Полный текст (797 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
طبت حياً وميتاً
لقد رفع الله قدر نبينا ﷺ ، وأنزله منزلة عظيمة لم تكن ولا تنبغي لأحد من خلقه سواه، وجعل حياته سيرة عطرة ضمَّنها كل إشراقة في جوانب الحياة، ثم جعله أسوة حسنة لمتبعيه يتأسون به في خصال الخير كلها، ومن جملتها تفريغ القلوب لمحبة الله تعالى، والشفقة والرحمة بالمؤمنين، ودعوة الناس إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيان عظمة الوقوف بين يدي الله تعالى، وزينه تعالى بكل حميد من الأعمال والأقوال والصفات الخلقية والخُلقية، فطاب ﷺ حياً وميتاً.
стр. 667
عظيم منزلة رسول الله ﷺ عند ربه
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن مما صح خبره من السيرة العطرة والأيام النضرة ممن طابت حياته ومماته صلوات الله وسلامه عليه حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن زاهراً كان رجلاً من البادية، وكان يهدي إلى النبي ﷺ من البادية هدية، وكان ﵊ يعطيه قبل أن يذهب إلى البادية ويقول: إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه، وكان زاهر رجلاً دميماً، وكان ﷺ يحبه، فأتاه ذات يوم وهو يبيع متاعه في السوق، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل زاهر لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ ، فقال صلوات الله وسلامه عليه: من يشتري هذا العبد؟ فقال: يا رسول الله! إذاً -والله- تجدني كاسداً -أي: لا يشتريني أحد- فقال النبي ﷺ : لكنك عند الله لست بكاسد، أو قال: أنت عند الله غال).
إن هذه منزلة رجل من بادية أمة محمد، فكيف بمنزلة محمد ﷺ عند ربه؟ يقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] جعلني الله وإياكم ممن يقتدي بهديه.
стр. 668
قبسات مضيئة في حياة رسول الله ﷺ
هذه قبسات وجوانب مضيئة، وكل حياته ﷺ مضيئة، ولكن من عظمة سيرته صلوات الله وسلامه عليه أنه يمكن أن تتناول بمختلف الطرق، فيمكن أن تلقى كأخبار، ويمكن أن تدرس باستنباط لما في طيات السنن من عظيم الآثار، ويمكن أن تدرس وتتناول بغير ذلك، وهذا كله يدل على عظيم تلك الحياة التي عاشها نبينا ﷺ .
وخير ما يقدمه طالب العلم للناس أن يقدم إليهم محاولة جديدة في فهم سيرة نبيهم ﷺ على غير ما يألفونه، وإن كان لا يستطيع أن يحلق بعيداً عما ذكره الأخيار وصدره الأبرار من العلماء والمشايخ وطلبة العلم في الماضي والحاضر نفع الله بنا وبهم الإسلام والمسلمين.
стр. 669
القلوب محل حب الله وتعظيمه وإجلاله
أولى القبسات هي أن القلوب هي الأوعية التي يحب فيها الله ويعظم ويجل، ومن خلال عظيم محبة الله جل وعلا في قلب أي عبد ينجم العمل والقرب من الطاعات والازدلاف إلى الله بالحسنات، وينجم عن ذلك البعد عن المعاصي والفرار من الذنوب والإحجام عن الموبقات.
وقد جعل الله قلب نبينا ﷺ له ﵎، فولد ﵊ دون أن تكتحل عيناه برؤية أبيه، فنشأ يتيم الأب منذ ولادته، فتعلق بقلب أمه وحنانها وشفقتها ورقتها عليه، فما أن أتم ست سنوات حتى حجبت عنه رحمة الأم فماتت أمه.
فأخذ -صلوات الله وسلامه عليه- يوم ذاك يدب نحو جده ويتشبث به، فما هي إلا سنتان ويموت ذلك الجد، فيصبح ذلك النبي المنتظر الذي سيختم الله به النبوات ويتم به الرسالات لا أب ولا أم ولا جد له؛ لأن الله جل وعلا وحده تكفل به كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨].
ولما بعث صلوات الله وسلامه عليه جعل الله له نصيرين: عمه أبا طالب وزوجته خديجة، فلما تفاقمت عليه مصائب أعدائه ورموه عن قوس واحدة توفي العم وتوفيت الزوجة في شهر واحد؛ ليطمئن ﷺ بأن الله وحده هو الذي سينجيه ويظهره ويعلي شأنه صلوات الله وسلامه عليه.
ثم يهاجر ﵊ إلى المدينة وكان قد مات ولداه القاسم وعبد الله قبل أن ينبأ، فما بقي له إلا البنات، فتعلق بهن صلوات الله وسلامه عليه كأي أب، ثم ما إن تعلق بـ عائشة وأحبها حتى رميت في عرضها ﵂ وأرضاها.
ثم بشر ﷺ بقدوم جعفر، فقال: (والله لا أدري بأيهما أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟!) وما هي إلا شهور معدودات ويموت جعفر ويبقى ﷺ من غير حبيبه جعفر.
ثم آنس الله وحشته فيرزق ﷺ بابنه إبراهيم، فما إن يظهر الود في قلبه ﵊ ويتردد إلى عوالي المدينة كي يرى إبراهيم كل يوم فيقبله ويرفعه ويشمه ثمانية عشر شهراً فقط حتى يموت إبراهيم، لئلا يبقى في قلبه ﷺ أحد إلا الله.
ولهذا ما قضى ﷺ عمره إلا فيما قضاه الأنبياء من قبله، ألا وهو التعريف بربهم جل وعلا، وإن أعظم نصرة له -صلوات الله وسلامه عليه- أن يؤخذ عنه الدين وأن يؤخذ عنه في المقام الأول عظيم توحيده لربه ﵎، فإن القلوب لا يستحق أن يتربع على عرشها أحد تحبه وتوالي وتبغض فيه إلا الرب ﵎.
ولهذا كانت أعظم آيات القرآن تترى في أمكنة متعددة وأزمنة متباينة كلها تبين هذا المنهج العظيم الذي بعث الله من أجله الرسل وأنزل الله جل وعلا من أجله الكتب.
جاءه العاص بن وائل وهو بمكة صلوات الله وسلامه عليه، وفي يد العاص عظام قد أرمت، فنفخ فيها وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه بعد موتها؟! فأنزل الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٧ - ٨٠].
والخضرة لا تكون إلا من ماء، والماء لا يتفق مع النار، فهما خصمان، ومع ذلك يجعل الله جل وعلا من الشجر الأخضر ناراً، ولا يقدر على هذا إلا الله.
والمقصود أن قلبه ﷺ ملئ محبة وتوحيداً وإجلالاً لله، فنشأت دعوته كلها على هذا المبدأ العظيم الذي من أجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب، وهذا أعظم ما يمكن أن ينصر به العبد نبيه ﷺ .
стр. 670
عظيم شفقة رسول الله ورحمته بأمته في الدنيا
ومن القبسات المضيئة في حياته ﷺ : عظيم شفقته ورحمته بأمته، ولهذا حق على كل مسلم أن يعرف لهذا النبي قدره وعظيم حقه لعظيم ما كان ﷺ يحمله من المحبة والشفقة والرأفة بأمته.
ففي رحلة الإسراء والمعراج فرض الله عليه في السماوات السبع الصلوات الخمس خمسين صلاة في اليوم والليلة، فلما عاد ﷺ لقي أخاه موسى، فقال له موسى: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإني قد بلوت الناس قبلك، وإن أمتك لن تطيق ذلك) ومن هنا أخذ العلماء أن العلم ينقسم إلى قسمين: علم عاد عن التجربة، وعلم مقرون بالتجربة.
والعلم المقرون بالتجربة مقدم على العلم العاري عنها، فإن موسى ﵇ ليس أفضل من نبينا ﷺ ، ولكن التجربة علمته أن الأمم لا تطيق مثل هذا، فرجع ﷺ إلى ربه يسأله التخفيف، وما زال يتردد صلوات الله وسلامه عليه حتى عاد إلى موسى وأخبره أن الله جعلها خمس صلوات، فقال له موسى كذلك: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف) فقال ﷺ يعتذر إلى موسى: (قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه).
فلما حفظ ﷺ مقام الله حفظ الله له جل وعلا مقام أمته التي وكل إليه أن ينافح عنها، فسمع منادياً يقول: (إنني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) فأبقاها الله جل وعلا خمس صلوات بأجر خمسين صلاة في اليوم والليلة.
ومن هنا أخذ العلماء فائدة، وهي أن من قدم حق الله على حق غيره أكرمه الله وأكرم غيره، فإن نبينا ﷺ في المرة الأخيرة ازدحم عنده أمران: حق أمته وحق الله، وهو أدبه مع ربه، فاختار أن يعتذر إلى موسى ويقدم حق الله تأدباً مع ربه، فلما تأدب مع ربه صلوات الله وسلامه عليه أكرمه الله بأن جعلها خمس صلوات وجعلها تجري على هذه الأمة بأجر خمسين صلاة، والحسنة بعشرة أمثالها.
وهذا من مقامه الرفيع صلوات الله وسلامه عليه في أدبه مع ربه ﵎، والمقصود منه الإخبار بما كان عليه النبي ﷺ من أدب تام وحرص عظيم على الشفقة والرحمة بأمته في آن واحد.
ومن شفقته بأمته ﷺ في الدنيا أنه ضحى بكبشين أملحين أقرنين، فسمى الله وكبر وقال في الأول: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد)، ثم قال في الآخر: (اللهم هذا عمن لم يضح من أمة محمد) شفقة بمن يأتي بعده صلوات الله وسلامه عليه.
