← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

التأمل في شواهد وحدانيته وربوبيته أيها المؤمنون! إن من أعظم ما يعين العبد على معرفة قدر ربه ﵎: أن يتأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته، مستصحباً الفطرة السليمة التي أودعها الله جل وعلا في قلب كل أحد في أن يعرف ربه، فقد قال الهدهد لما رأى قوم بلقيس يعبدون الشمس ويأنفون من عبادة خالقها: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٥ - ٢٦]. فبموجب فطرته التي خلقه الله تعالى عليها أنكر هذا الطائر على بلقيس وقومها أن يسجدوا لغير الرب ﵎، فإذا استصحب الإنسان تلك الفطرة السليمة مع ما أفاء الله جل وعلا عليه من العلم مما أنزله الله في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وتأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته ﵎ قاده ذلك إلى العلم بالله، فالله الذي خلقنا من العدم وربانا بالنعم وهدانا للإسلام. وقد ذكر الله جل وعلا كثيراً من أخبار خلقه في طيات كتابه، أخبر جل وعلا أنه حملهم بفضله في البر والبحر، ورزقهم جل وعلا من الطيبات وما كان لهم أن يصلوا إلى ذلك لولا فضله. ثم أخبر جل وعلا أنه بأكبادهم الغليظة وأنفسهم السقيمة وعقولهم التي لا تعي، تجدهم -عياذاً بالله- إذا ركبوا في البحر فمسهم الضر لجئوا إلى الله وحده، فلما أمنوا جعلوا لله جل وعلا أنداداً غيره يعبدونها، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء:٦٧ - ٦٩]. وأخبر جل وعلا أنه يزجي السحاب، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله ركاماً. وأخبر جل وعلا أنه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد. ومن أعظم دلائل وحدانيته وشواهد ربوبيته: أنه جل وعلا وحده من يخلق، وغيره -شاء أم أبى- مخلوق، وقد قلنا مراراً: إن القرآن يقوم على مبدأ عظيم وهو: أن كل من يستطيع أن يثبت أن هناك خالقاً غير الله فليعبده لكن لا أحد يخلق إلا الله فوجب ألا يعظم أحد التعظيم الكامل وألا يعبد أحد من دون الله أبداً. على هذا أسست دعوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: لا خالق إلا الله، فبالتالي لا معبود إلا الرب ﵎؛ لأنه لا أحد غيره يخلق. وقد غابت هذه الحقيقة عن كفار قريش فجاء العاص بن وائل السهمي إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظام قد أرمت، ثم نفث فيها في يوم رائح، ثم قال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه بعد ما أرمت؟ أي بعدما أصبحت عظماً بالياً، فقال ﷺ وهو المبلغ عن ربه، قال: (نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يبعثك، ثم يدخلك النار)، فأنزل العلي الأعلى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٧ - ٨٠] إلى أواخر سورة يس التي فيها جل البراهين على أن الله جل وعلا وحده الذي يخلق، وبالتالي لا يعبد ولا يعظم التعظيم الكامل إلا هو . غاية الأمر أن يعلم أن التأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته يدل على عظمته جل وعلا، وبالتالي يستقر في القلوب وفي العقول أن الله جل وعلا عظيم القدر جليل الشأن، تنزه وتقدس عن الصاحبة والولد، ولم يلد ولم يولد.

стр. 527

العلامات الدالة على معرفة قدر الله أعظمها: توحيده ﵎ فإن من وحد الله عرف قدره، فتوحيد الله جل وعلا الحسنة التي ليس بعدها حسنة كما أن الشرك السيئة التي ليست بعدها سيئة، ولا مصلحة بعد التوحيد ولا مفسدة بعد الشرك، فمن وحد الرب ﵎ ولم يجعل لله نداً في قلبه فقد عظم الله جل وعلا وقد عرف قدره. فالمخاطبون بقول الله جل وعلا: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٤] هم أولئك الذي جعلوا لله أنداداً ساووا تلك الأنداد بربهم ﵎، جعلوا من له الأمر كله كمن لا يملك من الأمر شيئاً تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ثم تأتي بعد ذلك أمور في سلوك المرء وفي الحياة، تدل على تعظيمه لربه ﵎ ومنها على سبيل الإجمال والطريقة السردية لا الترتيب الأبجدي: الوجل عند ذكر الرب ﵎، فإن وجل القلوب عند ذكر علام الغيوب من دلائل معرفة العبد بربه ﵎ وهذا كنه ما أثنى الله به على عباده الصالحين وأوليائه المتقين في كتابه. ذلك أن القلب إذا فرح مع محبة لذلك الذكر ويحب كل المحبة مجلساً يعظم الله فيه، ويذكر الله فيه فإن ذكر الله حياة الضمائر، وأنس السرائر، وأقوى الذخائر، فالمؤمن إذا كان يجد في نفسه -وكل امرئ حسيب نفسه- حب المجالس التي يذكر الله فيها ويحب أن يعظم الله ويبجل ويحمد ويثنى عليه جل وعلا بما هو أهله مع وجله وشوقه إلى ربه ﵎ فإذا ذكر الله هذا من القرائن والبراهين على أن ذلك العبد يعظم الله رب العالمين. كما أن من قرائن تعظيم الله جل وعلا ومعرفة قدره: أن يقدم المرء ما قدمه الله وأن يعظم المرء ما عظمه الله، وأن يتحرى الإنسان العمل فيما وصى الله جل وعلا به، هذه هي القلوب التي عرفت ربها حقاً، فإذا كان الإنسان قد جعل في طريقه في مسلك حياته في غدوه ورواحه ومخالطته للناس يعظم من عظم الله ويبجل من بجل الله فيعظم المصلين؛ لأنه يرى فيهم القرب من الله بصرف النظر عمن هم، ويأتي بالوصايا الإلهية فلا يقدم على والديه أحداً فإذا عظم والديه لا يعظمهما لأنهما أبواه وإنما يعظمهما؛ لأن الله جل وعلا وصى بهما في كلامه. ثم يزدلف ويطبق عملياً ما وصى الله جل وعلا به فيجعل للوالدة ما لا يجعل للوالد، ولو كانت الوالدة أشد قسوة عليه من والده ولو كان والده حفياً به لكن أمه لا تصل في حنانها عليه إلى والده فيطرح ذلك جانباً ويقدم ما قدم الله وقدم رسوله ﷺ . ثم إن هذا الأمر يظنه البعض خطاباً عارضاً لكنه قرينة خفية على أنك تعظم ربك وأنت تحنوا عليهما، تذكر قول الله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] فأنت لا تخفض جناحك؛ لأنهما كبيران، وإنما تخفض جناحك امتثالاً لأمر ربك ﵎، وتزدلف إليهما، وقبل أن تخاطبهما بخطابك تتذكر أن ربك الذي خلقك وصاك بهما، ولو صنعت هذا الصنيع مع والديك ومع كل أحد وفق شرع الله وأخذت بوصايا الله فإنك لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تطيع الله فيه، فإن اتباع وصايا الله لا يقود إلا للفلاح. لكن أين يكون الخطأ؟ يكون عندما يدخل الشك في المرء في أن هذا الطريق ليس بصحيح فيبحث عن طرائق أخر يبتدعها، وقد لا تكون بدعة بمعنى البدعة المحضة ولكنها فرار عن منهج الله، ويطبق منهجه وهو يظن أنه سيصل إلى مقصودة، ولن تصل إلى مقصودك الشرعي إلا بالطريق التي اختصها الله جل وعلا لك، وهنا يتميز الواثق من منهج الله عمن هو غير واثق من منهج الله، فإذا خاطب الإنسان والديه مثلاً المرة بعد المرة وخفض لهما الجناح ولم يتغيرا لجأ إلى طريق آخر، حين لا ينفع معهما مثل هذا الخطاب، فيبحث عن طرائق أخر كأنه يقول ولو لم يصرح ودون أن يفعل ذلك عمداً كأنه يقول دون أن يشعر أنني سأخطط منهجاً أفضل من منهج الله. فيتعامل الإنسان مع ولاة أمره وقد وصاه الله جل وعلا بطاعتهم، فإذا رأى منهم زلة هنا أو هناك غير طريقته وأراد أن يخرج عن وضع السمع والطاعة بحجة أنه يريد الإصلاح، ولا يمكن أن يكون هناك إصلاح حق على أي مستوى إلا باتباع شرع الله جل وعلا، وهذا وأمثاله منازل يختبر فيها الناس وليس الأمر مقصوراً على طاعة ولاة الأمر والوالدين لكن في شتى شئون حياتك مع خصمك مع عدوك مع رئيسك في العمل مع جارك في الحي ومع كل خلقه فقد جعل الله وصايا لكل أحد، فالزم ما وصى الله جل وعلا به تنل ما وعد الله جل وعلا، أما إذا خرجت عن طريق الله فلا تنتظر ما وعدك الله به وقد خالفت طريقته ومنهجه ﵎. قالوا: إن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مر على حائط للأنصار-أي: حائط بستان- وفيه رفاق شباب يشربون الخمر، فتسلق السور ودخل عليهم فقالوا: يا أمير المؤمنين! جئنا بواحدة شرب الخمر وأنت جئت بثلاث: تجسست والله قد نهى عن ذلك، وتسورت والله قد نهى عن ذلك، ولم تستأذن والله قد نهى عن ذلك. فعاد وهو يعلم خطأهم لكنه أكبر حجتهم؛ لأنهم قارعوه بالقرآن. قال حافظ: وفتية أولعوا بالراح وانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فأت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يزن من الحيطان آتيها ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها إننا نطأطئ رقابنا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فإن ذلت رقابنا لأحد فوالله! ما ذلت إلا لأن الله أمرنا بهذا، وإن امتنعنا عن شيء فلأن الله جل وعلا أمرنا أن نمتنع عنه هذا هو العبد الصالح، العبد الذي يعرف عظمة أمر سيده ﵎ خالقنا ومولانا لا رب لنا غيره ولا إله سواه.

стр. 528

حسن الظن بالله من براهين تعظيم الله: حسن الظن برب العالمين ﷻ . جاء في الأثر أن موسى ﵇ سأل ربه: يا رب! إني أراهم يقولون: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب! فعلام خص هؤلاء بأن ذكروا معك؟ فأوحى الله جل وعلا إليه: يا موسى! أما إبراهيم فما خير بين اثنين أنا أحدهما إلا اختارني، وأما إسحاق فقد جاد لي بنفسه وهو بغيرها أجود، وأما يعقوب فكلما ازددته بلاءً ازداد حسن ظن بي. ووالله! من يعرف عظمة الله وسعة رحمته لا يملك إلا خياراً أوحداً هو: حسن الظن برب العالمين ﷻ ، فنحن نذنب وليس لنا إلا الله يغفر ذنوبنا، نحن نطيع الله بتوفيقه وليس لنا إلا الله يثيبنا على طاعتنا، لنا عيوب تلبسنا بها وليس لنا إلا الله يسترها فمن أحسن الظن بربه ﵎ كان الله جل وعلا له كظنه بربه ﵎. والمعنى كما جاء في الحديث: (أنا عند حسن ظن عبدي بي أو أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء). ومن عرف الله وسعة رحمته لا يملك إلا أن يحسن الظن بربه. اجتمع أبناء يعقوب عليه وهو شيخ كبير شابت لحيته، واحدودب ظهره، وعميت عيناه، ومع ذلك يذكر يوسف: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف:٨٤ - ٨٥]. تمر أقوام وأحداث إلى أن يقول الله جل وعلا عنهم: ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف:٩٤ - ٩٦]. فذكرهم بحسن ظنه بربه، قال الله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٩٦]. وإنني أخاطب كل مبتلى: والله! إن الله أرحم بك من نفسك، وإن الله جل وعلا قادر على أن يغيثك، وأن ما أنت فيه هو خيرة الله وخيرة الله لك خير من خيرتك لنفسك، ويحتاج المرء مع ذلك إلى أن يكثر من ذكر الله، ويصبر نفسه، ويرى سير الأخيار والأبرار الذين صبروا على ابتلاء ربهم ﵎.

стр. 529

التواضع للخلق من القرائن الدالة على أن العبد يعرف ربه ويعرف له حق قدره: التذلل وعدم التكبر على الخلق قال الله لنبيه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٧ - ٣٨]. والله يحب من عباده أن يتواضعوا، ولا يعلو أحد على أحد متكئاً على نسب أو مال أو جاه أو حسب وهذه دعاوي كل يدعيها حتى إذا اختلط الناس بعضهم ببعض تميز أولئك الأخيار الأبرار الذين يعرفون أن ما هم فيه نعمة من الله جل وعلا أنعم بها عليهم. حتى الضلالة والهدى ينظرون إلى أهل الضلالة نظرة من يريد أن ينقذهم مما هم فيه. قال أحد الصالحين من السلف: قد كنت أعذر في السفاهة أهلها فاعجب لما تأتي به الأيام فاليوم أعذرهم وأعلم أنما سبل الضلالة والهدى أقسام

