← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

شرح العقيدة الطحاوية [٨٦] من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبعث والجزاء، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب والصراط والميزان، وكلها ثابتة في نصوص الوحيين، وكل الأمم مقرة بالبعث الأخروي غير طوائف قليلة ورد في القرآن الكريم محاججتهم والرد عليهم.

стр. 1052

عقيدة الإيمان بالبعث وما يكون يوم القيامة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بالبعث، وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان): الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز وأقام الدليل عليه ورد على منكريه في غالب سور القرآن]. مسألة البعث من المسائل التي تكلمت فيها جميع الأمم، الأمم الكتابية والأمم غير الكتابية، وجميع الديانات والمذاهب الكبرى تتكلم عن البعث، وهم بين منكرين وهم القلة، وبين من يقرون بمبدأ البعث لكنهم يختلفون، فمنهم من يقر بمبدأ البعث على نحو تراثي، وهم أكثر الديانات، ما عدا الإسلام، فالإسلام لا شك أنه الدين الحق الذي أبان الله به الحق، فإن الإيمان بالبعث فيه، ومسائل البعث جملة وتفصيلاً جاءت في نصوص من الكتاب والسنة بينة، لا لبس فيها ولا غموض. والمنكرون للبعث تماماً قلة، وإن كان ورد ذكرهم في القرآن الكريم؛ لأن لهم وجوداً بين العرب وبين نُزاَّع الأمم، ويوجد ذلك في مذاهب الفلاسفة والدهريين وغيرهم. وأما أغلب الذين يؤمنون بالبعث فقولهم كقول المنكرين، بمعنى أن مؤدى قولهم هو إنكار البعث، حتى أهل الكتاب اليهود والنصارى الآن، فإيمانهم بالبعث شبيه بإيمان الأمم غير الكتابية، ومؤدى رأي غالب الأمم في البعث إلى إنكاره؛ لأنهم يقولون: إن البعث بعث الأرواح فقط، فأغلب الديانات الشرقية، والديانات اليونانية، والديانات القديمة، وكذلك الفلاسفة يتكلمون عن البعث؛ لأنه جاء عن الأنبياء، لكنهم يفسرونه بتفسير هو في الحقيقة إنكار للبعث. فبعضهم يرون أن البعث ما هو إلا نوع من التناسخ للأرواح، أي: أن أرواح البشر الموجودة الآن تنتقل إلى أجساد أخرى بعد الموت، وهذا هو البعث عندهم. وبعضهم يفسر البعث بأنه حلقة من حلقات الدنيا تعتبر الحلقة الأخيرة، وهذا موجود عند المجوس وعند بعض الصابئة وعند الرافضة، وعند الباطنية وبعض غلاة الصوفية. فيرون أن البعث ما هو إلا حياة أخرى لاحقة بالحياة الدنيا تعتبر انتصاراً لمن يقدسونه، وانتصاراً لهم على الآخرين. فكأن البعث عندهم حلقة من حلقات هذه الحياة الدنيا تعتبر هي الحلقة الأخيرة، يسعد فيها السعداء ويشقى فيها الأشقياء، على نحو خرافي عندهم. وهذا هو ما عليه أكثر الديانات الوضعية، فهو عند الصابئة وعند المجوس بمختلف دياناتهم، وعند أكثر الديانات الهندية، ويوجد عند بعض الرافضة، وعند غلاة الصوفية، وغلاة الفلاسفة وغيرهم، وأكثر الباطنية. لكن بعضهم يقول: إن هذه الحلقة تتكرر، بمعنى أن البعث يتكرر على مدار سنين معينة، يعدونها بآلاف السنين. فبعضهم يقول: ستة آلاف سنة، وبعضهم يقول: في كل ست وثلاثين ألف سنة، وبعضهم يقول: في كل ثلاثمائة وستين ألف سنة إلى آخره. فليس البعث عندهم بمعنى تبدل الأرض بغير الأرض، وأن الله يميت جميع الناس ثم يحييهم مرة أخرى، ويندر أن يوجد هذا التصور عندهم، حتى عند أصحاب الديانات الكتابية، فبعضهم يرى البعث تناسخاً، وبعضهم يرى البعث حلقات، وهو أيضاً نوع من التناسخ، وبعضهم يرى أن البعث هو الحلقة الأخيرة من هذه الحياة. فالإيمان بالبعث حتى عند الأمم الكتابية لا يخلو من هذه التصورات الفاسدة، فلا يوجد من يؤمن بالبعث على نحو صحيح سليم إلا المسلمون. وإن وجد من يؤمن به كذلك فعددهم قليل، وليس هو مذهباً سائداً عند غير المسلمين، ولا حتى عند أهل الكتاب. ولا شك أن العقول السليمة تدرك ضرورة الإيمان بالبعث، فبعض العقلاء حتى وإن لم يكونوا مسلمين عندهم هذا الشعور، وهو شعور فطري، غريزي؛ لأننا إذا قلنا: إن وجود البشر في هذه الدنيا جاء عن إبداع وعن حكمة ولا شك في ذلك، فنحن نرى الناس يموتون والأمم تنقضي وتفنى، وبينها تفاوت في الأقدار وفي الأعمار وفي الرزق وفي الحظوظ، وهناك الظالم والمظلوم، وفي هذه الدنيا من استكمل نصيبه وحظوظه، وفيها من لم يستكمل، فيموتون على هذا الشكل بتفاوتهم، مما يوجب عند العاقل ضرورة أن يكون هناك حلقة أخرى تكون فيها المساواة، ويكون فيها العدل المطلق، وإن كنا نعرف أن الله عدل بين الخلق في الدنيا والآخرة، لكن هناك أمور غيبية لا ندركها. فالظاهر من كثير الناس الذين ليس عندهم إدراك لحكمة الله أو قناعة بأحكام الله على التفصيل أنهم يشعرون بالضرورة وبالغريزة من أنه لا بد من استكمال حلقات الدنيا، أو حظوظ البشر والأمم على نحو ما، فيوجد عندهم الشعور بضرورة البعث، فهذا شعور عام هو أشبه بالدلالة العقلية المجملة، لكن مع ذلك هذه الدلالة لا تعطي يقيناً بالبعث، ولا تعطي أيضاً خبراً عن تفاصيل البعث، وما بعد البعث؛ لأن أحوال القيامة والبعث وما يحدث فيها من أهوال، ثم بعد ذلك انقسام الناس إلى شقي وسعيد، وإلى منعم ومعذب، هذا أمر لا يدرك على التفصيل، حتى وإن أقرت بضرورته بعض العقول السليمة، لكن على التفصيل أنى للإنسان أن يدرك هذه الأمور الغيبية على التفصيل؟! فكان لا بد من الإيمان بالغيب والإيمان بالبعث على نحو ما ج

стр. 1053

اتفاق الأنبياء على الإيمان بالآخرة وموقف الفلاسفة من الأنبياء والبعث قال رحمه الله تعالى: [وذلك أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان بالآخرة، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي؛ بيّن تفصيل الآخرة بياناً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء؛ ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ ، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري]. يقصد بالخطاب الجمهوري أن نظرة الفلاسفة للأنبياء نظرة خاصة؛ لأن الفلاسفة ليسوا من أتباع الأنبياء، فقد اتفق المحققون من أئمة السلف وغيرهم أن الفلسفة لم تأت إلا بمخالفة ما جاء به الأنبياء، الفلسفة بمعناها الاصطلاحي عند السلف، لا أقصد الفلسفة في العصر الحديث؛ لأن الناس توسعوا في مفهوم الفلسفة في هذا العصر، لكن الفلاسفة بمفهوم العلماء في القرون الأولى إلى وقت قريب هم من لم يؤمن بالنبوات، أو إيمانهم بالنبوات منحرف، فلا يمكن أن يكون فيلسوفاً ومؤمناً بالنبيين على وجه الحقيقة، قد يكون هناك إيمان إجمالي؛ فلذلك مبدأ الفلاسفة يقوم على اعتبار أن الأنبياء ما هم إلا أناس عباقرة، عندهم قدرات ومواهب عالية جبارة، استطاعوا أن يصنعوا للناس أشياء وتعاليم يقودون بها الأمم، وبمواهبهم العالية استطاعوا أن يجذبوا إليهم العوام، فخاطبوا الجمهور بخطاب عقلي نابع عن عبقرية ومواهب عالية. وبعض الفلاسفة قد يفسر بعض أمور النبوة بشيء من التفسيرات الغيبية الوهمية لا الصحيحة، فيقول: نظراً للعقلية الجبارة والمواهب الجبارة عند النبي فقد تتصل به قوة خارجية وأرواح خارجية فتفيض عليه من فتوحاتها، فيقول بأقوال هي أشبه بالهستيريا. هذه هي مذاهب الفلاسفة إلى يومنا هذا، وكل من أعرفهم من الفلاسفة الإسلاميين هذا كلامهم في النبوات، فالفلاسفة يقدرون الأنبياء ويحترمونهم، لكن على أنهم أناس عباقرة، لا أن الله أوحى إليهم، وإن فسروا الوحي فسروه بنحو خرافي. إذاً معنى قولهم: إن خطاب الأنبياء خطاب جمهوري، أي: أن الأنبياء بعبقريتهم ومواهبهم العالية خاطبوا الجمهور بخطاب عقلي، فصار لهم أتباع، وصارت لهم ديانات صنعوها من عند أنفسهم، ولذلك كان أمثال العقاد يقول: ما النبوة قبل إبراهيم إلا نمط من الكهانة، وأن الأنبياء قبل إبراهيم ما هم إلا مجموعة من الكهان الذين يحترفون حرفة الكهانة أمام الأمم. وكان العقاد يفسر النبوة تفسيراً خرافياً على نحو ما يقول الغرب.

