← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ثقل الذنوب وفضل الاستغفار قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧]. إن الإنسان لا يحمل فوق ظهره شيئاً أنكأ ولا أعظم من حمل الذنوب، قال الله جل وعلا: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥] وقال جل وعلا: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٨]، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]. فما تقرب أحد إلى الله بشيء بعد توحيده أعظم من استغفاره جل وعلا، وملائكة السماء وحملة العرش على وجه الخصوص ومن حول العرش يستغفرون لكل مؤمن ومؤمنة، فأسأل الله جل وعلا أن نكون ممن تنالهم بركة ذلكم الاستغفار.

стр. 702

تمام فرحة المؤمن وقراره وبهجته في الجنة قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٨]. إن عين المؤمن تقر إذا أمسى ثاوياً إلى أهله والتف حوله والداه وزوجته وبنوه وبناته، وحق له أن تقر عينه بهذا، ولهذا يجد المغتربون من الناس كمداً في صدروهم إذا أووا إلى منازلهم ولم يلتقوا بأهليهم، ويسألون الله أن يطوي عنهم أيام الغربة، ولكن القرار الحق، والفرح الكامل، والبهجة التامة يوم أن يلتقي المؤمن بوالديه وزوجته وأبنائه وبناته في جنات النعيم، قال الله تعالى عن الملائكة: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨] ولن يقدم أحدنا لوالديه أو لولده من بعده شيئاً ذخراً أعظم من العمل الصالح؛ فإن العبد إذا كان صالحاً نفع الله بصلاحه والديه وذريته من بعده، وربما جعله الله جل وعلا ممن يشفعون في عرصات يوم القيامة. وهذا أمر مستقل شرعاً له أدلته الظاهرة في الكتاب الله والسنة، وإنما نذكره هنا إيماناً، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل ذلك النعيم.

стр. 703

تدبر في حال أهل النار ثم قال الله جل وعلا في هذه السورة المباركة يحدث عن أهل النار، وهي الخزي الأعظم والخسران الأكبر: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١١ - ١٢]. قول أهل النار: (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) أي: موتة ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، فنفخت فينا الروح، والموتة الثانية يوم قبض الأرواح، وهي الموتة المكتوبة على كل أحد. (وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) الحياة الأولى عندما نفخت فينا الروح في بطون أمهاتنا، وهي حياة الدنيا، والحياة الأخرى: يوم بعثهم الله جل وعلا من مرقدهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢] فإذا اعترفوا بهذا يقولون: (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) أي: خروج من النار وعودة إلى الدنيا علهم يتقون. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] فإذا قالوا ذلك ذكرهم الله جل وعلا بأعظم معصية لهم، ألا وهي الإشراك بالله، وأن نفوسهم -والعياذ بالله- كانت تبتهج وتفرح إذا ذكر مع الله غيره، وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، فمن أراد أن يعرف قربه من الله فلير كيف حاله إذا ذكر الله جل وعلا وحده، اللهم إنا نجأر إليك أن تعيذنا من أن تقر أعيننا أو تطمئن قلوبنا إلى أحد غيرك. قال الله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢].

стр. 704

تدبر في بعض آيات الله الدالة على صفات كبريائه ثم بين الله جل وعلا بعضاً من آياته الدالة على ما له جل وعلا من صفات الكبرياء، فقال سبحانه: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٢ - ١٥].

стр. 705

تدبر في قصة مؤمن آل فرعون وحياة يوسف ﵇ وفي هذه السورة ذكر الله جل وعلا قول مؤمن آل فرعون، ومن ذلك: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤]. فالحديث هنا عن مؤمن آل فرعون، وهو رجل من آل فرعون كما نص الله، وذهب بعض العلماء إلى أنه من بني إسرائيل، وهذا بعيد؛ لأنه مخالف لظاهر الآية. ولئن كانت الوقفتان السابقتان وقفتين إيمانيتين، فإن هذه وقفة تاريخية، فالله جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار، ويحكم ويفعل في عباده ما يريد. فيوسف ﵊ نشأ أخاً لأحد عشر أخاً غيره من أبناء يعقوب بن إسحاق بن الخليل إبراهيم. وحظي يوسف ﵊ بالقرب من أبيه، فتآمر عليه إخوته، وأقنعوا أباهم بأن يذهبوا به ليلعب معهم ويرتع، ثم ألقي يوسف في غيابة الجب، فأوحى الله جل وعلا إليه: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥]. وعاد الأبناء إلى أبيهم يقولون: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، فأخذ الأب المكلوم ينظر في القميص فلم ير فيه تغيراً، فيقول: أي ذئب عاقل هذا أكل ابني وترك قميصه؟! لكن الله جل وعلا ألهم يعقوب الصبر فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]. ثم أخرج يوسف وبيع بدراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين، فآواه عزيز مصر، وأدخله داره، وقال لزوجته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١]. وأراد الله بهذا التمكين ليوسف خلاف الذي أرداه له إخوته، فقد أراد له إخوته أن يعيش مشرداً ضائعاً في غيابة الجب، فأراد الله جل وعلا أن يحيا يوسف في القصور، ففتنت به امرأة العزيز، ولكن يوسف ﵇ كان خائفاً من ربه، وفياً مع سيده زوج المرأة، قال الله جل وعلا: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] أي: الزوج، فبادرت تقول: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] فدافع عن نفسه، فأُغلقت القضية بقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف:٢٩]. فوضع يوسف في السجن، وتغيرت الأحداث، وتغير الأشخاص الذين ظهروا على مطلع الحياة آنذاك، ولكن الذي لم يتغير هو اعتقاد يوسف بربه جل وعلا، فصلاح يوسف لم يتغير، وإنما ازداد إيمانه، فيوسف التقي عند أبيه هو التقي في غيابة الجب، ويوسف التقي في غيابة الجب هو التقي في القصر، ويوسف التقي في القصر هو التقي في السجن. قال الله جل وعلا عن فتيين مبيناً تأثير هذا النبي الكريم على من حوله بخلقه وكريم صفاته: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الله، ولا يعرف الأنبياء شيئاً أعظم من توحيد الله، فأخذ يقرر عليهم التوحيد ويمليه عليهم، فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠]. ويقدر الله أن يرى الملك الرؤيا، وتمر أحداث ليس هذا مقام تفصيلها، ويصير يوسف عزيز مصر يمكن في الأرض ويجعل على خزائن الأرض. وفي أرض كنعان أرض فلسطين يشعر يعقوب وأبناؤه بحاجة إلى القوت، ويسمعون عن ملك بأرض مصر، فيبعثون له العطايا، ويخرج الإخوة فيلتقون بيوسف، فيعرفهم ولا يعرفونه، ويعرض عليهم أن يأتوا إليه بأخ لهم من أبيهم، فتارة يرغبهم فيقول: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] وتارة يرهبهم: ﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٦٠]. ثم ينتج عن ذلك أن يأخذ أخاه، ويبقى الأخ الأكبر، ويرجع بقية الإخوة إلى أبيهم يخبرونه الخبر: بالأمس فجعناك بيوسف واليوم نفجعك بأخيه بنيامين، فيقول ذلك النبي الصالح والعبد المكلوم يقول كما علمه الله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] والأخذ والتوكل على الملك الغلاب لا ينافي الأخذ بالأسباب، فقال: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٧]، وفي آخر الأمر يدخل يعقوب أرض مصر ومعه أبناؤه، فيخرون سجداً ليوسف سجود تحية لا سجود عبادة. فهذا الذي أراده مؤمن آل فرعون عندما قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤]، فدل هذا على أن يوسف كان رسولاً نبياً بنص القرآن إلى فرعون الذي كان يحكم آنذاك في أيام حياة يوسف ﵊ في أرض مصر. وقد دخل يعقوب ﵇ بأهله أرض مصر وما كان يتجاوز عددهم أربعة عشر رجلاً وامرأة، فبارك الله في هذه الذرية، فلما خرج موسى ببني إسرائيل من أرض مصر كان عددهم يزيد على ستمائة ألف، وكلهم مما وضعه الله جل وعلا من البركة لنبي الله جل وعلا يعقوب. فهذا المؤمن يخوف آل فرعون بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤]. أثنى الله جل وعلا على هذا المؤمن بأنه ذكر الله جل وعلا في مجلس كله كفر، والعبد يعظم عند الله إذا كان يسعى إلى أن يحبب الله جل وعلا عند خلقه، ولم يأت الأنبياء برسالة أعظم من أن يعرفوا العباد بربهم ﵎. فاحرص -يا أخي- على أن يكون أعظم همك أن تبين للناس ما لربهم جل وعلا من صفات الجلال ونعوت الكمال، وأنه وحده المستحق للعبادة الكبير المتعال. وهذا الأمر يتفاوت بحسب قدرة الخطيب على منبره، والإمام في محرابه، والمعلم في مدرسته، والمرأة في بيتها، والإداري في وظيفته، وكل بحسبه، ولكن علينا أن يكون همنا أن يعرف الله جل وعلا، وأن يعظم وأن يعبد ﵎ وحده، والطرائق في هذا تختلف؛ لأن الناس يختلفون من بيئة إلى بيئة ومن جيل إلى جيل، ومن مقام إلى مقام، والمقصود الأسمى من هذا كله أن يكون همنا الأعظم الدعوة إلى الرب ﵎ كما حكى الله عن هذا المؤمن الصالح.