стр. 530

الشواهد الدالة على عدم معرفة العبد لربه نختم بالشواهد -عياذاً بالله- على أن العبد لا يعرف قدر ربه عافانا الله وإياكم من هذا البلاء: أعظم ذلك الشرك بالله، فمن أشرك مع الله غيره لم يعرف لله جل وعلا قدراً البتة، ولهذا حكم الله على هؤلاء بأنهم خالدون في النار، لا يمكن أن يخرجوا منها حتى إنهم إذا استسقوا إنما يسقون ماء حميماً، وعلى هذا فالشرك بالله جل وعلا -كما بينا آنفاً- مفسدة لا تعدلها مفسدة رتب الله جل وعلا عليها أربعة أمور: اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة. قال الله جل وعلا: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] هذا في الدنيا. وقال بعدها بآيات: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]. فهذه الأربعة رتبها الله جل وعلا نكالاً على من أشرك به. ويأتي دونهم من عرف قدر الله من حيث الأصل، وهم عصاة المؤمنين الذين ما قدروا الله جل وعلا حق قدره لكنهم لم يخرجوا عن دائرة الإيمان. ومن القرائن على هذا نسأل الله لنا ولكم العافية وأقولها سرداً لا يستطيع الإنسان أن يذكرها فراداً: قسوة القلب. التكبر على الخلق. البعد عن قيام الليل. بخس الناس حقوقهم. وظلم العباد وهذا تبع للأول. فبخس الناس حقوقهم وظلمهم من أعظم الدلائل أن العبد لا يعترف بسلطان الله جل وعلا عليه. المجاهرة بالمعاصي، يقول الله موبخاً من عصاه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. اليأس من رحمة الرب ﵎. القنوط من روحه جل وعلا. هذه وأضرابها تدل من حيث الإجمال على أن العبد ما عرف قدر ربه ﵎. خاتمة المطاف: كلنا نملك أشياء لا يلبث أن تنفد، الله جل وعلا وحده من لا تنفد خزائنه فحري بعبد نفدت خزائنه أن يسأل رباً لا تنفد خزائنه. الإلحاح على الله جل وعلا في الدعاء وانقطاع العلائق إلا بالرب الخالق ﷻ ، وأن يجمع الإنسان شتات أمره ويضعها بين يدي الله، وأن يفزع الإنسان إلى ربه في الملمات مع شكره ﵎ في حال السراء، وهذه قرائن عظيمة على أن العبد يعرف ربه جل وعلا. فاللجوء إلى الله ﵎، واستغفاره، وكثرة التوبة تعين على طاعة الرب جل وعلا. وهذه فائدة نختم بها وهي: ذكر القرطبي ﵀: أن الخلفاء الأربعة ﵃ وأرضاهم- اجتمعوا يتدارسون القرآن، فقال الصديق ﵁ وأرضاه: لقد قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أرجى من قول الله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء:٨٤] ثم قال الصديق: فإن شاكلة العبد العصيان ولا يشاكل الرب إلا الغفران، أي: أن الله جل وعلا حقيق به أن يغفر كما أن العبد عرضة لأن يعصي الله جل وعلا. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد قرأت القرآن كله من أوله إلى أخره فلم أجد آيةً أرجى من قول الله: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:١ - ٣] قال: إن الله قدم غفران الذنوب على قبول التوبة. قال عثمان ﵁: قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أجد آية أرجى من قول الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩]. وقال علي ﵁ وأرضاه: وقرأت القرآن كله فلم أجد آية أرجى من قول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]. قال القرطبي ﵀ بعد أن حكى هذا الخبر والأقوال الأربعة قال: وأنا -أي: القرطبي - أرجى آية في كتاب الله قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، وأعتذر إن قصرت، وعفواً إن أطلت فما أردت إلا الخير ما استطعت. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 531

فتنة المسيح الدجال المسيح الدجال أعظم الفتن، وأكبر المصائب والمحن، لا ينجو من شرَكه إلا من قوي إيمانه، وثبت جنانه، ولم تخدعه نفسه وشيطانه. حذر منه الأنبياء من لدن نوح إلى خاتم الأنبياء وصفي الأصفياء وإمام الأتقياء؛ لعلمهم اليقيني أنه فتنة عظيمة لا يتجنبها إلا من وفقه الله

стр. 532

معنى الفتنة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى، وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: إن الله جل وعلا خلق عباده لأمر عظيم ألا وهو: عبادته جل وعلا وحده دون سواه، قال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. فكل ما حال بين العباد وبين تحقيق هذه الغاية العظمى من عبادة رب العباد ﷻ يسمى فتنة، وتعظم هذه الفتنة بمقدار صدودها عن عبادة الرب ﵎، فالعباد أجمعون إنما خلقوا ليعبدوا الله، فإذا عظم ذلك الصدود عن عبادة الله وإفراده جل وعلا بالعبادة عظمت تلك الفتنة. ولما كان أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من لدن نوح إلى نبينا ﵊ إنما بعثوا ليعرفوا العباد بربهم جل وعلا، أعلمهم الله أنه أعطى أحد خلقه بعض الخوارق التي تلبس على الناس دينهم، ولئن عرف التاريخ الإنساني من زعم أنه نبي، وعرف أفراداً قلائل زعموا أنهم أرباب من دون الله، إلا أن أولئك الذين زعموا أنهم أرباب من دون الله لم يعطوا حظاً من مكانة أو قدرة تدلل على شيء مما يقولون، فعرف الناس كذبهم، وما اتبعوهم إلا خوفاً من سيوفهم وسياطهم. لكن الدجال أعطي خوارق تلبس على الناس دينهم كما سيأتي، ومن هنا عظمت فتنته، قال صلوات الله وسلامه عليه: (ما من فتنة من خلق آدم إلى أن تقوم الساعة هي أعظم من الدجال)؛ لأن الدجال ينجم عنه الصد عن إفراد الله جل وعلا بالعبادة لما آتاه الله جل وعلا من الخوارق حتى تكتمل فيه الفتنة العظمى.

стр. 533

حرص جميع الأنبياء على التحذير من فتنة المسيح الدجال وهذا التمهيد لابد منه حتى يجلو لكل أحد لماذا حرص أنبياء الله ورسله من لدن نوح إلى نبينا ﵊ على تحذير أممهم من فتنة الدجال، قال ﷺ : (وما من نبي إلا وحذر أمته منه). وهذا التمهيد نزدلف به إلى ما يلي: أن الله جل وعلا وحده من بيده الهداية، فلا يقدر أحد على صرف المحن، ولا يثبتك عند الفتن إلا هو، ولا يرزقك الثبات في الدنيا والآخرة إلا هو، فما يقوله العلماء والمرشدون والوعاظ من أساطين البيان وأمراء الألفاظ يبقى هباء منثوراً، بل قد يكون نقمة إن لم يكتب الله جل وعلا لذلك الكلام نفعاً وأثراً في قلبك، قال الله جل وعلا حكاية عن نوح مع قومه: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٢ - ٣٤]. فلا يمكن لقلب أن يتعظ إلا إذا أراد الله جل وعلا له أن يرزق الموعظة الحسنة، بصرف النظر عمن خاطبه، فنحن لا نقول إلا كلاما ً مكروراً سطره العلماء وردده الوعاظ، ونعيده في جيلنا، ويعيده غيرنا في جيله، والهداية الحقة والخاصة بيد الله ﵎، نسأل الله أن يجعل ما نقول ونسمع حجة لنا لا علينا. على هذا نزدلف أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم حذروا أممهم من الفتن، ولما كان الدجال أعظم صاد عن دين الله عظم تحذير أنبياء الله ورسله من هذه الفتنة.

стр. 534

بيان أن المسيح الدجال موجود الآن الدجال مخلوق، وهذه أولى الحقائق، والله جل وعلا وحده هو الخالق، والدجال موجود الآن على الأظهر، ويدل على وجوده حديث الجساسة، وحديث الجساسة صبغة على حديث رواه مسلم في الصحيح عن فاطمة بنت قيس ﵂ وأرضاها. ومجمل الحديث فيه من الدلائل على أن النبي ﷺ حذر أمته من الدجال وأخبرهم عنه، ثم قدم إلى المدينة بعد ذلك الخبر النبوي تميم بن أوس الداري من غسان، وهي قبيلة عربية يمانية معروفة، فقد ركب تميم وأصحاب له البحر طلباً للتجارة، فماج بهم البحر شهراً، وضربتهم أمواج البحر إلى جزيرة في البحر، فلما دنوا منها وجدوا مخلوقاً غريب الخلقة، عليه شعر كثير، فسألوه: من يكون؟ قالت: أنا الجساسة. قال الشراح: سميت بذلك؛ لأنها تتجسس الأخبار للدجال، فأدخلتهم إلى مكانه فرأوا رجلاً عظيم الخلقة مقيداً بيديه إلى عنقيه، قالوا: من أنت؟ فلم يستخفوه بسؤالهم؛ كان ثبتاً، قال: بل أنتم من أنتم؟ قالوا: نحن قوم من العرب ماج بنا البحر حتى آل بنا الأمر إليك، فسألهم عن ثلاثة مواطن في أرض فلسطين: عن نخل بيسان، وعن بحيرة طبرية، وعن عين في قرية يقال لها: زغر، فأجابوه أن نخل بيسان ما زال يثمر، وأن بحيرة طبرية ما زالت فيها ماء، وأن تلك العين ما زالت تنبع، فأخبر أن الأمر قريب أن يحرم الناس من هذا كله؛ بأن النخل لن يثمر وبأن البحيرة ستجف، وبأن العين ستنضب. فسألهم عن نبي الأميين فأخبروه أنه خرج. فسألهم: هل قاتله العرب؟ فأخبروه، فأخبرهم بعد أن أجابوه عن نفسه، قال: أنا المسيح الدجال، ويوشك أن أخرج. بناء على صحة هذا الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح فإن الدجال حي وهو مسيح ضلالة، كما أن عيسى بن مريم ﵊ حي وهو مسيح هدى، مرفوع في السماء، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]، هذا الحديث عن مسيح الهداية عيسى بن مريم. وكلاهما حي، وسيخرجان في آخر الزمان على ظاهر الأحاديث، ويكون على يدي عيسى بن مريم قتل المسيح الدجال. قال: يوشك أن أخرج، ففي زمنه ﷺ في المدينة تحدث ﷺ ذات يوم عن الدجال، ورفع وخفض، أي: أكثر، حتى ظن الناس أن الدجال قريب منهم في نخل المدينة، فأخذوا يتحسسون من فيها، فسألهم ﷺ : ما بالكم؟ فأخبروه أن طريقة عرضك للحديث جعلتنا نشعر أن الدجال قريب، فقال ﷺ : (غير الدجال أنا أخوف عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم)؛ لأن الفتن إنما تواجه بأمرين: تواجه بالعلم والإيمان، ولا يمكن أن يكون هناك أحد جمع الله في قلبه علماً وإيماناً مثل نبينا ﷺ ، فالنبي أراد أن يقول لهم: إنه لو خرج وأنا بين أظهركم فأنا كفيل أن أكشف باطله وأرد كيده بإذن الله. ثم قال ﷺ : (وإن يخرج بعدي -أي: وأنا لست فيكم- فكل امرئ منكم حجيج نفسه) وجاء في رواية صحيحة: (يكفيكم الله إياه بالصالحين). على هذا أشيع أن غلاماً يهودياً يتقول أقوالاً تحدث لبساً، كان هذا المتقول اسمه صياف أو صاف وعرف بين الناس بكنية ابن صياد، وهذا الرجل يأتي بأمور يخلط فيها ما بين الكذب والصدق والحقيقة والخيال، فظنه بعض الناس أنه الدجال حتى هم عمر بقتله، ولم يكن يوم ذاك على ما يبدو لدى النبي ﷺ علماً من ربه كامل في قضية الدجال، فنهى النبي ﷺ عمر عن قتله. ثم ما زال الوحي ينزل عليه ﷺ ويعطيه الله جل وعلا أخباراً عن الدجال يتضح فيما بعد أنه لا يمكن أن يكون الدجال على الأظهر هو صاف أو ابن صياد ذلك الغلام اليهودي الذي كان حياً في المدينة. لكن ذلك الغلام كان يطمع في المدح، ولفت النظر إليه، فتارة يخلط الصدق بالكذب، وتارة يتبرأ من كونه دجالاً، وتارة يقول أقوالاً يوهم الناس أنه هو المسيح الدجال. وعلى هذا مات النبي ﷺ . ومن أظهر الأدلة على أنه ليس الدجال أن النبي أخبر أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة، وهذا الرجل كان يقطن في المدينة، وقد ثبت في رواية صحيحة أنه ادعى الإسلام وحج، ودخل مكة، لكن ينجم على هذا الإشكال خبر في الصحيح، أن النبي ﷺ أخبر أنه رأى في منامه كأنه عند الكعبة رجلاً تضرب لمته إلى منكبيه، يتقاطر منه كالجمان، قلت: من هذا؟ أي في المنام، قيل لي: هذا المسيح عيسى بن مريم، قال ﷺ : فإذا خلفه رجل جعد قطط، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح الدجال. الإشكال في الحديث كما حرره الحفاظ والعلماء أن النبي ﷺ أخبر أن هذه الرؤيا رآها وكأنه في المنام عند الكعبة، قالوا: فكيف يتفق هذا مع ما ثبت في صحيح الأخبار أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة؟ وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة عدة أرجحها والعلم عند الله أن هذه الرؤيا وإن كانت رؤيا الأنبياء حق إلا أنه لا يلزم أن تكون على ظاهرها، فكم من رؤيا رآها الأنبياء لا تقع على ظاهرها، كما رأى النبي ﷺ عمر وله ثوب يجره، فكان تأويل هذا بالدين، ورأى النبي ﷺ أنه يشرب لبناً خرج من أظافره، وأعطى فضلته لـ عمر، فكان تأويل هذا بالعلم، فهذه كلها أولت على غير ظاهرها، فكذلك رؤياه ﷺ للدجال عند الكعبة يئول على غير ظاهره، وهذا أفضل ما قيل في تخريج الأحاديث، والعلم عند الله. على هذا نقول: إن الدجال ما زال حياً على ظاهر رواية فاطمة بنت قيس ﵂ وأرضاها. والجواب عن الأحاديث التي وردت، حديث: (ما من نفس منفوسة يبقى عليها مائة عام) فهذا يحمل على أنه مستثنىً كما استثنى الله جل وعلا إبليس فإنه حي قطعاً، ولا يدخل في حديث العموم الذي أخبر عنه ﷺ . مات صلوات الله وسلامه عليه وقد بين للأمة ما يعنيها في أمر دينها: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).

