك الصور إلا أن تخاطب تلك الصور.
ثم بين عشية وضحاها يسلب ملكه، ويخرج من المدينة التي كان فيها، فلم تعصمه حجابه ولا سلاطينه ولا من كان معه، قال حافظ: وأخرجه من يلدز رب يلدز وجرده من سيف عثمان واهبه فالذي أخرجه مما كان فيه هو رب العالمين ﷻ .
تماثيل إيهام أنيمت وأقعدت تراءى بها أعطافه ومناكبه لكن كل ذلك لم ينفعه، حتى قال: ولم يغن عن عبد الحميد دهاؤه ولا عصمت عبد الحميد تجاربه حيل وصور وتماثيل وحجاب وحرس وسلاطين، ولا يدخل هذا إلا بإذن، ولا يخرج هذا إلا بإذن، لكن إذا نزل القدر بطل الحذر وعمي البصر.
اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد، أنت الله لا إله إلا أنت تحيي وتميت، تبدئ وتعيد، لا تموت، والأنس والجن يموتون.
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا حياة طيبة، وخاتمة حسنة، وأن ترزقنا مرداً غير مخز ولا فاضح، اللهم إن لنا من الذنوب والمعاصي ما لا يعلمه غيرك، ولا يدري به سواك، اللهم كما رحمتنا وسترتها في الدنيا من علينا -يا أرحم الراحمين- بغفرانها يوم نلقاك.
اللهم إن لنا أملاً عظيماً في رحمتك يا رب العالمين، فلا تحرمنا ذلك الأمل يا حي يا قيوم.
اللهم إنا نسألك حياة الأبرار، ورفقة الأخيار، وصحبة محمد ﷺ في يوم المعاد.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا وأساتذتنا، ومن له حق علينا يا رب العالمين.
اللهم إنا خلق من خلقك، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك، فارحمنا -اللهم ربنا- رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك.
اللهم اجعل ما قدمنا وما أخرنا من عمل نريد به وجهك، ونتقي به سخطك، ونؤمل به يوم نلقاك فيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 506
توجيهات اجتماعية
النبي ﷺ خير الخلق، وهو القدوة الحسنة والمثال الرائع للناس جميعاً، وجب على كل ذي لبٍ أن يقتدي به في أخلاقه، وتعامله مع الناس، وعفوه عند المقدرة، والتواضع وخفض الجناح للمسلمين، والتقرب إلى الله، واللجوء إلى جنابه.
стр. 507
من مواضع الاقتداء بالنبي ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
ثم انه ﷺ بعد أن أدبه ربه بالوقوف بين يديه في الليل ألبسه جل وعلا في النهار أعظم الأخلاق، وأكمل الصفات، وهداه إلى أفضل الطرائق، فتجمل بها ﷺ كلها، فهو في بيته خير زوج، وهو لأحفاده خير جد، وهو لأمته أعظم قائد، وهو في المسجد أجل إمام، وأفصح خطيب، وهو ﷺ في ذلك كله عبد متواضع لله، يعرف فضل الله جل وعلا عليه قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما إنا عبد لله فقولوا: عبد الله ورسوله) صلوات الله وسلامه عليه.
فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الآباء وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في دين الإله سواء فلو إن إنساناً تخير ملة ما اختار إلا دينك الفقراء والمصلحون أصابع جمعت يدا هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء
стр. 508
ترك الكبر
الكبر أيها المؤمنون أسوء الخصال، وهو أمر تفرد به الرب ﵎، في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) فالله جل وعلا له بعض الصفات، من نازعه فيها قصمه الله، ومن نأى عنها وبعد قرب من الله، ألا تري يا أخي أن السجود موضع ذلة لا يقبله أحد، ولما كان السجود موضع ذلة لا يقبله أحد لا يجوز فعله إلا للواحد الأحد، قال الله جل وعلا لنبيه ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩].
فكلما تذلل الإنسان بين يدي الله اقترب من الله، فإن لبس -عياذ بالله- رداء من الكبر فإنه يكون أبعد ما يكون عن الله مصروفاًَ عن آيات الله لا يعبأ الله جل وعلا به.
وقف الصحابي الجليل عبد الله بن عمر يبكي بعد أن خاطبه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن قال: إن هذا -وأشار إلى عبد الله بن عمرو بن العاص - أخبرني أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر).
وما عصى إبليس ربه إلا عندما استقر في قلبه الكبر، ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فأعظم القضايا الاجتماعية، أو أعظم ما ينبغي أن يتخلص المؤمن منه، وهو يخالط إخوانه المؤمنين أن ينزع عن نفسه رداء الكبر، والإنسان لو ترك على سجيته لبقي يحب أن يعظم ويمدح ويثنى عليه، ويرى الناس حوله صغاراً، لكنه إذا ألجم نفسه بلجام التقوى، وعلم أن مرده إلى الله، ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١].
إذا علم الإنسان أنه عبد مخلوق من لحم ودم وعصب، وأن مرده إلى الله، وستؤويه حفرة، وسيسأله الملكان، وأنه لا يملك لنفسه ضراًَ ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا، وأنه لن يأخذ إلا ما أعطاه الله، ولن يتقي إلا ما وقاه الله، جفت الأقلام وطويت الصحف بذلك، فإذا عرف ذلك كله عرف قدره، وتواضع لله كما تواضع الأخيار من الأتقياء والأبرار، من الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا.
стр. 509
ترك الحسد
فالكبر أيها المؤمنون رداء ينبغي لكل مؤمن أن ينزعه من نفسه.
وكما ينزع الإنسان الكبر عن نفسه ينزع داء الحسد، فإن الله جل وعلا جعل هذه القلوب أوعيه، وأعظم القلوب قرباً من الله من سلمت من الشرك وعمرت بالتوحيد، وسلمت من البدعة وعمرت بالسنة، وسلمت من الحسد وعمرت بالمحبة للغير، ومعرفة قدر الناس، وإنزال الناس منازلهم.
هذا هو المؤمن الموفق المسدد، والحسد مركب في كل جسد، لكن الله لا يحاسب على أنه موجود في أجسادنا، إنما يحاسب إذا أثمر ذلك الحسد قولاً أو فعلاً حرمه الله أو حرمه رسوله ﷺ ؛ ولهذا جاءت الاستعاذة منه مقيدة في كتاب الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]، ولم تأت على إطلاقها.
وإبليس حسد أبانا آدم على ما أفاء الله عليه مع الكبر الذي في قلبه، وقابيل حسد أخاه هابيل لما قبل الله قربان الثاني ولم يقبل قربانه، فكان ذلك الحسد في قلبه سبباً لقتله لأخيه، ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٩].
ونبيكم ﷺ ، لم يكن يحمل في قلبه الحسد؛ لأنه يعلم أن الله وحده هو الذي يخفض ويرفع، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يقطع ويصل ﷻ ، والإنسان إذا رأى نعمة من نعم الله على غيره لا يشتغل بذلك الغير، إنما يسأل الذي وهبه أن يهبه مثلها، فسل الله، فالله جل وعلا يحب الملحين عليه بالسؤال، وبني آدم لو سألته يغضب.
والمقصود أيها المؤمنون أنه ينبغي للمؤمن أن يوطن نفسه أن لا يكون في قلبه حسد على المؤمنين، قال ﷺ يدعو إلى المحبة والألفة بين هذه الأمة: (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، وهذه الأخير مردها إلى الأول، وهو رداء الكبر الذي بيناه.
