← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أقوال السلف في الشهادة بالجنة للمعين قال رحمه الله تعالى: [وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء، وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية، والأوزاعي. والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث. والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين: (أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير، فقال النبي ﷺ : وجبت، ومر بأخرى فأثني عليها بشر، فقال: وجبت -وفي رواية كرر (وجبت) ثلاث مرات- فقال عمر ﵁: يا رسول الله! ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض). وقال ﷺ : (توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ)، فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار]. هذا على سبيل القرائن والعلامات، ولا نقول بالجزم، يعني: يعرف أهل الجنة بقرائن وعلامات، وترجى لهم الجنة بذلك، ويعرف أهل النار بقرائن وعلامات، ويخشى عليهم. أما الجزم فإن هذه الأدلة لا تدل على الجزم، لكن ما ورد في عهد النبي ﷺ من مثل هذه القصة توقيفي لنعلم أنه لا يمكن أن يقوم أحد مقام النبي ﷺ بإثبات الشهادة للمعين، فينبغي ترك الشهادة للمعين، وتبقى شهادة المؤمنين قرينة فقط، أما الجزم فلا نستطيع أن نجزم، فعلى هذا يكون الرأي الثاني هو الرأي الصحيح، وهو الذي تتجه إليه الأدلة، ودليل أصحاب القول الثالث إنما هو مظنة، والظن في هذه الأمور لا يصح.

стр. 982

ما يعتقده أهل السنة من ترك الشهادة بالكفر على أهل القبلة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى): لأنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] الآية]. قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف): قال الشارح في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)]. من أصول السلف وأصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون على أحد من المسلمين بالكفر، ولا بالشرك ولا بالنفاق، إلا إذا تبين شيء من ذلك، يعني: توافرت شروط وقوع الكفر من الشخص وانتفت الموانع، وتوافر الشروط يزيد وينقص، أي: شروط وقوع الكفر بحسب حال الشخص، وبحسب الزمان وبحسب المجتهد. فعلى هذا لا يتأتى لأكثر أفراد المسلمين أن يحكموا على أحد بالكفر؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم، لأن شروط التكفير لا بد من إدراكها إدراكاً جيداً بفقه تراعى فيه قواعد الشرع، وتراعى فيه النصوص الشرعية، ويراعى فيه حال الشخص، ويراعى فيه أسلوب إقامة الحجة، ويراعى فيه معرفة إقامة الدليل وكيف يكون. ثم لا بد أيضاً من معرفة تامة، فلا يمكن أن نحكم على معين إلا بعد أن تنتفي الموانع، فالإكراه قد يعذر به، والتأول قد يعذر به، والجهل قد يعذر به، وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي لا يعرفها إلا أهل العلم. ولذلك فإن مسألة التكفير من المسائل الخطيرة التي يجب ألا يتناولها إلا أهل العلم، ويجب أن نفهم أنا لسنا متعجلين بها، وأن عامة الناس وكثيراً من طلاب العلم ليس عليهم أن يبحثوا عن أحوال الأفراد والجماعات والمؤسسات والدول، ليس عليهم ذلك، بل هذه الأمور ترجع إلى أهل العلم الراسخين، وأنهم ما تعبدوا بإشهار الكفر وإعلانه، وأن الحكم بالكفر حكماً عاماً أمر يختلف عن الحكم على المعين اختلافاً كبيراً، فكثير من الأمور التي يكون فعلها كفراً، أو قولها كفراً، أو اعتقادها كفراً؛ لا يحكم على من فعلها بأنه كافر، ولذلك نجد أن السلف كثيراً ما يطلقون الكفر على الحالات والأقوال والاعتقادات، لكن يندر جداً حكمهم بالكفر على المعين. أقول: يندر جداً، بل إن بعض الأئمة لم يؤثر عنه أنه كفر أحداً حتى وقت اشتداد الأهواء وشدة أهل البدع وتسلطهم على المسلمين، فإنا لا نعرف من الأئمة من حكم على المعين إلا في حالة نادرة، وكثير من أئمة الهدى -وما أكثرهم- لم يؤثر عنهم تكفير المعين. إذاً: المسألة خطيرة، فلا تجوز الشهادة من طائفة أو جماعة على المعين بكفر ولا بشرك ولا بنفاق إلا بعد معرفة الأصول الشرعية بذلك، وليس كلما يعرف يقال، فليس كل من تناول هذه الأمور يستطيع أن يصل فيها إلى الحكم بالكفر القاطع، وبعض الأشياء لا يحكم بها الفرد، إنما لا بد من توافر اجتهاد المجتهدين، خاصة في الحالات التي تتعلق بالمصالح الكبرى، وفي الأمور التي ينبني عليها الحكم على جماعات أو أفراد أو أمم أو مجتمعات. وكذلك قوله: (لا نرى السيف على أحد من محمد ﷺ هذه قاعدة عامة، تشمل الأفراد والجماعات والولاة وغيرهم، فلا يجوز رفع السيف إلا فيما أباحه الله .