стр. 706

تدبر في قوله تعالى: (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه) قال الله جل وعلا في هذه السورة المباركة أيضاً: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٥]. الحياة صفة ذاتية لربنا جل وعلا، والحي اسم من أسمائه الحسنى، وهنا يقال: إن صفة الحياة لأي مخلوق يسبقها عدم ويلحقها زوال، أما ربنا ﵎ فلم يسبق حياته عدم ولا يلحقها زوال. وعلم أي أحد علم يسبقه جهل ويلحقه نسيان، وأما علم الرب تبارك وتعال فعلم لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان، كما قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥١ - ٥٢] أي: لا يجهل ربي ولا ينسى. وهذا الثناء على الله جل وعلا بأنه الحي الذي لا إله إلا هو يجعل المؤمن يتوكل على الله جل وعلا حق التوكل؛ لأن كل من ألقيت متاعك أو رحلك عنده رجاء أن يعينك رجاءً تاماً كاملاً لا تخرمه فإنه قد يموت دون أن يقضي أمرك، أما الله جل وعلا فإنه حي لا يموت، ولهذا لا يصدق التوكل الحقيقي إلا على الرب ﵎. ولكن ينبغي أن يفهم من القرآن أن الله جل وعلا كما أمرنا بأن نتوكل عليه وحده أمرنا جل وعلا بأن نأخذ بالأسباب، كما حكى الله جل وعلا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٧]. وأوضح منها برهاناً أن الله جل وعلا ذكر قصة خبر أم موسى، وأن الله جل وعلا أوحى إليها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] فهذا وعد من الله لها يوم أن ألقت ابنها في اليم. كأم موسى على اسم الله تحمله وباسمه أخذت في النيل تلقينا نقول: مع ذلك أخذت هذه المرأة الصالحة أم موسى بالأسباب، قال الله عنها: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:١١]، فبعثت أخت موسى تسأل عن موسى وتقتص أخباره حتى وصل بها الأمر إلى أن عرفت موضعه، فكانت سبباً بعون الله في أنه آب ورجع إلى أمه؛ ليتحقق بذلك وعد الله جل وعلا، وإذا أراد الله جل وعلا شيئاً هيأ أسبابه.

стр. 707

تدبر في آية الأمر بأخذ العفو والإعراض عن الجاهلين ومن آيات القرآن الكريم قول الله جل وعلا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. إن من أعظم أخلاق المؤمنين التي تمثلها نبينا ﷺ أخذه صلوات الله وسلامه عليه بالعفو امتثالاً لأمر ربه، والعفو -أيها المؤمن- من صفة الكرام، كما أن الظلم -عياذاً بالله- من أعظم ما يسبب للعبد سوء الخاتمة، والعفو عن الناس من أعظم ما يقرب به العبد إلى ربه جل وعلا. فقد ورد أن أبا سفيان بن الحارث الذي كان ابن عم رسول الله ﷺ ، وأحد خمسة يشبهون النبي ﵊، وهم: الحسن والحسين وقثم والفضل وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه وأخوه من الرضاعة -ورد عنه أنه كان يباري فيقذع في هجاءه للنبي ﵊، فأهدر النبي ﷺ دمه، وهو الذي رد عليه حسان بقوله: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء وورد أن أبا سفيان لما أراد أن يدخل في الدين وقد أهدر النبي دمه خشي أن لا يعفو عنه رسول الله ﷺ ، فجاء إلى إحدى أمهات المؤمنين يستشيرها، فقالت له: ائته وقل له: تالله لقد آثرك الله علي وإن كنت لمن الخاطئين، كما قال إخوة يوسف ليوسف؛ فإن نبي الله لا يحب أن يكون أحد أحسن منه بالخير، فجاء أبو سفيان فقالها، فقال ﷺ : (يغفر الله لي وله فهو أرحم الراحمين) وعفا عنه، ثم أسلم وحسن إسلامه، وكان له بلاء عظيم في يوم حنين كما دونته كتب السيرة مما هو معروف في موضعه. والذي يعنينا من ذلك عفوه ﷺ عن هذا، وعفوه عن قريش من قبل يوم أن قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ولم ينتقم ﷺ لنفسه قط، وعلى النقيض من ذلك أخبر ﷺ بأن الله جل وعلا حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً.

стр. 708

ذكر بعض أسباب قسوة القلوب ومن أعظم أسباب قسوة القلوب: ظلم المؤمن لأخيه المؤمن، كظلمه لزوجته، وظلمه لأولاده، وظلمه لأبويه -وهذا من أعظم الظلم- وظلمه لجيرانه، وظلمه لعامة المؤمنين، وظلمه للولاة، وظلمه للعلماء وقدحه فيهم وتنقيصهم، وكل ذلك ما لم يأذن الله جل وعلا به. وأعظم من ذلك: أن يتسلط أحد على أحد بعينه يريد أن يسفك دمه، أو يهتك عرضه، أو يأخذ ماله، فإن هذا من أعظم أسباب سوء الخاتمة. روى البخاري في التاريخ الكبير بسنده إلى محمد بن سيرين أن محمداً ﵀ قال: كنت عند الكعبة فرأيت رجلاً يدعو يقول: اللهم اغفر لي وإن كنت أظن أنك لن تغفر لي. فقال له محمد: يا هذا! ما سمعت أحداً يدعو بمثل دعاءك! فقال: يا ابن سيرين! إنك لا تدري ما خبري، إنني كنت قد أعطيت الله عهداً أنني إذا لقيت عثمان بن عفان أن ألطم وجهه ولحيته، فلما قتل عثمان فوضع على سريره ليصلي الناس عليه في بيته دخلت عليه فيمن دخل كأني أريد الصلاة عليه حتى وجدت خلوة، فلما وجدت خلوة رفعت عن كفنه وغطائه فلطمته على وجهه ولحيته وهو ميت، فما رفعت يدي إلا وهي يابسة كالعود، قال ابن سيرين ﵀: فأنا -والله- نظرت إلى يده شلة يابسة كالخشبة. فهذا قال الله عنه: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٩]. وكذلك ظلم العباد وغشهم، وعدم الورع في أموالهم أو أعراضهم، سواء أكان أجيراً أم عاملاً أم موظفاً، أم زوجة أوكل الله جل وعلا إليك رعايتها، أم أبناء وبنات، أم أيتاماً وضعوا في حجرك، أم طلاباً بين يديك، فكل من جعلك الله جل وعلا بقدرته راعياً عليهم ينبغي عليك ألا تظلمهم، بل ينبغي عليك أن تهتدي بخلق نبينا ﷺ الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. وثمة قاعدة مريحة في هذا الأمر، وهي أنك إذا أردت أن تسأل نفسك: ماذا أصنع بمن أوقفه الله ذليلاً بين يدي؟ فاصنع به ما تحب أن يصنعه الله معك إذا وقفت ذليلاً بين يديه، فاصنع به ما تحب أن يعاملك الله به إذا وقفت ذليلاً بين يديه، وما الدنيا إلا مزرعة للآخرة، والله يقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].

стр. 709

البعد عن الفحشاء وأثره على العبد ومن الخلق الذي علمه الله جل وعلا نبينا ﷺ ودل عليه القرآن، وأمر النبي ﷺ به المؤمنين: البعد عن الفحشاء والفواحش كلها ما ظهر منها وما بطن، فقد قال الله لنبيه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف:٣٣] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تمثلها النبي ﷺ . كسفت الشمس في اليوم الذي مات فيه إبراهيم، فخرج ﷺ يجر رداءه، ثم صلى بالناس صلاة أطال فيها، ثم وقف في الناس خطيباً يحذرهم ويقول: (لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو أن تزني أمته). فحرم الله جل وعلا الفواحش كلها ما ظهر منها وما بطن، وحرم الطريق الموصل إليها بقوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]. وأعظم من ذلك: إتيان الذكران من العالمين، وهذه كلها فواحش حرمها الله جل وعلا في كتابه، وحكم على من صنعها -إلا أن يتوب- بالخسة والدناءة والبعد عن الرب ﵎، قال الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢] في شأن الزنا، فإذا أراد الإنسان أن يقرب من الله فليغض بصره، وليحصن فرجه، وليكثر من ذكر الله، وليبتعد عن الطرائق الموصلة إلى مثل هذا المحرم، وليحذر الله في أعراض المؤمنات الغافلات، وليعلم أن قدرة الله عليه أقرب وأعظم من قدرته على من جعلهم الله جل وعلا تحت يديه. وقد تقف من مؤمنة على خطأ أو زلة، أو أمر وقعت فيه، فإن جعلته تهديداً لها تقارفها به وتصل إلى مرادك من خلاله فإن الله جل وعلا عليك أعظم وأقدر، وبينك وبينها الموعد، وهو الوقوف بين يدي الرب . ولا بد لكل أحد من أن يوضع في قبره وأن تحل عنه أربطة الكفن، وأن يخلا بينه وبين ملائكة العذاب أو ملائكة الرحمة، وسيسأل في ذلك المكان، ولن يجد أحداً يغيثه إلا الله، فإن كان عمله خيراً فخيراً، وإن كان شراً فشراً، ثم الوقوف بين يدي الرب ﵎ ليعرض عليه الكتاب الذي: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]. وجماع الأمر كله معرفة الله والخوف منه، فإذا كان العبد عارفاً بربه معظماً لخالقه فإنه لا يمكن أن يجرؤ على مثل هذه الأمور، وإن كان ليس هناك في القلب علم بالله ولا توحيد له، ولا معرفة بحق الله جل وعلا؛ كانت هناك من العبد جرأة على المعاصي وانتهاك للحرمات وإتيان لها، غير مبال بحساب ولا عقاب، وهذا مرده بعد ذلك إلى الوبال والخسران، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