والمؤمن إذا كان عظيم الثقة بالله يحسن الظن بربه ويعلم أن المقادير بيد الله قلما يكون في قلبه حسد، أما إن كان لا يعرف ربه إلا قليلا كان يغلب عليه الظن أن العطايا مردها إلى أمور مادية وليس مردها إلى العلي الكبير، فيستوطن الحسد في قلبه عياذاً بالله، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وهو في الأقران أكثر، وفي النساء أشد، لكن ينبغي على كل مؤمن ومؤمنة أن يوطن نفسه، أو توطن المرأة نفسها ألا يكون في قلبها حسد لإخوانها أو أخواتها المؤمنات.
стр. 510
ترك الظلم
ثالث ما ينبغي أن يتداركه الظلم.
والله جل وعلا حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرما، وقد بعث ﷺ حبيبه معاذ بن جبل إلى اليمن وهم يومئذ أهل كفر، قال له: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
وكم يقع الظلم ما بين صاحب العمل والأجير الذي يعمل عنده، أو بين الرئيس والموظفين الذين بين يديه، أو بين رب البيت مع زوجاته، وكم يقع من الزوجة مع الخادمات في البيت، كم يقع من المعلم إلى طلابه، كم يقع الظلم في البيع والشراء؟ كم يقع الظلم على هيئة ألفاظ وأقوال ولا يشعر الإنسان بها، ويخطها أحد الملكين والآخر يشهد عليها، ويوم القيامة يجد كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وأعظم الظلم أن يظن الإنسان أنه بظلمه يصنع خيراً، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
روى الإمام البخاري ﵀ في كتابه التاريخ الكبير بسنده عن محمد بن سيرين ﵀ قال: كنت عند الكعبة فسمعت رجلا يقول: اللهم اغفر لي وإن كنت أظن أنك لن تغفر لي، فقال له محمد: يا هذا ما سمعت أحداً يدعو بمثل دعوتك هذه.
فقال صاحب الدعوة: إنك لا تدري ما خبري، إنني كنت قد أعطيت الله عهداً أنني إذا تمكنت من عثمان بن عفان لطمته على وجهه ولحيته، فقتل عثمان قبل أن ألطمه، فلما وضع عثمان على سريره في بيته، وجاء الناس يصلون عليه، دخلت في زمرة من يصلي على عثمان، حتى وجدت خلوة فكشفت عن وجهه وكفنه ولطمته تحقيقاً لعهدي، فما رفعت يدي إلا قد شلت ويبست كأنها خشبة.
قال ابن سيرين: فأنا رأيت يده يابسة كأنها عود! وتأمل يا أخي أن الإنسان أحياناً يصل في الضلالة إلى أن يعطي الله عهداً على أن يؤذي مؤمناً، وهذا ممن قال الله فيهم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨].
يأتي للأمر ويزعم أنه قربة إلى الله، وهو لا يقود إلا إلى الضلال المبين، ولا يقود إلا إلى الهلاك؛ لأنه معارض لكلام الله وكلام رسوله ﷺ .
والذين قتلوا عثمان ﵁ وأرضاه قتلوه وهم يزعمون أنهم يتقربون إلى الله جل وعلا بقتله، لأنهم لما غلبت عليهم أزمة الشبهات حرموا من نعمة العقل والهداية والتوفيق فقادتهم تلك الشبهات إلى ما قادتهم إليه.
وغاية الأمر أن تعلم أن الظلم من أعظم ما يعجل الله جل وعلا به العقوبة في الدنيا والآخرة، والإنسان إذا كان يعرف المعنى الحقيقي للوقوف بين يدي الله، تخلص من مظالم الناس، ولم يقع منه مظلمة في دينار ولا درهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
ويقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
لماذا يفر المرء من هؤلاء، إن الإنسان يوم القيامة لا يفر ممن لا يعرفه، إنما يفر ممن يعرفه، وهذا والله من دقائق العلم وفرائد الفوائد، وذلك لأن الشخص الذي لا تعرفه يسكن في مكان ناء عنك قلما أن تكون قد ظلمته.
لكن الذي يخالطك أنت عرضة إلى أن تظلمه، فإذا جاء يوم القيامة، ورأى الرجل أحداً كان يخالطه ويعرفه يفر منه، خوفاً من أن يكون قد ظلمه في الدنيا فيأخذ من حسناته، وهو أحوج ما يكون يومئذ إلى الحسنات، فيكون فرار الإنسان عن خلطائه، عن أمه، عن أبيه، عن إخوته، عن عشيرته، عن جيرانه؛ لأنه يخشى أن يكون قد أخطأ في حقهم، ويوم القيامة لا دينار ولا درهم، وإنما هي حسنات وسيئات، وكل أحد أحوج ما يكون إلى شعرة من حسنة، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٨ - ٩].
стр. 511
ترك الخوض في أعراض الناس
مما ينبغي على المؤمن أن يكون لسانه بعيداً عن الخوض في أعراض المؤمنين.
نبينا ﷺ وقف على ناقته يوم عرفة يقول: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا)، والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
ويقول ﷺ في تربيته لـ معاذ: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).
وجميل من المرء أن يتحلى بأخلاق رسول الله ﷺ ، فلم يكن فاحشاً ولا متفحشا ولا سباباً ولا لعانا، وإنما كان ﷺ جميل القول، مهذب النطق، أحسن الله جل وعلا تعهده وتربيته.
تقول أم المؤمنين ﵂ وأرضها في وصفه لـ هشام يا بني أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قالت: (كان خلق رسول الله ﷺ القرآن).
هذه أربع أو خمس صفات مما ينبغي على المرء أن يجتنبه، وليست القضية في التخلية بل لا بد من التحلية، كما نتخلى عن ما حرم الله ونهى عنه رسوله ﷺ ، نتحلى بتلك الأخلاق الكرام، والصفات العظام التي كان يتحلى بها نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 512
إطعام الطعام
ومن أعظم الخصال بذل الندى، وإطعام الجائع، فإن سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وسادتهم يوم القيامة الأتقياء، وإذا كان الإنسان يبذل نداه، ويقري ضيفه، ويكرم جاره كان قريبا من الله قريباً من هدي رسوله ﷺ .
حج يزيد بن المهلب فلما قدم إليه الحلاق في يوم النحر حلق له رأسه، فأعطاه يزيد ألف دينار، وهي لا تعطى في العادة لمن يحلق، فقال له الحلاق: دعني حتى أخبر أمي، فرحاً أنه أعطي هذا المبلغ، فقال يزيد لخادمه: أعطه ألفاً أخرى، فقال الحلاق: والله لا أحلق لأحد بعدك، فقال يزيد: أعطوه ألفاً ثالثة.
والمقصود أن التاريخ حفظ لـ يزيد بن المهلب هذا العطاء، وأكرم منه من تأسى به يزيد وهو رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ﵊.
جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه أيام خلافته، فقال: يا أمير المؤمنين جزيت الجنة أكسو بنياتي وأمهنه وكن لنا من الزمان جنة أقسمت بالله لتفعلنه قال عمر: وإن لم أفعل يكون ماذا؟ قال: إذاً أبا حفص لأمضينه! قال: وإن مضيت يكون ماذا؟ قال: إذاً أبا حفص لتسألنه يوم تكون الأعطيات جنة وموقف المسئول بينهنه إما إلى نار وإما الجنة فخلع عمر ﵁ قميصه وبكى حتى بلل لحيته وأعطاه القميص وهو يقول: خذه فوالله الذي لا اله إلا هو ما أملك غيره.
والمقصود أن نبيكم ﷺ حث على إطعام الطعام وقال الله من قبل: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١١ - ١٥] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦].
وقال عن أوليائه الصالحين: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٨ - ٩].
стр. 513
العفو عن الناس
من خصال المؤمنين التي ربي النبي ﷺ أمته عليها العفو عن الناس، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، فعلت به قريش الأفاعيل، فلما مكنه الله جل وعلا من رقابها يوم الفتح قال: (ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء).