стр. 535

الأحاديث التي تخبر عما سيكون من أمر الدجال جاءت أحاديث تخبر عما سيكون من أمر الدجال، هذه الأحاديث تدل في مجملها على التالي: مكان خروجه، والجمع بين الروايات يدل على أنه يخرج أولاً في خراسان، ثم يخرج من طريق بين الشام والعراق، وأما لبثه في الأرض، فقد قال ﷺ : (إنه يمكث في الأرض أربعين يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيامنا هذه، لا يبقي أرض إلا يطؤها إلا مكة والمدينة) ومن هنا قال العلماء: إن من أسباب العصمة من فتنة الدجال سكنى مكة والمدينة. (وأنه يمكث في الأرض سرعته في التنقل كالغيث استدبرته الريح) كما قال ﷺ . قلنا من قبل أنه وجد أفراد ادعوا الألوهية كفرعون والنمرود، لكن فرعون والنمرود لم يأتوا بدلائل تدل على أنهم يملكون شيئاً من الربوبية، أما هذا فهو قطعاً لا يملك شيئاً من الربوبية، لكنه يملك فتناً تلبس على الناس، ولهذا وصفت فتنته بأنها أعظم فتنة، قال ﷺ : (أو الدجال فشر غائب ينتظر) يمر على القرية الخربة فيدعو أهلها إلى الإيمان به فيستجيبون، فلا يكلف نفسه أن يبحث عن كنوزها، وإنما يخرج منها فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل -كذكور النحل- تخرج لوحدها، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فيعود ذلك بالنفع على أهل تلك القرية وعلى أهل تلك البلدة، ويمر على القرية فيدعو أهلها فلا يجيبون فيتركهم مرملين مجدبين لم يبق عندهم شيء، وفي هذا فتنة. ومعه نهران: نهر ماء أبيض رأي العين، ونهر نار تتأجج رأي العين، فقال ﷺ : (فإن أدركن أحدكم ذلك -أي: ذلك اليوم، وذلك النهرين- فليأت الماء الذي يرى أنه نار تتأجج فإنه ماء) ثم انظر إلى شفقته ﷺ بأمته، قال يوصي الذي يدرك هذا اليوم، قال: (وليغمض عينيه)؛ لأنه إذا فتح عينيه سيراها ناراً عياناً، ولا يمكن عندها أن يقدم، وسيحجم على أن يأتيها، فحتى يأتي الحق أمره ﷺ ونصحه بأن يغمض عينيه، كما تسقي ابنك الدواء أحياناً فإنك تعطيه إياه بطريقة يغلب على ظنك أنك لو أعطيته إياه بصورة واضحة لما قبله، فتعطيه إياه بصورة يقبلها فيها. والمقصود من الحالين من ضرب المثال ومن الحال الأول قضية الوصول إلى النفع، قال ﷺ : (فليغمض عينيه فإنه ماء أبيض) أي ما يراه الناس نار تأجج. على هذا من أعظم فتنته استجابة الجمادات له كما بينا، وهو مكتوب بين عينيه كفر، وإحدى عينيه كأنها عنبة طافية، أي: أنه أعور العين اليمنى، وهنا أنخ أيها المبارك! مطاياك لتعلم أن الله جل وعلا يرى في كل مخلوق نقصاً، فالكمال المطلق له جل وعلا وحده، فهذا الرجل يزعم أنه إله، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، والكنوز أن تخرج فتخرج، ويطوف على الأرض كلها في أربعين يوماً، ومع ذلك يعجز أن يمسح ما هو مكتوب على جبهته، بل يعجز أن يمسح أثر العور عن عينيه، حتى يظهر النقص فيه، وقد قلنا مراراً: إن الإنسان إذا أراد أن يعرف عظمة الله فلينظر النقص الذي في المخلوقين، فالنقص الذي في المخلوقين أياً كانوا من أهل الحق أم من أهل الباطل، يريك عظمة الخلاق ﷻ ، فقد خُسِفَ القمر ليرى الناس عظمة ربهم ﵎، ويشج رأس رسول الله ﷺ وتكسر رباعيته، ويدخل المغفر في وجنتيه لعلم الناس كمال وجه الله ﵎، وعلى هذا قس ما تراه من حوادث يدلك على عظمة الخالق ﵎. فهذا المخلوق على ما فيه من جبروت وعلى ما أعطي من خوارق إلا أنه يعجز أن يمسح أثر الكفر من على جبهته، وأثر الأذى والعور من عينه، قال ﷺ : (مكتوب بين عينيه: كفر، يقرؤها كل مؤمن ويغيب عن قراءتها كل كافر ومنافق). يأتي المدينة فينزل في سباخها، فإذا نزل في سباخها يخرج له رجل شاب من أهل المدينة جمع بين العلم والإيمان، فيسأل الذين يحيطون بالدجال ممن آمنوا به من السذج عن هذا الرجل الدجال فيقولون له: إنه ربنا، فيكفر به، فيريدون أن يقتلوه، ثم يرون عليه ما يرغبهم أن يقدموا به على ربهم الذي يزعمون، ويريدون أن يستأذنوه فيقبل الدجال أن يدخل عليه؛ لأن الدجال يهمه أن يؤمن مثل هذا به، فيخرج هذا الرجل وقد جمع علماً وإيماناً، ولا يمكن أن تواجه الفتن إلا بهذين: بالعلم والإيمان. فعندما يقدم إليه يقول له الدجال إنه الإله، فيقول له: بل أنت الدجال الذي أخبرنا النبي ﷺ عنه، فيقتله الدجال ويجعله قطعتين، بينهما رمية الغرض، هكذا قال ﷺ ، ورمية الغرض هي المسافة التي يجعلها الإنسان بينه وبين الهدف الذي يتخذه لسهمه، فمن أراد أن يتعلم الرماية يتخذ غرضاً يصيبه ثم يبتعد عنه حتى يرميه، فهذا الدجال يقسم ذلك الفتى ثم يفرق قسميه مقدار رمية الغرض، والناس ينظرون، وهذا من أعظم الفتن، ثم يحييه فيقوم حياً، فيقول الدجال: ما تقول في؟ فيقول: ما ازددت بك إلا كفراً، أنت الدجال الذي أخبرنا عنه النبي ﷺ . فيريد أن يقتله قتلاً حقيقياً فلا يسلط عليه، ويرى على ترقوته -على رقبته- نحاساً، فيقيده ويرميه في نهر يعتقد أنه نار، والحق أنه رماه في نهر يؤدي به إلى الجنة، قال ﷺ : (هذا -أي: الشاب- أعظم الناس شهادة عند رب العالمين)؛ لأنه لا يوجد شيء ندعو إليه أعظم من التوحيد، وشهادة هذا الرجل أجلت للناس أمر التوحيد وبينت لهم كذب هذا الرجل -أي: الدجال- وبينت لهم أن الله جل وعلا منزه عن العيب والنقائص، وأنه لا يمكن لمؤمن أن يرى ربه قبل أن يموت، وبهذه الشهادة التي قام بها هذا الشاب قال ﷺ : (هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين).

стр. 536

نزول المسيح عيسى وقتله الدجال ويحاول الدجال أن يدخل المدينة أو مكة، فتمنعه الملائكة، ثم يعود إلى أرض فلسطين، ينزل عيسى بن مريم ﵊، وعيسى بن مريم أحد أنبياء بني إسرائيل، أو بتعبير أوضح آخر أنبياء بني إسرائيل، ينزل واضعاً يديه على أجنحة ملك، ولا يحل لكافر إذا رآه إلا أن يموت، فيراه الدجال فيميع عدو الله كما يميع الملح في الماء، ومع عيسى ﵊ حربة فيقتله بها حتى يثبت للناس ويجلو ما في القلوب من الأثر الباقي من رهبة الدجال، فيموت الدجال ويهلك على يد المسيح عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 537

طرق النجاة من فتنة المسيح الدجال فكما علمنا النبي ﷺ مكان خروج الفتنة هذه، ولبثها في الأرض، علمنا صلوات الله وسلامه عليه كيفية النجاة منها، من أعظم طرائق النجاة منها: كثرة ذكره والتحذير منه في المنابر، وهذه سنة الأنبياء من قبل سنها نوح، وتبعه الأنبياء من بعده يحذرون أممهم من هذا الكذاب الدجال. الأمر الثاني: الاستعاذة بالله منه، وقد أخبر النبي ﷺ وأوصى أمته أن يستعيذوا بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات. الأمر الثالث: قراءة فواتح وخواتيم سورة الكهف، فقد قال العلماء: إن المناسبة ما بين قراءة فواتح سورة الكهف وما بين التخلص من فتنة الدجال أن في فواتح سورة الكهف أخبر الله جل وعلا قصة أصحاب الكهف الذين نجاهم الله جل وعلا من ذلك الملك الظالم، فينجي الله جل وعلا من أدرك الدجال من فتنته بقراءة أخبار أولئك الأخيار الأبرار الذين حكاهم الله في القرآن، وأخبر الله جل وعلا أنهم استعاذوا بربهم ولجئوا إليه، فنجاهم الله جل وعلا من تلك الفتنة: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠]. كما أخبر ﷺ بأن الإنسان ينبغي عليه ألا يعمد إلى الخروج إليه، خوفاً من أن يقع فيه، ومن هنا قاس العلماء أن الإنسان ينبغي عليه أن يفر من الفتن كلها، وألا يقربها حتى يتمكن من البقاء على دينه، وأن يعصم نفسه، فلا ينبغي لعاقل أن يقتحم أبواب الفتن، ظناً منه أن ينجو. من الطرائق كذلك كما حررنا: سكنى مكة والمدينة؛ لأن الله جل وعلا حرم على الدجال تحريم منع وشرع أن يدخل المدينة، فسكناها في الغالب يقي من الدجال، ومن كتب الله عليه الضلالة فلو سكنها فوقع في قلبه المرض فإنه سيخرج إليه كما أخبر ﷺ أن المدينة ترجف بأهلها وقت خروج الدجال، فيخرج منها كل كافر ومنافق يتبع ذلك المسيح الدجال. هذا ما يتعلق بفتنة المسيح الدجال على وجه الإجمال، ويسوقنا الأمر بعد ذلك إلى أحاديث عدة نحررها فيما يلي: الغيب لا يعلمه إلا الله، والله جل وعلا أخفى عنا الساعة، والقيامة تطلق علمياً على ثلاثة: على موت الإنسان، وهذه دل عليها قوله ﷺ كما جاء في الأثر: (من مات فقد قامت قيامته)، والأمر الثاني: هي التي يكون فيها فناء الدنيا، وهذا هو المقصود بالساعة إذا صرفت وأطلقت، قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]. وتطلق القيامة على الأمر الثالث وهو: بعث الأجساد ووقوف العباد بين يدي ربهم جل وعلا، هذا الموطن الثالث الذي تصرف إليه كلمة القيامة في القرآن والسنة، وهذا الغيب أخفاه الله جل وعلا عن كل أحد، لكنه جعل له أشراطاً وعلامات، قال الله جل وعلا: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] ومن أعظم أشراطها خروج المسيح الدجال كما أخبرنا نبينا ﷺ . ولا يخرج الدجال إلا وقد حصل المسلمون قبل خروجه على نصر عظيم، يكون أكثر الأرض قد وطد، وعلا شأن الإسلام، وفتحت القسطنطينية، وقد أخبر ﷺ في قوله: (هل سمعتم بمدينة نصفها في البر ونصفها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فأخبر أنه سيفتحها سبعون ألفاً من بني إسحاق) أي: من الروم، وهذا يدل على أن أكثر الروم قبل الدجال يدخلون في الإسلام؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنه بعد فتحها -أي: هذه المدينة- يخرج الدجال في الناس، فهذا يدل على أنه يخرج بعد انتشار الإسلام. واليهود لهم دور كبير في خروجه، قال ﷺ : (يتبعه سبعون ألفاً -أي: الدجال- من يهود أصبهان).

стр. 538

خروج الدجال أثناء ظهور المهدي وخروجه يزامن خروج المهدي، والمهدي رجل من عترة النبي ﷺ من آل بيت رسول الله ﷺ ، يوافق اسمه اسم النبي ﷺ ، أجلى الجبهة أقنى الأنف، يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، يحارب الدجال. وبينما هو يريد أن يصلي بالناس بصلاة العصر ينزل المسيح عيسى على ظاهر الروايات، فيتأخر المهدي فيأبى عيسى إلا أن يقدمه، لا لأنه أفضل من عيسى، فعيسى ﵊ نبي، ولا يمكن أن يقارن بأحد من أتباع الأنبياء ولو عظم، لكن يقدم لسببين: تكرمة لله جل وعلا لهذه الأمة، قال ﷺ : (أما وإن منكم من يصلي عيسى بن مريم خلفه)، والأمر الثاني: أن هذا الرجل يحفظ القرآن، وعيسى إنما أنزل بالإنجيل، والقرآن مقدم على الإنجيل، لكن لا يعني ذلك أن عيسى لا يعلم القرآن، فيتقدم المهدي بعد أن يكون عيسى ﵇ قد قتل المسيح الدجال كما بينا.

стр. 539

ما يستفاد من ذلك من هذه الأخبار التي أخبر عنها ﷺ تتضح أمور، أعظمها أن الهداية بيد الرب ﵎، وهذا أكثرنا القول فيه لخطر أمره، ولاشتداد الحاجة إليه، وينبغي أن يعمد الناس إلى الاستغاثة بربهم والاستعانة به، وسؤال الله جل وعلا الثبات في الفتن، والصبر على المحن، وحسن الوفادة عليه جل وعلا، فتلك من أعظم المطالب، وأسمى الغايات التي يرجوها العبد من ربه. الأمر الثاني: أن يعلم العبد أن الناس منهم أئمة في الخير ومنهم أئمة في الشر، وكلمة إمام لوحدها لا تعني مدحاً ولا تعني ذماً، قال الله جل وعلا عن فرعون وآله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١]، وقال الله جل وعلا عن الصالحين من خلقه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فكما أن المسيح الدجال داعية لفتنة عظيمة فإن عيسى بن مريم داعية هدى ورشد، وداعية إلى الخير صلوات الله وسلامه عليه، والإنسان يتأمل نفسه وينظر صنيعه، ويحاسب ذاته في أقواله وينظر هل هو ممن يدعون إلى الخير ورأس هدى في البر، أو هو ممن تنكر الطريق وسلك طريق الأشرار، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. الكذب أيها المؤمنون مطية سوء، ولهذا المسيح الدجال عرف بالكذب وهو أعظم ما عرف به، وأعظم الكذب الكذب على الرب جل وعلا، وادعاء الألوهية، وهذا الكذب المحض الذي يرقى إليه شيء، وهو داخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٩]. والإنسان مهما علا سلطانه وعظم بنيانه، وفخر بأي شيء آتاه الله جل وعلا إليه فإن مصير الخلق كلهم إلى زوال، ثم تبقى الأمور واحدة من ثلاثة: ما لا يكون بالله لا يكون، وما يكون لغير الله يضمحل ويفنى ولا يبقى له أثر، وما يكون بالله ولله هو الذي يبقى نفعه وإن ذهب أثره ينفع الله جل وعلا به من يشاء من عباده. هذا ما أعان الله جل وعلا على قوله حول فتنة المسيح الدجال.