ومن شفقته بأمته -أمة الإجابة ﵊ أنه زار المقبرة فقال: (وددت لو أني رأيت إخواني، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم يأتوا بعد، وأنا سابقهم إلى الحوض، فقالوا: يا رسول الله! وكيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو لأن لأحدكم خيلاً غراً محجلة في خيل بهم أكان يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: فإن إخواني يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض) جعلني الله وإياكم منهم.
وكان يقوم الليل ﵊ وما قام الليل أحد أكرم على الله منه، فلما تأسى به الناس وصلوا بصلاته في رمضان -وهي قربة إلى الله ورفع للدرجات وتكفير للخطايا- اعتزلها وتركها وقال: (لقد علمت الذي صنعتم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم).
فخوفه على الأمة أن يفرض عليها ما لا تطيق له حملاً جعله ﷺ يمتنع عن القيام جهرة في تلك الليالي، وإلا فمن عظيم قرباته وجليل مناقبه عند ربه عظم قيامه بالليل بين يدي الله جل وعلا.
ومن أعظم أسباب التوفيق وأجل العطايا وأعظم المنح أن يختار الله عبداً من عباده يقف بين يديه في ظلمات الأسحار يسأل الله ويرجوه ويدعوه ويناجيه.
لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم صلوات الله وسلامه عليه.
وفي ليلة تفقده عائشة فتقول: (ظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فوجدته في المسجد قد انتصبت قدماه يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).
وهذه النماذج من دلائل شفقته ﷺ على أمته في الدنيا.
стр. 671
عظيم شفقة رسول الله ورحمته بأمته في الآخرة
ومن شفقته على أمته في الآخرة أن الناس يحشرون عراة أحوج ما يكونون إلى الكسوة، ويحشرون عطشى أحوج ما يكونون إلى الماء، ويحشرون تحرقهم الشمس أحوج ما يكونون إلى الظل، وهناك يموج الخلق بعضهم في بعض، فيأتون أباهم آدم فيعتذر ويقول: نفسي نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله.
ثم يأتون إلى نوح فيثنون عليه رجاءً يستجيب لهم، فيقولون: أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض، سماك الله في القرآن عبداً شكوراً، فيقول: نفسي نفسي، ويحيلهم إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقول: نفسي نفسي، ثم يأتون موسى فيثنون عليه فيقول: نفسي نفسي، ثم يأتون إلى عيسى -ولا يذكر ذنباً- فيقول: نفسي نفسي، فإذا أتوا إليه صلوات الله وسلامه عليه قال: أمتي أمتي.
جعلني الله وإياكم ممن ينتفع بشفاعته يوم العرض الأكبر.
فهذه نماذج من رحمته ﷺ وشفقته على أمته، أفليس من هذه صفاته ومحبته لنا وشفقته علينا ورحمته بنا جديراً بأن يحب، وأن نتقرب إلى الله جل وعلا بحبه واتباع هديه واقتفاء أثره صلوات الله وسلامه عليه؟!
стр. 672
الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة
ومن الجوانب العطرة والنضرة في سيرته ﷺ : ما أكرمه الله جل وعلا به من الدعوة إلى الله جل وعلا بالأسلوب الأمثل وكمال الحسن والرفق في الخطاب حتى يبين دين الله جل وعلا على الوجه الأمثل والطريق الأقوم، فلا تبقى لأحد حجة على الله بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه.
وضع على ظهره سلا الجزور وهو يوم ذاك -وما زال ﷺ أعظم الخلق كرامة عند الله.
والدرس العلمي المأخوذ من هذه الحادثة أن تعلم أن مقام العبد لا يعرف بحاله عند الناس، فالناس لا يرون منك إلا الظاهر، لكن الأمر العظيم هو مقامك عند ربك جل وعلا.
فالنبي ﷺ ساجد عند الكعبة وسلا الجزور على كتفيه، وزعماء قريش ينظرون إليه ويتضاحكون، وهو ﷺ عند ربه في أعلى المقامات وأرفع الدرجات.
والدنيا لم يجعلها الله جل وعلا دار مكافأة، ومن أعظم ما يدلك على حقارة الدنيا أن الله جل وعلا أذن قدراً أن يعصى فيها، ولو كانت للدنيا كرامة عند الله لما أذن الله قدراً لأحد أن يعصيه فيها.
وهذا أمر ينبغي لكل من يحيا في هذه الحياة الدنيا أن يستصحبه في كل شأن؛ لأن الإنسان إذا كان ينتظر من الناس مدحاً أو ثناءً أو رفيع قدر فسيتعب تعباً كبيراً، وأول طرائق العظمة أن تبدأ بنفسك، ولن تكون عظيماً حتى تكون عظيم العبودية لله جل وعلا.
واعلم -يا أخي- أن لله جل وعلا صفات، كلما ازدت عنها بعداً كنت من الله أقرب، ولله جل وعلا صفات كلما التصقت بها كنت من الله أقرب، وهذه الصفات لا تعرف بضابط أو قاعدة، وإنما تعرف بحيثيات الشرع.
فلا يوجد حال ذلة يكون فيه ابن آدم أعظم من أن يضع جبهته على الأرض، فهذا موضع ذلة بلا شك، ولما كان هذا أعظم حال ذلة يفعله بنو آدم وجب ألا يصرف إلا للرب ﵎.
قال الله لنبيه: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] فلما سجد ﷺ حيث أمره الله كان أقرب إلى ربه جل وعلا، فكلما ازدت عبودية للرب ﵎ وانكساراً بين يديه كنت إلى الله جل وعلا أقرب، فإن العظمة من شأنه وحده جل وعلا لا ينازعه فيها أحد.
والأمر الآخر: الكبر، فإن العظمة والكبرياء رداءان للحق ﵎، فكلما تلبس الإنسان - عياذاً بالله - برداء الكبر كان من الله جل وعلا أبعد؛ لأنه ينازع الرب ﵎ في ما هو من صفاته وخصائصه التي لا ينبغي أن ينازعه فيها أحد ﷻ .
ومن صفات الله جل وعلا الرحمة، فمن كان رحيماً بالخلق طمعاً في أن يرحمه الله كان قريباً من رحمة الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
وقال صلوات الله وسلامه عليه لأحد الصحابة: (والشاة إن رحمتها يرحمك الله)، وقال: (من لا يرحم لا يرحم).
وكلما كان الإنسان عفواً غفوراً عمن حوله ممن يخطئون عليه كان أدنى إلى عفو الله جل وعلا ورحمته وغفرانه، وهذا الذي ينبغي أن تحكم فيه آيات الكتاب المبين وأخبار سيد المرسلين ﷺ .
стр. 673
العبرة بمقام العبد عند ربه
وعظمة القدر كلما جحدها الناس بينها الله جل وعلا بجلاء من حيث لا يشعرون، فنبينا ﷺ في غزوة الحديبية جرى الصلح بينه وبين القرشيين، فأخذ المبعوثون يترددون بينه وبين قريش، وفي كل مرة تبعث قريش رجلاً منها، حتى بعثت سهيل بن عمرو، فقال ﷺ : (لقد سهل أمركم، لقد أراد القوم صلحاً منذ أن بعثوا هذا الرجل).
فلما وضع الكتاب ليكتب واتفق الطرفان على الصلح وكان علي ﵁ كاتب نبينا ﷺ قال له ﷺ : (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فاعترض سهيل وقال: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، اكتب كما كنا نكتب في الجاهلية: باسمك اللهم.
فرضي ﷺ وكتب: (باسمك اللهم)، ثم قال لـ علي: (اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو)، فقال له سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فرفض علي ﵁ أن يمحو ما قد كتب، فسأله النبي ﷺ عن موضع الكتابة؛ لأنه لا يقرأ لا يكتب، وعلم الله به الجن والإنس.
فبين له علي موضعها فمحاها ﷺ بيده، ثم أمر علياً أن يكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو.
فالذي جحد الرسالة هنا هو سهيل بن عمرو، فأنزل الله جل وعلا خاتمة سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] ولهذا فإن الحاذق من القراء الذي يريد أن يربط في تدبره القرآن بين الآيات يقرأ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ثم يقف، ثم يأتي بالواو استئنافية ويقرأ: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩] لأن في قول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] رد على من أنكر رسالته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه.
وفيما بعده إخبار بأنصاره في الرسالة والمؤمنين الذين آووه ونصروه وجاهدوا ومعه وهاجروا من المهاجرين والأنصار وثناء الله جل وعلا عليهم من قبل في التوراة والإنجيل.
والغاية من هذا كله أن تعلم أن الله جل وعلا لا يضيع عنده عمل عامل كائناً من كان، وأن العبرة بمقامك عند الله جل وعلا، وأنت ترى في طيات حياة نبيك ﷺ ما يدلك على أن العبرة التامة لرفيع مقامك عند الله، ألا ترى أن الخضر وموسى ﵉ استطعما أهل قرية فقال الله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] فامتنع أهل القرية عن إطعام عبدين صالحين من عباد الله، ولكن هذين العبدين لم يغير ذلك من منزلتهما عند ربهم ﵎ شيئاً.
وكيف تعرف قربك من ربك وعلو منزلتك عنده؟ اعرض نفسك على كتاب الله، يقول الله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤] وكل امرئ حسيب نفسه.
стр. 674
طيب خلق رسول الله وخُلُقه
ومن القبسات المضيئة في حياته ﷺ ما أجمله الصديق ﵁ في خبر الوفاة، فإن الأمة لم تفجع بأعظم من فجيعتها بوفاة نبيها صلوات الله وسلامه عليه.