стр. 983

الأسئلة

стр. 984

مدى صحة الحكم على الكافر المعين بالنار السؤال هل يحكم على الكافر المعين بأنه من أهل النار؟ الجواب في الجملة نعم، لكن ما يجزم عليه، الحكم العام غير الجزم وغير الشهادة، ولذلك إذا تكلم الناس عن معين أصل كلامهم في هذا الأمر ليس بمشروع، إذا مات كافراً وخاض الناس هل هو من أهل النار أو لا؟ أصلاً غير مشروع، إذا مات يهودي فقل: اليهود من أهل النار ولا داعي أن نحكم على المعين. ولذلك لما هلك أحد زعماء اليهود منذ أشهر خاض الناس في المسألة خوضاً يدل على أن الناس بدءوا يجهلون البدهيات، ولا يجدون من يعلمهم، فبدءوا يتجادلون ويتعادون أحياناً، فبعضهم يقول: لا نشهد له بالنار، وبعضهم يقول: نشهد له بذلك جزماً! وهو يهودي، واليهود من أهل النار، لكن بعينه لا نتكلم فيه، فما أمرنا بهذا، وليس هذا من الأمور التي كلف بها العباد.

стр. 985

شرح العقيدة الطحاوية [٨٠] من عقيدة أهل السنة والجماعة عدم جواز الخروج على ولاة الأمر والحكام بالسيف وإن جاروا، ووجوب طاعتهم بالمعروف ما لم يأمروا بمعصية، ومن رأى منهم منكراً أو ظلماً فليصبر على جورهم وظلمهم، ويدعو الله تعالى لهم، ويلزم جماعة المسلمين، ولا ينزع يده من طاعتهم أبداً.

