Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
الرد على الرافضة المعطلين للجهاد إلى خروج مهديهم
قال رحمه الله تعالى: [يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد ﷺ ، وينادي مناد من السماء: اتبعوه].
الرافضة هم على رأس الفرق التي خالفت المسلمين، وتعمل في هذه الأمور بضد ما عليه أهل الحق، لكن غير الرافضة فيهم شبه منهم، فأكثر أهل الأهواء من سماتهم المخالفة في هذه الأمور، فلا نعرف أن أهل الأهواء يجاهدون مع المسلمين أو مع أئمة المسلمين، ولا يجاهدون إلا في فتنة، ويسمونها الجهاد، فلو نظرنا إلى المعتزلة والجهمية والخوارج وكثير من الفرق الكبرى لوجدنا أن هذا هو منهجهم، لا يقاتلون مع المسلمين، بل يقاتلون المسلمين، فإذا ثارت على المسلمين فتنة سارعوا فيها، ولا تجدهم في الثغور أو في جيوش المسلمين؛ لأنهم لا يرون الجهاد مع أئمة المسلمين.
فأهل الأهواء لا يقاتلون إلا في ألويتهم، ولا نعرف أن ألوية أهل الأهواء ضد الكفار أو لجهاد الكفار، بل ألوية أهل الأهواء دائماً في نحور المسلمين ومن قرأ التاريخ فسيجد مصداق هذا واضحاً جداً طيلة التاريخ الإسلامي.
فأكثر الفرق هم كالرافضة، لكن قد يكون لهم فلسفة أخرى ونظرة أخرى غير نظرة الروافض، فمتى ما حصلت ثورة على أئمة المسلمين شاركوا فيها، أما الرافضة فلا يشاركون إلا تأولاً أو من أجل النكاية، لا لأنه جهاد، ولا يجاهدون إلا مع هذا الموهوم المنتظر الخرافة الذي يسمونه المهدي المنتظر.
قال رحمه الله تعالى: [وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل، وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوما اشتراطا بغير دليل، بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعته)].
قوله: (خيار أئمتكم) وقوله: (شرار أئمتكم)، يعني: الولاة؛ لأن لفظ (الأئمة) يطلق على صنفين: على الولاة السلاطين، أبراراً كانوا أو فجاراً، وعلى الأئمة في الدين، أئمة العلم، فهذه إمامة وهذه إمامة، وهذه لها حقها وهذه لها حقها، ولا شك أن من ولي أمر المسلمين فهو إمام لهم حتى ولو لم يكن على شروط الإمامة، لا كما يظن بعض الناس الذين يعتقدون جهلاً أنه لا يسمى إماماً إلا إذا توافرت الشروط، فهذا ليس بصحيح، ثم إن من الشروط شروطاً كمالية لم توجد إلا في الخلافة الراشدة.
فمن تولى أمر المسلمين فهو إمام، سواء كان براً أو فاجراً، ومصداق ذلك هذا الحديث، وهو صريح، حيث سماهم أئمة على الحالين، وهذا أمر له اعتباره في القواعد الشرعية، ولذلك بنى الحكم على هذا الاعتبار، فحين قالوا: (أفلا ننابذهم عن ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة).
ثم ذكر ﷺ أيضاًَ قاعدة أخرى مهمة جداً، فقال: (ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله) يعني: يكره ذلك في قلبه، ويناصح إن استطاع، وينكر إن استطاع بالأسلوب المناسب الذي لا يؤدي إلى الفتنة، لكن لا ينزع يداً من طاعة، وما أجهل كثيراً من الناس في هذا العصر من الذين بدءوا يجانبون هذه المسائل ويتهمون من يقول الحق أو يعتقده أو ينهج هذا النهج بأمور ليست مما يجوز أن يتهم فيه المسلمون أو يتراشق فيه المسلمون.
أقول: إن كثيراً من أهل السنة وأهل الحق الذين بقوا على هذا الأصل يكادون يعيشون غربة أحياناً في بعض بلاد المسلمين، بسبب انتكاس مفاهيم المسلمين وعملهم على غير الأصول، فالمسلمون الذين نهجوا مع ولاتهم نهج الخروج والقوة ما أصابوا الحق؛ لأن هذا ليس هو منهج السلف، فمن أنكر عليهم اعتبروه هو المخطئ، وهو الذي يخذل الدين، وهو الذي لا يعرف شيئاً إلى آخره، حتى عاش كثير من أهل الرأي الصائب والقول الرشيد والاعتقاد السديد في غربة الآن في كثير من بلاد المسلمين، فلا بد من تقرير الحق، وأن يكون لطلاب العلم أثر في المسلمين يعملونه، ذلك أن أغلب المصائب التي وقعت على البلاد الإسلامية الآن -خاصة ما يحدث من القتل والتشريد وانتهاك الأعراض وسفك الدماء وما ترونه وتسمعونه من فتنة في بعض بلاد المسلمين- يقوم أصلاً على مخالفة هذا المنهج، بسبب أن طائفة ممن عندهم حماس للدعوة إلى الله ، وعندهم غيرة على دين الله جهلوا هذا الأصل، فظنوا أن مقتضى الحسبة قتال الحكومات، وهذا خطأ شنيع؛ إذ هو أولاً مخالفة للنبي ﷺ ، ثم إنه مخالفة لنهج الإسلام في الدعوة إلى الله، ومخالفة لأصول الدعوة وللأساليب المشروعة التي شرعها الله ، ولو أنهم اتقوا الله وناصحوا بالتي هي أحسن وعملوا لوجدوا خيراً، وإذا ما وجدوا فالأ
стр. 1017
خسارة الرافضة في تعليق الجهاد بالإمام المعصوم
قال رحمه الله تعالى: [وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة، ولم يقل: إن الإمام يجب أن يكون معصوماً، والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة؛ لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا].
لأنهم فرضوا له صفات لا يمكن أن تكون في البشر، فهو معدوم فعلاً، فتلك الصفات لا توجد في أحد من خلق الله ولا من الذين يدعون أنهم أئمة معصومون، فهؤلاء الذين يدعون أنهم معصومون هم أناس من البشر منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، والصالحون منهم ليس عندهم هذه الخصائص التي ادعتها الرافضة، سواء منهم من يعلقون عليه بعض الآمال مثل المهدي الموهوم، أو الأحياء منهم أو الأموات الذين كان لهم وجود، ألقوا عليهم من الصفات والآمال وافترضوا فيهم من الخصال ما لا يوجد في مخلوق.
إذاً: فهم توهموا أموراً معدومة وليست حقيقية، فلذلك بقوا طيلة الدهر ينتظرون موهوماً حتى جاء الخميني وأظهر لهم فكرة جديدة، وهي فكرة (ولاية الفقية) الوسيط بين الإمام المزعوم الموهوم وبين الأجيال الحاضرة، وقال: لا بد أن نتولى بعض صلاحيات الإمام المعصوم المنتظر، فنفخ هذه الروح الوهمية أيضاً فانتفضوا انتفاضتهم المعلومة، لكنهم لا يزالون على أفكارهم الخيالية.
قال رحمه الله تعالى: [فإنهم يدعون أن الإمام المنتظر محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب في زعمهم سنة ستين ومائتين أو قريباً من ذلك بسامراء، وقد يقيمون هناك دابة -إما بغلة وإما حرساً- ليركبها إذا خرج، ويقيمون هناك في أوقات عينوها لمن ينادي عليه بالخروج: يا مولانا! اخرج، يا مولانا! اخرج، ويشهرون السلاح، ولا أحد هناك يقاتلهم! إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم فيها العقلاء!].
ذكر المحقق في الهامش بعض الترجمة للعسكري التي توهم أن هذا الرجل له وجود، وأن له ولادة ووفاة إلى آخره.
وهم يزعمون أنه المهدي، ويسمونه صاحب الزمان والمنتظر والحجة وصاحب السرداب، وقد ولد بزعمهم في سامراء، ومات أبوه وله خمس سنين، وكل هذه ليست حقائق بإجماع المؤرخين، فكل ما قالوه من هذا أوهام لا وجود لها تاريخياً أبداً حتى في كتبهم، وقد قرأنا في كتبهم ما يدل على أن هذا وهم وكذب، ولا أدري كيف يروون هذه الروايات التي يعتمدونها عندهم ثم يقولون بهذه الأكذوبة، فيكذبون ثم يصدقون أنفسهم، أقول: حتى في كتبهم المسندة يوجد ما يكذب القول بأن هناك رجلاً اسمه كذا إلى آخره؛ إذ إن أباه كان عقيماً ومات عقيماً ليس له ولد ولا ذرية، وهذا معروف عند المؤرخين من غير الشيعة، وبعض الرافضة يثبت هذا.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (مع أولي الأمر برهم وفاجرهم) لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما، ويقاوم العدو، وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر].
стр. 1018
عقيدة أهل السنة في الإيمان بالكرام الكاتبين من الملائكة
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين): قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]، وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس:٢١].