وكان أبو بكر في السنح، وهو عوالي المدينة، والذي دفع أبا بكر أن يخرج إلى السنح - رغم أن النبي كان شديد المرض - أن النبي ﵊ أطل عليهم في ذلك اليوم، فلما أطل عليهم استبشر الناس خيراً، فعمد أبو بكر إلى فذهب إلى أهله بالسنح، فلما توفي ﵊ وقبض وشاع ذلك في الناس ما بين مصدق ومكذب قدم أبو بكر من بيته بالسنح فدخل بيت عائشة ابنته، ولا يحتاج إلى إذن، فلما دخل حجرة عائشة إذا برسول الله ﷺ مسجىً على فراشه، فلما كشف الفراش عرف أنه ميت فقبله بين عينيه واغرورقت عيناه بالدموع ﵁ وأرضاه، وقال كلمة تختصر الكثير من العبارات، قال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله.
فهو ﵊ قد طابت حياته وطاب مماته؛ لأن حياته وصلاته ونسكه ومماته كل ذلك كان لله رب العالمين، كما أمره الله جل وعلا فقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] صلوات الله وسلامه عليه.
أما طيب حياته ﵊ فقد طاب خلقاً وطاب خلقاً، فطاب خَلْقاً لأن الله جل وعلا جعله في أتم هيئة خَلقية، فكان ﵊ سبط الشعر لا بالمسترسل ولا بالجعد، في جبهته عرق يجره الغضب إذا غضب لله، أزج الحواجب -أي: دقيق الحواجب- في غير قرن، أي: حاجباه غير مقترنين، أشم الأنف، طويل أهداب العينين، أبيض مشرباً بحمرة، كث اللحية، الشيب فيه ندرة ومتفرق، وأكثر شيبه في عنفقته أسفل شفته السفلى، وجملة ما فيه من الشيب لا تكاد تتجاوز عشرين شعرة.
كأن عنقه إبريق فضة، في صدره خيط شعر ممتد شعر على هيئة خيط دقيق، وعبر عنه الرواة بأنه دقيق المشربة، بين كتفيه من الخلف شعيرات سود اجتمع بعضهن إلى بعض قد ارتفعن عن الجسد قليلاً كأنهن بيضة حمامة، عريض ما بين المنكبين، سواء الصدر والبطن، إذا أشار أشار بيده كلها، وإذا تعجب من شيء قال: سبحان الله، وعند البخاري في الأدب المفرد أنه كان إذا تعجب من شيء عض على شفتيه صلوات الله وسلامه عليه.
إذا مشى فكأنما ينحدر من مكان عال، من رآه من بعيد أهابه، ومن رآه من قريب أحبه، يقول جابر بن سمرة: (صليت مع النبي ﷺ صلاته الأولى - أي صلاة الظهر - فطفق ولدان أهل المدينة يسلمون عليه، فصافحته فوجدت لكفه برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار) صلوات الله وسلامه عليه.
وقال محمد بن عمار والربيع بنت معوذ: يا أماه! صفي لي رسول الله ﷺ ، فقالت: يا بني! لو رأيته لرأيت الشمس طالعة.
وقال جابر بن سمرة: (خرجت في ليلة أضحيان -أي: ليلة البدر فيها مكتمل- فرأيت القمر ورأيت النبي ﷺ عليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى رسول الله ﷺ ، فلهو عندي أجمل من القمر) صلوات الله وسلامه عليه.
وطيبه ﵊ الخُلُقي كان مقروناً بطيبه الخَلْقي، فلم يكن لعاناً ولا فحاشاً ولا متفحشاً ولا سباباً، قال الله جل وعلا يزكي لسانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وزكى الله بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكى الله جل وعلا قلبه فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكاه الله جل وعلا جملة فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ومن الله جل عليه بأن جعله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وأخذ الله جل وعلا العهد والميثاق على الأنبياء من قبله أنه إذا بعث فيهم وهم أحياء أن يتبعوه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١].
стр. 675
طيب مماته ﷺ
وكما طابت حياته وطاب خَلْقه وطاب خُلُقه طاب مماته ﷺ ، فكان آخر عهده بالدنيا أن استاك فتطيب فاه قبل أن يلقى ربه جل وعلا.
وبقدر الله يدخل عبد الرحمن بن أبي بكر إلى بيت عائشة، وبقدر الله ينظر ﷺ إلى السواك ولا يستطيع -وهو نبي الأمة ورسول الأمة وسيد الفصحاء- أن يقول: أعطوني السواك.
ثم تأخذ عائشة السواك من أخيها فتقضمه وتطيبه فيتطيب به ﵊.
وقد جرى عليه ما جرى على الأنبياء من قبله، وجميع الأنبياء تجري عليهم خمسة أحكام: الأول: أنهم يرعون الغنم.
الثاني: أنهم يخيرون عند الموت.
الثالث: أنهم يدفنون في الموضع الذي ماتوا فيه.
الرابع: أن الأرض لا تأكل أجسادهم.
الخامس: تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
فجرى عليه في تلك اللحظات الثالثة من هذه الأمور، وهي أن الملك أخذ يخيره بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وبين لقاء الله ثم الجنة، وقلب كقلب محمد ﷺ لا يشتاق إلى شيء أعظم من شوقه إلى لقاء الله، فلما خيره الملك سمعته عائشة وهو يقول: (﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] اللهم اغفر لي، بل الرفيق الأعلى) قالها ثلاثاً، ومالت يده وفاضت روحه ﷺ إلى أعلى عليين في المحل الأسمى والملكوت الأعلى.
وتوفي ﷺ ضحى يوم الإثنين، ودفن ليلة الأربعاء بعد مغرب يوم الثلاثاء، ومع ذلك لم يزدد ﷺ بعد موته إلا طيباً.
لقد نظر إلى أصحابه قبيل وفاته في يوم مرضه فتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، وهذا ما عناه أبو بكر بقوله: طبت حياً وميتاً يا رسول الله.
ثم غسلوه ﷺ ، ومراعاة لحرمته ﵊ لم ينزعوا عنه ثيابه، ولم تكشف له عورة، وإنما باشروا الغسل من فوق الثياب، فعليه الصلاة والسلام.
ثم لعظيم حرمته عند الله ولطيب مماته ﵊ هدى الله أولئك الأخيار إلى ألا يقدموا إماماً يصلي بهم على نبيهم، فلكي تصل صلاة كل أحد إليه، ولكي يشعر كل فرد بأنه باشر الصلاة على النبي ﷺ صلوا عليه أرسالاً، حتى لا يقول أحدهم: صليت خلف أبي بكر على رسول الله، وإنما يقول: صليت على رسول الله ﷺ مباشرة.
ثم يكرمه الله بأن يدفن - وهذا من خصائص الأنبياء - في الموضع الذي مات فيه، فدفن ﷺ في حجرة عائشة في الجهة الجنوبية الغربية من الحجرة مكان فراشه صلوات الله وسلامه عليه، وفي تلك الحجرة كان يناجي ربه، وفي تلك الحجرة كان يقوم الليل، وفي تلك الحجرة كان يتنزل عليه الوحي، وفي تلك الحجرة كان يجيب السائلين، وفي تلك الحجرة كان يطعم الأضياف، وفي تلك الحجرة أسلم الروح، وفي تلك الحجرة دفن، ومن تلك الحجرة يبعث صلوات الله وسلامه عليه.
وبقدر الله ترى عائشة قبل مماته أن ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها، فتذهب إلى أبيها -وهو من المعبرين- فتخبره بالرؤيا، وكان الصديق أعلم الناس بنبينا ﷺ وأكملهم أدباً، فاستحيا أن يعبرها حتى لا يخبرها بقرب موت نبينا ﷺ مع أن الموت حق، فلما وقع ما وقع ومات رسول الله ودفن في الحجرة جاء الصديق ﵁ إلى ابنته وقال: يا بنية! هذا أول أقماركِ.
والاثنان الآخران كانا الصديق ﵁ وعمر ﵁ وأرضاه.
وفي يوم موت عمر ﵁ وأرضاه كانت عائشة ﵂ أحق الناس بالحجرة؛ لأنها حجرتها، وكان الناس يعلمون أنه لم يبق إلا موضع قبر واحد، فلما طعن عمر ﵁ وأرضاه كان لا يهمه إلا أمران، فقال لـ ابن عباس: اذهب فانظر من طعنني.
فذهب ابن عباس أو ابنه عبد الله فعرف أن الطاعن هو أبو لؤلؤة المجوسي، فقال: يا أمير المؤمنين! أبشر بالذي يسرك، الطاعن أبو لؤلؤة المجوسي.
فقال عمر ﵁ وأرضاه: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على رجل سجد لله سجدة.
فالمؤمن الذي يخشى الله حقاً لا يحب أن يأثم أحد بسببه، ولو كان ذلك الآثم قد فعل ذلك عدواناً وظلماً، كما فعل عثمان ﵁ لما منع الناس أن يحموه حتى لا يراق دم بسببه.
فعمر ﵁ استبشر وفرح بأن من طعنه لم يكن مؤمناً، ثم قال لابنه عبد الله: اذهب إلى عائشة فقل لها: أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه.
فذهب عبد الله واستأذن على عائشة فقالت وهي تبكي: والله لقد كنت أدخره لنفسي - أي المكان - ولأوثرنه اليوم على نفسي.
فذهب عبد الله فدخل على أبيه قائلاً: يا أبتاه! أبشر بالذي يسرك.
فخاف عمر أن تكون عائشة قد فعلت ذلك حياءً لأنه حي، فأوصى ابنه قائلاً: يا بني، إذا أنا مت وغسلتني وكفنتني فاحملني وقل: عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه؛ ولا تقل: أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه؛ فإني يوم ذاك لست للناس بأمير.
