← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقفة مع قوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحاً) الملقي: الوقفة الرابعة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥]، وسيبين فيها معاني الضرب في القرآن. الشيخ: كلمة الضرب في اللغة تأتي بمعنى النوع والصنف، وتأتي في اللغة بمعنى الرجل الخفيف القليل اللحم، قال طرفة: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونني خشاش كرأس الحية المتوقد وعلمياً: يجوز الاستشهاد بقول طرفة؛ لأنه من العصر الجاهلي، وأما المتنبي: أو أحمد شوقي فلا يجوز الاستشهاد بهما؛ لأنهما بعد زمن الاحتجاج، والاحتجاج تقريباً إلى سنة مائة وعشرين هجرية، فالجاهليون أقوى حجة في شعرهم، فإذا احتجنا إلى شيء نستشهد به فإننا نرجع إلى شعر الجاهلية.

стр. 562

معاني لفظة (ضرب) في القرآن نعود فنقول: هذا في اللغة، وأما في القرآن فقد ورد الضرب على معانٍ منها: السير في الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٠١]، وقال: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠]، وقال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٧٣] أي: سيراً في الأرض. ويأتي الضرب بمعنى (الإيذاء)، ويكون في القرآن على نوعين: ضرب بالسيف، كما في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢]، ويكون بالسوط أو بالشيء اليسير أو باليد، ومنه قوله تعالى في تهذيب النساء: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]. وتأتي (ضرب) في القرآن بمعنى الالتصاق واللزوم، قال الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة:٦١]، وقال الله جل ذكره: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١]. وأما هنا: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف:٥] أي: أفنعرض، والمقصود من الآية: أن القرشيين أسرفوا على أنفسهم في الذنوب وردوا كلام الله وكلام رسوله، فالله جل وعلا يقول لهم: إن إعراضكم ليس مسوغاً في أن نترك إنذاركم. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف:٥]، هذه صفحة العنق، والإنسان إذا أعطى صفحة عنقه لأحد فكأنه أعرض عنه، وإعطاؤك صفحة العنق للناس يكون لأحد سببين: إما كبراً، وهو الأغلب، وإما تغافلاً، وهو الأقل، لكنه يقع، يعني: يكون الشيء موجوداً وأنت تتغافل عنه، لكن العلماء اختلفوا في معنى الذكر هنا على قولين: قال بعضهم: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف:٥] أي: القرآن والمواعظ والذكر، ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن الذكر هنا هو ذكر العذاب، أي: أفنترك عذابكم لكونكم كنتم قوماً مسرفين، وأياً كان المقصود، فإن المعنى من الآية إجمالاً يقارب قول الله جل وعلا: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦].

стр. 563

وقفة مع قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الملقي: الوقفة الخامسة: مع قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢]. الشيخ: الآن تتعلم من الآية -أعاننا الله وإياك- كيفية الرد على المخالف، فالقرية إذا وردت في القرآن فهي بمعنى: المدينة، والله يقول هنا: (وقالوا) أي: القرشيون، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فهم يقولون: إن محمداً نشأ يتيماً فالأولى ألا ينزل القرآن على يتيم، وكانوا يزعمون أنه كان ينبغي أن ينزل القرآن على رجل عظيم من القريتين، وقصدوا بالقريتين مكة والطائف. وقيل: إنهم قصدوا بالرجلين: عروة بن مسعود والوليد بن المغيرة، وأياً كان المقصود من الرجال فهم يقولون: إن محمداً لا يستحق أن يعطى النبوة والرسالة ويختم به الأنبياء، فالله جل وعلا رد عليهم فقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢]، فهذا استفهام إنكاري، ثم قال بعدها: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢]، فالآن هؤلاء القائلون بهذا القول يعترفون بأن الذي يوزع الأرزاق ويقسمها هو الله، فالقرشيون مؤمنون: أن الذي قسم الأرزاق وجعل هذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا حراً وهذا عبداً، وهذا خادماً وهذا مخدوماً، وهذا سيداً وهذا تابعاً، مؤمنون أن الذي يفعل هذا هو الله، ويؤمنون أن الأرزاق من الله، فالله يقول لهم: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢]. فإذا كان الله جل وعلا في مسائل الرزق العادي لم يكلها إليكم، فكيف يكل إليكم تقسيم النبوة! فإعطاء النبوة أعظم من إعطاء الأرزاق، وقسمة النبوة بين الخلق أعظم من قسمة المعيشة، فالله يقول لهم: أنتم مقرون أن الأرزاق إنما قسمها بينكم الله، فكيف يعقل أن تطالبوا بشيء لا يمكن أن تنالوه، فإذا كان الله لم يكل إلى أحد من خلقه أن يقسم أرزاق الناس طعاماً وشراباً وإيواءً وسكنى، فكيف يكل الله إلى غيره أن يقسم النبوة، والنبوة أعظم من أرزاق الناس. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف:٣٢] كما هو ظاهر اختلاف الناس، ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:٣٢] (سُخرياً) هنا بمعنى: الخدمة، مبرأة من الاستهزاء، فالمقصود: أن الله جل وعلا جعل الناس بعضهم لبعض خدماً؛ حتى تقوم الحياة، فكما تحسنه أنت لا يحسنه غيرك، وما يحسنه غيرك لا تحسنه أنت، لكن تأمل قول الله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] نبه بالأدنى على الأعلى، ((لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا))، ثم قال الله: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. واختلف العلماء في معنى الرحمة هنا، والذي أراه -والعلم عند الله- أن المقصود بها: الجنة؛ لأنه لا يظهر الفرق بين رحمة الله وبين ما يجمعون إلا إذا كان شيئاً خالداً وشيئاً غير خالد، والجنة نعيمها خالد بخلاف متاع الدنيا فإنه مهما عظم فهو غير خالد، فيكون معنى قول الله: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢] يعود على الجنة في أظهر أقوال العلماء.

стр. 564

وقفة مع قوله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب) الوقفة السادسة: مع قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، حيث تعنى الوقفة ببيان أحوال النار -أعاذنا الله منها-. الشيخ: النار هي الخزي الأعظم، وما فر هارب من شيء مثل النار، وكل بلاء دون النار فهو عافية، لأن الخزي الأكبر في النار. فهنا الله جل وعلا ينكل بأهل النار قائلاً: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٨] ثم قال الله: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]. فالمقصود من الآية: أن أهل النار عياذاً بالله محرومون حتى من التأسي. والتأسي والتسلي أن يرى الإنسان مصيبة غيره فيتعزى بها عن مصيبته، وهذا من أعظم ما يهون مصائب الدنيا، وأي أحد في الدنيا لديه مصيبة لو أراد أن يرى أحداً أعظم منه لوجد، أو أحداً نظيراً له في مصيبته لوجد، تقول الخنساء وقد فقدت أخاها صخراً: يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره لكل مغيب شمس ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي فمن أعظم ما يخفف المصائب: التأسي، وذلك أن الإنسان يتذكر أن مثل هذه المصيبة تقع في غيره، لكن الله جل وعلا يحرم أهل النار عياذاً بالله من هذا، فلا يجدون تأسية، قال الله: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، مع أن الاشتراك في المصيبة ينفع في الدنيا، لكن عذاب الآخرة -عياذاً بالله- لو اشترك فيه أهل الأرض جميعاً فلا ينفع ذلك فيه، إذاً فالمعنى المقصود من الآية نفي وجود التأسي في أهل النار.