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وفارقناهم وهم يصلون).
وفي الحديث الآخر: (إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم).
جاء في التفسير: اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه واحد من ورائه وواحد أمامه، فهو بين أربعة ملاك بالنهار وأربعة آخرين بالليل بدلاً، حافظان وكاتبان.
وقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه].
стр. 1019
القرين من الجن والقرين من الملائكة
قال رحمه الله تعالى: [وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة.
قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير).
الرواية بفتح الميم من (فأسلمَ)، ومن رواه (فأسلمُ) برفع الميم فقد حرف لفظه، ومعنى (فأسلمَ) أي: فاستسلم وانقاد لي في أصح القولين، ولهذا قال: (فلا يأمرني إلا بخير) ومن قال: إن الشيطان صار مؤمناً فقد حرف معناه؛ فإن الشيطان لا يكون مؤمناً].
ليس هناك ما يمنع أن يكون هذا القرين من الجن؛ وليس من الشياطين الذين حكم عليهم بالشيطنة على وجه خاص؛ لأن الشيطنة وصف عام ووصف خاص، فالوصف العام هو بمعنى الشر، فالإنس فيهم شياطين والجن فيهم شياطين، وذرية إبليس فيهم شياطين، والوصف الخاص هو المختص بالشيطان الذي هو إبليس وذريته الذين هم من جنسه وفصيله.
والناظر إلى النصوص الشرعية وإلى فهم الصحابة وفهم السلف وتفسيرهم للنصوص يجد أن الأحاديث التي جاء فيها أن الله أعان النبي ﷺ على قرينه فأسلم تدل على أنه قرين من الجن، والجن منهم من يسلم ومنهم من يفسق، أو أنه قرين -مهما كان- قدر الله أن يسلم؛ لأن الأمور بيد الله ، حتى لو قلنا: إن الشياطين لا يسلمون كما يقول بعض الشراح، فالأمر راجع إلى قدرة الله ، وهذا خبر النبي ﷺ ، فلا داعي للتحريف وتطويع النصوص لقواعد عقلية، فإذا كان أسلم بقدرة الله فالله بيده مقاليد السموات والأرض وبيده قلوب عباده، فليس الأمر بغريب، والخبر لا بد أن يؤخذ على حقيقته، أن قرين النبي ﷺ أسلم بمعنى أنه لم يعد كافراً، هذا ظاهر الحديث، فما عداه تكلف، وما أشرت إليه هو رأي الجمهور؛ لأنه أسلم حتى لم يكن يأمره إلا بخير.
قال رحمه الله تعالى: [ومعنى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قيل: حفظهم له من أمر الله أي: الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ: يحفظونه بأمر الله].
стр. 1020
بيان ما تكتبه الملائكة
قال رحمه الله تعالى: [ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل، وكذلك النية؛ لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢]، ويشهد لذلك قوله ﷺ : (قال الله : إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا).
وقال رسول الله ﷺ : (قالت الملائكة: ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي) خرجاهما في الصحيحين، واللفظ لـ مسلم].
стр. 1021
الأسئلة
стр. 1022
الجمع بين كتابة الملائكة النيات وكونهم لا يعلمون الغيب
السؤال
كيف نجمع بين كتابة الملائكة النية وبين كون الملائكة لا يعلمون الغيب، والنية من الغيب؟
الجواب
ما يتعلق بما يحدث عند الإنسان أمر لا شك أنه يطلع الله عليه الملائكة عندما يحدث، حتى الخواطر والوساوس والهم بالشيء، إذا هم أن يفعل أو أن يترك، فهذا أمر جعل الله عند الملائكة القدرة على معرفته، ولا يقدر عليه غيرهم، بمعنى أن البشر لا يعرفون ما في وساوس البشر الآخرين أو في خطراتهم أو في نياتهم وإراداتهم، لكن الكرام الكاتبين أقدرهم الله على أن يعرفوا ما يختلج في نيات الناس، هذا أمر جعله الله من مقدورهم، فلم يعد في حق الملائكة غيباً، لاسيما أنه أمر حدث من الإنسان، ولكن لا أظن أن الملك -حتى الكاتب- يعلم ما يفعل الإنسان غداً أو بعد غد حتى من الخطرات والإرادات والهم ونحو ذلك، فالمهم أن الله أطلع هذه الطائفة من الملائكة على هذا الشيء الذي هو غيب عنا، فهذا راجع إلى قدرة الله، ولم يعد غيباً بالنسبة لهم.
стр. 1023
الجمع بين كون الكفر ملة واحدة وثبوت كفر دون كفر
السؤال
كيف نجمع بين كون الكفر ملة واحدة وأن هناك كفراً دون كفر؟
الجواب
أولاً: لا يظهر أن بينهما تناقضاً.
والأمر الثاني: أن كل عبارة محمولة على المعنى المراد بحسب قواعد الشرع والنصوص وفهم السلف، فلا شك أن المراد بكون الكفر ملة واحدة الكفر المخرج من الملة، فالكفر المخرج من الملة ملة واحدة، وملة الإسلام ليست كفراً.
وقول السلف: كفر دون كفر يعني: الكفر الذي لا يخرج من الملة، ولا شك أنه يتبين من خلال النصوص أن الكفر منه ما يخرج من الملة ومنه ما لا يخرج، ومسمى الكفر قد يطلق على المعصية والبدعة، وقد يطلق على الكفر المخرج، وهذا ظاهر جداً؛ لأن النبي ﷺ سمى النياحة كفراً، وسمى الطعن في الأنساب والأحساب كفراً، وسمى الانتساب لغير الأب كفراً، وسمى كفر النعمة كفراً، وسمى جحد حق الزوج من المرأة كفراً، في أشياء كثيرة سماها النبي ﷺ كفراً وليست كفراً قطعياً، فهذا هو مفهوم الكفر دون الكفر، فكل ما سماه النبي ﷺ من أعمال المسلمين كفراً مما ليس بشرك ولا ردة فهو كفر معصية، وكفر بدعة، بل إن بعض الأعمال دون البدعة يسمى كفراً، مثل عدم شكر المنعم في بعض النعم التي أنعم الله بها على عباده، فهذا يسمى كفر نعمة، وقد لا يكون كبيرة أيضاً.
فمثل هذه الأمور لا بد من استصحاب عموم النصوص وقواعد الشرع فيها، ولذلك أجد أنه من الخلل والزلل أن يتناول مثل هذه الأمور من لا علم عنده ولا فقه، أو يقل فقهه في الدين، فربما يكون مثقفاً متحذلقاً أو طويلب علم مبتدئاً ثم يبدأ يخوض في هذه الأمور ويصنف المسلمين ويحول ذممهم إلى الكفر وغيره بمجرد أن يقرأ هذه النصوص أو يسمع بها، وهذا أمر خطير، فالذي لا يعرف موارد الشرع وقواعد الدين ومناهج السلف وألفاظ الشرع ومعانيها ودلالاتها، ولا يعرف كيف يرجع الألفاظ والمصطلحات إلى أصولها بحسب سياقها، لا يجوز له أن يتكلم في هذه الأمور، وأقول هذا بمناسبة كثرة كلام الناس في هذه الأمور، وعدم تفريقهم بين الصالح وغير الصالح، وبين ما له أصل وما ليس له أصل، والله أعلم.
стр. 1024
شرح العقيدة الطحاوية [٨٤]
من الإيمان بالملائكة أن نؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين، وقد اختلف في الروح وحقيقتها ووقوع العذاب عليها مع البدن أم لا، وكلها من الاختلافات الجزئية بين أهل السنة، كما أن فناء الروح وموتها حصل فيه كلام بين الفلاسفة وغيرهم، ومرد النزاع في ذلك هو عدم الرجوع إلى النصوص القرآنية والنبوية في ذلك مع فهم أهل العلم لها.
стр. 1025
الإيمان بملك الموت الموكل بقبض الأرواح
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين): قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١]، ولا تعارض هذه الآية قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢]؛ لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ويتولونها بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره وحكمه، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه].
стр. 1026
ذكر ما قيل في حقيقة النفس وحدوث الروح
قال رحمه الله تعالى: [وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن؟ أو عرض من أعراضه؟ أو جسم مساكن له مودع فيه؟ أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ وهل الأمارة واللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم هي ثلاثة أنفس؟ وهل تموت الروح أو الموت للبدن وحده؟ وهذه المسألة تحتمل مجلداً، ولكن أشير إلى الكلام عليها مختصراً إن شاء الله تعالى.
فقيل: الروح قديمة].
كلمة (قديمة) يعني بها أنها أزلية، وأنها ليست مخلوقة، فهنا عبر عن قول الفلاسفة، وأفراخ الفلاسفة، بمعنى أن الروح لا بداية لها، وعلى هذا ففهمها عندهم أنها تشبه الخالق ، أو أنها تأخذ صفات الخالق من حيث إنه الأول الذي ليس قبله شيء.