стр. 540

وقفات مع بدايات سورة الزخرف ننتقل إلى آيات أخرى نفسرها لسبب واحد، وهو أن فتنة الدجال محدودة الكلم، والناس ينتفعون بها مقدار واحد، لكن إذا كانت مثل هذه اللقاءات واجتمع الناس يخرج الإنسان ويتوسع في الحديث، رغبة في نفع نفسه ونفع غيره من المؤمنين، فنقف الآن على بعض آيات في كلام الله جل وعلا نفسرها نفعاً لمن حضر. قال الرب ﵎ في سورة الزخرف: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:١ - ٣] في هذه الآية فائدة علمية، وقد تمسك بها المعتزلة في أن القرآن مخلوق، إذ قالوا: إن (جعل) بمعنى: خلق، واحتجوا بأن الله جل وعلا قال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، والمعنى خلق الظلمات والنور، وهذا القول الذي ذهبوا به باطل من وجوه: وهو أنه قبل أن شرع في بيانها نأخذ نظير لها، ثم نطبق هذا النظير على هذه الآيات التي بيننا. ثمة أفعال لا يتضح معناها إلا من سياقها، فمثلاً قال الله جل وعلا: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام:٩٩]، فأخبر جل وعلا بمثل هذا، والمقصود به النظر بالعين الباصرة، لأن الفعل (نظر) هنا تعدى بحرف الجر (إلى)، قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فالفعل نظر إذا تعدى بحرف الجر إلى يكون المعنى: النظر بالعين الباصرة، وإذا تعدى بحرف الجر (في) فإن المقصود به: التدبر والتأمل، يقول أحدكم: نظرت في أمري، يعني: تفكرت فيه، ولو كان لا يرى بالعين في المعنويات. وقال الله جل وعلا عن أهل النفاق إنهم يقولون يوم القيامة: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] فلم يتعدى الفعل هنا لا بـ (إلى) ولا بـ (في)، فيصبح معناه أي: أمهلونا، من هنا نفهم أن أمهات الأفعال لا تعرف إلا في سياقها وما تعدت به، وكذلك الفعل (جعل) جاء في القرآن على أضرب عدة، فقد جاء بمعنى: سمى، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] أي: سموا الملائكة إناثاً، ويدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [النجم:٢٧]. ويأتي بمعنى صير، ومنه قول الله جل وعلا حكاية عن القرشيين في سورة (ص): ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] فجاء الربط هنا بالفعل جعل، ومعلوم أن القرشيين لا يقصدون بقولهم عن نبينا ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] أنه خلقها، وإنما قصدوا أنه صيرها إلهاً واحداً. وجاء جعل في القرآن بمعنى: خلق، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]. يتحرر من هذا وفق قواعد العرب أن الفعل جعل إذا تعدى إلى مفعولين يكون بمعنى التصيير، وإذا تعدى إلى مفعول واحد يكون بمعنى الخلق، فقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] تعدى إلى مفعولين، فلا يكون بمعنى الخلق، فلا يصبح هناك حجة لمن زعم أن القرآن مخلوق، هذا إذا استصحبنا كذلك الأصل العظيم، وهو أن الله جل وعلا أخبر في قرآنه في آيات عديدة أن هذا القرآن منزل من عند الله ﵎. الفائدة الثانية: قال الله جل وعلا في الإسراء: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الإسراء:١٠٥] ثم قال: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء:١٠٥]، والفرق بين المعنيين: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:١٠٥] بالحق أنزلناه أي: أنزلنا هذا القرآن متضمناً للحق، فالقرآن صادق في أخباره، عدل في أوامره ونواهيه، قال الله جل وعلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]. أما قول ربنا جل وعلا: (وبالحق نزل) فهذا مثل من تبعثه برسالة تريد منها أن يوصلها إلى غيره، فحتى تصل رسالتك إلى غيره على النحو الأتم والوجه الأكمل لابد من توفر أمرين: الأمر الأول: أن يكون هذا الرسول أمين، لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، والأمر الثاني: أن يكون قوياً، لا يضعف أمام أحد فيغير في الرسالة، والقرآن نزل به من عند الله جبريل على قلب محمد ﷺ ، فقول الله جل وعلا: (وبالحق نزل) تدل عليها آي التكوير، قال الله جل وعلا في الثناء على جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠] أي: لا يقدر أحد أن يجبر جبريل على أن يغير القرآن الذي معه وهو ينزل به على قلب محمد ﷺ ، ولا يمكن لجبريل أن يغيره من تلقاء نفسه؛ لأن الله قال بعدها: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١]، فجبريل قوي وأمين في آن واحد، فأمانته تنفي الخيانة، فلا يمكن لجبريل لما اتصف به من الأمانة بشهادة رب العالمين أن يغير في القرآن، ولا يمكن لأحد أن يستغل ضعفاً في جبريل فيغير القرآن؛ لأن الله جل وعلا بشهادته لجبريل وصفه بأنه قوي، قال الله جل وعلا: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٦] أي: ذو قوة، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠] فوصفه كذلك هنا بالقوة، وهنا يتحرر معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء:١٠٥].

стр. 541

وقفات مع قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغون عنها حولا) الآية الثالثة: قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨] الجنة دار أعدها الله جل وعلا للمتقين الأبرار، ذكراناً كانوا أو إناثاً، من دخلها ينعم فلا يبأس، ويخلد فلا يموت، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم، وهي قرة عين كل مؤمن، كما أن الدنيا لا تطيب إلا بذكر الله، فإن الآخرة لا تطيب إلا بعفو الله، والجنة لا تطيب إلا برؤية وجه الله. يحبس أهلها على قنطرة، فيخلص ما في قلوبهم من غل، قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر:٤٧]، ومر علي ﵁ على طلحة والزبير وقد قتلا، فقال: أما إني وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:٤٣]. فيأتون أبواب الجنة وهم يملأ قلوبهم الشوق إلى وعد الله، فيجدونها قد أغلقت، فيأتون أباهم آدم: يا أبانا! استفتح لنا الجنة، فيقول: هل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ فيأتون نبينا ﷺ فيقرع باب الجنة، فيقول له الخازن: من أنت؟ فيقول: أنا محمد! فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك، فيدخلها ﷺ ، ثم يدخلها الأنبياء ثم الصالحون. ولا ينبغي لمؤمن يعرف الله أن يزاحم في شيء، ولا ينافس على أمر أعظم من أن يكون واحداً ممن يزاحمون على دخول باب الجنة، فكل ما قربك من هذه المزاحمة حري أن تصنعه، وكل ما نأى بك على أن تنأى بنفسك عن هذه المزاحمة حري بك أن تذره، وإنه سفاه منا أن يخبرنا الله عن جنة عرضها السماوات والأرض ثم لا يجد أحدنا له فيها موضع قدم. وهذا والله! حقيقة الغبن أن يخبر الله عن جنة عرضها السماوات والأرض ثم لا يجد أحدنا فيها موضع قدم، على أن هناك حقائق يجب أن نعلمها، والدرس وإن أخذ جانب الوعظ، لكن هذا الذي به أرسل الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، فنحن لا ينبغي أن نتعلم العلم لننبز به الأقران، وننافس به غيرنا، ونختار من الألفاظ ما هو غريب، أو نأتي بالأشعار ما يقرب الناس منا أو يدلهم على فصاحتنا، فهذه كلها أمور إن جاءت تبعاً فحسن، وإن لم تأت فلا أتى الله بها، لكن ينبغي أن يوطن الإنسان قلبه على أمر عظيم، وهو أن يفوز ويظفر بدخول جنة عدن؛ لأنه إن لم تكن جنة كانت نار، ولا يوجد خزي أعظم ولا أكبر من النار، قال الله جل وعلا عن الصالحين من خلقه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٢]. فلا يوجد خزي يفر منه المرء أعظم من النار، ولا يوجد فوز ومطلب وبغية وغاية هي أعظم من الجنة، قال الله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ:٣١]، وهي الوعد الأعظم والبشارة الكبرى التي جاء بها الأنبياء وكتبها الله جل وعلا وعداً عليه مفعولاً، يسأله عباده منذ أن خلق الله آدم إلى أن يرفع الإسلام ولا سؤال للصالحين أعظم من أن يسألوا ربهم دخول جنته، قال الله جل وعلا عنها: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان:١٦] أي: وعداً يسأله عباده إياه. فإذا دخلوا الجنة أعطوا زيادة كبد الحوت، ثم ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، ثم يمتعون فيها قليلاً حتى يجدوا لذتها، ثم يسمعون منادياً ينادي: يا أهل الجنة! فينظرون من شرفاتها خوفاً من أن يقال لهم: اخرجوا منها وقد ذاقوا لذتها، والمنادي نفسه ينادي أهل النار: يا أهل النار! وقد ذاقوا حرها ووهج شررها، فينظرون على الضد، لعلهم أن يقال لهم: اخرجوا منها. ويؤتى بالموت على صورة كبش فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيذبح وينادي مناد: أن يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت، فينقطع عن أهل النار -عياذاً بالله- الأمل في أن يخرجوا، وينقطع عن أهل الجنة الخوف من أن يخرجوا، قال الله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]. ولا يكادون ينتهون من هذا النداء حتى يأتيهم نداء آخر فينادي مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو، ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا؟ فيكشف الحجاب، فيرون وجه ربهم ﵎، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم هو أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله، وحتى يرزق المؤمن هذا الأمر ينبغي أن يكون في قلبه اليقين أولاً بأنه لا وجه أكرم من وجه الله، فإذا استقر في قلب أي أحد يقيناً أنه لا وجه أحد أكرم من وجه الله، ولا وجه أجل منه، قال الله عن ذاته العلية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، فإذا استقر في قلب أي أحد أنه لا أعظم من الله، ولا أحد أكرم منه، لا أحد أعظم منه اسماً، ولا أحد أكرم منه وجهاً، وأنه جل وعلا بيده مقاليد كل شيء، وأنه ﵎ وحده من له الفضل والمنة عليك، ووقع في قلبك واستقر الشوق إلى لقائه جل وعلا، فإذا وقع هذا فإنه يرث الإنسان بعدها برحمة الله عملاً بتوفيق الله يعينه على أن يدخل الجنة. فإذا كتب الله له الجنة من الله عليه بعد ذلك بالعطية الجزلى، والبغية العظمى وهي رؤية وجه الله جل وعلا، قال الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].

стр. 542

مما ينبغي على المؤمن والمبتغون الطالبون لهذه الغاية يعرفون بأعمالهم، على ما يظهر للناس منهم، أما السرائر فأمرها إلى الله، فالعاقل لا يشهد إلا بما رأى، ولا يقطع، لأنه لا يقطع لأحد بإخلاص النية وتمام العمل وحسنه وقبوله إلا من شهد الله له أو شهد له رسوله ﷺ لكن ينبغي للمؤمن أن يحرص على أمور أجمعها فيما يلي: كثرة ذكره ﷻ ، فذكر الله جل وعلا أنس السرائر، وحياة الضمائر، وأقوى الذخائر، ولما أراد الله أن يمن على زكريا بالولد، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم:١٠] أي: أنت سوي الخلقة لكنك تعجز أن تكلم الناس، فتعامل معهم بالإشارة، ومع أنها ثلاثة أيام منقطعة، وهي آية له وبرهان وبشارة من الله، لكن الله جل وعلا أمره مع هذا الصمت أن يكثر من ذكر الله، فإذا ذكر الله تحركت شفتاه، وإذا كلم الناس عجز، فيكلمهم بالإشارة، فلم يعف الله نبيه زكريا عن ذكره حتى وهو في آية وبرهان من الله، قال الله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١]. بل إن أهل الجنة -جعلني الله وإياكم منهم- وقد انقطع عنهم التكليف يلهمون التسبيح كما يلهم أحدنا في الدنيا النفس، فهم في جنة عدن يمتعون ومع ذلك لا يفترون من ذكر الرب ﵎. وحملة العرش قريبون من ربهم ﵎، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧] فأثبت الله لهم التسبيح، وهو أحد أنواع عبادته وهو ذكره. والمقصود أن مما يقربك من الله كثرة ذكره، قال الله لنبيه: ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]. الأمر الثاني: بعدك عن الضرر بالناس؛ لأن الذي يعرف الله يعرف أن الله مقتدر، ومن يعرف أن الله مقتدر لا يتعرض لظلم العباد؛ لأنه على يقين أن الله جل وعلا قادر عليه، فليس من فراره من ظلم الناس خوفه من الناس، وإنما خوفه من ربه، وقد كان هابيل أشد قوة من قابيل، لكن الذي منعه أن ينتقم لنفسه خوفه من الله، قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة:٢٨ - ٢٩]. والمقصود أن البعد عن الضرر بالناس من أعظم الأدلة على خوف العبد من ربه. والأمر الثالث: لابد أن يكون لطالب الجنة شيء من الليل يقوم فيه بين يدي ربه، يخلو فيه بين نفسه وبين مولاه، يبث إلى الله، ويشكو إلى الله بلواه، ويسأل الله جنته، ويتلو كتابه، ويقرأ آياته، ويتضرع لخالقه، ويتذلل بين يديه، قال الله عن الصالحين من خلقه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]. ورابعها وبه أختم: لابد أن يكون في قلوبنا شفقة على والدينا عملاً بوصية الله لنا، فإن القيام بحق الوالدة على الوجه الأول ثم حق الوالد من أعظم أسباب التوفيق في الدنيا والآخرة. أيها المؤمنون! هذه أشتات من علم، يسر الله قولها في هذا اللقاء المبارك، عل الله أن يتقبل منا ومنكم. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 543

البحث عن السعادة أكرم الله تعالى رسوله ﷺ وصحبه بالعيش السعيد، فعاشوا في مجتمع مسلم يحيا الإيمان من جميع جوانبه، وإنما حظي الصحابة الكرام بذلك بعد تحصيل أسبابه، كالخوف من الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمودة والرحمة وغير ذلك، وقد جعل الله تعالى ذلك العيش أمراً يمكن أن يجده من يأتي من بعدهم إذا حققوا جملة من الوسائل الموصلة إلى طريقهم وسعادتهم.