стр. 565

وقفة مع قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك) الملقي: الوقفة الأخيرة: وهي مع قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، حيث تعنى الوقفة بما يلي: أولاً: بيان ضارب المثل. ثانياً: الجمع بين الإفراد والجمع في الآية التي بعدها. ثالثاً: إظهار المعنى الأرجح لقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١]. الشيخ: هذه الآيات نختم بها، وهي هامة جداً في أن تتصورها علمياً، ولا يمكن فهم القرآن بغير السنة، وسورة الزخرف قلنا: إنها سورة مكية، ومن السور المكية سورة مريم، وسورة مريم فيها ثناء على عيسى، وإخبار أن النصارى عبدت عيسى. ومن السور المكية سورة الأنبياء، قال الله في الأنبياء: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وقد كان هناك صراع بين النبي ﷺ والملأ من قريش، فذات مرة كان هناك رجل قرشي اسمه عبد الله بن الزبعرى، وعبد الله هذا أسلم بعد ذلك حتى لا أحد يقع فيه، لكنه قبل إسلامه كان بليغاً فصيحاً ورجلاً ذا جدل، فجلس مع المكيين، فالمكيون يقولون: إن محمداً ﷺ يقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، فقال لقريش: للوليد وأبي جهل: فسكتم؟ قالوا: سكتنا، قال: أما تعرفون كيف تردون؟ قالوا: كيف نرد؟! قال: ألم يثن محمد على عيسى؟ قالوا: نعم، فقال: إن محمداً يقول: إن الآلهة ومن يعبدها في النار، ونحن نرضى أن نكون مع آلهتنا في النار إذا كان عيسى مع من يعبده في النار، فيكفينا فخراً أن نكون نحن وآلهتنا والنصارى وعيسى في النار، وكلام محمد متناقض؛ لأنه يقول لكم: إن عيسى نبي ومرسل ومصدق، ويقول في نفس الوقت: إن عيسى في النار. ففرح القرشيون بكلامه وضجوا. والآية فيها قراءتان: قال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] (يصِدون) -بالكسر- و (يصُدون) بالضم، معناه: يضجون بالحديث، فإذا قلنا: إن الآية في قراءة (يصدون) أصبحت منه، أي: بسببه، وإذا قلنا: يصدون بالكسر، تصبح منه هنا: أي عنه، أي: يعرضون عنه. فلما قال النبي ﷺ ذلك وفرح القرشيون، أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، مع أنه ليس لـ عبد الله بن الزبعرى حجة فيما قال؛ لأن الآية تتكلم عن غير العاقل: (إنكم وما تعبدون). يقول الله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف:٥٧] الذي ضرب المثل هو عبد الله بن الزبعرى السهمي، وضرب المثل بعيسى، قال الله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] أي: يعرضون عنك، وقالوا في مثلهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف:٥٨] يعني: نقبل أن تكون آلهتنا مثل عيسى في الحال، قال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]؛ لأن أمرهم هذا لا يقوم على حجة؛ لأن (ما) في قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء:٩٨] تدل على غير العاقل.

стр. 566

إشكال وجوابه لكن يبقى إشكال وهو: أن الله قال: (ما ضربوه) بواو الجماعة، ونحن قلنا: إن الذي ضرب المثال رجل واحد وهو عبد الله بن الزبعرى، والجمع أن يقال: هناك أمران: الأمر الأول: أن العرب جرى في كلامها أنها تطلق الفرد وتريد الجماعة، وتطلق الجماعة وتريد الفرد، قال قائلهم: فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد ومعنى البيت: أنه كان هناك رجل اسمه ورقاء بن جهير، فجاء رجل اسمه خالد فقتل: جهيراً والد ورقاء، فغضبت قبيلته بنو عبس، فجاء ورقاء ينتقم لأبيه، وأخذ السيف وهو رجل واحد، وأراد أن يضرب خالداً لكن السيف نبا، أي: أخطأ ولم يصب، والعرب تقول: لكل سيف نبوة، ولكل عالم هفوة، ولكل صديق جفوة، ولكل جواد كبوة. فالجواد إذا عثر يقال: كبا، والصديق إذا بعد يقال: جفا، والسيف إذا لم يصب يقال: نبا، والعالم إذا أخطأ يقال: هفا، ولا يسلم أحد من ذلك. الشاهد: أن الشاعر يريد أن يسخر من بني عبس، فجمع ما بين الأمرين اللذين نريد إثباتهما في القصة، فقال: فسيف بني عبس وقد ضربوا به فتكلم عن الجماعة ثم أفرد فقال: بيدي ورقاء، وورقاء رجل واحد. فهذا من الأدلة على أن العرب تذكر الجمع وتريد به الإفراد. والأمر الثاني: أن الإنسان إذا أيد قولاً فإنه يصبح كالمشارك فيه، فالجاهليون فرحوا بقول عبد الله بن الزبعرى فكانوا شركاء معه، قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس:١٢]، وقال: (فعقروها) فذكر فرداً، وذكر جماعة؛ لأنهم كانوا راضين عن صنيع من عقر الناقة، فالذي ضرب المثل هو عبد الله بن الزبعرى. قال الله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٥٨]، ثم قال الله بعد هذه بآيتين: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، وفي قراءة: (وإنه لَعَلَم للساعة). والأولى هي المشهورة عندنا. ﴿وَإِنَّهُ﴾ [الزخرف:٦١] الضمير في (إنه) يعود على عيسى، هذا أرجح الأقوال، ولا ينبغي أن يقال غيره، وإن كان بعض العلماء قد قال بغيره لكنه بعيد جداً، فسنبقيه على عيسى. ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١] يحتمل معنيين: الجمهور على أن معناه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١] أي: وإنه أمارة وعلامة من علامات الساعة، أي: نزول عيسى علامة من علامات الساعة، وهذا تؤيده السنة. وقال آخرون -وهو منسوب لـ مجاهد فيما أظن وغيره لكنه بعيد-: إن المعنى: إن قدرة عيسى على إحياء الموتى دلالة على قدرة الله على إحياء الناس؛ لأن الذي أعطى عيسى القدرة هو الله، لكن هذا القول بعيد، والصواب: أنه أمارة من أمارات الساعة.

стр. 567

الأسئلة

стр. 568

نصيحة في طلب العلم السؤال هذا أحد الإخوة يقول: ما نصيحتكم لي في الطلب؟ الجواب الطلب يحتاج إلى شيء من التعب، لكن إذا كان هناك في الدرس أناس جادون في طلب التفسير فمن هذا اليوم يقتنون كتباً، فيقرءونها كثيراً بشغف، ويحررون منها المسائل، وهي: البرهان في علوم القرآن للزركشي، والمحرر الوجير لـ ابن عطية هذا تفسير، وشرح المعلقات السبع للزوزني، وقدر الإمكان يقرأ في كتاب الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه (أضواء البيان)، وأخمس: بتفسير ابن كثير. فنبدأ بهذه الخمسة لمدة ستة أشهر، وبعد الستة أشهر نتكلم عن مرحلة ثانية في الطلب إن شاء الله تعالى.

стр. 569

تفسير قوله تعالى (ليس لك من الأمر شيء) السؤال أحسن الله إليك يقول: ما تفسير قول الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]؟ الجواب أي أن الأمر كله لله إلا ما أعطاه الله لنبيه، وليس لأحد من الأمر إلا ما أعطاه الله إياه.

стр. 570

نصيحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال يا شيخ كما تعلم أنه سيقام ملتقى بعنوان: (سفينة النجاة) في نهاية هذا الأسبوع يوم الجمعة، ويحتاج الإنسان المستقيم مثل هذه المواضيع، فهل من كلمة توجهوها للشباب في أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمشاهد في هذا الزمان؟ الجواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخفى عليكم أنه شعيرة عظيمة بها قوام الدين، ويحتاج إلى أمور: أولها: القناعة بحاجة الناس إلى هذا. ثانيها: الطريقة المثلى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالحماس وحده لا يكفي، فلابد أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصحوباً بالعلم. والذي فهمته من الشيخ يوسف وفقه الله: أن هناك علماء أفاضل سيشاركون في هذا، فستجدون عندهم إن شاء الله الخير العميم.