فإذا أرادت عائشة أن تعتذر فإنها ستعتذر ليكون فعلها عن طيب نفس منها.
فحمل بعد غسله وتكفينه على أعناق الرجال، ثم نودي أن عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فأذنت ودفن.
يقول بعض الرواة -والعلم عند الله-: إن عائشة ﵂ وأرضاها بعد أن دفن عمر في حجرتها بنت جداراً بينها وبين القبور حياءً من عمر وهو ميت، وقالت: لم يكن إلا زوجي ووالدي، أما الآن فزوجي ووالدي ورجل آخر.
تقصد عمر ﵁ وأرضاه.
فإن صحت هذه الرواية -وليس ببعيد أن تصح- فإن المرأة لا ترزق شيئاً أعظم من أن ترزق الحياء مع غيرها من الرجال.
قال الله جل وعلا عن إحدى ابنتي العبد الصالح: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥].
والمقصود من هذا الأخبار كلها -رغم تشعب الحديث- بيان كيف طاب مماته ﷺ .
ومن هذه الحجرة يخرج ﷺ ، وهو أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، فيجد أخاه موسى آخذاً بقوائم العرش، وانظر لعظيم تمسكه ﷺ بالقرآن، فالله يقول له: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] فيطبقها عملياً، يقول ﵊: (فإذا بموسى آخذاً بقوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟).
فهو ﷺ أعلم الخلق بالله وبدين الله وبالأخبار الشرعية كلها، ويقول: (لا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 676
دعوته إلى التراحم
ومما يمكن أن يدرس في سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه: أنه بين لأمته بلسان حاله ومقاله أن يكون التراحم بينهم، وهذا أمر قرره القرآن في الثناء على أصحاب محمد ﷺ بقوله جل وعلا: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] والتراحم بين المؤمنين من أعظم الغايات وأجل المطالب والمقاصد الشرعية التي جاء بها الدين ونزل بها القرآن ونطق بها رسولنا ﷺ .
وهذا المبدأ العظيم كان ﷺ يحرص على أن يغرسه في أمته بطرائق متعددة، حيث يدخل علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه في مجلس فيه رسول الله ﷺ ، والمجلس ممتلئ بمن فيه، فيتنحى الصديق ﵁ قليلاً وينادي علياً ويقول: هاهنا يا أبا الحسن.
فيجلسه بجواره، فيقول ﵊ يقرر مبدأ التراحم ومعرفة منازل الناس بينهم: (إنما يعرف الفضل لأولي الفضل أولوا الفضل)، فهو ثناء على الصديق وثناء على علي وتعليم للأمة.
وهذه الرحمة تكون فيك -أيها المحب لمحمد ﷺ إن علمت قواعد شرعية، أعظمها: أن الله جل وعلا يحب من عباده الرحماء.
والأمر الثاني: أن تعلم أن النبي ﷺ ذكر الأنبياء قبله، ثم قال: (وإني لأرجو الله أن أكون أكثرهم تابعاً) فهو ﵊ يحب أن يكثر سواد أمته، ولكي يكثر سواد أمته ينبغي أن نحرص على الدعوة إلى دينه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا الأمر من أعظم أسسه وأجل مقوماته أن نتراحم فيما بيننا، فالإنسان إذا كان شفيقاً رحيماً بزوجته وأولاده وأبويه في المقام الأول وسائر المؤمنين كان قريباً من الله محققاً ما أراده رسول الله ﷺ من أمته، ولما نشره فيها من الفضائل، ولما دعاهم إليه صلوات الله وسلامه عليه من كريم الطباع وجميل الأخلاق.
стр. 677
حرصه ﷺ على بيان عظمة الموقف بين يدي الله
ومن الجوانب التي نحاول أن نتأملها في هذا الدرس المبارك: أن نعلم أن النبي ﷺ حرص على أن يبين لأمته عظيم الموقف بين يدي الله جل وعلا.
ومن أعظم ما يعين على الطاعة أن يستحضر العبد وقوفه بين يدي الله، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، وقد ذكر ﷺ ذات يوم الميزان، وأنه لا يكون مثقال حبة من خردل إلا توزن، فجاءه رجل فقال: يا نبي الله! إن لي أجراء يظلموني وأظلمهم، فقال ﷺ يبين له أن الأمر يوم القيامة قصاص: (يؤخذ ما عليك ويعطى ما لك) وبعد أن قرر الرجل أن يتخلص من هؤلاء الأجراء تلا ﷺ قول الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
وبين صلوات الله وسلامه عليه أن الأمر يوم القيامة عظيم جليل الخطب يحتاج كل امرئ إلى أن يتقي الله جل وعلا فيه.
فهذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده.
стр. 678
الأسئلة
стр. 679
كيفية معرفة تعلق القلب بغير الله
السؤال
كيف يعرف الإنسان أن قلبه لم يتعلق بغير الله؟
الجواب
كل ما صرفك عن طاعة الله فقد تعلق قلبك به، ولكن يختلف الأمر في مقدار ذلك بحسب التعلق.
стр. 680
مصير أبوي رسول الله ﷺ
السؤال
لقد سمعت أنكم رجحتم أن أبوي الرسول ﷺ من أهل الفترة، فأرجو من فضيلتكم بيان ذلك؟
الجواب
هذه مسألة خلافية مشهورة جداً، ونحن إلى الآن نقول: إن الأقرب أن أبوي الرسول ﷺ والعلم عند الله - من أهل الفترة، وبيان ذلك علمياً من وجوه: أولها: أن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
وقال جل وعلا عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨ - ٩].
ومن قواعد العلم أن نصوص القرآن حاكمة وتفهم عن طريق السنة، فهنا إخبار من العلي الكبير أن أهل النار يلقون فيها فوجاً فوجاً، وأنهم يقررون عند إلقائهم فيها ويقال لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] فيقرون ويقولون: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك:٩] يقول الله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
ويبقى السؤال هنا: هل والد الرسول ﷺ جاءه نبي أم لا؟ فإن قلنا: جاءه نبي فلا حجة له، وإن قلنا: لم يأته نبي فلا يدخل في أهل النار بحسب الآية؛ لأن الله قال عن أهل النار وهم يقرون: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك:٩]، ولا ريب في أن والد النبي ﷺ ومن كان معه آنذاك من قبل البعثة لم يأتهم نذير بنص القرآن، حيث قال الله جل وعلا: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص:٤٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤]، فالله جل وعلا في آية محكمة يقول: إنه لم يأتهم نذير.
وأما الحديث الذي في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لرجل: (إن أبي وأباك في النار) فإنه من حيث القاعدة العلمية يقول فيه بعض العلماء: إنه مخصص لعموم ما قاله الله جل وعلا في كتابه.
ولكن يبعد أن يخبر الله جل وعلا نبيه بأن أهل الفترة كلهم تحت المشيئة، ويكون أبوه وحده في النار.
وقد جاء في صحيح مسلم أن الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في سبعة أيام، والعلماء لم يقبلوا هذا الحديث؛ لأنه معلوم قطعاً بنص القرآن أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
والمقصود أن هذه مسألة لا يحسن نشرها بين الناس بكثرة، حتى الذين يقولون: إن والد الرسول في النار بناءً على حديث مسلم يقولون: لا يحسن نشر ذلك بين الناس.
وأنا أقول -والعلم عند الله-: إن التوقف أفضل من القطع بأن والد الرسول ﷺ في النار؛ لأن نصوص القرآن لا توحي بهذا.
стр. 681
بيان درجة الكافر والمسلم المتهاون في إيذاء رسول الله
السؤال
أيهما أكثر إيذاءً لرسول الله ﷺ : أتباعه المتهاونون بسنته أم الكفار والمنافقون الذين يسخرون من ذلك؟
الجواب
هم الكفار والمنافقون لا يمكن أن يكونوا في درجة من آمن برسول الله ﷺ وأحبه وإن عصاه، ولا شك في ذلك.
ولكن ينبغي للمؤمن أن يعلم أن من دلائل محبته لنبينا ﷺ أن يحرص على اتباع سنته وألا يتهاون فيها، وأن يقيم الدين جملة، وأن يتقرب إلى الله بحب رسوله ﷺ والسير على هديه، ولا يقارن كافر منافق مع مسلم وإن كان متهاوناً.
стр. 682
عاقبة المستهزئ برسول الله في الدنيا
السؤال
هل في تاريخ هذه الأمة أن أحداً استهزأ بنبينا ﷺ فعجل الله له عقوبة في الدنيا قبل الآخرة؟
الجواب
قد يوجد هذا وإن كنت لا أحفظه، ولكن الذي ينبغي أن يعلم أن النبي ﷺ -كما هو معلوم- في المقام الأعلى، فهو ﵊ كفاه ربه فقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥].
стр. 683
الطريق إلى خشية الله
السؤال
ما هو الطريق إلى خشية الله تعالى؟
الجواب
هذا أمر طويل جداً، ولكن نقول من حيث الجملة: إن الله جل وعلا غني كل الغنى عن طاعة أحد، وإن من أعظم طرائق الوصول إلى خشية الله أن يستقر في قلبك أن الله جل وعلا غني كل الغنى عن طاعتك، وأنك في ذات الوقت مفتقر كل الفقر من جميع وجوهه إلى ربك ﵎.