والإنسان من جميل طباعه أن ينافس في الخير، ولقد ورد أن أبا سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ ، وأحد الخمسة الذين يشبهون في هيئتهم نبينا ﵊، كان أول أمره كثير الهجاء للنبي ﵊، فلما كان كثير الهجاء أهدر النبي دمه، فلما تاب وأسلم ذهب إلى إحدى أمهات المؤمنين وسألها كيف يعتذر؟ قالت: ائت إليه وقل له: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١]، كما قال إخوة يوسف ليوسف، فإن نبيك ﵇ لا يحب أن يكون أحد أفضل منه، فجاء أبو سفيان وقال مثل ما قال إخوة يوسف ليوسف، تالله لقد آثرك الله علي وإن كنت من الخاطئين، فقال ﷺ كما قال يوسف: يغفر الله لك وهو أرحم الراحمين.
والمقصود أن العفو عند المقدرة من أعظم شيم العظماء.
وثمة قاعدة في الحقوق الشرعية تنتفع بها إن كنت صاحب سلطة سواء كنت أميراً، أو محافظاً، أو مديراً، أو قاضياً، وهذه القاعدة هي: اصنع في كل احد وقف بين يديك ما تحب أن يصنعه الله بك إذا وقفت بين يديه.
فإن هذه الصنائع من أعظم ما تستجدى به رحمة الله ﷻ ، فتعامل مع من يأمل فيك ما ترجو الله أن يتعامل به معك وأنت تؤمل فيه، لكن اقطع علائق قلبك من الخلق كلهم فلا تعفو عن أحد رجاء أن يعفو أحد عنك ذات يوم، هذا إن فعلته جائز، لكن نحن لا نتكلم في ما هو ممنوع أو هو مباح، نتكلم فيما يقرب من العلي الكبير ﷻ .
وما الدنيا إلا أنفاس محدودة وأيام معدودة، ثم الوقوف بين يدي الله جل وعلا، فينبغي أن تكون أعمال العبد مطية للوصول إلى الله جل وعلا، قال الرب ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦].
نعود فنقول أيها المؤمنون: مع بذل الندى العفو عند المقدرة، وقد ورد في بعض الآثار أن أربعة من حملة العرش يقولون في دعائهم وذكرهم: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، والأربعة الآخرون يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك.
وكلنا ذو خطأ وما أحوجنا إلى عفو الله، والنبي ﷺ يقول: (من لا يرحم لا يرحم)، وقال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) وأولى الناس بأن نرحمه الوالدان؛ لأن الله جل وعلا أوجب لهما الرحمة وبين عظيم حقهما، ثم إنه كلما كان الإنسان ممن حولك ضعيفاً كان أولى بالرحمة.
والغريب الذي ليس من ديارك أولى بالرحمة من المقيم فيها، وكل أحد بحسب ضعفه يكون أولى بالرحمة من غيره، فلو كان لك عمات كثر، إحداهن أضعف من الباقيات لوجب صرف الرحمة أكثر لمن كانت أحوج إليها، وهذا من سنن الله جل وعلا في خلقه، ولا أظن أنه يماري فيه أحد.
стр. 514
العدل بين الناس
ومما كان فيه ﵊ من خلق عظيم، العدل بين الناس: وبالعدل قامت السماوات والأرض، ومن العدل بين الناس يعدل الإنسان في حكمه إن كان قاضياً، يعدل الإنسان في قوله إذا طلبت منه شهادة، يعدل الإنسان في سائر شأنه إذا كان ذا ولاية على زوجات أو على أبناء، فيعدل في أبنائه في العطايا، ويعدل بين زوجاته في المبيت، ويعدل في كل شيء بحسبه، ويعدل حتى في قوله مع خصومه وأعدائه، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
وعبد الله بن رواحة ذهب إلى خيبر يخرص نخلها، فقال: يا معشر يهود: جئتكم من عند أحب الناس إلي -يقصد النبي ﷺ وإنكم لمن أبغض الناس إلي، ولكن لن يدفعني حبي له وبغضي لكم أن أجور، ينبغي علي أن أعدل فقالت له يهود: بالعدل قامت السماوات والأرض.
والإنصاف اليوم في الناس قليل، والناس إذا أحبوا أحداً نسبوا له كل فضل، وإذا أبغضوا أحداً نسبوه لكل نقص، وقالوا فيه ما لم يفعله، والعاقل لا يغلو في أحد، لا محبة ولا ذماً.
فلا تغل في أحد من العباد كائناً من كان، ولو رأيت عليه من أمارات الصلاح والبكاء وأمثال ذلك الشيء الكثير، فإن الله وعلا أوكل السرائر إلى نفسه.
ولا تغل في ذم أحد فإنك لا تدري أن الله جل وعلا ستر محاسنه وأظهر معايبه، فحكمت عليه من وجه دون آخر، ولكن المؤمن العاقل الحصيف الذي يخشي على سيئاته أن تزداد وعلى حسناته أن تذهب، لا يتكلم إلا بقصد، ولا يحكم إلا على بينة، ويتكلم بضبط قوله مخافة أن يلقى الله فيكون قد شط في قوله.
стр. 515
التواضع
إذا كان هذا العدل، وذلك العفو، وبذل الندى فقد بينا الكبر وضده والتواضع لعباد الله، وأحب الناس إلى العباد وأقربهم منهم من كان متحليا متجملاً بخلق التواضع، والنفوس جبلت على أنها تبغض من كان مستكبراً.
الحجاج بن يوسف الأمير الأموي يقول على ظلمه: ثلة من أهل الكوفة لو أدركتهم لضربت أعناقهم، وهو لم يدركهم، يعني أنه جاء الكوفة وقد ماتوا، قيل له: من هم أيها الأمير؟ قال: فلان وسمى رجلاً، وكلهم ذمهم بالكبر، أما أحدهم عياذاً بالله فصعد المنبر فخطب خطبة بليغة، فلما فرغ منها قال له أحد الحاضرين: كثر الله من أمثالك، فقال ذلك المتكبر الفاجر، لقد كلفت ربك شططاً، أي: يصعب على الله أن يخلق غيري.
قال: وآخر كان يقف في قارعة الطريق، فجاءته امرأة تسأله وهي لا تعرفه، قالت: يا عبد الله، أين طريق فلان؟ قال: ألمثلي يقال: يا عبد الله، ورفض أن يجيبها.
وذكر رجلاً ثالثاً ضاعت ناقة فقال: يمين الله إن لم يرد الله ناقتي لن أصلي ولن أصوم، فرد الله عليه ناقته، فقال كفراً: قد علم ربي أن يميني كانت صرماًَ، يعني ماضية.
هذا وأمثاله موجود في كل أحد، لكن من الخلق من ألجم نفسه بلجام التقوى فقبلت ورضيت أن يكون عبداً لله جل وعلا، ومن العباد من أطلق لها العنان، وهؤلاء الذين أطلقوا لها العنان درجات، وفي الذروة من أولئك الذين أطلقوا لأنفسهم العنان فرعون عندما قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، والنمرود عندما قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] فما السبيل إلى كسر النفس، السبيل إلى كسر النفس عظيم العلم بالله جل وعلا، فإن العبد كلما كان بالله اعرف كان من الله أخوف، كلما كان بالله أعرف، كان من الله أخوف.
стр. 516
أعرف الناس بالله أخوفهم منه
والله جل وعلا حجب عنا جميعاً أن نرى بعيننا الباصرة ذاته، ومكننا جل وعلا أن نرى مخلوقاته، فمن رأى مخلوقات الله بعين البصيرة وتفكر فيها دلته مخلوقات الله على عظمة الخلاق ﷻ ، فإذا عرف ربه وعبده وذل بين يديه، واستكان عنده، يكرمه الله أن يرى الله بعينه الباصرة، وهذا منطلق كل مؤمن.
قال الله عن أهل طاعته: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].