стр. 571

صور من حياة الرسول ﷺ لقد كانت حياة النبي ﷺ حياة عظيمة، ومليئة بالحكم والعبر والأحداث فقد أفناها داعياً إلى ربه، وقطع مشوار حياته وهو يوجه الناس إلى الخير وينهاهم عن الشر، فما من خير إلا ودلهم عليه، وما من شر إلا وحذرهم منه. فحري بالعبد المسلم أن يدرس سيرة نبيه؛ حتى يجعل من مراحل حياته ﷺ نبراساً يضيء له طريق الخير في ظلمات الفتن، وينجيه من عظيم شر المحن.

стр. 572

ذكر بعض من أخذ القرآن من فم النبي من أصحابه ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، فهو ﵊ أول ما أنزل عليه الوحي كان يسابق جبريل في أن يأخذ القرآن عنه؛ خوفاً من أن يتفلت القرآن منه، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩] فأصبح ﷺ لا يعالج في القضية مع جبريل.

стр. 573

مذاهب الشيعة في المهدي والشيعة ينقسمون إلى أقسام: فالشيعة الإمامية الاثني عشرية يقولون: إن الإمام المهدي المنتظر هو محمد بن الحسن العسكري، وهو عندهم قد دخل في سرداب في مدينة سر من رأى، وهو الإمام الثاني عشر في مذهبهم، وأما الإسماعيلية فيقولون بأنه غير ذلك؛ لأنهم يفترقون عند إسماعيل هذا. والكيسانية فرقة من فرق الشيعة ظهرت في أيام الأمويين، وكانوا يزعمون أن المهدي هو محمد ابن الحنفية أخو الحسن والحسين غير الشقيق، يقول شاعرهم: ألا إن الأئمة من قريش حماة الدين أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء

стр. 574

مذهب أهل السنة في المهدي والذي عليه أهل السنة أن المهدي رجل من آل بيت رسول الله ﷺ ، وأنه يكون في آخر الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وظاهر النصوص والعلم عند الله يدل على أن الأقصى يحرر قبل خروج المهدي، ثم بعد ذلك تتكالب الأمم على هذه الأمة وقت خروج المهدي، فيصلي المهدي بالناس في المسجد الأقصى، وتقام صلاة العصر، وفي الوقت الذي تقام فيه صلاة العصر قبل أن يتقدم المهدي للإمامة ينزل عيسى ابن مريم ﵇، فإذا طأطأ رأسه يظن من يراه أنه يقطر، وهو لم يخرج من ديماس، والديماس هو المكان الذي يتوضأ فيه، أي: ليس متوضئاً، قال ﷺ : (فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع، يميل إلى الحمرة، يظهر كأن به بلل وإن لم يكن متوضئاً). وعندما ينزل عيسى يتأخر المهدي، فيمتنع عيسى عن التقدم، ويتقدم المهدي ليصلي، وقد قيل في تعليلها والعلم عند الله: أن عيسى في قلبه الإنجيل، وأما المهدي ففي قلبه القرآن، والقرآن مقدم على الإنجيل، ومن هنا تعلم يا حافظ القرآن كله أو بعضه أي علم موجود في صدرك. فيتقدم المهدي فيصلي بالناس، ومع عيسى ابن مريم حربة يقتل بها الدجال، والدجال قد خرج في أيام المهدي، لكن الله جل وعلا يقتله على يد عيسى ابن مريم.

стр. 575

من مواقف عبد الله بن مسعود من مواقفه ﵁ وأرضاه أنه كان في ركب فقابلوا عمر بن الخطاب ﵁، قال لهم: أفيكم عبد الله بن مسعود؟ قالوا: نعم، فأخذ الناس يسألونه ليعلموا هل هو ابن مسعود أم لا، قيل له: أي آية في كتاب الله أرجى؟ قال: قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. قيل له: أي آية في كتاب الله أعدل؟ قال: قول الله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. قيل له: أي آية في كتاب الله أحكم؟ قال: قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، وما زالوا يسألونه وهو يجيب ﵁ وأرضاه. فهذا واحد ممن قال ﷺ فيهم: (خذ القرآن من أربعة). ثانيهم: أبي بن كعب سيد القراء، أي مؤمن على الجبلة يفرح بما يشعر أنه رحمة من الله، الله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] قال ﷺ لـ أبي بن كعب: (إن الله جل وعلا أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة، قال: يا رسول الله! أوقد سماني الله لك؟ قال: نعم)، فانظر يا أخي أي فخر أرفع، وأي مقام أشرف من مثل هذا، أن الله جل وعلا يوصي نبيه ويسمي أبياً باسمه، ويأمر نبيه ﷺ أن يقرأ سورة البينة على هذا الصحابي الجليل، ما نالها إلا لما كان القرآن محتوي على قلبه، ولهذا يعد عند أهل العلم سيد القراء ﵁ وأرضاه.

стр. 576

من خبر معاذ بن جبل ثم قال ﷺ : (خذوا القرآن من معاذ بن جبل)، ومعاذ هذا أدرك النبي ﷺ شاباً وكان كريماً، فاضطر أن يستدين حتى يقضي دينه، حتى حجر عليه، فبعثه النبي ﷺ إلى اليمن هادياً يعلم الناس وجابياً للزكاة حتى يستزيد منها ﵁ وأرضاه، وودعه النبي ﷺ وهو غاد إلى اليمن وقال له: (يا معاذ! لعلك أن تأتي مسجدي وقبري)، وقوله ﵊ هذا إشارة إلى أن معاذاً لن يدرك موت النبي ﷺ في المدينة. وتوفي رسول الله ﷺ ومعاذ ﵁ وأرضاه في اليمن، ثم قدم معاذ المدينة بعد وفاة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فأتى القبر وسلم وبكى كما أخبر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ثم خرج مجاهداً إلى الشام، فأصاب الشام طاعون عمواس، أي: نسبة إلى مدينة اسمها عمواس التي أصابها طاعون، فعرف هذا الطاعون باسم تلك المدينة، وأضيف إليها، وقد مات فيه أبو عبيدة بن الجراح، ثم مات معاذ ﵁ وأرضاه بعد أن ذكر خطبة يبين فيها صبره على البلاء، وثقته برحمة رب الأرض والسماء، وهو قد تجاوز الثلاثين بقليل ﵁ وأرضاه.

стр. 577

من خبر سالم مولى أبي حذيفة وآخر أولئك المباركون سالم مولى أبي حذيفة، وسالم من المهاجرين الأولين، وكان يصلي بالناس في المدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان من أحفظ الصحابة للقرآن، ومات ﵁ وأرضاه شهيداً في اليمامة وقد قطعت يداه، فتلا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]، وقول الله ﵎: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦]، ثم قال: ما فعل أبو حذيفة وما فعل فلان وسمى رجلاً آخر؟ قيل له: استشهد! قال ﵁ وأرضاه: فادفنوني بينهما، فدفن بين صحابيين ﵁ وأرضاه. هذا الخبر عن رسول الله ﷺ ، قال صلوات الله وسلامه عليه: (المهدي مني يوافق اسمه اسمي، يحكم سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً كما ملأت جوراً)، فـ المهدي أحد الرجال المنتظرون تاريخياً، وقد أخبر عنه النبي ﷺ ، فقال عنه: (أقنى الأنف، أجنى الجبهة)، وأجنى الجبهة أي أن شعر الرأس منحسر عن اليمين وعن الشمال، وهذا الرجل يكون في آخر الزمان، واسمه محمد بن عبد الله الحسني عند أهل السنة، وهو من ذرية الحسن بن علي ﵁ وأرضاه، وهو يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويكتب له الإمامة، فيبايع ما بين الركن والمقام.