стр. 710

تدبر في أمر الله ورسوله بالازدياد من العلم ومما قاله الله جل وعلا في كتابه، وعلم به نبينا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] والعلم حياة للقلوب المؤمنة بالله، فبه يستدلون على معرفة ربهم، وبه يدعون إلى ربهم جل وعلا، وبه يعلمون الخلق، وبه تنار لهم الطرائق، وبالعلم تهدى -بإذن الله- الخلائق، فمن من الله عليه بالعلم فإن نبينا ﷺ يقول: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع). وقد أمر الله تعالى نبيه بأن يسأله الازدياد من العلم، وكان الواسطة بينه وبين ربه جبريل، ثم نشأ العلماء فأخذ الصحابة عن نبيهم، وأخذ التابعون عن الصحابة، ثم ما زال الجيل الآخر يأخذ عن الجيل الأول إلى يومنا هذا، وسيبقى إلى أن يأذن الله بقيام الساعة. والمقصود من هذا كله أن طلب العلم والسعي فيه وثني الركب بين يدي العلماء من أخلاق نبينا صلوات الله وسلامه عليه التي دل عليها أمته وعلمها ذلك الجيل الذي نعت بأنه أمثل رعيل وأكمل جيل في مدرسة محمد صلوات الله وسلامه عليه. هذا ما تيسر قوله، وأعان الله جل وعلا على إيراده. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 711

الأسئلة

стр. 712

بيان معنى قوله تعالى: (وإخوان لوط) السؤال قال الله تعالى في سورة (ق): ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق:١٣] فكيف يكونون إخوان لوط وهم كفرة ومكذبون بلوط ﵊؟ الجواب كلمة (أخ) في اللغة تطلق أحياناً ويراد بها الأخوة في النسب، وأحياناً تطلق ويراد بها الأخوة في الأرض، وأحياناً تطلق ويراد بها الأخوة في الملة، وأحياناً تطلق ويراد بها الشبه، وبكل ورد القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف:٨٥] والمقصود: أخاهم أرضاً. وقال جل وعلا: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣] والمقصود: أخاهم نسباً. وقال الله جل وعلا: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص:٣٤] والمقصود: أخي نسباً. وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم:٢٨] والمقصود: أخته شبهاً في التقى والعبادة. فقول الله جل وعلا: (إخوان لوط) محمول على أنه كان أخاً لهم في نفس الأرض التي كانوا يسكنونها؛ لأن لوط إنما بعث إلى قوم ليسوا من عشيرته وهذا وجه. والوجه الآخر: أن كلمة (أخ) مثل كلمة (صاحب)، فلا يراد بالإضافة أن يقصد بها التشريك، وإنما المقصود التعريف، ومثاله في القرآن قول الله جل وعلا عن نبينا ﷺ وهو يخاطب قريشاً: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] فسمى الله نبيه صاحباً لهم، وليس المقصود الصحبة المعروفة، وإنما المقصود أنه كلمهم وله علاقة معرفية بهم. فهذا المقصود من قول الله جل وعلا: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق:١٣].

стр. 713

العادة النبوية وشرط حصول الأجر في اتباعها السؤال ما الفرق بين سنة النبي ﷺ وعادته، وما المطلوب اتباعه؟ الجواب السنة تطلق ويراد بها معان عديدة، فتطلق أحياناً ويقصد بها الموافقة للكتاب، وحين يقول: (كتاب الله وسنتي) فهذه السنة يمكن أن يندرج فيها العادة، أما إذا أطلقت وأريد بها السنة التعبدية التي أمرنا باتباعه فيها فبعض أهل العلم يخرج مسألة العادة منها، فلا يلزم الإنسان بها، ولكن إذا فعلها المرء تعبداً لله فإنه يؤجر عليها. مثال ذلك: حب النبي ﷺ طعام الدباء، فهذا أمر جبلي، فكان أنس ﵁ وأرضاه يأمر أهله إذا صنعوا طعاماً أن يضعوا فيه الدباء، ويقول: فما زلت أحبه -أي: الدباء- منذ رأيت النبي ﷺ يأكله، فهذا طوع نفسه الجبلية بأن تأخذ بالعادة النبوية، فهذا يندرج في الثواب الذي يؤجر عليه المرء، والعلم عند الله.

стр. 714

خطوات الإلمام بعلم التفسير السؤال أريد المنهج الصحيح لطالب العلم المبتدئ في التفسير من البداية إلى النهاية؟ الجواب النهاية أمرها واسع، ولا سبيل إلى إليها، فقد قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، والبداية هي المقصود الأسمى، ولا أستطيع أن أقدم جواباً عاماً، فمن الصعب أن يقول الإنسان جواباً عاماً؛ لأن طلاب العلم يختلفون في الهمة، ويختلفون في التأصيل السابق، ويختلفون في ما يُعرف من اللغة وفي ما يُحفظ من الأشعار. فليس التفسير كتباً تقرأ، وإنما ثمة عدة آلات تدخل فيه: أولها: أن يكون هناك تآلف بينه وبين هذا العلم، فيبدأ بثلاثة كتب أو أربعة كتب لمدة سنة أو سنتين يقرأ فيها ولو من غير تركيز، فيقف على أسانيد العلماء، ويعرف مظان المعرفة التفسيرية، ويصبح بينه وبين كلام الله جل وعلا ألفة. الثانية: يقرأ كثيراً في كلام العرب وشعرهم القديم حتى يعرف أساليبهم، ويقرأ في التاريخ، ويقرأ في أصول الفقه، فهذه كلها تعين المفسر. ثم بعد سنتين أو ثلاث يوسع الدائرة في التفسير، فيأخذ كتباً أكثر، ولو أقام درساً يسيراً فإنه مع مرور الأيام يزداد علمه، والعلم ضرورة فيه أن يكون فيه طول زمان، فلا بد من مرحلة زمنية، قال الشافعي ﵀: (وطول زمان)، وهو يذكر ما يعين طالب العلم على أن يصل إلى مراده ومبتغاه، فلا بد من طول زمان. وقال ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى: إنما العلم يبنى يوماً بعد يوم مع طول الأيام والليالي، والعجلة لا تنبت شيئاً، والإنسان لا يطير قبل أن يريش. فبناء الخطوات تدريجياً يعين -بإذن الله- على أن يفقه الإنسان كلام ربه جل وعلا.

стр. 715

حكم لبس خاتم في يد وآخر في الأخرى السؤال ما حكم لبس خاتم في اليمين وآخر في اليسار؟ الجواب هذا من عادات الناس، وقد ثبت أن النبي ﷺ لبس خاتماً، فلا يتعلق بهذا أجر ولا عقاب، وإنما هو من جنس المباحات، فإذا وقف على حديث بعينه وأراد أن يطبقه عملاً بالسنة فهذا الذي يؤجر عليه.

стр. 716

درجة خبر ما يذكر به حملة العرش ربهم السؤال ذكر بعض المفسرين أن حملة العرش أربعة منهم يقولون: سبحان حلمك بعد علمك، وأربعة آخرون يقولون: سبحان عفوك بعد قدرتك، فهل هذا سنده صحيح؟ الجواب ذكر بعض أهل التفسير أن حملة العرش ثمانية؛ لنص الآية: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، ولكنهم اختلفوا: هل هم ثمانية صفوف أو ثمانية أفراد؟ ولا أعلم في هذا سنداً صحيحاً، وأظنه مأخوذاً من مسلمة أهل الكتاب، أي أن أربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة آخرون يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.

стр. 717

بيان معنى قوله تعالى: (فضحكت) السؤال في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود:٧١] يقال: إن (ضحكت) بمعنى: حاضت، فعلام استند قائل هذا التفسير؟ الجواب القائل بهذا هو الشافعي ﵀، وهو حجة في اللغة؛ لأنه سكن في هذيل وأخذ عنهم علم اللغة عشر سنين، والشافعي رحمه الله تعالى إمام عظيم، ومن أجل علماء المسلمين، ولكن قوله هذا لا يقبل؛ لأنه لا يوجد تناسب تؤيده الآية. فالله تعالى يقول: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] وإذا قلنا: (حاضت) فما العلاقة بين الملائكة وبين امرأة واقفة على رءوسهم تحيض؟ والمرأة كانت مستترة خارج الدار واقفة. فمقصود الآية -والعلم عند الله-: أن هؤلاء الملائكة مروا على إبراهيم وهم في طريقهم إلى قوم لوط، وقد اتفق المفسرون على أنهم مروا على إبراهيم ﵇، وعندما مروا على إبراهيم ذبح لهم عجلاً دون أن يعرفهم؛ لأن إبراهيم لو عرف أنهم ملائكة لما ذبحه لهم، فإبراهيم ﵇ يعلم أن الملائكة لا تأكل ولا تشرب، ولما كان خائفاً وجلاً منهم قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر:٦٢]، فأخبروه أنهم ملائكة، وأنه لا داعي للخوف ولا داعي للوجل، فأدخل ذلك الانشراح في قلب الزوجة التي كانت خائفة على زوجها؛ لأنها واقفة معه تعينه على إطعامهم وتنظر في شأن هؤلاء الضيفان الذين ارتاب فيهم زوجها، فلما أخبرته الملائكة وقالوا: (لا تخف ولا توجل) تبسمت وضحكت؛ لأن الغم الذي كان قد أتاها انتهى، فضحكت. فلما ضحكت كان فرحها بأنهم ملائكة مقدمة لأن يعطيها الله عطية، وهذا أصل من دقائق العلم، وهو أن الله لا يعطي إلا بعد أن يتبين أن المعطى استجدى. فلما ضحكت واستبشرت قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. ومثال هذه القصة في القرآن قصة السحرة، فالله جل وعلا يقول: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٣٨ - ٤٠]. قال الله جل وعلا: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ [طه:٦٠] فالسحرة والناس ينظرون لم يصبهم كبر بقدر الله، بل احترموا موسى فقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف:١١٥] وفي سورة أخرى: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] فاستأذنوه بأدب، فقال لهم موسى: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه:٦٦] فألقوا حبالهم وعصيهم فرآها ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] ثم لما ألقى موسى قال الله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] فالذي آمن هم السحرة، وأما الجمهور الناظرون فلم يؤمن منهم أحد؛ لأن السحرة كانوا قد قدموا شيئاً بين يدي الله دون أن يشعروا، وهو أنهم تأدبوا مع كليم الله، فكافأهم الله منة منه، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه، فهو يوفق العبد للطاعة ثم يثيبه عليها. فهذه المرأة فرحت بأنهم ملائكة فضحكت، قال الله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. هذا ما ندين الله به في الآية، ولكن ينبغي أن يعلم أن آراء العلماء تبقى محترمة على الرأس والعين، وقولنا أو قول أي أحد صواب يحتمل الخطأ، وغير قولنا إذا رددناه نراه خطأً يحتمل الصواب، وإن رأينا الحق رجعنا إليه. وقد قال عمر في وصيته لـ أبي موسى: لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.