فهؤلاء أقوام أخذوا يتفكرون في المخلوقات، فدلهم ذلك التفكر على رب البريات، فعظموا الله، فهؤلاء يكافئهم الله يوم القيامة بأن يمكنهم جل وعلا من أن يروا وجهه الأكرم جل وعلا، ولا عذاب أعظم على أهل النار من كونهم محجوبين عن رؤية وجه الواحد القهار، قال الله جل وعلا عن أهل معصيته: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
نعود فنقول: إن التواضع من أعظم أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه، هذه الأمور التي وازنا بينها ما بين التخلية والتحلية تحتاج في المضي عليها إلى صبر، وبالصبر تبلغ ما تريد، وبالتقوى يلين لك الحديد، فمن رزق الصبر قدر على أن يعطي مما يحب، وأن يصبر على ما يكره، قال الله جل وعلا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، وفي جملة من الآثار: لن تنال البر حتى تصبر على ما تكره وحتى تنفق مما تحب، فإذا أنفقت مما تحب، وصبرت على ما تكره وصلت إلى منازل عالية عند الله جل وعلا.
كما أن مما يعين على التحلي بهذه الأخلاق تذكر قرب المحشر والوقوف بين يدي الله، فإن الله ذكر الأوصاف الحميدة، قال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]، وحتى يكون لدى الإنسان حظ عظيم من الصبر لا بد أن يعرف الآخرة حقاً، فكل من أدرك بعيني بصيرته وبصره عظمة الوقوف بين يدي الله، هانت عليه أمور الدنيا، وهذه الدنيا إن نازعت أهلها فيها اجتذبتك كلابها، وإن استغنيت عنها فزت بخيري الدارين.
واعلم يا أخي أنه لن يموت أحد حتى يستوفي رزقه، يقول ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها)، وهذا لا يمنع من السعي المباح، ولا ينافي ذلك الشرع، وفي حديث عمر: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).
فأثبت لها ﷺ الغدو وأثبت لها ﷺ الرواح.
نقول: بالصبر وبالتفكر في اليوم الآخر، ثم بالمعرفة بمنهاج أولياء الله المقربين، وعباد الله الصالحين تنال الدرجات العليا، ولهذا قص الله على نبيه في القرآن جلائل الأخبار، وأدبه بعظيم العظات، حتى يتأسى بأولئك الأخيار الذين من قبله، ذكر له ثمانية عشر نبيًا في سورة الأنعام، ثم قال له: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فأخذ ﷺ بهديهم، فجمع إلى ما عنده من الفضائل ما كان عند إخوانه عليهم الصلاة والسلام من الفضائل، فأصبح ﵇ في الذروة العليا، والدرجة الأسمى من الأخلاق كلها وعبادة الله صلوات الله وسلامه عليه.
ثمة محبطات في الطريق إلى الله، فالإنسان إذا كنت ذا حلم وصفوك بأنك ضعيف، وإذا كنت ذا عفو وصفوك بأنك عاجز، وإذا كنت ذا كرم وصفوك بأنك مسرف، وما يزال في كل مجتمع فئام من الناس يثبطون أهل الحق، ويصفون الأشياء على غير وصفها، ويسمونها بغير اسمها، لكن لا يوجد عاقل يترك الاستسقاء من معين محمد ﷺ ويأخذ عن غيره، فالعاقل يعلم أن الهدي كله محصور بهدي محمد صلوات الله وسلامه عليه.
والتمسك بهدي الأنبياء لا شك أنه خير وأبقى من التمسك بصنيع غيرهم فإن الله أيد أنبياءه بالوحي، والأنبياء بوحي الله إليهم معصومون من أن يقعوا في خطأ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 517
سؤال التوفيق من الله
بقيت واحدة: وهي أن الإنسان يسأل الله جل وعلا التوفيق في غدوه ورواحه، فوالله لن يقدر أحد أن يعبد الله كما أراد الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨].
قال بعض أهل العلم: إنهم إذا أصبحوا سألوا الله التوفيق، وإذا أمسوا استغفروا الله جل وعلا من التقصير، فهم ما بين سؤال الله أن يوفق ويعين وييسر، وما بين استغفار الله أن يسد الخلل، ويغفر الذنب، ويتجاوز عن الزلل، وربك على هذين قادر، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام:١٠٢]، كما بين جل وعلا في كلامه وكتابه.
أيها الإخوة المباركون، طول الكلام ينسي بعضه بعضاًَ، وهذا ما تيسر قوله في هذا المقام المبارك.
وما تبقى من الوقت نجعله للأسئلة، على أنني في المقام الأول أقول قبل أن أنهي: إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]، فنسأل الله جل وعلا أولاً أن يتقبل من الملك فهد ﵀ رحمة واسعة- بناء هذا المجمع الذي صلينا فيه، وأقمنا المحاضرة فيه، ولم يقتصر نفعه على إقامة الصلوات وإلقاء المحاضرات، وفي هذا عبرة أن الملك ﵀ مات وزال ملكه، لكن المسجد الذي بناه لله لم يزل باقياً، فكل ما كان لله يبقى، وأما عطايا الله جل وعلا لعباده دنيوياً فإنما هي متاع إلى حين، هذا أولاً.
الأمر الثاني: أشكر لأخي سعادة المحافظ فضله وخلقه وكرمه وحضوره المحاضرة الدال على نبل أخلاقه وإسلامية منهجه، وفي هذا تشجيع للناس؛ لأن الناس إذا كان سادتهم ووجهاؤهم والقائمون بالأمر فيهم يتقدمون إلى الخيرات تأسوا بهم، كما أسأل الله جل وعلا أن يشكر الشيخ حسين، وجميع المعنيين في اللجنة الثقافية على حسن ظنهم بأخيهم وكريم دعوتهم.
وأسأل الله جل وعلا لهذه الوجوه الطيبة التي أراها والتي لم أرها من أخواتنا المؤمنات المكتسيات بحلل الحياء والحجاب، أسأل الله لنا جميعاً أن يحرم وجوهنا على النار، وأن يجعل مجلسنا هذا شاهداً لنا يوم نلقاه، وأن يعيذنا جل وعلا من أن نريد بقولنا أو أي شيء نصنعه أحداً غيره جل وعلا، وأن يجعلنا ممن خلصت نيته، وسدد الله قوله، وأصلح الله عمله، إن ربي لسميع الدعاء.
هذا ما تيسر، وعفواً إن أطلت، وعذراً إن قصرت، فما أردت إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 518
وما قدروا الله حق قدره
خالق كريم، رب رحيم، علي عظيم، خلق فسوى، وقدر فهدى، أعطى وأكرم، وأجزل وأنعم، لا تفي الكلمات أن تحصي ثناءه ونعماءه، فهو أهل الثناء والمغفرة.
بعد هذا كله أتى أقوام من خلق الله ما عرفوا لله قدره، وما أدركوا حقه، جعلوا له أنداداً، واختلقوا له أضداداً، وعبدوا من دونه ما لا ينفع ولا يسمع، وهذا والله! بسبب سخف عظيم أصاب كنه عقولهم، وجهل صارخ خيم على أعماق أنفسهم.
стр. 519
ذكر الذين جعلوا مع الله شركاء وذمهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره، ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فسبحانك اللهم ربنا وبحمدك ولك الحمد، أنت وحدك من يجبر كسرنا، ويجمع شتات أمرنا، ويثبتنا على طريق ديننا، نستغفرك ربنا ونتوب إليك، ونستعين بك ونحن نزدلف إليك بذكرك في بيت من بيوتك.