стр. 578

من خبر ابن مسعود وفضله وفي هذا الخبر النبوي أن هناك أربعة امتازوا أكثر من غيرهم في أخذهم القرآن من النبي ﷺ ، والناظر في هؤلاء الأربعة يعرف شيئاً من الهدي والسمت الذي أخذوه عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قال ﵊: (خذوا القرآن من ابن أم عبد)، وهو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا الصحابي الجليل من هذيل، وقد مات أبوه في الجاهلية وأصبح ينسب إلى أمه، وهو وأمه دخلا في الإسلام، يقول أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه وهو قادم من اليمن: ما كنا نظن عبد الله بن مسعود وأمه إلا من آل بيت رسول الله ﷺ ؛ لكثرة ما يدخلان عليه رضوان الله تعالى عليهما. وعبد الله كان دقيق الساقين، وقد ارتقى ذات يوم شجرة فضحك الصحابة متعجبين من دقة ساقيه، قال صلوات الله وسلامه عليه: (أتعجبون من دقة ساقيه! لهما في الميزان أثقل من جبل أحد)، والميزان أيها المبارك ينصب يوم القيامة، وله كفتان، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ما الذي يوزن؟ وقد اختلف العلماء في الذي سيوزن اختلافاً كثيراً، لكن أرجح الأقوال أنه يوزن العمل، وصاحب العمل، والصحف التي يدون فيها العمل، وكل نشهد له أدلة وقرائن من أقوال رسول الله ﷺ . فهذا الصحابي الجليل يقول: كنت مع النبي ﷺ في غار في منى، ومنى هي الجبال المعروفة التي يتعبد الله فيها في أيام الحج، فكان النبي في غار معه أصحابه، يقول ابن مسعود: فبينما نأخذ القرآن رطباً من فيّ رسول الله ﷺ إذا ابتدرتنا حية، فقطع ﷺ قراءته وقال: (اقتلوها، ففرت إلى جحرها، فقال ﵇: سلمت منكم وسلمتم منها)، ثم أكمل قراءته، وكانت السورة سورة ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١]، إن هذا الموقف أيها المبارك يدلك على شيء عظيم، فتجاوز مسألة الحية ومسألة عبد الله بن مسعود ومسألة جحر الحية، إن النبي عاش ومات ولا يعرف التكلف في حياته، وهذه هي العظمة في حياة العظماء الربانيين حقاً، فلا يتصنعون لأحد، وإنما فطرت قلوبهم للواحد الأحد، فهذا النبي يقرأ القرآن وهو أعظم مخلوق، وحوله أصحابه، فلما رأى عدواً قد خرج وهو الحية قطع تلاوته؛ حتى ينفك وينتهي من عدوه، ولم يغير هذا في هيبته ولا وقاره ولا سكونه ولا خشيته صلوات الله وسلامه عليه، لأنه ﵊ عبد لله بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. إن أعظم ما نبتلى فيه أننا نتزين للخلق، لكن الرسل العظام والأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم كانت قلوبهم لله، فيخرج العمل منهم من غير كلفة، لأنهم يتعبدون الله وحده دون سواه، وتلك منزلة عظيمة ومرتبة جليلة لا يوفق لها إلا الصالحون، جعلني الله وإياكم منهم. هاجر عبد الله بن مسعود إلى المدينة، وفي غزوة بدر ضرب رجلان فتيان من الأنصار أبا جهل فسقط صريعاً دون أن يموت، فجاء عبد الله بن مسعود ليجتز رأس أبي جهل، فقال هذا الطاغية وعبد الله بن مسعود على رأسه: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم. وهنا تفقه أيها المبارك أن بعض الناس عياذاً بالله يقع في قلبه الكبر والطغيان، فحتى أقرب الأشياء لديه لا يراها؛ من كثرة ما جثم على قلبه من الكفر والطغيان، ففرعون وهو فرعون لما رأى الموت قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، وأما أبو جهل فقد رأى الموت ومع ذلك لم يستعطف عبد الله بن مسعود، ولم يقل كلمة يستجر بها الرحمة، وإنما قال يعنف عبد الله: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم! وكل نفس بشرية قد أودعت فجوراً وأودعت تقوىً، يقول الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]، فكل نفس قابلة لأن تتقي وقابلة لأن تفجر، والفضل من الرب ﵎ وحده، فإذا أراد الله بعبد خيراً هيأه لباب التقوى كما هيأ المؤمنين، جعلني الله وإياكم منهم.

стр. 579

الذين ادعوا الألوهية

стр. 580

ادعاء الدجال للألوهية فكل من سبق أيها المبارك ممن ظهروا كانوا يدعون النبوة، وأما الألوهية فادعاها قليل، ادعاها النمرود، وادعاها فرعون، لكن الذين كانوا يعبدون النمرود أو يعبدون فرعون لم يعبدونه قناعة، وإنما عبدوه خوفاً؛ لأنه لا فرعون ولا النمرود معهما قرائن أو أدلة على ذلك، وأما الدجال فالله جل وعلا يعطيه قرائن، فيمر على القرية الخربة -فأي قرية الآن تسكن فيها كنوز من قديم السنين- فإذا آمنت به القرية أمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، ويدعو كنوزها، فتخرج تتبعه كنوزها كيعاسب النحل، ويمر على القوم في رغد من العيش فيدعوهم فلا يتبعونه، فيتركهم ممحلين ليس معهم شيء، فهذه إحدى أموره. ثم إنه يقول للرجل من الأعراب: أرأيت لو أحييت لك أباك أو أمك أكنت متبعني؟ فيقول: نعم، فيستعين بالشياطين فتتمثل الشياطين في صورة أبي الرجل وفي صورة أمه، ثم يقول: هذا أبوك وهذه أمك، فربما اتبعه الرجل. ومعه ماء ونار، يقول ﷺ : (فما ترونه ماء إنما هو نار تلظى، وما ترونه ناراً إنما هو ماء بارد، ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: فمن أدرك شيئاً من هذا فليغمض عينيه ثم ليقتحم ما يراه ناراً؛ فإنه ماء بارد). فأيها المبارك أنخ مطاياك عند قوله ﷺ : (اغمض عينيك)، فالإنسان إذا أراد أن يواجه الحقائق بقوه لا يثبت، لكن ثمة أنواع من العواصف يحتاج أن نطأطئ الرأس حتى نعبر ونمر، وهذا أمر يرزقه العقلاء في كيفية التعامل مع الحوادث والفتن، فهذا نبي الأمة يوصي ويقول: فليغمض عينيه؛ لأنه لو فتح عينيه سيرى ناراً، وإذا رأى ناراً لن يستطيع أن يدخلها حتى ولو كان يملك يقيناً، لكن الحل هنا أن يغمض عينيه ولا يرى الناس فيقتحمها، فإذا اقتحمها سقي ماء بارداً. لكن تنبه أيها المبارك! إلى قوله ﷺ : (مكتوب بين عينيه كفر)، فالله جل وعلا يظهر النقص على كل مخلوق من غير استثناء، فهذا قتادة بن دعامة السدوسي رحمة الله عليه كان يحدث ذات يوم في مجلس، فصار يسرد الأحاديث، ففتن به الطلاب، فقال له أحد الطلاب: يا إمام! أراك حافظاً، قال: والله ما حفظت شيئاً أبداً وضيعته، وهذه كلمة لا تليق لا من قتادة ولا من غيره، لكن الله يظهر النقص على عباده، فقام ﵀ من مجلسه وإذا به يضيع المكان الذي وضع فيه حذاءه، فأظهر الله جل وعلا عليه النقص في الحين الذي امتدح فيه. فالدجال يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، ومعه ماء ونار، وتتبعه الكنوز كيعاسيب النحل، ومكتوب بين عينه كفر يقرؤها كل مؤمن، وإحدى عينيه كأنها عنبه طافية، فرغم كل تلك القدرات الخارقة لا يستطيع أن يذهب الأذى الذي في عينيه، ولا أن يمسح الكتابة التي في جبهته، وهذا سر يبين الله فيه نقص هذا الرجل حتى يعرف المؤمنين أن ربهم كامل، يقول ﷺ : (إن ربكم ليس بأعور)، وقال: (ما من نبي إلا وحذره قومه، وأنتم آخر الأمم وأنا آخر النبيين، وإنه خارج فيكم لا محالة). ثم يأتي عيسى ابن مريم ﵊ فيقتل الدجال، ثم إن عيسى كذلك يعيش ما كتب الله له أن يعيش، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، وهذا كله من أخبار الساعة، ثم بعد ذلك تمر أحداث وأحداث حتى يخرج الخلق، ويكون قيام الخلق لرب العالمين ﷻ .