стр. 718

توجيه لمشاهدي القنوات الفضائية السؤال تساهلت بعض الأسر في البيوت المحافظة في إدخال الدشات والقنوات إلى البيت، فهل لكم توجيه في ذلك؟ الجواب كلما نشأ الناس على الصلاح، وغض البصر، وتحصين الفرج كان ذلك أتقى لهم عند ربهم، ولا ريب في أن هذا أمر ملحوظ تساهل فيه كثير من الناس، خاصة من يترك تلك القنوات عائمة يبث فيها ما يبث، وقد يكون في البيت كثير من المراهقين والمراهقات، فإن هذا -والعياذ بالله- وراءه الشر المستطير، وينبغي على الذين ينفقون أموالهم في تأسيس قنوات مثل هذه أن يتقوا الله، فهؤلاء -والعياذ بالله- على شفا إثم عظيم، أولئك الذين يسعون في هدم بيوت المؤمنين ونشر الباطل، فينبغي للمؤمنين أن يتجنبوا هذه الطرائق الموصلة -والعياذ بالله- إلى غضب الله وسخطه.

стр. 719

حد الساحر وحكم توبته السؤال هل للساحر من توبة قبل أن يقدر عليه، وما هو حده إذا قدر عليه؟ الجواب حد الساحر قتله، وقد يقبض عليه ويحكم عليه بالقتل ويتوب، وهذا لا يمنع قتله، ويتوب بينه وبين ربه، فالتوبة شيء بين العبد وبين ربه، فلو جاء رجل قد قتل نفساً وحكم عليه بالقصاص فإن إقامة الحد عليه ليس لها علاقة بالتوبة، فأي قاتل يتعلق بخطئه ثلاثة حقوق: حق لله، وحق لأولياء الدم، وحق للميت، فأولياء الدم مخيرون بين ثلاثة: بين العفو والقصاص والدية، وحق الله إن شاء غفر وإن شاء عذب، ولكنه يسقط بالتوبة. وحق الميت لا يسقط، ففي يوم القيامة يأتي الميت يطالب بحقه، فإن صدقت التوبة أعان الله القاتل يوم القيامة على أن تبرأ ذمته من المقتول. فالساحر لو تاب تاب الله عليه على حسب توبته، ولكن إقامة الحدود مسألة أخرى بحسب ما يراه ولي الأمر والقضاة.

стр. 720

سبل معرفة الله تعالى السؤال ما هي السبل والوسائل التي تجعل العبد أكثر معرفة لله سبحانه؟ الجواب لا أحد أعلم بالله من الله، وتدبر ما في القرآن من ثناء الله على نفسه هو المعين الأعظم على معرفة الإنسان لربه ﵎، ثم يقرأ ما سطره الأئمة الأخيار في كتب الرقائق، كما في صحيح البخاري، وما أشار إليه النووي في رياض الصالحين، وما ذكرته بعض كتب العقائد المبنية على منهج أهل السنة.

стр. 721

قطوف من حياة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي السؤال نود تذكيرنا ببعض المواقف المؤثرة في حياة شيخكم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀؟ الجواب الشيخ محمد قد تكلمنا عنه كثيراً رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وفي الجملة أقول: أصله من بلاد شنقيط من موريتانيا، فكتب الله له الهجرة إلى هذه البلاد المباركة فحج، وكان في خيمة بالقرب من أحد الأمراء، وكانت هناك مسألة علمية تُناقش فشارك فيها، ومن خلالها عرف بالملك عبد العزيز رحمه الله تعالى، ثم لما وصل إلى المدينة أكرمه الملك عبد العزيز بأن منحه الجنسية له ولأهل بيته، فمكث بعد ذلك يدرس في الحرم النبوي الشريف، وكان منذ صغره في موريتانيا يطلب العلم. وكان له خال يعنى به وهو صغير دون البلوغ، وفي ذات يوم مرض خاله هذا، يقول ﵀: كنت أمر عليه وأقول: ليته يموت حتى أستريح من الطلب ومن الدراسة، ولا يدري أن خاله سيكون سبباً في تعليمه، وأن هذا العلم سيجعله الله سبباً في رفعة شأنه. ولم آخذ منه مباشرة مع أنه كان جارنا رحمة الله تعالى عليه، ولكن مات وأنا في الثالثة عشرة تقريباً، وكان له مواقف عظيمة، ومن أشهرها: أنه عندما حج عام (١٣٩٣) من الهجرة كان معه سائق، فرأى السائق في المنام أن نبياً يموت، فلما دنا منه لم ير وجه النبي ﷺ ، فلما أصبح أخبر الشيخ بها، فتغير وجهه، فلما تغير وجهه ندم السائق على أنه أخبره، فقال له: يا شيخ! لعلها أضغاث أحلام. فقال ﵀: ليست أضغاث أحلام، بل هي رؤيا، ولكن يكتب الله الذي فيه الخير، وبعدها بأربعة أيام توفي الشيخ. وإنما أخذ تفسيرها من كون العلماء ورثة الأنبياء، والسائق لم ير نبياً بعينه، فما رأى النبي ﷺ ولا صفاته، ولكنه أوهم أن هذا نبي في الرؤيا، ففسرت على أنه موت عالم، وكان ﵀ آنذاك منارة من منارات العلم ﵀ ورحم أموات المسلمين جمعياً.

стр. 722

بيان المراد بقول الله تعالى تعبيراً عن نفسه وحده (نحن) السؤال في سورة (ق) قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [ق:٤٣] فلماذا قال الله : (نحن) وهو واحد؟ الجواب هذا أسلوب عربي في الكلام يسمى أسلوب التعظيم، تستخدمه العرب في كلامها، وهو أنهم إذا أرادوا التعظيم يقولون: (نحن) ولذلك مواضع يقال فيها، فيأتي أحياناً للاختصاص، ويأتي أحياناً للتعظيم، ويأتي لغير ذلك، لكن هذا السياق سياق تعظيم، وليس سياق جمع عددي. ونحن نسمع الملك عبد الله -وفقه الله- في الأوامر الملكية يقول: نحن عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية. فهو شخص واحد، ولكن هذا أسلوب عربي في لغة العرب، وجائز قوله في حق الله وفي حق غيره، ولكن يختلف فيه حق الله عن حق غيره، كما تقول: فلان رحيم، والله جل وعلا قال عن نبيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وتقول عن الله جل وعلا: إن ربنا غفور رحيم. إلا ما يتصف به الله غير ما يتصف به الناس.

стр. 723

حكم المسابقات المجراة في الصحف والمجلات السؤال كثرت في الجرائد والصحف المسابقات التي يكون عليها جوائز عظيمة، كسيارات ونحوها، فهل تجوز مثل هذه المسابقات؟ الجواب إذا كانت الجوائز تأخذ من الناس -كما هو حال أكثر المسابقات- ثم بعد ذلك بحيث توضع المسابقة وتكون الكلفة فيها سبعة ريالات للدقيقة الواحدة، فإن كان عدد المشتركين مليوناً وكانت الدقيقة بسبعة ريالات كان الناتج سبعة ملايين، فمجموعة منها ستعطى لشركة الاتصالات، ومجموعة للجريدة التي نشرت الإعلان، ومجموعة يأخذها الراعي للمسابقة، ومجموعة تعطى للناس، إذا كانت كذلك فهي محرمة قطعاً ولا تجوز. وهناك نوع آخر من المسابقات لا تؤخذ فيه أموال الناس، إلا أن فيه شبهة يسيرة، وهي قضية الكوبون، فهذه المسابقة صورتها: أن الجريدة تنشر المسابقة وثمة راع للمسابقة قد يكون عنده شركة سيارات، فيأتي بثلاثة ملايين ويتفق مع الجريدة على نشر المسابقة، فنشر المسابقة فيه دعاية للسيارات، والناس لا يدفعون مقابل ذلك شيئاً؛ لأن قيمة الجريدة لم تتغير، وإنما يستفيد أصحاب الجريدة من كون أكبر شريحة من المجتمع تشتريها، فهذه الأموال التي اشتريت بها الجريدة لم تدخل في الجائزة، إذ الجائزة مصدرها آخر، وهو الشركة أو نحوها، وليس مصدرها أموال الناس، فهذه فيها شبهة، ولكنها إلى الجواز أقرب -والعلم عند الله- خاصة في حق من اعتاد أن يشتري الجرائد. وبعض الأوروبيين يبيعون سياراتهم بطريقة محرمة، حيث يأتي الواحد بسيارة إلى بعض الموظفين، ويؤتى بمن لهم خبرة بالسيارات فيقومونها، فيقال: هذه السيارة تساوي ثلاثين ألف مثلاً، فيقوم ثلاثون موظفاً يريدونها، فيقولون لكل موظف: ادفع ألفاً، فيدفع ثلاثون ألفاً قيمة السيارة، ثم يقرعون فيأخذها واحد ممن دفع ألفاً، ومن المعلوم أن كل إنسان يشترك يقول: إما أن أخسر الألف أو أكسب السيارة، فتهون الألف، وله أمل في أن يكسب. فكلهم يشتركون، ثم تجرى بينهم قرعة، فيأخذ السيارة أحدهم، وصاحب السيارة يأخذ المال ويذهب، وهذا هو الميسر الذي حرمه الله جل وعلا.

стр. 724

حكم المنقول عن بني إسرائيل السؤال ما هو الضابط في النقل عن بني إسرائيل، وخاصة إذا كانت تلك الأخبار قد ذكرها بعض أهل العلم مثل الحافظ ابن كثير؟ الجواب المنقول عن مسلمة أهل الكتاب عن علماء بني إسرائيل جاء فيه حديث: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) والأصل فيه أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما كان منه معارضاً لما عندنا، فيرد. الثاني: ما كان منه موافقاً، فيقبل. الثالث: ما كان غير موافق ولا معارض، فيقبل، ولكنه يعتبر من مليح القول لا من متين العلم.

стр. 725

نصيحة لمغتاب العلماء وطلبة العلم السؤال هل من نصيحة لمن يغتاب العلماء والمشايخ وبعض طلبة العلم، ويقضي مجالسه في نقد فلان وعلان؟ الجواب الغيبة -والعياذ بالله- أول طرائق البقاء والانتكاس، وأعني بالبقاء أن الإنسان لا يتقدم، فالإنسان إذا أراد أن يطلب علماً، وأراد أن يهيئ نفسه لمكان ينفع به عباد الله فليجتنب الخوض في أعراض الناس، وقد قيل: لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك مساوئاً فصنها وقل يا عين للناس أعين فكلنا عورات ومعايب، ولكن الله جل وعلا يستر علينا وعليكم المعايب والعورات إذا لم نخض في عورات الناس ومعايبهم، فإذا خضنا في معايب الناس وعوراتهم سلط الله علينا من يخوض في عوراتنا ومعايبنا، فنسأل الله لنا ولكم السلامة. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 726

الحديث عن الجنة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وأمينه على وحيه، أكرم به عبداً وسيداً، وأعظم به حبيباً مؤيداً، فما أزكاه أصلاً ومبتدا، وما أطهره مضجعاً ومولداً، صلى الله عليه على آله وأصحابه صلاة خالدة وسلاماً مؤبداً. أما بعد: فإن من الدروس ما يحتاج قائلها إلى انتقاء في الألفاظ، وصياغة في العبارات، وبحث في المعاجم؛ حتى يسد بذلك خللاً في المعاني، وقصوراً في الغايات، وما يصاحب ذلك من المطالب التي تقصدها تلك المحاضرات. إلا أن الحديث عن محبة النبي محمد ﷺ حديث تزهو به العبارات، وتجمل به الصياغة، فإذا كان قد ثبت أن النوق -وهن نوق- تسابقن إلى يديه الشريفتين ﷺ أيهن يبدأ بها لتنحر فإن الكلمات تتسابق أيضاً إلى أفواه قائليها إذا كان الحديث عن محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. سلوا قلبي غداة سلا وثابا لعل على الجمال له عتابا ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا ولي بين الضلوع دم ولحم هما الواهي الذي ثكل الشبابا وكل بساط عيش سوف يطوى وإن طال الزمان به وطابا فمن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا لها ضحك القيان إلى غبي ولي ضحك اللبيب إذا تغابى جنيت بروضها ورداً وشوكاً وذقت بكأسها شهداً وصابا فلم أر مثل حكم الله حكماً ولم أر دون باب الله بابا أبا الزهراء! قد جاوزتُ قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا فما عرف البلاغة ذو بيان إلا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدرا فلما مدحتك اقتدت السحابا فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه.

стр. 727

العبر من وفاة الخلفاء الراشدين [١] لقد اصطفى الله محمداً ﷺ رسولاً على الأمة، واصطفى له أصحاباً نبلاء هم أكرم أهل الأرض بعد الأنبياء، وأعظم هؤلاء الصحابة الخلفاء الراشدون الأربعة، وإن الإنسان عندما يستعرض المواقف المتعلقة بوفاتهم يجد فيها كثيراً من العبر والعظات

стр. 728

العبر المأخوذة من وفاة الصديق ﵁ الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقاليد كل شيء بيديه، ورزق كل أحد عليه، ومصير كل عبد إليه. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أفضل من صلى وصام وأفطر، الشافع المشفع في عرصات يوم المحشر، صلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه ما تلاحمت الغيوم وما تلألأت النجوم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فالله أكبر ما أعظمهم من أربعه مهديين وخلفاء راشدين، جعلهم الله جل وعلا قدوة وأسوة يوم تأسوا واهتدوا بهدي محمد ﷺ ، حبهم دين وملة، وموالاتهم ونصرتهم قربة وطاعة، والترضي عليهم من أعظم الدعاء، فاللهم ارضَ عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. أيها المؤمنون! إن الحديث عن هؤلاء الراشدين أمر مشتهر معروف؛ لكن تكراره محبب إلى النفوس مألوف، وسيقتصر حديثنا عن أيامهم الأخيرة، وأخبار موتهم وما في ذلك من دلائل العظات وجلائل العبر، في قوم كانت حياتهم زاخرة بالمعاني العظيمة، فلا غرو ولا عجب أن يكون موتهم حافلاً بالأحداث الجليلة. أما الصديق ﵁ وأرضاه فلا خلاف بين المؤمنين أنه توفي ﵁ في جمادي الآخرة، لكن اختلف في عله موته، والأظهر أنه اغتسل في يوم بارد فحَم فكان ذلك سبباً في وفاته، وقد جعل الله جل وعلا لموت كل أحد سبباً. مات الصديق ﵁ وأرضاه بعد أن استشار الناس في أمر الخلافة من بعده، وأخذ يبذل جهده وسعيه في الولاية من بعده، فأجمع أمره ﵁ وأرضاه على تولية عمر بعد أن شاور كبار الصحابة، وكتب كتاباً بعد ذلك يجمع الناس فيه على عمر خوفاً على الأمة أن تتفرق بعده، وأن يتشتت شملها. وفي ذلك دلائل جليلة، من أعظمها أن النصح للمسلمين وحب الخير لهم من أعظم دلالات سلامة القلوب، وأن المؤمن المتحلي بهذه الصفة قد وقر الإيمان في قلبه؛ لأن من كمال الإيمان كمال النصح لله ولرسوله لكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. جعلها الصديق ﵁ في الفاروق من بعده؛ لأنه أدرك مع استشارته لخير الأصحاب أن عمر أقدر على سياسة الأمة من بعده، ولم يجعلها في أحد من بنيه أو أحد من (بني تيم) تلك القبيلة التي ينتسب إليها، فرضي الله عنه وأرضاه، وما أطيبه حياً وميتاً ﵁ وأرضاه. أيها المؤمنون! وقف الصديق يحتضر وعند رأسه ابنته عائشة، فلما رأت ما أصاب أباها أخذت تتمثل ببيت حاتم: لعمرك ما يغنيى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فكشف الصديق وهو في سكرات الموت عن غطائه وأخذ يقول: يا بنيه! لا تقولي هذا، ولكن قولي كما قال الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. إن رباطة الجأش في مثل هذا الموضع لمن أعظم الدلائل على معرفه الله ﵎، ومثل هذا لا يكون إلا إذا كان من قبل إيمان ويقين راسخ وأعمال صالحة تعين على الثبات في تلك المواطن، وإلا فسكرة الموت حق لابد منه لكل أحد؛ لكن المراد والمقصود من الحديث: أن الصديق ﵁ وأرضاه تمثل بالقرآن عند موته كما كان يعمل بالقرآن في أيام حياته، وما حياة الإنسان في آخرها إلا إجمال لما كان عليه قبل ذلك، فإذا منّ الله جل وعلا عليه بتوبة قبل الموت محت تلك التوبة برحمه الله ما كان من سالف الخطايا والعثرات. أيها المؤمنون! أوصى الصديق ﵁ أن تتولى غسله زوجته أسماء بنت عميس ﵂ وأرضاها، فغسلته وهي يومئذ صائمة في يوم شاتٍ بارد، فلما فرغت من غسله خرجت إلى فقهاء المهاجرين تسألهم: هل عليها من غسل لأنها لامست ميتاً، فأفتوها ﵃ وأرضاهم أن لا غسل عليها. فما أعظمها من زوجة وما أكرمها من مؤمنة! عرفت حق زوجها ولم تضيع وأبقت على حق ربها، وقد صدق رسول الله ﷺ يوم أن قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)! فالزوجة المؤمنة التقية من أعظم ما يعين على طاعة الله، ومن أعظم ما يساعد على القرب منه، كما كانت أسماء ﵂ عوناً للصديق في حياته، وتولت غسله بوصيته بعد مماته. دفن الصديق ﵁ وأرضاه في حجرة عائشة بجوار رسول الله ﷺ ، فقد كانا جارين في الغار وهما حيان، ثم أضحيا جارين في قبرهما وهما ميتان، فما أكرمهما عند الله جل وعلا من صاحبين وما أعظم منّة الله جل وعلا وفضله عليهما! تولى أمير المؤمنين عمر ﵁ الأمر بعده، وأخذ الأمناء الثقات من الصحابة وفتحوا بيت المال ليروا ما فيه، فلم يجدوا في بيت المال ديناراً ولا درهماً، كان الصديق ﵁ وأرضاه يقوم بالأمانة على وجهها، ويتقي الله جل وعلا في أموال المسلمين. والمال أيها المؤمنون فتنه، يدفع صاحبه إلى الغش لتروج بضاعته، ويدفع صاحبه لأن يقبل الرشوة ويضاعف من دخله، ويدفع إلى السرقة والخيانة، ويدفع أحياناً إلى الكذب والمماطلة في سداد الدين، لكن من عرف ذلة الوقوف بين يدي الله جل وعلا؛ تحرر من مظالم الناس وخشي على نفسه أن يلقى الله وللناس عليه مطالب، ويومئذ يقتص للمظالم بالحسنات والسيئات، لا بالدينار والدرهم، ألا ترى أن الله جل وعلا يقول وهو أصدق القائلين: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]. إن المرء في يوم القيامة لا يفر عمن لا يعرفهم؛ لأن من لا يعرفهم في الغالب لا حقوق لهم عليه فلا يطالبونه بشيء، فلا يخشى في عرصات يوم القيامة أن يقابلهم. أما من كانوا حوله من إخوة وأم وأب وزوجة وأبناء وجيران وأصدقاء، فإنه يفر منهم خوفاً من أن يكون قد ظلمهم في الدنيا فيطالبونه بحقهم في الآخرة، ولا دينار ولا درهم يومئذٍ إنما هي الحسنات والسيئات، عافانا الله وإياكم من مظالم العباد كلها! عباد الله! هذا ما كان من شأن موت الصديق ﵁ وأرضاه.