стр. 544

أسباب السعادة في حياة أصحاب رسول الله ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن المؤمنين متفقون على أن النبي ﷺ ربى أكمل جيل وأمثل رعيل, كانوا شامة في جبين الأيام وتاجاً في مفرق الأعوام, حتى قال عنهم الشاعر العربي: الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوماً وأخطأ دمع العين مجراه فأصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه بهم نصر الله جل وعلا الدين وأعز الملة, نشئوا في مدرسة محمد صلوات الله وسلامه عليه, فهم المطعمون المنفقون الشاكرون في السراء, وهم الثابتون الصابرون في الضراء والبأساء ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. أن من ينشد الحياة السعيدة لن يجدها ظاهرة بينة واضحة كما يجدها في حياة محمد صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين, والحديث عن تلك القمم الشامخة حديث يطول, ولكننا نحاول أن نقف على بعض أجزاء منه, إن تعذر علينا أن نقف عليه كله. إن أصحاب محمد ﷺ وذلك الجيل الأمثل والرعيل الأكمل كانت فيهم صفات عدة, ومن عظمة السيرة وما حفلت به أنه يمكن أن يتدارسها الناس من عدة طرائق؛ لأنك لا تدرس فيها شيئاً خفياً لتظهره, وإنما هي ظاهرة بينة واضحة كالشمس المشرقة, وإنما ينهل منها الواردون, ويستقي منها الطالبون, وكل يوفقه الله جل وعلا ولو إلى حيز -بحسب دوره في المجتمع- من سيرة نبينا ﷺ وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم.

стр. 545

الخوف من الله الخوف من الله أعظم مقاصد الشرع, وأعظم ما يثيب الله جل وعلا عليه، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، فالخوف من الله ﵎ سبيل لكل غاية, وإذا أراد الله بعبد خيراً وطَّن قلبه على أن يخشى ربه جل وعلا ويخاف منه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]. وقد كان هابيل أشد قوة من قابيل , فلما هم قابيل بقتل هابيل ما منع هابيل ضعف في بدنه، وإنما منع هابيل أن يقتل أخاه خوفه من الله، فقال: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨]، فالخصيصة الجلى التي كان عليها أنبياء الله من قبل، ورسولنا ﷺ من بعد, وعلمها ﷺ أصحابه في حياته هي الخوف من رب العالمين ﷻ ؛ لأن العبد إذا خاف الله اجتنب الذنوب والمعاصي أن يقتحمها. وإن لم يرزق في قلبه خوفاً من الله -والعياذ بالله- تجرأ على المعاصي وتجرأ على الذنوب, ومثل هذا أين يرجى أن يؤتى كمالاً أو يعطى منالاً من ربه ﵎. فأنشأ محمد ﷺ ذلك الجيل على الخوف من ربهم ﵎, وأورثهم ذلك الخوف البعد عن المحرمات, والمسارعة والمسابقة في الخيرات, وإلا فإنه لا يعقل أن أحداً يتجرأ على معصية إلا إذا قل الخوف فيه من الله, وقد لا ينعدم منه بالكلية, ولكن يقل، ولا يمكن أن يأتي أحد إلى طاعة إلا مع حسن ظنه بالله أن يثيبه، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وليس العلماء من حفظوا المتون وأملوا الدروس, فكل من خشي الله فهو عالم بمقدار خشيته, وكل من عصى الله فهو جاهل بمقدار معصيته. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إنما العلم الخشية. أي: الخوف من الرب ﵎. فهذه الخصلة أولى وأعظم ما ربى النبي ﷺ عليه أمته، وهي المفتاح الحق للحياة السعيدة.

стр. 546

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:٧١]، وقال جل وعلا ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]. والفساد في الأرض أعظم ما نهى الله جل وعلا عنه، قال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦]، ولما أثنى الله جل وعلا على رجال قد خلو وأمم قد سبقت قال: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦]، و (لولا) هنا في مقام الحض والحث، والذي يعنينا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظمى, حملها النبي ﷺ وحملها أصحابه من بعده وفي حياته صلوات الله وسلامه عليه. وتوحيد الله جل وعلا وإفراده ﵎ بالعبادة أعظم المعروف، والشرك بالرب ﵎ أعظم المنكر, ففي الحديث: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، وأعظم المعروف توحيد الرب ﵎، ولهذا بدأ الرسل جميعاً بلا استثناء دعوتهم لأممهم بالدعوة إلى عبادة الله وحده وإفراد العبادة له جل وعلا دون سواه, مع التحذير والنهي عن الشرك، وقال الله حكاية عن العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. ثم إن من أعظم المعروف الذي أمر به جل وعلا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأداء بقية الأركان، أما المنكرات فإن من أعظمها بعد الشرك اثنان: القتل، والزنا. فهذه الثلاثة -الشرك بالله- والقتل والزنا -حرمها الله في جميع الشرائع- قال الله جل وعلا في سورة الفرقان: وهي مكية: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]. فهذه الآيات نزلت في العهد المكي, قبل أن تفصل الشرائع كما وقع في المجتمع المدني. فأما القتل فإن النبي ﷺ يقول فيه: (لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من قتل مسلم) ذلك أن الكعبة إذا هدمت فإنما هي بنيان، فيأتي الصالحون فيعيدون بناءها, أما المسلم إذا قتل وأزهقت روحه فلا سبيل أبداً إلى عودة روحه, ومن هنا كان قتل المسلم معظماً جداً عند ربنا ﵎، إلا بالحق كما قيد ربنا جل وعلا، والله جل وعلا ذكر في القرآن خبر قابيل وهابيل , وأن قابيل تجرأ على هابيل فقتله, فلما حار في أخيه كيف يصنع به، وأراد الله أن يعلمه عامله الله جل وعلا بمثل صنيعه, فكل شيء مما فيه روح قابل لأن يبعثه الله ليعلم قابيل , ولكن الله اختار الغراب وهو من أعظم الفواسق, حتى يقول لـ قابيل: هذا من جنسك أنت، قال الله جل وعلا: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ [المائدة:٣١]، فاعترف بأن الغراب أفضل منه, والسبب في ذلك أنه تجرأ على دم حرام لم يبحه الله جل وعلا. والمسلم الذي يعلم ما هو المعروف وما هو المنكر, لا يتجرأ على الدماء بيده، ولا يتجرأ على الدماء بلسانه فيريق دماً مسلماً معصوماً بفتوى أو بغيرها يريد بذلك عرضاً من الدنيا, وإنما دماء المسلمين حرام، فقبل أن يتكلم المرء فيها يجب عليه أن يتقي الله جل وعلا تقوى عظيمة. ويروى أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى في أيامه ظهرت في مكان كان يسكنه شوكة الخوارج الذين يرون كفر مرتكب الكبيرة الذي يموت دون توبة, فجاءه ذات يوم رجلان منهم وهو في المسجد فرفعا سيفين عليه, وقالا: جنازتان في الباب -أي: بباب المسجد-: الأولى لرجل شرب الخمر فغص بها فمات, والأخرى امرأة حبلى من الزنا ماتت قبل أن تتوب، فما تقول فيهما؟ وكان يريد أن يقول: إنهما كافران، فاحتال عليهما فقال: هل هما يهوديان؟ فقالا: لا. فقال: هل هما من النصارى؟ فقالا: لا. فقال: هل هما من المجوس؟ فقالا: لا. فقال: ممن هما؟ فقالا من غير أن يشعرا: هما مسلمان. فقال: أنتما حكمتما بأنهما مسلمان, وأنا لم أقل شيئاً. فقالا: دعنا من ألاعيبك, قل لنا: هما في الجنة أم في النار؟ فقال -رحمه الله تعالى-: أقول فيهما ما قاله خير مني فيمن هو شر منهما, أقول فيهما ما قاله عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، وأقول فيهما ما قال خليل الله إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]. كل ذلك ورعاً أن يحصل سفك للدماء بسبب كلمة أو فتوى يقولها. والمقصود من هذا أن الله جل وعلا حرم الدماء بطرائق شرعية معروفة, فلا يجوز لمؤمن أن يسفك دم مسلم، وفي الحديث (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً). والمنكر الثالث بعد الشرك والقتل الزنا عياذاً بالله، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢] وقد أخبر ﷺ بأنه رأى رجالاً ونساءاً في تنور ضيق من أدناه واسع من أعلاه يتضاغون فيه, قال: (قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني) عياذاً بالله. وينبغي على المجتمع المسلم أن يتعاضد أفراده وآحاده على إيقاف الرذائل مهما كانت, وعلى نشر الفضائل وحراستها, وعلى إشاعة فضيلة الحياء في الناس, حتى يبتعد الناس بقدر الإمكان عن ذلك المنكر الذي حرمه الله, وحرمه رسوله ﷺ , بل قد قال العلماء: جاءت الشرائع كلها بتحريمه، وعلى أن العاقل -إذا أراد أن يأمر بمعروف أو ينكر منكراً- أن يكون حكيماً عاقلاً لبيباً عالماً, لئلا يؤدي إنكاره إلى مفسدة أكبر منها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ليس الطبيب الحاذق من يهدم مصراً -أي: مباني عديدة, ودياراً كاملة- ليبني قصراً. أي: ليبني قصراً واحداً, وإنما ينظر من تصدر للقرار وللكلام وللحديث وللفتوى وللتدريس ينظر إلى المجتمع, وقد يمكن السكوت على منكر خوفاً مما هو أعظم منه في بيئة, ولا يمكن السكوت عنه في بيئة أخرى. وهذه أمور يدركها كل من تأمل الشريعة حق التأمل, ونشأ مؤصلاً نفسه علمياً على سنن صالح الأسلاف رحمة الله تعالى عليهم.

стр. 547

المودة والرحمة الخصيصة الثالثة في المجتمع المحمدي: التواد والتراحم. أخرج الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي ﷺ خرج ذات يوم, فيلقي أبا بكر وعمر في ساعة لم يكونا يخرجان فيها, فقال: (ما الذي أخرجكما في هذه الساعة؟ فقالا: أخرجنا الجوع, فقال ﷺ : وأنا -والذي نفسي بيده- ما أخرجني إلا الجوع)، فهذا النبي الأمي لم يكن غنياً ولم يكن فقيراً, تمر عليه أيام يجد فيها ما يأكله, وتمر عليه أيام لا يجد فيها ما يطعمه، وبهذه النظرة الكاملة يعرف حاله ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]. فخرج ﵊ ومعه أبو بكر وعمر رضوان الله تعالى عليهما قد أخرجهما الجوع, فقال: (وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع)، ومن هنا تعلم أن بعض الفضلاء من الناس إذا قال كلمة (أنا) تعوذ, وقال: أعوذ بالله من كلمة (أنا) , ولا يوجد تثريب شرعي في أن يقولها الإنسان, وإنما نقمها الله على فرعون وعلى إبليس لما بعدها لا للفظة نفسها؛ لأن إبليس قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وفرعون -عياذاً بالله- قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]. ولكنها تكره إذا كان طرق الإنسان باباً فسئل من أنت؟ فقال: أنا، ففي مثل هذه الحالة لا تفيد معنىً، ولا تؤدي جواباً، ولا يعرف من أنت ما لم تسم نفسك, فمن أجل ذلك كرهها نبينا ﷺ في هذا الموضع المقيد. فخرج ﵊ ومعه أبو بكر وعمر، فأتوا بيت أبا الهيثم بن التيهان ﵁ وأرضاه، ولم يكن في الدار، بل كانت زوجته, فلما رأتهم فرحت, ولخوفها من أن يذهبوا قالت: مرحباً وأهلاً, وأدخلتهم الدار, فجاء أبو الهيثم، فلما رآهم قال: ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني. وصدق ﵁ وأرضاه, فلم يكن يومها على وجه الأرض أحد أفضل من رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فبادر إلى عذق في النخلة فأخرجه بسراً وتمراً ورطباً, وقدمه لهم وقال: تخيروا. ثم عمد إلى المدية -وهي السكين- فرآها النبي ﷺ في يده؛ فتأمل -أيها المبارك- كيف يربي النبي ﵊ الأمة، فقال: (إياك والحلو)، أي: لا حرج، ولكن لا تذبح شاة حلوباً يستفيد منها أهل الدار، فلو منع النبي ﷺ أبا الهيثم من أن يذبح لمنعه من إكرام ضيفه، وهذا لا يعقل أن يفعله ﵊, وفي نفس الوقت كان يخشى على أهل البيت الضرر، فقال: (إياك والحلوب) وهكذا العاقل في تعامله مع من حوله في القضايا التي تلج عليه مع الناس، فلا يمكن أن يسلب الناس ما يفخرون به ويفرحون به, وفي نفس الوقت لا يطلق العنان حتى تصبح المسألة مسألة ضرر، فتنقلب من إكرام ضيف إلى ضرر بالأهل, فقال ﷺ : (إياك والحلوب). ونظير هذا في السنة أنه في يوم أحد كثر القتلى من المسلمين حتى بلغوا سبعين, فحملت الأنصار قتلاها تريد أن تدفنهم في المدينة, فأمرهم ﷺ أن يدفنوا الشهداء في أماكنهم, والعدد سبعون, والصحابة الذين نجوا كانوا مرهقين جداً، حتى إنهم صلوا الظهر قعوداً وراء النبي ﷺ , فعاد ﵊ إلى أسلوبه الأمثل, فلم يوافق على أن ينقلوا القتلى إلى المدينة, حتى تشهد أرض أحد لهم, وفي نفس الوقت لا يريد أن يكلف هؤلاء المثخنين بالجراح بأن يحفروا سبعين قبراً, فقال: (اجعلوا الرجل والرجلين والثلاثة في قبر واحد)، فإذا جعلنا ثلاثة من قتلى المسلمين وشهدائهم في قبر واحد قل عدد القبور, فلجأ ﷺ إلى طريقة مثلى تجمع بين عدم إرهاق الصحابة ودفن الشهداء عند جبل أحد في أرض المعركة. وهنا قال ﷺ : (إياك والحلوب)، فذبح لهم ﵁ وأرضاه, فقال ﷺ بعدها لصاحبيه: (لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة)، ثم إنه ﷺ بما يحمله في قلبه من مودة ورحمة مع علو كعب في الفهم -كأنه عرف أن أبا الهيثم ليس له خادم, فلما فرغ من ضيافته قال له: (ائتنا إذا جاءنا سبي) فلما قدم بسبي إلى رسول الله ﷺ جاءه أبو الهيثم وقد كان السبي غلامين, فقال ﷺ : (اختر أيهما شئت) فقال: يا رسول الله! اختر لي: فقال ﵊ كلمته التي سارت بها الركبان وضربت مضرب المثل: (المستشار مؤتمن) يعلم الأمة أن من استشارك فقد قلدك أمانة في عنقك, فاتق الله جل وعلا فيمن استشارك لتكون بطانة خير له, فتخبره بما ينفعه, وتدله على الصواب, ولا يقع في مثل هذه الأحوال غيبة، فقال ﷺ ليبين للأمة الطريق المثلى في الحكم على الناس: (اختر هذا فإني رأيته يصلي) فلما كان ﷺ يعلم أثر الصلاة على النفس قال لهذا الصحابي الجليل: (اختر هذا فإني رأيته يصلي)، ثم قال ﷺ له: (واستوص به معروفاً) شفقة على هذا الرقيق, فرجع أبو الهيثم مع الرقيق الذي أعطاه نبينا ﷺ إياه من السبي, فدخل على زوجته يظهر الفرح على أسارير وجهه, فأخبرها الخبر, ثم قال لها: وإن نبي الله قال لي: (واستوص به خيراً أو معروفاً) فقالت المرأة الحاذقة: يا أبا الهيثم! أعتقه؛ فبهذا تتحقق وصية نبينا ﷺ , ولم يكن مراد رسول الله -فيما نعلم- أن يعتقه, ولكن المرأة أرادت أن تبلغ الكمال في حمل حديث نبي رب العزة والجلال صلوات الله وسلامه عليه, فأعتقه, فبلغ خبر عتقه النبي ﷺ , فأخبر صلوات الله وسلامه عليه بأن المرء لا بد له من بطانة، إما بطانة خير، وإما بطانة سوء, وقصده أن هذه المرأة وهذه الزوجة كانت بطانة خير لزوجها بما أشارت به عليه وقد سقنا الحديث لنبين التواد والتراحم في المجتمع المدني آنذاك, والنماذج على هذه كثيرة، ولكننا حدثنا ببعضها.