стр. 581

رحلة الجسد

стр. 582

ذكر من يغسل من الموتى ومن لا يغسل نأخذ خبراً آخر من أخباره ﷺ ، ﵊: ففي أُحد أمر ألا يغسل الشهداء، وقال: (ادفنوهم بدمائهم، ثم قال: أنا شهيد على هؤلاء)؛ لأنهم ﵃ وأرضاهم نصروه، وسنذكر فوائد عن هذا الحدث: أولاً: المنازل عند الله تختلف، يقول الله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]. فالميت الأصل أنه يكرم جسداً وروحاً إذا كان مؤمناً، ولا يكرم لا جسداً ولا روحاً إذا كان كافراً، والجسد له رحلة، والروح لها رحلة، فأما رحلة الجسد فإن أول ما يصنع بالميت أن تغمض عيناه؛ حتى لا تتبع بصره، وهذا الجسد أمر الناس كفاية بأن يغسلوه، واستثنى الله الشهيد كما سيأتي. من يغسل الميت؟ يغسل الميت في المقام الأول وصيه، وهو من وصى الميت أن يغسله، والميت إما أن يكون ذكراً أو يكون أنثى، فإذا كان رجلاً فلا يجوز للنساء أن يغسلوه، وإذا كان أنثى فلا يجوز للرجال أن يغسلوها، إلا حالتين تستثنى من هذا: الحالة الأولى: إذا كان الميت أحد الزوجين، فإن الرجل يجوز له أن يغسل امرأته، والزوجة يجوز لها أن تغسل زوجها. وأبو بكر ﵁ وأرضاه أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس زوجته، وأسماء بنت عميس امرأة صالحة صوامة قوامة، وقد وصى الصديق ﵁ أن تغسله، وأبو بكر ﵁ في سبب موته روايتان لا تعارض بينهما، فرواية تقول: إنه اغتسل في يوم بارد فأصابته الحمى، فمكث خمسة عشر يوماً ثم مات، وكان ذلك يوم الإثنين ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جماد الأولى. والرواية الثانية: أنه قبل عام من موته أكل طعام برفقه الحارث بن كلدة، الحارث بن كلدة هذا هو طبيب العرب، فقال الحارث لـ أبي بكر بعد أن أكلا الطعام: لقد أكلنا أنا وأنت سم سنة كاملة، فمات الحارث وأبو بكر في يوم واحد على الحول تماماً من اليوم الذي أكلا فيها الطعام، وغسلته أسماء بنت عميس. موضع الشاهد: أن أسماء وصى أبو بكر أن تغسله فغسلته. وأنس بن مالك ﵁ وأرضاه أوصى أن يغسله محمد بن سيرين، ومحمد بن سيرين معبر رؤى، وهو أحد التابعين الكبار، فقد جاءه رجل قبل أن يغسل أنس بمدة طويلة فقال له: أيها الإمام! إنني رأيت رؤيا، قال: اقصص علي رؤياك، قال: رأيت فيما يرى النائم أن رجلاً -ولم يسمه- رأى أن ساقه مكشوفة، ونبت شعر على تلك الساق، فما تأويلها؟ فقال محمد بن سيرين على البداهة: هذا رجل يركبه دين، ثم يسجن بسبب الدين، ثم يموت وهو مسجون، قال: انتهيت؟ قال: نعم، قال السائل: رأيتها فيك، أي: في محمد بن سيرين، فركب محمد بن سيرين دين وسجن، وفي الفترة التي كان فيها مسجوناً مات أنس ﵁ وأرضاه وأوصى أن يغسله محمد بن سيرين، فأخرج من السجن وغسل أنساً، ثم عاد إلى السجن ومات وهو في السجن كما وقعت الرؤيا، فصدق الله ذلك الرائي ما رأى. موضع الشاهد من هذا هو إنفاذ الوصية في الغسل، قلنا: رحلة الجسد، ثم بعد ذلك يكفن، ثم يوضع الجسد في قبره، والقبور مساكن الموتى، وهي أول ديار الآخرة، وتراها وهي ظاهرة شيئاً واحداً وبينها في الداخل فرق لا يعلمه إلا الله ﵎، يقول الله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. فهذه أيها المبارك رحلة الجسد، فتحل أربطة الكفن، ويقرب الميت وجهه من الجدار الأمامي للحد المتجه للقبلة، فالنبي ﵊ ذكر الكبائر ثم قال: (واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً) أي: قبلتكم أحياء في الصلاة والدعاء، وقبلتكم أمواتاً في الاحتضار والدفن، فيقرب الميت من جدار القبر الأمامي، ويوضع تراب خلف ظهره؛ حتى لا يسقط. وبعد أن تحل عنه أربطة الكفن توضع لبن؛ حتى لا يأتي التراب عليه مباشرة، فالنبي ﵊ وضع على لحده تسع لبنات، ثم بعد ذلك يحثى التراب. فهذه رحلة الجسد علمياً.

стр. 583

رحلة الروح وأما الروح عندما تخرج فتصعد إلى السماء، وهذه السماء لها أبواب، فتفتح لأقوام وتصد عن أقوام، فكل سماء تتحرج أن تمر عليها روح الكافر، وكل سماء يتمنى أهلها أن تمر عليهم روح المؤمن، ويشيع روح المؤمن من كل سماء مقربوها، وتنادى بأحسن الأسماء حتى تصل إلى العرش، فيقول أحكم الحاكمين: أرجعوها إلى الأرض فإني قد وعدتهم: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥]، فتعود الروح إلى البدن، فروح المؤمن تعود إليه بلطف، وروح الكافر تطرح إليه طرحاً، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، ثم تلتصق الروح بالبدن لتكون مستعدة لسؤال الملكين وما يعقب ذلك من أمور. ونعود لقضية الشهداء، فالشهداء في هذا الخضم أرفع الناس مقاماً، إن إنساناً يرى الموت عياناً ثم لا يتأخر من أجل إعلاء كلمة الله فإنه لا يحتاج إلى أن يشفع له أحد، فالشهيد شافع وليس مشفوعاً فيه، وقد وقاه الله جل وعلا فتنة القبر، قال ﷺ : (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة)، فإذا أدخل القبر فإنه لا يسأل ولا يختبر ولا يفتتن، ولا حاجة أن يصلى عليه فيدع الناس له؛ لأنه شافع غير مشفوع فيه، ولا يمنع ذلك من الدعاء له، لكن أن يكون هذا لزاماً كما يكون في حق غيره فلا. فالنبي ﷺ وقف على سبعين قد ضرجوا بمائهم منهم عمه حمزة ﵁ وأرضاه، فلما رأى حمزة مضرجاً بدمائه قد مثل به بكى صلوات الله وسلامه عليه، وكان ﵊ يحب عمه حمزة حباً جماً، وكنية حمزة أبو عمارة ﵁ وأرضاه. هؤلاء الأخيار وقف عليهم نبينا ﷺ وقال: (أنا شهيد على هؤلاء)، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه عاد إليهم مرة أخرى يوم أن شعر بدنو أجله وقرب وفاته، فدعا لهم واستغفر صلوات الله وسلامه عليه كالمودع لهم.