أيها المؤمنون! إن كل مجلس فيه حكمة تنشر، أو سنة تحيا، أو علم يذكر، فإنه مجلس يفد إليه العقلاء، ويؤمه الفضلاء، ولكن أعظم المجالس أثراً، وأرفعها درجة وأجلها بركة، المجلس الذي يذكر فيه الله رب العالمين ﷻ ، كما أن الله جل وعلا لا أحد مثله، فانه لا مجلس أبداً كمجلس يعظم الله فيه ويذكر جل وعلا الذكر الحسن ويثنى عليه جل وعلا بما هو أهله من المحامد.
أيها المؤمنون! لما جعل عبدة الأوثان، والعاكفون على الأصنام مع الله جل وعلا شريكاً ولم يعرفوا لربهم قدراً، كانت قلوبهم تشمئز وأنفسهم تنفر إذا ذكر الله ، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥].
وقال جل ثناؤه وتباركت أسماؤه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦].
على هذا يتبين أننا في هذا المجلس المبارك نتفيأ ظلال آية كريمة نعت الله جل وعلا بها منكراً أحوال قوم ساووا بين الخالق والمخلوق، وجعلوا الآلهة والأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً أنداداً مع ربهم ﵎.
قال الله جل وعلا وقولهُ الحق: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤]، وعلى هذا يتبين أن من علم حقيقة قدر الله جل وعلا فهو الفائز بجنات النعيم.
أيها المؤمنون! هذا الشأن العظيم، والمنزل الكريم، والمطلب الجليل، له شواهد تدل عليه، كما أن هناك قرائن تدل على من نأى وابتعد عنه، وهناك طرائق ترشد إليه وتدل عليه وهي التي بها نستفتح خطابنا هذا.
стр. 520
ما يعين العبد على معرفة قدر ربه
стр. 521
التأمل في كلام الله
من الطرائق التي يعلم بها العبد عظمة ربه: أن يتأمل في كلامه جل وعلا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨].
فالقرآن تحدى الله به بلاغة البلغاء وفصاحة الفصحاء.
قالوا: إن أبا العلاء المعري الأديب اللغوي المعروف كان آية في الفهم والذكاء والحفظ، ما فقد كان يحفظ أشعار العرب وكثيراً من مفردات لغتها وأيامها وتاريخها، وبدا له لما وصل إلى هذه المرحلة أن ينازع القرآن وأن ينشىء قرآناً يكتبه يضاهي به كلام الله فكتب أبياتاً ختمها بقوله: إن الموت لا يبطئ والخلد في الدنيا لا يجوز.
ثم تذكر عظمة الله فتلا قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٥]، فجثا على ركبتيه وبكاء بكاءً طويلاً، ثم رفع رأسه وأخذ يقول: سبحان من هذا كلامه! سبحان من تكلم بهذا في القدم! وهذه شهادة لها اعتبارها؛ لأنها جاءت من رجل يعلم حقائق اللغة ودقائق البيان وأساليب العرب في سبك كلامها، فقد اعترف بالعجز التام أمام كلام ربنا ﵎ وأصدق منه خبراً قول الله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨].
هذه جملة من الطرائق ذكرنا بعضها ولا يتسع الوقت لذكر آخر منها، ونعرج بعد هذا على الأمارات والعلامات التي يغلب على الظن فيما يظهر للناس ويغلب على الظن -وكل أحد مسئول عن سريرته- أنها تدل على أن العبد يعرف لله جل وعلا حق قدره أو شيئاً عظيماً من ذلك القدر.
стр. 522
التأمل في فضل الله على العباد
مما يزيد المؤمن يقينا بعظمة ربه: رؤياه لأفضال ربه على خلقه، ذلك الفضل الخاص إن كنا حررنا الفضل العام بما حمل الله به الناس في البر والبحر يرى العبد فضل الله جل وعلا الخاص على بعض خلقه كيف أن الله جل وعلا اصطفاهم واجتباهم وما كان لهم أبداً أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من العطاء ولن ينالوا هذه المنح الربانية والعطايا الإلهية إلا بفضل الله جل وعلا.
وقد اختلف الناس في المسيح عيسى ابن مريم شرقوا فيه وغربوا قالت فيه اليهود ما قالت، وزعمت النصارى فيه ما زعمت قال الحق ﵎ عنه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩].
فما المسيح إلا عبد لكنه قيد بأن الله جل وعلا أنعم عليه فنعمة الله عليه هي التي جعلته آية للناس محتفى به في السماوات العلى وينزل في آخر الزمان فهذه كلها عطايا ربانية ومنح إلهية، والله يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].
وعندما يرى العبد ما أفاء الله على خليله إبراهيم وكيف أن إبراهيم عبداً مجتبى وحبيباً مصطفى ونبياً مرتضى صلوات الله وسلامه عليه أثنى الله عليه حتى على ألسنة أعدائه وخصومه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٧ - ٦٨]، وكلها آيات تدل على عظيم رفيع قدره صلوات الله وسلامه عليه.
وقبل أن تبحر في معرفة فضل إبراهيم وعلو منزلته استبق إلى ذلك بأن تعلم أن الله جل وعلا هو الذي تفضل عليه، ونظير هذا أن تنظر فيمن آتاهم الله القدرة فإذا رأيت عظيم قدرتهم تأملت بحق قدرة ربك جل وعلا.
قال الله جل وعلا على لسان نبيه سليمان: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل:٣٩ - ٤٠] سواء كان جنياً أو إنسياً أو سليمان أو غيرهم: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ﴾ [النمل:٤٠] أي: رأى سليمان العرش، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل:٤٠].
إذا كانت قدرة مخلوق أن يأتي بعرش بلقيس من أرض اليمن إلى أرض فلسطين فكيف بقدرة الله ﷻ ؟! هذا مما يقود العبد ويسوقه لمعرفة بعض العلم عن ربه ﵎.
وعلى الجانب الآخر والنظير مثله يتأمل العبد لمن أهلكهم الله ممن عصوه، من الأمم الغابرة وأهل الأزمنة السابقة ممن نازعوا الله في ربوبيته وحاربوا أولياءه وكذبوا رسله، كيف أن الله جل وعلا أذاقهم ما أذاقهم مما يدلل على عظيم جبروته وسلطانه، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢]، وليس هلاك عاد وثمود والمؤتفكات وغيرها بخاف على أحد حتى يحرر ويسطر لكنها كلها تدل على عظمة الجليل العظيم الأجل ﵎.
стр. 523
علم الإنسان بضعف العباد
ومن الطرائق التي يصل بها المؤمن إلى تعظيم الله: أن يعلم الضعف في العباد.
فإن رؤياك للنقص في الخلق يسوقك لأن ترى الكمال في الخالق.
شج رأس نبيكم ﷺ يوم أحد، وسال الدم على وجهه حتى يرى الناس وجه نبيهم صلوات الله وسلامه عليه وهو يعتريه ما يعتري وجوه المخلوقين فيقع في القلوب والعقول أن الوجه الذي لا يحول ولا يزول هو وجه الله الحي القيوم.
ويرى الإنسان النقص حتى في الملائكة يقول الله جل وعلا عنهم بلسان مقالهم: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤]، ويقول جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤] فنحن وإن كنا ملائكة كراماً، وخلقاً عظاماً، لنا ما لنا من المنزلة والقوة فإن لنا مقاماً لا نتعداه وأموراً لا نتجاوزها، ولا نملك لأنفسنا حولاً ولا طولاً ولا قوة حتى في تنزلنا من السماء إلى الأرض، وهي بالنسبة لهم أمر هين كطرائقنا المعتادة التي نسير عليها إلا أنه لا يمكن أن يقع إلا بأمر من الله.
بل إن الذين يعصون ربهم في الأرض لا يعصونه إلا بإذنه القدري ﷻ ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام:٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨]، ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١].
فلا الذين أطاعوه جل وعلا أطاعوه بفضلهم ولا الذين عصوه جل وعلا عصوه بقدرتهم، ولا الذين أطاعوه زادوا في ملكه ولا الذين عصوه أنقصوا شيئاً من ملكه.