стр. 1054

تبيين القرآن لمعاد النفس والبدن ومعرفة ذلك عند الأنبياء من آدم إلى محمد ﵈ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقرآن بيّن معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ على طريق التخييل، وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈. وقد أخبر الله بها من حين أن أهبط آدم، فقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:٢٤ - ٢٥]، ولما قال إبليس اللعين: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٦ - ٣٨]. وأما نوح ﵇ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:١٧ - ١٨]. وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] إلى آخر القصة. وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١]. وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. وأما موسى ﵇ فقال الله تعالى لما ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦] بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣] إلى قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. وقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقد أخبر الله في قصة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٣]. وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا، فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة، فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد يذكر فيها الدنيا والآخرة. وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣]. وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣]. وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. وأخبر عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]. وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]. ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:١ - ٢]، إلى أن قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦ - ٧]. وذم المكذبين بالمعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس:٤٥]. ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُون

стр. 1055

الأسئلة

стр. 1056

اختلاف السلف في مستقر الأرواح بعد الموت السؤال كيف اختلف السلف في مستقر الأرواح بعد الموت مع أنها مسألة غيبية لا مجال للرأي فيها؟ الجواب بعض المسائل التي اختلف فيها السلف ولم يتفقوا فيها على قول، وهي من أمور الغيب، استنتجوها أو استروحوا القول فيها من النصوص لا على سبيل الجزم، بعضهم قد ينتزع من بعض النصوص مفاهيم أو أحكاماً معينة لا يجزم بها، لكن يفهمها إما بالمفهوم وإما بظاهر النص من غير جزم، وإما بقرائن أو بسياقات وغيرها، فأغلب المختلف فيها من الأمور الغيبية عند السلف نجدها مما يتنازع فهم الناس فيها، لا على أنهم يقولون فيها بغير علم مطلقاً، إنما قد يفهم من بعض النصوص بعض الأحكام أو بعض الأشياء نظراً لاختلاف المعنى، فيكون الاختلاف؛ لأن النصوص الغيبية منها ما هو قطعي الدلالة قطعي المعنى فهذا لا خلاف فيه، ومنها ما هو ثابت في دلالته أي في نصه، لكن اختلف في معناه، فهذا اختلفوا فيه على اختلاف فهومهم في النصوص، ولذلك فإنهم يدخلونه تحت مشكل الآثار أو مشكل النصوص، أي: ما يشكل عند صاحب النظر لا في ذات النص، وهذا قليل جداً، ولا يدخل في الأصول، إنما يدخل في الفرعيات.

стр. 1057

شرح العقيدة الطحاوية [٨٧] أدلة البعث العقلية والنقلية مبثوثة في النصوص الكثيرة، وما يدعيه المنكرون من أدلة هي في حقيقتها أوهام وخيالات كاذبة وأساطير منافية للحس والعقل، كما أن جزاء الأعمال في الآخرة من ثواب أو عقاب هو مما أوضحته النصوص وبينته بجلاء، وكذلك العرض والحساب والميزان كله في آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ ، لا يكابر أحد في ذلك ولا يماري.

стр. 1058

تابع عقيدة الإيمان بالبعث وما يكون يوم القيامة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وللحجة تقدير آخر: وهو لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما، فإنه قادر على أن يفنيكم، ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة، فما الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون سؤالاً بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت جسومنا وفنيت؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥١]، فلما أخذتهم الحجة، ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع، وهو قولهم: متى هو؟ فأجيبوا بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:٥١]. ومن هذا قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]، إلى آخر السورة، فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان، أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها، في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز، ووضع الأدلة، وصحة البرهان؛ لما قدر، فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جواباً، فكان في قوله: (ونسي خلقه) ما وفى بالجواب، وأقام الحجة، وأزال الشبهة، ولما أراد سبحانه من تأكيد الحجة وزيادة تقريرها، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، إذ كل عاقل يعلم علماً ضرورياً أن من قدر على هذه قدر على هذه، وأنه لو كان عاجزاً عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز، ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه، وعلمه بتفاصيل خلقه، أتبع ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩]، فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته ومواده وصورته، فكذلك الثاني، فإذا كان تام العلم كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جواباً عن سؤال آخر يقول: العظام صارت رميماً، وعادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لابد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة، بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معاً، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٨٠]. فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة، من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، الذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه، هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه، من إحياء العظام وهي رميم]. وفي مثل هذه الحجة نجد أن الخصم لا بد أن ينقطع، يعني: إذا كان الخصم منصفاً عاقلاً يريد الحق أصلاً، أما إذا كان لجوجاً، فاللجوج ينكر البدهي، وهذه الحجة بدهية وفطرية وبرهانية وتطبيقية في وقت واحد، تجتمع فيها جميع معاني إقامة الحجة، فهي حجة شرعية وعقلية، وهي أيضاً من البدهيات، ولذلك لا يمكن لأحد من البشر مهما أوتي من قوة في الذكاء والمقدرة والوسائل العلمية أن يأتي بدليل على البعث مثل هذا الدليل، أو يأتي بحجة على البعث مثل هذه الحجة، ولذلك لما تكلف المتكلمون بعد عصر الصحابة الذين بزعمهم أرادوا أن ينصروا الحق بالقواعد العصرية، لما تكلفوا الحجج العقلية لم يأتوا بمثل هذا البرهان، بل في الغالب أنهم سلكوا مسالك وعرة ملبسة عسرة الفهم، وعسرة الألفاظ لبيان أو إقامة الحجة على البعث، ثم هم لم يصلوا إلى مثل هذه النتيجة ولا إلى قريب منها، وكثير من المتكلمين الذين زعموا أنهم أتوا بالأدلة العقلية على البعث ذهل عن هذا الدليل، ولو استعمله واكتفى به لاستراح من تسويد المجلدات العظيمة بلا طائل، وفي النهاية ما وصلوا إلا إلى التشكيك أحياناً أو إلى إنكار بعث الأجساد، أو إلى أدلة واهية لا تقوم بها حجة ولا تستبين للمخاصم أو المجادل، سواء كان المجادل عنيداً أو كان ممن يريد الحق، لكن لم يهتد إليه. إذاً: هذا البرهان على البعث يكفي عن كل الأدلة والوسائل العلمية التي يسلكها الناس، وقد اجتمعت في هذه الأدلة ما يدل على البعث، فلذلك ينبغي للمسلم دائماً في أي قضية يريد أن يستدل فيها، ينبغي له أن يتحرى أدلة القرآن، وألا يحيد عن الدلالة القرآنية، إلا بمزيد من الشرح لبعض المعاني التي قد يجهلها الخصم في معاني الألفاظ، أو ترتيب النتائج على المقدمات التي وردت في القرآن، فكل أمر من الأمور الشرعية والعقلية سواء في عالم الشهادة أو في عالم الغيب له دليل في القرآن، فلا يمكن للناس أن يأتوا بأفضل منه، وهو يناسب جميع البشر بجميع لغاتهم، فالأدلة والبراهين القرآنية التي وردت في الاستدلال على قضايا الدين، سواء في باب الإيمان بالله ووحدانيته أو بالبعث أو بسائر أصول الدين، قد اشتملت على كل عناصر الإقناع لأي صنف من البشر، على اختلاف لغاتهم، لكن الذين يفقهون العربية لا شك أنهم سيعرفون الدليل مباشرة من القرآن، و

стр. 1059

الاستدلال بالشيء الأجلِّ الأعظم على الأيسر الأصغر في إثبات البعث والمعاد قال رحمه الله تعالى: [ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجلِّ الأعظم على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل، فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتداراً، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس:٨١]، فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهما وكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظاماً قد صارت رميماً، فيردها إلى حالتها الأولى، كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف:٣٣]. ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر، وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة، ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلة ومعين، بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته، وقوله للمكون: (كن) فإذا هو كائن، كما شاء وأراده. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٤٥]. ومن هذا قوله سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠]، فاحتج سبحانه على أنه لا يتركه مهملاً عن الأمر والنهي والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء، كما قال تعالى: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، إلى آخر السورة. فإن من نقله من النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم شق سمعه وبصره، وركّب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال، كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب، بالقول الوجيز، الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وكم في القرآن من مثل هذا الاحتجاج، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج:٥]، إلى أن قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] إلى أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦]. وذكر قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم موتى ثلاثمائة سنة شمسية، وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]. والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة لهم في المعاد خبط واضطراب، وهم فيه على قولين: منهم من يقول: تعدم الجواهر ثم تعاد. ومنهم من يقول: تفرق الأجزاء ثم تجمع. فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا؟ وأورد عليهم: أن الإنسان يتحلل دائماً، فماذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض، فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان. والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل تراباً، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاماً ولحماً، ثم أنشأه خلقاً سوياً، كذلك الإعادة، يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في الصحيح عن

стр. 1060

ما جاء في جزاء الأعمال في الآخرة [وقوله: (وجزاء الأعمال) قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥]. والدين: الجزاء، يقال: كما تدين تدان، أي كما تجازي تجازى، وقال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام:١٦٠] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:٨٤]. وأمثال ذلك. وقال ﷺ ، فيما يروي عن ربه ، من حديث أبي ذر الغفاري ﵁: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). وسيأتي لذلك زيادة بيان عن قريب، إن شاء الله تعالى].