стр. 584

اختلاف العلماء في تحديد ليلة القدر الوقفة الرابعة: مع ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد: ثم لما كان صبيحة يوم عشرين خرج ﷺ إلى الناس وقال: (إنني كنت قد اعتكفت العشرة الوسطى أتحرى ليلة القدر، وإنني قد أخبرت بأنها في العشر الأواخر، فمن كان معتكفاً فليبقى معي، وإنني أريت أنني أسجد في صبيحتها في ماء وطين)، قال أبو سعيد الخدري ﵁: فأمطرت السماء تلك الليلة فوكف المسجد، وكان سقفه من جريد النخل، فصلى بنا النبي ﷺ الصبح، ثم رأيته ينصرف من صلاة الصبح وأثر الماء والطين في وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وكانت تلك الليلة ليلة إحدى وعشرين. ومن هنا أخذ من قال من العلماء إنها ليلة إحدى وعشرين، وبسط القول فقهياً لا وعظياً في ليلة القدر على النحو التالي: قال بعض العلماء: إنها ليلة النصف من شعبان، وهذا ينسب إلى عكرمة، وهو مرجوح جداً؛ لأن القرآن يعارضه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وقال جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]. وينسب إلى زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود أن ليلة القدر هي ليلة السابع عشر من رمضان، ودليلهم آية الأنفال: ﴿إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١]، فقال الله جل وعلا: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)، ويوم بدر كان يوم السابع عشر من رمضان، فقالوا: إن هذا دليل على أنها ليلة السابع عشر من رمضان. وأكثر علماء الأمة الباقون على أنها في العشر الأواخر، وهو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة. ثم إن الذين قالوا: إنها في العشر الأواخر -وهذا هو الحق- انقسموا إلى قسمين في أصل القضية فقهياً: ففريق قال: إنها تتنقل، والدافع إلى القول بأنها تتنقل عدم إمكانية الجمع بين الأحاديث، فقد ورد في صحيح البخاري أنها ليلة إحدى وعشرين، وورد في صحيح البخاري أنها ليلة ثلاث وعشرين، وأقسم أبي أنها ليلة سبع وعشرين، وفي المسند من حديث ابن عمر أنها ليلة أربع وعشرين، فقالوا: لا يمكن الجمع ما بين هذه الأحاديث إلا أن نقول: إن ليلة القدر تتنقل في كل عام، إلا أنها في ليال الوتر أرجى منها في ليال الشفع، ولا يلزم أن تكون في ليالي الوتر فقط، لكنها أرجى في ليالي الوتر من ليالي الشفع. الفريق الآخر قالوا: لا تتنقل، بل هي ليلة أنزل فيها القرآن، فهذه الليلة من كل عام تكون ليلة القدر، وهؤلاء اختلفوا في تحديدها، فمذهب الشافعي -فيما أظن الساعة- أنها ليلة أربع وعشرين، ومذهب أبي بن كعب وعليه أكثر العلماء أنها ليلة سبع وعشرين، وكان أبي ﵁ يقسم كما رواه مسلم في الصحيح من طريق زر بن حبيش. وبعض العلماء يرى أنها ليلة إحدى وعشرين، وآخرون يرون أنها ليلة تسع وعشرين. وجملة القول أن يقال: إن من قام رمضان كله وافق ليلة القدر، ثم نقول: من قام العشر الأواخر كلها بإذن الله ورحمته يكون قد وافق ليلة القدر.

стр. 585

قيام ليلة القدر وطلب رحمة الله فيها لكن نقف هنا ونقول: يبدأ الإنسان فقهياً بالأوليات، فأول ما يبدأ في طلب ليلة القدر أن تصلي العشاء والفجر في جماعة، فلا تطلب نافلة وقد ضيعت فريضة، ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٥]. ثم يحرص الإنسان على قيام ليلها، لأن النبي ﷺ قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً)، فالمرغوب المطلوب الأول فيها قيامها، على أنه ينبغي أن يعلم أن عائشة تقول: (ما علمت أن النبي ﷺ قام ليلة بأكملها) والمعنى أنه يصلي بعض الليل ويقرأ في بعضه، ويدعو في بعضه، ويذكر الله في بعضه، ولو استراح في بعضه فلا حرج، لكن أفضل أن يستريح في مقام عبادته في مسجده أو في بيته أو في عمله، والناس يختلفون، ورب الجميع واحد، والله يطلع على القلوب لا على الأبدان، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧]. وقبل هذه الليلة من الليل قبل أن تدخل العشر لابد أن يستشعر الإنسان أن الله رحيم، وأن الإنسان له ذنوب يرجو من الله أن يغفرها، وله عيوب يرجو من الله أن يسترها، وله آمال يرجو من الله أن يحققها، وله مخاوف يرجو من الله أن يجيره منها، وهناك جنة يرغب أن يدخلها، وهناك نار يخشى أن يمسه لهيبها، وهناك أمور وأمور لا يقدر عليها إلا الله، فيزدلف الإنسان بقلبه في المقام الأول برغبة صادقة من القلب أن الله جل وعلا يوفقه لقيام ليلة القدر. ووالله لن تنال المطلوب، ولن تدفع المرهوب إلا برحمة من الله وفضل، فلا تتكلنّ على شيء من قوتك أبداً، وقل: اللهم إني أبرأ إليك من كل حول وطول وقوة إلا حولك وقوتك، اللهم أقمني في مكان ترضى فيه عني، كان الشافعي يقول: أهمني أمر فرأيت في المنام أن طارقاً يطرقني فيقول: يا أبا عبد الله! قل في دعائك: اللهم إنني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولن أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، ولن أتقي إلا ما وقيتني، ووفقني اللهم لما تحب وترضى من القول والعمل، قال الشافعي: فقلتها ففرج الله عني. والمقصود من هذا أن تزدلف إلى الله في سجودك في النهار أن يوفقك الله جل وعلا لقيام الليل، فوالله إن من تحرر من الذنوب نهاراً رزق منّة العطاء والوقوف بين يدي الله ليلاً، ومن أثقلته ذنوبه في النهار صعب عليه أن يرزق الوقوف ليلاً بين يدي الواحد القهار. ففي النهار تعامل مع الله جل وعلا تعامل المسكين، وتعامل معه تعامل عبد له عند ربه حاجة تكون في الليل، فيحاول في النهار أن يستجر بمسكنته رحمة العظيم؛ حتى يمن الله جل وعلا عليه بالتوفيق في ليلة القدر، وادخل على والدتك وبرها وأنت ترجو ببرها رحمة الله، وقل في سجودك: اللهم وفقني لقيام ليلة القدر، وأحسن فيها مقامي بين يديك، وتوخ مسكيناً أو سائلاً أو أرملة أو يتيماً فأحسن إليه؛ عل الله جل وعلا أن يكرمك بالقيام بين يديه، وتوخ أحداً من قرنائك أو جيرانك أو أصحابك بينك وبينهم شحناء فاعف عنه، وتنازل عن حقك؛ طمعاً في أن الله جل وعلا يوفقك في القيام بين يديه. فهذا بعض ما يمكن صنيعه وإلا باب استدرار رحمة الله جل وعلا مفتوح، فاصنعه فإذا جاء الليل لا يكن همك إلا ذنبك، ولا يكون رغبتك إلا في ربك ﵎، فقف بين يديه اسأله وارجوه والله جل وعلا لا أحد أحب إليه المدح منه، فأكثر من الثناء عن الله، واعترف بذنبك، قال الله يعلم الأبوين آدم وحواء: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. وأثن على الله جل وعلا بما هو أهله، ثم صل ولو كنت في سجودك على نبينا ﷺ ، ثم اسأل الله من خيري الدنيا والآخرة، وابدأ بالعظائم، وأعظم الأمور أن يرزقك الله الجنة، وأعظم الأمور أن يجيرك الله من النار، ثم اسأل الله كما قالت عائشة لما قالت للنبي ﷺ : (أرأيت إن علمت أي ليلة هي ليلة القدر ماذا أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)، فيحاول المؤمن قدر الإمكان أن يردد هذا الدعاء المأثور عن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه. هذا كل ما يمكن أن يقال فقهياً عن ليلة القدر.