فهو جل وعلا لا تنفعه طاعة طائع ولا تضره معصية عاص، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
والمقصود: أن رؤية النقص في الخلق يدل العبد على كمال خالقه ﵎.
يفتن المسلمون بنبيهم ﷺ ، ينصر بالرعب مسيرة شهر، يصيب الوجل والخوف أعداءه ومع ذلك يأتيه الموت وهو على فراشه صلوات الله وسلامه عليه ويرى السواك فلا يقدر أن يقول: أعطوني السواك، يرينا الله الضعف في نبيه حتى نرى كمال القوة في ربنا ﷻ ، فإذا كان هذا حال سيد الخلق ﷺ فما بالك بحال من دونه حتى تعلم عظيم قدرة ربك جل وعلا.
ولهذا قال الله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤]، وقال ناعياً أهل الكتاب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١].
والمقصود هذه الحقيقة الرابعة في أن الإنسان إذا رأى النقص في غيره من المخلوقين أو في نفسه رأى الكمال والعزة والجلال في ربه ﵎.
стр. 524
التأمل والتدبر في أسمائه الحسنى وصفاته العلى
من الطرائق إلى تعظيم الرب ﵎: التأمل والتدبُر في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإن الله يقول وقولهُ الحق: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
ربنا ﵎ له الاسم الأعظم والوجه الأكرم، والعطية الجزلى, لا يبلغ مدحته قول قائل، ولا يجزي بآلائه أحد.
قال القرشيون لنبينا ﷺ : (يا محمد! انسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]).
تدبر الأسماء الحسنى يعظم به الله جل وعلا في القلب وهذا من أجل الركائز.
ومن أسمائه جل وعلا العظمى الجليلة: اسم الله, فهذا الاسم لم يتسم به أحد حتى ممن نازعوا الله في ألوهيته وربوبيته، كقول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أو ما قاله النمرود، أو ما قاله غيرهما منعهم الله أن يسلطوا على هذا الاسم العظيم الجليل فيتسموا به.
قال الله جل وعلا على لسان الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم:٦٤ - ٦٥] ثم قال جل شأنه وهو أصدق القائلين قال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] أي: لا يوجد أحد تسمى بهذا الاسم العظيم الذي تسمى الله جل وعلا به، ولهذا صدره الله جل وعلا في أعظم آية من كلام الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فقد بدأت بلفظ الجلالة الذي هو علم الأعلام، وفي فواتح آل عمران ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢].
ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى أنه اسم الله الأعظم وليس المقام مقام فصل، لكن إخبار ببعض أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
ألا وإن من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى: الحي القيوم، وهذان الاسمان جاء ذكرهما سوياً في كلام الله في ثلاثة مواضع: في فاتحة آل عمران، ومن قبلها في آية الكرسي، ومن بعدهما في سورة طه.
وما يمكن أن يقال حول معناهما: فإن الله جل وعلا حي حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، وأنه ﵎ هو الحي حين لا حي، وهو الحي يحيي الموتى.
وأما القيوم: فكل أحد غير الله فقير إلى الله، والله جل وعلا غني عن كل أحد.
ربنا ﷻ مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، مع ذلك فهو سبحانه مستغن عن العرش، ومستغن عن حملة العرش، ومستغن عمن يطوفون حول العرش، ومن يطوف حول العرش ومن يحمل العرش والعرش كلهم وغيرهم فقراء إليه ﵎ كل الفقر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
стр. 525
التأمل في سير الصالحين
من الطرائق التي يصل بها المرء إلى أن يعظم ربه جل وعلا حق التعظيم: التأمل في سير الصالحين وأخبار السابقين ممن ذكر الله جل وعلا أنهم عرفوا قدره وعظموه حق التعظيم، قال الله ﵎: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٥ - ٣٦].
وأهل الله المحبون له المعظمون له يتدرجون في حظوظهم ثم ينتقلون إلى أعلى الفلاح, فهذه امرأة كان همها أن يكون له ولد، فقد رأت طيراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد فطرة، فسألت ربها أن تحمل، فرزقها الله الولد، فلما اطمأنت على أنها رزقت حملاً دون أن تدري أيكون ذكراً أم أنثى، تخلت عن حظها المباح وتدرجت إلى أعالي الفلاح فنذرت ما في بطنها أن يكون لله قائلة: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥].
والمعنى: أن حظي من الولد ومن بهجة النفس والأنس والخدمة والنصرة لا أريده ولا أحتاجه، لكنني أبتغي من هذا الولد أن يكون خادماً لك في بيتك، فانتقلت من حظ مباح، إلى أن تجعل من ابنها أن يكون خادماً لله جل وعلا في مسجده.
فما يريده الوالدان من أبنائهم لا تريده، تريد من ابنها أن يكون خادماً للرب، وهذا أمر ليس لزاماً عليها، بل قد لا يرقى إليه أحد في زماننا, لكن المقصود التنبيه على أن لله جل وعلا عباداً فطرهم الله جل وعلا على تعظيمه ومحبته وعلى إيثار ربهم جل وعلا على كل أحد، فقال الله جل وعلا عنها, قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥] أي: خالصاً.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ [آل عمران:٣٦] إذا بها تصاب بالدهشة فالمولود أنثى وهو أمر متوقع، لكن كان انصراف ذهنها في الأول إلى أن يكون المولود ذكراً، فلما كان المولود أنثى، قالت معتذرة إلى ربها: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] فلما فاتها أن يكون ذكراً وليس هذا بيدها، لجأت للشيء الذي بيدها وهو التسمية فسمتها: مريم، بمعنى خادمه عند الرب لما فات حظها من كونه ذكراً، ما أرادت أن يفوت حظها من الاسم: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦].
هذا أنموذج ذكره الله جل وعلا من بيوت صالحات أصحاب أعمال زاكيات، كيف أن قلوبهم فطرت وجبلت على تعظيم ربها ﵎.
وعلى هذا نقول: إن التأمل في سير الصالحين وأنباء السابقين ممن زكى الله أو زكى رسوله صلى الله علية وسلم يعين على أن يعظم المرء ربه ﵎، ويعرف ما لله جل وعلا من كمال الجبروت وجلال النعوت، وأن الله جل وعلا وحده الحي الذي لا يموت.
стр. 526
التأمل في شواهد وحدانيته وربوبيته
أيها المؤمنون! إن من أعظم ما يعين العبد على معرفة قدر ربه ﵎: أن يتأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته، مستصحباً الفطرة السليمة التي أودعها الله جل وعلا في قلب كل أحد في أن يعرف ربه، فقد قال الهدهد لما رأى قوم بلقيس يعبدون الشمس ويأنفون من عبادة خالقها: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٥ - ٢٦].
فبموجب فطرته التي خلقه الله تعالى عليها أنكر هذا الطائر على بلقيس وقومها أن يسجدوا لغير الرب ﵎، فإذا استصحب الإنسان تلك الفطرة السليمة مع ما أفاء الله جل وعلا عليه من العلم مما أنزله الله في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وتأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته ﵎ قاده ذلك إلى العلم بالله، فالله الذي خلقنا من العدم وربانا بالنعم وهدانا للإسلام.
وقد ذكر الله جل وعلا كثيراً من أخبار خلقه في طيات كتابه، أخبر جل وعلا أنه حملهم بفضله في البر والبحر، ورزقهم جل وعلا من الطيبات وما كان لهم أن يصلوا إلى ذلك لولا فضله.
ثم أخبر جل وعلا أنه بأكبادهم الغليظة وأنفسهم السقيمة وعقولهم التي لا تعي، تجدهم -عياذاً بالله- إذا ركبوا في البحر فمسهم الضر لجئوا إلى الله وحده، فلما أمنوا جعلوا لله جل وعلا أنداداً غيره يعبدونها، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء:٦٧ - ٦٩].