стр. 729

العبر من وفاة عمر بن الخطاب ﵁ أما عمر ﵁ وأرضاه فقد مات مطعوناً في محراب رسول الله ﷺ وهو يصلي بالناس صلاة الفجر، قتله أبو لؤلؤه المجوسي الذي كان يعمل حداداً للمغيرة بن شعبه ولم يسجد لله جل وعلا قط! وأعظم العبر في موت الفاروق ﵁ ما كان مستقراً عند الصحابة ﵃ وأرضاهم من عظيم قدر الصلاة، فإنه لما طعن قال له الناس: ألا نحملك إلى بيتك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، لاحظ في الإسلام لم ترك الصلاة. وقف ﵁ وأرضاه في الصف وجرحه يثعب دماً، ومع ذلك بقي يصلي، وصلى عبد الرحمن بن عوف بالمؤمنين ركعتين خفيفتين مراعاة للموقف! فما أعظم حسرة عبد عافاه الله في بدنه ثم ينام عمداً عن صلاه الفجر! يسمع المؤذن يقول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) ويؤثر الفراش الوثير على دعوة ربه العلي الكبير، فلينظر وليتأسَ بما كان عليه أصحاب محمد ﷺ من الغدو والرواح إلى جماعة المسلمين، والمحافظة على الصلاة جماعة في مساجد الإسلام. طُعن عمر وحمل إلى بيته فوقف ابن عباس ﵄ يثني عليه، ويقول له: يا أمير المؤمنين أبشر؛ فلقد كان أسلامك فتحاً، وهجرتك نصراً وأخذ يعدد مناقبه، فقال له ﵁ وأرضاه: والله لو كان لي ملء الأرض ذهباً لافتديت به من هول المطلع! فما أقض مضاجع الصالحين شيء أعظم من خوفهم من الوقوف بين يدي ربهم جل وعلا. ذكر الله الساعة واستعجال الكافرين لها، ثم قال ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى:١٨]، مع ما يرجونه من رحمة الله إلا أنهم يشفقون من الخوف، ويعلمون عظمة الوقوف بين يدي الله في يوم يعرض فيه الكتاب: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. بعث عمر ﵁ في ساعة احتضاره وسأل الطبيب، فقال له الطبيب: استخلف يا أمير المؤمنين فإنك ميت، وكان الطبيب من بني معاوية من الأنصار فقال له عمر: صدقتني يا طبيب بني معاوية، ولو قلت لي غير ذلك لكذبتك! فبعث ابنه عبد الله بن عمر يستأذن أم المؤمنين عائشة ﵂ يستأذنها في أن يدفن مع صاحبيه، وقال له: قل لها إن عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، ولا تقل لها أمير المؤمنين فإنني لست اليوم للمؤمنين بأمير. فلما جاءه الخبر بموافقة عائشة فرح ﵁ وأرضاه فرحاً عظيماً وقال: لقد زال عني همٌ عظيم كنت أحمله. ثم قال: إذا مت وأدرجتموني في كفني فاستأذن مرة أخرى، وقل: إن عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فدفن ﵁ وأرضاه مع رسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵄ في موضع واحد في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة كلهم الثلاثة قد ألحد لهم، فهذا القبر يضم أشرف الأجساد: جسد نبينا ﷺ خير الأنبياء، وجسد الصديق والفاروق خير أصحاب الأنبياء والمرسلين. أيها المؤمنون! صدق في موت عمر قول نبينا ﷺ : (اثبت أحد! فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، وكل ما أخبر عنه ﷺ فهو حق. واستجاب الله جل وعلا دعوة عمر يوم قال: اللهم إني أسالك شهادة في سبيلك وموتاً في بلد رسولك! فجمع الله له مناه، فمات ﵁ وأرضاه شهيداً في بلد رسول الله ﷺ . وهذه البلدة المباركة يعظم حق الجوار فيها مع رسول الله ﷺ ، فمن منّ الله عليه بسكناها أو جعل الله جل وعلا لأحد منكم رزقه فيها، سواء كان من أهلها أو من غير أهلها، فإن هذا من أعظم الفضل وأجزل العطاء، ويجب أن تقابل نعم الله بشكر، فلا يرينك الله تغش في طعام أو متاع أو تظلم أحداً منهم، أو يراك الله في مدينة رسول الله ﷺ تتعرض لأعراض المؤمنين، تؤذي هذا، وتلمز هذا، وتؤذي أهل بيت هذا أو تغمز أو يكون منك من المعاصي غير ذلك. وأعظم الجرم أن يكون إحداث فيها بسفك دم أو قول أو فعل قال ﷺ : (المدينة حرم من عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى فيها محدثاً فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً). وفقني الله تعالى وإياكم لهدي كتابه، وجعلني الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 730

اتباع السنة هو عماد المجد والسؤدد الحمد لله وكفى، وسلام على نبيه المصطفى. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. فالله الله أيها المؤمنون في تقوى ربكم سراً وإعلاناً، وخشيته ﵎ غيب وشهادة، فإن تقوى الله أزين ما أظهرتم، وأقوم ما أسررتم، وأعظم ما ادخرتم. عباد الله! إن أبقى الله في الأجل وأنسأ في العمر، سنأتي إن شاء الله إلى الحديث عن موت الشيخين الجليلين عثمان وعلي ﵄ وأرضاهما. لكنه ينبغي أن يُعلم أن هؤلاء الأربعة الراشدين وغيرهم من أفذاذ الأمة ورجالها وساداتها عبر الدهور لم يسودوا إلا باتباعهم لهدي رسول الله ﷺ ، فما كان للأمة شأن ولا ذكر لولا اتباعها لنبيها ﷺ ، فلقد بعث الله نبيه بالتوحيد وجعله رحمة للخلائق، وهداية للطرائق، وسؤدد الإنسان في أمر دنياه بحسب قربه أو بعده عن هدي محمد ﷺ . فمن أبو بكر قبل الوحي من عمر ومن علي ومن عثمان ذو الرحم من خالد من صلاح الدين قبلك من أنت الإمام لأهل الفضل كلهم لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم يا ليتني كنت فرداً من صحابته أو خادماً عنده من أصغر الخدم فصلوا وسلموا وباركوا عليه كما أمركم الله جل وعلا في كتابه: فاللهم صلّ على محمد ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصلّ على محمد ما تعاقب الليل والنهار، وارضَ اللهم عن أصحاب محمد من المهاجرين والأنصار، اللهم وارحمنا معهم بمنك ورحمتك وكرمك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين، اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين. اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، اللهم احفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، ومن أراد بها سوءاً فرد اللهم كيده في نحره يا قوي يا عزيز، اللهم واحفظ أهل الإسلام في كل مكان يا رب العالمين يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارحم موتى المسلمين، اللهم آنس في تلك البقاع وحشتهم، وارحم اللهم تحت الثرى غربتهم، وارحمنا اللهم إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تتذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون!

стр. 731

العبر من وفاة الخلفاء الراشدين [٢] لقد خسرت الأمة خسارة عظيمة وفادحة يوم أن قام بعض الأشرار ممن ينتسبون للأمة ويتسمون باسم الملة ظلماً وعدواناً بقتل اثنين من الخلفاء الراشدين المهديين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وقد انفتح بمقتلهما كل شر وبلاء على الأمة. وقد حرم الله تعالى سفك دم المسلم وعظم ذلك أيما تعظيم، وتوعد فاعل ذلك بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد في الدنيا والآخرة.