стр. 548

القيام بحقوق البيوت الخصيصة الرابعة التي كان عليها أصحاب محمد ﷺ مما رباهم عليه نبي الله صلوات الله وسلامه عليه: القيام بواجب المسلم نحو أسرته. فالله جل وعلا ذكر لهم حقوقاً, فقدم الوالدين في الذكر وقال بعد ذلك: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:٢٦] وبين حق الجار، والعاقل ينتقل من دائرة ضيقه إلى دائرة أوسع, فلا يقدم من أخره الله, ولا يؤخر من قدمه الله. وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون حق أسرهم عليهم، ألا ترى أن أول من آمن بالنبي ﷺ ألصق الناس به؟! فـ خديجة زوجته، وأبو بكر صاحبه، وزيد غلامه، وعلي ربيبه؛ فهؤلاء أول الناس إسلاماً؛ لأنهم كانوا قريبين جداً من رسول الله ﷺ يرون عطفه ورحمته وشفقته فتأثروا, فلما دعاهم إلى الإسلام بادروا. وينبغي للمؤمن أن يدرك واجبه نحو أسرته, فـ جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري ﵄ استدعاه أبوه ليلة أحد, ثم قال له: يا بني! قد حضر ما ترى -أي: القتل والحرب والمعركة- وإني لا أراني إلا أول من يقتل غداً, فإذا أنا مت فاقض ديني واستوص بأخواتك خيراً, وكان جابر رجلاً ذكراً واحداً بين أخوات، فحضرت المعركة وكان عبد الله بن حرام والد جابر صادقاً مع ربه, فكان من أوائل من قتل في المعركة, يقول جابر: فدفنت والدي مع غيره, وجاء في رواية -أظنها في الموطأ من مراسيل مالك - أنه دفن مع عمرو بن الجموح , يقول: لم تطب نفسي بعد ستة أشهر أن يدفن رجل مع أبي, فحفرت فوجدته كيوم دفنته إلا شيئاً يسيراً في أذنه. ثم إن جابراً أخذ بوصية أبيه في العناية بأخواته فتزوج على الطريقة المحمدية في تعليم الناس, بحيث لا تترك الأشياء بالكلية, ولا تؤخذ بالكلية, وإنما كان يلجأ ﷺ إلى الوسطية في التعامل مع الأشياء، فـ جابر أوصاه أبوه بأخواته, وهو في نفس الوقت شاب لنفسه عليه حق أن يتزوج, فكان أمامه طريقان: إما أن يترك الزواج ويعتني بأخواته، وإما أن يقول: سينشأن على رعاية الله، وسأتزوج بكراً وأنظر لنفسي، ولكن جابراً التلميذ في المدرسة المحمدية لم يصنع هذا ولا هذا, بل تزوج امرأة ثيباً, فلما تزوج الثيب أسقط شيئاً من حق نفسه حيث لم يتزوج بكراً, ولكنه لم يسقط الزواج بالكلية, وفي نفس الوقت أسقط شيئاً يسيراً من حق أخواته, فلم يتفرغ لهن بالكلية, ولكنه تزوج ثيباً حتى تقوم على أخواته، فلما قال له النبي ﷺ وقد علم أنه تزوج: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك) ذكّره بوصية أبيه, فقال: يا نبي الله! إن أبي ترك أخوات، والأمر كذا وكذا, فأقره ﷺ على قوله ذلك بسكوته، ولم يعنفه ولم يثرب عليه صلوات الله وسلامه عليه. إن من حولنا من أبوين وزوجة وبنات وبنين أحوج الناس إلينا, ولا خير فينا إن كان الإنسان منا يحاول أن يعطي الأبعد ويترك الأقرب, ولكن يقدِّم من قدمه الله؛ لأن من يعطي الأبعد ويترك الأقرب نقول له: إن كنت تريد ما عند الله فليس هذا الطريق الذي رسمه الله جل وعلا لنا, وإن كنت تريد ما عند الناس فإن الناس لا يملكون قلوبهم حتى يهبوها لك, فكيف تطلب منهم شيئاً لا يملكونه ولا يطيقونه؟! وإنما يعرف الرجل الرباني بسيره على منهاج الله وبوقوفه عند كلام الله وكلام رسوله ﷺ . قال المؤرخون: إن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مر ذات ليلة على فتية من الأنصار يحتسون الخمر في حائط: أي: في بستان, فاعتلى السور ودخل عليهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين! جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث، قال الله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] وأنت تجسست، وقال الله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩] وأنت أتيتنا من أعلى السور، وقال الله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] أي: تستأذنوا، وأنت لم تستأذن، وكان عمر يملك الرد على هذا, ولكنهم لما أتوا عن طريق الآيات أطرق ﵁ وأرضاه رأسه لهم, وهذا هو حقيقة الوقوف عند آيات الله. قال حافظ ﵀: وفتية أولعوا بالراح فانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فأت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يُزنُّ من الحيطان آتيها ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها وهذا هو الشاهد من القصيدة كلها، فعندما تقبل قول أحد لأنه استدل عليك بالقرآن, تقبله للدليل لا لذاته, وهذه تربية عظيمة يربي المرء عليها نفسه, ولكنها تحتاج إلى نوع من المكابدة والاستمرار والأخذ والعطاء ما أمكن إلى ذلك سبيلاً. ويندرج في هذا الأمر كذلك حب الإنسان للصغار من أهل بيته، فأعظم الوشائج بين الأبناء والبنات وبين أبويهم تلك التي تورث في الصغر، والتي يكون فيها الإنسان وافر العطاء من الحنان والشفقة والمودة لمن يحب، فقد قطع نبينا ﷺ خطبة له وهو يرى الحسن والحسين يمشيان فيعثران، فلما رآهما يمشيان ويعثران قطع الخطبة وحملهما ووضعهما بين يديه ورقى أعواد منبره، ثم قال: (صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] لقد نظرت إلى ابني هاذين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما)، وقام من الليل -كما في المسند بسند صحيح- يسقي الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 549

العفو عند المقدرة ومن خصائص المجتمع المدني الذي من الله جل وعلا عليه بالحياة السعيدة آنذاك العفو عند المقدرة، والعفو شيم من شيم الكرام كانت العرب تتغنى به في الجاهلية، فلما بعث ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق ربى أمته على هذه الخصلة، وجاء القرآن من قبل بها فقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، فكلها رغائب ذكرها جل وعلا في كتابه تحث المؤمنين على العفو، ونبينا ﷺ خير من ملك ثم عفا من البشر، يقول بعض أهل السير: إن أبا سفيان بن الحارث -وهو أحد خمسة يشبهون النبي ﷺ ، وهم: الحسن والحسين وقثم والفضل وأبو سفيان بن الحارث رضي الله تعالى عنهم جميعاً- يقولون: إن هذا الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه كان قبل إسلامه يقرض الشعر ويهجو النبي ﵊ حتى أهدر دمه، فلما من الله عليه بالهداية استحيا من دخوله على رسول الله ﷺ ، فيقال: إن إحدى أمهات المؤمنين أشارت عليه بأن: قل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فإن نبي الله لا يحب أن يكون أحد خيراً منه. أي أنه ينافس في الطاعات ويسابق في الخيرات صلوات الله وسلامه عليه، فلما قالها قبل النبي ﷺ خطابه وعفا عنه. وأعظم ما يدفع إلى مثل هذا انتظار الفضل من الله؛ لأن الله أبهم -أي: لم يبين مقدار الجزاء لمن عفا الله عنك- فقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، وما أبهمه الله جل وعلا في هذا الموقف فإن سياق القرآن يدل على أنه شيء عظيم تشرئب إليه الأعناق، وينشده الأفاضل من الرجال والنساء، ولا ريب في أن من أعظم ما يمكن أن نتعلمه من الدين أن كل من أوقفه الله جل وعلا ضعيفاً بين يديك وأردت أن تعامله فعامله بمثل ما تحب أن يعاملك الله به إذا وقفت بين يديه.

стр. 550

سبل التحلي بخصائص المجتمع المحمدي وأما السبل التي تعين المؤمن على أن يتحلى بنشر هذه الخصائص -وما لم نذكره من خصائص المجتمع المحمدي- فأولها بلا شك: العلم بالله جل وعلا، فالعلم بالرب ﵎ مفتاح كل خير، ولا يتصور أن أحداً يعبد الله على منهج بين وطريق واضح وخشية في القلب وهو لا يعلم الله، فأعظم العلم معرفة الله، ومعرفة أسمائه وصفاته، وحتى يكون الحديث أوضح فإن إجلال الله جل وعلا في القلب مما ذكره الله جل وعلا في كتابه المبين يعين المؤمن على أن يعرف ربه، ولله المثل الأعلى، فأي شيء تريد أن تعرف كينونته لتصل إليه فلن تصل إليه إلا بإحدى ثلاث طرائق: إما أن تراه، وإما أن يراه غيرك فيصفه لك، وإما أن تقيسه على مثله، ولكي تزداد عظمة الله في قلبك فاعلم أن هذه الثلاثة منتفية في حق الله، فنحن لم نر ربنا، ولم يره أحد فيصفه لنا، وليس لله ند ولا مثيل ولا شبيه حتى نقيسه عليه، فسبحانك وبحمدك، ما عبدناك حق عبادتك. فالعلم بالله جل وعلا مفتاح كل خير، وهو السبيل الأعظم للوصول إلى تلك الخصائص.

стр. 551

دراسة السيرة النبوية ثم بعد ذلك تأتي دراسة السيرة العطرة والأيام النضرة لرسول الله ﷺ ، على أن تكون تلك القبسات مما فيه شمولية كاملة يعرف به المنهج الحق؛ لأن من أخطائنا المعاصرة أن يأتي أحدنا إلى مجتمع مسلم، ثم يريد أن يقيم دعوة سرية في مجتمع مسلم، فإذا ناقشته قال: إن النبي ﷺ اجتمع هو وفلان وفلان، وعد خيار الأكابر من الصحابة في دار الأرقم ابن أبي الأرقم. فيقال له: ألا تعلم أن الدعوة مرت بمرحلة سرية وجهرية ومرحلة هجرة؟ وهذا أمر فيه ذهول عن حقيقة السنة والسيرة بحق، فهذا الأمر صنعه النبي ﷺ في مجتمع كافر من صناديد قريش لا يؤمن بالله ولا برسوله، وأما أنت فتحيا في مجتمع يؤمن بالله ورسوله، فلا سبيل أبداً إلى تطبيق مثل هذا الأمر، وإنما دعوة الأنبياء واضحة ظاهرة تقال في الملأ كما تقال في الخلاء، قال الله جل وعلا حكاية عن كليمه موسى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٩] أي: ائت بالناس، فأنا لا أملك شيئاً أخفيه فتعال في ضحى النهار، أو في رابعة النهار، وادع من شئت، ابعث البعوث لتدعو الناس؛ لأنني لا يوجد شيء عندي أخفيه، فأنا أبلغ. فهذا هو لسان حال موسى ومقاله؛ فالمقصود من هذا أنه يجب أن نقرأ السيرة النبوية قراءة صحيحة في قضية الاستشهاد بها حتى نكون على بينة من أمرنا.

стр. 552

ذكر اليوم الآخر وأهواله الأمر الثالث من الوسائل: أن يذكر الإنسان معاده، وأنه صائر إلى ربه لا محالة ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فالناس يخرجون من القبور أول الأمر مضطربين، يحوم بعضهم حول بعض لا يدرون أين يذهبون، كما قال الله: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤] فيسمعون صوت إسرافيل يدعوهم إلى أرض المحشر، فينتظم سلكهم، قال الله جل وعلا: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] ولا يوجد بعث قبل هذا ولا يوجد بعث بعده، قال الله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]، فيحشر الناس حفاة عراة أحوج ما يكونون إلى الكسوة، ويحشر الناس عطاشاً أحوج ما يكونون إلى الماء، وتدنو منهم الشمس فيكونون أحوج ما يكونون إلى الظل، والموفق من جمع الله جل وعلا له هذه الثلاث، فكساه يوم الحشر، وسقاه من حوض محمد ﷺ ، وأظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعها لي ولكم أجمعين. فهذه الثلاث يتذكرها المؤمن في غدوه ورواحه، فهي من أعظم ما يعينه على تحقيق المراد، والوصول إلى الغايات العظمى؛ لأن الغاية العظمى أن يقدم الإنسان لحياته الحقيقة، فقد أخبر الله ﵎ عن أهل الضلال بأنهم يتعذر عليهم ذلك فيقول كل منهم: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤].