وأخبر جل وعلا أنه يزجي السحاب، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله ركاماً.
وأخبر جل وعلا أنه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.
ومن أعظم دلائل وحدانيته وشواهد ربوبيته: أنه جل وعلا وحده من يخلق، وغيره -شاء أم أبى- مخلوق، وقد قلنا مراراً: إن القرآن يقوم على مبدأ عظيم وهو: أن كل من يستطيع أن يثبت أن هناك خالقاً غير الله فليعبده لكن لا أحد يخلق إلا الله فوجب ألا يعظم أحد التعظيم الكامل وألا يعبد أحد من دون الله أبداً.
على هذا أسست دعوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: لا خالق إلا الله، فبالتالي لا معبود إلا الرب ﵎؛ لأنه لا أحد غيره يخلق.
وقد غابت هذه الحقيقة عن كفار قريش فجاء العاص بن وائل السهمي إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظام قد أرمت، ثم نفث فيها في يوم رائح، ثم قال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه بعد ما أرمت؟ أي بعدما أصبحت عظماً بالياً، فقال ﷺ وهو المبلغ عن ربه، قال: (نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يبعثك، ثم يدخلك النار)، فأنزل العلي الأعلى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٧ - ٨٠] إلى أواخر سورة يس التي فيها جل البراهين على أن الله جل وعلا وحده الذي يخلق، وبالتالي لا يعبد ولا يعظم التعظيم الكامل إلا هو .
غاية الأمر أن يعلم أن التأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته يدل على عظمته جل وعلا، وبالتالي يستقر في القلوب وفي العقول أن الله جل وعلا عظيم القدر جليل الشأن، تنزه وتقدس عن الصاحبة والولد، ولم يلد ولم يولد.
стр. 527
العلامات الدالة على معرفة قدر الله
أعظمها: توحيده ﵎ فإن من وحد الله عرف قدره، فتوحيد الله جل وعلا الحسنة التي ليس بعدها حسنة كما أن الشرك السيئة التي ليست بعدها سيئة، ولا مصلحة بعد التوحيد ولا مفسدة بعد الشرك، فمن وحد الرب ﵎ ولم يجعل لله نداً في قلبه فقد عظم الله جل وعلا وقد عرف قدره.
فالمخاطبون بقول الله جل وعلا: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٤] هم أولئك الذي جعلوا لله أنداداً ساووا تلك الأنداد بربهم ﵎، جعلوا من له الأمر كله كمن لا يملك من الأمر شيئاً تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
ثم تأتي بعد ذلك أمور في سلوك المرء وفي الحياة، تدل على تعظيمه لربه ﵎ ومنها على سبيل الإجمال والطريقة السردية لا الترتيب الأبجدي: الوجل عند ذكر الرب ﵎، فإن وجل القلوب عند ذكر علام الغيوب من دلائل معرفة العبد بربه ﵎ وهذا كنه ما أثنى الله به على عباده الصالحين وأوليائه المتقين في كتابه.
ذلك أن القلب إذا فرح مع محبة لذلك الذكر ويحب كل المحبة مجلساً يعظم الله فيه، ويذكر الله فيه فإن ذكر الله حياة الضمائر، وأنس السرائر، وأقوى الذخائر، فالمؤمن إذا كان يجد في نفسه -وكل امرئ حسيب نفسه- حب المجالس التي يذكر الله فيها ويحب أن يعظم الله ويبجل ويحمد ويثنى عليه جل وعلا بما هو أهله مع وجله وشوقه إلى ربه ﵎ فإذا ذكر الله هذا من القرائن والبراهين على أن ذلك العبد يعظم الله رب العالمين.
كما أن من قرائن تعظيم الله جل وعلا ومعرفة قدره: أن يقدم المرء ما قدمه الله وأن يعظم المرء ما عظمه الله، وأن يتحرى الإنسان العمل فيما وصى الله جل وعلا به، هذه هي القلوب التي عرفت ربها حقاً، فإذا كان الإنسان قد جعل في طريقه في مسلك حياته في غدوه ورواحه ومخالطته للناس يعظم من عظم الله ويبجل من بجل الله فيعظم المصلين؛ لأنه يرى فيهم القرب من الله بصرف النظر عمن هم، ويأتي بالوصايا الإلهية فلا يقدم على والديه أحداً فإذا عظم والديه لا يعظمهما لأنهما أبواه وإنما يعظمهما؛ لأن الله جل وعلا وصى بهما في كلامه.
ثم يزدلف ويطبق عملياً ما وصى الله جل وعلا به فيجعل للوالدة ما لا يجعل للوالد، ولو كانت الوالدة أشد قسوة عليه من والده ولو كان والده حفياً به لكن أمه لا تصل في حنانها عليه إلى والده فيطرح ذلك جانباً ويقدم ما قدم الله وقدم رسوله ﷺ .
ثم إن هذا الأمر يظنه البعض خطاباً عارضاً لكنه قرينة خفية على أنك تعظم ربك وأنت تحنوا عليهما، تذكر قول الله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] فأنت لا تخفض جناحك؛ لأنهما كبيران، وإنما تخفض جناحك امتثالاً لأمر ربك ﵎، وتزدلف إليهما، وقبل أن تخاطبهما بخطابك تتذكر أن ربك الذي خلقك وصاك بهما، ولو صنعت هذا الصنيع مع والديك ومع كل أحد وفق شرع الله وأخذت بوصايا الله فإنك لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تطيع الله فيه، فإن اتباع وصايا الله لا يقود إلا للفلاح.
لكن أين يكون الخطأ؟ يكون عندما يدخل الشك في المرء في أن هذا الطريق ليس بصحيح فيبحث عن طرائق أخر يبتدعها، وقد لا تكون بدعة بمعنى البدعة المحضة ولكنها فرار عن منهج الله، ويطبق منهجه وهو يظن أنه سيصل إلى مقصودة، ولن تصل إلى مقصودك الشرعي إلا بالطريق التي اختصها الله جل وعلا لك، وهنا يتميز الواثق من منهج الله عمن هو غير واثق من منهج الله، فإذا خاطب الإنسان والديه مثلاً المرة بعد المرة وخفض لهما الجناح ولم يتغيرا لجأ إلى طريق آخر، حين لا ينفع معهما مثل هذا الخطاب، فيبحث عن طرائق أخر كأنه يقول ولو لم يصرح ودون أن يفعل ذلك عمداً كأنه يقول دون أن يشعر أنني سأخطط منهجاً أفضل من منهج الله.
فيتعامل الإنسان مع ولاة أمره وقد وصاه الله جل وعلا بطاعتهم، فإذا رأى منهم زلة هنا أو هناك غير طريقته وأراد أن يخرج عن وضع السمع والطاعة بحجة أنه يريد الإصلاح، ولا يمكن أن يكون هناك إصلاح حق على أي مستوى إلا باتباع شرع الله جل وعلا، وهذا وأمثاله منازل يختبر فيها الناس وليس الأمر مقصوراً على طاعة ولاة الأمر والوالدين لكن في شتى شئون حياتك مع خصمك مع عدوك مع رئيسك في العمل مع جارك في الحي ومع كل خلقه فقد جعل الله وصايا لكل أحد، فالزم ما وصى الله جل وعلا به تنل ما وعد الله جل وعلا، أما إذا خرجت عن طريق الله فلا تنتظر ما وعدك الله به وقد خالفت طريقته ومنهجه ﵎.
قالوا: إن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مر على حائط للأنصار-أي: حائط بستان- وفيه رفاق شباب يشربون الخمر، فتسلق السور ودخل عليهم فقالوا: يا أمير المؤمنين! جئنا بواحدة شرب الخمر وأنت جئت بثلاث: تجسست والله قد نهى عن ذلك، وتسورت والله قد نهى عن ذلك، ولم تستأذن والله قد نهى عن ذلك.