стр. 1061

عقيدة العرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب). قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٥ - ١٨] إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق:٦ - ١٥]. ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٨] ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨]. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥]، الآية، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]. ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. وروى البخاري ﵀ في صحيحه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله! أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]؟! فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلكِ العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)، يعني: أنه لو ناقش في حسابه لعبيده لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولكنه تعالى يعفو ويصفح، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور). وهذا صعق في موقف القيامة، إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذٍ يصعق الخلائق كلهم. فإن قيل: كيف تصنعون بقوله في الحديث: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش)؟ قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين فجاء هذان الحديثان هكذا: أحدهما: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق)، كما تقدم، والثاني: (أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة)، فدخل على الراوي هذا الحديث في الآخر، وممن نبه على هذا أبو الحجاج المزي، وبعده الشيخ شمس الدين بن القيم، وشيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير ﵏. وكذلك اشتبه على بعض الرواة فقال: (فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ، والمحفوظ الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول، وعليه المعنى الصحيح، فإن الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء، فموسى ﵇ إن كان لم يصعق معهم فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكاً، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضاً عن صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى العظيم ولا تهمله. وروى الإمام أحمد والترمذي وأبو بكر بن أبي الدنيا عن الحسن قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله ﷺ : (يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فعرضتان: جدال ومعاذير، وعرضة تطاير الصحف، فمن أوتي كتابه بيمينه، وحوسب حساباً يسيراً دخل

стр. 1062

الإيمان بالصراط وقوله: (والصراط): أي: ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة ﵂: (إن رسول الله ﷺ سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر). وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم. وروى البيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله ﵁ قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا طُفِئَ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحضٌ مزلة، فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرحل، ويرمل رملاً، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تجر يد وتعلق يد، وتجر رجل، وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، قال: فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منكِ بعد أن أراناكِ، لقد أعطانا الله ما لم يعطِ أحداً) الحديث.

стр. 1063

معنى الورود في قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢]. وفي الصحيح أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة فقلت: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢]). أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا يستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه؛ يقال: نجاه الله منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ [هود:٥٨]. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ [هود:٦٦]. ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾ [هود:٩٤]، ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك. وكذلك حال الواردين النار يمرون فوقها على الصراط، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢]، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور أن الورود هو المرور على الصراط. وروى الحافظ أبو نصر الوائلي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (علِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة، فلا تحدثن في دين الله حدثاً برأيك)، أورده القرطبي. وروى أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد عن يعلى بن منية عن رسول الله ﷺ قال: (تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جُزْ يا مؤمن! فقد أطفأ نورك لهبي)]. أمور القيامة تسمى السمعيات أو الخبريات؛ لأنها لا سبيل إلى إثباتها إلا بما ثبت عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ؛ لأن العقول لا تحيط بدقائق هذه الأمور، لكن عقول البشر قد تدرك في الجملة ضرورة البعث، أما تفاصيل ما يحدث يوم القيامة من البعث والنشور والعرض والجزاء والحساب والصحف والصراط والميزان وغير ذلك، فهذه أمور لا يمكن أن تَرِدَ على خاطر أحد؛ لأنها أمور لا يعرف الناس دقائقها، فلا بد من الإيمان بها كما جاءت، والتسليم بأنها حق على حقيقتها. فالعرض معناه: أن العباد يعرضون على الله . والحساب معناه: أن الله يحاسب كل واحد منهم، ويحاسبهم جميعاً في وقت واحد، وكل واحد يظن أن الله لا يحاسب غيره ولا يناجي غيره، والله على كل شيء قدير. وكذلك الكتاب هو كتاب حقيقي، وأن كل إنسان سيقرأ كتابه المتعلم والأمي، فالله يمكن حتى غير القارئين من أن يقرءوا كتبهم، فهو سبحانه على كل شيء قدير. والكتاب هو الصحيفة، وقيل: إن الكتاب غير الصحيفة، وقيل: إن الكتاب هو ما فيه تفاصيل الأعمال التي كتبها الكرام الكاتبون، وأن الصحيفة هي خلاصة النتيجة وأشبه بالشهادة، وكل ذلك حق، فقد وردت النصوص بهذا وذاك، والثواب والعقاب الذي هو جزاء ذلك. ثم ذكر الصراط وهو أمر حسي معلوم موصوف، وفي كل ما أشار إليه الشارح رد على الذين زعموا أن هذه الأمور ما هي إلا أمور توهيمية، أو أنها دلالات على معان لا على أشياء، فقال: الصراط هو الحق والعدل، وقال: إن الميزان هو العدل أيضاً إلى آخره. فهذه الآيات والأحاديث الواردة تثبت أن هذه الأمور أمور حسية حقيقية أخبرنا الله بها، فلا مجال لتأويلها، بل لا بد أن نؤمن بها كما جاءت، فمثلاً في حديث البيهقي: ذكر وصف الصراط، ووصف بعض ما يحدث للناس على الصراط من وجود النور للمؤمنين، وتفاوت النور بينهم، وهذا حق لا بد أن يثبت على حقيقته، وأنه أمر مادي محسوس يوم القيامة، وليس تعبيراً عن أمور معنوية، كذلك الصراط ووصفه بهذه الأوصاف، وأنه كحد السيف وأنه دحض، يعني: زلق، مزلة، ومزلة وصف لمعنى دحض، وأن الناس يمرون بهذا الصراط على قدر أعمالهم، فمرورهم أيضاً موصوف بهذه الأوصاف، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، وفي بعض الروايات كالبرق، ومنهم كالريح إلى آخره، وأن هذا الصراط صراط حقيقي على متن جهنم، وليس مجرد معان أو أمور معنوية يرمز فيها إلى رموز غير حقيقية، كما يقول الفلاسفة وأتباعهم من الجهمية وبعض المعتزلة، وكثير ممن يسمون أنفسهم بالعقلانيين والعصرانيين في العصر الحديث، فإنهم تعرضوا لهذه الأمور بالتأويل الذي يؤدي إلى إنكارها وتعطيلها. نس

стр. 1064

شرح العقيدة الطحاوية [٨٨] نصب الميزان يوم القيامة لوزن أعمال العباد من كمال عدل الله وظهوره على خلقه؛ لأنه لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، والميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان يوزن فيه الرجل مع عمله كما دلت النصوص على ذلك، وأما من ينفي الميزان من أهل البدع في الآخرة أو يتأوله ولا يصدق بالنصوص والآثار التي تثبت حقيقة الميزان، فهذا حري بأن لا يقيم الله له وزناً يوم القيامة.

стр. 1065

حقيقة الميزان في الآخرة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والميزان) أي: ونؤمن بالميزان، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]. قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة؛ فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها. قال: وقوله: ((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)) يحتمل أن يكون ثَمَّ موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم.

стр. 1066

كفتا الميزان والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان، روى الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب! فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل فيقول: لا يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم). وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا من حديث الليث، زاد الترمذي: (ولا يثقل مع اسم الله شيء). وفي سياق آخر: (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة) الحديث.

стр. 1067

وزن العمل مع العامل وفي هذا السياق فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥]). وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود: (أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تدفعه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : ممَ تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله! من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده! لهما أثقل في الميزان من أحد). وقد وردت الأحاديث أيضاً: بوزن الأعمال أنفسها، كما في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) الحديث. وفي الصحيحين -وهو خاتمة كتاب البخاري - قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). وروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً). فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام، فإن الله يقلب الأعراض أجساماً كما تقدم، وكما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بالموت كبشاً أغبر، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، ويقال: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح، ويقال: خلود لا موت)، ورواه البخاري بمعناه. فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات. فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولا نقصان.

стр. 1068

الرد على من ينفي الميزان ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع، لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً. ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فلا أحد أحب إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه؟ فتأمل قول الملائكة لما قال الله لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. وقد تقدم عند ذكر الحوض كلام القرطبي ﵀: أن الحوض قبل الميزان والصراط بعد الميزان، ففي الصحيحين: (أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة). وجعل القرطبي في التذكرة هذه القنطرة صراطاً ثانياً للمؤمنين خاصة، وليس يسقط منه أحد في النار، والله تعالى أعلم].