стр. 553

المعنى البلاغي في (لو) و (لولا) ليتذكر المرء أن هناك (لو) وهناك (لولا)، و (لو) عند النحويين حرف امتناع لامتناع، و (لولا) حرف امتناع لوجود، فلو أن أحد الإخوة لم يستطع الحضور إلى مكان ما فإنه يقول: لو كان زيد موجوداً لأتيت، فانتفى إتيانه لانتفاء وجود زيد، وأما (لولا) فتكون حرف امتناع لوجود. وللفظتين تطبيق في القرآن، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يُري الله أهل الجنة مقاعدهم في النار التي نجاهم منها، ويُري أهل النار مقاعدهم في الجنة التي حُرموا منها بسبب كفرهم، فيقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] أي: لولا وجود رحمة الله لكنا من أهل النار، وأما أهل الضلالة فيقول كل منهم كما قال الله: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] فامتنعت عنهم الهداية، فامتنع أن يكونوا من أهل التقوى، وامتنعت رحمة الله عنهم فامتنع أن يكونوا من أهل الجنة في تلك المقاعد التي يرونها. وإذا كان المؤمن موفقاً مسدداً فإنه يجعل هذه الأمور بين يديه يؤمل أن يصل إلى حياة أسعد، على أن خاتمة المطاف أن يقال: إنه لا يعمر القلب شيء أعظم من ذكر الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ومن استأنس بالله استوحش من خلقه، واللبيب العاقل من يجعل له خلوات -إما سجدات في فلق الأسحار أو غيرها- يذكر ربه ﵎ فيها، سواء أكان في ملأ من الناس أم كان في خلوة لوحده؛ فإن ذكر الله حياة الضمائر وأنس السرائر وأقوى الذخائر، أمر الله به نبيه وحث الله جل وعلا عليه عباده، من وفق له وفق لخير عظيم. هذا ما تيسر إيراده وأعان الله على قوله، سائلين الله جل وعلا أن يعفو عن الزلل، وأن يجبر الكسر والخلل، إن ربي لسميع الدعاء، وصلى الله على محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 554

وقفات مع سورة الزخرف سورة الزخرف هي إحدى السور المكية، وهي من السور التي تسمى بالحواميم، وسميت بسورة الزخرف لورود كلمة الزخرف فيها. وتسمى سورة الزخرف مع بقية الحواميم: بديباج القرآن؛ وذلك لأنها لا تتضمن أحكاماً، وهي سورة مسوقة لبيان حقارة الدنيا وتفاهتها.

стр. 555

التعريف بالسورة وسبب تسميتها بسورة الزخرف الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. حياكم الله في هذا الدرس العلمي الذي عنوانه: (وقفات علمية مع سورة الزخرف). الملقي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذه وقفات علمية مع بعض الآيات من سورة الزخرف، المقصود منها: الإثراء العلمي من هذه الآيات المباركات. الوقفة الأولى: وتعنى بالتعريف بالسورة الكريمة، وسبب تسميتها بـ (سورة الزخرف)؟ الشيخ: الحمد لله. سورة الزخرف سورة مكية، وهي ضمن سياق سبع سور متتابعات تسمى هذه السور المتتابعات بسور (آل حم)، كما تسمى بديباج القرآن، وتبدأ بغافر وتنتهي بالأحقاف، وكلهن مبدوءات بقول الله جل وعلا: (حم)، وسميت (ديباج القرآن)؛ لأنها لم تتضمن أحكاماً، وكلهن سور مكية. وبعض أهل الفضل يسميها: الحواميم، والأفضل أن يقال: سور (آل حم). وسميت بسورة (الزخرف)؛ لورود كلمة الزخرف فيها، وكلمة (الزخرف) وردت في هذه السورة لبيان حقارة الدنيا، وقد ردت كلمة الزخرف في القرآن قبل سورة الزخرف ثلاث مرات في ثلاثة مواضع: قال الله جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وقال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه في سورة يونس: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس:٢٤]، وقال ﵎ في الإسراء: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء:٩٣] فوردت كلمة (زخرف) في الإسراء وفي يونس وفي الأنعام، ووردت في هذه السورة المباركة، وبها سميت سورة الزخرف. ومعنى الزخرف في اللغة: كمال الزينة مع الحسن، وإذا قيل (شيء مزخرف) أي: شيء مزين.

стр. 556

وقفة مع قوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)

стр. 557

الرد على المعتزلة في زعمهم أن القرآن مخلوق الوقفة الثانية: مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣]. وسيتم التفصيل حول معنى الفعل (جعل) في القرآن؟ وأنتم تسمعون بالمعتزلة، وهي فرقة تنسب إلى الإسلام، وتقوم على بنود خمسة، وهي معتقدات خمسة عندهم. ولا ينفع يا بني أن تقول: المعتزلة ضلال، المعتزلة بعيدون، فأقول: نعم؛ المعتزلة ضلال بعيدون، لكن لن تستطيع أن تدافع عن رأي حتى تتصف بصفتين: تقتنع به، وتفهمه، فلا بد أن تفهم ما تدافع عنه، ولا بد أن تكون مقتنعاً به، فليس كل ما فهمته اقتنعت به، فقد تفهم السورة جيداً لكنك لا تقتنع بها، وقد تفهم المثال جيداً لكنه غير مقنع، فحتى تكون مقتنعاً في دفاعك عن أهل السنة سلك الله بنا وبك في سبيلهم، والرد على المعتزلة لابد من أمرين: اقتناعك بمذهبك وبطريقة أهل السنة، مع فهمك لأقوالهم، وفهمك لأقوال معارضيهم حتى تتمكن. فالمعتزلة فرقة تقوم على خمسة أشياء بالأكثر: على التوحيد، وهم يسمونه التوحيد، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين، ومن ضمن ما قالته المعتزلة: إن القرآن مخلوق، وهذا من أعظم خلافهم مع أهل السنة فقد زعموا أن القرآن مخلوق، ولهم أدلة منها: أن الله قال في الزخرف: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:١ - ٣]، فقالوا: أنتم تكابرون، فالله يقول: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، ومعنى ذلك: خلق الظلمات والنور. والله جل وعلا يقول: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]، ويقول في آية أخرى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، أي: خلق منها زوجها، فيقولون في مخاطبتهم لنا: علامَ الكبر؟ الله يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، (وجعل) بمعنى: خلق، فلماذا تكابرون وتقولون: إن القرآن غير مخلوق؟ فهذا هو الإشكال. وقبل أن نتكلم عن الفعل (جعل) نأتي بنظائر حتى لا تصبح المسألة مسألة عاطفة. فهناك أفعال وكلمات في اللغة لا يظهر معناها إلا من سياق الجملة، بمعنى: أنها في كل سياق لها معنى، ومثال ذلك: أنك أنت قد تكون واقفاً وزميلك يستعجل بك ويقول: هيا نذهب، هيا الموعد فات، فأنت تقول له: أنظرني؟ ومعنى أنظرني: أمهلني، فقد جاء ذكرها في القرآن: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، أي: أمهلونا، وانتظرونا، حتى نصل إليكم فنأخذ منكم نوراً. وقد يأتيك رجل وأنت عندك ابنة فيقول لك: أريد أن أخطب ابنتك منك، فقلت له: سأنظر في الأمر، أي: أفكر فيه، إذاً: (نظر) الأولى غير (نظر) الثانية، مع أن الفعل واحد وهو: نظر، لكن قولك: نظرت في الأمر عندما تعدت بحرف جر غير (نظر) بمعنى من غير تعدٍ (لازم)، فأصبحت بمعنى: أمهلني، وهنا أصبحت بمعنى: أتفكر وأتدبر، قال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] يعني: يتدبرون. نأخذ مثالاً آخر: تقول للرجل: إلامَ تنظر؟ فيقول لك: أنظر إلى تلك الكتابة المعلقة، فهو يقصد النظر بالعين الباصرة الحقيقية، وتقول: نظرت إليك، أي: أبصرتك، والفعل هو نفسه. والله جل وعلا يقول: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣]، ومعنى (استويتم عليه) أي: ركبتم وعلوتم، ويقول وهو أصدق القائلين في القرآن: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤]، هل في أحد عاقل يقول: ولما بلغ أشده وركب، فمعنى استوى: كَمُل ونضج. ويقول جل وعلا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩]، وهنا ليست بمعنى: علا، وليست بمعنى كمل، وإنما بمعنى: انصرف إلى وقصد، فتعددت المعاني والفعل واحد وهو: استوى، لكن من السياق عرفنا أن له عدة معانٍ.

стр. 558

استخدامات الفعل (جعل) في القرآن والآن نعود إلى الفعل (جعل) وننظر استخدامه في القرآن حتى نحكم عليه. فنقول: إذا تأملنا الفعل (جعل) في القرآن وجدنا له أحوالاً ثلاثة تقريباً، فيأتي بمعنى: خلق، وهذا إذا تعدى الفعل (جعل) إلى مفعول به واحد، قال ربنا: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] والمفعول: (زوج)، وقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] المفعول: الظلمات، فإذا جاء الفعل (جعل) متعدياً إلى مفعول به واحد يصبح بمعنى: خلق. وقد يتعدى إلى أكثر من مفعول، فإذا تعدى إلى أكثر من مفعول لا يلزم أن يصبح (جعل) بمعنى خلق، وإنما يصبح بمعنى يدل عليه السياق، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩]، أي: أن المشركين زعموا أن الملائكة إناثاً، ثم قالوا: إنهم بنات الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فمن المستحيل أن يفهم أحد المعنى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] أن معناها: أن القرشيين خلقوا الملائكة، ولا القرشيون أرادوا هذا، لكن معنى (جعلوا) هنا: سموا، والدليل: أن القرآن يفسر بعضه بعضاً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [النجم:٢٧]، وهو قولهم: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩]. والله جل وعلا يقول على لسان أهل الإشراك في ردهم على نبينا ﷺ لما جاء بالتوحيد، قالوا كما قال الله في سورة ص: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، فلا يمكن أن يفهم أن معنى قول قريش كما حكى الله في كتابه: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] أن قريش تقول: إن محمداً ﷺ خلق الآية وخلق ربه، فهذا لا يقول به أحد، وإنما (جعل) هنا: ليس بمعنى خلق، وإنما بمعنى: صير واتخذ. نعود الآن نطبق على الآية التي بين أيدينا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، (عربياً) صفة تابعة، والتابع يأخذ حكم المتبوع، فلا علاقة لنا بها، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ [الزخرف:٣] فالضمير (الهاء) مفعول أول، وقرآناً مفعول ثانٍ، أي: صيرناه قرآناً عربياً، فهنا ليس بمعنى خلق، إنما بمعنى: صير، وكونه مصير لا يعني أنه مخلوق، هذا بحسب حاله من قبل، فنرجع إلى بقية القرآن، فقد قال عن القرآن: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وقال: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢]. ففهمنا: أن القرآن منزل غير مخلوق، فبهذا يرد على قول المعتزلة: إن (جعل) بمعنى: خلق، فكلمة (جعل) إذا تعدت إلى مفعول واحد صارت بمعنى: خلق، وإذا تعدت إلى مفعولين ننظر في السياق، فأحياناً تكون بمعنى سمى، وأحياناً تكون بمعنى: صير واتخذ، ثم يكون ذلك المصير والمتخذ، بحسب حاله من قبل، ومحكم القرآن يثبت: أن القرآن منزل غير مخلوق. ومن الأدلة الأخرى أن الله جل وعلا من صفاته: أنه يتكلم متى شاء بما شاء إذا شاء، والكلام صفة من صفاته، والكلام في الذات كالكلام في الصفات، والكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أن لله ذاتاً ليست كذات غيره، فله جل وعلا صفات تليق بجلاله وعظمته ليست كصفات غيره، وهو جل وعلا يتكلم بما شاء، فالكلام صفة من صفاته، والقرآن من كلامه، قال جل وعلا: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، الله يقول: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فسمى القرآن كلامه، ولا محيد عن كلام ربنا، وأهل الأصول يقولون: والاجتهاد في محل النص كتارك العين لأجل القص

стр. 559

قصة في الصبر على طلب العلم وثمرة ذلك والعلم سهل، فلا يصيبك شيء من اليأس، فإن العلم يحتاج إلى صبر، أعطيك فائدة في قضية الصبر: أنتم تعرفون أبا حنيفة رحمة الله تعالى عليه إمام عظيم، وقد كان أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة يتيماً، واسمه يعقوب: وأمه كانت تقول له: يا أبا يوسف! فالظاهر أنه مكنى وهو صغير، وقد كان يتيماً تذهب به أمه عند حائك، أي: خياط ثياب، تريد أن يتعلم منه، فيعطيه دانقاً، والدانق لا يذكر في ذلك الزمان هو مثل القروش الآن، فكان يعطى دانقاً في اليوم، وكأنه جلس عند أبي حنيفة مرة أو مرتين فتوسم فيه الذكاء، فصار يأخذه من الحائك ويضعه في الحلقة، فحدث خصام بين أم أبي يوسف وبين أبي حنيفة، فجاءت أمام الناس تقول: أنت من ضيع ولدي وسبته، فقال أبو حنيفة -ومن مثل أبي حنيفة في الفراسة-: اذهبي عني يا رعناء! إن ابنك سيأكل الفالوذج بدهن الفستق، والفالوذج نوع من الحلوى، وهو في ذلك الزمن لا يوجد إلا عند الأثرياء، وأما الفالوذج بدهن الفستق فلا يوجد إلا في بيوت الخليفة مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً بالسنة فهو لا يوجد ولا أحد يراه، فقالت: والله إنك شيخ خرف، فهي لا ترى أمامه إلا ولداً ضعيفاً يتيماً، فمات أبو حنيفة وماتت الأم، وصار أبو يوسف قاضي القضاة، فقال يحكي ذلك: والله! لقد جلست مع الرشيد أمير المؤمنين على مائدته، فجيء بطعام لا أعرفه، فقربه الرشيد مني وقال: يا أبا يوسف كل، قلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: هذا لا يصنع عندنا إلا قليلاً كل منه، هذا فالوذج بدهن الفستق، قال: فضحكت، فتعجب الخليفة وقال: ما يضحكك؟ قال: خيراً يا أمير المؤمنين! وأخبره بالقصة. فقال هارون الرشيد رحمة الله تعالى عليه: لقد كان أبو حنيفة يرى بعيني عقله ما لا يراه غيره بعيني رأسه. فكل مجد تريده لابد فيه مع التقوى إلى الصبر، والله أعلم. الملقي: الوقفة الثالثة: مع قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤]، وستعنى هذه الوقفة بالمعنى اللغوي لكلمة (أم) مع بيان الآية إجمالاً. الشيخ: الله يقول: (وإنه) الضمير عائد على القرآن، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤]، أم الكتاب: هو اللوح المحفوظ، وفيه أقدار بيد الملائكة، مكتوبة بيد الملائكة، وبعض أهل العلم يقول: إن ما في أم الكتاب لا يقبل التبديل، وهذا حق، فالذي في أم الكتاب (اللوح المحفوظ) لا يقبل التبديل، وأما المكتوب بيد الملائكة فربما أصابه بعض التبديل، وهذا له شواهد، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد:٣٩] فيما بين يدي الملائكة، ﴿وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] أي: اللوح المحفوظ.