فإذا رزق الإنسان قناعة ويقيناً تاماً بهذا الأمر -نسأل الله لي ولكم التوفيق- فإنه يرجى بعد ذلك أن يعرف الطريق إلى خشية الله جل وعلا، فلابد من أن يكون هناك يقين بأن الله جل وعلا خالق وما سواه مخلوق، وأن الله جل وعلا رب وما سواه مربوب، وأن الله جل وعلا وحده رازق وما سواه مرزوق، وأن الخلق مهما عظمت منازلهم وكثر مالهم وساد جاههم وجل ملكهم هم خلق من خلق الله لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فضلاً على أن يملكوه لغيرهم، وأن الله جل وعلا لا تضره معصية أحد كائناً من كان، ولا يبلغ مدحه قول مادح كائناً من كان، ولا تنفعه طاعة أحد كائناً من كان.
فإذا عرفت أن ربك جل وعلا عظيم جليل رزقت بعد ذلك الخشية منه ﷻ .
ومن جملة ما نقوله ونكرره دائماً أن تحاول أن تعظم الله عند خلقه حين يمن الله عليك بالمنبر تصعده، أو بكلمة تلقيها في جامع، أو تلقيها لزوجتك وأولادك، أو لطلاب في المدرسة، أو بملعب كرة تلعب فيه مع زملائك، أو بمجلس احتفال مع زملائك.
فادخل مثل هذه الأمكنة ولا يكون لك إلا هم واحد، وهو أن يحب الناس ربك ويعظموه، أياً كان نوع المجلس، حتى لو كان في ملعب كرة، فإن ابتليت بحب الكرة وكان حولك اثنان أو ثلاثة أو أربعة فإن أي فرصة تعرف فيها أنك تغرس عظمة الله جل وعلا فيها فيمن حولك عليك أن تنتهزها.
فليكن همك أن يخرج من حولك معظمين لله، وقد ذكرت الملعب كحد أدنى، وقس عليه الأماكن الفاضلة كالمساجد، فأي مكان تدخل ينبغي أن يكون همك الأول أن يعظم الله جل وعلا وأن يحب، فتذكر فضل الله جل وعلا على خلقه ومنته عليهم، وتجعل من حولك يحبون الرب ﵎، حتى لو غلب على ظنك أن الناس سيظنون بك الرياء، فثق بأن الله جل وعلا يعاملك على ما في قلبك لا على نظرة الناس إليك.
وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فالله جل وعلا لا يحاسبنا على نظرة الناس إلينا، فهم يحكمون على ما يرون، والله جل وعلا وحده يتولى السرائر، ولكن محال أن يحاسب الله أحداً على نظرة خلقه إليه، بل يحاسب عبده على ما علمه منه، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩].
فلو أن الناس اجتمعوا على ذم أحد وهو عند الله عظيم فإن الله جل وعلا يقبله، ولو أن الناس اجتمعوا على حب أحد وهو عند الله حقير فإن الله جل وعلا لا يقبله أبداً؛ لأن العبرة بما انطوى عليه القلب من محبة الله وإجلاله وإعظامه.
وغاية الأمر أن تعلم أنه لا يوجد منزلة أعظم ولا أجل من أن تجلس مجلساً تعظم الرب ﵎ فيه، فإن فعلت فثق بأن الله جل وعلا سيجعل لك حظاً ونصيباً كبيراً من أمور شتى لا يحسن التفصيل فيها، نسأل الله لنا ولكم من فضله العظيم.
стр. 684
حكم التقصير في طاعة رسول الله مع ثبوت محبته في القلب
السؤال
إن من علامات محبة الرسول ﷺ اتباع أمره واجتناب نهيه، ولكننا نقصر كثيراً في طاعته ونقع في المعاصي، ويعلم الله أننا نحب رسول الله ﷺ ، فما توجيهكم؟
الجواب
أصل المحبة لا ينافيها مثل هذه المعاصي، فإن النبي ﷺ شهد لشارب الخمر بأنه يحب الله ورسوله، ولكن اتباع هديه ﵊ والبعد عن المعاصي من دلائل كمال محبة العبد لنبيه ﷺ .
وعلى الإنسان أن يكون من الله على وجل، فلا يدري أي الذنوب يكون بسببها حرمانه من الشفاعة، فلذلك يجتنب المعاصي والذنوب كلها، فإذا وقع منه الذنب توجه إلى الله جل وعلا واستغفر وتاب إليه وأناب.
стр. 685
أفضل الكتب في أسماء الله وصفاته وزيادة محبته
السؤال
ما هي أفضل الكتب التي تتحدث عن أسماء الله وصفاته وتزيد من حبه جل وعلا؟
الجواب
لا ينبغي أن يتردد أحد في الجواب، بأن أعظم كتاب يعرف بالله هو القرآن، فلا أحد أعلم بالله من الله، والله جل وعلا قد عرف بذاته العلية في كتابه المبين، فمن رزق تدبر القرآن تدبراً حقيقياً ومعرفة المواطن التي أثنى الله جل وعلا فيها على نفسه عرف ما لله جل وعلا من كمال الأسماء وجليل الصفات، ووالله ثم والله إن الإنسان ليقرأ في كتب أخيار وأئمة أجلاء في أسماء الله وصفاته فيزداد من الله قرباً ويعرف شيئاً، ثم إذا طواها وقرأ القرآن بتمعن وما أخبر الله به عن نفسه شعر أنه يرتقي درجات لا يبلغ أن يرقاها بتلك الكتب من الفهم والعلم بالله جل وعلا؛ لأنه لا أحد أعلم بالله من الله.
فيثنى على الله جل وعلا بما أثنى الله به على نفسه وبما سمى به نفسه وبما وصف به نفسه، لقد كان جبريل يتردد على النبي ﷺ ، فقال له ﵊: (ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم:٦٤ - ٦٥] ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]).
ومنذ أن مرت عشرة قرون على آدم من زمن بعثة نوح إلى أن تقوم الساعة يوجد كفار يحاربون الله جهاراً عياناً، ولا يوجد طاغوت ولا كافر تسمى باسم الله، ولهذا قال الله لنبيه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
ويقولون: إن سيبويه مؤلف (الكتاب) النحوي المشهور قسم المعرفة إلى ستة أقسام: العلم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، والضمائر، والمعرف بأل، والمعرف بالإضافة، وبدأ بالعلم، ثم جعل لفظ الجلالة أعرف المعارف.
فيقولون: إنه لما مات ورئي في المنام قيل له: ما فعل بك ربك؟ فقال: قد غفر لي لأني جعلت اسمه أعرف المعارف.
فلا ريب في أن اسم الله جل وعلا أعظم علم على الإطلاق، بل كما قال ربنا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
стр. 686
لا نهاية لصفات الله
السؤال
ما تفسير قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] وهل ذكرت السبعة على وجه المبالغة؟
الجواب
هذه الآية من خواتيم سورة لقمان، ونظيرها في القرآن قول الله جل وعلا في آخر الكهف: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩].
وتفسير هاتين الآيتين مرتبط بعضه ببعض، وجملة معناهما أن كلمات الله جل وعلا صفة من صفاته، وأما البحر والأقلام فخلق من خلقه، والمعنى: أن كلمات الله جل وعلا وصفة من صفاته ﵎ لا يمكن أن تكون محدودة بالقلم والحبر؛ لأن القلم والحبر مخلوقان، فلا يمكن أن ينتهي كلام الله بنهايتهما، ولكن المخلوق له نفاد.
فالبحر المقصود في الآية اسم جنس، وأما قول الله جل وعلا: ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان:٢٧] في آية لقمان فالمقصود به منتهى العدد، فالعرب كانت تجعل السبعة نموذجاً لنهاية العدد، والمقصود من الآيتين: أن كلام الله جل وعلا لا نهاية له، وأن الله جل وعلا لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء.
وأما البحر فهو مخلوق سينتهي يوماً، والأقلام المقصودة التي تؤخذ من الأشجار ستنتهي يوماً، ولو كانت تلك الأشجار عديدة أو كان ذلك البحر مديداً، والعلم عند الله.
стр. 687
نصيحة للمتعرض للفتن
السؤال
أنا شاب ملتزم منذ سنتين تقريباً، وفي الفترة الأخيرة تعرضت لفتن وضعف فيَّ الإيمان، فأرجو أن تدعو الله لي، وأن تنصحني وأمثالي؟
الجواب
الأفضل أن يدعو الإنسان لنفسه، وأن يتقرب إلى الله جل وعلا بعمل صالح وبدعاء خير من أن يطلب من الناس أن يدعوا له.
وأما النصيحة فإنه -يا أخي- لا يوجد لذة أعظم من لذة الإيمان والقرب من الله والاستقامة على هديه، ومن وجد هذه اللذة فلا يحسن له أن يبدلها بما هو أدنى منها، فتفقد نفسك وابحث عن السبب الذي جعلك تحرم من هذه اللذة، ومن كان له والدان فليعلم أن من أعظم ما يعينه على الثبات بره بوالديه.
стр. 688
دور المرأة في نصرة رسول الله ﷺ
السؤال
ما دورنا النساء في نصرة النبي ﷺ ؟
الجواب
إن حضور النساء المحاضرات وترددهن على بيوت الله من المناقب الحميدة في عصرنا، رغم أن النبي ﷺ قال: (صلاتها في بيتها خير لها) لأنه يكثر في هذا الزمان تردد كثير من النساء على مواطن الفتن كالأسواق، خاصة عندما لا تكون لها حاجة، أو ترددها على بعض الأماكن غير المحمودة، كالأماكن التي يختلط فيها الرجال والنساء.
فإذا وجد نساء من أمهاتنا وأخواتنا وخالاتنا وعماتنا وغيرهن يترددن على المساجد فإنه يحسن بنا أن نأخذ بأيديهن إلى الخير، وأن نسأل لهن الله التوفيق والسداد.