стр. 986

ما يعتقده أهل السنة من حرمة الخروج على الأئمة وولاة الأمر قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة)]. هذه من القواعد المتفق عليها عند السلف، فهي تشمل عدة قواعد، وإن شاء الله نلخصها تفصيلاً في درس لاحق، لكن نجملها الآن حسب ما يظهر؛ لأن الشيخ أدخل بعضها في بعض. فقوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا) هذا كلام على إطلاقه يشمل كل الأئمة الفجار منهم والأبرار. أقول هذا؛ لأنه وجد من المتحذلقين الذين اغتروا بأقوال أهل الأهواء من لا يسمى إماماً من الولاة إلا من كان مستحقاً للإمامة، بمعنى أنه تقي صالح، وهذا غير صحيح، بل العكس هو الصحيح. فولاة الأمور يجب عدم الخروج عليهم، سواءٌ كانوا صالحين أو طالحين، سواءٌ كانوا أبراراً أو فجاراً، والسلف نصوا على هذا، وإن جاروا، فولي الأمر إذا حدث منه نوع من الظلم، أو أثرة، فيجب الصبر والمناصحة، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يتخذ الجور والظلم والأثرة ذريعة للخروج. ثم قال: (ولا ندعو عليهم)، وهذه أيضاً مهمة جداً؛ لأن بعض الناس فهم فهماً خاطئاً في هذه المسألة، فالدعاء على ولاة الأمور لا يجوز؛ لأن ولاة الأمور ولاهم الله أمر المسلمين، فالدعاء عليهم ينعكس على الأئمة نفسهم، فلذلك إذا كان عند إنسان غيرة على دين الله، وإشفاق على الأمة وعلى المجتمع فيجب عليه أن يدعو لولاة الأمور؛ لأن في صلاحهم صلاح المجتمع، لكن الدعاء عليهم يزيد البلاء؛ فيجب على كل مسلم أن يدعو لولي الأمر بأن الله يهديه ويسدده ويصلحه ويوفقه، يدعو له بالدعاء المشروع سراً وعلناً، ولا ندعو عليهم، فالدعاء عليهم بدعة. إذاً: فهذا أصل عظيم، وقد يتعلل البعض بأن الدعاء يكون للصالحين، وهذا جهل أو هوى، فليس الدعاء للصالحين فقط، بل أيهما أحق بالدعاء بالصلاح: الصالح أو غير الصالح؟! فالصالح تدعو له بالتسديد، لكن غير الصالح تدعو له بالصلاح، فيجب أن تفهم المسألة جيداً على أصول السلف وعلى مقتضى النصوص. وقوله: (ولا ننزع يداً من طاعة) هذا أيضاً تأكيد لما سبق، وهو أخذ بنص الحديث الذي سيأتي. وقوله: (ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة) لأن الله أمر بذلك، وأمر الرسول ﷺ بذلك أمراً صريحاً لا لبس فيه. وقوله: (ما لم يأمروا بمعصية) أي: أنهم إذا أمروا بمعصية تعارض الشرع فلا يطاعون في هذه المعصية. فهذه أيضاً مسألة مهمة، فبعض الناس يقول -وهذا أيضاً جهل أو هوى-: ما دام أن الوالي قد أمر بمعصية فأنا لا أطيعه مطلقاً! وهذا فهم منكوس، فلا تطعه في هذه المعصية التي أمرك بها، لكن في غيرها من الطاعات تطيعه، فلو أن والياً قال لك: لا تصل جماعة في المسجد من غير سبب ضروري، فإنه في هذه المسألة لا يطاع؛ لأنه أمر بمعصية إما عن جهل وإما عن تأول وإما عن ظلم، فالله أعلم. وهذا افتراض مع أنه لا يحدث إن شاء الله، ولكن لو حدث فإنه في هذه المعصية لا يطيعه، لكن فيما عدا ذلك إذا أمر بأمر من الأمور الأخرى التي تتعلق بمصالح الأمة في دين الناس أو دنياهم تجب طاعته طاعة لله .

стр. 987

الأدلة على وجوب طاعة أولي الأمر في غير معصية قال رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني). وعن أبي ذر ﵁ قال: (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف)، وعند البخاري: (ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة)]. الظاهر أن هذا مخصوص، أعني: الأمر بالطاعة حتى ولو لم تتوافر فيه شروط الإمامة؛ لأنه ذكر أنه ولو كان مجدع الأطراف تجب طاعته، وهذا فيما يتعلق بإمام الغلبة، أو الوالي الذي تمكن من غير اختيار المسلمين، فهذا تجب طاعته في هذه الحال؛ لأنه فرق بين الاختيار والغلبة، ومعروف من خلال تاريخ المسلمين ومن استقراء أحاديث النبي ﷺ أن أئمة الاختيار في التاريخ قلة، فأغلب الذين حكموا المسلمين قديماً وحديثاً ليسوا أئمة اختيار، ومع ذلك هم ولاة تجب طاعتهم في المعروف، ويجب الدعاء لهم، وتجب الصلاة خلفهم، ويجب الجهاد معهم، والدعاء لهم بالصلاح والمعافاة وغير ذلك، وإن كان عندهم ما عندهم مما لا يعجب بعض الناس أو مما لا تتوفر فيه الشروط المثالية. ففرق بين الاختيار -كما في عهد الخلفاء الراشدين- وبين الغلبة أو الإمارة أو الوراثة، أو الملك أو السلطة أو غير ذلك مما هو أصل من أصول تولي الولاية الشرعية التي اعتبرها أهل العلم بإجماع ولاية شرعية، فأغلب ولايات المسلمين في تاريخ الإسلام هي من النوع الثاني الذي أمر النبي ﷺ بالصبر عليه مع وجوب النصح وغير ذلك مما هو معلوم، ولهذا فإن هذه الأحاديث التي أوردها الشارح كلها صحيحة ثابتة، ليس فيها ما يمكن أن يطعن فيه من حيث السند، ولذلك تلقاها السلف بالقبول وجعلوها من مناهج الدين؛ إذ إنها وصية من النبي ﷺ ، ولا شك أن هذه الوصية تعني أن هذه الأمور ستكون، وأنه قد يتولى على المسلمين عبد حبشي.