стр. 1069

الأسئلة

стр. 1070

مدى صحة القول بأن الصراط لا يمر عليه إلا المؤمنون فقط السؤال ما صحة القول بأن الصراط لا يمر عليه إلا المؤمنون فقط؟ الجواب الصراط لا يتجاوزه إلا المؤمنون، لكن جميع البشر يمرون على الصراط، وقد ورد في بعض النصوص أن هناك من المسلمين ومن المؤمنين من لا يمرون بالصراط، لكن هذا مرجوح، والصحيح أن جميع البشر يمرون بالصراط، لكنّ المؤمنين يتجاوزون الصراط ويقطعونه دون أن يتكردسوا في النار نسأل الله العافية، أما الكفار والمنافقون وأهل الكبائر، الذين قدر الله عليهم أن يعذبوا، فإنهم يتكردسون في جهنم بعد أن يكونون على الصراط. وما أشار إليه القرطبي كلام مرجوح، وجه به بعض النصوص، لكن الصراط العام الذي ورد ذكره في عموم النصوص هو الذي يمر به جميع البشر، لكن لا يتجاوزه ولا يقطعه وينجو منه إلا من أراد الله له ذلك، وهم المؤمنون.

стр. 1071

عدم التعارض بين دخول الأمم الكافرة النار مع معبودها وبين سقوطهم من على الصراط السؤال هل هناك تعارض بين سقوط كل أمة مشركة مع ما تعبد من حجر وبشر وشجر وغير ذلك وبين كونهم يمرون على الصراط فيسقطون منه؟ الجواب الحديث الذي ذكر أن كل أمة تصور لها ما كانت تعبد، ثم تتبعه وتسقط في جهنم، هذا سقوط جماعي، ما فيه دلالة على نوعية السقوط في الصراط، وأيضاً ما ورد أن قوم فرعون يردون معه جهنم، وأن أهل النار يدخلونها زمراً، وأنهم يساقون من قبل الملائكة، كل هذه مشاهد لا تتناقض، بمعنى أنه لا يمنع أن يكون ذلك إما بعد الصراط مباشرة أو قبل الصراط على نحو جماعي. والصراط هو مرحلة من المراحل وهو على متن جهنم، فلا تعارض بين النصوص؛ لأن هذه مسألة غيبية، لا يمنع أن يكون هذا وهذا، وأن هذه الأمور تعد مراحل يمر بها العباد، كما أن الحشر نفسه فيه بعث ثم وقوف ثم عرض ثم حساب ثم صحف، والصحف نوعان: منها: الصحف الخاصة التي هي أشبه بالشهادات، ومنها: الصحف التي هي السجلات، ثم وزن، وبعد ذلك يأتي تقسيم الناس إلى أصناف، وكل صنف يذهب على حدة، فالأمور التي تدل على ما يحصل للأفراد لا تتعارض مع الأمور التي تدل على ما يحصل للناس كجماعات وكأمم، فإنها مشاهد من مشاهد القيامة وحلقات من حلقاتها الله أعلم بتفاصيلها.

стр. 1072

ما جاء في الورود المذكور في الآية السؤال ما معنى الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] وحقيقة هذا الورود؟ الجواب أخبر النبي ﷺ أن الجميع سيردون، لكن كيف هذا الورود؟ هذا هو الذي لا نستطيع أن نتحكم به في أذهاننا؛ فهو ورود غيبي لا يعلمه إلا الله ، فعلى هذا لا يمكن أن نقصر الأمور على كيفيات معينة، وربما يكون الورود وروداً عاماً وورداً خاصاً، وما ورد من أن هناك من المؤمنين من لا يحاسبون، وهم في ظل الله ، فهذا لا يمنع من أن يكون هذا نوعاً من الجزاء، وأنهم حين يمرون على الصراط على متن جهنم يمرون ولا يشعرون، فالذين يمرون كالبرق هم بمثابة من لا يمرون، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم؛ لأن لمحة البرق لا تشعر الإنسان بأنه مر على شيء، فيجمع بين النصوص على هذا النحو، أو كل نص يكون له معنى، وما دام من الأمور الغيبية فلا يجوز أن يتوهم التعارض.

стр. 1073

شرح العقيدة الطحاوية [٨٩] من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، والقول بفناء النار مخالف لنصوص القرآن والسنة، ومسألة القول بحوادث لا أول لها أو تسلسل الحوادث أو القول بحلول الحوادث بذات الرب ﵎، كلها أقوال وبدع محدثة لها لوازم وإيرادات، وكل هذه الأقوال ناتجة عن خلل في التصور وعدم فهم منهج السلف وضبط المصطلحات الشرعية.

стр. 1074

الجنة والنار مخلوقتان وهما موجودتان الآن ولا تفنيان أبداً قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له). أما قوله: (إن الجنة والنار مخلوقتان) اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة، وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة، فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم]. هناك نصوص تدل على أن الجنة مخلوقة الآن، وكما سيقرر الشارح بعد قليل أن الجنة في أصلها موجودة، وكثير مما فيها موجود مخلوق، لكن قد يكون من بعض أنواع النعيم التي يعد الله بها عباده ما يتجدد خلقه، فالتسبيح الذي هو غرس الجنة، يغرس الله به للعباد جزاءهم، وكثيراً من الأعمال يتجدد جزاؤها في نعيم الجنة بحسب تجدد الأعمال. فوجود الجنة حقيقي، هذا أمر معلوم، وهي مخلوقة الآن، وكذلك النار مخلوقة الآن وموجودة، وكثير من أنواع النعيم فيها مخلوقة وموجودة، لكن بعض أنواع النعيم يخلق ويتجدد بحسب أعمال العباد كما ورد في النصوص.

стр. 1075

النصوص الواردة في إثبات وجود الجنة والنار الآن قال رحمه الله تعالى: [فمن نصوص الكتاب قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]. ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:٢١]. وعن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلْطَّاغِينَ مَآباً﴾ [النبأ:٢١ - ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٣ - ١٥]]. القرآن جاء بلسان عربي مبين، والله تكلم به ولا يتكلم الله إلا بالحق، والإعداد المذكور في الآيات هو الخلق والوجود السابق. قال رحمه الله تعالى: [وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى، كما في الصحيحين من حديث أنس ﵁ في قصة الإسراء، وفي آخره: (ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك). وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة). وتقدم حديث البراء بن عازب ﵁، وفيه: (ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها)، وتقدم حديث أنس بمعنى حديث البراء. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله ﷺ : رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني أقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت)]. هذه أحاديث صريحة بأن الجنة والنار موجودتان. أما قوله: (فأفرشوه من الجنة) أي: أن الميت إذا كان من أهل الصلاح والاستقامة يفرش له من الجنة، ويرى منزله من الجنة رؤية حقيقية؛ لأن هذه الأخبار حق، وتقع في زمن الدنيا، وإلا فأحوال البرزخ وأحوال القبر تختلف عن أحوال الدنيا، لكنها في زمن الدنيا الذي يعيشه الأحياء إذا مات الميت من هؤلاء الأحياء فإن كان من أهل الخير يرى منزله من الجنة، ويفرش له من الجنة، فتكون الجنة موجودة معاينة، وأخبر النبي ﷺ -وخبره الصدق والحق- في أثناء المعراج بما رآه، وكذلك أخبر ﷺ حينما كسفت الشمس أنه رأى الجنة ورأى النار عياناً، كما ورد في الحديث الصحيح، وهذا دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان، وأن هذه الأخبار ليست أخباراً توهيمية تخييلية، كما يزعم الفلاسفة وأذناب الفلاسفة، ممن لا يؤمنون بالله ولا برسله. قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال: إني رأيت الجنة فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرَ منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت خيراً قط). وفي صحيح مسلم من حديث أنس: (والذي نفسي بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيراً، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار). وفي الموطأ والسنن من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة). وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. وفي صحيح مسلم والسنن والمسند من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك! لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها ثم