وأما دور المرأة في النصرة فهو أن تغرس حب النبي ﷺ في قلوب أبنائها، وأن تربط تصرفاتها بتصرفات النبي ﵊ فيما تقتدي به المرأة بنبيها، وتخبر بأن هذا من فعل النبي ﷺ ، فتضع المرأة يدها على رأس ابنها أو ابنتها وهي خارجة إلى المدرسة تعوذها قائلة: أعيذك بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة.
وتخبر الأم ابنتها بأن النبي ﷺ كان يضع يده على رأس الحسن والحسين ويقول هذه الكلمات، وأمثال ذلك من غرس الهدي النبوي القويم في صدور الأبناء والبنات.
стр. 689
الأسباب المعينة على قيام الليل
السؤال
ما الأسباب المعينة على قيام الليل؟ فإني أحاول كثيراً أن أقوم الليل قبل الفجر فأقوم أحياناً ولا أقوم كثيراً؟
الجواب
كلنا يشكو إلى الله جل وعلا هذا الأمر، والله المستعان، إلا أن مما يعين على قيام الليل أن الإنسان إذا أصبح ولم يكن قد قام تلك الليلة يستحيي من ربه جل وعلا أن يغدو ويروح وهو في ليلته كلها التي فاتت لم يقم فيها لخالقه ومولاه، والله جل وعلا قد قال لنبيه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦] ثم قال له: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧] فليس لك عذر، فإن كان لديك مشاغل ومهمات وطلب معيشة ففي النهار، وأما الليل فاجعله لربك.
والإنسان في الدنيا في النهار يكد لنفسه ولذويه، وأما الليل فحق لرب الأرباب ﷻ ، فتصلي فيه ولو ثلاث ركعات تقف فيها بين يدي الله تسأله وترجوه وتحمده وتثني عليه وتدعوه، إنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 690
حكم التضحية عن رسول الله ﷺ
السؤال
ذكرت أن من شفقة رسول الله ﷺ على أمته أنه ضحى عمن لم يضح عن أمته، فهل يؤخذ من ذلك أنه يشرع لنا أن نضحي عن رسول الله ﷺ ؛ لأننا نحبه؟
الجواب
لم يقل بهذا أحد من أهل العلم، فليس من الفقه أن يأتي الإنسان إلى مسألة أجمع الناس عليها ثم يحاول أن يخرم ذلك الإجماع.
والكمال كل الكمال في اتباع ما كان عليه سلف الأمة، فلا نعلم أنه نقل عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو عن غيرهم من الأجلاء من الصحابة أنهم ضحوا عن رسولهم ﷺ مع قدرتهم على ذلك وهم أحب له منا وأعظم اتباعاً منا.
стр. 691
نظرة في شارات نصرة رسول الله رداً على الدنمركيين
السؤال
بعض الناس يضع على سيارته الملصقات التي تحمل العبارات الآتية: (إلا رسول الله ﷺ ، (فداك أبي وأمي) وغيرها من العبارات التي انتشرت في هذه الأيام؛ فهل في هذا الأمر توجيه؟
الجواب
هذا أمر محمود لا بأس به، ولكنني أعترض على عبارة: (إلا رسول الله)، كما قلت في قناة المجد، فالعبارة غير صحيحة، فأنت عندما تقول: (لا إله إلا الله) يفهم منها أنه لا يعبد أحد إلا الله، وهذا حق، فأي معبود غير الله باطل، لكن عندما تقول: (إلا رسول الله)، فإنه يصبح المعنى أنه يجوز لهؤلاء الدنمركيين أن يتعرضوا لفلان ويتعرضوا لفلان ويتعرضوا لأي شيء غير رسول الله، وهذا غير مقبول.
نعم هي من حيث اللغة العامية سائغة، حيث يقال في العامية: إلا فلان، ولكن في اللغة الفصحى لا ينبغي أن يقال: (إلا رسول الله)، وإنما يدافع عنه ﷺ بعبارات أخرى، وهي مشكلة منتشرة في بعض القنوات وبعض المواقع في الإنترنت.
стр. 692
حمق الدنمركيين في استهزائهم برسول الله ﷺ
السؤال
ما هو دور الشاب الملتزم وغير الملتزم في الحملة الشرسة ضد الإسلام ونبي الإسلام ﷺ ، سواء مع نفسه أو مع أهله أو مع أقاربه؟
الجواب
الله يقول: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩] وقال: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] فهؤلاء أشباه بقر، فلم يضر رسول الله ﷺ شيء مما قالوه، ومن ناحية دنيوية محضة يدل هذا التصرف -بصرف النظر عن كونه حراماً- على أنه ليس عندهم عقول؛ لأنهم بفعلهم هذا جمعوا أعداءهم الذين هم المسلمون، وانظر إلى اليهود، فإننا نحاربهم منذ عام (١٩٤٨م) وإلى اليوم ما تعرض اليهود لشخص النبي ﷺ ؛ لأنهم يدركون أبعاد السياسة.
فهؤلاء حمقى، فكل أموالهم وتجارتهم في أرضنا، وليس بيننا وبينهم حرب، فتركوا هذا كله وأتوا لنبينا ﷺ وتعرضوا له، وكان بإمكان حكومتهم من أول الأمر أن تعتذر اعتذاراً رسمياً فينتهي الموضوع، ولكن لأمر قدره الله اجتمعت الأمة كلها، فيخرج في جاكرتا وفي إندونيسيا وفي تركيا قوم ليسوا عرباً، ولا يجمعهم بالنبي ﷺ نسب، ويرفعون الشعارات التي تعادي من يعادي رسول الله ﷺ ، حتى يعلم الناس أنه لا يوجد رابطة ولا سبب أعظم من رابطة العقيدة.
فأنت حين تصلي على طفل ميت تقول في دعائك: وألحقه بكفالة أبيه إبراهيم في الصالحين، فكل طفل مسلم يموت دون البلوغ إلى قيام الساعة في كفالة إبراهيم ﵇، مع أن إبراهيم ليس جده ولا أباه، ووالد إبراهيم -وهو آزر - لا ينتفع بأي شيء من إبراهيم، فما الذي ربط بين إبراهيم وهؤلاء الأبناء وفصل بين إبراهيم وأبيه؟ إنه الإيمان، فالعلاقة بين إبراهيم وأبناء المسلمين علاقة أخوة في الدين، ولا توجد علاقة بين إبراهيم وأبيه آزر.
فهذه الحملة التي فعلها هؤلاء الدنمركيون بينت للناس عموماً أنه لا يوجد رابطة أعظم من رابطة العقيدة، والذي يتأمل بوجه إنصاف سيجد أن الأمة قلما اجتمعت على شيء من مائة سنة كاجتماعها على نصرة نبيها ﷺ في هذا الموطن، نسأل الله أن ينصر دينه وكتابه وعباده الصالحين.
стр. 693
كان خلقه القرآن
في القرآن الكريم عظات وعبر بثها الله تعالى في آياته وسوره، ومن ذلك ما فرقه تعالى في سورة غافر بذكر بعض صفاته تعالى في فاتحتها، وذكر حال حملة العرش في تسبيحهم لربهم واستغفارهم للمؤمنين، وذكر حال الكافرين يوم القيامة، وذكر خبر مؤمن آل فرعون في وسطها.
ومن ذلك ما ذكره تعالى في سورة الأعراف من الدعوة إلى العفو والصفح والإعراض عن الجاهلين، والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ومنه أيضاً ما ذكره تعالى في سورة طه من الأمر بسؤال الزيادة من العلم، وكل ذلك فيه زاد للمؤمنين.
стр. 694
ذكر أوصاف خَلْق رسول الله ﷺ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فما عسى أن يقول عبد مثلي عن رسول الله وقد شرح الله له صدره ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره.
أيها المسلم! نخاطبك في هذه الكلمات ونحن نحاول أن نعرج فيها على مفهوم بعض الآيات من كتاب الله الكريم الذي جعله الله جل وعلا حجةً على المعاندين، ورحمةً للعالمين، وهدى ونوراً لمن سلك الصراط المستقيم، أنزله الله جل وعلا على خير خلقه محمد ﷺ ، فهذا حديث عن النبي وحديث عن القرآن الذي أنزل على هذا النبي، حديث عن رسول الهدى ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.
أما هيئته الخلقية فقد كان نبينا ﷺ ربعةً من القوم، لا بالطويل البائن ولا بالقصير الممتهن، كما كان ﵊ سبط الشعر، ليس شعره بالمسترسل ولا بالملتوي، في جبهته عرق يجره الغضب، فإذا غضب ﷺ في ذات الله امتلأ هذا العرق دماً.
أزج الحواجب في غير قرن، طويل أشفار العينين، أشم الأنف، كث اللحية، والشيب فيه ندرة، إلا في صدغيه الأيمن والأيسر، وأكثر شيبه في عنفقته أسفل شفته السفلى صلوات الله وسلامه عليه.
كأن عنقه أبريق فضة، بعيد ما بين المنكبين، ومن بين كتفيه من الخلف شعيرات سود اجتمعن بعضهن إلى بعض فعرفن بخاتم النبوة كأنه بيضة حمامة.
ومن وهبة صدره إلى أسفل سرته خيط ممتد، ليس في صدره ولا في بطنه شعر غيره؛ ولهذا عبر عنه أهل السير بأنه دقيق المشربة، سواء الصدر والبطن، إذا أشار أشار بيده كلها، وإذا تعجب من شيء قلب كفيه، وإذا تعجب -كما عند البخاري في الأدب المفرد- عض على شفتيه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 695
من الميلاد إلى البعثة
ولد ﵊ بعد أن مات أبوه وهو حمل في بطن أمه، فتعلق بأمه، فما أن تعلق بتلك الأم وبلغ من العمر ست سنين حتى توفيت تلك الأم؛ ليتعلق ﷺ -شأنه شأن أي يتيم الأبوين- بجده، لكن ذلك الجد لم يمكث راعياً إلا سنتين أخريين، فمات فكفله عمه أبو طالب، ثم من الله جل وعلا عليه على رأس الأربعين بأن ختم به النبوات، وأتم به الرسالات، فقال له جل وعلا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥].
ولم يكلفه ببعثة ولا برسالة، ثم أنزل عليه بعد أن رجع إلى دار خديجة متزملاً في ثيابه يقول: (دثروني دثروني) أنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] وقال له: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فأنذر عشيرته الأقربين، ثم توالى التكليف: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى:٧] فأنذر أم القرى ومن حولها، فزاد التكليف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨] صلوات الله وسلامه عليه.
الحديث عنه يجول ويحول وإن كان مكرراً، فيؤثر في النفوس وإن كان معروفاً، وليس المتحدث عنه يستطيع أن يقول شيئاً جديداً، ولكنه يستطيع أن يحيي قلوباً ميتة بسيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه.
والقرآن أعظم ما من الله به على نبينا ﷺ .
جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 696
تأملات قرآنية في سورة غافر
стр. 697
تدبر في فاتحة سورة غافر
ولذلك نرى أن تدبر القرآن هو أعظم شيء، على معنى قول عائشة ﵂ وأرضاها: (كان خلقه القرآن) صلوات الله وسلامه عليه.
وما عمل أحد بالقرآن ولا فقه القرآن مثل نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ولما تمثل القرآن ﵊ كان أشجع الناس قائداً وأفضلهم زوجاً وأكرمهم أباً ووالداً، كما كان ﷺ أصدق الناس وفاءً وأحسنهم جيرة، وهو مع ذلك كله كان أحسن من يقف في المحراب بين يدي الله، وأفضل من يقف في فلق الأسحار يستغفر ربه ويدعوه ويرجوه، ويسأله جل وعلا، ويقف بين يدي ربه، يقيم الليل ويحييه بما أنزل الله عليه من القرآن.
وهذه وقفات وعظات بما أنزل الله ﵎ على نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال الله جل وعلا له في صدر سورة غافر -وهي أولى الحواميم، والحواميم سبع سور في القرآن متتابعات تبدأ بغافر وتنتهي بالأحقاف- قال الله له في تلك السورة الكريمة: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٣].
فالقرآن أعظم ما أنزله الله، والنزول في القرآن ورد مطلقاً وورد مقيداً، فورد مطلقاً فلا يذكر الله جل وعلا المصدر الذي أنزل منه، وأحياناً يرد مقيداً بأن الله يذكر المصدر الذي أنزل منه، ولم يورد الله نزولاً في القرآن منسوباً إلى ذاته العلية إلا كلامه، حيث قال تعالى: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:١ - ٢] ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣]، ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢].
وليس في القرآن شيء أخبر الله عنه أنه منزل من عنده ونسبه إلى ذاته العلية إلا القرآن، أما غير ذلك فقد أنزل الله الماء من السماء والملائكة من السماء، وقال جل ذكره: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٩]، أما القرآن فقد نزل به جبريل من عند الرب ﵎ على قلب محمد ﷺ .
يقول تعالى: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:١ - ٢]، ثم توالت الآيات تبين بعض صفات رب العزة والجلال : ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣].
قوله: (ذِي الطَّوْلِ) أي: ذي المنة و (غَافِرِ الذَّنْبِ) أي: يغفر الذنوب، وهاتان صفتا رحمة توسطتهما صفة شدة وانتقام للرب ﵎، حيث قال سبحانه: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ).
بهذه الآيات يخوف الله جل وعلا عباده، ويحيي ﵎ قلوب وأنفس المؤمنين، وقد فقه ﷺ كل ذلك، فلما أنزل الله عليه جل وعلا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] كان ﷺ في حجرات أمهات المؤمنين الملاصقة لشرقي المسجد فيهن أنس يغدو ويروح بحوائجه، وفيهن أمهات المؤمنين، كل واحدة منهن لها حجرة، تخل تلك الحجرات من موضع سجود له ﵊، فشهدت بسجوده وقيامه بين يدي ربه ﵎.
لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينمِ الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقمِ يا ليتني كنت فرداً من صحابته أو خادماً عنده من أصغر الخدمِ
стр. 698
تدبر في إخباره تعالى عن تسبيح حملة العرش ومن حوله واستغفارهم للمؤمنين
قال الله جل وعلا في سورة غافر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧].
العرش سقف المخلوقات، والله جل وعلا مستو عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ومع استواء الله جل وعلا على العرش فإن للعرش حملة يحملونه، قال سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) فهذه طائفة، ثم قال: (وَمَنْ حَوْلَهُ) الواو للعطف، والعطف يقتضي المغايرة، أي أن من حول العرش غير حملة العرش، فحملة العرش يحملون العرش، ومن حول العرش يطوفون حول العرش، وكلهم مخلوقون عبيد مقهورون لرب العالمين ﷻ يسبحون بحمده ويكثرون من ذكره، قال الله عنهم: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) عظم علمهم بالله فعظم فرقهم من الرب ﵎، وعظم إجلالهم له جل وعلا، عرفوا ربهم فخافوا منه.
والعبد كلما كان بالله أعرف كان له أتقى ومنه أخوف، قال ﷺ : (مررت ليلة أسري بي وجبريل كالحلس البالي من خشية الله) وهو ﷺ يقول: (أما إني أعلمكم بالله وأشدكم لله خشية) فما دام ﵊ أعلم الخلق بالله فهو -صلوات الله وسلامه عليه- أشد الخلق لله خشية.
يقول سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ).
نقول كما قال الله: إن الله تعالى مستغن عن حملة العرش ومن حول العرش والعرش، وحملة العرش وسائر الخلق فقراء كل الفقر إلى الرب ﵎، والله جل وعلا وحده له الكبرياء، فكتب على عباده أن يسجدوا له، والسجود أعظم ذلة من حيث الموطن والموقع، وكلما ذل الإنسان لربه وعرف أنه ما من نعمة إلا والله وليها، ولا من نقمة إلا والله قادر على أن يرفعها، كلما علم أن الله وحده، وأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكلما تيقن أن الله يخلق ويرزق ويعطي ويمنع ويخفض ويرفع، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد بحق إلا هو سبحانه، وأن الله جل وعلا وحده له رداء العزة والكبرياء، وأنه لا يطلب شيء إلا بالله، ولا تدفع نقمة إلا بالله، ولا ينال مرغوب إلا به ، كلما تيقن بذلك دل ذلك على علمه بربه ﵎.
وهو الذي فيه وعليه قضى أنبياء الله حياتهم صلوات وسلامه عليهم أجمعين، قال نوح: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٣ - ١٤]، وقال الله تعالى لآخرهم محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
стр. 699
الملائكة وأعمالهم
ثم بين جل وعلا في هذه الآية أن هؤلاء الملائكة يحملون العرش، وما حملة العرش إلا طائفة من الملائكة، والملائكة خلق من خلق الله، خلقهم الله جل وعلا من نور، ليسوا شركاء لله ولا أنداداً، ولا بنات لله ولا أولاداً، إنما هم عبيد من عباده وخلق من خلقه، يأتمرون بأمره ويقفون عند نهيه، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
فمنهم من أوكل الله جل وعلا إليه إنزال الوحي، وهو جبريل، ومنهم من أوكل الله جل وعلا إليه جريان السحاب وتقسيم الأمطار على الأقطار، وهو ميكال، ومنهم من أوكل الله إليه النفخ في الصور، وهو إسرافيل، ومنهم من أوكل الله إليه قبض الأرواح، وهو ملك الموت، وغيرهم آخرون كثر، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
ومنازلهم الأولى هي السماء، وعبادتهم التي لا يفترون عنها أنهم يقولون: سبحان وبحمده سبحان العظيم، وجاء في بعض الآثار أن منهم من هو ساجد لله منذ أن خلقه الله، ومنهم من هو راكع لله منذ أن خلقه الله، فإذا كان يوم القيامة يقبضون على هذه الهيئة ويحيون على هذه الهيئة، فإذا رفعوا رءوسهم رأوا وجه ربهم ﵎ فيقولون عند رؤية وجه العلي الأعلى: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
стр. 700
فضل الإيمان والفرق بينه وبين الكفر
قال سبحانه يبين لنا فضل الإيمان: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، فإذا كنت في بيت من بيوت الله؛ فقد أردت ما عند الله من الأجر، وعقدت أناملك بالتسبيح، ولهج لسانك بذكر الله، ودخل الإيمان في قلبك، وكل ذلك بفضل الله، فتستغفر لك ملائكة السماء، ويستغفر لك حملة العرش، فالإيمان جمع بينك وبين سكان السماوات العلى، والكفر يفرق بينك وبين أقرب الناس إليك، قال الله جل وعلا عن نوح في شأن ابنه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦].
وقد كان الخليل على كرامة عظيمة من الله، فقال لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧] فالخليل إبراهيم له المنزلة العالية والاحتفاء العظيم في الملكوت الأعلى، ومع ذلك لما كان أبوه كافراً لم تنشأ علاقة نفع بينهما، بينما ينتفع صغار المسلمين الموتى إلى قيام الساعة بكفالة إبراهيم لهم، فنقول في دعائنا للأموات الصغار: اللهم ألحقهم بكفالة أبيهم إبراهيم في الصالحين، فينتفع هؤلاء الصغار بكفالة أبيهم إبراهيم ولا ينتفع به أبوه.
فالإيمان جمع بيننا ونحن في الأرض مع ملائكة السماء وهم في السماوات العلى.
والكفر -عياذاً بالله- يفرق بين المرء وأي كافر آخر، حتى يعلم أنه لا وشائج ولا صلة تربط بين الناس أعظم من رابطة الإيمان.
стр. 701
ثقل الذنوب وفضل الاستغفار
قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧].
إن الإنسان لا يحمل فوق ظهره شيئاً أنكأ ولا أعظم من حمل الذنوب، قال الله جل وعلا: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥] وقال جل وعلا: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٨]، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
فما تقرب أحد إلى الله بشيء بعد توحيده أعظم من استغفاره جل وعلا، وملائكة السماء وحملة العرش على وجه الخصوص ومن حول العرش يستغفرون لكل مؤمن ومؤمنة، فأسأل الله جل وعلا أن نكون ممن تنالهم بركة ذلكم الاستغفار.
стр. 702
تمام فرحة المؤمن وقراره وبهجته في الجنة
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٨].
إن عين المؤمن تقر إذا أمسى ثاوياً إلى أهله والتف حوله والداه وزوجته وبنوه وبناته، وحق له أن تقر عينه بهذا، ولهذا يجد المغتربون من الناس كمداً في صدروهم إذا أووا إلى منازلهم ولم يلتقوا بأهليهم، ويسألون الله أن يطوي عنهم أيام الغربة، ولكن القرار الحق، والفرح الكامل، والبهجة التامة يوم أن يلتقي المؤمن بوالديه وزوجته وأبنائه وبناته في جنات النعيم، قال الله تعالى عن الملائكة: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨] ولن يقدم أحدنا لوالديه أو لولده من بعده شيئاً ذخراً أعظم من العمل الصالح؛ فإن العبد إذا كان صالحاً نفع الله بصلاحه والديه وذريته من بعده، وربما جعله الله جل وعلا ممن يشفعون في عرصات يوم القيامة.
وهذا أمر مستقل شرعاً له أدلته الظاهرة في الكتاب الله والسنة، وإنما نذكره هنا إيماناً، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل ذلك النعيم.
стр. 703
تدبر في حال أهل النار
ثم قال الله جل وعلا في هذه السورة المباركة يحدث عن أهل النار، وهي الخزي الأعظم والخسران الأكبر: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١١ - ١٢].
قول أهل النار: (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) أي: موتة ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، فنفخت فينا الروح، والموتة الثانية يوم قبض الأرواح، وهي الموتة المكتوبة على كل أحد.
(وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) الحياة الأولى عندما نفخت فينا الروح في بطون أمهاتنا، وهي حياة الدنيا، والحياة الأخرى: يوم بعثهم الله جل وعلا من مرقدهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢] فإذا اعترفوا بهذا يقولون: (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) أي: خروج من النار وعودة إلى الدنيا علهم يتقون.
قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] فإذا قالوا ذلك ذكرهم الله جل وعلا بأعظم معصية لهم، ألا وهي الإشراك بالله، وأن نفوسهم -والعياذ بالله- كانت تبتهج وتفرح إذا ذكر مع الله غيره، وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، فمن أراد أن يعرف قربه من الله فلير كيف حاله إذا ذكر الله جل وعلا وحده، اللهم إنا نجأر إليك أن تعيذنا من أن تقر أعيننا أو تطمئن قلوبنا إلى أحد غيرك.
قال الله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢].
стр. 704
تدبر في بعض آيات الله الدالة على صفات كبريائه
ثم بين الله جل وعلا بعضاً من آياته الدالة على ما له جل وعلا من صفات الكبرياء، فقال سبحانه: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٢ - ١٥].
стр. 705
تدبر في قصة مؤمن آل فرعون وحياة يوسف ﵇
وفي هذه السورة ذكر الله جل وعلا قول مؤمن آل فرعون، ومن ذلك: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤].
فالحديث هنا عن مؤمن آل فرعون، وهو رجل من آل فرعون كما نص الله، وذهب بعض العلماء إلى أنه من بني إسرائيل، وهذا بعيد؛ لأنه مخالف لظاهر الآية.
ولئن كانت الوقفتان السابقتان وقفتين إيمانيتين، فإن هذه وقفة تاريخية، فالله جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار، ويحكم ويفعل في عباده ما يريد.
فيوسف ﵊ نشأ أخاً لأحد عشر أخاً غيره من أبناء يعقوب بن إسحاق بن الخليل إبراهيم.
وحظي يوسف ﵊ بالقرب من أبيه، فتآمر عليه إخوته، وأقنعوا أباهم بأن يذهبوا به ليلعب معهم ويرتع، ثم ألقي يوسف في غيابة الجب، فأوحى الله جل وعلا إليه: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥].
وعاد الأبناء إلى أبيهم يقولون: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، فأخذ الأب المكلوم ينظر في القميص فلم ير فيه تغيراً، فيقول: أي ذئب عاقل هذا أكل ابني وترك قميصه؟! لكن الله جل وعلا ألهم يعقوب الصبر فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨].
ثم أخرج يوسف وبيع بدراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين، فآواه عزيز مصر، وأدخله داره، وقال لزوجته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١].
وأراد الله بهذا التمكين ليوسف خلاف الذي أرداه له إخوته، فقد أراد له إخوته أن يعيش مشرداً ضائعاً في غيابة الجب، فأراد الله جل وعلا أن يحيا يوسف في القصور، ففتنت به امرأة العزيز، ولكن يوسف ﵇ كان خائفاً من ربه، وفياً مع سيده زوج المرأة، قال الله جل وعلا: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] أي: الزوج، فبادرت تقول: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] فدافع عن نفسه، فأُغلقت القضية بقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف:٢٩].
فوضع يوسف في السجن، وتغيرت الأحداث، وتغير الأشخاص الذين ظهروا على مطلع الحياة آنذاك، ولكن الذي لم يتغير هو اعتقاد يوسف بربه جل وعلا، فصلاح يوسف لم يتغير، وإنما ازداد إيمانه، فيوسف التقي عند أبيه هو التقي في غيابة الجب، ويوسف التقي في غيابة الجب هو التقي في القصر، ويوسف التقي في القصر هو التقي في السجن.
قال الله جل وعلا عن فتيين مبيناً تأثير هذا النبي الكريم على من حوله بخلقه وكريم صفاته: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الله، ولا يعرف الأنبياء شيئاً أعظم من توحيد الله، فأخذ يقرر عليهم التوحيد ويمليه عليهم، فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠].
ويقدر الله أن يرى الملك الرؤيا، وتمر أحداث ليس هذا مقام تفصيلها، ويصير يوسف عزيز مصر يمكن في الأرض ويجعل على خزائن الأرض.
وفي أرض كنعان أرض فلسطين يشعر يعقوب وأبناؤه بحاجة إلى القوت، ويسمعون عن ملك بأرض مصر، فيبعثون له العطايا، ويخرج الإخوة فيلتقون بيوسف، فيعرفهم ولا يعرفونه، ويعرض عليهم أن يأتوا إليه بأخ لهم من أبيهم، فتارة يرغبهم فيقول: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] وتارة يرهبهم: ﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٦٠].
ثم ينتج عن ذلك أن يأخذ أخاه، ويبقى الأخ الأكبر، ويرجع بقية الإخوة إلى أبيهم يخبرونه الخبر: بالأمس فجعناك بيوسف واليوم نفجعك بأخيه بنيامين، فيقول ذلك النبي الصالح والعبد المكلوم يقول كما علمه الله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] والأخذ والتوكل على الملك الغلاب لا ينافي الأخذ بالأسباب، فقال: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٧]، وفي آخر الأمر يدخل يعقوب أرض مصر ومعه أبناؤه، فيخرون سجداً ليوسف سجود تحية لا سجود عبادة.
فهذا الذي أراده مؤمن آل فرعون عندما قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤]، فدل هذا على أن يوسف كان رسولاً نبياً بنص القرآن إلى فرعون الذي كان يحكم آنذاك في أيام حياة يوسف ﵊ في أرض مصر.
وقد دخل يعقوب ﵇ بأهله أرض مصر وما كان يتجاوز عددهم أربعة عشر رجلاً وامرأة، فبارك الله في هذه الذرية، فلما خرج موسى ببني إسرائيل من أرض مصر كان عددهم يزيد على ستمائة ألف، وكلهم مما وضعه الله جل وعلا من البركة لنبي الله جل وعلا يعقوب.
فهذا المؤمن يخوف آل فرعون بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤].
أثنى الله جل وعلا على هذا المؤمن بأنه ذكر الله جل وعلا في مجلس كله كفر، والعبد يعظم عند الله إذا كان يسعى إلى أن يحبب الله جل وعلا عند خلقه، ولم يأت الأنبياء برسالة أعظم من أن يعرفوا العباد بربهم ﵎.
فاحرص -يا أخي- على أن يكون أعظم همك أن تبين للناس ما لربهم جل وعلا من صفات الجلال ونعوت الكمال، وأنه وحده المستحق للعبادة الكبير المتعال.
وهذا الأمر يتفاوت بحسب قدرة الخطيب على منبره، والإمام في محرابه، والمعلم في مدرسته، والمرأة في بيتها، والإداري في وظيفته، وكل بحسبه، ولكن علينا أن يكون همنا أن يعرف الله جل وعلا، وأن يعظم وأن يعبد ﵎ وحده، والطرائق في هذا تختلف؛ لأن الناس يختلفون من بيئة إلى بيئة ومن جيل إلى جيل، ومن مقام إلى مقام، والمقصود الأسمى من هذا كله أن يكون همنا الأعظم الدعوة إلى الرب ﵎ كما حكى الله عن هذا المؤمن الصالح.
следующие страницы →