стр. 732

العبر من مقتل عثمان وعلي ﵄

стр. 733

كيف قتل الصحابيان علي وعثمان الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، الرحمن على العرش استوي. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب، فهدى به الخلائق وأبان به الطرائق، وأوضح المحجة وأقام الحجة، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اتبع بإحسان منهجه. أما بعد: عباد الله! فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وخشيته، والتقرب إليه جل وعلا بمحبته وطاعته، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، فلا يرينك الله يا أخيّ حيث نهاك، ولا يفقدنك الله جل وعلا حيث أمرك، وإن من أراد حفظاً من الله فليحفظ الله في أمره ونهيه ﵎. عباد الله! قد مضى الحديث فيما سبق عن الخلفاء الراشدين والأربعة المهديين ﵃ وأرضاهم، ذكرنا نتفاً وعظات، وعبراً ودلائل وآيات من موت أبي بكر واستشهاد عمر رضوان الله تعالى عليهما. ونحن في هذا اليوم نستأنف الحديث عن مقتل ذي النورين عثمان ﵁ وأبي السبطين علي ﵁ وأرضاه. أيها المؤمنون! ليس المقام مقام سرد للمرويات وذكر للأخبار والأقاصيص، وتبين الصحيح من السقيم، فهذا موطنه ومحله الطوال من المؤلفات والدراسات الأكاديمية في أروقة الجامعات، وإنما الحديث جملة عن خبر مقتلهما رضوان الله تعالى عليهما وما يمكن أن ينجم عن ذلك من عبر وعظات ننتفع بها في حياتنا ومعادنا، وحسبنا أن نقف على ثلاث منها، تذكيراً للعباد, وإقامة للحجة على الحاضر والباد. أيها المؤمنون! قتل عثمان ﵁ وأرضاه في يوم عُرف تاريخياً بيوم الدار، على يد ثلة من الخوارج وشقوا عصا الطاعة وخرجوا عن طاعته، حاصروا بيته زهاء أربعين يوماً، ثم أضرموا النيران من الخلف، ثم تمكنوا من دخول صحن الدار وهو يومئذ شيخٌ قد جاوز الثمانين فقتلوه ﵁ وأرضاه. قيل: إن أول قطرة من دمه نزلت على قول الله جل وعلا والمصحف بين يديه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧]. قتل ﵁ ظلماً بإجماع أهل السنة، فهو عند أهل السنة جميعاً، أمير البررة وقتيل الفجرة ﵁ وأرضاه. وقد دفن في مكان يقال له: (حش كوكب) كان مجاوراً لبقيع الغرقد، فلما كانت ولاية أمير المؤمنين معاوية ﵁ وأرضاه أدخل ذلك الحش في البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا بجواره موتاهم حتى يصبح قبر عثمان داخل البقيع، وقد تم الأمر على ما هو مشاهد عياناً اليوم. أما أمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه فقد قتل وهو غادٍ إلى صلاة الفجر صبيحة السابع عشر من شهر رمضان على يد خارجي آخر، يقال له عبد الرحمن بن ملجم المرادي، قتل علياً بسيف قد أعده وشحذه لهذه المهمة قبل أكثر من أربعين يوماً. فقتل علي ﵁ وأرضاه وهو غادٍ إلى صلاة الفجر يدعو الناس إليها، هذا على وجهه الإجمال خبر مقتلهما.

стр. 734

خطورة الفكر الخارجي على الأمة أما ما في ذلك من العظات: فإن الجامع في مقتل هذين الصحابيين هو ذلك التفكير الضال الهالك، الذي يعتقد القائمون عليه أنه الصواب وأنه المخرج للأمة، فإن قتلة عثمان كانوا يزعمون أنهم يريدون بذلك صلاح المسلمين، فمكنوه من الصلاة بالناس ثلاثين يوماً بعد أن حاصروه، ثم منعوه من الصلاة وقدموا أحدهم ليصلي بالناس زاعمين أن عثمان المشهود له بالجنة لا يصلح إماماً، ثم أضرموا عليه الدار من الخلف نيراناً كما بينا، ثم قتلوه وهو شيخ كبير قد جاوز الثمانين وكان صائماً يوم ذاك، وكان بين يديه القرآن يتلوه، لكن غلب عليهم المتشابه في عقولهم، وردوا النصوص المحكمة الظاهرة البينة في حرمة الخروج على ولاة الأمر وشق عصا الطاعة، وعلى حرمة عثمان نفسه ﵁ وأرضاه، وأن النبي ﷺ قال في حقه: (عثمان في الجنة) ﵁ وأرضاه! وكذلك الأمر مع علي ﵁؛ فإن النبي ﷺ قال - كما في المسند بسند صحيح - يخاطب ابنته فاطمة: (إني وأنتِ وهذا الراقد - ويشير إلى علي - والحسن والحسين لفي مكان واحد يوم القيامة)، وجلله النبي ﷺ بكساء ومعه فاطمة والحسن والحسين وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فصلّ على محمدٍ وعلى آله). والأخبار في خصائصه أكثر من أن تعد، وأكبر من أن تحصى، وكل ما ورد في فضل الشيخين الجليلين عثمان وعلي ضرب به الخوارج عرض الحائط؛ لأمور متشابهة نبتت في عقولهم، يقولون في سبب قتل عثمان إنه قرب القرابة، واستأثر بهم كولاة على المسلمين، وقتلوا علياً زاعمين أنه قبل التحكيم، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]. أمام هذين الأمرين المتشابهين اللذين لا يقومان على ساق ولا يثبتان عند حجة، قتلوا رجلين من أفضل العباد في هذه الأمة بعد الصديق والفاروق رضي الله عن أصحاب محمد أجمعين بلا استثناء. عباد الله! إن أعظم ما يمكن أن يتسلح به المؤمن في أيام الشبهات العلم الشرعي البين من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والأخذ بمنهاج سلف الأمة الصالح والاعتضاد بما تركه النبي ﷺ من سنة ظاهرة وآيات محكمة، ومعالم بينة ذكرها ﷺ حفظاً للأمة وخوفاً عليها من الافتراق، وصيانة لدمائها، وجمعاً لكلمتها، ولمّاً لشملها، وإغاضة لعدوها. كل ذلك ما مات ﷺ إلا وقد بينه أجمل البيان وأكمله، وإن من يدعو اليوم إلى شق عصا الطاعة، أو يسفك دماء المسلمين أو يرفع السيف عليهم، إنما يخالف بذلك أول الأمر هدي محمد ﷺ ، وما بعثه الله جل وعلا به من الهدى والرحمة لهذه الأمة، يقول صلوات الله وسلامة عليه: (فاسمعوا وأطيعوا وإن كان عبداً مجدع الأطراف)، أي: مقصوص الأطراف لا يستطيع أن يقضي حاجة نفسه، فإذا كتب الله له الولاية وجب السمع والطاعة، لا إكراماً لهذا المجدع ولكن حفظاً للأمة وصيانة عليها ولمّاً لشعثها، لأن الأمر كما يقول الله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].

стр. 735

تحريم الظلم وسفك الدماء ثانية العظات في خبر مقتل هذين الصحابيين: أن الظلم حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرماً، ففي الحديث القدسي الصحيح: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، وقد دلت آيات كثر وأحاديث صريحة صحيحة عن المعصوم ﷺ على تحريم الظلم. وأعظم الظلم سفك الدماء، أو التعرض لأعراض المؤمنين أو الخوض فيما لا داعي له مما ينجم عنه ضرر كبير على المؤمن أياً كان. كل ذلك حذر منه صلوات الله وسلامة عليه، وبعث معاذاً إلى اليمن وهو يوصيه، وهم يومئذٍ أهل كتاب: (واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). وأكثر ما يظهر هذا الأمر في قتل علي وعثمان: ما رواه البخاري في تاريخه بسنده عن محمد بن سيرين ﵀ قال: (كنت عند الكعبة: فسمعت رجلاً يدعو: اللهم اغفر لي وإن كنت أظن أنك لن تغفر لي، فقلت: يا هذا! ما سمعت أحداً يدعو بمثل دعائك، فقال الرجل: إنك لا تدري إنني قد كنت أعطيت الله عهداً أنني إذا رأيت عثمان أن ألطم وجهه، فقتل عثمان قبل أن ألطمه، فلما وضع عثمان على سريره في بيته، ودخل الناس يصلون عليه دخلت عليه فيمن دخل كأنني أريد الصلاة عليه، فلما وجدت في الأمر خلوة كشفت عن كفنه ثم لطمته على وجهه ولحيته وهو ميت، قال: فما رفعت يدي إلا وهي يابسة، قد شلت كأنها عود، قال ابن سيرين ﵀: فأنا نظرت إلى يده قد شلت كأنها عود! ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧]. عباد الله! حرم الله الظلم لأن الظالم إنما يظلم لقدرته الوظيفية، لأمرته، لسلطانه، لجنديته، لكونه زوجاً متسلطاً أو ولياً على أيتام، فإن الظالم عندما يظلم كأنه يتناسى أن الله جل وعلا مطلع عليه، وأن الله جل وعلا عزيز ذو انتقام، وأن الله جل وعلا أقدر منه على هذا الذي ظلمه واستضعفه وسفك دمه أو سلبه ماله أو غير ذلك من صور الظلم التي وقعت! فاتقوا الله أيها المؤمنون! فيما تقولون وتفعلون، ولا تدفعنك قدرتك على ظلم أحد أن تظلمه، واعلم أن الله جل وعلا أقدر عليك من كل أحد أنت قادر عليه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]. فمن عظم الله جل وعلا في قلبه، فإنه يتذكر جلال الله وذلة الوقوف بين يدي رب العزة والجلال قبل أن يظلم، سواء كان بين يديه أجير أو خادمة أو خادم أو سائق أو موظف أو جندي أو غيره. وإذا خفت الله فيه فإنك من الآمنين يوم القيامة، أما إذا تجرأت على محارم الله وحدوده فقلت بلسانك أو فعلت بيدك أو بسلطانك أو بتوقيعك أو بأي شيء تقدر عليه، ما تظلم به العباد، كنت خائفاً وجلاً بين يدي الله جل وعلا، فلا يجادل الله عنك أحد يوم القيامة، يقول جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]. وقد ذكرنا مراراً أن المرء يفر يوم القيامة من قرابته وممن يحيطون به في الدنيا؛ لأنه يخاف أن تكون عليه مظلمة لهم فيتسببون في هلاكه بأخذهم لحسناته، أما البعداء من الناس الذين لم يرهم ولم يروه، فإن الإنسان لا يفر منهم يوم القيامة غالباً؛ لأنه لا يرى أنه قد ظلمهم ذات يوم، أو تعرض لهم بأخذ دينار ولا نقص درهم. فمن اتقى الله جل وعلا ساد وأفلح، ومن عصى الله جل وعلا وتجرأ على محارمه كان الله جل وعلا له بالمرصاد، إلا أن تتداركه رحمة الله فيتوب ويئوب إلى رب العزة والجلال، وقانا الله وإياكم الشر كله أوله وآخره. عباد الله! هذا ما تيسر قوله وتهيأ إيراده والله المستعان، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 736