стр. 1076

شبهة القائلين بعدم وجود الجنة الآن والرد عليهم قال: [وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة، وأن يهلك كل من فيها ويموت؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، قال: هذا حديث حسن غريب. وفيه أيضاً من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) قال: هذا حديث حسن صحيح. قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغاً منها لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى، قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١]؟]. هذه الشبهات كلها قالها بعض المعتزلة والجهمية والفلاسفة، حتى ممن يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، ليس في الإسلام فلسفة وليس من المسلمين فلاسفة، لكن سموا إسلاميين؛ لأنهم يدّعون الإسلام، وإلا فأغلبهم ينزعون إلى الباطنية، فلذلك فإن الفلاسفة الإسلاميين كـ ابن سينا وابن رشد وابن الفارض وابن سبعين والسهروردي وغيرهم، هؤلاء أغلبهم من الباطنية، ومن لم يكن باطني الأصل، فهو لا يؤمن بكثير من أمور الإسلام، إنما هم على مذاهب الفلاسفة وإن ادعوا الإسلام. وقوله: (وأما على قول من قال: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج منها) يعني: أن الجنة موجودة؛ لأن جنة آدم التي كان فيها جنة حقيقية، عاش فيها آدم جزءاً من عمره، ثم حدثت البلوى التي ابتلاه الله بها، وقصته مع الشيطان، ثم نزل إلى الأرض، وقصة آدم مع إبليس، وإنزال آدم من الجنة إلى الأرض، هذا دليل قاطع على أن الجنة كانت موجودة، وأنها لا تزال موجودة؛ لأن آدم نزل من جنته الحقيقية إلى هذه الدنيا، وهو قول السلف. وهذه الشبهات تلبس على من ليس عنده علم شرعي، وعلى من لم يكن عنده بصيرة في العلم الشرعي ولا يرجع إلى أهل العلم، فمن هذه الشبهات أولاً: أنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى يوم القيامة؛ لأن الله وعد بفناء كل شيء، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، هذا أولاً. ثانياً: قولهم: إن الجنة لو كانت مخلوقة لما قيل: إن غراسها التسبيح، فهذا دليل على أنها تُنْشَأ فيما بعد؛ بسبب أعمال العباد. نقول: هذا دليل عليهم وسيأتي. وكذلك قولهم عن امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١]، قالوا: هذا دليل على أن الجنة غير موجودة، إذ لو كانت موجودة لما دعت امرأة فرعون بأن يبني لها الله بيتاً في الجنة، ولكان البيت مبنياً من قبل، لكنها طلبت بناء البيت فيما بعد. هذه شبهات سيرد عليها المؤلف إجمالاً في الردود التالية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالجواب أنكم إن أردتم بقولكم: إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور، وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئاً بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أموراً أخر، فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر]. يعني: استدلالاتكم هذه لا تدل على أن أصل الجنة غير مخلوقة ولا موجودة، وإنما تدل على أن بعض نعيم الجنة يحدثه الله على نحو ما ذكر وورد في النصوص؛ بسبب أعمال العباد التي وفقهم الله إليها، وبسبب أيضاً ما وعد الله به عباده يوم القيامة، إذا دخلوا الجنة أنه يحقق لهم كل ما يتمنونه من نعيم، فما يحققه الله هو جديد، لكن أصل الجنة والكثير من نعيمها موجود ومخلوق الآن وقبل الآن. قال رحمه الله تعالى: [وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما، فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام، فمن كلامهم: أن المراد كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش فإنه سقف الجنة، وقيل المراد: إلا ملكه. وقيل: إلا ما أريد به وجهه. وقيل: إن الله تعالى أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا ف

стр. 1077

الأقوال في فناء الجنة والنار قال: [وقوله: (لا تفنيان أبداً ولا تبيدان). هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف، وقال ببقاء الجنة وفناء النار جماعة منهم من السلف والخلف، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرها. وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة، وكفروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض، وهذا قاله بأصله الفاسد الذي اعتقده، وهو امتناع وجود ما لا ينتهي من الحوادث، وهو عمدة أهل الكلام المذموم، التي استدلوا بها على حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يخلُ من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم. فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنعه في المستقبل، فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع، كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي، وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، فقال: بفناء حركات أهل الجنة والنار، حتى يصيروا في سكون دائم، لا يقدر أحد منهم على حركة. وقد تقدم الإشارة إلى اختلاف الناس في تسلسل الحوادث بالماضي والمستقبل، وهي مسألة دوام فاعلية الرب تعالى، وهو لم يزل رباً قادراً فعالاً لما يريد، فإنه لم يزل حياً عليماً قديراً، ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعاً عليه لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكناً لذاته من غير تجدد شيء، وليس للأول حد محدود حتى يصير الفعل ممكناً له عند ذلك الحد، ويكون قبله ممتنعاً عليه، فهذا القول تصوره كافٍ في الجزم بفساده]. في هذا المقطع عدة أمور يحسن الوقوف عندها بإيجاز.

стр. 1078

حقيقة ما نسب إلى بعض السلف من القول ببقاء الجنة وفناء النار أولاً: ما يتعلق بما أشار إليه الشارح من أن هناك من السلف والخلف من قال ببقاء الجنة وفناء النار، فهذه مسألة يخلط فيها كثير من الناس، وبعضهم نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وإلى تلميذه ابن القيم القول بفناء النار، وعند تأمل هذه المسألة عند شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن سبقهما ممن نسب إليه القول من السلف في هذه المسألة، فالمتأمل يجد أن الناس يخلطون بين مسألتين: بين مسألة القول بفناء النار، والقول بانقطاع العذاب، وهما مسألتان منفصلتان. ثم إنهم يخلطون بين ما يسوقه أهل العلم وبين ما يقولون به، فالقول بفناء الجنة والنار فناء مطلقاً لم يقل به أحد من السلف، وما نسب إلى بعض السلف من القول في النار دون القول في الجنة، فهو القول بانقطاع عذاب النار لا بفنائها، وفرق بين الفناء وانقطاع العذاب، وانقطاع العذاب لا يعني انتهاء مادة النار، إنما يعني انتهاء صورة التعذيب لأهلها على نحو معين، فهم اجتهدوا في سياقه، واستدلوا بعمومات النصوص من أن رحمة الله تسبق عذابه، فلا بد في نهاية الأزمان والآباد التي لا تتناهى أن تسبق رحمة الله عذابه، وتعم الرحمة جميع الخلق فتبقى الجنة، وهناك أيضاً من يبقى من أهل النار يعذبون آباداً لا تتناهى، لكن في النهاية يكون لها تناه أبدي، أو بعد سرمدية لا يعلمها إلا الله ، ويقصدون بذلك انقطاع العذاب. وهذا القول مرجوح ولا دليل عليه، إلا أدلة عامة ليست أدلة قطعية، فلذلك لا يلتفت إليه كما قال جمهور السلف، فجمهور السلف يقولون ببقاء النار وبقاء آبادها لمن قدر الله أنهم لا يخرجون منها، نسأل الله العافية، فهؤلاء لا يخرجون منها ويبقى عذابهم أبد الآباد. فمن قال: ينقطع عذابها ولا تنقطع النار، إنما هو اجتهاد ليس عليه دليل، وقد ساق هذا الاجتهاد شيخ الإسلام ابن تيمية دون أن يذكر رأيه فيه، فحمّله بعض الناس هذا القول، وكذلك ساقه ابن القيم دون أن يجزم بشيء، بمعنى أنه لم يفنده في بعض المقامات، أو أنه حكاه مجرد حكاية، فظن الناس أنه قوله، لكن عند التحقيق نجد أن قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم هو قول السلف: أن الجنة والنار لا تفنيان ولا تبيدان، وأن نعيم الجنة لا ينقطع، وأن عذاب النار لا ينقطع. وأن هناك طائفة من خلق الله مخلدون في النار لا ينقطع عذابهم أبداً، ممن لم تشملهم رحمة الله . هذا هو قول جمهور السلف ولم يخرج عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ولا ابن القيم، لكن -كما قلت- حكى كل منهما أقوالاً، وربما بعضهم يحكي القول كالمنتصر له في حين أنه يحكيه على لهجة من قالوه، هذا الذي يظهر لي من خلال تأملي لكلام شيخ الإسلام، وله في ذلك رسالة مستقلة حققت وطبعت الآن من قبل الدكتور محمد السمهري، وهي موجودة تباع في الأسواق، في مسألة فناء الجنة وفناء النار، فينبغي الرجوع إليها.

стр. 1079

مسألة القول بوجود حوادث لا أول لها ثانياً: ما يتعلق بحوادث لا أول لها في الماضي، فهذه فلسفة في الحقيقة تكلف فيها المتكلفون وتكلم بها المتكلمون قديماً وحديثاً، وهم ليسوا على شيء، ورد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية برد قوي عقلي مفحم، ولذلك ألزموه بلازم باطل لا يصح، اتهموه بأنه يقول: بأن هناك حوادث لا أول لها ولا آخر لها، واتهموه بأنه يقول بالتسلسل في الحوادث، واتهموه بأنه يقول بحلول الحوادث بذات الله سبحانه. وهذا كله باطل لم يقل به، إنما ألزموه به. وشيخ الإسلام حينما قال بالتسلسل أو بمنع التسلسل، فإنه فرق بين أمرين: فرق بين الحوادث المتعلقة بأفعال الله سبحانه، وبين الحوادث التي هي المخلوقات، وهذا التفريق لم يفهمه كثير من الناس الذين قرءوا كتب شيخ الإسلام، وأكثر خصومه لم يفهموه، أو فهموه؛ لكنهم نظراً لأنه يخالفهم ألزموه بما لم يتكلم به. فشيخ الإسلام ابن تيمية قال في مسألة حوادث لا أول لها أو بالتسلسل في البداية والنهاية في أفعال الله ، قال: هذه أزلية لا حد لها لا في البداية ولا في النهاية؛ لأن الله فعال لما يريد منذ الأزل وإلى الأبد إلى ما لا نهاية. لكن الجهمية وأتباعهم من الأشاعرة والماتريدية ينكرون الأفعال لله، فلذلك منعوا هذا وقالوا: إن ابن تيمية قال بحوادث لا أول لها ولا نهاية لها، مع أنه لم يقل ذلك، وإنما قال: إن قصدتم بالحوادث أفعال الله، وهو أن الله يفعل من الخلق والإحياء والإماتة والكلام والنزول والمجيء والرضا والغضب ونحو ذلك فصحيح؛ لأن أفعال الله لا أول لها ولا نهاية لها، سواء سميتموها حوادث أو لم تسموها، بدليل أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، ومن ذلك أفعاله سبحانه، فهو قادر على الخلق حتى قبل أن يخلق الخلق، وقادر على الرزق حتى قبل أن يوجد المرزوقين، وهو سبحانه فعال لما يريد منذ الأزل، كما أنه الآخر الذي ليس بعده شيء، فهو قادر على الأفعال إلى ما لا نهاية، يتكلم متى شاء سبحانه، ينزل متى شاء سبحانه، يخلق متى شاء، يحيي ويميت متى شاء، لا نهاية لأفعاله ولا بداية. فهم قالوا: إن هذا قول بتسلسل الحوادث، وألزموا شيخ الإسلام بما لم يلتزم به. أما الجانب الثاني: وهي أفعال العباد أو هي المخلوقات، فقال شيخ الإسلام: هذه المخلوقات المحدثات لا شك أن لها بداية؛ لأنها مخلوقة، ولها نهاية؛ لأنها تفنى، فهو فرق بين الحوادث التي هي أفعال الله، وبين الحوادث التي هي المحدثات المخلوقات. إذاً: من عرف هذه المسألة وعرف التفريق فيها أدرك صحة قول شيخ الإسلام ابن تيمية وأقوال السلف؛ لأن شيخ الإسلام ذكر أقوال السلف وساقها منذ عهد الصحابة إلى عصره، فلم يكتف بقوله، بل ساق أقوال السلف. ومن فرق في هذه المسألة عرف شناعة قول خصومه الذين شنعوا عليه، وقالوا: إنه قال بقيام الأفعال به سبحانه، وأنه قال بحوادث لا أول لها، وأنه صحح التسلسل في الحوادث إلى ما لا نهاية، وإلى ما لا بداية إلى آخره، فهم ألزموه بما لم يلتزم به؛ لأنهم ينكرون أفعال الله، بينما هو يقصد أن الحوادث مستمرة منذ الأزل، وإلى ما لا بداية لها ولا نهاية في أفعال الله، والله يحدث من خلقه وتدبيره وأمره ما يشاء متى شاء، ولا يقال بأنها تسلسل، ولا يجوز أن نسميها حوادث، لكن ما دام أنهم سموها بذلك فنحن نقول: إذا قصدتم بالحوادث أفعال الله، فأفعال الله لا نهاية لها ولا بداية، ولكن لا نسميها حوادث، وإن قصدتم بالحوادث المخلوقات فلا شك أن المخلوقات لها بداية ونهاية، لكن هذا ليس هو محل النزاع بيننا وبينكم، وليس هو محل النزاع بينكم وبين السلف، أنتم موهتم على الناس، ألزمتم السلف بألفاظ لم يقولوا بها، فالسلف غاية ما يقولون: إن أفعال الله -التي تسمونها الحوادث خطأ وزوراً- لا حد لها لا في البداية ولا النهاية. وأظن المسألة واضحة، وإذا طبقتموها على كثير من مسائل الخلاف في هذه القضية عرفتم وجه الصواب ووجه الخطأ في كثير مما يقوله الناس.

стр. 1080

الأسئلة

стр. 1081

معنى قول أبي هريرة: (حفظت وعاءين عن رسول الله بثثت أحدهما وأمسكت عن الآخر) السؤال جاء عن أبي هريرة ﵁: (أنه حفظ عن رسول الله ﷺ وعاءين بث أحدهما وأمسك عن الآخر، وقال: لو بثثت الآخر لقطع مني هذا وأشار إلى حلقه) السؤال ما المقصود بهذا؟ وهل هذا إشارة إلى الفتن التي تكون في الأمة؟ الجواب تضمن السؤال شيئاً من الجواب، نعم جاء عن أبي هريرة وعن بعض الصحابة ما يشير إلى ذلك؛ لأن الأحاديث التي رواها عن النبي ﷺ في عموم الدين على نوعين: نوع يدركه عامة الناس، ونوع لا يدركه إلا بعض الناس، وهم الراسخون في العلم، أو يكون من باب الإخبار عن أحوال شخص ائتمن الرسول ﷺ بعض الصحابة عليه، أو يكون متعلقاً بالفتن التي لم تتحقق، والإخبار عنها يوجد في قلوب عامة الناس شيئاً من الرعب والرهبة وشيئاً من اليأس والقنوط، فيحدث الصحابة بها طلاب العلم والعلماء، ولا يحدثون بها العامة، ولذلك كان الصحابة يعتبون على القصاص أن يتحدثوا بكل شيء، القصاص والوعاظ الذين ليس عندهم فقه في الدين، لكنهم يحفظون النصوص، وعندهم عاطفة، ويحبون الخير، فتجد الواحد منهم يعظ بما يعرف وبما لا يعرف، بما يدرك وبما لا يدرك، فلامهم الصحابة على ذلك، حتى إنهم لما كثر منهم الوعظ في عهد علي ﵁ انبرى لهم هو وغيره ومنعوهم، حتى كان ابن عمر وعبد الله بن الزبير وغيرهما يخرجونهم من المساجد بقوة، مع أنهم يقولون: قال الله قال رسوله، ويتحدثون ببعض الإسرائيليات التي يجوز الحديث عنها، لكن كانوا يحدثون الناس بما لا يعرفون، مثل: أحاديث الصفات عند العامة، ومثل: أحاديث الفتن وغير ذلك، فهذه الأمور تشكل على العامة. يقول علي بن أبي طالب ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ يعني: أنتم لا تقولون الكذب، لكن أتيتم بأشياء لا يستوعبها الناس. إذاً: الأحاديث عن النبي ﷺ بعضها ربما يكون خاصاً ببعض الناس، أو يكون خاصاً ببعض الفتن، أو لا يدركها إلا الراسخون في العلم، أو لا يستطيع أن يحدث بها إلا عالم يستطيع أن يبين للناس وجه الحق، ويزيل عنهم الالتباس، فالذي قال فيه أبو هريرة هذا القول هو من هذا النوع، والله أعلم.

стр. 1082

ذكر مراتب دخول المؤمنين الجنة السؤال هل قول من قال: إن المؤمنين يدخلون الجنة على طوائف: طائفة يدخلون الجنة بلا عذاب ولا حساب، وطائفة يدخلون الجنة بعد الصراط والفصل، وطائفة يدخلون الجنة بعد أن يمحصوا في النار وهم أهل الكبائر هل هذا القول صحيح؟ الجواب نعم، هذا تقسيم صحيح، ولا شك أن هناك من يدخلون الجنة بلا حساب، وهناك من يدخلون الجنة بعد تجاوز الصراط والمحن التي يمر بها العباد، وطائفة يدخلون الجنة بعد أن يطهروا وهم أهل الكبائر، هذا ورد في النصوص، وإن كانت هناك تقسيمات أكثر من هذه، فيمكن أن نقول: طائفة يدخلون الجنة دون أن يردوا الحوض، وهذا إذا قيل: إن الحوض بعد الصراط، أما على القول بأن الحوض قبل الصراط فربما يكونون من هؤلاء الذين يذادون، وربما يكونون من أهل الكبائر، فالله أعلم، ليس فيها نص صريح. وربما يقال أيضاً: إن الذين يدخلون الجنة ثلاثة أصناف، ويكون الصنف الرابع هم الذين يدخلون الجنة بلا حساب، وأنهم تفتح لهم أبواب الجنة، ومنهم من لا يدخلون الجنة إلا بعد شفاعة النبي ﷺ أن تفتح لهم أبوابها. إذاً: هذه أحوال كلها وردت وكلها صحيحة.

стр. 1083

شرح بيتين لابن القيم فيهما ذكر الأشياء التي لا تفنى السؤال هناك بيتان لـ ابن القيم يقول فيهما: ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلق والباقون في حيز العدم هي العرش والكرسي ونار وجنة وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم فما هو شرح هذين البيتين؟ الجواب ذكر أهل العلم بعض هذه الأشياء، وبعضها ثبتت في النصوص وبعضها ليس هناك دليل قاطع على بقائها وعدم فنائها، وقال بعضهم: إنها تفنى بصورة أخرى، يعني: تتحول من حال إلى حال. أما العرش والكرسي فلا شك أنه لا يشملهما العدم، وكذلك النار والجنة، وعجب الذنب كذلك ورد أنه أيضاً لا ينعدم، بمعنى: أنه يبقى عظماً، لكن لا يعني ذلك عدم الموت، فهذه مسألة خلافية، فالعظم الذي يكون في عجز الإنسان ويبقى فبقاؤه لا يعني عدم الموت؛ لأن الموت محكوم به على الإنسان نفسه، والإنسان قد تأكله الأرض كله وقد تبقى أجزاء منه، وقد وجد من بعض أجسام الأنبياء والشهداء من لم تمسه الأرض إلى الآن. فعلى هذا يبقى جسمه، لكن الفناء الذي هو الموت حصل، وكون بعض العظام تبقى لا يعني عدم الحكم بالموت، والتحول من خلق إلى خلق قد يسمى فناء وقد يسمى موتاً أيضاً، فالإنسان قد يأكله سبع، وقد يسقط في الماء وتأكله الحيتان، وقد يحترق، ومع ذلك تبقى ذرات جسمه على شكل رماد أو فضلات أو نحو ذلك. وكذلك اللوح والقلم والأرواح، أما الأرواح فالخلاف فيها راجع إلى طبيعة هذه الأرواح، هل هذه الأرواح أجسام؟ هل هي أعيان، أو هي أمور معنوية أو نحو ذلك؟ فالخلاف مبني على حقيقة هذه الأرواح وكيفيتها، والله أعلم. وقد ذكر كثير من أهل العلم ما ذكره ابن القيم من أن هذه الثمانية الأشياء لا تفنى. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية العرش والكرسي والنار والجنة وبين أنها لا تفنى، وأن هذا قول جمهور السلف، وأنها مستثناة. أما البقية فليس عندي فيها جزم، والله أعلم.

