← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تحديد وقت ليلة القدر السؤال السلام عليكم ورحمة الله، ذكر بعض من يكتب في الجرائد أن ليلة القدر معروفة إلى يوم القيامة، وحددها هذا الرجل، فلعلك لو سمحت تلقي الضوء على هذا؟ الجواب ليلة القدر جهلها العلماء الأبرار، والمتقون الأخيار، وما زاد النبي ﷺ على أن قال: (أرى رؤياكم تواطأت على العشر الأواخر، فالتمسوها في العشر الأواخر)، وقد مكث ﷺ -وعنه يؤخذ الدين- يتحراها دون أن يحدد وقتها، فلا يقبل بعد ذلك أن يأتي أحد ويجزم بتحديدها إلى يوم القيامة، فهذا محال أن يقع بتاتاً، أسأل الله لنا ولهذا الشخص غفران الذنوب.

стр. 597

علامات ليلة القدر السؤال ما هي علامات ليلة القدر؟ الجواب قال بعض العلماء بوجود علامات في ليلها، منها: أن الشمس صبيحتها لا يكون لها أشعة، لكني لا أجزم بشيء من هذا، وإنما نقول: هي في العشر الأواخر وترها وشفعها، والإنسان عليه أن يجتهد فيها، وقد يعطى بعض الناس دليلاً على أنه رآها كما دل عليه حديث عائشة، لكن لا يلزم من ذلك القبول، ولا يلزم من عدم رؤيا الدليل عدم القبول، وقد كان ابن مسعود إذا سئل يقول: من قام العام كله أدرك ليلة القدر.

стр. 598

أقل مدة الاعتكاف السؤال أقل اعتكاف كم هو؟ الجواب اختلفوا في هذا، فقال بعض العلماء: يكون ولو لحظة، وهذا قول بعيد، والذي أميل إليه والعلم عند الله أنه يكون ليلة بكاملها، فيعتكف الإنسان من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ لأن مظنة القيام مكانه الليل، فيكون الاعتكاف من غروب الشمس إلى الفجر، هذا أقل الاعتكاف فيما نعتقده، والعلم عند الله.

стр. 599

حكم تحديد ليلة القدر عن طريق الرؤى المنامية السؤال في كل عام تنتشر عبر رسائل الجوال بعض قصص الرؤى التي تحدد ليلة القدر، فما تعليقكم يا شيخ على هذا؟ الجواب لا أرى هذا حسناً، فهذا يثبط الهمم، فلو جاء إنسان وقال: أنا رأيتها في إحدى وعشرين فربما يكون صادقاً وتكون الرؤيا غير صادقة، لكن ذلك يثبط الناس في بقية الشهر، لكن العاقل يبقى متحرياً لها حتى آخر ليلة؛ لأنه لا يدري أين هي، ولا يحسن بالفضلاء نشر مثل هذه الرسائل وإذاعتها بين الناس، بل يترك الناس للعمل والتحري والبحث، عل الله جل وعلا أن يتقبل من الجميع.

стр. 600

شذرات التفاسير في هذه المادة تجد تفسيراً لبعض الآيات بأسلوب علمي رصين، يجمع بين التأصيل العلمي المعرفي وبين التربية السلوكية الإيمانية، فتجده يأخذ بالقلوب والأفئدة، وينير لك درب المعرفة بأسلوب سهل أخاذ شيق.

стр. 601

حال الأمم يوم القيامة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت عليها السماوات والأرض، ولأجلها كان الحساب والعرض، هي عماد الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي أساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبيناً عن أمته، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله! فإن تدبر القرآن من أعظم البراهين وأجل القرائن عن البعد عن قسوة القلوب، قال الله تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ومن أراد الله به سعادة الحياتين والفوز في الدارين منّ عليه جل وعلا بأن يتدبر كتابه على الوجه الذي أراد جل وعلا، وعلى الوجه الذي بين رسولنا صلوات الله وسلامه عليه. وفي هذا اللقاء المبارك في هذا الجامع المبارك نقف وإياكم مع بعض آيات الكتاب المبين، وهي وقفات علمية ووعظية ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، مستصحبين أمراً عظيماً وهو أن التوفيق بيد الله جل وعلا وحده، فما كان لمتحدث أن يتحدث، ولا لمحاضر أن يحاضر، ولا لمتلق أن يعي ويسمع إلا إذا أذن الله، فمن أسلم قلبه لله، وعلم أن الفضل كله بيد الله كان قريباً من رحمة ربه؛ لحسن ظنه بمولاه وجل اعتماده ويقين توكله على خالقه . ولا نشترط في الآيات التي نتدبرها ونتأملها الليلة أن تكون مرتبة وفق ترتيب المصحف، فقد يكون لترتيبها بعض الحكم التي قد تظهر أو قد تخفى. قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين في سورة الجاثية: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩]، الجثو في اللغة: هو البقاء على الركب، وإن لامست أطراف الأصابع الأربع فلا حرج، وهي من أعظم دلالات الخضوع. وفي هذه الآية الكريمة يخبر جل وعلا عن حال الأمم يوم القيامة، فيقول مخاطباً نبيه: (وترى) أي بعين البصيرة؛ لأن ترى تأتي قلبية فتتعدى لمفعولين، وتأتي بصرية فتتعدى لمفعول واحد، قال الله جل وعلا هنا: (وترى) أي: يا نبينا! أيها المخاطب بالقرآن سائر الناس، (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) أي: على ركبها. ثم قال الله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) قال بعض العلماء كما نقله الحافظ ابن كثير رحمة الله عليه: إن جهنم يومئذٍ تزفر زفرة فتجثو الأمم على ركبها، حتى إن خليل الله إبراهيم ﵇ على رفيع درجته وعلو منزلته يقول: نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي. بل ورد أن عيسى ابن مريم ﵇ يومئذٍ يقول: نفسي نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني، فإذا كان هذا حال أنبياء الله فما عسى أن يكون حال من دونهم، وكلنا دونهم، نسأل الله لنا ولكم العافية والستر. قال الله جل وعلا يخاطب نبيه: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ) والكلام ابتداء ولذلك رفعت، (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) اختلف العلماء في معنى كتابها هنا: هل هو الكتاب الشرعي الذي أنزل على رسل تلك الأمم كالتوراة على موسى والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، أو هو الكتاب الذي دوَّن فيه الملكان ما عمله بنو آدم؟ بكل قال العلماء، ويرجح الأول الإفراد في الآية، فقول الله جل وعلا: (هَذَا كِتَابُنَا)، والإضافة هنا إلى رب العزة، لأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه. وإذا قلنا: هو كل أحد بعينه فيؤيده ما بعده، فإن الله قال بعدها: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، فكلا القولين متوجه، ولو رجحنا أحدهما فإنه لا يلغي الآخر، بمعنى أن كلا الأمرين ثابت بآيات أخر، وإنما الخلاف بين العلماء لأيهما تشهد هذه الآية، مع الاتفاق على أن الأمم تسأل عن كتبها، قال الله جل وعلا عن كتابه العظيم: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤]، مع الاتفاق أن كل أحد يعرض عليه كتابه، ويسأل عن عمله، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٩] إلخ الآيات هذه وغيرها الدالة على أن الإنسان تعرض عليه صحائف عمله. قال الله جل وعلا: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩]، وبراهين اللغة تقول: إن الاستنساخ معناه النقل عن الأصل، ولهذا اختلف العلماء رحمة الله عليهم في معنى هذه الآية: فمنهم من قال: إن الأصل هو اللوح المحفوظ، فيصبح معنى الآية أن الملائكة الذين في السماء يكتبون عن اللوح المحفوظ أعمال بني آدم، والملائكة الموكلون ببني آدم يكتبون أعمالهم ثم يطابقون هذا على هذا، وهذا وإن كانت اللغة تعضده إلا أنني -والعلم عند الله- أراه بعيداً، فنبقي على أصل اللغة وهو أن الاستنساخ أخذ من الأصل، فيصبح المعنى أن الاستنساخ هنا بمعنى أن الملائكة تكتب عن الواقع الحق البين وهو عمل بني آدم، فالملك الذي على اليمين أو الملك الذي على الشمال كلاهما يكتبون واقعاً مشهوداً وحاضراً مشاهداً يدوناه، فهذا يمكن اعتبار أنه أخذ عن الأصل. وهذه الآيات برمتها تبين لكل أحد يتدبر القرآن أنه مسئول كل المسئولية عن عمله، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:٦ - ١٢]، ولهذا قال ﷺ في حق عثمان: (ألا أستحي من رجل تستحيي منه الملائكة)، فالملائكة رأت في عثمان ﵁ وأرضاه حياء جماً، فهو في السر كما هو في العلانية، يستحي من الله في الملأ ويستحي من الله في الخلاء، ويعلم ﵁ وأرضاه أن معه ملكين يدونان ما يكتب، فنستغفر الله مما يكتب الملكان من الخطايا. لكن الإنسان إذا رزق قلباً موقناً بلقاء الله، مستحياً من ربه جل وعلا، يعظم الله ويعظم أمره ونهيه استحيى من -باب حيائه من الله- من الملائكة الذين معه، فكان حاله في السراء كحاله في العلانية، وتلك منزلة عظيمة جليلة. ومن أقسى ما قاله المفسرون، أن قال بعضهم في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] قالوا في العدل: أن تستوي السرية والعلانية، وقال بعضهم: والإحسان أن تكون سرية الإنسان أفضل من علانيته، وهذه كما قلنا منزلة عالية قد لا يدركها إلا ثلة قليلة من الخلق، سلك الله بي وبكم سبيلهم.

стр. 602

يوم القيامة ميقات الناس أجمعين قال الله جل وعلا في سورة أخرى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٠ - ٤٢]، هذه الآيات جاءت بعد قول الله جل وعلا في نفس سورة الدخان: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]، ثم قال الله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ [الدخان:٤٠] ولم يأت بواو العطف، قال بعض المعنيين بالبلاغة واللغة: إن هذا معناه أن هذه الآيات كالنتيجة لما قبلها. ثم تأمل أيها المبارك قول الله: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) فهذا أحد أسماء يوم القيامة، وسمي بهذا لأن الله جل وعلا يحكم فيه بين خلقه ويفصل بين عباده. (مِيقَاتُهُمْ) والميقات اثنان: ميقات زماني لا يعلمه إلا الله، وميقات مكاني على أرض بيضاء نقيه لم يعص الله جل وعلا فيها طرفة عين. والأصل أنه ميقات لكل مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وإنس وجني، بل هو ميقات للخلائق أجمعين، لكن الله جل وعلا أضاف الميقات إلى أهل الكفر لأنهم المخاطبون الأولون بالوعيد، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠]، وكلمة (أجمعين) هنا وردت للتوكيد، وهي توكيد معنوي، وليس خافٍ عليك أن التوكيد ينقسم إلى قسمين: توكيد معنوي وتوكيد لفظي، ولفظ (أجمعين) في هذه الآية من ألفاظ التوكيد المعنوي، وهو يؤتى به للتأكيد، لكن قد يتكرر بعض ألفاظ التوكيد المعنوي فلا ينتقل إلى كونه توكيداً لفظياً، بل يبقى على حاله توكيداً معنوياً، لكن له أغراضاً بلاغية. قال الله جل وعلا مثلاً في سورة (ص): ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص:٧٣] فواحدة منها تكفي: فسجد الملائكة كلهم، أو يقول الله: فسجد الملائكة أجمعون، لكن تكرار، والتوكيد هنا أراد الله به أنه لم يبق منهم أحد لم يسجد، وأراد الله بقوله: (أَجْمَعُونَ) أي: أنهم في وقت واحد، فيصبر تكرار التوكيد هنا أفاد فائدة زائدة، وهي أن الملائكة سجدوا جميعاً من غير استثناء، وسجدوا جميعاً في وقت واحد. قال الله جل وعلا هنا: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠]، ثم قال جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ [الدخان:٤١] أي: لا ينفع ولا يفيد، ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:٤١] وكلمة (مولى) كلمة فضفاضة في اللغة، لكن معناها هنا: الحليف القريب الناصر المحب، أي: من يحب أن يؤازرك، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:٤١]، وكلمة شيئاً في القرآن إذا نكرت تدل على القلة، قال الله جل وعلا: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:٤١] من غنى، ثم قال الله: ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان:٤١]، والنصرة أعظم الغنى. ثم قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:٤٢] و (إلا) هنا هل هي استثناء متصل أو استثناء منقطع؟ وفق قواعد اللغة والنحو تحتمل الآية الأمرين، فإن قلنا: إن الاستثناء متصل يصبح المعنى: يوم لا يغني مولىً عن مولىً شيئاً إلا من رحم الله، بمعنى: إلا من رحم الله من الموالي، فأولئك ينفع أحدهم أخاه، وتكون صورة ذلك بأن يأذن الله للشافع ويرضى عن المشفوع له، فيكون هذا استثناء من الآية، هذا على القول أن الاستثناء متصل. وإذا قلنا: إن الاستثناء منقطع فيصبح معنى الآية: يوم لا يغني مولىً عن مولىً شيئاً ولا هم ينصرون إلا من رحم الله، فتصبح (إلا) بمعنى لكن، فيكون المعنى: يوم لا يغني مولىً عن مولىً شيئاً لكن من رحم الله لا يحتاج إلى نصرة؛ لأن الله جل وعلا رحمه وآواه. وإذا تدبر المؤمن هذه الآيات أغفل ما قاله النحاة وتكلم عنهم البلاغيون؛ لأن هذا ليس مقصوداً في الأصل، إنما المقصود في الأصل أن يتدبر الإنسان القرآن فينظر ما هي أسباب رحمة الله، فالناس والعوام منهم على وجه الخصوص ليسوا في حاجة إلى أن يبين لهم الاستثناء المنقطع من الاستثناء المتصل، لكنا جميعاً بحاجة إلى أن يفقه الإنسان ما أسباب رحمة الله، لعل الله جل وعلا أن يرحمه، يقول الله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٢].

стр. 603

أسباب رحمة الله تعالى

стр. 604

الاستغفار من أسباب رحمة الله وهنا سنقف على بعض أسباب الرحمة، وأولها وأعظمها وأجلها: استغفار الله جل وعلا، فالاستغفار من أعظم موجبات رحمة العزيز الغفار، قال الله جل وعلا: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]، وقد جاء في الأثر: أن الله لما خلق آدم ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وامتنع إبليس عن السجود، قال إبليس بعد حوار: وعزتك وجلالك لأغوينهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال رب العزة ذو الرحمة والجلال: وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ما استغفروا. فالاستغفار من أعظم موجبات رحمة الله؛ لأن فيه قرائن وبراهين على انكسار القلب بين يدي رب العالمين ﷻ .

стр. 605

الرحمة بالناس من أسباب رحمة الله لنا ومن أسباب رحمة الله: رحمتنا بمن حولنا، قال ﷺ : (من لا يرحم لا يرحم)، وقال: (ارحموا من الأرض يرحمكم من في السماء)، ومن تأمل بعض الأحاديث النبوية لا في جانب الأمر بل في جانب النهي؛ تبين له كيف أن الإسلام على لسان نبيه عظم مسألة الرحمة، فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ : (نهى عن ضرب الوجه)، وحتى الدواب نهى ﷺ أن توسم في وجهها، وكذلك نهى ﷺ أن يضرب أحد من الخلق في وجهه. وشرع الإسلام لنا أن نؤدب زوجاتنا إن لم ينفع معهن الوعظ ولا هجر المضاجع، فقال الله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، واتفقت كلمة الفقهاء على أنه ضرب غير مبرح، ولا يمكن أن يصيب الوجه أبداً، وأولئك الذين يبحثون عن قوام الشخصية في ضرب نسائهم خاصة أولئك الذي يضرب أحدهم زوجته أمام أبنائها وبناتها، فيريد أن يقيم بيتاً وهو في الحقيقة إنما يزرع في قلوب أبنائه وبناته غلاً وحقداً. إن ابناً رأى منظراً كهذا من أبيه قد يصعب عليه -إلا من رحم الله- أن يترحم على أبيه بعد مماته، لكن المؤمن العاقل الذي يعرف عناية الإسلام بجانب الرحمة يعرف أنه لا يمكن أن يقع منه أن يهين أحداً أمام من له في أعينهم نظر ومكانة، وإنما إذا ابتليت بشخص بين من يحبونه ويجلونه فأجله وأحبه، لا يكن في قلبه أن تتشفى بمسلم وأن تريد أن تذله وتهينه على مرأى من الناس. نعود فنقول: إن من أعظم أسباب موجبات رحمة الله رحمتنا بمن حولنا: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

стр. 606

من موجبات رحمة الله تدارس القرآن كما أن من موجبات رحمة الله ما أنتم فيه تقبل الله منا ومنكم، قال ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة، وأنزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله جل وعلا فيمن عنده)، فتدارس القرآن من أعظم موجبات رحمة الرحيم الرحمن ﷻ . فهذه نتف من أسباب رحمة الله جل وعلا التي قال الله جل وعلا عنها جملة: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:٤٢]، على أن أهل العلم من المفسرين يقولون: إن السبب إلى وقوع رحمة الله ناجم عن مرضات الله جل وعلا عن العبد، ولا يمكن أن ينال الإنسان نوالاً ولا يعطى شيئاً أعظم من حصوله على رضوان رب العزة والجلال ﷻ . قال الله بعدها: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٢] في عرف أهل التفسير: (إنه هو العزيز الرحيم) تسمى فاصلة، والفاصلة لها أربعة أغراض: فإما أن تأتي للتمكين، فيكون ما قبلها من الآيات ممهداً لها، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، فقول الله جل وعلا: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥] كل ذلك ممهد، فجاءت آية أو فاصلة ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، قال أهل البلاغة هنا: يراد بها التمكين. وقد تأتي أحياناً فتسمى التصدير، وتكون مستقاة من نفس الآية، قال جل وعلا على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠]، وقد تأتي بالمعنى لا باللفظ كما نحن فيه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٢] بعد قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:٤٢]، وخاتمتها تأتي للإيغال وهي الزيادة في المعنى، فتحقق الفاصلة معنىً زائداً لم يتحقق بصدر الأولى، قال الله ﵎: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] إلى هنا انتهى معنى الآية، فجاء قول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، ويسمى في عرف المعنيين بعلم التفسير يسمى إيغالاً، أي أن الفاصلة زادت معنىً لم لكن موجوداً في أصل الآية.

стр. 607

الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك ومن الآيات التي سنشرع في بيانها قول الله جل وعلا: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا * وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٢ - ٢٤]. صدر الله الآيات بالنهي عن الشرك، فقال الله يخاطب نبيه: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، والقعود شعور بالعجز، قال الله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور:٦٠]، وقال: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]، فعبر عمن قعد عن الجهاد بأنهم قاعدون، وكلها تشعر بالعجز، فالله يقول لنبيه: إن الشرك من أعظم أسباب الخسران في الدنيا والآخرة، ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]. ولما نهى العلي الكبير نبيه عن الشرك أمره بالتوحيد فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] أي: حكم ديناً وشرعاً وتعبداً لعباده، وهذا من أعظم مطالب الله جل وعلا من خلقه، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. وقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) أسلوب حصر، فإن العبادة لا يجوز في حال أبداً صرفها لغير الله ﵎.

стр. 608

عظم حق الوالدين على الأولاد ثم قرن جل وعلا حقه العظيم بأن ذكر بعده حق الوالدين، فقال جل ذكره: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم فصل وهذا يسمى في عرف البلاغيين استقصاء، ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣]، فكلما عظمت حاجتهما إلى الغير ازداد حق البر لهما. ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣] فيختار المرء أطيب العبارات وأحسن الألفاظ وهو يخاطب والديه. ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]، فالطائر إذا أراد أن يقع ويتخلى قليلاً عن كبرياء الطيران خفض جناحيه، وكذلك حال الولد البار ذكراً كان أو أنثى أمام أمه وأبيه. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤] قال العلماء: كل من أسدى إليك تربية تحقق عليك أن تبره من حيث الإجمال، فالوالدان الأصل أن لهما حق البر بمجرد أنهما والدان، ويزداد حقهما تعظيماً إذا قدر لهما -وهو الأصل- أن يتوليا تربيتك، فإن تولى تربيتك أحد غيرهما أو كان لأحد غيرهما شيء من التربية عليك توجهت وتقوت مسألة برك له قليلاً كان أو كثيراً، قال الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]. لكن الإنسان ضعيف، فأحياناً يكون للوالد أو للوالدة مطالب تعلم أنت أنك لو حققتها لهما لكان ذلك سبباً في الضرر بهما، فيبقى في نفسك أمور وأمور تتداول، فتبقى على المنعطف الصحيح وتغلب عقلك على عاطفتك، كالأم مثلاً قد تصاب بالوسوسة فتظن أن بها مساً، وقد تحقق عندك أنه لا مس بها، لكنها تجبرك ما بين الحين والآخر على أن تذهب بها إلى من يقرأ عليها، وقد غلب على ظنك أنك لو ذهبت بها إلى زيد وعمرو من القراء لازدادت تعباً وعظمت الوساوس في قلبها، واشتد الأمر عليها، فتأنف وترفض أن تذهب بها وأنت بهذا تخالف أمرها، لكنك لا تريد إلا الخير لها.

стр. 609

غرض الدين هو إصلاح القلوب فهنا في هذا وأمثاله يقول الله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥]، ثم قال الله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]، فكل الدين مرده على إصلاح القلب، (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، وفي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن الله ينظر إلى قلوبكم). وفي دعاء إبراهيم: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩]. من هذا السياق القرآني يتبين للمرء أنه ما سعى في شأن أعظم من إصلاح قلبه، وصلاح القلوب له طرائق عدة: أعظمه تدبر القرآن، وهو ما نحن فيه، مع تلاوة القرآن، والتأمل في هدي نبينا ﷺ ، والبعد عن حسد الناس وحمل الحقد والبغضاء لهم، والإكثار من ذكر الله جل وعلا فإن ذكر الله حياة الضمائر وأنس السرائر، وغيرها مما لا يخفى، والمقصود الإشارة من حيث الجملة، وبصلاح القلوب يفوز الإنسان برضوان ربه ورحمته، ويكون قريباً من دخول جنته. وقال الله جل وعلا في سورة أخرى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، وكون أنبياء الله ورسله من نفس جنس الناس هذا يجعلهم أدعى لأن يقبل منهم، وأنبياء الله ورسله ما كانوا يعيشون في منأى بعيد عن الناس، وإنما كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وهذا مما اعترضت به الأمم عليهم.

стр. 610

أولاد الأنبياء ومن كمال بشريتهم أن الله جل وعلا جعل لأولئك الرسل أزواجاً وجعل لهم ذرية، وأزواج جمع زوج، أي: زوجة، وجعل لهم ذرية. وأنبياء الله ورسله جمع غفير، فأما نوح فالمشهور أن له أربعة من الأبناء: حام وسام وكنعان ويافث، والمؤرخون يقولون: إن كنعان هو الذي غرق في الطوفان، والثلاثة الباقون نجوا، ويقولون: إن يأجوج ومأجوج من نسل يافث بن نوح. وإبراهيم ﵊ المشهور عند المؤرخين أنه لم يرزق بنات، وإنما رزق ذكوراً، ولوط ﵊ المشهور عند العلماء أنه لم يرزق ذكوراً وإنما رزق إناثاً، والمشهور المحفوظ أن عيسى ﵇ لم يتزوج، وأن نبينا ﷺ رزقه الله ذكراناً وإناثاً: ستة من خديجة، وإبراهيم من مارية، وهؤلاء السبعة كلهم ماتوا في حياته ﷺ إلا فاطمة ﵂ وأرضاها، فمات القاسم وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وإبراهيم جميعاً في حياته صلوات الله وسلامه عليه، وماتت ابنته فاطمة رضوان الله تعالى عليها بعد وفاته ﷺ بستة أشهر، وكانت قد دخلت عليه في يوم وفاته فقال لها: (إنك سيدة نساء أهل الجنة، وإنك أول أهلي لحوقاً بي)، وكانت عظيمة القدر عنده ﷺ ، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (إنما فاطمة بضعة مني) صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 611

اتباع هدي الأنبياء والمقصود من هذا: إذا عرف الإنسان البشرية التي عليها أنبياء الله ورسله شرع له بعد ذلك أن يهتدي بهديهم ويقتفي آثارهم، ويعلم أن الخير كله في اتباع ملتهم، ونهج سننهم وهديهم عليهم الصلاة والسلام. وحكى الله عن إسماعيل أنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان صادق الوعد، فأخبر الله عن سلوكه مع ربه وسلوكه مع الخلق، فلما حافظ على الصلاة سهل عليه بعد ذلك أن يحافظ على وعوده مع الخلق. وذكر الله أيوب وأخبر أنه ابتلاه، وأنه بقي يحسن الظن بربه، وكان يلجأ إلى مولاه حتى أنبع الله تحت قدميه عيناً ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]. وحكى الله جل وعلا عن لوط أن قومه تآمروا عليه فقال عَجِلاً: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، ولقد كان يأوي إلى ركن شديد ﵊، فطمأنته الملائكة: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود:٨١]. وحكى الله عن داود أنه كان يقوم الليل، ويكثر من الصيام كما أخبر نبينا ﷺ . فتنوع هديهم، وتغير حالهم والأعراف التي نشئوا عليها، فاستعصموا واستمسكوا جميعاً بتوحيد الله، فيعبدوا رباً واحداً لا إله إلا هو، قال الله عنهم بعد أن ذكرهم جملة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، ثم ختم الله النبوات وأتم الرسالات برسالة صفوة الخلق محمد صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 612

فضل وعظم قيام الليل بين يدي الله تعالى ومن الآيات التي يحسن تدبرها في مقام كهذا أن الله جل وعلا قال وهو أصدق القائلين: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، والمقام المحمود منزلة في عرف أهل الرياضيات لا تقبل القسمة على اثنين، قال ﷺ عن الوسيلة: (إنها منزلة لا تكون إلا لعبد صالح، وأرجو أن أكون أنا هو)، فلما وعد الله نبيه ﷺ أعظم المطالب وأسمى الغايات، أخبره بالطريق الأمثل والسبيل الأقوم للحصول عليها، فدل جل وعلا على قيام الليل، فقال جل ذكره وتباركت أسماؤه: (وَمِنَ اللَّيْلِ)، و (من) هنا إما أن تكون بيانية وهو قول فريق من العلماء، وإما أن تكون بعضية وهو الأغلب. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) أي: بالقرآن، زيادة لك في الخير، (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)، قال العلماء: إن من أنجع الطرائق لتحقيق الغايات والوصول إلى الأماني أن يقوم الإنسان بين يدي ربه يتهجد بين يديه، ويسأل الله جل وعلا ويستعين به ويرجوه؛ لأن الله جل وعلا قال: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ)، والبعث يطلق على الحياة بعد الموت، فكأن تلك المنزلة التي وعدك الله بها أيها النبي الكريم لن تنالها بما لديك من مزايا، وإنما هي هبة ربانية، ومنحة إلهية لك، وكان أعظم سبب هيأه الله لك كي تنالها أن منّ عليك بأنك تحسن القيام بين يديه. تقول أم المؤمنين ﵂ وأرضاها عائشة أنها فقدت النبي ﷺ ذات ليلة فوجدته في المسجد قد انتصبت قدماه، ويقول في سجوده: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). قال الله جل وعلا عن نبيه ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فهذا وصف عام لخلق نبينا ﷺ ، وأنه ﵊ جبل على الرأفة والرحمة بالخلق أجمعين، ولهذا نعته ربه بقوله: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). وقوله جل وعلا: (مِنْ أَنفُسِكُمْ) يشعر الناس بقرب هذا النبي حساً ومعنىً منهم، وهذا النبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليه ترك هدياً عظيماً كما بينا آنفاً، والعبرة كل العبرة في قوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا). والتكاليف الشرعية أيه المبارك تنقسم إلى قسمين: أوامر ونواهٍ، فالحظ من الأوامر والنيل منها إنما يكون بقدر الاستطاعة، فلا واجب مع العجز، وأما ما حرمه الله أو حرمه رسوله ﷺ فليس لنا إلا الكف والانتهاء عنه أمراً واحداً، ولا يدخل حيز المراتب كما تدخله حيز الأوامر اللهم إلا في مسائل الضرورات، فهذه قد بينها أهل الفقه ولها أحكامها، لكن ما أمر النبي ﷺ به فقد يقدر عليه زيد ولا يقدر عليه عمرو، فيندرج تحت قول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وأما ما نهى النبي ﷺ عنه فيكف الإنسان وينتهي عنه قولاً واحداً إلا -كما قلت- في حال الضرورات.

стр. 613

الأمور التي تعين الإنسان حتى يبني نفسه على هدي النبي ﷺ والإنسان حتى يبني نفسه على هدي محمد ﷺ لابد له أن يستصحب أموراً عامة من أهمها: أن يكون حسن الظن بربه جل وعلا، وهذا فصلنا فيه في أكثر من موقف. والأمر الثاني: أن يكون الإنسان ذا حكمة وروية فيما يقول ويفعل، فلا يقدم يمناه حتى يجد موطناً ليسراه، ويعلم أن الكلمة قد تصلح اليوم ولا تصلح غداً، وأن الإنسان العاقل يقتبس من سنا هدي نبيه ﷺ كيف مضى ﷺ في أيامه النضرة وسيرته العطرة، في سبيل طرائق ذات حكمة تدل على ما كان عليه ﷺ من حلم وعلم قبل ذلك، وأدب جم مع ربه ومع الناس صلوات الله وسلامه عليه. كما أن الإنسان وهو يبني نفسه لابد أن يكون هناك باعث في النفس، ومن هنا يعلم المرء أن المسئولية مسئولية فردية يوم القيامة، وأنه: ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك ويذكرون أن الإمام ابن حزم رحمة الله تعالى عليه دخل المسجد قبل أن يطلب العلم، دخل المسجد ليصلي على جنازة فجلس حتى تحضر الجنازة، فقال له أحد الحاضرين مؤنباً: ما لك تجلس! قم فصل ركعتين تحية المسجد، فقام فصلى، ثم إنه علم أن هناك جنازة في صلاة المغرب فتوجه إلى المسجد في وقت النهي، فدخل وصلى، فرآه أحد الناس فنهاه عن الصلاة في هذا الوقت، فلما وجد التأنيب من رجلين هذا يأمره وهذا ينهاه وجد أنه مضطر لطلب العلم، كي يرفع الجهل عن نفسه، فطلب العلم حتى عد إماماً عظيماً من أئمة الإسلام، قال العز بن عبد السلام رحمة الله عليه: كتابان من حواهما وقرأهما وكان على منزلة عظيمة في الذكاء حق له أن يفتي: المغني لـ ابن قدامة، والمحلى لـ ابن حزم، قال الإمام الذهبي رحمة الله عليه في الأعلام وهو يزيد عليهما قال: وأنا أقول: فإذا جمع الإنسان معهما التمهيد لـ ابن عبد البر والسنن الكبرى للبيهقي رحمة الله على الجميع، وكان الرجل ذكياً، وأدمن -هذا لفظه- المطالعة في هذه الكتب الأربعة أضحى عالماً فذاً من علماء المسلمين. موضوع الشاهد: أن الإنسان ينظر في الآمال التي يبتغيها، والمنازل التي يريد أن يصل إليها، فيحسن الظن بربه، فيصدق في توكله على خالقه ومولاه، ثم مع ذلك يأخذ بالأسباب، فهذا هو الهدي الأقوم والطريق الأمثل الذي بينه ﷺ لأمته، ويندرج في قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. فإذا قدر للإنسان أن يبتلى بحساد يحاولون أن يمنعوه من الوصول إلى غايته، أو مثبطون لا يريدون له خيراً، أو ضعفاء شخصية يخافون الخوض في اللجج فهؤلاء يجب أن يتنهى الإنسان على أن يسمع لهم: إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر. ومن أعظم ما تنافس فيه الناس وبلغوا فيه أعظم الغايات الوصول إلى أرفع الدرجات في العلم؛ لأن الله جل وعلا جعل العلماء شهوداً على أعظم مشهود، قال الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. في غمرة هذا وبحث الإنسان عن الشرف والمجد -كما يكون هناك فئة تثبطك أو تحسدك أو تهون عزيمتك- قد تأتي فئة تحاول أن تسلك بك طريقاً آخر، فتقول لك: إن طرائق المجد في أن تشهر السيف على المسلمين، أو أن تخرج على ولاة أمرك، أو أن تتبنى طرائق التكفير، أو أضراب ذلك من دلائل الباطل وبراهين الضلالة التي لا يشك مؤمن حصيف متدبر للقرآن فيها، ودين الله بين الغالي فيه والمجافي عنه، ومن أراد الوصول إلى غاية شرعية فلابد أن تكون المطية للوصول مطية شرعية، فأي غاية شرعية تكون صادقاً مع ربك في الوصول إليها لابد أن تكون المطية مطية شرعية وإلا فلا، فلا يمكن الوصول إلى غايات إلا بما أراد الله وأرد رسوله ﷺ . وإن من أعظم دلائل الحق: أن يطبق الإنسان كلام ربه، وأن يستقي العلم الحق من القرآن لا من الأناشيد، وأن يؤخذ الدين من هدي محمد ﷺ لا من طرائق غيره، وهذه منزلة تحتاج إلى إنسان أسلم قلبه حقاً لله، ولم يضرره الهوى، ولم تضلله الأماني، ولم يسمع لكل ناعق، فمن وطن نفسه على السمع والطاعة لما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ألبس ثوب الهداية، وهدي إلى صراط مستقيم، وكان يرى بنور الله، كما في الحديث القدسي عن أولياء الله جل وعلا: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره التي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها). فيرزق التوفيق أولياء الله، وهم المتشبثون بكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فإذا أطلت الفتن وظهرت هنا وهناك لجئوا إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وتمسكوا بما عليه جماعة المسلمين كما أمر نبينا ﷺ . فقد أحاطت بالمؤمنين في المدينة الدوائر، وحاصرهم جيش مسلم بن عقبة المري، وأرادوا بهم خزياً وعاراً، فجمع الصحابي الجليل عبد الله بن عمر الذي رأى النبي ﷺ ، وسمع القرآن وهو ينزل عليه، واغترف من هديه وأخذ من مشكاته، جمع بنيه وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خرج عن الإمام قيد شبر مات ميتة جاهلية)، فنقل إلى أبنائه وصية رسول الله ﷺ . ودين الله جل وعلا أجل وأعظم من أن يطبق في أمور ويترك في أمور، ومن أن نجعله هوىً نقبله حيناً ونتركه أحياناً، لكن المؤمن الحق الذي يريد ما عند الله يعلم أنه لا مطية توصل إلى دخول الجنة إلا ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ، قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، وقال وهو الصادق المصدوق المبلغ عن ربه: (واسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد)، إلى غير ذلك من النصوص التي لا يمكن إزالتها عن مواطنها، ولا أن تخرج عن موضعها، ولا أن يقبل بشيء يصادمها، فإذا جاء سيل الله بطل سيل معقل، كما هو مقرر في الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة من قبل. بقي أيها المؤمنون! أن نأخذ آية نختم بها هذا اللقاء المبارك، نعظ بها أنفسنا قبل غيرنا، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٩]. قيل: إن أبا حازم سأله أحد خلفاء بني أمية عن حاله، فقال: يا أمير المؤمنين! اعرض نفسك على القرآن، قال: وأين أجد هذا؟ قال: في قول الله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]. ويقول عمر: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. ويقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فاليوم عمل بلا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

стр. 614

بعض الوصايا التي تعين في السير إلى الله والسير إلى الله سير كادح ذو مشقة، قال الله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، وقال وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، والوقوف بين يدي الله أمر حتم لازم لا محيد عنه، والسير على طريق الله يحتاج في أول الأمر ومنتهاه إلى توفيق من الرب ﵎، وهذه بعض الوصايا فيما يعينك على أن تصل إلى ربك جل وعلا على النحو الذي أراد، والوجه الذي أتم.

стр. 615

تعظيم الله تعالى في السر والعلن وحتى تكون هناك أعمال سرائر في الخلاء لا بد أن يكون في القلب تعظيم لرب العزة والجلال، لابد أن يكون هناك علم بالله جل وعلا، وهذا ينجم عن تدبر القرآن وتلاوة آياته، فالله يقول: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت:٤٢ - ٤٣]، فكلما تذكر الإنسان سعة رحمة الله ازداد أملاً في دخول جنته، وكلما تذكر الإنسان عظيم قدرة الله وأنه له مواطن سخط وغضب خاف من ناره، فإذا تذكر ما لله من صفات الجلال والجمال والكمال زاد حباً لربه ﵎، ومن جمع هذه الثلاث: حب الله، والخوف منه، والرجاء فيما عنده وفق إلى صراط مستقيم. هذه أيها المؤمنون! شذرات من تأملات، ومتفرقات من مواعظ، قلتها على عجل، والله وحده المسئول أن ينفع بها. أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، إن ربي لسميع الدعاء، وصلى الله على محمد وعلى آله.

стр. 616

الأسئلة

стр. 617

حكم قراءة الإمام للآيات التي تجلب الخشوع بصورة دائمة السؤال أنا أصلي بالناس فأختار آيات تجلب الخشوع؛ ليخشع المصلي ويحصل على هذا الأجر، فهل هذا من الرياء؟ الجواب مسألة أنه من الرياء أرجو الله ألا يكون رياء، وأنت أبصر بنفسك، لكن لا تستدم اختياراً معيناً، وحاول أن تنهج منهج النبي صلى الله علهي وسلم، فالقرآن كله ذو مواعظ ورقائق، فلا بأس أن تجمع بين هذا وهذا، لكن حاول أن تأتي على القرآن كله، والموفق الله.

стр. 618

بطلان ما يحكيه بعض المفسرين في قصة داود مع بعض جنوده السؤال هل صحيح ما ذكره بعض المفسرين من قصة توبة داود ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص:٢١]؟ الجواب ما ذكر باطل من كل وجه، فما ذكروه من أنه بعث أحد أمراء جنوده وحصل ما حصل مع زوجته، هذا ينزه عنه آحاد الناس فكيف يرمى به أنبياء الله! فداود ﵇ منزه عن هذا ﷺ ، فالخبر مكذوب، وما ذكره بعض المفسرين مجازفة منهم رحمة الله تعالى عليهم.

стр. 619

كيفية تحديد الثلث الأخير من الليل السؤال كيف يحدد الثلث الأخير من الليل؟ الجواب يقسم الليل من غروب الشمس إلى طلوع أذان الفجر ثلاثة أثلاث، وهذا يختلف صيفاً وشتاء، فيكون الثالث الأخير منها أمر واضح بعد ذلك، فلو فرضنا أن المغرب يؤذن الساعة السادسة، والفجر يؤذن الساعة السادسة فهذه اثنا عشر ساعة، فتكون الأربع ساعات الأخيرة من الليل هي ثلث الليل الآخر. لكن لا يحسن جعلها -أي: الصلاة- إلى السحر جداً، أي: لا تكون متصلة بصلاة الفجر، فمن حيث الجواز يجوز، لكن الأفضل أن يكون هناك انفكاك وانفصال ما بين الوتر وما بين أذان صلاة الفجر، ولو كانت هناك ضجعة أو نومة فهذا أفضل، لقوله ﷺ عن نبي الله داود: (كان ينام نصفه -أي الليل- ويقوم ثلثه، وينام سدسه). والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 620

لمسة وفاء جعل الله تعالى الدنيا دار بلاء وامتحان، ففيها يبتلي عباده بالغنى والفقر، والصحة والمرض، والعطاء والمنع؛ ليعلم صدق إيمان المؤمنين، ولا زينة يتزين بها أهل البلاء كزينة الصبر وانتظار فرج الله، وسؤاله والتوسل إليه بإظهار الحاجة في كشف الكربات.

стр. 621

الدنيا دار بلاء الحمد لله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء شهيد، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وهو الولي الحميد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرته من خلقه وصفوته من رسله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة حتى تركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثرهم واتبع نهجهم وسلك مسلكهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها المؤمنون- ونفسي بتقوى الله في السر والعلن؛ فإن تقوى الله أزين ما أظهرتم، وأكرم ما ادخرتم وأفضل ما أسررتم. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ثم اعلموا عباد الله أن من سنن الله الماضيه وحكمته البالغة ومشيئته النافذة أنه جعل الدار الآخرة دار محاسبة وجزاء، وجعل هذه الدار دار عمل واختبار وبلاء يبتلي فيها عباده ويختبر فيها خلقه.

стр. 622

فضيلة التزين بالصبر ألا وإن الصبر أزين ما تزين به المؤمنون فهو الذي أمر الله به خير خلقه وصفوة رسله فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]. وأخبر الله ﵎ أنه يجزي علية جزاء لا منتهى له فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] ولما كانت هذه الدار دار ابتلاء كان لابد للمؤمن من أن يتجمل برداء الصبر، وإن رداء الصبر وانتظار فرج رب الأرض والسماء لهو رداء عظيم طال ما تزين به الأنبياء واكتسى به الأصفياء والأولياء على مر الدهور وكر العصور. وقد صح عنه ﷺ كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه قال: (قلت: يارسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد عليه بلاؤه، وإن كان في دينه رقه ابتلي على حسب دينه)، ثم قال ﷺ : (وما يزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة). إن طرق البلاء تتباين، وأنواعه تختلف من شخص إلى آخر، وهي على كل حال تظهر مدى صبر العبد ومدى يقينه بفرج رب الأرض والسماء، ومدى إيمانه بقضاء الله وقدرة خيره وشره، فلا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده.

стр. 623

التوسل إلى الله وانتظار فرجه كم من زوجين كريمين صالحين مرت عليهما سنين عديدة في الزواج وهما يطمعان في ولد تقر به الأعين، وتزال به الوحشة، فلطالما اشتريا دواء بعد داواء، ولطالما طرقا أبواب الأطباء، ومع ذلك لم ينالا شيئاً ولا حظاً. أيها الزوجان الكريمان: إن انتظار فرج رب الأرباب ﷻ والصبر على البلاء مما أمركما الله به، وإن لكما في نبي الله زكريا ﵊ أسوة حسنه بعد أن بلغ من الكبر عتياً، فلما رأى آيات الله القاهرة، وأعطياته المجزلة على مريم بنت عمران طمع ذلك النبي والعبد الصالح في فرج أرحم الراحمين ﷻ ، فدعا الله بقلب نقي وصوت خفي في مكان خلي: رب ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٥ - ٦] فتوسل إلى الله بضعفه وعجزه وقد خط الشيب في رأسه، وتبرأ من حوله وقوته، ولجأ إلى حول وقوة رب العالمين ﷻ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤]، توسل إلى الله الذي أنعم عليه سابقا بأن ينعم عليه لاحقا. أيها المؤمنون! إن التوسل إلى الله بإظهار العبد لفقره وتبرئه من حوله وقوته وطوله، واستناده إلى حول وقوة جبار السموات والأرض ﷻ ، لهو من أعظم الوسائل عند الله جلا وعلا، فإن ذلك مما يرزق الله به العباد ويفرج الله ﵎ به الشدائد. واعلموا أن ما يدفع الله أعظم وأن ما عند الله من خير هو أبر وأتقى وأكرم، فسبحان الله وبحمده، كم من أب رزق مولوداً قرت به عينه، حتى إذا زالت به الوحشة واطمأنت إليه النفس، وتمنى عليه الأماني، وازدادت فيه الرغبات فجع بموته وأخبر بفقده.

стр. 624

عزاء المبتلين بفقد الولد أيها المؤمن: تعز بهذا البشارة العظيمة عن الصادق المصدوق ﷺ ، فقد أخرج الإمام الحاكم في مستدركه بسند صحيح من حديث معاوية بن قرة عن أبيه: (أن النبي ﷺ جاءه رجل ذات يوم ومعه ابن له، فقال ﵊ لذلك الرجل أتحبه؟ فقال الرجل: يا رسول الله! أحبك الله كما أحبه) يبين شدة حبه لولده. ثم فقده ﷺ أياماً فسأل أصحابه قال: ما فعل فلان؟ قالوا: يا رسول الله! مات ابنه، فلما وجده ﷺ قال له: (أما يسرك ألا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته أمامك؟! فقال الصحابة: يا رسول الله! أله خاصة أم لنا كلنا؟ فقال ﷺ -وهو المخبر عن ربه-: بل لكم كلكم). إن في هذا أعظم العزاء لمن ابتلي بفقد الولد، وإن لله جل وعلا ما أعطى ولله ما أخذ، فالله الله في الصبر وانتظار فرج رب الأرض والسماء.

стр. 625

عزاء المبتلين بالكرب والأسقام كم من مؤمن قعيد فراشه، أسير بيته، قد يئس منه الأطباء وأقعده المرض، وأشفق عليه الأحبة، وإن له في قول رسول الله صلى عليه وسلم: (إن الرجل لتكتب له عند الله المنزلة فلا يبلغها بعمله، فما يزال الله يبتليه حتى يبلغ به منتهاه) وله في أيوب ﵊ وما فرج الله عنه، وما حكى الله عنه في كتابه أجزل القدوة وأعظم الأسوة، وله في أبي بكر رضي الله تعالى عنه يوم جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! كيف الصلاح في الأمة وقد أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] فقال ﷺ : يا أبا بكر! ألست تحزن؟! ألست تمرض؟! ألست يصيبك اللأواء؟! فذلك ما تجزون به). إن في هذا تفريجاً كبيراً لمن ابتلي بكرب أو مرض من المؤمنين، على أنه ينبغي للعبد أن لا يقنط من رحمة الله وأن لا ييأس من عفوه وفرجه، فليسأل كاشف الغم وفارج الهم، ومجيب دعوة المضطرين أن يرحمه، فإن الله أرحم من سئل وأكرم من أعطى.

стр. 626

عزاء المبتلين بالفقر كم من مؤمن كثير العيال، قليل المال، رقيق الحال، تحتبس الدمعة في عينه إذا رأى منظر أولاده مع أولاد الجبران لما يرى من فرق بينهم، ولكنه لا يملك حول ولا قوة. أيها المؤمن! إن الله بنى هذه الدنيا على غنى وفقر، وعلى شدة ورخاء، وعلى عسر ويسر، واعلم أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأريعين عاماً. ولك -أيها المؤمن- في سلوة قوله ﷺ لما ذكر أهل الجنة: (أهل الجنة ثلاثة)، وقال في آخرهم: (وعفيف متعفف ذو عيال).

стр. 627

منزلة الإيمان بالقدر ومراتبه أيها المؤمنون! إن الصبر على المكاره، وانتظار فرج الله ﵎ منقبة عظيمة، وخصلة حميدة، واعلموا أنه لا يتم إيمان عبد بقضاء الله وقدره خيره وشره حتى يتم له الإيمان بأصول أربعة: أولها: الإيمان بعلم الله جل وعلا للمعدوم والموجود، وعلم الله للممكن والمستحيل، وأن الله علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]. وثانيها: الإيمان بأن الله كتب كل شي قبل أن يخلق الخلائق، كما أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنه) فما من مصيبة تقع إلا وقد كتبها الله أزلاً في اللوح المحفوظ. وثالث ذلك: الإيمان بمشيئة الله الشاملة، وقدرته النافذة، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]. أما رابعها فهو الإيمان بأن الله خالق كل شيء، أوجده وكونه وصيره على هيئته، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]. وصفوة القول أن الصبر رداء جميل، فتزينوا به في العسر واليسر، وتزينوا به في السراء والضراء، جعلني الله وإياكم ممن إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 628

فاجعة فقد الصالحين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم واتبع سنتهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المؤمنين! فإن أعظم ما يمكن أن تصاب به الأمة أن تفقد خيار رجالاتها، وأهل العلم والمروءة الكاملة فيها، ولقد فجع الأمة عامة وأهل مدينة رسول الله ﷺ خاصة بفقد رجل طال ما وقف في محراب رسول الله ﷺ يدعوا إلى الله على بصيرة، كذلك نحسبه ولا نزكي على الله أحداً، فجعت أمة المسلمين بوفاة شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن صالح رحمه الله تعالى. وإن في الموت لعبرة لمن يعتبر، ذلك أن الشيخ طالما وقف في المحراب يصلي على أموات المسلمين، ويدعو لهم بالمعفرة والرحمة، وقبل أيام معدودة يقدمه الناس فيصلون عليه، ويدعون له بالمغفرة والرحمة، إنها سنة الله الماضية في الخلق، فسبحان الحي الذي لا يموت، سبحان من يفنى خلقه ويبقى وجهه. رحل ذلك الشيخ بعد أن ترك مآثر خالدة، وترك معالم بينة، بعد أن طوف في محراب رسول الله عليه وسلم أكثر من أربعين عاماً، يتلو كتاب الله جل وعلا. بلد الرسول قباؤه وعقيقه قبر أبر على عظامك حاني يبكيك فيه شيوخه ورجاله عند الصلاة وحين كل أذان يبكيك فيه منائر وأهلة والمنبر الشرقي ذو الأركان أنا لست أبكي فيك شخصا غائبا بل أبكي فيك معاقل الإيمان أبكي الإمامة والخطابة والتقى أبكي القضاء ونبرة القرآن في ذمة الله الكريم وحفظه وظلال خلد وارف وأمان ألا وصلوا وسلموا على أعظم من أصبتم بفقده، على نبي الهدى ورسول الرحمة، فقد أمركم الله بذلك في كتابه ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم على صفيك من خلقك، وخليك من عبادك، اللهم ارض عن أصحاب نبيك أجمعين بلا استثناء، وخص -اللهم- منهم الأربعة الخلفاء، والأئمة الحنفاء: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، اللهم ارض عن هذا الجمع المبارك معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عنا، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، اللهم اغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم خص شيخنا بمزيد من الرحمة يا حي يا قيوم، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين، وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 629

وقفات مع سورة الأعراف سورة الأعراف من أعظم السور التي ضمت بين جوانحها كثيراً من الآيات العظيمة، والعبر الكريمة، والمواعظ الرحيمة، وقد تنوعت آياتها في المواضع التي تطرقت لها وتحدثت عنها، لكنها تشابهت في عظمتها وكريم معانيها.

стр. 630

بين يدي سورة الأعراف الحمد لله الذي ليس كمثله شيء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحي حين لا حي، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً. صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن القرآن العظيم هو أعظم ما أعطيه نبينا ﷺ ، الذي حوى صوراً عظيمة تتضمن عظات بالغة، وآيات محكمة. وفي هذا اللقاء المبارك وقفات مع سورة الأعراف أو مع بعض آياتها، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا فيها وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 631

ذكر الميزان في سورة الأعراف سورة الأعراف مكية. ومما جاء في آياتها قول ربنا جل وعلا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، هذا الوزن الذي أخبر الله جل وعلا عنه يكون يوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد ويحشر العباد، وقد دل الكتاب والسنة إجمالاً على أن للميزان كفتين، كما قال ﷺ : (فطاشت السجلات ورجحت البطاقة)، لكن اختلف العلماء، في ما الذي يوزن: فقال بعضهم: الذي يوزن صاحب العمل، واحتجوا بأن النبي ﷺ قال في حق عبد الله بن مسعود: (أتعجبون من دقة ساقيه؟ لهما أثقل في الميزان من جبل أحد)، وقال آخرون: إن الذي يوزن هو العمل نفسه؛ لقوله ﷺ : (والحمد لله تملأ الميزان)، وقال آخرون: إنما تجعل الأعمال في صحائف وتوزن الصحائف، واحتج أصحاب هذا القول بقول النبي ﷺ : (فوضعت السجلات في كفة والبطاقة في كفة فرجحت البطاقة وطاشت السجلات)، والذي يظهر والعلم عند الله أن كل هذا صحيح، فيوزن العمل وصاحبه، وتوزن صحائف العمل، ثم يكون بعد ذلك أو قبله أخْذ الناس لكتبهم بأيمانهم أو بشمائلهم.

стр. 632

بيان أن التكذيب بالله ورسوله سبب كل نقمة وبلاء قال الله جل وعلا في هذه السورة المباركة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠]. القلوب أوعية، والتصديق بكلام الرب ﵎ هو مفتاح الدخول إلى رحمته، كما أن التكذيب بالله جل وعلا وبما جاء عن الله والتكذيب برسول ﷺ وبما جاء عنه هو سبب كل نقمة وبلاء، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠]، فالتكذيب بكلام الله جل وعلا سبب لكل بلاء وهو عنوان الكفر، والتصديق بما جاء عن الله والعمل به هو عنوان الإيمان، والله هنا يقول: ((إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا))، فهم لم يصدقوا بها أصلاً، وأعرضوا عنها إعراضاً، قال الله بعدها: ((لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ))، والسماء خلق من خلق الله، وهي طباق يركِّب بعضها بعضاً، خلقها الله جل وعلا وجعلها سقفاً محفوظاً، تمر عليها أعمال بني آدم، فكم من عبد صالح على فراشه يرفع من العمل ما تفتح له أبواب السماء، وكم من عبد لم يعرف الله طرفة عين لا يرفع له عمل ولا تقبل له دعوة حتى إذا مات هذا وهذا بكت السماء والأرض على من فقدت الطريق إلى عمله، فإن العمل الصالح يرفع حتى يصبح له باب معين في السماء يغدو من خلاله عمل ابن آدم، فإذا عرف العبد عند أهل السماء بالعمل الصالح والطاعة فمات وفقد ذلك الموضع من السماء عمله فيبكي عليه، ولهذا قال الله عن أهل الوبال والخسران والكفران: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩]، وهنا يقول الله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ))، ثم علق الله ذلك بالمحال في لفظ تعرفه العرب، إذ أن من صنعتها أساليب الكلام قال الله جل وعلا: ((حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ))، وكل من أعطي عقلاً ولو مسكة منه، أدرك أنه لا يمكن للجمل أن يدخل في سم الخياط.