فعاد وهو يعلم خطأهم لكنه أكبر حجتهم؛ لأنهم قارعوه بالقرآن.
قال حافظ: وفتية أولعوا بالراح وانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فأت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يزن من الحيطان آتيها ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها إننا نطأطئ رقابنا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فإن ذلت رقابنا لأحد فوالله! ما ذلت إلا لأن الله أمرنا بهذا، وإن امتنعنا عن شيء فلأن الله جل وعلا أمرنا أن نمتنع عنه هذا هو العبد الصالح، العبد الذي يعرف عظمة أمر سيده ﵎ خالقنا ومولانا لا رب لنا غيره ولا إله سواه.
стр. 528
حسن الظن بالله
من براهين تعظيم الله: حسن الظن برب العالمين ﷻ .
جاء في الأثر أن موسى ﵇ سأل ربه: يا رب! إني أراهم يقولون: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب! فعلام خص هؤلاء بأن ذكروا معك؟ فأوحى الله جل وعلا إليه: يا موسى! أما إبراهيم فما خير بين اثنين أنا أحدهما إلا اختارني، وأما إسحاق فقد جاد لي بنفسه وهو بغيرها أجود، وأما يعقوب فكلما ازددته بلاءً ازداد حسن ظن بي.
ووالله! من يعرف عظمة الله وسعة رحمته لا يملك إلا خياراً أوحداً هو: حسن الظن برب العالمين ﷻ ، فنحن نذنب وليس لنا إلا الله يغفر ذنوبنا، نحن نطيع الله بتوفيقه وليس لنا إلا الله يثيبنا على طاعتنا، لنا عيوب تلبسنا بها وليس لنا إلا الله يسترها فمن أحسن الظن بربه ﵎ كان الله جل وعلا له كظنه بربه ﵎.
والمعنى كما جاء في الحديث: (أنا عند حسن ظن عبدي بي أو أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء).
ومن عرف الله وسعة رحمته لا يملك إلا أن يحسن الظن بربه.
اجتمع أبناء يعقوب عليه وهو شيخ كبير شابت لحيته، واحدودب ظهره، وعميت عيناه، ومع ذلك يذكر يوسف: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف:٨٤ - ٨٥].
تمر أقوام وأحداث إلى أن يقول الله جل وعلا عنهم: ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف:٩٤ - ٩٦].
فذكرهم بحسن ظنه بربه، قال الله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٩٦].
وإنني أخاطب كل مبتلى: والله! إن الله أرحم بك من نفسك، وإن الله جل وعلا قادر على أن يغيثك، وأن ما أنت فيه هو خيرة الله وخيرة الله لك خير من خيرتك لنفسك، ويحتاج المرء مع ذلك إلى أن يكثر من ذكر الله، ويصبر نفسه، ويرى سير الأخيار والأبرار الذين صبروا على ابتلاء ربهم ﵎.
стр. 529
التواضع للخلق
من القرائن الدالة على أن العبد يعرف ربه ويعرف له حق قدره: التذلل وعدم التكبر على الخلق قال الله لنبيه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٧ - ٣٨].
والله يحب من عباده أن يتواضعوا، ولا يعلو أحد على أحد متكئاً على نسب أو مال أو جاه أو حسب وهذه دعاوي كل يدعيها حتى إذا اختلط الناس بعضهم ببعض تميز أولئك الأخيار الأبرار الذين يعرفون أن ما هم فيه نعمة من الله جل وعلا أنعم بها عليهم.
حتى الضلالة والهدى ينظرون إلى أهل الضلالة نظرة من يريد أن ينقذهم مما هم فيه.
قال أحد الصالحين من السلف: قد كنت أعذر في السفاهة أهلها فاعجب لما تأتي به الأيام فاليوم أعذرهم وأعلم أنما سبل الضلالة والهدى أقسام
стр. 530
الشواهد الدالة على عدم معرفة العبد لربه
نختم بالشواهد -عياذاً بالله- على أن العبد لا يعرف قدر ربه عافانا الله وإياكم من هذا البلاء: أعظم ذلك الشرك بالله، فمن أشرك مع الله غيره لم يعرف لله جل وعلا قدراً البتة، ولهذا حكم الله على هؤلاء بأنهم خالدون في النار، لا يمكن أن يخرجوا منها حتى إنهم إذا استسقوا إنما يسقون ماء حميماً، وعلى هذا فالشرك بالله جل وعلا -كما بينا آنفاً- مفسدة لا تعدلها مفسدة رتب الله جل وعلا عليها أربعة أمور: اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة.
قال الله جل وعلا: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] هذا في الدنيا.
وقال بعدها بآيات: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩].
فهذه الأربعة رتبها الله جل وعلا نكالاً على من أشرك به.
ويأتي دونهم من عرف قدر الله من حيث الأصل، وهم عصاة المؤمنين الذين ما قدروا الله جل وعلا حق قدره لكنهم لم يخرجوا عن دائرة الإيمان.
ومن القرائن على هذا نسأل الله لنا ولكم العافية وأقولها سرداً لا يستطيع الإنسان أن يذكرها فراداً: قسوة القلب.
التكبر على الخلق.
البعد عن قيام الليل.
بخس الناس حقوقهم.
وظلم العباد وهذا تبع للأول.
فبخس الناس حقوقهم وظلمهم من أعظم الدلائل أن العبد لا يعترف بسلطان الله جل وعلا عليه.
المجاهرة بالمعاصي، يقول الله موبخاً من عصاه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤].
اليأس من رحمة الرب ﵎.
القنوط من روحه جل وعلا.
هذه وأضرابها تدل من حيث الإجمال على أن العبد ما عرف قدر ربه ﵎.
خاتمة المطاف: كلنا نملك أشياء لا يلبث أن تنفد، الله جل وعلا وحده من لا تنفد خزائنه فحري بعبد نفدت خزائنه أن يسأل رباً لا تنفد خزائنه.
الإلحاح على الله جل وعلا في الدعاء وانقطاع العلائق إلا بالرب الخالق ﷻ ، وأن يجمع الإنسان شتات أمره ويضعها بين يدي الله، وأن يفزع الإنسان إلى ربه في الملمات مع شكره ﵎ في حال السراء، وهذه قرائن عظيمة على أن العبد يعرف ربه جل وعلا.
فاللجوء إلى الله ﵎، واستغفاره، وكثرة التوبة تعين على طاعة الرب جل وعلا.
وهذه فائدة نختم بها وهي: ذكر القرطبي ﵀: أن الخلفاء الأربعة ﵃ وأرضاهم- اجتمعوا يتدارسون القرآن، فقال الصديق ﵁ وأرضاه: لقد قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أرجى من قول الله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء:٨٤] ثم قال الصديق: فإن شاكلة العبد العصيان ولا يشاكل الرب إلا الغفران، أي: أن الله جل وعلا حقيق به أن يغفر كما أن العبد عرضة لأن يعصي الله جل وعلا.
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد قرأت القرآن كله من أوله إلى أخره فلم أجد آيةً أرجى من قول الله: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:١ - ٣] قال: إن الله قدم غفران الذنوب على قبول التوبة.
قال عثمان ﵁: قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أجد آية أرجى من قول الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩].
وقال علي ﵁ وأرضاه: وقرأت القرآن كله فلم أجد آية أرجى من قول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].
قال القرطبي ﵀ بعد أن حكى هذا الخبر والأقوال الأربعة قال: وأنا -أي: القرطبي - أرجى آية في كتاب الله قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، وأعتذر إن قصرت، وعفواً إن أطلت فما أردت إلا الخير ما استطعت.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →