← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ذكر الميزان في سورة الأعراف سورة الأعراف مكية. ومما جاء في آياتها قول ربنا جل وعلا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، هذا الوزن الذي أخبر الله جل وعلا عنه يكون يوم القيامة، يوم يقوم الأشهاد ويحشر العباد، وقد دل الكتاب والسنة إجمالاً على أن للميزان كفتين، كما قال ﷺ : (فطاشت السجلات ورجحت البطاقة)، لكن اختلف العلماء، في ما الذي يوزن: فقال بعضهم: الذي يوزن صاحب العمل، واحتجوا بأن النبي ﷺ قال في حق عبد الله بن مسعود: (أتعجبون من دقة ساقيه؟ لهما أثقل في الميزان من جبل أحد)، وقال آخرون: إن الذي يوزن هو العمل نفسه؛ لقوله ﷺ : (والحمد لله تملأ الميزان)، وقال آخرون: إنما تجعل الأعمال في صحائف وتوزن الصحائف، واحتج أصحاب هذا القول بقول النبي ﷺ : (فوضعت السجلات في كفة والبطاقة في كفة فرجحت البطاقة وطاشت السجلات)، والذي يظهر والعلم عند الله أن كل هذا صحيح، فيوزن العمل وصاحبه، وتوزن صحائف العمل، ثم يكون بعد ذلك أو قبله أخْذ الناس لكتبهم بأيمانهم أو بشمائلهم.

стр. 632

بيان أن التكذيب بالله ورسوله سبب كل نقمة وبلاء قال الله جل وعلا في هذه السورة المباركة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠]. القلوب أوعية، والتصديق بكلام الرب ﵎ هو مفتاح الدخول إلى رحمته، كما أن التكذيب بالله جل وعلا وبما جاء عن الله والتكذيب برسول ﷺ وبما جاء عنه هو سبب كل نقمة وبلاء، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠]، فالتكذيب بكلام الله جل وعلا سبب لكل بلاء وهو عنوان الكفر، والتصديق بما جاء عن الله والعمل به هو عنوان الإيمان، والله هنا يقول: ((إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا))، فهم لم يصدقوا بها أصلاً، وأعرضوا عنها إعراضاً، قال الله بعدها: ((لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ))، والسماء خلق من خلق الله، وهي طباق يركِّب بعضها بعضاً، خلقها الله جل وعلا وجعلها سقفاً محفوظاً، تمر عليها أعمال بني آدم، فكم من عبد صالح على فراشه يرفع من العمل ما تفتح له أبواب السماء، وكم من عبد لم يعرف الله طرفة عين لا يرفع له عمل ولا تقبل له دعوة حتى إذا مات هذا وهذا بكت السماء والأرض على من فقدت الطريق إلى عمله، فإن العمل الصالح يرفع حتى يصبح له باب معين في السماء يغدو من خلاله عمل ابن آدم، فإذا عرف العبد عند أهل السماء بالعمل الصالح والطاعة فمات وفقد ذلك الموضع من السماء عمله فيبكي عليه، ولهذا قال الله عن أهل الوبال والخسران والكفران: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩]، وهنا يقول الله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ))، ثم علق الله ذلك بالمحال في لفظ تعرفه العرب، إذ أن من صنعتها أساليب الكلام قال الله جل وعلا: ((حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ))، وكل من أعطي عقلاً ولو مسكة منه، أدرك أنه لا يمكن للجمل أن يدخل في سم الخياط.

стр. 633

ذكر حوار أهل الجنة وأهل النار وأصحاب الأعراف في السورة ثم ذكر الله ﵎ جملة من النداءات تكون يوم القيامة، قصها الله جل وعلا سرداً؛ يتذكر بها المؤمن ويتعظ بها التقي، ويعرف كل من أراد وجه الله مآله، إن طبق ما جاء فيها من عمل، قال الله وهو أصدق القائلين يخبر عن أمر لم يكن بعد: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤]، قال العلماء: دخل طاوس بن كيسان على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين! اذكر يوم الأذان، قال: وما يوم الأذان، فتلا عليه هذه الآية: فصعق هشام، فقال طاوس ﵀: هذا ذل الخبر، فكيف إذاً بذل المعاينة؟! وقد أنزل الله على ألسنة رسله أمراً ووعداً على الإيمان بالله ورسله، والوعد على الإيمان هو الجنة، وأنزل نهياً حذر منه، وجعل على من تجاوزه وعيداً هو النار، فإذا آل أهل الجنة إلى الجنة -جعلني الله وإياكم منها- وآل أهل النار إلى النار -أعاذنا الله وإياكم منها- تحقق الوعد والوعيد لكلا الفريقين، فينادي أهل الجنة أصحاب النار كما حكى الله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٤ - ٤٥]. من أعظم ما يمكن أن يتحلى به عبد من السفال والوبال أن يكون ممن يصد عن سبيل الله جل وعلا. ثم ذكر الله نداء آخر، قال الله جل وعلا قبلها: ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ [الأعراف:٤٦] أي: بين أهل الجنة والنار: ﴿حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ﴾ [الأعراف:٤٦]، ظاهر القرآن أنها أماكن مرتفعة؛ لأن العرف في لغة العرب هو: ما علا وارتفع. ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا﴾ [الأعراف:٤٦] أي: أصحاب الأعراف: ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦]، هذا إخبار بحال أهل الأعراف. والمقصود من هذا: أن الإنسان إما إلى خير وإما إلى شر، وإن عجز فعلى الأقل أن ينتسب إلى أهل الخير أو أن يحاول أن يبتعد عن أهل الشر، فالله جل وعلا يبين هنا أن أصحاب الأعراف باختيارهم وإرادتهم ينظرون إلى أصحاب الجنة، فإذا نظروا إليهم وقد استقروا في الجنة نادوهم، قال الله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ [الأعراف:٤٦] أي: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد، ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦] أي: يطمعون في دخولها؛ لأنهم أعطوا نوراً وذلك النور لم يطفأ بعد، فبقاء النور في أيديهم يجعل الطمع في قلوبهم يعظم في أنهم سيدخلون الجنة. ثم قال الله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٧] أسندها الله -كما يقول النحويون- إلى ما لم يسم فاعله، لم يقل الله: إن أبصارهم تصرف بإرادتهم، وإنما قال: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، هؤلاء الأخيار الذين على الأعراف لا يريدون أن يروا حتى أهل النار فضلاً على أن ينتسبوا إليهم. ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٧] أنخ مطاياك هنا أيها المبارك وتأمل! فهؤلاء قوم النور في أيديهم، والجنة على مرأى من أعينهم ومع ذلك يبقى لديهم خوف أن يدخلوا النار، ولا يمكن لأحد مهما استقام قلبه، وحسن عمله، وصلحت سريرته أن يأمن مكر الله، قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، فهؤلاء من أصحاب الأعراف هم على تلال مشرفة من الجنة، والله يذكر عنهم خيراً ويثني عليهم، ومع ذلك يعلمون أن النجاة أبداً لا تكون إلا بيد الله وبالالتجاء إلى الله. قال الله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٧] يصيبهم في قلوبهم الفزع والخوف، ويرون على أصحاب النار الذل والهوان، وليست الآخرة دار عمل، ولا يمكنهم أن يعملوا طاعة حينها، فلا مفر من غير الالتجاء إلى الله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٧]، فإن رأيت أحداً ممن ابتلاه الله بمعصية فاحذر من شيء وتمسك بشيء؛ احذر من أن تشمت به، فإنك لا تدري لعل الله يهديه ويضلك، فهذا ما تحذر منه، وتمسك بأن تسأل الله العافية من مثل هذا الصنيع، قال الله على لسان أصحاب الأعراف: ((رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)). ذكر قال الله نداء لأهل النار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، الماء في الدنيا كما أنه أعز مفقود فإنه أذل موجود، ومع ذلك لا يتمنى أهل النار شيئاً أعظم من تمنيهم للماء، قال الله عنهم: ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ))، فيكون الجواب (( قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا)) أي: الماء والطعام: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ)). ثم جاء الوصف لأصحاب النار: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١].

стр. 634

ذكر إقامة الحجة على العباد في السورة ثم بين الله أنه أقام الحجة على عباده، والحجة أقيمت بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والأمة المحمدية ما أقيمت عليها حجة أعظم من بعثة محمد ﷺ ، ومن هذا القرآن الذي بين أيدينا، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٢ - ٥٣] وتأويله في الآية ليست بمعنى تفسيره، وإنما تأويله أي: يقع ما أخبر الله عنه من وعد ووعيد، وما كان يوماً ما في طيات الغيب يراه الناس عياناً. قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، أي: يقع ما أخبر الله عنه، وهذا لا يكون بكماله وتمامه إلا في عرصات يوم القيامة، قال جل وعلا: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف:٥٣].

стр. 635

ذكر عظم الله وكمال قدرته في السورة فلما أراهم الله عاقبة أعمالهم وكان الله بعباده غفوراً رحيماً، عرفهم الله جل وعلا بنفسه، وبين لهم جل وعلا أن مقاليد كل شيء بيديه، وأن الخلق خلقه والرزق بيده؛ حتى تنكسر قلوبهم وتذرف عيونهم وتقشعر جلودهم، فقال بعدها جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف:٥٤] كلمة رب تشعر الإنسان أنه في حفظ أحد عظيم، ولا أحد يحفظ ويكلأ مثل الله، فكلمة رب في معناها وفيما تضيفه على سامعها غير كلمة إله، فكلمة إله تضفي على السامع أنه يجب أن يعبد، أما كلمة رب فتضيف على السامع أنه في حفظ وكلأ، ولهذا قال الله جل وعلا لموسى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] حتى يشعره بالأمن والطمأنينة، ثم بعد أن أعطاه الرسالة قال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، فطالبه بالعبودية بعد أن قال له: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ))، وهنا يقول الله: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ))، وهو قادر جل شأنه على أن يخلقها في أقل من ذلك لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن قال العلماء: أراد الله جل وعلا أن يبين ويعلم عباده التؤدة والسكينة في الأمر: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، العرش سقف المخلوقات، وهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، والملائكة الذين يحملونه إما ثمانية صفوف وإما ثمانية أفراد، قال الله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، واستواء الله جل وعلا على عرشه نثبته من غير بيان كيفيته، فالاستواء معلوم والكيف مجهول، لكن نقول كما قال الأخيار من قبلنا: استواء يليق بجلاله وعظمته، لكن يجب أن يستصحب ذلك أن تعلم أن ربك غني عن العرش وغني عن حملة العرش، بل إن العرش ومن يحمله من الملائكة ومن يطوف حوله وسائر الخلق كلهم فقراء إليه جل وعلا. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] يقول العلماء: إن الله خلق الليل قبل النهار، قال سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]، ومعنى: ((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ))، أي: يغطيه بظلامه. ثم قال جل وعلا: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤] وهذه الأشياء خلق من خلقه، يقول ﷺ لـ أبي ذر وقد نظر إلى الشمس: (أتدري أين تذهب؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تأتي عند العرش فتسجد، ثم تستأذن ربها فيأذن لها، حتى يأتي يوم فتستأذن فلا يؤذن لها، فتطلع على الناس من المغرب، هنالك تؤمن كل نفس لم تكن آمنت من قبل)، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. فربنا هنا يقول: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ففرق الله ما بين الخلق والأمر، وهذه أحد أدلة أهل السنة على أن القرآن منزل غير مخلوق، ففرق الله جل وعلا ما بين خلقه وبين أمره، فبعض الأشياء خلقها الله خلقاً، وبعض الأشياء كانت أمراً، والقرآن من أمره جل وعلا؛ لأنه كلامه ﵎ وصفة من صفاته، كما أن ذات الله لا يشبهها شيء، فكذلك صفات الله لا يشبهها شيء، قال الله جل وعلا: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] أي: تقدس وتعاظم وتعالى، واللفظ (تبارك) لا يخاطب به أحد غير الله، لا يقال لغير الله: تبارك، كائناً من كان، فلا تقال لمحمد ﵊ ولا لجبريل ولا لإخوانه من النبيين، ولا لإخوان جبريل من الملائكة عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام. والقرآن منزل من عند الله لا يمكن أن يرقى أحد إلى أسلوبه وبيانه، فلما عرَّف الله بذاته العلية دعا الله جل وعلا عباده إلى أن يدعوه. قال الله جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف:٥٤ - ٥٥] أي: ربكم الذي عرفكم بنفسه قبل قليل: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]، فأما قوله جل وعلا: ((تَضَرُّعًا))، هذا حال من قلب الداعي؛ أن يدعو الإنسان يدعو وهو منكسر ذو وجل، وهو يرغب من الله جل وعلا أن يجيبه، ويطمع في رحمة ربه، يعرف أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن مقاليد كل شيء بيديه، ويقول جل وعلا: ((ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً))، وهذا حال الداعي، وكلما كان الداعي يدعو في مكان مستتر كما دعا زكريا ﵊ في مكان خلي بقلب نقي وصوت خفي: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣]، كان أجدر في أن يجيبه الله. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبدُ الله شيئاً أخبر الله أنه لا يكون، فمثلاً الله جل وعلا أخبر أن محمداً ﷺ خاتم النبيين، فلا يأتي أحد يطلب من الله النبوة، مع أننا نعلم جميعاً أن الله قادر على أن يجعلنا أنبياء، لكن الله جل وعلا ختم النبوات برسالة محمد ﷺ ، فمن الاعتداء في الدعاء أن يطلب الإنسان هذا وأمثاله، ((إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)).

стр. 636

ذكر خلق الناس من نفس واحدة وبيان حالة التضرع لله في حال الضراء قال الله جل وعلا بعدها في آيات أخر من هذا السورة المباركة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٨٩]، النفس المذكورة هي: نفس آدم، وآدم ﵇ نبي مكلم كما أخبر ﷺ ، فقد جاء في الحديث: (قيل: يا نبي الله! أكان آدم نبياً؟ قال: نعم، نبي مكلم)، فالله يقول: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ))، والخطاب للناس، ((مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)) هي نفس آدم ﵊، ((وَجَعَلَ مِنْهَا)) أي: من نفس آدم: ((زَوْجَهَا))، وكلمة زوج في الآية المقصود بها. أمنا حواء، خلقها الله جل وعلا من أحد أضلاع آدم، قال الله معللاً: ((لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا))، فالبيوت ينبغي أن تبنى على الطمأنينة والسكينة، ثم ينتهي الخطاب القرآني هنا عن آدم وزوجه، ويأتي الخطاب عن جنس البشر لا عن آدم ولا عن زوجته، قال الله: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا))، ثم قال: ((فَلَمَّا تَغَشَّاهَا))، وهذا انتقال في الخطاب لا يمكن أن يطبق على آدم؛ لأن ما سيأتي بعده داخل في منظومة الشرك، وأنبياء الله منزهون عن الشرك، فقال الله ﵎: ((فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ)) أي: الزوجة: ((حَمْلًا خَفِيفًا))، وهذه أولى درجات الحمل. ثم قال ربنا وهو الخالق: ((فَلَمَّا أَثْقَلَتْ)) أي: ازداد الحمل وهناً على وهن، وأصبح الذين كانوا بالأمس يستبشرون بالحمل يخافون اليوم من آلام الولادة، يخافون أن يفقدوا الزوجة، فيصبح في الناس شدة خوف، فيقول الله جل وعلا: ((فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا)) أي: تضرعا إلى الله بسلامة المولود وصلاحه وهما: الأب والأم، ((لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)). قال الله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠]. قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) يبينها الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيء)، فالله يقول: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولما ذكر الله القرآن، قال لمن كذب القرآن قال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء:١٠٧]، فإيمان الناس بالقرآن لا يزيد القرآن كمالاً، وكفر الناس بالقرآن لا يورث القرآن نقصاً؛ فالقرآن من عند الله آمن به من آمن وكفر به من كفر، والله جل وعلا غني عن الشركاء غني عن الطاعة لا تضره المعاصي، فقال الله جل وعلا: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا))، وهذا كما قلت: لا يمكن أن ينزل على آدم. ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]. إن من أعظم ما بينه القرآن: أن قضية الخلق فيصل، فالله جل وعلا وحده تفرد بالخلق والرزق، وبما أنه جل وعلا وحده تفرد بالخلق والرزق فلزاماً أنه لا ينبغي أن تفرد العبادة إلا له ﵎، ولهذا لما أراد الله أن يقيم الحجة على خلقه قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠ - ١٩١]، كيف يشرك ويساوى ما بين مخلوق لا يخلق مع الخلاق العظيم ﷻ ؟! ومن جملة ما دلت عليه الآية: أن الإنسان جُبِل على التضرع إلى ربه في الضراء، حتى أهل الكفر، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٦٧]، والضراء في الغالب لا تميز المؤمن من الكافر، لكن يميز الكافر من المؤمن إذا انتهى الضر ورفعت البلوى بقدر الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢]، وأولياء الله والعارفون به والمؤمنون به؛ يعبدونه جل وعلا، ويتضرعون إليه في السراء والضراء، كما قال ابن قدامة: ما الذي على لوح ترفعه أمواج البحر وتضعه بأفقر إلى الله جل وعلا منك وأنت في مكانك هذا. فحاجة أي أحد إلى الله جل وعلا سواء، فالإنسان لو دخل قصور الملوك، وبيوت الأثرياء، ودهاليز أهل الثراء هو فقير إلى الله كفقر من هو في البحر على لوح لا يمكن أن يستغنى عن الله طرفة عين، وعندما يعرف العبد أنه في أعظم حاجة إلى ربه، فهو الذي عرف ربه حقاً؛ لأن معرفة العبد بفقره إلى الله يورثه انكساراً، والانكسار يورثه عبادة، لعله بعبادته لربه يستجلب رحمته ويستدفع نقمته، فإذا رفعت البلوى والضر تميز من كان يعبد الله على بصيرة ممن كان يعبده لعارض، تقول العرب: صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا قامَ

стр. 637

ذكر لقاء موسى ربه في السورة قال الله جل وعلا في هذه السورة المباركة: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٤٣]، موسى هو كليم الله وصفيه، وهو ابن عمران، بعثه الله جل وعلا إلى فرعون وإلى الملأ من قومه من بني إسرائيل، وهذا الإخبار الذي قاله الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ كان في صحراء التيه، وموسى ﵊ والملأ الذين معه خرجوا إلى صحراء التيه بعد خروجهم من أرض مصر، قال الله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف:١٣٨] وموسى ﵊ كان يسكن في مصر؛ لأن بني إسرائيل استوطنوا مصر بعد أن جاء يعقوب بدعوة من ابنه يوسف، ثم تناسلوا، فأمر الله موسى بقوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]، فسرى بعباد الله المؤمنين ليلاً، وجاوز البحر، فأتبعه فرعون بجنوده بغياً وعدواً فأغرقه الله، فلما مكثوا في أرض التيه، أمرهم نبيهم: أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] وامتنعوا عن الجهاد، قال الله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٥ - ٢٦]. في تلك الحقبة الزمنية قبل أن يموت موسى وبعد أن نجا من البحر، أعطاه الله جل وعلا موعداً قال الله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢] فصامها ﵊ كما يقول أهل التفسير، وكانت شهر ذي القعدة، ثم إنه استحيا أن يلقى الله وعليه خلوف فم الصائم فطعم، فلما طعم عاقبه ربه وليس عقاباً الذنب، لكن لخلاف الأولى، فزادها الله عشراً، فصام عشراً، فكان الميقات مكانياً وزمانياً، أما الميقات الزماني فلم يذكره القرآن، لكن أهل التفسير يقولون: إن موسى كلم ربه في اليوم العاشر من ذي الحجة، وأما الميقات المكاني فإن الله ذكره في القرآن: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ﴾ [طه:٨٠]، فإن الله جل وعلا كلم موسى عند جانب الطور الأيمن التكليم الثاني؛ التكليم الأول كان وقت البعثة، والتكليم الثاني كان بعد النجاة من البحر، قال الله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٤٢ - ١٤٣] لميقات زماني ومكاني ضربه الله له. قال الله: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فالله جل وعلا كلم موسى تكليماً يليق بجلاله وعظمته وقد سمعه موسى ووعاه. أعطي موسى منزلة أحب أن يرتقي إلى أعلى منها، قال الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ثم من باب التعزية والتسلية له قال له ربه: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣] إذا بالجبل تسيح هضباته وتدك صخراته، فلما رأى موسى ما حل بالجبل قال كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وصعق بمعنى: أغمي عليه: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: من صعقته، ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] تنزيهاً لله عما لا يليق به: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: وأنا أول من يؤمن أنك لن ترى في الدنيا، أو ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)) من بني إسرائيل، تحمل على عدة محامل. رؤية الله جل وعلا في الدنيا جائزة عقلاً ممتنعة شرعاً، وفي الآخرة جائزة وواقعة عقلاً وشرعاً، ومعنى هذا: أن الله قادر في الدنيا على أن يعطينا قدرة نراه فيها، فهي من حيث العقل يمكن أن نقول: إن الله قادر على أن يعطينا قدرة أن نراه فيها هذا معنى الجواز العقلي، ممتنعة شرعاً؛ لأن الله قال: ((لَنْ تَرَانِي))، فدل الشرع على أنها لن تقع، وهذا الأمة كلها متفقة عليه، وبقيت الرؤية في الآخرة وقد ذكر القرآن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال ﷺ : (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)، فهي جائزة عقلاً؛ لأنها إذا كانت في الدنيا جائزة عقلاً فمن باب أولى أن تكون في الآخرة جائزة عقلاً، لكنها في الآخرة زيادة واقعة قدراً وشرعاً؛ لأن الله جل وعلا أخبر أن عباده المؤمنين سيرون ربهم ﵎. ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] فذكر الله منته على هذا الكريم. ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ [الأعراف:١٤٤] أي: اجتبيتك واخترتك، ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف:١٤٤] وهذا من ألفاظ العموم التي يراد بها الخاص؛ لأن موسى ﵊ ليس أفضل الخلق كلهم، وإنما المراد بكلمة الناس هنا: أهل زمانه. ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤] والشكر من أعظم مناقب أولياء الله الصالحين.

стр. 638

قواعد في شكر الله وللشكر قواعد نجملها فيما يلي: أولها: أن يستقر في القلب أن النعمة من الله. والثاني: أن يلهج اللسان بذكر الله لها وأن يعرَّف العبد بها غيره: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]. وألا تستعمل في معصية الله، وأن تستعمل في طاعة، فهذه من حيث الإجمال قواعد الشكر. قال الله جل وعلا بعد أن من على آل داود: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨١] إلى أن قال جل وعلا: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، فالله جل وعلا يفيء على عباده النعم ويطالبهم بالشكر، مع علمه ﵎ ومع علمنا أن الله جل وعلا غني عن شكر الشاكرين كما حررناه سابقاً، لكن شكر العبد يعود عليه، كما قال الله: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:١٢]. قال الله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤].

стр. 639

وقفة مع قوله تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخفية) قال الله جل وعلا في آيات بعدها: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]. هذه وصية من رب العالمين لنبينا ﷺ في المقام الأول بأن يكثر من ذكر الله، وذكر الله جل وعلا: حياة الضمائر، وأنس السرائر، وأقوى الذخائر؛ أمر الله به عباده على كل حال، وقال العلماء لو كان ذكر الله يستثنى منه أحد لاستثنى الله منه زكريا يوم أن قال له ربه: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:٤١]، ثم قال له: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١]، ومن أحب الله حقاً أكثر من ذكره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]، قال ﷺ : (سبق المفردون! قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات). وختم الله هذه الوصية بقوله: ((وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ))، والغفلة أن يكون في الإنسان ميل وجنوح عن ذكر ربه أو عن عبادة ربه إجمالاً، وللغفلة أسباب قد تكون علمية محضة لا تصلح في موعظة.

стр. 640

وقفة مع قوله تعالى: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) ثم لما بين الله جل وعلا لنبيه وأرشده إلى أن يكثر من ذكر الله ذكر له أنموذجاً من عباده الصالحين الذين يذكرون ربهم، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] هذه آخر آية في سورة الأعراف وأول آية فيها سجدة في القرآن نقف عندها كثيراً. قال الله: ((إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ)) (عند) مكانية، والملائكة الأصل أن أمكنتهم -أي: مساكنهم- السماء، كما جاء في الحديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط، والله! ما من موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى)، والملكوت الأعلى ملكوت إيماني تعمره الملائكة؛ العرش تحمله الملائكة، وحول العرش طائفة أخرى تطوف، ثم لكل سماء خزنتها، والملائكة لهم آداب عامة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم:٦٤]، فهم يستحيون عظيم الحياء من ربهم، يقول ﷺ ، كما في حديث النواس بن سمعان: (إن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة شديدة، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فإذا رفع رأسه أوحى الله إليه بما شاء من الأمر، ثم يمضي على كل سماء، كلما مر على سماء سأله ملائكته: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير). والملائكة منهم أعلام معروفة كجبريل وإسرافيل وملك الموت وميكال ومالك وهو أحد خزنة النار، وهاروت وماروت وهذان ابتلى الله جل وعلا بهما أهل بابل، وغيرهم ممن نعلم ما وكل إليهم وما أسند إليهم، لكننا لا نعلم أسماءهم؛ ولكن نقول بالجملة: إن الملائكة يتفقون مع الجن في أننا لا نراهم، ويتفق الجن معنا أن كلينا مكلفان، والملائكة والجن كلاهما عقلاء مثلنا، فنتفق الثلاثة في أننا جميعاً عقلاء: الإنس والجن والملائكة، ونختلف في أن الجن والإنس يتفقان أنهما مكلفون والملائكة غير مكلفين. والجن تحكمهم الصورة، والملائكة لا تحكمهم الصورة، والمعنى: لو أن جنياً تشكل في هيئة مخلوق، ثم قتل ذلك المخلوق فإنه يموت الجني في الهيئة التي تشكل بها، وأهل العلم يقولون: لو أن ملكاً تشكل في هيئة كمثل جبريل لما تشكل في صورة رجل تام الخلقة لـ مريم، لو قدر جدلاً أن أحداً طعنه فإنه لا يموت، فالصورة لا تحكمه كما تحكم الجني، وأحد التابعين دخل على أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه في بيته في المدينة وهو يصلي، فمكث ينتظر أبا سعيد أن يفرغ من صلاته، فنظر في عراجين البيت فإذا حية فهمَّ الرجل الذي ينتظر أبا سعيد أن يقتلها، فأشار إليه أبو سعيد أن مكانك، فلما فرغ من صلاته أخذ بيده وأخرجه من الدار وأشار إلى بيت غير بعيد، قال: انظر إلى تلك الدار، قال: نعم، قال: إنها كان يسكنها رجل منا معشر الأنصار، فلما كان يوم الأحزاب كان هذا الرجل حديث عهد بعرس، فكان يجاهد مع النبي ﷺ عند الخندق ويستأذنه إذا أمسى، فيأذن النبي له؛ لأنه حديث عهد بعرس، فذات يوم قال له ﷺ : (خذ معك -أو عليك- سلاحك فإني أخاف عليك بني قريظة -أخاف عليك غدر اليهود- فأخذ الرجل سلاحه ومضى إلى بيته، فلما أتى الدار إذا بزوجته خارج الدار، فأصابته الحمية والغيرة وسل سيفه، فقالت: لا تعجل -أي علي- وأشارت إليه أن ادخل الدار، فدخل فإذا حية قد التفت على فراشه، فأخرج سيفه فضربها، قال أبو سعيد ﵁ وهو يحكي الخبر عن هذا الرجل، قال: فلا يدرى أيهما أسبق موتاً، أي: الرجل الأنصاري الضارب أو الحية فكلاهما مات في آن واحد، فلما علم ﷺ بهذا قال: إن لكم إخواناً من الجن يعمرونها -أي البيوت- فإذا رأيتم مثل هذا فلا تقتلوه حتى تحرجوا عليه ثلاثاً)، هذا شاهد على قول من يقول: إن الجني تحكمه الصورة، لكنني لا أعلم دليلاً على قول من يقول: إن الملك لا تحكمه الصورة، لكنه من ناحية العقل قريب جداً، أما في النقل فلا أعلم له دليلاً كما قلت. والملائكة تعرف معنى البشارة فيفرحون بحمل البشارات إلى الناس؛ فنبينا ﷺ رزق من زوجته خديجة ستة أولاد؛ أربعة إناث واثنان ذكران: عبد الله والقاسم وكلاهما مات قبل البعثة، وهما صغيران، فبقيت البنات الأربع، والبنات الأربع ثلاث منهن توفين في حياته ﷺ ، فلم يبق له أحد من ظهره الشريف إلا فاطمة فزوجها علياً، وإن كان تزويجها لـ علي قبل وفاة أخواتها وقد زوجها بعد انصرافه من بدر لـ علي، فأنجبت الحسن والحسين من علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فلما أنجبت تعلق ﷺ بـ الحسن والحسين كونهما كانا ابناه؛ لأنه ﷺ ليس له أولاد يدرجون في بيته الطاهر، فكان يحبهما ويضع كل أحد منهما على فخذ ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما)، ويخرج لهما لسانه ويداعبهما بإخراج لسانه لهما، وينزل من المنبر ليحملهما، فهذا يصل خبره إلى الملكوت الأعلى، فتنافس الملائكة في أن تنقل البشارة لسيد الخلق ﷺ ، فيقول ﷺ لـ حذيفة: (أرأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ ملك نزل الليلة من السماء لم ينزل قبل، استأذن ربه في أن ينزل من السماء ليسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، فهذه من علاقة الملائكة ﵈ مع رسولنا ﷺ ، لكن أعظم الملائكة علاقة معه جبريل، وجبريل شخصية في منتهى العظمة بقدر الله، فإن جبريل يحمي النبي ﷺ كما في حديث: (أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يعفر وجهه بين أيديكم لأفعلن وأفعلن، فلما سجد ﷺ جاءه أبو جهل ثم تراجع، قال ﵊: لو أقدم علي لاختطفته الملائكة عضواً عضواً)، وفي بعض الروايات ما يؤكد أن جبريل هو الذي دفع أبا جهل، وفي ساحة القتال في يوم بدر كان جبريل يقود الملائكة، وكما أن جبريل ولي لرسول الله في الجانب العسكري فإنه ولي له في الجانب العلمي، يقول ﷺ يسأله الصحابة: (ما أحب الأماكن إلى الله؟ قال: المساجد. قالوا: وما أبغضها إلى الله؟ فسأل جبريل، فقال له جبريل: الأسواق)، ويقول ﷺ : (إن الدين أخبرني به جبريل آنفاً)، فهو شخصية عسكرية وشخصية علمية، وفي نفس الوقت شخصية عبادية، (لما مرض ﷺ كان جبريل يرقيه ويقول: باسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك)، فيبقى يرقيه ﵇، وهو في المقام الأول ينزل بالوحي على رسول الله ﷺ ، ولذلك كان ﷺ يحب جبريل حباً عظيماً. وهو الذي كان معه رفيقاً في هجرته، وجبريل كان يعلم الصحابة مادة الدين؛ ويعلمهم الطريقة التي ينقلون بها الدين، سيأتي حديث عمر: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ دخل علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)، وهذا لا يجتمع في وصف أحد؛ لأن أهل المدينة من الصحابة آنذاك يعرف بعضهم بعضاً، فالذي قدم من قريب من بيته من داره مترجلاً شعره ليس عليه أثر سفر، بياض ثيابه شديد هذا يدل على أنه قادم من أهل المدينة، أما الأعراف الذين يأتون من خارج المدينة لابد أن يرى عليهم أثر السفر، لكن هذا الجالس شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب وفي نفس الوقت لا يعرفه منا أحد، (ثم أسند يديه إلى ركبتيه، قال: أخبرني عن الإيمان) عن الإسلام عن الساعة، وجبريل هو الذي نزل بهذا على رسولنا ﷺ ، لكنه أسلوب في التعليم. وأوكل الله جل وعلا إلى ميكال النزول بالقطر من السماء، وإسرافيل أوكل الله جل وعلا إليه النفخ في الصور، وملك الموت أوكله الله جل وعلا بقبض الأرواح، وهؤلاء المباركون كلهم يجتمعون في أنهم كما قال الله: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، والسجود لله جل وعلا أعظم منقبة ولهذا حرم الله جل وعلا على النار أن تأكل من ابن آدم أعضاء السجود. هذا وعظ على وجه الإجمال حول سورة الأعراف نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. هذا ما تيسر إيراده وأعان الله على قوله. وصلى الله على محمد وعلى آله. والحمد لله رب العالمين.

стр. 641

نصرة خاتم الأنبياء لقد أساءت الصحافة الدنماركية إلى خير الخلق ورسول الرحمة محمد ﷺ بنشر الصور المسيئة إليه، ومن واجب المسلم أن ينصر رسول الله ﷺ بالطريقة الشرعية وفي المجال الذي يحسنه.

стр. 642

كيفية نصرة رسول الله ﷺ

стр. 643

كيف تنصر الأم رسول الله ﷺ المقدم: الأم في بيتها لها مسئوليتها كعضو من أعضاء الأسرة المسلمة، فماذا ينبغي عليها تجاه الأبناء في تغذيتهم بحب المصطفى ﷺ ؟ الشيخ: لا شك أن الرسول ﷺ رسول للإنس والجن، رسول للرجال والنساء، رسول للكبار والصغار، رسول للأغنياء والفقراء، رسول العرب والعجم والفرس والروم وغيرهم من الأمم في الأرض، فهو رسول للناس كافة ﷺ ، فهذا يقتضي أن على المرأة أن تقتدي به ﷺ وأن تدعو بنات جنسها لحبه ﷺ ، وأن تكون هي مقتدية برسولنا ﷺ في عباداته وأخلاقه وصفاته. أتت امرأة إليه الله عليه وسلم فقالت: اجعل لنا يوماً من نفسك يا رسول الله، فأعطاهن ﷺ يوماً، حتى إنه ﷺ علم المرأة شئونها الخاصة من مسائل الطهارة ومسائل الحيض والغسل من الجنابة، المسائل التي تتعلق بالأخلاق مثل تبرج المرأة وكالنكاح وأموره والطلاق والحضانة وغير ذلك. فالرسول ﷺ أعطى المرأة من حياته وقتاً طويلاً، واحتفى ﷺ واهتم بالمرأة، وهو الذي نادى بحقوقها ﵊، وهو الذي أثبت لها الحق الكامل ﷺ .

стр. 644

نصرة رسول الله بتربية الطلاب على سنته المقدم: ما الذي يمكن أن يفعله المربي والمعلم من خلال مسيرته التعليمية ومسيرته التربوية، فإننا نفتقد مسألة التوعية بالمصطفى ﷺ التعريف به والتعريف بسيرته وبالتالي إسقاطها على تصرفاتنا وأفعالنا! الشيخ: ببساطة ويسر أقول للمربي: إذا لم تحبب الرسول ﷺ إلى طلابك فاعلم أنك فاشل في أداء هذه المهمة الملقاة عليك، فإذا كنت تدرس هذه المواد فأول ما يجب عليك أن تحببهم في الإمام القدوة ﵊، وإذا لم تستطع أن تقول كلاماً فعليك أن تتمثل بصفات رسول الله ﷺ مع طلابك من الصبر والحكمة والتواضع وحسن الخلق؛ لأنك إذا فعلت ذلك نصرت الرسول ﵊ بكيانك وشخصك. أيضاً: أنا أتساءل: إلى أي وقت يدخر الكتاب والصحفيون ورجال الإعلام أقلامهم وبلاغتهم وأدبياتهم؟ إذا لم يبهرهم محمد ﷺ ويستول على قلوبهم، وإذا لم يحز على حبهم، فمن هو الشخص البديل؟ سيد الخلق ﵊ نبي خاتم ومعصوم ورسول من عند الله، ثم هو سبب نجاتك الآن. في صحيح البخاري أنه ﷺ لما دخل على الغلام اليهودي فأسلم اليهودي قال: (الحمد لله الذي أنقذه الله بي من النار)، فدل هذا على أن الرسول ﷺ سبب في إخراجنا من الظلمات إلى النور، وفي إنقاذنا من النار ودخولنا الجنة، فهذا السبب الأعظم، فاجعل بينك وبينه علاقة بأن تعلم سيرته وسنته وأن تكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ . اقرأ كيف كان يصلي وحاول أن تقتدي بكيفية صلاته ﷺ ، حقق أخلاقه، وحدث إخوانك وزملاءك وطلابك عن هذا الإمام الأعظم ﷺ .

стр. 645

نصرة رسول الله بالدعوة إلى دينه المقدم: أليس من الانتصار للرسول ﷺ أن ندعو إلى هذا الدين وإلى ما جاء به ﵊ بالطرق السليمة والوسائل التي أمرنا بها ربنا جل وعلا فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]. أقرأ هنا نصاً قصيراً للأديب الإنجليزي برنارد شو في كتابه (محمد)، هذا الكتاب الذي أحرقته السلطة البريطانية؛ يقول: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. وهنا أيضاً عدد من المقولات لبعض المنصفين. ألا ينبغي أن نكون أكثر حكمة وأكثر هدوءاً في دعوتنا حتى نستهدف بها هؤلاء المنصفين كي نستميلهم إلى ديننا. الشيخ: بلا شك أن مثل هذه الأقوال تثبت للعالم أن الرسول ﷺ أصبح -حتى عند من يخالفه ﵊ أو يعاديه- هو رجل الإنسانية وهو الإمام الأفضل ﵊ وهو القدوة، حتى أن مايكل هارت الذي ألف كتاب العظماء المائة جعل العظيم الأول محمداً ﷺ ، وقال: إني أعرف وأعلم أن الأمريكان سوف يغضبهم هذا، لكن ماذا أفعل؟ هي الحقيقة تفرض نفسها. وغيره كثير ممن اعترفوا بهذا كـ غوستاف لوبون وكـ كريسي ميرسون وغيرهم. ولكن ماذا فعلنا نحن أمام هذا الميراث الخالد الذي ورثه لنا ﵊، فإنه أعطانا أمانة بعد وفاته ﷺ فقال: (بلغوا عني ولو آية)، وقال: (وبشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)، وقال: (إنما بعثتم ميسرين)، فدل على أنا بعثنا بمبعثه ﷺ ، يعني: نحن تكلفنا حمل هذه الرسالة ولنا الشرف، فماذا فعلنا في هذا الميراث يجب أن الذي ننشره للناس. الآن اليهودي يدعو لليهودية مع العلم أنها محرفة وملغاة ومنسوخة برسالة الرسول ﷺ ، والنصراني يدعو للنصرانية مع العلم أنها منسوخة ومحرفة وملغاة برسالة الرسول ﵊، وكذلك البوذي، فكيف بالمسلم الذي هو على الحق والدين الخاتم والدين الوسط، حتى يقول : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].

стр. 646

نصرة رسول الله بالصلاة عليه وتعلم سنته والعمل بها المقدم: إذا عرفنا وسمعنا ما حصل من هذه الصحف التي صدر منها هذه الأفعال المشينة، فأنا كمسلم عادي عامي كيف يمكن أن أنصر رسول الله ﷺ ؟ الشيخ: كلنا يقاطع فيما يستطيع وفيما يقدر عليه وما وهبه الله ، الإنسان العادي من حق رسول الله ﷺ عليه أن يقوم بحقوقه الشرعية، من كثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ ، واتباعه ﷺ ، والاقتداء به ﷺ في الصلاة وفي العبادة، وفي الخلق الكريم وصلة الرحم وحقوق الجار، وذكر فضائله في المجالس على حسب القدرة والطاقة، وإدخال حبه في البيت على الزوجة والأبناء، وتعليم سيرته وسنته ﷺ ، وذكر قصصه. مجالسنا لابد أن يكون فيها الشيء الكثير من حياته ﷺ ، ولا نتشاغل بحياة غيره أكثر من حياته ﷺ ؛ لأنه إمام؛ ولأن دخولنا الجنة مرهون باتباع هذا النبي العظيم ﵊، ثم أقول لأهل المواهب: اتقوا الله، فموهبة لا ينصر بها الحق لا بارك الله فيها! صاحب الأدب ينصر محمداً ﷺ بمقالة أو بمقامة أو قصيدة، الصحفي المثقف الذي يصبح فيقول: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً رسولاً، يجب عليه أن ينصر هاديه. ثم نتساءل: ما هو سر فخرنا وسؤددنا وعزتنا وعظمتنا إلا هذا النبي العظيم ﵊، نحن قبل رسالته ﷺ كنا أعراباً ليس لنا تاريخ ولا مجد كما يقوله الأئمة. بعض القوميون الغلاة يقولون: مجدنا قديم نشأ قبل الرسالة. والصحيح أن مجدنا بدأ من محمد ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فحق الرسول ﷺ علينا أن نعترف، بهذه الحقية بالدفاع عنه والذب عن عرضه ﵊ ونشر سيرته وفضائله في الناس، وأن نعلن غضبتنا. إذا لم نغضب للرسول ﷺ فلا خير فينا، بل تصير هذه الأمة جثة محنطة، ونعترف أنها أمة مهزومة إذا لم تنتصر لرسولها العظيم ﷺ .

стр. 647

نصرة الرسول بالمقاطعة للدنمارك المقدم: لقد أثير في عدد من مواقع الإنترنت أن بعض الشركات قاطعت المنتجات الدنماركية ونحن حاولنا البارحة أن نتصل ببعض هذه المؤسسات وهذه الجهات لكي نتأكد من الخبر ونوثقه قبل أن نعلنه ويصبح دعاية إعلامية دون أن يكون هناك تطبيق عملي، فنريد أن تعلقوا على مسألة التفعيل الإعلامي وعلى كل أصولها؟ الشيخ: أولاً أشكر صاحب السمو الأمير نايف بن ممدوح وهو داعية قبل أن يكون (مسئولاً)، وأشكره على جهوده وعلى طرحه وعلى محاضراته وندواته التي يقوم بها، وفكرته في القناة فكرة رائدة، وأنا أريد أن تضم جهود هذه القنوات مع بعضها مثل المجد وغيرها، وإذا خرجت لنا القنوات الإسلامية تحمل هذا المفهوم وهذه الفكرة الرائدة في إصدار الصوت الإسلامي المعتدل الصحيح للناس فهو خير إلى خير. وأيضاً أنا أضم صوتي لأنني لست مع العواطف السلبية التي قد تثمر ردات فعل لا يحمد عقباها؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] كل حركات طائشة وعابثة غير مسئولة لا تنصر الإسلام، إنما ينصره العقل في محله والقوة في مكانها، وينصره الموقف المشرف، وأن تتخذ الإجراءات المناسبة. ثانياً: أشكر رجل الأعمال الأخ حسن المهدي على مواقفه، وليست بأول مواقف أبي محمد، فله سابقة في الإنترنت والمواقع، وقاد حملة ضد أهل الإلحاد والزندقة والذين يقدحون الثوابت، ونشكره على موقفه هذا في مسألة الدفاع عن حبيبه وحبيب الكل سيد الخلق ﷺ . وأحب أن أشكر رجال الأعمال الذين قاموا بمبادرات المقاطعة، فاليوم كلمت بعد الظهر رجل الأعمال عبد الله العثيم وشكرته؛ لأنه قاطع وأكد ذلك، فلله الحمد والشكر. وفي الطريق أناس وعدوا، وقد كلمهم بعض المشايخ والعلماء فوعدوا أن تكون منهم مقاطعة، وأنا أتمنى أن تكون المقاطعة رسمية وشعبية.

стр. 648

تحفيز الهمم لنصرة الرسول ﷺ المقدم: فضيلة الشيخ! نتيجة لهذه الحادثة التي حصلت، وهذا الاستهزاء الحاصل، هبت كثير من الجهات الدعوية والخيرية لنصرة المصطفى ﷺ ، أود منكم شيئاً من الحفز والدعم لهؤلاء القائمين على بعض المؤسسات الدعوية وغيرها في استنهاض همم كوادرها، وأيضاً في استحضار الطرائق الجديدة والجميلة التي يمكن أن تنتج أعمالاً راقية للدفاع عن رسول الله ﷺ . الشيخ: من هذا المنبر الرائد في إصدار الفكرة الإسلامية والدعوة أقول: ينبغي أن نقوم بأعمال. في النصرة، أنا أطلب من إخواني أئمة وخطباء المساجد في مساجد المملكة أن يخصصوا الخطبة غداً للدفاع عن الرسول ﷺ ولا يعذر أحد، هل يحدثنا الخطيب غداً عن حق الجار أو آداب المشي إلى الصلاة، أو عن مسألة من المسائل الاجتماعية، أو عن ظاهرة الطلاق، ورسولنا ﷺ يتعرض للاستهزاء أمام العالم والسخرية ولا يغضب، غداً سوف تكون الخطبة عنه ﷺ . ثانياً: أرى أنه يجب على كل كاتب مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويجيب الأذان إذا أذن، أن يخصص مقالة للدفاع عنه ﷺ . وأرى أن على القنوات أن تخصص أوقاتاً لاستثارة الهمم. وأرى أن على رجال الأعمال والغرفة التجارية أن يكون لها قرار، وقبل ذلك هيئة كبار العلماء يكون لهم قرار مسموع ومقروء من الاستنكار وينشر في الناس. أرى أيضاً أن تكون هناك مراسلة إلى سفارات هذه البلدان، والكتابة عبر الإنترنت والإبراق والاتصال بالمسئولين، وإخبارهم بمشاعر الناس وغضب الناس واستياء الناس بما حصل، حتى يجتمع الجهد الدبلوماسي الرسمي من الدولة مع الجهود الشعبية. أنا أدعو رجال الأعمال والتجار الذين يخافون أن يغضب عليهم إذا رآهم يتعاملون مع هذه الأمة التي أهانت رسولهم واستهزأت بالرسول ﷺ ؛ أدعوهم أن يعلنوا المقاطعة وسوف يغنيهم الله من فضله. أحد المقاطعين يقول: الآن المقاطعة تبلغ ما يقارب المليار في المنتجات الدنماركية، فأقول للبقية: وأنتم ماذا تنتظرون، أفبعد أن أهين الرسول ﷺ ويستهزأ به يفرح بمال ويفرح بثروة! لا بارك الله في ثروة تأتي بذلة عن طريق الاستهزاء به ﷺ وعدم الغضب لسيرته وسنته وشخصه الكريم ﷺ .

стр. 649

محبة رسول الله ﷺ نود منكم أن تسبحوا بنا في بحر من الإيمان وفي بحر من العلاقة مع الله والحب للمصطفى ﷺ ، فتفضلوا بارك الله فيكم. إن الإنسان إذا أدرك يقيناً أنه عبد لربه ﵎ وابن عبد وابن أمة، انتصب لما أمره الله جل وعلا به وأذعن لما بلغه الله جل وعلا إياه على ألسنة رسله. وإن مما أفاءه الله علينا -معشر المسلمين- أن جعلنا حظاً لهذا النبي ﵊ من الأمم، كما جعله صلوات الله وسلامه عليه حظنا من النبيين، وهو ﵊ بشارة أخيه عيسى، ودعوة أبيه إبراهيم من قبل، ورؤيا أمه التي رأت حين وضعته أن نوراً خرج منها أضاءت له بصرى من أرض الشام، فصلوات الله وسلامه عليه. والحديث عنه ليس كالحديث عن كل أحد من الخلق وإن كان ﷺ من جملة الخلق، كما قال: (إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، فلا نتعدى به ما وضعه الله جل وعلا فيه من المقام الرفيع والمنزلة الجليلة، إلا من رحمة الله جل وعلا بنا أن جعلنا من أمته، نسأل الله الثبات على ذلك حتى الممات، وأن يحشرنا الله جل وعلا يوم القيامة في زمرته. نسمع المؤذن كثيراً يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) فتتعلق قلوبنا وتهفو أفئدتنا إلى ذلك المعنى الجليل الذي ينطوي تحت هذه الشهادة المباركة، وإن أعظم ما يفيء إلينا أن الإنسان يتمنى لو قدر له أن رأى النبي ﷺ ، ومعلوم أن هذا أمر قد مضى بقدر الله جل وعلا، ونحن دائماً وأبداً مذعنون لقضاء الله جل وعلا وقدره، فقد فاتنا شرف الصحبة وبقي لنا شرف الاتباع. أقول: إن قول المؤذن: (أشهد أن محمداً رسول الله) يضع المؤمن أمام تاريخ مجيد وشخصية فريدة، وعبد أثنى الله جل وعلا عليه في الملأ الأعلى، بل جعله الله جل وعلا أمنة لأهل الأرض من العذاب، قال الله جل وعلا عن طغاة الأرض يومئذ وهم كفار قريش: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] صلوات الله وسلامه عليه، مع أن تعذيب الأمم السابقة سنة ماضية لم تتغير إلا بعد مبعثه صلوات الله وسلامه عليه. كما أنه ﵊ عرج به ربه بواسطة جبريل إلى الملأ الأعلى والمحل الأسمى، وتجاوز مقاماً يسمع فيه صريف الأقلام، كل ذلك من احتفاء الله وإظهار كرامة هذا النبي عند ربه جل وعلا، ولقد قال الله على لسان الخليل إبراهيم أنه قال لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧] فكيف الاحتفاء بمحمد ﷺ ، وإن كان خليل الله إبراهيم لا يبعد كثيراً عن منزلة نبينا صلوات الله وسلامه عليه؟

стр. 650

وصف رسول الله ﷺ ننقل ما وصفه به أصحابه ﵃ وأرضاهم الذين من الله عليهم برؤية هذا النبي الحبيب الشفيع صلوات الله وسلامه عليه، وجملة ما قالوه: أنه كان ﵊ سبط الشعر بمعنى: أن شعره لم يكن مسترسلاً ولم يكن ناعماً. كما أنه كان ﷺ أقنى الأنف أجلى الأجبهة، في جبينه ﷺ عرق يدره الغضب، فإذا غضب في ذات الله امتلأ هذا العرق دماً. وكان أزج الحواجب في غير قرن، أشم الأنف، طويل أشفار العينين، ضليع الفم -أي: كبير الفم- مهذب الأسنان، كث اللحية، الشيب فيه ندرة صلوات الله وسلامه عليه، وأكثر شيبه في صدغيه الأيمن والأيسر، وأكثر شيبه أسفل شفته السفلى في عنفقته هنا صلوات الله وسلامه عليه. وكان عريض المنكبين كأن عنقه إبريق فضة، من وهدة نحره ﵊ إلى أسفل سرته شعر ممتد ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره. إذا أشار أشار بيده كلها، وإذا تعجب من شيء قلب كفيه وقال: سبحان الله، وعند البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح أنه كان إذا تعجب من شيء عض على شفتيه صلوات الله وسلامه عليه! من رآه من بعيد هابه، ومن رآه من قريب أحبه، يقول علي ﵁: لم أر قبله ولا بعده أفضل منه صلوات الله وسلامه عليه. ونحن على ما قال علي من المصدقين المؤملين. فما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد ضخم الكراديس -أي: عظام المفاصل- إذا مشى يتكفأ تكفؤاً كأنه يتكئ على أمشاط قدميه أكثر مما يتكئ على كعبيه. عاش ﵊ ثلاثة وستين عاماً، أربعون عاماً منها قبل أن ينبأ، ثم نبئ بإقرأ، وأرسل بالمدثر، وتوفي على رأس ثلاث وستين سنة من عمره الشريف الطاهر صلوات الله وسلامه عليه، عاش منها ثلاثة عشر عاماً نبياً ورسولاً في مكة يدعو إلى الله ويجاهد في الله حق جهاده، وضع على ظهره ﵊ وهو ساجد سلا الجزور وهو أفضل الخلق عند الله جل وعلا، ومع ذلك بقي ساجداً حتى علمت فاطمة وحملت سلا الجزور عن أبيها. وهو عند الله في المنزلة العالية والدرجة الرفيعة والمقام الجليل صلوات الله وسلامه عليه. أنزل الله عليه القرآن منجماً في ثلاثة وعشرين عاماً، لم يخاطبه الله جل وعلا في القرآن كله باسمه الصريح، فليس في القرآن (يا محمد) إنما في القرآن: يا أيها النبي، يا أيها الرسول، كل ذلك من دلائل عظيم مقامه وجليل شرفه وعلو منزلته عند ربه ﵎. عرج به كما بينا إلى سدرة المنتهى ثم عاد في نفس الليلة، ثم بعد ثلاث سنين أو أكثر أو أقل هاجر إلى المدينة، فمكن الله له هناك وأقام دولة الإسلام. مكث ﷺ في المدينة عشر سنين جاهد في الله ﵎ حق جهاده، شج رأسه يوم أحد وسال الدم على وجهه وكسرت رباعيته وهو ينظر إلى قريش ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وهو يدعوهم إلى الله)!. في العام العاشر أذن في الناس أنه ﵊ عازم على الحج، فأم المدينة خلق كثير كلهم يريد أن يأتم برسول الله ﷺ في حجته، فأنزل الله عليه في يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فعلم أن الأجل قد قاربه فأخذ يودع الناس ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا). ثم رجع إلى المدينة بعد أن أكمل نسكه وأتم حجه، وفي أوائل شهر ربيع من ذلك العام أصيب ﷺ بصداع ودخل على عائشة وهي تقول: وارأساه، فقال: (بل أنا وارأساه!)، ثم أخذ يشكو المرض حتى حانت ساعة الوفاة في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. دخل عليه أسامة بن زيد يسأله أن يدعو له فرفع يديه يدعو دون أن يظهر صوتاً وهو سيد الفصحاء وإمام البلغاء، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر في الساعات الأخيرة وفي يد عبد الرحمن سواك فأخذ يحدق النظر في السواك كأنه يريده، ففهمت عائشة الصديقة بنت الصديق مراد رسول الله ﷺ فأخذت السواك وقضمته وطيبته وأعطته لنبي الله ﵊، فاستاك في الساعات الأخيرة قبل أن تفيض روحه إلى ربه ﵎. ثم جاءه الملك يخيره فسمعته عائشة وهو يقول: (﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى! قالها ثلاثاً)، ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسنى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه. هذه على وجه الإجمال سيرة نبيكم ﷺ ونبذة عن وصفه ممن علق الله جل وعلا قلوبنا بحبه بعد حب الله ﵎، فنحن نحبه لأن الله اختاره واصطفاه واجتباه، والله جل وعلا يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]. فهو ﵊ رسول رب العالمين، ونبي الأميين، وأفضل أهل الأرض وأهل السماء، صلوات الله وسلامه عليه، قال شوقي ونعم ما قال: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم رمى القضاء بعيني جؤذر أسداً يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم لما رنا حدثتني النفس قائلة يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي جحدتها وكتمت السهم في كبدي جرح الأحبة عندي غير ذي ألم يا لائمي في هواه والهوى قدر لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم إلى أن قال: يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعم الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقسم أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيال من الرمم

стр. 651

وصف الرسول الكريم لقد خص الله تعالى نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه بجمال الخلقة والخُلق، فمنحه منهما أعلى نصيب وأوفر حظ، ولذا كانت أخلاقه مفتاحاً لقلوب الناس للدخول في دين الله، حيث صبر على الأذى والعنت وتحلى بالرحمة حتى بلغ الأمر إلى حيث أراد الله، فنسأل الله تعالى أن يجزيه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وأن يرزقنا الاستمساك بشريعته، وأن يحشرنا في زمرته.

стр. 652

بلوغ النبي ﷺ الكمال في الخلق والأخلاق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن لنبينا ﷺ في الصفات الَخلْقية والخُلُقية أعظم نصيب وأحظه، وهو الإمام فيها، وصدق القائل: فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو أن ما ملكت يداك الشاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الآباء وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في دين الإله سواء فلو إن إنسانا تخير ملة ما اختار إلا دينك الفقراء يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء والمصلحون أصابع جمعت يدا هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء

стр. 653

ذكر صفات رسول الله ﷺ الخَلْقية أما الصفة الخلقية فإن نبينا ﷺ لم تكتحل أعيننا وأعينكم برؤيته، ولكنه ﵊ كما قالت الربيع بنت معوذ ﵂ لما سألها محمد بن عمار بن ياسر فقال: يا أمه! صفي لي رسول الله ﷺ . فقالت: يا بني! لو رأيته لرأيت الشمس طالعة. وقيل للبراء بن عازب ﵁ وأرضاه: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل القمر. وقال جابر بن سمرة ﵁ -كما عند مسلم في الصحيح- قال: (خرجت في ليلة أضحيان -أي: القمر فيها مكتمل- فرأيت النبي ﷺ عليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى رسول الله ﷺ ، فلهو عندي أجمل من القمر). فنبينا ﵊ كان سبط الشعر، أي: أن شعره ليس مسترسلاً ناعماً ولا ملتوياً، وفي جبهته ﵊ عرق يدره الغضب، إذا غضب في ذات الله يمتلئ هذا العرق دماً، وكان ﷺ أزج في غير قرن، ومعنى (أزج): دقيق شعر الحواجب، (في غير قرن) أي: لم يكن حاجباه، ملتصقين أشكل العينين، أشم الأنف، ضليع الفم، مهذب الأسنان، كث اللحية، الشيب في شعره ندرة، أي أنه متفرق، ففي رأسه منه قليل، وفي صدغه الأيمن والأيسر، وأكثر شيبه في عنفقته أسفل شفته السفلى، وجميع شيبه لا يكاد يتجاوز عشرين شعرة، وكان أبيض مشرباً بحمرة، وبياض اليدين وأسفل الساقين كأنه يميل إلى السمرة؛ لتعرضه للهواء، وداخل الإزار أبيض ناصع البياض، قال أنس: (كأني أرى بياض فخذي النبي ﷺ يوم خيبر) كأن عنقه إبريق فضة، بعيد ما بين المنكبين، ما بين كتفيه من الخلف إلى جهة الشمال شعيرات سود اجتمعن بعضهن إلى بعض ناتئات عن الجسد قليلاً، كأنهن بيضة حمامة عرفت بخاتم النبوة، ومن الوهدة -وهي الثغرة التي في النحر- إلى أسفل سرته خيط ممتد، أي: شعر على هيئة خيط ممتد، يعبر عنه عند الرواة بأنه دقيق المسربة، ليس في صدره ولا بطنه شعر غيره، سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس، أي: عظام المفاصل، إذا مشى يتكفأ تكفؤاً، كأنما ينحدر من مكان عال، بمعنى أنه يتكئ على أمشاط قدميه أكثر مما يتكئ على كعبيه، وإذا أشار أشار بيده كلها، وإذا ناداه أحد التفت ببدنه الشريف كله، ولا يلتفت برقبته فقط، وإذا تعجب من شيء قلب كفيه، وقال: سبحان الله! وعند البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح أنه (كان إذا تعجب من شيء عض على شفتيه) صلوات الله وسلامه عليه، من رآه من بعيد هابه، ومن رآه من قريب أحبه، عمر ثلاثةًً وستين عاماً، ولد وأبوه متوفى في أظهر أقوال العلماء، وأمه آمنة بنت وهب من بني زهرة الذين منهم سعد بن أبي وقاص، فكان نبينا ﵇ إذا رأى سعداً يقول: هذا خالي، فليرني امرؤ خاله. وعاش في كنف أمه ست سنين، أربع منها كان فيها مع مرضعته حليمة في بادية بني سعد، ثم أرجع إلى أمه، وكانت شفيقة رفيقة به، فلما مر على قبرها بالأبواء وقف على قبرها وبكى، فسأله الصحابة: ما يبكيك؟ فقال: (هذا قبر أمي آمنة، فقد سألت الله أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وسألته أن أزور قبرها فأذن لي، فلما زرت قبرها تذكرت رقتها علي)، فبكى صلوات الله وسلامه عليه، وبكى الصحابة معه تبعاً لبكاء نبيهم ﵃ وأرضاهم.

стр. 654

دعوة رسول الله الناس إلى الدين وصبره على الأذى فلما دنا من الأربعين كان لا يرى الرؤيا إلا وتقع مثل فلق الصبح، ثم نبئ (إقرأ) على رأس الأربعين، ثم أرسل بالمدثر بعد ذلك، قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٤]، فأخذ يدعو الناس إلى دين الله بعد أن نبأه الله وبعثه وأرسله، فمكث في مكة ثلاثة عشر عاماً، فوضع على رقبته وهو ساجد وهو خير الخلق عند الله سلا الجزور، ولم يقدر أحد ممن آمن به آنذاك على أن ينصره، فقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ آنذاك مؤمناً يرى الأمر ولا يقدر على النصرة، حتى جاءت ابنته فاطمة ﵂ وأرضاها وحملت سلا الجزور عن أبيها وأبوها عند الله سيد الخلق، ولكنها سنة الابتلاء الماضية، فلما رفع رأسه ﵇ نظر في القرشيين، فدعا عليهم، قال عبد الله بن مسعود: والله لقد رأيت من دعا عليهم رسول الله ﷺ صرعى يوم بدر في قليب بدر. فاستجاب الله دعوة نبيه، فلما اشتد عليه أذى القرشيين خرج إلى الطائف فصده أهلها، حتى قال قائلهم: ألم يجد الله أحداً يبعثه غيرك؟! فرجع ﷺ إلى مكة، فأوبه الله جل وعلا في طريقه من الطائف إلى مكة، وفي الطريق أخذ يدعو الله، فلما قست قلوب الإنس عن أن تقبل كلامه ألان الله لنبيه قلوب الجن، فلما سمعوا القرآن وهو أطيب كلام من فم رسول الله ﷺ وهو أطيب فم مخلوق رقوا ودخل الإيمان في قلوبهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، أي: لما قام رسول الله ﷺ يقرأ القرآن كانت الجن يركب بعضها بعضاً من عظمة ما يسمعون، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١]، اللهم اجعلنا من المجيبين لدعوته.

стр. 655

إذا وقعت الواقعة لقد احتوت سورة الواقعة على معانٍ عظيمة، وأخبار هادفة، في روائع بلاغية، وسياقات بديعة، كما هو حال كلام القيوم العليم والقرآن العظيم، ولقد أخبر الله فيها عن أهوال يوم القيامة، وأخبار أصحاب النعيم وأصحاب الجحيم، وتحدث الله كذلك فيها عن قدرته وخلقه، وعن قيمة هذا القرآن العظيم، وعن آخر لحظات عمر الإنسان وتفاصيلها، في عبارات جزلة موجزة، لا تمل ولا تكل منها القلوب والألسنة، فهل من متعظ مدكر؟!

стр. 656

تفسير قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة) الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، ونقول كما قالت الملائكة بين يدي ربها: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]، ونقول كما أمر الله رسوله ﷺ أن يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، ونقول كما قال ربنا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. أما بعد: فإن من أعظم نعم الله جل وعلا على عباده أن يصرفهم إلى تدبر كتابه الكريم؛ فإن كلام الله جل وعلا كلام لا يعدله كلام، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]. وفي هذا اللقاء سنعرِّج معكم -أيها المباركون- على سورة الواقعة، نقف فيها مع مواعظ ما أشد أثرها، ومع لطائف يحسن أن ندونها، ومع أقوال لأهل هذا الشأن جميل أن نحفظها، وسورة الواقعة -أيها المؤمنون- سورة مكية. قال الله جل وعلا في أولها وهو أصدق القائلين: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣]، ثم قال جل شأنه: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٤ - ٧].

стр. 657

تفسير قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة إلى قوله: فكانت هباء منبثاً) أما قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١]، فالواقعة: اسم من أسماء يوم القيامة، كما دلت الآيات على ذلك، وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة:١٤ - ١٥]. وقول ربنا جل وعلا: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٢] اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى (كاذبة) في هذه الآية: فقال فريق منهم: إن كاذبة: مصدر جاء على هيئة اسم الفاعل، كقول العرب: عافية، بمعنى: مُعَافَاة، وقولهم: عاقبة، بمعنى: عُقْبَى؛ وعلى هذا التحرير يصبح المعنى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:٢]، أي: ليس لوقعتها كذب، أي: أن وقوعها حق لا مرية فيه، وهذا القول من قول أئمة أهل الشأن يؤيده قول الله جل وعلا: ? ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء:٨٧]، ويؤيده قوله الله جل وعلا حكاية عن الصالحين من خلقه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران:٩]. القول الثاني: هو أن قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:٢] أن كاذبة هنا: صفة لموصوف محذوف، والتقدير: إذا كان يوم الواقعة، إذا كان يوم القيامة فلن تكون هناك نفس كاذبة لما ترى، أي لا توجد نفس تكذب ما ترى، ويؤيده قول الله جل وعلا: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]، لكن الأول أظهر، والعلم عند الله. قال سبحانه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:٣]، اتفق العلماء على أن قوله: (خافضة رافعة) يعود على يوم القيامة؛ إذ أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي خافضة رافعة، لكن الإشكال وقع في ماهية الذي يُخفض والذي يُرفع؟ والجواب عن هذا: أن لأهل العلم رحمة الله تعالى عليهم في هذا ثلاثة أقوال: القول الأول: إنها تخفض أهل الكفر إلى النار، ويؤيده قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وترفع أهل الطاعات إلى أعالي الجنان، ويؤيده قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥]. والقول الآخر: إنها تخفض من كان مرتفعاً بطغيانه في الدنيا، وهو قريب من القول الأول، وترفع من كان الناس يحتقرونه في الدنيا لإيمانه، وأصحاب هذا القول يؤيدهم قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٦]. القول الثالث -وهو أرجحها عندي والعلم عند الله- أن المعنى: أن هناك أجراماً تكون خافضة فيرفعها الله، وأجراماً تكون مرتفعة فيخفضها الله لشدة أهوال يوم القيامة، قال الله جل وعلا: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٢]، وقال ربنا: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٨٨]. فهذه أقوال أئمة أهل الشأن في هذه الآية، وأرجحها -كما قلنا والعلم عند الله-: أنها تتعلق بالأجرام الكونية، وكيف أن يوم القيامة يوم عظيم ينجم عنه ما ذكرناه وذكره الله جل وعلا من قبل في كتابه فقال: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:٣]، ثم ذكر الله جل وعلا بعض أهوالها فقال: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:٤ - ٥]، ومن الممكن أن يكون البَسُّ هنا بمعنى: سُيِّرت، وقد جاء القرآن بهذا المعنى، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣]. وجمهور أهل العلم من المفسرين على أن معنى قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:٤ - ٥]: على أن البَسَّ هنا: أنها تصبح كالعهن المنفوش، وقد ذكره الله جل وعلا في سورة القارعة. فإذا أردنا أن ننيخ المطايا هنا عند الجبال، فالجبال خلق من خلق الله، يتعجب منها رائيها، وقد صح في الخبر الصحيح: (أن الله لما خلق الأرض جعلت تميد، ثم جعل الله جل وعلا الجبال عليها رواسي فتعجبت الملائكة من ذلك فقالت: أي رب! أفي خلقك شيء أعظم من الجبال؟ قال الله: نعم، الحديد، فقالت الملائكة: أي رب! أفي خلقك شيء أعظم من الحديد؟ قال الله ﵎: نعم، النار، قالت الملائكة: أي رب! أفي خلقك شي أعظم من النار؟ قال ربنا ﵎: نعم، الماء، فقالت الملائكة: أي رب! أفي خلقك شيء أعظم من الماء؟ قال الله جل وعلا: نعم، الريح -لأن الريح تحمل الماء- قالت الملائكة: أي رب! أفي خلقك شي أعظم من الريح؟ قال الله جل وعلا: ابن آدم يتصدق بصدقة فيخفيها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). ولما كانت الجبال تُرى كان بدهياً أن يسأل عنها الناس، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧]، لكن نسفها آخر المطاف، وإنما تمر بأحوال وأطوار قبل أن تنسف، قال الله جل وعلا كما مر معنا: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل:٨٨]، وقال: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣]، فتمر بمراحل وأطوار حتى تصل إلى أن تذهب بالكلية، لكن الله جل وعلا أرشد إلى أن الجبال لها وضع آخر؛ كونها من أعظم مخلوقاته، فإن النصارى -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- نسبت إلى الله الولد فرية وبهتاناً وكفراً، وما عرفوا قدر ربهم جل وعلا، فأخبر الله جل وعلا أن الجبال على عظيم خلقتها تستنكر هذا الأمر وتستعظمه، ولا يمكن أن تقر به، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٨٩ - ٩٣]، ولما أراد الله جل وعلا أن يبين لكليمه موسى ضعفه وعجزه في الدنيا عن أن يرى الله قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وذكر الله جل وعلا نبيه وعبده الصالح داود ﵇، وذكر ربنا أنه آتاه صوتاً رخيماً، ثم لما كان يتلو الزبور ويذكر الله جل وعلا كانت الجبال على عظيم خلقتها تتجاوب معه، قال ربنا جل شأنه: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، وقال الله جل وعلا في سورة أخرى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٨ - ١٩]، ولا أعلم حديثاً ذكر فيه النبي ﷺ الجبال في الجنة إلا حديثا واحداً، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (إن أطفال المسلمين في جبل في الجنة في كفالة إبراهيم وسارة يَرُدُّوهم يوم القيامة إلى آبائهم)، هذا الذي أستحضره الساعة من السنة في ذكر الجبال في جنات عدن، رزقنا الله وإياكم إياها. قال الله جل وعلا: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٤ - ٧]، ثم ذكر الله جل وعلا أولئك الأزواج، وكلمة زوج في اللغة: هو كل فرد انضم إلى غيره، فهذا يسمى: زوجاً ولو كان فرداً.

стр. 658

تفسير قوله تعالى: (وكنتم أزواجاً ثلاثة إلى قوله: إلا قيلاً سلاماً سلاماً) قال الله جل وعلا: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] ثم فصَّل، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:٨ - ١١]، فبدأ جل وعلا بأصحاب الميمنة حتى يَرغب فيهم الراغب، ثم قال: ? ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٩]، حتى يَرهب الناس أن يكونوا مثلهم، ثم قال جل شأنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠]، حتى يطمع أصحاب الميمنة إلى أن يرتقوا بأنفسهم إلى درجة السابقين. قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]، وتأمل -أيها المبارك- لطف الله جل وعلا بعباده، وفضله وإحسانه جل ذكره على خلقه، قال ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]، ولم يقل: المتقربون، حتى يفهم أن ما هم فيه فضل من الله ﵎، وليس شيئاً حَصَلوا عليه بأنفسهم، وإن كان عملهم الصالح وإيمانهم إنما هو في أول الأمر وآخره فضل من الرب ﵎. قال ربنا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٦]، ثم ذكر بعض نعيمهم، ونعيمهم جاء مفرقاً في آيات أخر، لكن مما يعنينا هنا أن الله قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِيْن﴾ [الواقعة:١٠ - ١٨]، فجمع جل وعلا الأكواب والأباريق وأفرد الكأس؛ لأن العرب كان في سننها وأعرافها: أنها إذا شربت الخمر تشربه على ثلاثة أحوال: إما أن تضعه في أكواب، وهي: ما لا عروة له ولا خرطوم، فجمعه الله جل وعلا؛ لأنهم كانوا يضعون فيها الخمرة. ثم قال جل وعلا: ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة:١٨] وهو: ما له عروة وخرطوم، فهذا يسمى: إبريقاً ويجمع على أباريق، وقد كانوا يضعون فيه الخمر. ثم قال جل وعلا: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٨] فأفرد الكأس؛ لأن العرب كانت تشرب في كأس واحد يتناولها الأول والآخر بعده، هكذا في مجلسهم ومجلس شرابهم، لكن شتان ما بين مجالس أهل الدنيا ومجالس أهل الآخرة، فخمر الدنيا ينغصها أمران: الأول: أنها تنفد وتنتهي. والأمر الثاني -وهو أجل- مما ينغصها: أنها تذهب العقل، فإذا ذهب العقل حدث من الإنسان الافتراء والتطاول على ربه والتضييع لدينه؛ ولذلك سماها النبي ﷺ في الدنيا: (أم الخبائث)، لكن خمر الآخرة يقول الله جل وعلا فيه: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩]، أي: أنها لا تنفد، وهذا معنى قوله: ﴿وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩]، ولا يسكرون منها، وهذا معنى قوله جل شأنه: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩]. ثم قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:٢٠]، وأردف قائلاً: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١]، وهنا قدّم الفاكهة على اللحم، ومعروف أن سنن الناس في طعامها: أنهم يقدمون اللحم على الفاكهة، لكن الفرق بين الحالين أن أهل الدنيا إنما يأكلون في الأصل لسدِّ الجوع، أما يوم القيامة في جنات النعيم؛ فإن أهل الجنة لا يأكلون لسد الجوع بل للتلذذ؛ لأن الجنة لا جوع فيها، فلا يأكلون لسد الجوع، وإنما يأكلون للتفكه والتلذذ، فلما كان أكلهم الأصل فيه أنه للتلذذ والتفكه جعل الله جل وعلا الفاكهة مقدمة على عين الطعام، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١]، وهنا خصَّ ربنا لحم الطير دون غيره؛ لأن الناس جرت أعرافهم وتقاليدهم على أنهم يأكلون من بهيمة الأنعام، ولحم الطير عزيز لا يناله كل أحد، فإنما يحصل للملوك غالباً إذا نفروا أو ذهبوا للصيد، فأخبر الله جل وعلا أن ذلك الشيء الممتنع في الدنيا عند البعض، إنما هو متاح للكل لمن دخل الجنة، رزقني الله وإياكم الجنة. قال الله جل وعلا: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢٤]. حور: جمع حوراء، وهي المرأة البيضاء جسداً، وعين: جمع عيناء، وهي المرأة الواسعة العينين مع سواد فيها، ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٤]. ثم قال جل وعلا -بما يسميه البلاغيون: تأكيد المدح بما يشبه الذم- قال جل شأنه: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦].

стр. 659

تفسير قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين إلى قوله: (وثلة من الآخرين) ثم أردف جل وعلا في ذكر أصحاب اليمين فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٣٠] وهي آيات ظاهرات المعنى، فالسدر في جنات النعيم لا شوك فيه، والطلح المنضود هو: شجر الموز، وذكر الله جل وعلا بعض النعم التي ينعم بها جل شأنه على أهل طاعته من أهل اليمين إلى أن قال الله جل وعلا: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٤] ثم قال: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٨] لا خلاف بين العلماء أن قول الرب جل شأنه: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥]، عائد على النساء، لكن السؤال هل هذا المذكور يعود إلى شي قد ذكر من قبل أو لم يذكر؟ على قولين لأهل العلم: من حمل قول الله جل وعلا: ﴿وَفُرُشٍ﴾ أنها بمعنى: النساء، أصبح المعنى عنده: أن قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ [الواقعة:٣٥] يعود على النساء المذكورين في قوله جل شأنه: ﴿وَفُرُشٍ﴾ فيصبح معنى قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٤]، أي: مرفوعة قدرًا، مرفوعة مكانةً، مرفوعة منزلةً، على أن الفرش هنا بمعنى: النساء، وهذا معروف في لغة العرب وسنن كلامها. وقال آخرون: إنه لا يعود إلى مذكور، لكن القرائن والمقام يدل عليه، فإن الفرش إنما توضع ليتفكه بها المرء مع زوجته، ويتكئ عليها معها، فقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] قالوا: لا يعود إلى مذكور، لكن هناك قرينة تدل على أنه يعود على النساء، وهو قول الله جل وعلا: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٤]، لأن الفراش يطلق على فراش الزوجية في الغالب. ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٦] والأصل أن الفعل (جعل) هنا بمعنى: صيّر، فإذا قلنا: إنه بمعنى صيّر خلافاً للمعتزلة ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة:٣٦] فلا يمكن أن يُطلق على الحور العين المخلوقات في الجنة؛ لأن المرأة على أصل خلقتها تكون بكراً، فلا يصح معنى: أن يقول الله جل وعلا فصيّرناهن أبكاراً، وهن أصلاً أبكار، لكن قول الله جل وعلا: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة:٣٦]، يعود على النساء المؤمنات اللواتي دخلن الجنة وهن ثيبات، فقول الله جل وعلا: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة:٣٦] أي: صيّرناهن ونقلناهن من حالة كون إحداهن ثيباً إلى كونها بكراً. ثم قال : ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧]، فعرباً أي: محببات إلى أزواجهن، وأتراباً: جمع ترب، والمعنى: أنهن نداد في الأسنان، يعني: كلهن على سن واحدة. قال جمهور العلماء ويؤيده بعض الآثار: إن المعنى أنهن في سن ثلاث وثلاثين والعلم عند الله، وهذا المعنى القرآني هو الذي سلّه جرير في قوله: أتصحو أم فؤادك غير صاح عشية هم صحبك بالرواح تقول العاذلات علاك شيب أهذا الشيب يمنعني مراحي؟ يكلفني فؤادي مَن هواه ظعائن يجتزعن على رماح عراباً لم يدن مع النصارى ولم يأكلن من سمك القراح فقول الله جل وعلا: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧]، هذا وصف لما أعده الله جل وعلا لأهل طاعته، والنبي ﷺ وهو سيد الخلق دخل على إحدى عشر امرأة، لم يكن منهن بكر إلا عائشة، والباقيات رضوان الله تعالى عليهن كانت كل واحدة منهن ثيباً، ومات ﷺ عن تسع، فقد ماتت اثنتان من زوجاته ﷺ في حياته: خديجة بنت خويلد ولم يكن قد تزوج عليها امرأة، وزينب الهلالية ﵂ وأرضاها ماتت بعد زواج النبي ﷺ منها بثمانية أشهر، فبقين هؤلاء التسع هن اللواتي نزلت في حقهن آية التخيير، وهن اللائي مات النبي ﷺ عنهن، وآية التخيير ذكرها الله جل وعلا في سورة الأحزاب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]، فبدأ ﷺ بـ عائشة وكانت أحب نسائه إليه وقال: (يا عائشة! إنني سأخبرك بأمر فلا تستعجلي حتى تستأمري أبويكي) فقالت: يا رسول الله! أفيك أستأمر أبوي؟ ثم تلا عليها ﷺ آية التخيير، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، لكنها طمعاً في أن تنفرد به صلوات الله وسلامه عليه، ولا تثريب عليها قالت: لا تخبر أحداً من زوجاتك بما أجبتك به، فقال ﷺ : (إن الله بعثني معلماً ميسراً، ولم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، لا تسألني إحداهن عن جوابكِ إلا أخبرتها)، فأخبرهن ﷺ واخترن جميعاً رضوان الله تعالى عليهن النبي ﷺ والله من قبل والدار الآخرة كما جاء نص القرآن، وهؤلاء التسع منهن خمس قرشيات، وأربع غير قرشيات تزوجهن النبي ﷺ ، من أشهرهن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وجويرية بنت الحارث وهذه من بني المصطلق ليست من قريش، وصفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من ذرية هارون بن عمران ﵊، وغيرهن كـ أم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة رضوان الله تعالى عليهن أجمعين.

стр. 660

تفسير قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) ثم قال الله جل وعلا ذاكراً الصنف الثالث: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٥]. أما قول ربنا: ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤٤] فإن العرب -كما ذكر الطبري في تفسيره- في جريان كلامها تأتي في النفي بلفظ (كريم)، فتقول: هذه الدار لا واسعة ولا كريمة، ويقولون: هذا اللحم لا سمين ولا كريم، فكلما نفوا صفة معينة متعلقة بالموصوف أردفوها بقولهم: كريم، فجاء القرآن على سَنَنِهم ونسقهم في الكلام، قال الله جل وعلا: ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤٤]، ثم قال ربنا: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: أصحاب الشمال ﴿كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ [الواقعة:٤٥ - ٤٧]، وطالب العلم إذا تأمل هذه الآيات مقارنة بالصنفين الأولين يجد فرقاً واضحاً: وهو أن الله جل وعلا لم يذكر أسباب تكريم السابقين، ولم يذكر أسباب تقريب أهل اليمين، ولكنه لما ذكر أصحاب الشمال ذكر أسباب تعذيبهم! أي: أنه لما ذكر أصحاب اليمين ذكر النُعمى عليهم، ولم يذكر لأي سبب أنعم عليهم، ولما ذكر قبلهم السابقين ذكر النُعمى والفضل عليهم، ولم يذكر أسباب حصولهم على ذلك النعيم، لكنه عندما تكلم -جل شأنه وتبارك اسمه- عن أصحاب الشمال عدد الأسباب فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٥ - ٤٧]. والجواب عن هذا أن يقال: لقد جرت سنة القرآن أن يذكر الله أسباب العقاب ولا يذكر أسباب الثواب؛ لأن الثواب فضل لا يمكن أن يتوهم القدح في المتفضل به، وأما العقاب فمقام عدل لابد أن تُوْضَحَ فيه الأسباب حتى لا يُظن بالحاكم والقائم على الأمر ظلم. وأظن أن المعنى قد تحرر بهذا. قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ [الواقعة:٤٥] أي: أصحاب الشمال ? ﴿قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] وليس هذا سبب رئيس في تعذيبهم؛ لأن الترف لوحده قد لا يصل إلى حد الكفر، لكن الله قال بعدها: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦] وهو الشرك، ثم قال الله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧]، وما أجمله الله هنا بيّنه الله في مقام أوسع في سورة الإسراء، فإن أهل الإشراك كانوا يستبعدون البعث والنشور ويجعلونه أمراً لا يمكن أن يقع بحال، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٩]، لكن هذا كله يدور حول التراب، وقد أخبر الله جل وعلا عنهم في سورة الإسراء: أنهم استبعدوا البعث بعد أن يكونوا عظاماً أو تراباً، ومعلوم أن بني آدم مخلوقون من تراب، فليس لهم شأن أن يستبعدوا أن الله جل وعلا يعيدهم من التراب الذي خلقهم منه، لكن الله جل وعلا ليُظهر لهم كمال قدرته، وجليل عظمته، ومنتهى حكمته قال لهم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٠ - ٥٢]، فلو كنتم حجارة أو حديداً أو أي خلق يمكن أن يخطر لكم على بال لأحياكم الله جل وعلا منه، فكيف وأنتم تعودون إلى تراب، أي إلى عين ما خلقكم الله جل وعلا منه؟ والأمر كله على الله جل وعلا هيّن. قال الله جل وعلا: ﴿أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٨] قال الله مجيباً لهم: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٢]، وهذه الشجرة في النار، ومعلوم نقلاً وعقلاً أن النار لا يمكن أن ينبت فيها شجر؛ لأن الأصل أن النار تحرق الشجر، لكن الله جل وعلا قال في الصافات: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ﴾ [الصافات:٦٤] أي: الزقوم ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤]، وأخبر الله جل وعلا أنه أراد بذلك اختبار العباد في مدى يقينهم وإيمانهم بقدرة الله، أو عدم إيمانهم ويقينهم بقدرة ربهم، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣] فهي شجرة تخرج في أصل الجحيم، فمن علم عظيم جلال الله وكمال قدرته يعلم أن الله قادر على أن يمنع النار من أن تصل إلى الشجرة، والتحريم -أيها المبارك- في القرآن على نوعين: تحريم شرع، وتحريم منع. فالثواب والعقاب يتعلق بتحريم الشرع كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣]، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١١٩] هذا الذي يتدخل فيه الثواب والعقاب. أما تحريم المنع فلا ثواب ولا عقاب عليه؛ لأنه أمر كوني قدري ليس أمراً شرعياً، قال الله جل وعلا: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢] أي: منعنا شفتيه من أن تقبل أثداء النساء، فالمعنى هنا: تحريم منع، ومنه قول النبي ﷺ عندما قالوا له: يا نبي الله! كيف نصلي عليك وقد أرمت؟ قال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أي: منع الأرض من أن تأكل أجساد الأنبياء، وليس معنى حرم هنا بمعنى: شَرَّع؛ لأن الأرض غير مكلفة بالاتفاق، لكن المقصود: أن الله جل وعلا منعها أن تصل إلى أجساد الأنبياء، ومنه أيضاً: أن الله جل وعلا حرم على النار أن تأكل من ابن آدم مواضع السجود، رغم أنها تتسلط على بدنه كله، لكن النار تتسلط على بدنه كله بقدر الله، وتمتنع عن أعضاء السجود بقدر الله؛ لأن النار كلها مخلوقة من مخلوقات الله لا يمكن لها ولا لغيرها من المخلوقات أن يخرج عن مشيئته وقدرته جل وعلا طرفة عين ولا أقل من ذلك. ثم قال الله جل وعلا: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥٢ - ٥٥]. أما قول الله جل وعلا: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة:٥٤] هذا إجمال فصله قول الله جل وعلا: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥٥]. والهيم: تطلق ويراد بها أحد أمرين: إما أن يكون المراد: الأرض الرملية التي مهما سُقيت لا يظهر عليها أثر، وقال بهذا القول: ابن كيسان والأخفش من العلماء. وجمهور أهل العلم من المفسرين على أن المعنى: أن الهُيَام داء يصيب الإبل فتعطش، فإذا عطشت واشتد عِطَاشُها لجأت إلى الماء لترتوي، فمهما سُقيت لتشرب فلا يمكن لها أن ترتوي، فتمكث على هذا الحال حتى تَسْقَم سُقماً شديداً أو تهلك. هذا الذي عليه أكثر المفسرين. والهيام: داء معروف في الإبل كما بينا، وقد كانت العرب تنقله حتى إلى الرجال، وينقلون عن قيس بن الملوح الذي فتن بـ ليلى أنه قال: وقد خبروني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي بليلى المراميا إلى أن قال وهو موضع الشاهد: يقال به داء الهيام أصابه وقد علمت نفسي مكان شفائيا فقول قيس: يقولون به داء الهيام أصابه هو موضع الشاهد، وقد نقلته العرب من إصابة الإبل إلى إصابة أفراد الرجال. قال الله جل وعلا: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا﴾ [الواقعة:٥٥ - ٥٦] الذي ذكرناه وبيناه وحررناه ﴿نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٦]، والنزل: أول ما يستقبل به الضيف، قال بعض العلماء رحمة الله تعالى عليهم من أهل هذا الشأن: إذا كان هذا هو نزلهم، فماذا سيكون حالهم عياذاً بالله بعد أن يستقر بهم القرار في النار؟ لا ريب أنه أنكى وأشد وأعظم، عافانا الله وإياكم من ذلك كله.

стр. 661

تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم ما تمنون إلى قوله: ومتاعاً للمقوين) ثم أخبر الله جل وعلا في آيات متعاقبات عن عظيم قدرته ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٦٠] أي: لا يفوتنا فائت ولا يعجزنا شيء، ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٦١] أي: هيئات أخر غير التي أنتم عليها، ثم ذكر الله جل وعلا الزرع والماء وما أعده الله جل وعلا للمسافرين، ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧١ - ٧٣] أي: للمسافرين، فذكر الله جل وعلا الزرع وإنباته، والمطر وإنزاله، وذكر جل وعلا النار وإيقادها، وأخبر أن ذلك كله لا يتم إلا بعظيم قدرته وجلال حكمته، وليس هذا المقام مقاماً مناسباً للتفصيل فيها.

стр. 662

تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم إلى قوله: تنزيل من رب العالمين) ثم قال ربنا ﵎ في خاتمة السورة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٧٧]، لأهل العلم قولان في معنى: مواقع النجوم: قول يقول: إن مواقع النجوم: مطالعها ومساقطها، وأكثر من يتوجه للتفسير والإعجاز العلمي في عصرنا يذهب إلى هذا، لكن هذا القول لا يعضده قول الله جل وعلا بعدها: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦]؛ لعلمنا أن كل ما أقسم الله جل وعلا به أو عليه فهو عظيم، فلا بد أن يكون في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦] كبير فائدة لم توجد في ما أقسم الله به قبل من مخلوقاته. فيكون قول الله جل وعلا على القول الثاني: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] ليس قسماً بالمخلوق؛ لأن القرآن غير مخلوق، وإنما قسم ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] أي: أن القرآن نزل منجماً، فلما نزل القرآن منجماً أقسم الله جل وعلا بمواقع نزوله، فيصبح القسم هنا عند طائفة من أهل العلم، ويروى هذا عن ابن عباس رضوان الله تعالى عليهما، ومال إليه الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في أول تفسير سورة النجم إلى القول: بأن القرآن نزل منجماً، وهو المعني بقول الله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]، وما قاله الإمام الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه قوي إلا أنا لا نحفظ في اللغة أن كلمة: هوى تأتي بمعنى: أنزل، وإنما تأتي بمعنى: سقط، لكن نعود إلى آية الواقعة، قال الله جل وعلا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]، حجة هؤلاء أن الله قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦] وجواب القسم ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧] فيصبح المعنى: أن الله ذكر أن هذا القسم عظيم؛ لأن الله أقسم بالقرآن على القرآن، وهذا مرتقى صعب في الفهم، ليس في فهمه وإدراكه، لكن في أن يستنبطه الإنسان أولاً، وقد قال به القفال رحمة الله تعالى عليه أحد علماء الشافعية، وهو أن معنى الآية: أن الله أقسم بالقرآن على القرآن، فلما أقسم الله بالقرآن على القرآن كان حرياً أن يقال بينهما: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦ - ٧٧]. أما اللطيفة في معنى قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧]: فإن أي كلام يكرر ويردد يذهب رونقه، ومن علم الأدب في مخاطبة الملوك يستحي أن يجعل كلامه عند الملوك مكرراً، ويبحث لهم في كل يوم عن فائدة جديدة، لكن كلام الله يتلى في المحاريب من أربعة عشر قرناً، ومع ذلك لم يذهب من رونقه شيء؛ لأنه كلام الله، ولو كان هذا الذي يتلى في المحاريب منذ أربعة عشر قرناً يسمعه الناس ويرددونه كلام بشر لملته الأنفس، ولسئمته الآذان، لكن لما كان هذا الكلام كلام رب العالمين ﷻ ؛ لم يكن لمؤمن أبداً أن يسئم ويمل من كلام ربه ﵎، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧] أي: باق على ما هو فيه من صون، ورونق، وعظمة، وبهاء، وهداية، وإجلال؛ لأنه كلام رب العالمين ﷻ ، قال الله: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٨٠]. ثم أخبر الله جل وعلا في آية خبرية لا إنشائية فقال: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، هذه الآية مسوقة في سياق الخبر لا في سياق الإنشاء، يعني: لا يأتي أحد ويقول: لا يجوز لك أن تمس القرآن إلا وأنت طاهر؛ لأن الله يقول: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، لكن يجوز لنا أن نقول -وهذا قول جمهور العلماء- لا يجوز لك أن تمس القرآن إلا وأنت طاهر؛ لأن النبي ﷺ قال كما في حديث عمرو بن حزم: (وألا يمس القرآن إلا طاهر)، فالاستدلال يكون بالحديث لا بالآية، فإن (لا) في قول الله جل وعلا: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] نافية وليست ناهية، ولا الناهية هي التي يراد بها الإنشاء والتكليف والطلب، أما لا النافية فهي تسوق خبراً؛ لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنما يفهم من الإشارة لا من التصريح؛ أنه ما دام أهل السماء لا يمس القرآن منهم إلا طاهر وكلهم مطهرون، فينبغي على أهل الأرض ألا يمسوا القرآن إلا وهم طاهرون، وهذا قول جمهور العلماء. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن يمس المصحف من لم يكن متوضئاً؛ لأنهم لا يرون صحة حديث عمرو بن حزم، لكن كما قلت: ذهب مالك وجمهور العلماء معه على أنه لا يجوز أن يمس القرآن أحد إلا أن يكون طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر، قال الله جل وعلا: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩].

стр. 663

تفسير قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون إلى قوله: ترجعونها إن كنتم صادقين) ثم قال ﵎: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨١ - ٨٢]، قوله: ((رِزْقَكُمْ)) يحتمل معنيين: المعنى الأول: أن تكون بمعنى: الشكر، وهذا وارد في كلام العرب، فيصبح المعنى: وتجعلون شكركم لِمَا أفاء الله عليكم من نعم أنكم تكذبون بهذا القرآن، وهذا قول جيد في السياق، لكن الأحاديث وردت بخلافه. والقول الثاني: وهو الذي تؤيده الأحاديث -كما عند مسلم في الصحيح- أن المعنى: وتجعلون رزقكم أي: ما ينزل عليكم من السماء من مطر، ويؤيده حديث مسلم: مطرنا بنوء كذا، وآخرون قالوا: مطرنا بفضل الله ورحمته فقال ﷺ : (يقول الله جل وعلا: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي كافر بالكواكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكواكب)، على هذا حمل أكثر المفسرين معنى الآية والعلم عند الله. ثم قال ربنا: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥]، لم يرد ذكر النفس هنا، فقول الله جل وعلا: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة:٨٣]، لم يذكر الفاعل للفعل (بلغ)، لكن العلماء متفقون على النفس، وهذا فصل في لغة العرب أنها تأتي بالكلم ولو لم يكن له ذكر من قبل، قال حاتم طي: أماوي إن المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر أماوي إني لا أقول لسائل إذا جاء يوماً حل في مالنا نزر إلى أن قال وهو موضع الشاهد: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت نفس وضاق بها الصدر والنفس لم يكن لها كلام ولا قول في قصيدة حاتم، وإنما ردهم إلى شيء غير مذكور، وهناك شواهد أخر، وقد عقد له ابن خالويه رحمة الله تعالى عليه في كتابة: (فقه اللغة وسر العربية) فصلاً كاملاً. والذي يعنينا هنا أن قول الله جل وعلا: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة:٨٣]، أنه يعود على الروح بإجماع العلماء. قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٤] أي: من حول الميت ﴿حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة:٨٤]، أي: حين تبلغ الروح الحلقوم ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤]، أي: إلى الميت، ﴿وَنَحْنُ﴾ [الواقعة:٨٥] هذا قرب الله بملائكته ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة:٨٥] أي إلى الميت ﴿وَلَكِنْ﴾ [الواقعة:٨٥] حرف استدراك ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] أي: من حول الميت لا يبصر الملائكة وهي تنزع الروح من الميت، ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٥ - ٨٦] أي: لا تدانون ولا تملكون ولا تستعبدون كما تزعمون، ولا لأحد سلطان عليكم كما تقولون ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٦]، هذا هو قول الجمهور، وقول آخر: وهو أنكم غير مجازين أياً كان السياق، ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة:٨٦ - ٨٧] أي: الروح ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٧] والروح إذا اتصلت بالبدن يقال لها: نفس، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧]، وإذا خرجت من البدن يقال لها: روح، قال ﷺ في حديث عثمان بن مظعون: (إن الروح إذا فرجت تبعها البصر)، فقال ربنا هنا: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٦ - ٨٧]، ولا يستطيع أحد أن يعيد إلى ميت حياة، قال الله جل وعلا: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦١ - ٦٢].

стр. 664

تفسير قوله تعالى: (فأما إن كان من المقربين إلى آخر السورة ثم بعد أن بين الله جل وعلا هذا كله ذكر مآل الجميع بعد أن قسمهم إلى ثلاثة أصناف، قال ربنا: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة:٨٨]، والمقصود بالمقربين هنا -والعلم عند الله- فيما يظهر: أنهم من يدخلون الجنة بغير حساب، وهؤلاء هم المنادون أولاً بقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢]. قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٨٩] أي: يستريحون من عناء الدنيا، والله جل وعلا خلق الدنيا مطبوعة على الكدر كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، فهذا نبي الأمة ورسول الملة ﷺ يُرزق بسبع بنين وبنات، يموت منهم ستة أمام عينيه ﷺ ، ولا يبقى أحد يحيا بعده إلا فاطمة رضوان الله تعالى على أبناء وبنات رسولنا ﷺ أجمعين، فرأى ﷺ أبناءه وبناته يمتن ويموتون وهو حي يُرزق، ولم يبق له إلا فاطمة التي ماتت بعده بستة أشهر، وشج رأسه يوم أحد، وكسرت رباعيته، ولما أتم الله له الدين وأظهر له النعمة، وقال له: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] جاءته الآيات تخبر بقرب أجله ودنو رحيله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، فإذا لقي المؤمن ربه جل وعلا وجد الراحة الكبرى، قال الإمام أحمد ﵀: لا راحة للمؤمن دون لقاء الله. ومن يرجو راحة قبل لقاء الله فإنما يبحث عن شيء غير موجود، اللهم إلا أن تكون راحته -وهذا الذي ينبغي- في أنه يرضى بقدر الله قال ربنا: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] والحياة الطيبة: أن يرضى الإنسان بقدر الله. قال: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٨٩ - ٩٠] وأجمل ربنا هنا فقال: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٩١]؛ لأنهم يحيون في دار سلام، فبدهي أن ينطقوا بالسلام. ثم ذكر جل وعلا العصاة المتمردين على ربهم، والخارجين عن طاعته فقال جل شأنه: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٢ - ٩٤] وحتى لا يرتاب مرتاب، ولا يشك شاك قال أصدق القائلين ﷻ : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة:٩٥]، ثم ختم الله جل وعلا هذه الآيات بالوصية العظيمة: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤]، والمعنى: نزِّه ربك جل وعلا عمّا لا يليق به، وغاية ما قاله أئمة أهل الشأن في هذا الباب أن يقال: إن الله غني عن طاعة كل أحد، فإذا نزّهت ربك عمّا لا يليق به فتشعر بالطهر والنقاء والصفاء، وإلا فربنا ﷻ لا تنفعه طاعة طائع، ولا تضره معصية عاص. هذا مجمل ما دلت عليه هذه السورة المباركة؛ سورة الواقعة، وقفنا معها وقفة إجمالية، حاولنا أن نصل بها معكم إلى ما يمكن أن يعيننا على طاعة الله جل وعلا.

стр. 665

عرض مجمل للمراحل التي يمر بها الإنسان إلى أن يستقر في الجنة أو في النار وهنا نجمل -أيها المباركون- من قول الله جل وعلا: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٤] تصعد الروح، فإما أن تنادى بأحسن الأسماء أو تنادى بأقبح الأسماء، تعود إلى صاحبها، تدب الروح في البدن، فيسمع صوت النعال، ثم يُقعد فيُسأل عن ربه ونبيه ودينه، يوفِّق الله من يشاء من عباده للإجابة، ويخذل من عباد الله من شاء عن الإجابة، ثم يمكث الإنسان في قبره حياة البرزخ، قال ربنا: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، وهل تنفصل الروح أو تبقى متصلة؟ العلم عند الله، لكن غالب الظن: أنها تنفصل حيناً، وتتصل أحياناً في حياة لا نعلم كنهها، قال الله عنها: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، ثم يأمر الله ملكاً يقال له: إسرافيل، أن ينفخ فينفخ، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يمكث الناس أربعين، ثم يأمر الله الملك نفسه أن ينفخ فينفخ، فتخرج أرواح المؤمنين من عليين إلى أجساد الناس، لا تخطيء روح جسداً خرجت منه، وأرواح أهل الكفر من سجين، لا تخطيء روح جسداً خرجت منه، تدب الحياة في الأجساد، فيخرج الناس كأنما يقومون من نومهم، قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢]، يحشر الناس على أرض بيضاء نقية، يعطى كل أحد نوراً فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: منهم أقوام يطفأ نورهم من حين أن يستلموه وهم أهل الكفر، وتبقى طائفتان يبقى معهم نورهم حتى إذا جاءوا على الصراط أُطفئت أنوار أهل النفاق، قال الله جل وعلا عنهم أنهم ينادون أهل الإيمان: ((انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)) وهم يجيبونهم ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣]، ويمضي أهل الإيمان يجتازون بنورهم على قدر أعمالهم الصراط، ثم ينقسمون إلى قسمين: قسم يؤذن لهم بدخول الجنة، وقسم يحبسون على الأعراف، فإذا حبسوا على الأعراف رأوا أهل الجنة وهم يدخلونها، قال الله جل وعلا: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦]، وإذا صرفت أبصارهم من غير سبب منهم إلى أهل النار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٧]، ثم ظاهر القرآن -والعلم عند الله- أنهم يؤذن لهم بالجنة، ثم ينادي مناد بعد أن يؤتى بالموت على صورة كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود لا موت! ويا أهل النار خلود لا موت! قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان العلي الكبير على قوله، وما لم نجمله، أو لم نَقُلْه، أو لم نبينه في قولنا هذا، فلعل الله جل وعلا أن يكتب لنا أن نبينه في الإجابة على أسئلتكم، هذا والعلم عند الله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 666

طبت حياً وميتاً لقد رفع الله قدر نبينا ﷺ ، وأنزله منزلة عظيمة لم تكن ولا تنبغي لأحد من خلقه سواه، وجعل حياته سيرة عطرة ضمَّنها كل إشراقة في جوانب الحياة، ثم جعله أسوة حسنة لمتبعيه يتأسون به في خصال الخير كلها، ومن جملتها تفريغ القلوب لمحبة الله تعالى، والشفقة والرحمة بالمؤمنين، ودعوة الناس إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيان عظمة الوقوف بين يدي الله تعالى، وزينه تعالى بكل حميد من الأعمال والأقوال والصفات الخلقية والخُلقية، فطاب ﷺ حياً وميتاً.

стр. 667

عظيم منزلة رسول الله ﷺ عند ربه الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن مما صح خبره من السيرة العطرة والأيام النضرة ممن طابت حياته ومماته صلوات الله وسلامه عليه حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن زاهراً كان رجلاً من البادية، وكان يهدي إلى النبي ﷺ من البادية هدية، وكان ﵊ يعطيه قبل أن يذهب إلى البادية ويقول: إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه، وكان زاهر رجلاً دميماً، وكان ﷺ يحبه، فأتاه ذات يوم وهو يبيع متاعه في السوق، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل زاهر لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ ، فقال صلوات الله وسلامه عليه: من يشتري هذا العبد؟ فقال: يا رسول الله! إذاً -والله- تجدني كاسداً -أي: لا يشتريني أحد- فقال النبي ﷺ : لكنك عند الله لست بكاسد، أو قال: أنت عند الله غال). إن هذه منزلة رجل من بادية أمة محمد، فكيف بمنزلة محمد ﷺ عند ربه؟ يقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] جعلني الله وإياكم ممن يقتدي بهديه.

стр. 668

قبسات مضيئة في حياة رسول الله ﷺ هذه قبسات وجوانب مضيئة، وكل حياته ﷺ مضيئة، ولكن من عظمة سيرته صلوات الله وسلامه عليه أنه يمكن أن تتناول بمختلف الطرق، فيمكن أن تلقى كأخبار، ويمكن أن تدرس باستنباط لما في طيات السنن من عظيم الآثار، ويمكن أن تدرس وتتناول بغير ذلك، وهذا كله يدل على عظيم تلك الحياة التي عاشها نبينا ﷺ . وخير ما يقدمه طالب العلم للناس أن يقدم إليهم محاولة جديدة في فهم سيرة نبيهم ﷺ على غير ما يألفونه، وإن كان لا يستطيع أن يحلق بعيداً عما ذكره الأخيار وصدره الأبرار من العلماء والمشايخ وطلبة العلم في الماضي والحاضر نفع الله بنا وبهم الإسلام والمسلمين.

стр. 669

القلوب محل حب الله وتعظيمه وإجلاله أولى القبسات هي أن القلوب هي الأوعية التي يحب فيها الله ويعظم ويجل، ومن خلال عظيم محبة الله جل وعلا في قلب أي عبد ينجم العمل والقرب من الطاعات والازدلاف إلى الله بالحسنات، وينجم عن ذلك البعد عن المعاصي والفرار من الذنوب والإحجام عن الموبقات. وقد جعل الله قلب نبينا ﷺ له ﵎، فولد ﵊ دون أن تكتحل عيناه برؤية أبيه، فنشأ يتيم الأب منذ ولادته، فتعلق بقلب أمه وحنانها وشفقتها ورقتها عليه، فما أن أتم ست سنوات حتى حجبت عنه رحمة الأم فماتت أمه. فأخذ -صلوات الله وسلامه عليه- يوم ذاك يدب نحو جده ويتشبث به، فما هي إلا سنتان ويموت ذلك الجد، فيصبح ذلك النبي المنتظر الذي سيختم الله به النبوات ويتم به الرسالات لا أب ولا أم ولا جد له؛ لأن الله جل وعلا وحده تكفل به كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]. ولما بعث صلوات الله وسلامه عليه جعل الله له نصيرين: عمه أبا طالب وزوجته خديجة، فلما تفاقمت عليه مصائب أعدائه ورموه عن قوس واحدة توفي العم وتوفيت الزوجة في شهر واحد؛ ليطمئن ﷺ بأن الله وحده هو الذي سينجيه ويظهره ويعلي شأنه صلوات الله وسلامه عليه. ثم يهاجر ﵊ إلى المدينة وكان قد مات ولداه القاسم وعبد الله قبل أن ينبأ، فما بقي له إلا البنات، فتعلق بهن صلوات الله وسلامه عليه كأي أب، ثم ما إن تعلق بـ عائشة وأحبها حتى رميت في عرضها ﵂ وأرضاها. ثم بشر ﷺ بقدوم جعفر، فقال: (والله لا أدري بأيهما أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟!) وما هي إلا شهور معدودات ويموت جعفر ويبقى ﷺ من غير حبيبه جعفر. ثم آنس الله وحشته فيرزق ﷺ بابنه إبراهيم، فما إن يظهر الود في قلبه ﵊ ويتردد إلى عوالي المدينة كي يرى إبراهيم كل يوم فيقبله ويرفعه ويشمه ثمانية عشر شهراً فقط حتى يموت إبراهيم، لئلا يبقى في قلبه ﷺ أحد إلا الله. ولهذا ما قضى ﷺ عمره إلا فيما قضاه الأنبياء من قبله، ألا وهو التعريف بربهم جل وعلا، وإن أعظم نصرة له -صلوات الله وسلامه عليه- أن يؤخذ عنه الدين وأن يؤخذ عنه في المقام الأول عظيم توحيده لربه ﵎، فإن القلوب لا يستحق أن يتربع على عرشها أحد تحبه وتوالي وتبغض فيه إلا الرب ﵎. ولهذا كانت أعظم آيات القرآن تترى في أمكنة متعددة وأزمنة متباينة كلها تبين هذا المنهج العظيم الذي بعث الله من أجله الرسل وأنزل الله جل وعلا من أجله الكتب. جاءه العاص بن وائل وهو بمكة صلوات الله وسلامه عليه، وفي يد العاص عظام قد أرمت، فنفخ فيها وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه بعد موتها؟! فأنزل الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٧ - ٨٠]. والخضرة لا تكون إلا من ماء، والماء لا يتفق مع النار، فهما خصمان، ومع ذلك يجعل الله جل وعلا من الشجر الأخضر ناراً، ولا يقدر على هذا إلا الله. والمقصود أن قلبه ﷺ ملئ محبة وتوحيداً وإجلالاً لله، فنشأت دعوته كلها على هذا المبدأ العظيم الذي من أجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب، وهذا أعظم ما يمكن أن ينصر به العبد نبيه ﷺ .

стр. 670

عظيم شفقة رسول الله ورحمته بأمته في الدنيا ومن القبسات المضيئة في حياته ﷺ : عظيم شفقته ورحمته بأمته، ولهذا حق على كل مسلم أن يعرف لهذا النبي قدره وعظيم حقه لعظيم ما كان ﷺ يحمله من المحبة والشفقة والرأفة بأمته. ففي رحلة الإسراء والمعراج فرض الله عليه في السماوات السبع الصلوات الخمس خمسين صلاة في اليوم والليلة، فلما عاد ﷺ لقي أخاه موسى، فقال له موسى: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإني قد بلوت الناس قبلك، وإن أمتك لن تطيق ذلك) ومن هنا أخذ العلماء أن العلم ينقسم إلى قسمين: علم عاد عن التجربة، وعلم مقرون بالتجربة. والعلم المقرون بالتجربة مقدم على العلم العاري عنها، فإن موسى ﵇ ليس أفضل من نبينا ﷺ ، ولكن التجربة علمته أن الأمم لا تطيق مثل هذا، فرجع ﷺ إلى ربه يسأله التخفيف، وما زال يتردد صلوات الله وسلامه عليه حتى عاد إلى موسى وأخبره أن الله جعلها خمس صلوات، فقال له موسى كذلك: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف) فقال ﷺ يعتذر إلى موسى: (قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه). فلما حفظ ﷺ مقام الله حفظ الله له جل وعلا مقام أمته التي وكل إليه أن ينافح عنها، فسمع منادياً يقول: (إنني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) فأبقاها الله جل وعلا خمس صلوات بأجر خمسين صلاة في اليوم والليلة. ومن هنا أخذ العلماء فائدة، وهي أن من قدم حق الله على حق غيره أكرمه الله وأكرم غيره، فإن نبينا ﷺ في المرة الأخيرة ازدحم عنده أمران: حق أمته وحق الله، وهو أدبه مع ربه، فاختار أن يعتذر إلى موسى ويقدم حق الله تأدباً مع ربه، فلما تأدب مع ربه صلوات الله وسلامه عليه أكرمه الله بأن جعلها خمس صلوات وجعلها تجري على هذه الأمة بأجر خمسين صلاة، والحسنة بعشرة أمثالها. وهذا من مقامه الرفيع صلوات الله وسلامه عليه في أدبه مع ربه ﵎، والمقصود منه الإخبار بما كان عليه النبي ﷺ من أدب تام وحرص عظيم على الشفقة والرحمة بأمته في آن واحد. ومن شفقته بأمته ﷺ في الدنيا أنه ضحى بكبشين أملحين أقرنين، فسمى الله وكبر وقال في الأول: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد)، ثم قال في الآخر: (اللهم هذا عمن لم يضح من أمة محمد) شفقة بمن يأتي بعده صلوات الله وسلامه عليه. ومن شفقته بأمته -أمة الإجابة ﵊ أنه زار المقبرة فقال: (وددت لو أني رأيت إخواني، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم يأتوا بعد، وأنا سابقهم إلى الحوض، فقالوا: يا رسول الله! وكيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو لأن لأحدكم خيلاً غراً محجلة في خيل بهم أكان يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإن إخواني يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض) جعلني الله وإياكم منهم. وكان يقوم الليل ﵊ وما قام الليل أحد أكرم على الله منه، فلما تأسى به الناس وصلوا بصلاته في رمضان -وهي قربة إلى الله ورفع للدرجات وتكفير للخطايا- اعتزلها وتركها وقال: (لقد علمت الذي صنعتم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم). فخوفه على الأمة أن يفرض عليها ما لا تطيق له حملاً جعله ﷺ يمتنع عن القيام جهرة في تلك الليالي، وإلا فمن عظيم قرباته وجليل مناقبه عند ربه عظم قيامه بالليل بين يدي الله جل وعلا. ومن أعظم أسباب التوفيق وأجل العطايا وأعظم المنح أن يختار الله عبداً من عباده يقف بين يديه في ظلمات الأسحار يسأل الله ويرجوه ويدعوه ويناجيه. لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم صلوات الله وسلامه عليه. وفي ليلة تفقده عائشة فتقول: (ظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فوجدته في المسجد قد انتصبت قدماه يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك). وهذه النماذج من دلائل شفقته ﷺ على أمته في الدنيا.
следующие страницы →