стр. 1084

شرح العقيدة الطحاوية [٩٠] وردت استثناءات في القرآن الكريم تفيد عدم أبدية النار، وقد اختلفت كلمات السلف في فهمها وتعددت الآراء حول هذه المسألة، وإن كانت الأدلة التي استدلوا بها لا تقوى أمام الأدلة الكثيرة التي تفيد عدم فناء النار، فضلاً عن أن هذا هو قول جمهور أهل السنة، وقد حكى ابن القيم ﵀ المسألة بالأدلة والتفصيل في كتابه (حادي الأرواح) وكتب فيها ابن تيمية ﵀ رسالة مستوفاة.

стр. 1085

الأقوال في أبدية الجنة قال رحمه الله تعالى: [فأما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر به، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] أي: غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٨]. واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار، ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء استثناه الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: (إلا) بمعنى (الواو)، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. وسيبويه يجعل (إلا) بمعنى (لكن) فيكون الاستثناء منقطعاً، ورجحه ابن جرير، وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت. أي: سوى ما شئت، أو لكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله، لا أنهم يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٨٦]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]. وقوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس:١٦] ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وقيل: إن: (ما) بمعنى (من) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء. وقيل: غير ذلك، وعلى كل تقدير فهذا الاستثناء من المتشابه. وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] محكم]. لا ندري ما المقصود بالاستثناء على سبيل الجزم، لكن حينما أورد ما بعد الاستثناء وهو قوله : ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] تبين أن الحكم هذا هو المقصود وهو يتضمن الأبدية، وأن الاستثناء راجع لأحد الأمور السابقة ما نستطيع أن نجزم بشيء من ذلك، ومع ذلك فإنه يدل على أن الله فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، لكنه حكم وأخبرنا بحكمه بأن هذا العطاء للمؤمنين غير مجذوذ، يعني: لا ينقطع أبداً. فهذا هو الحكم النهائي؛ لأنه جاء بعد الاستثناء. قال رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]. وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥]. وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨]. وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٨] تبين لك المراد من الآيتين، واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية وذاك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها. والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة، كقوله ﷺ : (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت). وقوله: (ينادي مناد: يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً). وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: (يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)]. الكلام في أبدية النار وفي دوامها وأقوال الناس فيها، والكلام أيضاً في انقطاع عذاب أهلها، وهل ينقطع العذاب وتبقى النار، أو تبقى النار ويبقى العذاب لمن حكم الله عليهم بالخلود؟ وهل هذا الخلود الأبدي يعني أن لا نهاية، أو أن الآباد لها حدود؟ هذه مسألة عويصة، وتعتبر من المشكلات، وكان الأولى ألا يخوض فيها الناس؛ لأن الأصل ما عليه جمهور السلف من القول بأبدية الجنة والنار، وأن نعيم الجنة لا ينقطع، وأن عذاب النار لا ينقطع أيضاً، وأن هناك طائفة من عباد الله ينعمون إلى ما لا نهاية، وطائفة من عباد الله يعذبون إلى ما لا نهاية، هذا هو الأصل، لكن وردت إشكالات نسبت إلى بعض الصحابة وإلى بعض التابعين في مسألة النار

стр. 1086

الأقوال في أبدية النار قال رحمه الله تعالى: [وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة]. هذا القول تضمن صراحة القول بأبدية العذاب، ومن ثم القول بأبدية النار نفسها. إذاً: من قال بأبدية العذاب إلى ما لا نهاية، فلا شك أنه يقول بأبدية النار إلى ما لا نهاية. قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة نارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم، وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي. الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٠ - ٨١]. الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد]. وهذا القول يتضمن القول بانقطاع العذاب، وليس فيه تصريح بفناء النار أو عدمه، أي: أن أصحاب هذا القول يقولون ببقاء النار وبانقطاع عذاب المعذبين فيها، وأنهم يخرجون منها كلهم. قال رحمه الله تعالى: [الخامس: أنها تفنى بنفسها؛ لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه، وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار كما تقدم]. هذا القول أيضاً قال بفناء النار بنفسها، وهذا القول يتضمن القول بانقطاع العذاب في الضرورة أيضاً، هذا القول عكس القول الأول تماماً يتضمن القول بانقطاع العذاب بالضرورة، لأنه إذا كانت تفنى فلا شك أنه ينقطع عذابها، وهذا أيضاً قول باطل. قال رحمه الله تعالى: [السادس: تفنى حركات أهلها، ويصيرون جماداً لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف كما تقدم. السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئاً، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه]. هذا القول أيضاً تضمن القول بانقطاع العذاب، لأن من قال بفناء النار لا شك أنه يقول بانقطاع عذابها، لكنه يرى أن أهل النار يخرجون على درجات، منهم من يخرج بعد تطهيره من ذنوبه وهم أهل الكبائر، ومنهم من يبقى إلى أن تفنى، وبالضرورة سينقطع عذابها عنهم، لكن هذا القول فيما يظهر لي أنه يتضمن القول بأن أهل النار يعودون إلى الجنة، وإن كان ليس فيه تصريح بذلك، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر ضمنه هذا القول وفصله. قال رحمه الله تعالى: [الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ ﵀. وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان. وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما]. قوله: (وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما) يشير فيه إلى أن من أهل السنة من قال بالقول السابع، أما القول الثامن فهو قول الجمهور، وهو القول الذي تقوم عليه ظواهر الأدلة، والقول الثامن هو الأصل عند أهل السنة والجماعة أن الله يخرج من النار من يشاء من أهل الكبائر وغيرهم بالشفاعات، وبرحمته سبحانه كما ورد في السنة، وأنه يبقى فيها الكفار، وأن عذابها يبقى ويبقى أهلها مخلدين فيها، نسأل الله العافية. إذاً: هذا القول هو قول جمهور أهل السنة والجماعة، وهو القول الصحيح. أما القول السابع فقد أثر عن بعض أهل العلم من أهل السنة والجماعة، ونسب إلى بعض الصحابة وإلى بعض كبار التابعين، وحكاه بعض الأئمة على أنه قول لبعض أهل العلم المعتبرين، وحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية وحكاه ابن القيم أيضاً. وفي بعض المواضع التي حكاه فيها شيخ الإسلام ابن تيمية نجد أنه سكت عنه لم يؤيد ولم يعارض، ولذلك فهم بعض الناس أنه يقول بهذا القول، وهذا من باب الإلزام الذي لا يلزم، وشيخ الإسلام له في ذلك رسالة مشهورة موجودة مكتوبة وقد حققت مستقلة. ذكر في هذه الرسالة شيئاً من الأقوال التي ستأتي بعد قليل وأدلتها، لكن جملة القول الذي حكاه أو ساقه هو أن هناك من أهل العلم من الصحابة وغيرهم من قال بأن عذاب النار ينقطع، وليس هناك تصريح بفنائها بذاتها؛ لأن الآباد مهما تكررت لها نهاية، ولأن رحمة الله سبقت عذابه، ولأن الأصل في عذاب المعذبين هو بسبب ذنوبهم، وأن الذنوب مهما تكاثرت تنتهي إلى آخره من الأمور التي ذكرها ولم يعلق عليها، فهو إنما ذكرها أدلة للقائلين بانقطاع العذاب، ففهم بعض الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية يؤيد هذا القول، مع أنه لم يؤيده ولم يعارضه؛ إلا أنه في الم

стр. 1087

أدلة القائلين بفناء النار دون الجنة قال رحمه الله تعالى: [فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨]. وقوله تعالى. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧]. ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]. وهذا القول - أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم ﵃. وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور بسنده إلى عمر ﵁ أنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه. ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته. وقد قال ﷺ : (لما قضى الله الخلق، كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية: (تغلب غضبي) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁. قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] و ﴿أَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٧٣] و ﴿عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥] ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم، وقد قال تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]]. في الإشارة إلى اليوم في قوله: (عذاب يوم) هنا يقصد أنه يوم لا بد أن يكون له نهاية في دلالته اللغوية، وحتى في الدلالات الاصطلاحية للغة، فاليوم سواء كان من أيام الدنيا أو من أيام الآخرة فإنه محدود بحد زمني معين، فالإشارة إلى أن العذاب في يوم يدل على أنه ينقطع، ولذلك لم يرد نص في نعيم الجنة بأنه يوم، وهذا دليل على أنه لا ينقطع، هذا من أدلتهم. واليوم هو يوم القيامة عند الحساب، ولا شك أن الحساب له يوم معين ويوم الجزاء له وقت معين أيضاً. أما ما ورد في قول الله : ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥] فالمقصود به يوم القيامة عند الحساب قبل دخول الجنة. أما نعيم الجنة فلم يوصف بأنه يوم. قال رحمه الله تعالى: [فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته، وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقاً يعذبهم أبد الآباد عذاباً سرمداً لا نهاية له، وأما أنه يخلق خلقاً ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيماً سرمداً فمن مقتضى الحكمة، والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض. قالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأبيد وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام، كله حق مسلم لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه. ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها، قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨]]. هذه أدلة الفريق الأول ممن ينسبون إلى أهل السنة والجماعة، أو أنهم من أهل السنة والجماعة إن صح القول عنهم، وذكر أدلة شرعية وأدلة عقلية وقواعد عامة، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية تفصيلاً كما ذكرها ابن القيم أيضاً في (حادي الأرواح) وكذلك في (الصواعق المرسلة). وكلام ابن القيم قريب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعضه منقول عنه، لكن ليس فيه ما يدل على أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم قالا بهذا القول صراحة.