стр. 586

بعض البراهين والقرائن الدالة على أن العبد يعظم ربه نختم أيها المؤمنون بأن أعظم ما نعت الله به أنبياءه، وما كان عليه رسولنا ﷺ هو تعظمه لله جل وعلا التعظيم اللائق، وقرب العبد من ربه بمقدار تعظيمه لله، والله يقول: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]. هذه بعض القرائن والبراهين على أن المؤمن يعظم الله:

стр. 587

استشعاره وفرحه بحديث مثل الحديث عن الله تعالى أولها: ألا يستبشر ولا يفرح بالحديث عن أحد كفرحه واستبشاره وانشراح صدره للحديث عن رب العالمين ﷻ ؛ لأن ذلك المؤمن ليس في قلبه أحد أعظم من الله، فلا يمكن أن يطمئن قلبه، ويشرح صدره، وتفرح ذاته إلا إذا كان يتحدث عن الله. وعلى النقيض من ذلك أهل الفجور والكفر والفسوق عياذاً بالله، فإنهم لا يجدون فرحاً ولا استبشاراً إذا حدثوا عن الله، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]، وقال جل وعلا في سورة أخرى وهي الإسراء: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦]، فما الذي ينبغي أن تسمعه أيها المبارك؟! أن تحاول قدر الإمكان أن تجد في نفسك طمأنينة وسكينة، وأنت تتكلم عن الله أو تتلو كلام الله، أو تسمع شيئاً عن الله، أو تصنع صنيعاً من أجل الله، أو تترك شيئاً من أجل الله، فهذا من أعظم العلامات على أن العبد يعظم ربه التعظيم اللائق به. ووالله كل نعيم وعده الله جل وعلا عباده إنما هو مرهون بقدر تعظيمهم لله ﵎، ومن احتفى الله به في الملأ الأعلى إنما احتفى الله به لما في تعظيمه لله ﵎ وهو على الأرض، قال الخليل إبراهيم ﵇ -وكان أعظم العباد تعظيماً لله بعد رسولنا ﷺ قال يخاطب أباه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، فاحتفى الله جل وعلا بهذا النبي الكريم أبي الأنبياء لما كان في قلب إبراهيم من تعظيم الرب ﵎. ومن قرائن هذا التعظيم أن الإنسان يؤمر بالنهي عن شيء، فيطلب منه الشيء من أجل أبيه وأمه وجيرانه وعلاقاته فيأبى، فإذا طلب منه شيء من أجل الله تركه تعظيماً لربه ﵎، وهذه تربية يصنعها الإنسان لنفسه مع مر الأيام وتوالي الأعوام، فيجدّ الإنسان إذا كان لديه رغبة كيف يربي نفسه على أنه يعظم ربه جل وعلا التعظيم اللائق به، فلا يخوف ولا يذكر بأحد بعد الله. هذا أمر. الأمر الثاني: السعي إلى الطاعات، فالذين يعظمون الله لا تكاد تجف بشرتهم من الوضوء؛ يريدون ما عند الله تكفيراً للذنوب، وطلباً لرحمة علام الغيوب، وتتسابق خطواتهم إلى بيوته جل وعلا، يرجون ما عند الله جل وعلا من المغفرة، يجدون راحة قلب وانشراح صدر وجباههم على الأرض؛ رغبة فيما عند الله جل وعلا من النعيم. ومن قرائن هذا أنهم يفرون عن المعاصي، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف:٣٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران:١٣٠] إلى غير ذلك مما نهى الله عنه، فكلما زين له باب معصية تذكر عظمة الله ﷻ فتركها وبعد عنها؛ خوفا ًوفرقاً من أن يلقى الله جل وعلا وقد عصاه.

стр. 588

الشوق إلى لقاء الله تعالى خاتمة القرائن في تعظيم الرب ﵎ ما يقع في القلب من شوق إلى لقاء الله جل وعلا، والمؤمنون الصالحون لا يرجون يوماً يوفون فيه النعيم فيكافئون فيه بأعظم الجزاء وأكمله، ويستريحون فيه من نصب الدنيا وتعبها إلا اليوم الذي يلقون فيه الله، قال الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه: لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، فإذا لقي العبد الصادق ربه استراح؛ لأن الله جل وعلا وعده إذا لقيه أن يوفيه أجره كما أخبر ربنا في كتابه. اللهم لك الحمد أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، في السماء عرشك، وفي كل مكان رحمتك وسلطانك، أنت الله لا إله إلا أنت تعطي وتمنع، وتخفض وترفع، وتقبض وتبسط، وأنت الله لا إله إلا أنت الأعز الأكرم، أنت ربنا خالقنا من العدم، ربيتنا بالنعم، نشهد ونحاج أن وجهك أكرم الوجوه، واسمك اللهم أعظم الأسماء، وعطيتك يا ربنا هي العطية الجزلى، فاللهم صل على محمد وعلى آله، واغفر لنا في ملتقانا هذا أجمعين، اللهم اغفر لنا في ملتقانا هذا أجمعين. اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر. وصل اللهم على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 589

الأسئلة

стр. 590

حكم إمامة من لا ينطق حرف الراء السؤال هناك شاب لا ينطق حرف الراء، وهذا الشاب يؤم المصلين، علماً بأنه لا يوجد من يؤم المصلين غيره فما حكم ذلك؟ الجواب إذا كان لا يوجد أحد يؤم المصلين غيره فليؤم ولو لم ينطق حرف الراء، وإن كان يوجد من يحسن القرآن مثله فليصل بهم. هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 591

كيفية نصرة نبينا ﷺ السؤال كيف ننصر نبينا؟ الجواب إن قريشاً عندما كتبت الصلح بينها وبين رسول الله قالوا: اكتب اسمك واسم أبيك، فكتب ﷺ : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، ثم قال كلمة يجب أن يفهمها العلوج الذين في الدينمارك، قال ﵊: (إني رسول الله وإن كذبتموني)، والله لو اجتمع الدينماركيون وغيرهم على أن ينالوا شعرة من مقامه ﷺ في الدنيا والآخرة لما استطاعوا، فالله قال له وهو أصدق القائلين: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]، وقال له: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥]. وأما نصرته ﷺ فهي على ثلاثة أوجه: الأول: نصرة سياسية، وهذه تقع على الحكام بمقاطعة ذلك البلد. الثاني: نصرة اقتصادية، وذلك بأن يمتنع الإنسان من أن يتعامل اقتصادياً معهم. الثالث: نصرة عملية، وهي أن الإنسان يزداد اتباعاً لهديه ﷺ ، فذلك أغيظ لقلوبهم، حتى يعلموا أنهم مهما صنعوا ليشوهوا مقامه عندنا فلن فما قاله الأفاكون باطل كله، فقد وصفوه بالعنف والله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ووصفوه بالضلال والله يقول: (إنا أرسلناك هاديا)، ووصفوه بالكذب والله يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، ولا ينتظر ممن كفر بالله أن ينصف رسوله ﷺ . نسأل الله أن ينتقم لرسوله قريباً عاجلاً غير آجل.

стр. 592

لا يعلن ويتلفظ بالنية إلا في الحج والعمرة وعند ذبح الأضاحي فقط السؤال هل يجوز في الاعتكاف أني أتكلم فيه بالنية أم أنويه في قلبي؟ الشيخ: لا، لا يصرح به، لا يعلن النية إلا في موضعين في الإسلام: عن الحج والعمرة، وعند ذبح الأضاحي، وأما غير ذلك فتبقى النية محلها القلب، فإذا نويت الخروج صباحاً فتنوي الخروج من الاعتكاف، نسأل الله أن يتقبل منا ومنك.