والذين يقولون بهذا القول إيمانهم بالله مضطرب، قد يعبرون عن الروح بأنها صفة من صفات الله ، فهي على هذا قديمة عندهم، أي: أزلية، أو يعبرون عن الروح بأنها قوة ونوع من الآلهة عندهم، والآلهة عندهم على حد سواء كلها أزلية، أو غير ذلك من التعبيرات، فالمهم أن هؤلاء ليسوا في قولهم على شيء، بل هم في أمر مريج.
فهؤلاء أعطوا الروح خصائص الربوبية التي لا تكون إلا لله ؛ لأنه ليس هناك شيء قديم أزلي ليس قبله شيء إلا الله .
قال رحمه الله تعالى: [وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، وهذا معلوم بالضرورة من دينهم أن العالم محدث، ومضى على هذا الصحابة والتابعون حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة، واحتج بأنها من أمر الله وأمره غير مخلوق، وبأن الله أضافها إليه بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، وبقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]، كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده].
الذين قالوا بأن الروح قديمة هم طائفة من الفلاسفة والإسماعيلية، وكثير من الفلاسفة الإسلاميين يقولون بهذا القول، يعني: الإسلاميين الذين يدعون الإسلام، ويسمون بأسماء إسلامية، وعاشوا بين المسلمين، وأغلبهم من الباطنية كـ الفارابي وابن سينا وابن سبعين، فهؤلاء يقولون بقدم الروح ويلحقونها بصفات الله ، والروح خلق من خلق الله ، وهي أمر من أمره، بمعنى أنها من شأنه سبحانه، فهو يقدرها ويخلقها، هذا معنى كونها من أمر الله، ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] وليس المعنى: من أمره الشرعي الذي هو الطلب، إنما من أمره يعني: من شأنه سبحانه، أي: من تقديره وخلقه.
стр. 1027
أدلة أهل السنة على كون الروح مخلوقة
قال رحمه الله تعالى: [وتوقف آخرون، واتفق أهل السنة والجماعة على أنها مخلوقة، وممن نقل الإجماع على ذلك: محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة وغيرهما.
ومن الأدلة على أن الروح مخلوقة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى، فإنها داخلة في مسمى اسمه، فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته داخل في مسمى اسمه، فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق، وما سواه مخلوق، ومعلوم قطعاً أن الروح ليست هي الله ولا صفة من صفاته وإنما هي من مصنوعاته.
ومنها قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، وقوله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] والإنسان اسم لروحه وجسده، والخطاب لزكريا لروحه وبدنه، والروح توصف بالوفاة والقبض، والإمساك والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث.
وأما احتجاجهم بقوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] فليس المراد هنا بالأمر الطلب، بل المراد به المأمور، والمصدر يذكر ويراد به اسم المفعول، وهذا معلوم مشهور.
وأما استدلالهم بإضافتها إليه بقوله: ﴿مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده سبحانه].
يعني بذلك أن هذه الصفات وأمثالها لا يمكن أن تطلق إلا على موصوف، وإذا أطلقت بألفاظ اللغة بدون موصوف فإنها ليس لها وجود إلا في الأذهان، فهي مجرد تصور، فالصفات التي لا تقوم بنفسها هي التي إذا أطلقت فلابد أن تقيد بالموصوف، والصفات التي تقوم بنفسها هي الصفات التي إذا أطلقت تكون مستقلة، فيمكن أن يعبر عنها مستقلة، ويمكن أن يعبر عنها مضافة إلى غيرها، وفي الحالين تبقى أعياناً مستقلة تقوم بنفسها.
فالعلم إذا أطلق يبقى مجرد إطلاق ذهني، فإذا قلنا: علم الله صار صفة من صفات الله ، وهو العلم الكامل، وإذا قلنا: علم المخلوق صار صفة من صفات المخلوق المحدود.
أما الأسماء الأخرى التي تقوم بنفسها -وهي الأعيان المنفصلة- فهي التي تتعلق بالمخلوقات، مثل البيت، فيجوز أن تقول: أو هذا بيت، أو: هذا البيت، ونعرف أنه يطلق على شيء مخلوق ندركه، فإذا قلت: هذا بيت فلان فقد أضفته إلى فلان، ولكن لو لم تضفه لعرفنا أن البيت صفة قائمة بنفسها، وإذا أضيف إلى الله -كبيت الله الحرام- فإنه تكون إضافة تشريف؛ لأنه مخلوق، ولا يمكن أن يكون من صفات الله .
стр. 1028
الأسئلة
стр. 1029
جواب عن استشكال قبض ملك الموت الأرواح المتفرقة والمتعددة في وقت واحد
السؤال
هل مع ملك الموت ملائكة آخرون يعينونه على توفي الأنفس، كما قال تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، وإذا لم يكن هناك ملائكة يتوفون الأنفس غير ملك الموت، فكيف يكون توفي من يموتون في نفس الوقت وفي أماكن متفرقة، ومن يموتون في مكان واحد في نفس اللحظة؟
الجواب
أولاً: أمور الغيب لا تقاس بعالم الشهادة.
ثانياً: أن قدرات المخلوقات تختلف ما بين مخلوق ومخلوق، فقدرات ملك الموت أو غيره من الملائكة -مثل جبريل ﵇، وميكائيل وإسرافيل وغيرهم- لا تقاس بقدرات البشر أبداً، فلا شك أن الله أعطاهم من القدرات ما لم يعط البشر.
كما أن بعض الخلق عنده من القدرات ما ليس عند البشر، والبشر عندهم ما ليس عنده، والجن عندهم من المقدرة ما ليس عند البشر.
فالجني قد يطلع على أمر لا تحجبه عنه الحجب المادية المحسوسة، في حين أن الإنسان تحجبه الجدران وتحجبه الوسائل التي تحجب المدركات، والجني لا تحجبه هذه الأمور إلا في حدود معينة حددها الله له في أصل خلقه.
فعلى هذا لا يصح أن يرد هذا الاعتراض أو الإشكال في ملك الموت؛ لأن ملك الموت أعطاه الله من القدرات ما لم يعط البشر، هذه ناحية.
الناحية الأخرى: أنا لا ندري لعل الله يقسم الموتى في الزمن، فاللحظة فيه يمكن أن تقسم إلى ألف قسم.
ثم إن ملك الموت -كما هو معروف- معه فريق من الملائكة، ومع ذلك فإن الله أقدره على ما يشاء مما كلفه به، فلا داعي لمثل هذا القول في أمور الغيب؛ لأنها غيب، وعليها نقيس ما ورد في أخبار الغيب من عذاب القبر ونعيمة وأحوال الموتى وأحوال الجن وأحوال الشياطين وأحوال الملائكة، فالشيطان -وهو إبليس- ثبت أنه يوسوس وأن له جنوداً.
فهذه مسائل لا نقيس فيها ما أخبرنا الله به من أمور الغيب وثبت فيه الخبر على عالم الشهادة أبداً.
وكل المقاييس العلمية التي تحت تناولنا لا يمكن أن تحكم أمور الغيب، فإذا ما أيدت الغيب فلا يمكن أن تعارضه أو أن تحكم فيه بما يعارض ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .
فعلى هذا يجب على المسلم أن يريح نفسه من هذه الأمور، ويعرف أن الله لا حدود لقدرته، وأنه يقدر عباده على ما يشاء من القدرات التي يخلقها ويوجدها.
ونحن نعرف ما حدث لسليمان ﵊ حينما طلب من بعض مجالسيه من أهل العلم ومن الشياطين ومن الجن ومن البشر، إحضار عرش بلقيس، فعرض عليه العفريت أن يحضره قبل أن يقوم من مقامه، وقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، وهذا في اليمن وهذا في الشام في فلسطين، وقبل أن يرتد إليه طرفه كان عرش بلقيس أمامه، فالله صرح بأن ذلك بعلم آتاه الله المخلوق، فهذه المسألة وغيرها من المسائل الغيبية، ولا يجوز إثارة مثل هذه الأسئلة فيها.
والإنسان إذا أشكل عليه الأمر عليه أن يسلم بأن كلام الله حق، وأن خبر الرسول ﷺ حق، ويكفي ذلك.
وأحب أن أنبه على الأدب الشرعي الذي وجه إليه الله تعالى في كتابه بشأن الروح حينما سأل اليهود النبي ﷺ عن الروح، فقال : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، وهذا فيه توجيه رباني بأن المسلم يجب عليه أن لا يخوض في موضوع الروح على سبيل الجزم.
كما أن الخوض في الروح على سبيل تحديد الماهية يعتبر -والله أعلم- مما نهى عنه الشرع؛ لأن صرف النبي ﷺ من سألوه عن الحديث عن ماهية الروح يدل على أن هذا مما أمر الله بالتأدب به والتزامه، لكن قد يجوز الكلام أحياناً عن بعض خصائص الروح الخارجية التي ورد ذكرها، أو ذكر شيء منها في كتاب الله وفي سنة الرسول ﷺ .