أهمية الجانب التعبدي في حياة الإنسان الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: عباد الله! فإن ثالث الفوائد في خبر مقتل هذين الصحابيين الجليلين وآخرها: أنه ينبغي على المرء أن يكون ثمة جانب تعبدي عظيم في حياته، فإن عثمان قتل وهو صائم، وقتل وهو يقرأ القرآن، وعلي ﵁ قتل وهو غادٍ إلى صلاه الفجر، والغدو إلى صلاه الفجر والصيام وقراءة القرآن كل ذلك من أجل العبادات. فيجب أن يفرق الإنسان بين دوره الاجتماع، وحياته الوظيفية وبين أمره التعبدي، فإن الناس لا بد أن يتفاوتوا في حياتهم الاجتماعية ودورهم الوظيفي، ومسألة الغنى والفقر والجاه وغيره، هذه سنه الله جل وعلا في خلقه لكن ذلك بمنأى عن أن يعزل الإنسان ذلك عن جانبه التعبدي. والمعنى: أنه ينبغي أن يكون للإنسان نصيب من العبادة والقرب من الله جل وعلا بصرف النظر عن موطنه، ويقع هذا على الأئمة والخطباء والعلماء والدعاة بصورة أكبر: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. والمقصود أيها المؤمنون! أنه كلما كان بين العبد وربه جانب تعبدي - من خلوات بالليل وحزب من القرآن يقرؤه وإكثار من النوافل والصيام وغير ذلك من الطاعات - كان حرياً بأن يكرم عند الله جل وعلا، وقد أثنى نبيكم ﷺ على نبي الله داود وقد جمع الله له الملك والنبوة فقال صلوات الله وسلامه عليه: (كان داود أعبد الناس، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، وذكر من صلاته في الليل ما ذكر. والمقصود أنه ينبغي على المؤمن أن يكون له حظ من العبادة تكفر به الخطايا، وترفع به الدرجات، وتقال به العثرات، وتحل به العقد، وتدفع به الكوارث، وكل ذلك لا يكون إلا إذا كان العبد قريباً من الله جل وعلا. ألا واعلموا أنكم في يوم الجمعة سيد الأيام، فصلوا فيه وسلموا على سيد الأنام: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم وارضَ عن أصحاب نبيك أجمعين، وخص منهم الأربعة الراشدين، واغفر لنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين، اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين، اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين. اللهم إنا نسألك الإيمان، والعفو عما مضى وسلف من الذنوب والآثام والعصيان. اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك. اللهم ارزقنا توبة نصوحاً نفيء بها إليك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وانصر أمة محمد ﷺ في كل مكان، اللهم اقهر عدوها واخذله يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اقهر عدو هذه الأمة واخذله أينما حل وحيثما كان يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 737

دنت بشائره [١] شهر رمضان هو شهر الطاعات، وهو شهر القربات، وشهر القرآن الكريم، وفيه تفتح الجنان، وتغلق النيران، وتصفد الجان. هو شهر العفو والغفران، وشهر التوبة من العصيان، وهو محطة يتزود منها العبد إلى الدار الآخرة، ونقطة انطلاق في الإصلاح والتغيير.

стр. 738

فرض صيام شهر رمضان الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، خير من صلى وصام وأفطر، الشافع المشفع في عرصات يوم المحشر، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه، كما وحد الله وعرفه به ودعا إليه، اللهم وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله! فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، وخشيته ﵎ في الغيب والشهادة، فإن تقوى الله أزين ما أظهرتم، وأكرم ما أسررتم، وأعظم ما ادخرتم، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. عباد الله! الله أكبر وقد دنت بشائره، وارتفعت منائره، يترقب الليلة أو ما بعدها المسلمون في جميع الأرض هلاله، يفزعون فيه إلى جل وعلا بما شرع من الطاعات، وبما حكم من العبادات؛ تعرضاً لنفحاته، واستجابة لأمره، وطلباً للغفران، وستراً للعيوب. أيها المؤمنون! إن ربكم يخلق ما يشاء ويختار، وقد جعل الله جل وعلا بحكمته ورحمته وعزته شهر رمضان موئلاً للصيام الذي تعبد الله به عباده، كما تعبد الله به الأمم من قبلنا. أيها المؤمنون! شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله جل وعلا صيامه على خير خلقه وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه في السنة الثانية من هجرته، ثم ما زال ﷺ يصومه حتى وفاته، ثم صامه المسلمون من بعده، فأعظم ما يقع في شهر رمضان من العبادات هو صيام ذلكم الشهر عطفاً على الصلاة المقررة في الحياة كلها. أيها المؤمنون! نادى الله جل وعلا عباده نداء كرامة لا نداء علامة، فقال تبارك اسمه وجل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، ثم حدد الله زمانه فقال جل ذكره وعلا شأنه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. فصيام هذا الشهر المبارك أحد أركان الإسلام العظام، ولا يتصور أبداً أن مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يعمد إلى فطر يوم من أيام هذا الشهر المبارك من غير عذر سفر ولا مرض. قال الإمام الذهبي ﵀: وعند المسلمين مقرر أن من أفطر يوماً من رمضان عمداً من غير عذر فهو شر من الزاني وشر من مدمن الخمر، بل يظنون به الزندقة والانحلال، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى. أيها المؤمنون! إنكم بصيامكم لشهر رمضان تؤدون ركناً من أركان دينكم، وهدياً من هدي نبيكم ﷺ ، وأنتم بذلك في المقام الأول تستجيبون لأمر ربكم جل وعلا، واستجابة المؤمن لأمر ربه هي عنوان الفلاح، وطريق النجاح، وأساس السعادة، وبها يفوز المؤمن في دينه وبرزخه وأخراه، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢].

стр. 739

تفسير قوله تعالى: (إلا الصوم فهو لي) عباد الله! إن الصوم عبادة وأي عبادة، جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وقد اختلفت عبارات أهل العلم في تحديد معنى هذا اللفظ القدسي، وأظهرها -والعلم عند الله- أن الصوم أحد الأركان الأربعة العملية من أركان الإسلام، فالثلاثة غير الصوم وقعت لغير الله إما جهلاً وإما كرهاً وإما طوعاً، فكم من طواغيت عبر التاريخ كله أمروا الناس أن يركعوا ويسجدوا لهم ويعظموهم تعظيماً لا يليق إلا بالله، فوقع ما يشابه الصلاة لغير الله، وإن كان فاعلها لا يعد مسلماً. وأما الزكاة فالأصل فيها أخذ المال، فوقعت لغير الله، فكم من طواغيت وسلاطين متجبرين جمعوا الأتاوات، وأخذوا الأموال طوعاً أو كرهاً أو جهلاً من الناس. وأما الحج فالأصل فيه الطواف حول البيت العتيق، وكم من الطواغيت والسلاطين عبر التاريخ الذين أمروا الناس أن يطوفوا حول عروشهم ويعظموهم، ووقع ذلك كذلك من بعض من ينتسب إلى الإسلام ممن يطوف حول الأضرحة والمشاهد والقبور، ويظن أن أصحابها ينفعون شيئاً. لكن التاريخ كله لم يشهد ولم يقع فيه أن أحداً صام لغير الله؛ لأنه لا يوجد أحد ممن يزعم أنه مستحق للعبادة طلب من الناس أن يعبدوه صياماً؛ لأن ذلك يكلفه أكثر مما يطيق، ولهذا يظهر والعلم عند الله أن المعنى الحقيقي لقوله: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) أنه عبادة لا يمكن أن تقع لغير الله، ولهذا اختصها الله جل وعلا لنفسه، وأضافها ﵎ لذاته العلية إضافة تشريف.

стр. 740

هدي النبي في صيام رمضان أيها المؤمن! إنك لن تصوم أكمل من هدي محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإذا تأمل المؤمن في سنة أحمد صلوات الله وسلامه عليه عرف الطريق الأقوام والسبيل الأمثل إلى صيامه، فتسحر نبيكم ﷺ قريباً جداً من صلاة الفجر، وقال: (تسحروا فإن في السحور بركة)، رواه البخاري ﵀ من حديث أنس، فيتسحر المؤمن حتى يتقوى على طاعة الله، وهو لا يمتنع عن الطعام امتثالاً لأمر طبيب، ولا تقرباً لحبيب، وإنما يصوم رغبة فيما عند الله من الأجر، وامتثالاً لما كان من الله من الأمر. وأفطر نبيكم ﷺ على رطبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء، ثم يفزع ﷺ ويقوم إلى الصلاة، وأخبر في الحديث القدسي أن الله يقول: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً). إن المؤمن يمتنع عن الأكل والشرب وما أباحه الله له من الجماع وهو يقدر على ذلك كله؛ رغبة فيما عند الله من الأجر، وامتثالاً لأمر ربه، فإذا انقضى وقت الأمر الإلهي، وانتهت المدة التي حددها الله فزع المؤمن إلى الطعام والشراب؛ يظهر إلى الله جل وعلا فقره، ويقول لربه بلسان الحال: ما أحوجني إلى الطعام والشراب وإلى فضلك، وإنما امتنعت عنه لما أمرتني، فلما أبحت لي أن آكل أكلت، ولهذا كان ﷺ يفطر قبل أن يصلي صلوات الله وسلامه عليه، والخير كل الخير في هديه واتباع سنته، وامتثال أمره ولزوم هديه.
следующие страницы →