стр. 593

تفسير قوله تعالى (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) السؤال قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]، ما تفسير هذه الآية؟ الجواب هذا تخويف من أن الإنسان يعرض عليه الأمر فلا يقبله مرة بعد مرة فيطبع الله على قلبه، فلو أراده بعد ذلك لا يمكِّنه الله جل وعلا منه؛ لأن هذه الآية تفسرها آية الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠].

стр. 594

كل الرسل من الإنس وليس في الجن رسل السؤال قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] هل الرسل جميعهم مرسلون للإنس والجن، أم أن للجن رسلاً؟ الجواب اختلف العلماء فيها، والأظهر كما قال العلماء أن الكاف في: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] عائدة للمجموع لا للجميع، والمعنى: أنها عائدة باعتبار مجموعيهما أي: إلى الإنس لا لجميعهما، أي: ليس هناك رسل من الجن، لأن الله قال: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩]، فقوله ﵎: (إِلَّا رِجَالًا) دل على أنهم ليسوا من الجن. والمشهور عند العلماء أن جميع الرسل من الإنس إلا النبي ﷺ فقد بعث للجن والإنس كافة في زمانه، وقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] يدل على أن الجن مخاطبين ببعض ما كلف الله به الرسل كإيمان هؤلاء برسالة عيسى ﵇، والمسألة فيها خلاف شهير بين العلماء، لكن كما قلت: الراجح أنه ليس هناك مرسلون من الجن، لكن يخاطب الجن ببعثة بعض الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وهذه مسألة غيبية لا يمكن لنا أن نجزم فيها بأكثر من هذا.

стр. 595

الحديث عن عظمة القرآن السؤال حدثنا يا شيخ عن عظمة القرآن؟ الجواب أقول: أول نقطة تحاول تربي نفسك عليها: ألا تعلق نفسك بأن تتأثر بأحد بعينه، ولا بقارئ بعينه، لكن كل من قرأ عليك القرآن حاول أن تتأثر به، وكل من ذكرك بالله حاول أن تتأثر به، فالله جل وعلا دينه وعظمته أجل وأكبر من أن يضعها في شخص هو وحده ينفع الناس وغيره لا ينفعون، فيجب أن يعلم الإنسان أن الله عظيم، وأن له آيات تدل عليه ﵎، ومن ذلك أن يفقه الإنسان كيف يتعامل مع ربه جل وعلا، والتعامل مع يحتاج إلى قلب منكسر، وقلب شارد تماماً عن المخلوقين مهما رأى فيهم من عظمة، ومهما رأى فيهم من خشوع، ومهما رأى فيهم من جمال الصوت في القرآن، فيحبهم بقدر، وليعلم أنهم ليسوا هم وحدهم يذكر بالله، وأن كل شيء أصلاً حولنا يذكر بالله، فالله يقول: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠]. ولا يوجد شيء ممكن أن يذكر المؤمن بعظمة الله أكثر من أن يقرأ المؤمن القرآن، فاختاروا آيات من القرآن فيها إخبار من الله جل وعلا عن عظمته، ثم رددها بصوت تسمع فيه نفسك في مكان يغلب على ظنك ألا يراك فيه أحد، وأنت تقرؤها تدبر كيف يخبر الله جل وعلا عن ذاته العلية. أتريد أن تعرف صفاته؟ لن يدلك عليها أحد أعلم ولا أعظم منه، لا أحد أعلم بالله من الله، فاختر آيات أثنى الله جل وعلا فيها على نفسه، وأخبر فيها ﵎ عن عظيم خلقه، ومدح الله جل وعلا فيها نفسه، اقرأها وأنت تسمع فيها نفسك، فإذا ما خشعت في المرة الأولى حاول أن تكررها لعلك تخشع في الركعة الثانية، وإذا ما خشعت في الركعة الثانية حاول أن تكررها مع آيات أخر حتى لا تبتدع في الدين حتى تصل إلى بغيتك، فيبدأ القلب يألف أنه لا يتعظ ولا يستجيب لشيء أكثر من كلام الله، لكن إنسان عود نفسه على أغاني، أو عود نفسه على أناشيد، أو عود نفسه على شيخ معين وما أشبه ذلك هذا قد يتضرر، لكن حاول أنت أن يكون تذكيرك من نفسك في نفسك، ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١ - ٧]، فهذه وأمثالها اقرأها لينير الله جل وعلا قلبك.

стр. 596

تحديد وقت ليلة القدر السؤال السلام عليكم ورحمة الله، ذكر بعض من يكتب في الجرائد أن ليلة القدر معروفة إلى يوم القيامة، وحددها هذا الرجل، فلعلك لو سمحت تلقي الضوء على هذا؟ الجواب ليلة القدر جهلها العلماء الأبرار، والمتقون الأخيار، وما زاد النبي ﷺ على أن قال: (أرى رؤياكم تواطأت على العشر الأواخر، فالتمسوها في العشر الأواخر)، وقد مكث ﷺ -وعنه يؤخذ الدين- يتحراها دون أن يحدد وقتها، فلا يقبل بعد ذلك أن يأتي أحد ويجزم بتحديدها إلى يوم القيامة، فهذا محال أن يقع بتاتاً، أسأل الله لنا ولهذا الشخص غفران الذنوب.

стр. 597

علامات ليلة القدر السؤال ما هي علامات ليلة القدر؟ الجواب قال بعض العلماء بوجود علامات في ليلها، منها: أن الشمس صبيحتها لا يكون لها أشعة، لكني لا أجزم بشيء من هذا، وإنما نقول: هي في العشر الأواخر وترها وشفعها، والإنسان عليه أن يجتهد فيها، وقد يعطى بعض الناس دليلاً على أنه رآها كما دل عليه حديث عائشة، لكن لا يلزم من ذلك القبول، ولا يلزم من عدم رؤيا الدليل عدم القبول، وقد كان ابن مسعود إذا سئل يقول: من قام العام كله أدرك ليلة القدر.

стр. 598

أقل مدة الاعتكاف السؤال أقل اعتكاف كم هو؟ الجواب اختلفوا في هذا، فقال بعض العلماء: يكون ولو لحظة، وهذا قول بعيد، والذي أميل إليه والعلم عند الله أنه يكون ليلة بكاملها، فيعتكف الإنسان من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ لأن مظنة القيام مكانه الليل، فيكون الاعتكاف من غروب الشمس إلى الفجر، هذا أقل الاعتكاف فيما نعتقده، والعلم عند الله.

стр. 599

حكم تحديد ليلة القدر عن طريق الرؤى المنامية السؤال في كل عام تنتشر عبر رسائل الجوال بعض قصص الرؤى التي تحدد ليلة القدر، فما تعليقكم يا شيخ على هذا؟ الجواب لا أرى هذا حسناً، فهذا يثبط الهمم، فلو جاء إنسان وقال: أنا رأيتها في إحدى وعشرين فربما يكون صادقاً وتكون الرؤيا غير صادقة، لكن ذلك يثبط الناس في بقية الشهر، لكن العاقل يبقى متحرياً لها حتى آخر ليلة؛ لأنه لا يدري أين هي، ولا يحسن بالفضلاء نشر مثل هذه الرسائل وإذاعتها بين الناس، بل يترك الناس للعمل والتحري والبحث، عل الله جل وعلا أن يتقبل من الجميع.

стр. 600

شذرات التفاسير في هذه المادة تجد تفسيراً لبعض الآيات بأسلوب علمي رصين، يجمع بين التأصيل العلمي المعرفي وبين التربية السلوكية الإيمانية، فتجده يأخذ بالقلوب والأفئدة، وينير لك درب المعرفة بأسلوب سهل أخاذ شيق.
следующие страницы →