стр. 633

ذكر حوار أهل الجنة وأهل النار وأصحاب الأعراف في السورة ثم ذكر الله ﵎ جملة من النداءات تكون يوم القيامة، قصها الله جل وعلا سرداً؛ يتذكر بها المؤمن ويتعظ بها التقي، ويعرف كل من أراد وجه الله مآله، إن طبق ما جاء فيها من عمل، قال الله وهو أصدق القائلين يخبر عن أمر لم يكن بعد: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤]، قال العلماء: دخل طاوس بن كيسان على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين! اذكر يوم الأذان، قال: وما يوم الأذان، فتلا عليه هذه الآية: فصعق هشام، فقال طاوس ﵀: هذا ذل الخبر، فكيف إذاً بذل المعاينة؟! وقد أنزل الله على ألسنة رسله أمراً ووعداً على الإيمان بالله ورسله، والوعد على الإيمان هو الجنة، وأنزل نهياً حذر منه، وجعل على من تجاوزه وعيداً هو النار، فإذا آل أهل الجنة إلى الجنة -جعلني الله وإياكم منها- وآل أهل النار إلى النار -أعاذنا الله وإياكم منها- تحقق الوعد والوعيد لكلا الفريقين، فينادي أهل الجنة أصحاب النار كما حكى الله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٤ - ٤٥]. من أعظم ما يمكن أن يتحلى به عبد من السفال والوبال أن يكون ممن يصد عن سبيل الله جل وعلا. ثم ذكر الله نداء آخر، قال الله جل وعلا قبلها: ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ [الأعراف:٤٦] أي: بين أهل الجنة والنار: ﴿حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ﴾ [الأعراف:٤٦]، ظاهر القرآن أنها أماكن مرتفعة؛ لأن العرف في لغة العرب هو: ما علا وارتفع. ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا﴾ [الأعراف:٤٦] أي: أصحاب الأعراف: ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦]، هذا إخبار بحال أهل الأعراف. والمقصود من هذا: أن الإنسان إما إلى خير وإما إلى شر، وإن عجز فعلى الأقل أن ينتسب إلى أهل الخير أو أن يحاول أن يبتعد عن أهل الشر، فالله جل وعلا يبين هنا أن أصحاب الأعراف باختيارهم وإرادتهم ينظرون إلى أصحاب الجنة، فإذا نظروا إليهم وقد استقروا في الجنة نادوهم، قال الله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ [الأعراف:٤٦] أي: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد، ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦] أي: يطمعون في دخولها؛ لأنهم أعطوا نوراً وذلك النور لم يطفأ بعد، فبقاء النور في أيديهم يجعل الطمع في قلوبهم يعظم في أنهم سيدخلون الجنة. ثم قال الله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٧] أسندها الله -كما يقول النحويون- إلى ما لم يسم فاعله، لم يقل الله: إن أبصارهم تصرف بإرادتهم، وإنما قال: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، هؤلاء الأخيار الذين على الأعراف لا يريدون أن يروا حتى أهل النار فضلاً على أن ينتسبوا إليهم. ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٧] أنخ مطاياك هنا أيها المبارك وتأمل! فهؤلاء قوم النور في أيديهم، والجنة على مرأى من أعينهم ومع ذلك يبقى لديهم خوف أن يدخلوا النار، ولا يمكن لأحد مهما استقام قلبه، وحسن عمله، وصلحت سريرته أن يأمن مكر الله، قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، فهؤلاء من أصحاب الأعراف هم على تلال مشرفة من الجنة، والله يذكر عنهم خيراً ويثني عليهم، ومع ذلك يعلمون أن النجاة أبداً لا تكون إلا بيد الله وبالالتجاء إلى الله. قال الله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٧] يصيبهم في قلوبهم الفزع والخوف، ويرون على أصحاب النار الذل والهوان، وليست الآخرة دار عمل، ولا يمكنهم أن يعملوا طاعة حينها، فلا مفر من غير الالتجاء إلى الله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٧]، فإن رأيت أحداً ممن ابتلاه الله بمعصية فاحذر من شيء وتمسك بشيء؛ احذر من أن تشمت به، فإنك لا تدري لعل الله يهديه ويضلك، فهذا ما تحذر منه، وتمسك بأن تسأل الله العافية من مثل هذا الصنيع، قال الله على لسان أصحاب الأعراف: ((رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)). ذكر قال الله نداء لأهل النار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، الماء في الدنيا كما أنه أعز مفقود فإنه أذل موجود، ومع ذلك لا يتمنى أهل النار شيئاً أعظم من تمنيهم للماء، قال الله عنهم: ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ))، فيكون الجواب (( قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا)) أي: الماء والطعام: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ)). ثم جاء الوصف لأصحاب النار: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١].

стр. 634

ذكر إقامة الحجة على العباد في السورة ثم بين الله أنه أقام الحجة على عباده، والحجة أقيمت بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والأمة المحمدية ما أقيمت عليها حجة أعظم من بعثة محمد ﷺ ، ومن هذا القرآن الذي بين أيدينا، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٢ - ٥٣] وتأويله في الآية ليست بمعنى تفسيره، وإنما تأويله أي: يقع ما أخبر الله عنه من وعد ووعيد، وما كان يوماً ما في طيات الغيب يراه الناس عياناً. قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، أي: يقع ما أخبر الله عنه، وهذا لا يكون بكماله وتمامه إلا في عرصات يوم القيامة، قال جل وعلا: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف:٥٣].

стр. 635

ذكر عظم الله وكمال قدرته في السورة فلما أراهم الله عاقبة أعمالهم وكان الله بعباده غفوراً رحيماً، عرفهم الله جل وعلا بنفسه، وبين لهم جل وعلا أن مقاليد كل شيء بيديه، وأن الخلق خلقه والرزق بيده؛ حتى تنكسر قلوبهم وتذرف عيونهم وتقشعر جلودهم، فقال بعدها جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف:٥٤] كلمة رب تشعر الإنسان أنه في حفظ أحد عظيم، ولا أحد يحفظ ويكلأ مثل الله، فكلمة رب في معناها وفيما تضيفه على سامعها غير كلمة إله، فكلمة إله تضفي على السامع أنه يجب أن يعبد، أما كلمة رب فتضيف على السامع أنه في حفظ وكلأ، ولهذا قال الله جل وعلا لموسى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] حتى يشعره بالأمن والطمأنينة، ثم بعد أن أعطاه الرسالة قال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، فطالبه بالعبودية بعد أن قال له: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ))، وهنا يقول الله: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ))، وهو قادر جل شأنه على أن يخلقها في أقل من ذلك لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن قال العلماء: أراد الله جل وعلا أن يبين ويعلم عباده التؤدة والسكينة في الأمر: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، العرش سقف المخلوقات، وهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، والملائكة الذين يحملونه إما ثمانية صفوف وإما ثمانية أفراد، قال الله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، واستواء الله جل وعلا على عرشه نثبته من غير بيان كيفيته، فالاستواء معلوم والكيف مجهول، لكن نقول كما قال الأخيار من قبلنا: استواء يليق بجلاله وعظمته، لكن يجب أن يستصحب ذلك أن تعلم أن ربك غني عن العرش وغني عن حملة العرش، بل إن العرش ومن يحمله من الملائكة ومن يطوف حوله وسائر الخلق كلهم فقراء إليه جل وعلا. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] يقول العلماء: إن الله خلق الليل قبل النهار، قال سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]، ومعنى: ((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ))، أي: يغطيه بظلامه. ثم قال جل وعلا: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤] وهذه الأشياء خلق من خلقه، يقول ﷺ لـ أبي ذر وقد نظر إلى الشمس: (أتدري أين تذهب؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تأتي عند العرش فتسجد، ثم تستأذن ربها فيأذن لها، حتى يأتي يوم فتستأذن فلا يؤذن لها، فتطلع على الناس من المغرب، هنالك تؤمن كل نفس لم تكن آمنت من قبل)، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. فربنا هنا يقول: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ففرق الله ما بين الخلق والأمر، وهذه أحد أدلة أهل السنة على أن القرآن منزل غير مخلوق، ففرق الله جل وعلا ما بين خلقه وبين أمره، فبعض الأشياء خلقها الله خلقاً، وبعض الأشياء كانت أمراً، والقرآن من أمره جل وعلا؛ لأنه كلامه ﵎ وصفة من صفاته، كما أن ذات الله لا يشبهها شيء، فكذلك صفات الله لا يشبهها شيء، قال الله جل وعلا: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] أي: تقدس وتعاظم وتعالى، واللفظ (تبارك) لا يخاطب به أحد غير الله، لا يقال لغير الله: تبارك، كائناً من كان، فلا تقال لمحمد ﵊ ولا لجبريل ولا لإخوانه من النبيين، ولا لإخوان جبريل من الملائكة عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام. والقرآن منزل من عند الله لا يمكن أن يرقى أحد إلى أسلوبه وبيانه، فلما عرَّف الله بذاته العلية دعا الله جل وعلا عباده إلى أن يدعوه. قال الله جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف:٥٤ - ٥٥] أي: ربكم الذي عرفكم بنفسه قبل قليل: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]، فأما قوله جل وعلا: ((تَضَرُّعًا))، هذا حال من قلب الداعي؛ أن يدعو الإنسان يدعو وهو منكسر ذو وجل، وهو يرغب من الله جل وعلا أن يجيبه، ويطمع في رحمة ربه، يعرف أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن مقاليد كل شيء بيديه، ويقول جل وعلا: ((ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً))، وهذا حال الداعي، وكلما كان الداعي يدعو في مكان مستتر كما دعا زكريا ﵊ في مكان خلي بقلب نقي وصوت خفي: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣]، كان أجدر في أن يجيبه الله. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبدُ الله شيئاً أخبر الله أنه لا يكون، فمثلاً الله جل وعلا أخبر أن محمداً ﷺ خاتم النبيين، فلا يأتي أحد يطلب من الله النبوة، مع أننا نعلم جميعاً أن الله قادر على أن يجعلنا أنبياء، لكن الله جل وعلا ختم النبوات برسالة محمد ﷺ ، فمن الاعتداء في الدعاء أن يطلب الإنسان هذا وأمثاله، ((إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)).
следующие страницы →