стр. 560

معاني لفظة (أم) في اللغة والقرآن معنى قول الله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤] نبدأ باللغويات: (الأم) في اللغة: إزاء الأب، وتطلق في حقيقتها على الوالدة التي ولدت، ثم انتقل إلى إطلاقها على أكثر من ذلك، فتطلق على الوالدة القريبة وهي أمك مباشرة، وعلى الوالدة البعيدة مثل الجدات، ولهذا يقال عن حواء: أمنا؛ لأنها ولدتنا أجمعين، وإن كانت ولادة غير مباشرة. وبعض اللغويين كـ الخليل بن أحمد يقول: إن الأم كل شيء ضم إليه ما حوله، هذا من الناحية اللغوية. وأما كلمة (أم) في القرآن: فوردت على معانٍ عدة، نذكر بعضاً منها: وردت بمعنى (الأم) التي ولدتك، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه:٤٠]، ولا ريب أن أم موسى هي التي ولدته. وورد في القرآن لفظ (الأم) بمعنى أصل الشيء، قال الله ﵎: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] أي: أصل الكتاب. وجاءت بمعنى (المآل)، قال الله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩] أي: منقلبه إلى الهاوية. وجاءت بمعنى (الظئر)، وهي المرضعة، قال الله جل وعلا: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فليست أمك التي ولدتك، وإنما هي المرضعة. وجاءت الأم مقصود بها مكة، قال الله جل وعلا: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى:٧]. وأم الكتاب هي الفاتحة. وأطلق كذلك في القرآن على أمهات المؤمنين اللاتي هن أزواج نبينا ﷺ . هذا معنى كلمة (أم) في اللغة على وجه التوسع؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤]، وللعلماء ﵏ قولان في معنى الآية: قول يقول: معنى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤] أي: أن هذا القرآن منسوخ في اللوح المحفوظ، أي: مكتوب في اللوح المحفوظ، ويدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٧٩]. وقوله جل وعلا: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٥ - ١٦]، هذه شواهد. وقال آخرون: ليس المقصود: أنه منسوخ في اللوح المحفوظ، وإنما المقصود: أن ذكره في اللوح المحفوظ ذكر عليّ وجليل، والمعنى الأول -والعلم عند الله- أقرب إلى الصواب.

стр. 561

وقفة مع قوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحاً) الملقي: الوقفة الرابعة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥]، وسيبين فيها معاني الضرب في القرآن. الشيخ: كلمة الضرب في اللغة تأتي بمعنى النوع والصنف، وتأتي في اللغة بمعنى الرجل الخفيف القليل اللحم، قال طرفة: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونني خشاش كرأس الحية المتوقد وعلمياً: يجوز الاستشهاد بقول طرفة؛ لأنه من العصر الجاهلي، وأما المتنبي: أو أحمد شوقي فلا يجوز الاستشهاد بهما؛ لأنهما بعد زمن الاحتجاج، والاحتجاج تقريباً إلى سنة مائة وعشرين هجرية، فالجاهليون أقوى حجة في شعرهم، فإذا احتجنا إلى شيء نستشهد به فإننا نرجع إلى شعر الجاهلية.

стр. 562

معاني لفظة (ضرب) في القرآن نعود فنقول: هذا في اللغة، وأما في القرآن فقد ورد الضرب على معانٍ منها: السير في الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٠١]، وقال: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠]، وقال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٧٣] أي: سيراً في الأرض. ويأتي الضرب بمعنى (الإيذاء)، ويكون في القرآن على نوعين: ضرب بالسيف، كما في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢]، ويكون بالسوط أو بالشيء اليسير أو باليد، ومنه قوله تعالى في تهذيب النساء: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]. وتأتي (ضرب) في القرآن بمعنى الالتصاق واللزوم، قال الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة:٦١]، وقال الله جل ذكره: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١]. وأما هنا: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف:٥] أي: أفنعرض، والمقصود من الآية: أن القرشيين أسرفوا على أنفسهم في الذنوب وردوا كلام الله وكلام رسوله، فالله جل وعلا يقول لهم: إن إعراضكم ليس مسوغاً في أن نترك إنذاركم. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف:٥]، هذه صفحة العنق، والإنسان إذا أعطى صفحة عنقه لأحد فكأنه أعرض عنه، وإعطاؤك صفحة العنق للناس يكون لأحد سببين: إما كبراً، وهو الأغلب، وإما تغافلاً، وهو الأقل، لكنه يقع، يعني: يكون الشيء موجوداً وأنت تتغافل عنه، لكن العلماء اختلفوا في معنى الذكر هنا على قولين: قال بعضهم: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف:٥] أي: القرآن والمواعظ والذكر، ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن الذكر هنا هو ذكر العذاب، أي: أفنترك عذابكم لكونكم كنتم قوماً مسرفين، وأياً كان المقصود، فإن المعنى من الآية إجمالاً يقارب قول الله جل وعلا: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦].

стр. 563

وقفة مع قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الملقي: الوقفة الخامسة: مع قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢]. الشيخ: الآن تتعلم من الآية -أعاننا الله وإياك- كيفية الرد على المخالف، فالقرية إذا وردت في القرآن فهي بمعنى: المدينة، والله يقول هنا: (وقالوا) أي: القرشيون، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فهم يقولون: إن محمداً نشأ يتيماً فالأولى ألا ينزل القرآن على يتيم، وكانوا يزعمون أنه كان ينبغي أن ينزل القرآن على رجل عظيم من القريتين، وقصدوا بالقريتين مكة والطائف. وقيل: إنهم قصدوا بالرجلين: عروة بن مسعود والوليد بن المغيرة، وأياً كان المقصود من الرجال فهم يقولون: إن محمداً لا يستحق أن يعطى النبوة والرسالة ويختم به الأنبياء، فالله جل وعلا رد عليهم فقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢]، فهذا استفهام إنكاري، ثم قال بعدها: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢]، فالآن هؤلاء القائلون بهذا القول يعترفون بأن الذي يوزع الأرزاق ويقسمها هو الله، فالقرشيون مؤمنون: أن الذي قسم الأرزاق وجعل هذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا حراً وهذا عبداً، وهذا خادماً وهذا مخدوماً، وهذا سيداً وهذا تابعاً، مؤمنون أن الذي يفعل هذا هو الله، ويؤمنون أن الأرزاق من الله، فالله يقول لهم: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢]. فإذا كان الله جل وعلا في مسائل الرزق العادي لم يكلها إليكم، فكيف يكل إليكم تقسيم النبوة! فإعطاء النبوة أعظم من إعطاء الأرزاق، وقسمة النبوة بين الخلق أعظم من قسمة المعيشة، فالله يقول لهم: أنتم مقرون أن الأرزاق إنما قسمها بينكم الله، فكيف يعقل أن تطالبوا بشيء لا يمكن أن تنالوه، فإذا كان الله لم يكل إلى أحد من خلقه أن يقسم أرزاق الناس طعاماً وشراباً وإيواءً وسكنى، فكيف يكل الله إلى غيره أن يقسم النبوة، والنبوة أعظم من أرزاق الناس. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف:٣٢] كما هو ظاهر اختلاف الناس، ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:٣٢] (سُخرياً) هنا بمعنى: الخدمة، مبرأة من الاستهزاء، فالمقصود: أن الله جل وعلا جعل الناس بعضهم لبعض خدماً؛ حتى تقوم الحياة، فكما تحسنه أنت لا يحسنه غيرك، وما يحسنه غيرك لا تحسنه أنت، لكن تأمل قول الله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] نبه بالأدنى على الأعلى، ((لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا))، ثم قال الله: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. واختلف العلماء في معنى الرحمة هنا، والذي أراه -والعلم عند الله- أن المقصود بها: الجنة؛ لأنه لا يظهر الفرق بين رحمة الله وبين ما يجمعون إلا إذا كان شيئاً خالداً وشيئاً غير خالد، والجنة نعيمها خالد بخلاف متاع الدنيا فإنه مهما عظم فهو غير خالد، فيكون معنى قول الله: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢] يعود على الجنة في أظهر أقوال العلماء.

стр. 564

وقفة مع قوله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب) الوقفة السادسة: مع قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، حيث تعنى الوقفة ببيان أحوال النار -أعاذنا الله منها-. الشيخ: النار هي الخزي الأعظم، وما فر هارب من شيء مثل النار، وكل بلاء دون النار فهو عافية، لأن الخزي الأكبر في النار. فهنا الله جل وعلا ينكل بأهل النار قائلاً: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٨] ثم قال الله: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]. فالمقصود من الآية: أن أهل النار عياذاً بالله محرومون حتى من التأسي. والتأسي والتسلي أن يرى الإنسان مصيبة غيره فيتعزى بها عن مصيبته، وهذا من أعظم ما يهون مصائب الدنيا، وأي أحد في الدنيا لديه مصيبة لو أراد أن يرى أحداً أعظم منه لوجد، أو أحداً نظيراً له في مصيبته لوجد، تقول الخنساء وقد فقدت أخاها صخراً: يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره لكل مغيب شمس ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي فمن أعظم ما يخفف المصائب: التأسي، وذلك أن الإنسان يتذكر أن مثل هذه المصيبة تقع في غيره، لكن الله جل وعلا يحرم أهل النار عياذاً بالله من هذا، فلا يجدون تأسية، قال الله: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، مع أن الاشتراك في المصيبة ينفع في الدنيا، لكن عذاب الآخرة -عياذاً بالله- لو اشترك فيه أهل الأرض جميعاً فلا ينفع ذلك فيه، إذاً فالمعنى المقصود من الآية نفي وجود التأسي في أهل النار.

стр. 565

وقفة مع قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك) الملقي: الوقفة الأخيرة: وهي مع قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، حيث تعنى الوقفة بما يلي: أولاً: بيان ضارب المثل. ثانياً: الجمع بين الإفراد والجمع في الآية التي بعدها. ثالثاً: إظهار المعنى الأرجح لقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١]. الشيخ: هذه الآيات نختم بها، وهي هامة جداً في أن تتصورها علمياً، ولا يمكن فهم القرآن بغير السنة، وسورة الزخرف قلنا: إنها سورة مكية، ومن السور المكية سورة مريم، وسورة مريم فيها ثناء على عيسى، وإخبار أن النصارى عبدت عيسى. ومن السور المكية سورة الأنبياء، قال الله في الأنبياء: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وقد كان هناك صراع بين النبي ﷺ والملأ من قريش، فذات مرة كان هناك رجل قرشي اسمه عبد الله بن الزبعرى، وعبد الله هذا أسلم بعد ذلك حتى لا أحد يقع فيه، لكنه قبل إسلامه كان بليغاً فصيحاً ورجلاً ذا جدل، فجلس مع المكيين، فالمكيون يقولون: إن محمداً ﷺ يقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، فقال لقريش: للوليد وأبي جهل: فسكتم؟ قالوا: سكتنا، قال: أما تعرفون كيف تردون؟ قالوا: كيف نرد؟! قال: ألم يثن محمد على عيسى؟ قالوا: نعم، فقال: إن محمداً يقول: إن الآلهة ومن يعبدها في النار، ونحن نرضى أن نكون مع آلهتنا في النار إذا كان عيسى مع من يعبده في النار، فيكفينا فخراً أن نكون نحن وآلهتنا والنصارى وعيسى في النار، وكلام محمد متناقض؛ لأنه يقول لكم: إن عيسى نبي ومرسل ومصدق، ويقول في نفس الوقت: إن عيسى في النار. ففرح القرشيون بكلامه وضجوا. والآية فيها قراءتان: قال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] (يصِدون) -بالكسر- و (يصُدون) بالضم، معناه: يضجون بالحديث، فإذا قلنا: إن الآية في قراءة (يصدون) أصبحت منه، أي: بسببه، وإذا قلنا: يصدون بالكسر، تصبح منه هنا: أي عنه، أي: يعرضون عنه. فلما قال النبي ﷺ ذلك وفرح القرشيون، أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، مع أنه ليس لـ عبد الله بن الزبعرى حجة فيما قال؛ لأن الآية تتكلم عن غير العاقل: (إنكم وما تعبدون). يقول الله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف:٥٧] الذي ضرب المثل هو عبد الله بن الزبعرى السهمي، وضرب المثل بعيسى، قال الله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] أي: يعرضون عنك، وقالوا في مثلهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف:٥٨] يعني: نقبل أن تكون آلهتنا مثل عيسى في الحال، قال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]؛ لأن أمرهم هذا لا يقوم على حجة؛ لأن (ما) في قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء:٩٨] تدل على غير العاقل.
следующие страницы →