أما ماهية الروح فلا يجوز الكلام فيها، أما خصائص الروح وأعمال الروح وما ورد في صفاتها فهذا يجوز الكلام فيه؛ لأنه ورد في الشرع، لكن أيضًا بقدر لا يتجاوز ما ورد في الكتاب والسنة.
стр. 1030
الخلاف في حقيقة الروح
قال رحمه الله تعالى: [واختلف في الروح: هل هي مخلوقة قبل الجسد أم بعده؟ وقد تقدم عند ذكر الميثاق الإشارة إلى ذلك.
واختلف في الروح: ما هي؟ فقيل: هي جسم، وقيل: عرض، وقيل: لا ندري ما الروح، أجوهر أم عرض؟ وقيل: ليس الروح شيئاً أكثر من اعتدال الطبائع الأربع].
الطبائع الأربع هي: الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة.
قال رحمه الله تعالى: [وقيل: هي الدم الصافي الخالص من الكدر والعفونات، وقيل: هي الحرارة الغريزية وهي الحياة، وقيل: هو جوهر بسيط منبث في العالم كله من الحيوان على جهة الإعمال له والتدبير].
الجوهر هو تعبير عن جزء الجسم أو الجسيمات الصغيرة الشفافة التي ليس لها ثقل ولا كثافة ملموسة، أو أن ثقلها لا يمكن أن يدركه الناس بمداركهم، فإذا قيل: جوهر بسيط فذلك يعني أنه لا ثقل له ولا كثافة، كالهواء مثلاً، فالهواء قد يسمى جوهراً بسيطاً.
والجوهر المركب أو الكثيف: الأجسام الصلبة التي تتركب من عدة جزيئات، ثم تكون لها كثافة ويكون لها ثقل فتقبل اللمس وغير ذلك من الإحساسات.
قال رحمه الله تعالى: [وهي على ما وصفت من الانبساط في العالم غير منقسمة الذات والبنية، وأنها في كل حيوان العالم بمعنى واحد لا غير، وقيل: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس، وقيل غير ذلك.
وللناس في مسمى الإنسان: هل هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما، أو كل منهما؟ وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه: هل هو اللفظ، أو المعنى فقط، أو هما، أو كل منهما؟ فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه.
والحق: أن الإنسان اسم لهما، وقد يطلق على أحدهما بقرينة، وكذلك الكلام.
стр. 1031
حقيقة النفس التي دل عليها الكتاب والسنة والإجماع
قال رحمه الله تعالى: [والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل: أن النفس جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس].
وجه المخالفة ما ذكرته قبل قليل، وهو أنها ليس فيها ثقل ولا كثافة، هذا معنى مخالفة الأجسام الكثيفة المركبة، فهي مخالفة للجسم في كيفية الخلق، فليس لها ثقل ولا كثافة.
قال رحمه الله تعالى: [وهو جسم نوراني علوي، خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم.
فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف سارياً في هذه الأعضاء، وأفادتها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، ففيها الإخبار بتوفيها وإمساكها وإرسالها].
هذا يحتمل أن المقصود به الروح، أو أن النفس قد يرد ذكرها أحياناً على معانٍ أخرى، وسيأتي الكلام عن أن النفس والروح بينهما أحياناً تلازم، وبينهما أحياناً افتراق حسب السياق، ومع ذلك فإن مجموع النفس والروح توصف بصفات تدل على أنها مخلوقة، وأنها ربما تكون جواهر بسيطة أو مخلوقات شفافة، وغير كثيفة، فورد أن النفس والروح قابلة للتوفي، وأنها قابلة للقبض، وأنها قابلة للإخراج والخروج والدخول، والبعث والعروج، وغير ذلك من الأوصاف التي تطلق على النفس والروح معاً، وأحياناً بعضها يطلق على الروح فقط، وبعضها يطلق على النفس.
وهذا دليل على أن بين الروح والنفس شيئاً من الترادف أحياناً وشيئاً من الاختلاف في بعض الأحيان بحسب السياق.
والأقوال في تفسير الروح ليس لها مستند يقيني من الأدلة الشرعية، ما هي إلا استنباطات إما من ظواهر النصوص، وإما من كلام الناس، وإما من بعض الاستنتاجات العقلية التي لا يلزم أن تكون حقيقة، فليس في ذلك ما تتعلق به العلوم الشرعية، بل هي أقوال أقرب إلى الترف العلمي منها إلى الحقائق العلمية، فضلاً عن أن تكون عقيدة، ما عدا الإجماليات الكبرى، ككون الروح من خلق الله ، وتنفخ في الجسد في وقت معين، وأن الله يرسل ملكاً لنفخ الروح في وقت معين بعد مائة وعشرين يوماً إلى آخر هذه الأمور التي لا بد من الإيمان بها؛ لأنها جاءت بها النصوص.
أما ما عدا ذلك -كتفسير الروح ما هي، والنفس ما هي، ومتى تغاير النفس الروح، ومتى توافقها- فهذه أمور أقرب إلى الاستنتاجات، وبعضها يكون راجحاً إذا قام عليه الدليل، لكن لا يكون يقينياً، وبعضها لا أصل له.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام:٩٣]، ففيها بسط الملائكة أيديهم لتناولها، ووصفها بالإخراج والخروج، والإخبار بعذابها ذلك اليوم، والإخبار عن مجيئها إلى ربها.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام:٦٠]، ففيها الإخبار بتوفي النفس بالليل، وبعثها إلى أجسادها بالنهار، وتوفي الملائكة لها عند الموت.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]، ففيها وصفها بالرجوع والدخول والرضا.
وقال ﷺ : (إن الروح إذا قبض تبعه البصر)، ففيه وصفه بالقبض، وأن البصر يراه.
وقال ﷺ في حديث بلال: (قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء)، وقال ﷺ : (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة).
وسيأتي في الكلام على عذاب القبر أدلة كثيرة من خطاب ملك الموت لها، وأنها تخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، وأنها تصعد ويوجد منها من المؤمن كأطيب ريح، ومن الكافر كأنتن ريح، إلى غير ذلك من الصفات.
وعلى ذلك أجمع السلف ودل العقل، وليس مع من خالف سوى الظنون الكاذبة، والشبه الفاسدة، التي لا يعارض بها ما دل عليه نصوص الوحي والأدلة العقلية].
стр. 1032
العلاقة بين النفس والروح
قال رحمه الله تعالى: [وأما اختلاف الناس في مسمى النفس والروح: هل هما متغايران، أو مسماهما واحد؟ فالتحقيق: أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح، فيتحد مدلولهما تارة، ويختلف تارة.
فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما تسمى نفسا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها.
وتطلق على الدم، ففي الحديث: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه).
والنفس: العين، يقال: أصابت فلانا نفس، أي: عين.
والنفس: الذات، كقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١]، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، ونحو ذلك].
الذات يقصد بها البدن والروح معاً، وأحياناً يقصد بها البدن وحده، فالإنسان والحيوان يسمى بدنه نفساً، وأحياناً تطلق النفس على البدن والروح معاً.
قال رحمه الله تعالى: [وأما الروح فلا تطلق على البدن لا بانفراده ولا مع النفس، وتطلق الروح على القرآن، وعلى جبرائيل، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، وتطلق الروح على الهواء المتردد في بدن الإنسان أيضا.
وأما ما يؤيد الله به أولياءه فهو روح أخرى، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢].
وكذلك القوى التي في البدن، فإنها تسمى أرواحاً، فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، والروح الشام.
وتطلق الروح على أخص من هذا كله، وهو: قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن، فللعلم روح، وللإحسان روح، وللمحبة روح، وللتوكل روح، وللصدق روح].
لذلك يعبر الناس عن الأمور الإيمانية اليقينية وعن الأحوال العبادية بالروحانية، ويعبرون عن خلافها -أي: عن الشهوات والبعد عن العبادة- بالمادية.
وهذا الإطلاق يوافق هذا المفهوم نوعاً ما، وإن كان كثير من المنحرفين من غلاة المتصوفة وغيرهم بالغوا في هذه المسألة حتى جعلوا لها معاني غير شرعية، ومعاني بدعية، ومع ذلك فالإطلاق في أصله ناتج عن مفاهيم الناس نحو الروح.
فهناك من المفاهيم التي تطلق ما يقصد بالروح فيها الروحانية التي هي الإقبال على العبادة، والمادية بعكس ذلك، أي: الشهوات والملذات والإقبال على بهرج الدنيا والأمور التي تبعد عن جو العبادة.
قال رحمه الله تعالى: [والناس متفاوتون في هذه الأرواح: فمن الناس من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانيا، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضيا بهيميا].
стр. 1033
صفات النفس
قال رحمه الله تعالى: [وقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس: مطمئنة، ولوامة، وأمَّارة.
قالوا: وإن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه هذه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:٢٧]، ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢]، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣].
والتحقيق: أنها نفس واحدة لها صفات، فهي أمارة بالسوء، فإذا عارضها الإيمان صارت لوامة، تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها، وتلوم بين الفعل والترك، فإذا قوي الإيمان صارت مطمئنة.
ولهذا قال ﷺ : (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)، مع قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث].
стр. 1034
الخلاف في موت الروح
قال رحمه الله تعالى: [واختلف الناس: هل تموت الروح أم لا؟ فقالت طائفة: تموت؛ لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت، وقد قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت؛ فالنفوس البشرية أولى بالموت.
وقال آخرون: لا تموت الأرواح؛ فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان.
قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها.
والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية؛ فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى].
وعموم النصوص يدل على أن المقصود بتوفي الأرواح أو توفي الأنفس هو خروجها من الأجساد، والنفس تطلق ويراد بها الجسد، ولا شك أن الأجساد تموت وتضمحل، يعني: تفنى، وأما الأرواح فإن التوفي والموت لا يعني أنها تنعدم، إنما تخرج من الجسد، وإذا خرجت من الجسد فقد ورد في النصوص أن أرواح المؤمنين -أسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم- ترتفع وتصعد إلى السماء، وأما أرواح الكفار -نسأل الله العافية- فتبقى في أسفل سافلين، وتوصد أمامها أبواب السماء.
فإذا قصد بموت الروح التحول عن الجسد، بحيث تنفصل الروح عن الجسد؛ فهذا صحيح، وإن قصد بالفناء والموت ما يقصده كثير من الذين يتفلسفون ولا دليل عندهم على أنها تنعدم، فالصواب خلافه، وهو أن النفس أو الروح لا تنعدم، والله أعلم.
قال رحمه الله تعالى: [وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦]، وتلك الموتة هي مفارقة الأرواح للأجساد.
وأما قول أهل النار: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٨]؛ فالمراد أنهم كانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة، وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها، فإن الناس يصعقون يوم القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء وأشرقت الأرض بنوره، وليس ذلك بموت، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وكذلك صعق موسى ﵇ لم يكن موتا، والذي يدل عليه أن نفخة الصعق -والله أعلم- موت كل من لم يذق الموت قبلها من الخلائق، وأما من ذاق الموت أو لم يكتب عليه الموت من الحور والولدان وغيرهم، فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية، والله أعلم].
стр. 1035
الأسئلة
стр. 1036
حال مرتكبي الكبائر عند الموت فيما يخص مناداة النفس المتوفاة
السؤال
الناس عند الموت صنفان: صنف يقال لهم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:٢٧]، وصنف آخر يقال لهم: يا أيتها النفس الخبيثة، فماذا يقال للمسلمين العصاة ممن ارتكبوا بعض الكبائر وما زالوا على الإسلام؟
الجواب
مرتكب الكبيرة المسلم إذا مات على كبيرته فظواهر النصوص تدل على أنه تخاطب نفسه خطاب النفس الخبثة.
ولو رجعنا إلى سياق الحديث الذي ورد فيه النفس الخبيثة؛ فسنجد أنه يشمل الكافر والمنافق والعاصي في بعض الأحوال، وليس في كل الأحوال، فليس عندنا يقين على أن كل العصاة الذين يموتون على المعصية يخاطبون بهذا الخطاب، لكن هناك دلائل تدل على أن بعض أصحاب الكبائر الشنيعة إذا ماتوا على كبائرهم تخاطب نفوسهم بخطاب النفوس الخبيثة، لكن ذلك -والله أعلم- يكون من باب الجزاء المقدم، أو العذاب المقدم، الذي يشبه عذاب القبر؛ لأن بعض العصاة يعذبون عند خروج الروح، ويعذبون في القبر، لكنهم عند الحساب تحت مشيئة الله، قد يغفر الله لهم ويدخلون الجنة، ويكون عذابهم عند الموت -بأن يقال: يا أيتها النفس الخبيثة- وعذابهم في القبر بمثابة التكفير لذنوبهم، هذا ظاهر النصوص والله أعلم.
стр. 1037
المفاضلة بين طلب العلم والدعوة إلى الله تعالى
السؤال
أيهما أفضل: طلب العلم والانصراف إليه بالكلية، أم الدعوة إلى الله وصرف الوقت في ذلك، أم الأفضل الجمع بين الأمرين؟
الجواب
الصواب أن ينظر في حال الشخص، فإن كان من ذوي الذكاء والفطنة والقدرة على الاستنباط فإنه يجعل وقته لطلب العلم، ومن كان دون ذلك فإنه ينصرف إلى الدعوة والعبادة مع أخذ القدر الكافي من العلم الضروري الذي يحتاجه، وكل ميسر لما خلق له.
وهنا أنبه على أن الناس الآن عندهم نوع من الخلط في التصورات يحتاج إلى التنبيه عليه، ومن ذلك فهم الناس للدعوة، فهذه مسألة ينبغي أن يعنى بها طلاب العلم.
فالمفهوم السائد عند شبابنا للدعوة أنها ممارسة العمل الدعوي العملي فقط، وعلى هذا فإنهم لا يعتبرون طالب العلم المتمسك الذي يعكف على طلب العلم الشرعي، ويعمل بشعائر الدين، ويستقيم في بيته وفي أهله، لا يعتبرونه داعية، وهذا خطأ فادح.
وأنا أعتبر أعظم نموذج للدعوة أن يكون الشاب مكباً على العلم الشرعي، وأن يكون عاملاً بما يعمل، سلوكه على هدي النبي ﷺ ، وملازم للعلماء وطلاب العلم، وأن يكون قدوة فيما يعمل وما يأتي وما يظهر به أمام الناس، وأن يحرص على شعائر الدين الظاهرة، فهذا عندي أكبر داعية، والنصوص على هذا ظاهرة من سلوك النبي ﷺ وسلوك الصحابة والتابعين.
وكون المسلمين يحتاجون إلى بعض العمل في الدعوة وفي أعمال البر أمر معلوم، لكن لا يعني أن الدعوة تحصر على أعمال البر وعلى الحركة والنشاط، كما هو مفهوم كثير من شباب المسلمين في العالم كله الآن.
فكوننا نتحرك بما نستطيع هذا لا بأس به، لكن أن نحصر الدعوة على العمل النشط فلا، بل هذا وجه من وجوه الدعوة.
وأفضل داعية هو طالب العلم المستمسك الذي يكون قدوة للناس في قوله وعمله وسلوكه، هذا هو أكبر داعية.
والداعية النشط في الدرجة الثانية بعده، أعني النشط في حركته وعمله؛ لأن طالب العلم الذي يكب على العلم هو الذي يشق طريقه إلى الرسوخ في العلم، والذي يكون من أهل الذكر، ويكون مرجع الأمة في الفتوى، ومرجع الأمة في الرأي، ومرجع الأمة في الأنموذج الذي يحتاجه الناس.
ومع ذلك ففي كل الخير، ولا يعني ذلك أنا نشطح ونقول: الدعوة هي هذا العمل فقط، وإنما أقول: هذا أفضل أنموذج للداعية، ومع ذلك فإن الدعوة يدخل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيها أعمال البر، وهذا من أعظم أبواب الدعوة، والمسلمون لو أنهم حصروا الدعوة في معنى واحد لقصروا، وربما أثموا إثماً عظيماً؛ فلا بد من التوازن.
فمن مفهوم الدعوة الضروري الذي يجب أن يلقنه شبابنا اليوم هو ما ذكرته من أن يكون طالب العلم أنموذجاً وقدوة لغيره في علمه وسلوكه، وسيكون أكبر داعية بإذن الله ولو لم يتحرك الحركة التي يفهمها الناس.
ولذلك يجب أن يلتزم الداعية بالنهج السليم وقواعد الشرع، وسمت أهل العلم وهديهم، والبعد عن الأمور التي لا تليق بالدعاة مما يثير الفتن أو يوقع الأمة في الحرج، أو نحو ذلك مما يسلكه بعض الناس هداهم الله من باب الاجتهاد.
فعلى هذا لا بد من تصحيح المفهوم حول الدعوة عند الناس، وإن كنا نجد أن مشايخنا -حفظهم الله- يمثلون النموذج الأمثل للدعاة، وهذا خير قد تقوم به الحجة، ويقوم به البيان، كما أنهم أيضاً يوضحون هذه الأمور، يبينون أن الدعوة ليس المقصود بها فقط ما يفهمه الناس.
وقد فصل الناس بين الداعية والعالم، أو بين الداعية وطالب علم، فيقولون: هذا داعية، وهذا طالب علم، والحق أن طالب العلم هو الداعية، بل إذا لم يكن طالب العلم هو مرجع الداعية وهو قدوته؛ فإن هذا يعني الإنفصام النكد الذي نرى ظواهره الآن.
وعلى هذا فلا بد من تطمين كثير من الشباب الذين نجد عندهم شيئاً من عرض هذه القضايا، خاصة الشباب الصغار في المرحلة الثانوية أو بعض مراحل الجامعة، حيث تجد عند الشاب نوعاً من التوتر؛ لأنه يظن أنه إذا انكب على العمل وانقطع إلى العبادة خرج من كونه داعية فأثم، فتجد عنده شيئاً من التوتر وضيق النفس وضيق الصدر والتوفز والتحفز، يريد أن يخرج من وضعه الذي هو فيه؛ لأنه شعر أنه أنه قاعد حينما بدأ يكب على دروس المشايخ، وبدأ ينصرف إلى شئون أهل بيته، وبدأ يجالس الناس، ويجالس من ليس عندهم حركة ولا نشاط، يظن أنه ترك الدعوة وأنه بذلك وقع في ذنب عظيم، وربما حبط عمله، وهذا خطأ أقول: هذا الذي لاحظته في بعض الشباب، يقول أحدهم: أنا أحتاج إلى علاج.
فما الذي دهاك؟ يقول: كنت فيما مضى أتحرك وأمشي وأذهب في رحلات، والآن شعرت أنه ليس عندي إلا الذهاب إلى دروس المشايخ! فنقول: هذا خير كثير، فقد كنت تسعى في الزمن السابق بدون علم.
والدعوة الصحيحة أولاً تبدأ بالعلم، وأغلب الناس مداركهم وسط، فيجب على من كان كذلك أن يتعلم، ولو تجاوز الثلاثين والأربعين، ثم بعد ذلك يذهب للدعوة، فالأنبياء دعوا في سن كبير وما ضرهم ذلك، وما صارت شخصياتهم -كما يقال- مضطربة أو غير مرباة.
بل إني أقول: إن إغراق الشباب في سن المراهقة وما بعدها بقليل في العمل الدعوي الحرك
стр. 1038
بيان ما خالف فيه أهل البدع من العلو الثابت لله تعالى
السؤال
من المعلوم أن الله تعالى له العلو المطلق، فله سبحانه علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، فأي هذه الأنواع خالف فيه أهل البدع من أهل الكلام؟
الجواب
هو علو الذات، فهم حصروا العلو في علو القدر أو الخيرية المطلقة، أو ما يسمونه العلو المعنوي، وبعضهم قد يقر بعلو القهر وبعضهم لا يقر به، خاصة غلاة المتكلمين، لكن محل النزاع هو علو الذات.
ولذلك أنكروا الفوقية لله ، وأنكروا الاستواء، وأنكروا الأفعال التي تتفرع عن هذه المسألة، مثل النزول والمجيء ونحو ذلك.
стр. 1039
شرح العقيدة الطحاوية [٨٥]
نعيم القبر وعذابه حق، وكذا سؤال منكر ونكير في القبر عن ربه ودينه ونبيه كما جاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ ، أما الكلام في كيفيته فليس للعقل فيه مجال لكونه لا عهد له به في الحياة الدنيا، ولكن نؤمن إجمالاً كما جاءت النصوص بأحوال حياة البرزخ وما يجري فيها، وإن كانت بعض الجزئيات جرى فيها خلاف بين السلف.
стр. 1040
عقيدة أهل السنة في إثبات عذاب القبر
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران): قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦]، وقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:٤٥ - ٤٧].
وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيراً منهم مات ولم يعذب في الدنيا، أو المراد أعم من ذلك].
стр. 1041
ذكر حديث البراء بن عازب في عذاب القبر ونعيمه
قال رحمه الله تعالى: [وعن البراء بن عازب ﵁ قال: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله كأن على رءوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: أعوذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات، ثم قال: إن المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة! أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.
قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها -يعني: على ملأ من الملائكة- إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟! فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء أن: صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؛ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب! أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة! أخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟! فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]، فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه.
لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه.
لا أدري، فينادي مناد من السماء أن: كذب، فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؛ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب! لا تقم الساعة) رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي وابن ماجه أوله، ورواه الحاكم وأبو عوانة الإسفرائيني في صحيحيهما وابن حبان].
стр. 1042
ذكر أحاديث أخرى في إثبات عذاب القبر
قال رحمه الله تعالى: [وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من الصحيح، وروى البخاري في الصحيح عن سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقول له: أنظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعاً)، قال قتادة: وروي لنا أنه يفسح له في قبره، وذكر الحديث.
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).
وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إذا قبر أحدكم -أو الإنسان- أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر وللآخر: النكير) وذكر الحديث.
وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا تتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذا الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا].
كون الشرع لا يأتي بما تحيله العقول صحيح، بمعنى أنه لا يمكن أن يأتي بشيء يخالف العقل السليم؛ لأن العقل السليم مفطور على الاستقامة، وعلى التوافق مع الوحي؛ لأن الوحي هو كلام الله، والعقل السليم من خلقه، ولا يمكن أن يتعارض الخلق مع الأمر، فخلق الله وأمره متوافقان، لكن العقول المشوشة أو التي اعترضتها الأهواء، أو سوء التربية أو الجهل، أو تنازعتها المذاهب وأقوال الناس؛ ربما يتخيل أصحابها تخيلاً أو توهماً يحيله العقل، لكن المقصود هنا العقل السليم المهتدي بهدي الله ، فإن هذا العقل أي السليم الذي على الفطرة السلمية لا يمكن أن يتصور من أمور الشرع ما يناقض العقل.
لكن قد يأتي الشرع بما تحار فيه العقول، بمعنى أنه قد يأتي في الشرع ما لا تدركه العقول، فتحار فيه، والحيرة متوجهة إلى العقل بقدراته الناقصة، لا إلى الشرع، فحينما نقول: إن الشرع قد يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن الحيرة أتت من قصور العقول، لا من كون كلام الله أو كلام رسوله ﷺ يشتمل على المحارات في ذاته، أو على الأمور المحيرة المتشابهة، فهذا لا يمكن، لكن الحيرة تأتي من قصور العقل، والعقل مخلوق، والمخلوق محدود ويعتريه السهو والنسيان والخطأ، والفناء، والهوى، ونوازع الشيطان، وغير ذلك من الأمور التي تعتري العقل، فقد يحار في بعض الأمور التي جاء بها الشرع.
وحيرته لا تعني أن الشرع اشتمل على محارات، فالشرع لا يأتي إلا بالأمر البين، وقد سمى النبي ﷺ هذا الدين بالواضحة البيضاء التي ليلها كنهارها، والوضوح لا يمكن أن يكون فيه شيء من المحارات، إنما المقصود أن عقول بعض البشر قد تحار في بعض الأمور الغيبية التي جاءت في كتاب الله، أو صحت عن رسول الله ﷺ .
стр. 1043
أنواع تعلق الروح بالبدن
قال رحمه الله تعالى: [فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينا.
الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.
الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه.
الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها إليه التفات ألبتة، فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة.
الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً، فالنوم أخو الموت، فتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة.
وليس السؤال في القبر للروح وحدها كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين، وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به.
واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب، أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور.
وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك فيجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان، فكم حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله! بل سوء الفهم عن الله ورسوله ﷺ أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، والله المستعان].
стр. 1044
أحوال الإنسان في قبره
هذا الكلام متعلق بعذاب القبر ونعيمه، والإنسان تثبت له في قبره سبعة أحوال: الحالة الأولى: أنه تعاد روحه إلى جسده في الحياة البرزخية، والحياة البرزخية هي الواسطة بين حياتين؛ إذ البرزخ هو الفاصل بين شيئين، فالطريق الفاصل بين أرضين يسمى برزخاً، والطريق بين البحرين يسمى برزخاً، فالبرزخ معناها حياة بين حياتين، بين حياة الدنيا وبين الحياة الآخرة.
فأول أحوال الإنسان أنه تعاد روحه في جسده، والثانية يأتيه ملكان، ويحصل له من الملكين ما يحصل، ومن ذلك أنهما يحاسبانه ويسألانه، وليس المراد الحساب التفصيلي الوارد بعد الحشر والبعث، إنما هو حساب محدود بهذه الأسئلة الثلاثة.
والملكان قيل: إنهما المنكر والنكير، وبعض أهل العلم يصحح حديث منكر ونكير الذي فيه اسماهما.
والحالة الثالثة: أنه يسأل عن ثلاثة أمور: عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه ﷺ .
والحالة الرابعة: أنه يفرش له إذا كان مؤمناً من الجنة، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الجنة.
وإذا كان من أهل الجنة فله حالة خامسة، وهي أن يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وريحها.
والحالة السادسة: أنه إذا كان أيضاً مؤمنا يفسح له في قبره مد بصره، وهذه مسألة غيبية أيضا أشكلت على بعض العقلانيين الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، فزعموا أن القبور المتقاربة لا يتأتى أن يمد لكل واحد من المؤمنين فيها مد بصره؛ لأنهم قاسوا أحوال البرزخ بأحوال الدنيا، وهو قياس فاسد؛ فإن ذلك أمر راجع إلى قدرة الله ، وراجع إلى الحياة البرزخية الغيبية بكل أجزائها، ولا تحكمها مقاييس الدنيا، لا بمسافات ولا بزمان ولا بمكان، إنما هي راجعة إلى قدرة الله ، وهذا أمر لا حد له، والخبر لا بد أن يصدق.
والحالة السابعة: أنه يأتيه رجل حسن الوجه إذا كان مؤمناً، وتنعكس الأحوال الأربعة الأخيرة بالنسبة للكافر، نسأل الله العافية.
فهذه أحوال سبعة ثبتت بالنصوص: إعادة الروح، وسؤال الملكين، وما يفرش له، وما يفتح له من باب، وكذلك أنه يمد له مد بصره، أو يضيق عليه إذا كان كافراً، نسأل الله السلامة، وأنه يأتيه رجل فإن كان مؤمناً كان حسن الوجه يؤنسه ويسعد به، وإن كان عمله سيئاً فيكون بمثابة الرجل القبيح الوجه، كما هو وارد في النصوص.
هذه الأحوال ثبتت فيها النصوص، ولم يجادل فيها أهل العلم، وإن كان بعض أهل العلم ناقش في بعض المسائل، لكن الغالب أن من ناقشوا هم من أهل الكلام، وليسوا من أهل السنة، وأن من روي عنهم هذا الشيء من بعض أهل السنة ربما لم يبلغهم الحديث، مع أني لا أعرف أن هذا من آراء أهل السنة، إنما هو من آراء المتكلمين، أي إنكار هذه الامور جميعاً أو بعض هذه الأمور، أو بعض هذه الاقوال.
وأما تسمية الملكين بمنكر ونكير فهذه مسألة راجعة إلى ثبوت الحديث الذي فيه التسمية، لكن لا أثر لها على ثبوت ورود خبر الملكين، فإن هذا أمر آخر، وقد خلط بعض المفسرين في هذه المسألة، فخلط بين إنكار اسم منكر ونكير، أو دعوى أنه لم يرد إلا في أحاديث ضعيفة، وبين مسألة ثبوت ورود الملكين، فالملكان لا شك أنهما يأتيان الإنسان في قبره، لكن تسمية الملكين بمنكر ونكير هذه راجعة -كما قلت- إلى صحة الحديث، والظاهر أن الحديث صحيح، والله أعلم.
стр. 1045
اختلاف الأحكام المتعلقة بالأبدان والأرواح باختلاف الدور
قال رحمه الله تعالى: [فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وقد جعل الله لكل دار أحكاماً تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعاً، فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها، وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه وهذا في حفرة من النار وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه، وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علماً، وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيبه عن غيره، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما في الصحيح عنه ﷺ : (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، ولمَّا كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته].
стр. 1046
الاختلاف في مسائل من أحوال القبور
قال رحمه الله تعالى: [وللناس في سؤال منكر ونكير: هل هو خاص بهذه الأمة أم لا؟ ثلاثة أقوال: الثالث التوقف، وهو قول جماعة منهم أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ قال: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها)، منهم من يرويه (تُسأل)، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة قد خصت بذلك وهذا أمر لا يقطع عليه، ويظهر عدم الاختصاص، والله أعلم، وكذلك اختلف في سؤال الأطفال أيضاً.
وهل يدوم عذاب القبر أو ينقطع؟ جوابه أنه نوعان: منه ما هو دائم، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]].
أي: منه قسم دائم إلى قيام الساعة، فالدوام في حال الحياة الدنيا.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك في حديث البراء بن عازب في قصة الكافر: (ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة) رواه الإمام أحمد في بعض طرقه.
والنوع الثاني: أنه مدة ثم ينقطع، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه كما تقدم ذكره في الممحصات العشرة].
стр. 1047
الاختلاف في مستقر الأرواح بعد الموت إلى قيام الساعة
قال رحمه الله تعالى: [وقد اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة، فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار.
وقيل: إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة على بابها يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها.
وقيل: على أفنية قبورهم.
وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت.
وقالت طائفة: بل أرواح المؤمنين عند الله ، ولم يزيدوا على ذلك.
وقيل: إن أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق، وأرواح الكافرين ببرهوت بئر بحضرموت.
وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكافرين في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس.
وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكافرين ببئر برهوت.
وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله.
وقال ابن حزم وغيره: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم.
وعن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم تسلم عليه.
وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه! وقولهم مخالف للكتاب والسنة.
وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح! وهذا قول التناسخية منكري المعاد، وهو قول خارج عن أهل الإسلام كلهم، ويضيق هذا المختصر عن بسط أدلة هذه الأقوال والكلام عليها.
ويتلخص من أدلتها: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها: أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء لا كلهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، كما في المسند عن محمد عبد الله بن جحش: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة.
فلما ولى قال: إلا الدين، سارني به جبرائيل آنفا).
ومن الأرواح من يكون محبوساً على باب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنة)، ومنهم من يكون محبوساً في قبره، ومنهم من يكون محبوساً في الأرض، ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، كل ذلك تشهد له السنة، والله أعلم.
وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤]؛ فهي أن الله تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر كما في حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لما أصيب إخوانكم -يعني يوم أحد - جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مذللة في ظل العرش) الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود، وبمعناه في حديث ابن مسعود رواه مسلم.
فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرا منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمل لفظ الحديثين، ففي الموطأ أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: (إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه).
فقوله: (نسمة المؤمن) تعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: (هي في جوف طير خضر).
ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة من كثير منهم، فله نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، والله أعلم.
وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما روي في السنن، وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، والله أعلم.
стр. 1048
الأسئلة
стр. 1049
بيان ما لا يغفر من نوعي الشرك يوم القيامة
السؤال
هل الشرك الأصغر داخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
الجواب
الشرك الأصغر داخل في عموم المعاصي والذنوب، ولا يدخل في الشرك من حيث الحكم، والشرك الأصغر يشمل الكبائر والبدع وما دون ذلك، فالبدع المغلظة والكبائر المغلظة التي لا تخرج من الملة كثير منها يدخل في الشرك الأصغر.
بل ما هو دون ذلك من بعض البدع يدخل في الشرك الأصغر، فعلى هذا فالمقصود بالشرك الذي لا يغفر هو الشرك الأكبر فقط.
стр. 1050
مدى صحة اعتبار منكر ونكير وصفاً لعدد من الملائكة
السؤال
من خلال ما نشاهد من كثرة الموتى في وقت واحد قد نعلم أن منكراً ونكيراً وصف لمن يقوم بهذا العمل من الملائكة، مثل رقيب وعتيد، فهل هذا صحيح؟
الجواب
هذا السؤال فيه خطأ في التصور، ذلك أن عمل الملائكة لا يقاس بعمل البشر في المحدودية وفي الكيفية، فلو مات مائة ألف في لحظة واحدة ودفنوا في لحظات متقاربة فإن سؤال منكر ونكير يشملهم.
وكيفية ذلك الله أعلم بها، وليس هناك داع لنقيسها بمقاييس الدنيا، وأحوال البشر في الوقت والمكان والزمان.
فهذا القول لا يقال على سبيل تقرير أن منكراً ونكيراً وصف.
والحقيقة أنه لا يلزم أن يكون وصفاً، فربما يكون اسماً، وربما يكون الاسم مشتقاً من الوصف، والله أعلم.
стр. 1051
شرح العقيدة الطحاوية [٨٦]
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبعث والجزاء، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب والصراط والميزان، وكلها ثابتة في نصوص الوحيين، وكل الأمم مقرة بالبعث الأخروي غير طوائف قليلة ورد في القرآن الكريم محاججتهم والرد عليهم.
стр. 1052
عقيدة الإيمان بالبعث وما يكون يوم القيامة
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بالبعث، وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان): الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز وأقام الدليل عليه ورد على منكريه في غالب سور القرآن].
مسألة البعث من المسائل التي تكلمت فيها جميع الأمم، الأمم الكتابية والأمم غير الكتابية، وجميع الديانات والمذاهب الكبرى تتكلم عن البعث، وهم بين منكرين وهم القلة، وبين من يقرون بمبدأ البعث لكنهم يختلفون، فمنهم من يقر بمبدأ البعث على نحو تراثي، وهم أكثر الديانات، ما عدا الإسلام، فالإسلام لا شك أنه الدين الحق الذي أبان الله به الحق، فإن الإيمان بالبعث فيه، ومسائل البعث جملة وتفصيلاً جاءت في نصوص من الكتاب والسنة بينة، لا لبس فيها ولا غموض.
والمنكرون للبعث تماماً قلة، وإن كان ورد ذكرهم في القرآن الكريم؛ لأن لهم وجوداً بين العرب وبين نُزاَّع الأمم، ويوجد ذلك في مذاهب الفلاسفة والدهريين وغيرهم.
وأما أغلب الذين يؤمنون بالبعث فقولهم كقول المنكرين، بمعنى أن مؤدى قولهم هو إنكار البعث، حتى أهل الكتاب اليهود والنصارى الآن، فإيمانهم بالبعث شبيه بإيمان الأمم غير الكتابية، ومؤدى رأي غالب الأمم في البعث إلى إنكاره؛ لأنهم يقولون: إن البعث بعث الأرواح فقط، فأغلب الديانات الشرقية، والديانات اليونانية، والديانات القديمة، وكذلك الفلاسفة يتكلمون عن البعث؛ لأنه جاء عن الأنبياء، لكنهم يفسرونه بتفسير هو في الحقيقة إنكار للبعث.
فبعضهم يرون أن البعث ما هو إلا نوع من التناسخ للأرواح، أي: أن أرواح البشر الموجودة الآن تنتقل إلى أجساد أخرى بعد الموت، وهذا هو البعث عندهم.
وبعضهم يفسر البعث بأنه حلقة من حلقات الدنيا تعتبر الحلقة الأخيرة، وهذا موجود عند المجوس وعند بعض الصابئة وعند الرافضة، وعند الباطنية وبعض غلاة الصوفية.
فيرون أن البعث ما هو إلا حياة أخرى لاحقة بالحياة الدنيا تعتبر انتصاراً لمن يقدسونه، وانتصاراً لهم على الآخرين.
فكأن البعث عندهم حلقة من حلقات هذه الحياة الدنيا تعتبر هي الحلقة الأخيرة، يسعد فيها السعداء ويشقى فيها الأشقياء، على نحو خرافي عندهم.
وهذا هو ما عليه أكثر الديانات الوضعية، فهو عند الصابئة وعند المجوس بمختلف دياناتهم، وعند أكثر الديانات الهندية، ويوجد عند بعض الرافضة، وعند غلاة الصوفية، وغلاة الفلاسفة وغيرهم، وأكثر الباطنية.
لكن بعضهم يقول: إن هذه الحلقة تتكرر، بمعنى أن البعث يتكرر على مدار سنين معينة، يعدونها بآلاف السنين.
فبعضهم يقول: ستة آلاف سنة، وبعضهم يقول: في كل ست وثلاثين ألف سنة، وبعضهم يقول: في كل ثلاثمائة وستين ألف سنة إلى آخره.
فليس البعث عندهم بمعنى تبدل الأرض بغير الأرض، وأن الله يميت جميع الناس ثم يحييهم مرة أخرى، ويندر أن يوجد هذا التصور عندهم، حتى عند أصحاب الديانات الكتابية، فبعضهم يرى البعث تناسخاً، وبعضهم يرى البعث حلقات، وهو أيضاً نوع من التناسخ، وبعضهم يرى أن البعث هو الحلقة الأخيرة من هذه الحياة.
فالإيمان بالبعث حتى عند الأمم الكتابية لا يخلو من هذه التصورات الفاسدة، فلا يوجد من يؤمن بالبعث على نحو صحيح سليم إلا المسلمون.
وإن وجد من يؤمن به كذلك فعددهم قليل، وليس هو مذهباً سائداً عند غير المسلمين، ولا حتى عند أهل الكتاب.
ولا شك أن العقول السليمة تدرك ضرورة الإيمان بالبعث، فبعض العقلاء حتى وإن لم يكونوا مسلمين عندهم هذا الشعور، وهو شعور فطري، غريزي؛ لأننا إذا قلنا: إن وجود البشر في هذه الدنيا جاء عن إبداع وعن حكمة ولا شك في ذلك، فنحن نرى الناس يموتون والأمم تنقضي وتفنى، وبينها تفاوت في الأقدار وفي الأعمار وفي الرزق وفي الحظوظ، وهناك الظالم والمظلوم، وفي هذه الدنيا من استكمل نصيبه وحظوظه، وفيها من لم يستكمل، فيموتون على هذا الشكل بتفاوتهم، مما يوجب عند العاقل ضرورة أن يكون هناك حلقة أخرى تكون فيها المساواة، ويكون فيها العدل المطلق، وإن كنا نعرف أن الله عدل بين الخلق في الدنيا والآخرة، لكن هناك أمور غيبية لا ندركها.
فالظاهر من كثير الناس الذين ليس عندهم إدراك لحكمة الله أو قناعة بأحكام الله على التفصيل أنهم يشعرون بالضرورة وبالغريزة من أنه لا بد من استكمال حلقات الدنيا، أو حظوظ البشر والأمم على نحو ما، فيوجد عندهم الشعور بضرورة البعث، فهذا شعور عام هو أشبه بالدلالة العقلية المجملة، لكن مع ذلك هذه الدلالة لا تعطي يقيناً بالبعث، ولا تعطي أيضاً خبراً عن تفاصيل البعث، وما بعد البعث؛ لأن أحوال القيامة والبعث وما يحدث فيها من أهوال، ثم بعد ذلك انقسام الناس إلى شقي وسعيد، وإلى منعم ومعذب، هذا أمر لا يدرك على التفصيل، حتى وإن أقرت بضرورته بعض العقول السليمة، لكن على التفصيل أنى للإنسان أن يدرك هذه الأمور الغيبية على التفصيل؟! فكان لا بد من الإيمان بالغيب والإيمان بالبعث على نحو ما ج
стр. 1053
اتفاق الأنبياء على الإيمان بالآخرة وموقف الفلاسفة من الأنبياء والبعث
قال رحمه الله تعالى: [وذلك أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان بالآخرة، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي؛ بيّن تفصيل الآخرة بياناً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء؛ ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ ، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري].
يقصد بالخطاب الجمهوري أن نظرة الفلاسفة للأنبياء نظرة خاصة؛ لأن الفلاسفة ليسوا من أتباع الأنبياء، فقد اتفق المحققون من أئمة السلف وغيرهم أن الفلسفة لم تأت إلا بمخالفة ما جاء به الأنبياء، الفلسفة بمعناها الاصطلاحي عند السلف، لا أقصد الفلسفة في العصر الحديث؛ لأن الناس توسعوا في مفهوم الفلسفة في هذا العصر، لكن الفلاسفة بمفهوم العلماء في القرون الأولى إلى وقت قريب هم من لم يؤمن بالنبوات، أو إيمانهم بالنبوات منحرف، فلا يمكن أن يكون فيلسوفاً ومؤمناً بالنبيين على وجه الحقيقة، قد يكون هناك إيمان إجمالي؛ فلذلك مبدأ الفلاسفة يقوم على اعتبار أن الأنبياء ما هم إلا أناس عباقرة، عندهم قدرات ومواهب عالية جبارة، استطاعوا أن يصنعوا للناس أشياء وتعاليم يقودون بها الأمم، وبمواهبهم العالية استطاعوا أن يجذبوا إليهم العوام، فخاطبوا الجمهور بخطاب عقلي نابع عن عبقرية ومواهب عالية.
وبعض الفلاسفة قد يفسر بعض أمور النبوة بشيء من التفسيرات الغيبية الوهمية لا الصحيحة، فيقول: نظراً للعقلية الجبارة والمواهب الجبارة عند النبي فقد تتصل به قوة خارجية وأرواح خارجية فتفيض عليه من فتوحاتها، فيقول بأقوال هي أشبه بالهستيريا.
هذه هي مذاهب الفلاسفة إلى يومنا هذا، وكل من أعرفهم من الفلاسفة الإسلاميين هذا كلامهم في النبوات، فالفلاسفة يقدرون الأنبياء ويحترمونهم، لكن على أنهم أناس عباقرة، لا أن الله أوحى إليهم، وإن فسروا الوحي فسروه بنحو خرافي.
إذاً معنى قولهم: إن خطاب الأنبياء خطاب جمهوري، أي: أن الأنبياء بعبقريتهم ومواهبهم العالية خاطبوا الجمهور بخطاب عقلي، فصار لهم أتباع، وصارت لهم ديانات صنعوها من عند أنفسهم، ولذلك كان أمثال العقاد يقول: ما النبوة قبل إبراهيم إلا نمط من الكهانة، وأن الأنبياء قبل إبراهيم ما هم إلا مجموعة من الكهان الذين يحترفون حرفة الكهانة أمام الأمم.
وكان العقاد يفسر النبوة تفسيراً خرافياً على نحو ما يقول الغرب.
стр. 1054
تبيين القرآن لمعاد النفس والبدن ومعرفة ذلك عند الأنبياء من آدم إلى محمد ﵈
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقرآن بيّن معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ على طريق التخييل، وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈.
وقد أخبر الله بها من حين أن أهبط آدم، فقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:٢٤ - ٢٥]، ولما قال إبليس اللعين: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٦ - ٣٨].
وأما نوح ﵇ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:١٧ - ١٨].
وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] إلى آخر القصة.
وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١].
وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠].
وأما موسى ﵇ فقال الله تعالى لما ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦] بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣] إلى قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
وقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقد أخبر الله في قصة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٣].
وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا، فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة، فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد يذكر فيها الدنيا والآخرة.
وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣].
وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣].
وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧].
وأخبر عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١].
وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١].
﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:١ - ٢]، إلى أن قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦ - ٧].
وذم المكذبين بالمعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس:٤٥].
﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُون
стр. 1055
الأسئلة
следующие страницы →