стр. 1088

أدلة القائلين ببقاء النار وعدم فنائها قال رحمه الله تعالى: [ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها]. قوله: (ببقائها وعدم فنائها) فيه نوع من الغلو؛ لأن بعض أصحاب القول الأول ما قال بفناء النار، وإنما قال بانقطاع عذاب أهلها، فتداخلت الأقوال، ولذلك القول بفناء النار بنفسها قول شنيع عند الجميع بالإجماع، وإن نسب إلى بعض أهل العلم والفضل، لكن ربما من زلة العالم أو من التوهم أو الاجتهاد الخاطئ، بينما القول بانقطاع العذاب أو بخروج أهل النار منها بعد أبد الآباد هذا قول أخف من القول بنفائها بنفسها، والقول بانقطاع العذاب أو بخروج أهل النار بعد آباد وآماد طويلة لا يلزم منه القول بفناء النار بنفسها. وهنا سرد أدلة القائلين ببقائها، وبعضها لا يتضمن القول ببقاء النار، إنما يتضمن فقط القول ببقاء عذاب أهل النار، وعدم انقطاع عذاب أهلها. قال رحمه الله تعالى: [ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها، قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨]. وقوله: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥]. وقوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠]. وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣]. وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨]. وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]. وقوله: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]. وقوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦]. وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] أي: مقيماً لازماً. وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما. وقوله: وخلق لهما أهلاً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩]. وعن عائشة ﵂، قالت: (دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢ - ٣] والمراد الهداية العامة، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. فالموجودات نوعان: أحدهما مسخر بطبعه، والثاني متحرك بإرادته، فهدى الأول لما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره. ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع: نوع لا يريد إلا الخير، ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالملائكة. ونوع لا يريد إلا الشر، ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالشياطين. ونوع يتأتى منه إرادة القسمين، كالإنسان، ثم جعله ثلاثة أصناف: صنفاً يغلب إيمانُه ومعرفتُه وعقلُه هواه وشهوتَه، فيلتحق بالملائكة. وصنفاً عكسه، فيلتحق بالشياطين. وصنفاً تغلب شهوته البهيمية عقله، فيلتحق بالبهائم. والمقصود أنه سبحانه أعطى الوجودين: العيني، والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته، وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته . وقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه) إلى آخره. مما يجب أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه، وهو العمل الصالح، فإنه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] وكذلك لا يعاقب أحداً إلا بعد حصول سبب العقاب، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]؟ وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، لكن إذا منَّ على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح، لا يمنعه موجب ذلك أصلاً، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر

стр. 1089

شرح العقيدة الطحاوية [٩١] الاستطاعة عند أهل السنة والجماعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، ومن جهة التوسع والصحة والتمكين تكون قبل الفعل، والله لا يكلف العباد ما يشق عليهم وما لا يقدرون عليه، وأما الأشعرية ومن نحا نحوهم من أهل الكلام والفلسفة فقد طال جدلهم وكلامهم في مسائل الاستطاعة والجبر والكسب والقدر، عندما حكموا العقل وابتعدوا عن النص، وقد رد عليهم أهل العلم وبينوا مخالفاتهم في الكسب وأفعال العباد والقدرة.

стр. 1090

مفهوم الاستطاعة قال رحمه الله تعالى: [والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]]. المقصود بموضوع الاستطاعة هنا القدرة التي أقدر الله بها العباد المكلفين على الفعل، ولها ارتباط بالإرادة والمشيئة والقدر عموماً، فالاستطاعة هي قدرة المكلف على فعل الشيء الذي أقدره الله على فعله. وموضوع الاستطاعة من الموضوعات التي ابتدع فيها أهل الأهواء من المعتزلة والجهمية الكلام، ثم صارت من أصول أهل الكلام الأشاعرة والماتريدية، واشتهرت باسم الكسب عند الأشاعرة؛ نظراً لأن الأشعري يرى أن استطاعة العباد على أفعالهم التي يقدرهم الله عليها تأتيهم عن طريق الكسب، لا القدرة الكاملة على الفعل، بمعنى: أنه يرى أن الإنسان المكلف ليس في الأصل قادراً على الفعل، إلا عند العزم والشروع بالفعل، حتى وإن كان يملك جميع القدرة والوسائل، كالمشي مثلاً قدرة يتم بالاستطاعة، فيقول: إن الإنسان الذي يقدر على المشي أعطاه الله وسيلة وهي الرجلين، ولا يمكن أن نسميه مستطيعاً على المشي إلا إذا عزم على الفعل، فإذا عزم وأنشأ التحرك أقدره الله، أو في تلك اللحظة التي عزم فيها أوجد الله له الاستطاعة. وهذه فلسفة فيها شيء من الغموض واللبس من ناحية، ومن ناحية أخرى ليس لها أصل في الشرع، نحن نعلم أن الله جعل للعباد قدرات فيما يقدرون عليه، وجعل لهم وسائل وهي الجوارح، والقدرات موجودة قبل الفعل وبعده، لكنها لا تتمثل لنا بفعل حقيقي إلا عند الفعل الحقيقي. فالإنسان المتكلم الذي يملك القدرة على الكلام نسميه متكلماً وقادراً على الكلام، حتى وإن لم يتكلم، والقدرة على الكلام موجودة عنده، لكن قد لا يعزم على الكلام فيسكت، وحينما سكت لا يعني أنه غير قادر أو غير مستطيع على الكلام. وكذلك بعد الفعل، فالمسألة فيها نوع من التفلسف عند أهل الكلام، خاصة الأشعري ومن جاء بعده، حيث زعم أن الاستطاعة على الفعل لا تكون إلا أثناء الشروع فقط، وكأن الإنسان يصادفها مصادفة أو يكسبها كسباً، كالإنسان الذي يبحث عن شيء مفقود، فإنه لا يتهيأ له -حسب رأيهم- أن يكون وجد هذا الشيء إلا عندما يقع عليه، ومثلوا بالقدرة أو بالاستطاعة على الشيء المفقود، فإنه لا يمكن أن يكون وجد الشيء إلا أثناء التمكن منه، وهذا القياس غير صحيح، فلذلك عدت مسألة الاستطاعة والكسب عند الأشعري من المعضلات التي لا يمكن تفسيرها تفسيراً صحيحاً. المهم أن السلف يرون أن الله أقدر العباد المكلفين على الأفعال، التي عندهم وسيلة إليها قبل الفعل وبعد الفعل وأثناء الفعل، وأنهم بذلك مكلفون، لكن قد يهيئ الله لبعض العباد أن يفعل، وقد لا يهيئ الله لبعض العباد أن يفعل. فتأتي مسألة الهداية والإضلال والتوفيق والخذلان متفرعة من مسألة الاستطاعة، وسيأتي الحديث عنها بعد قليل. قال رحمه الله تعالى: [الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة، وتنقسم الاستطاعة إلى قسمين كما ذكره الشيخ ﵀، وهو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط]. القسم الأول: أن الاستطاعة قوة كاملة في الإنسان القادر المكلف موجودة قبل الفعل. القسم الثاني: أنها موجودة أيضاً أثناء الفعل، والإنسان ليس مجبوراً، فالإنسان قادر على أن يفعل أو لا يفعل في الأمور الاختيارية، فقادر أن يفعل، وهذه قدرة ثابتة للفعل، ثم تلحق إذا أنشأ الفعل، وقادر ألا يفعل أيضاً. إذاً: المقصود بالقسم الأول: القدرة الكاملة في الإنسان. والقسم الثاني: القدرة التي تتهيأ للإنسان أثناء الشروع في الفعل. قال رحمه الله تعالى: [وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل. وقابلهم طائفة من أهل السنة فقالوا: لا تكون إلا مع الفعل. والذي قاله عامة أهل السنة: إن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله، لا يجب أن تكون معه]. يعني: جعل الله القدرة التي أعطاها العباد سبباً للتكليف، ولذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يفعل شيئاً من الأمور التي أمر بها، فإنه لا يحاسب، وغير مكلف بها، ورفع الله الحرج عن غير المستطيع، لكن الاستطاعة هي مناط التكليف، يعني: أن الله جعل للعباد قدرات وقوى كاملة فيهم، هي الوسيلة لفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه.
следующие страницы →