стр. 988

معنى حديث: (على المرء المسلم السمع والطاعة) قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين أيضاً: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)]. هذا فيه إشارة مهمة جداً، وهي مسألة: (فيما أحب وكره)، فكثير من الناس الذين لا يفقهون هذه الأصول يرون أن الأمر الذي تكرهه لا تمتثل فيه أمر السلطان أو الوالي، وهذا ما هو بصحيح، فقد أمرنا بالسمع والطاعة في المنشط والمكره، فليس المقصود أن المرء لا يطيع إلا فيما يحب ويوافق هواه، وإذا أمر بأمر اجتهادي يخالف رأيه، ويخالف قناعته، ويخالف ما يقول به كثير من الناس في عبارات معاصرة؛ يقول: ليس عندي استعداد لقبول ذلك، وليس المقصود بالولاية مجرد أن يأمر الوالي الأكبر فقط والسلطان الأكبر بل من دونه ممن له ولاية حتى ولو كان أدنى موظف، فله ولاية، يجب أن يطاع في المعروف فيما تحب وفيما تكره، وإلا فسدت أحوال الناس، ولن تستقيم أمور الأمة، وتحدث فيهم دعوات الشقاقات، وفساد ذات البين والفتن.

стр. 989

معنى حديث: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) قال رحمه الله تعالى: [وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: نعم، قوم من جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، قلت: يا رسول الله! فما ترى إذا أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)]. في هذا الحديث افترض حذيفة ﵁ أسوأ الحالات تدريجياً، ومع ذلك ما أمر بالمنازعة، ولا بأن يثير فتنة، ولا بأن يحمل رأياً، وهذا الحديث فيه حكم عظيمة من أحوج ما يحتاجه المسلمون اليوم. فالنبي ﷺ ما فتح له الفرصة ليكون له موقف، أو أن يتخذ موقفاً من السلطان أو من الناس، أو من المخالفين ما دام الأمر عنده لم يستبن، فما قال: ارفع راية، أو: قم بالواجب، كما يدعي بعض الناس ولو كان من غير أهله، فـ حذيفة إمام جليل وفقيه في الدين، ومع ذلك أمره النبي ﷺ -والأمر للأمة- بأن إذا كان الأمر على هذه الحال فيجب أن يكف ولو أن يعض على أصل شجرة. وهذا مقيد بالنصوص الأخرى، لكنه يحكم غالب المسلمين الذين ليس لهم حل ولا عقد، وليسوا من أهل العلم الراسخين، وإلا فقد يستثنى من هذا الحديث ما جاء في أحاديث أخرى يمكن نجمع بينها فيما بعد إن شاء الله.

стр. 990

معنى حديث: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر) قال رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية)]. هذا أيضاً فيه وصية عظيمة، وهو أنه يجب الصبر حتى مع رؤية ما يكره من الأمير، مع عدم الطاعة في المعصية، فإذا كان ما تكره معصية لله فلا تطعه فيها. فهذه قاعدة عامة تدخل أيضاً في حديث النبي ﷺ الذي أمر فيه بالطاعة فيما أحب وكره، أي: يجب أن تصبر على ما تكرهه من أميرك؛ لأن في عدم الصبر مفسدة عظمى ترجع على الأمة، وربما عليك أيضاً وعلى غيرك.

стр. 991

شرح العقيدة الطحاوية [٨١] من عقيدة أهل السنة والجماعة في أبواب الإمامة أن طاعة ولاة الأمر من طاعة الله ما لم يأمروا بمعصية، وأن يدعى لهم بالصلاح والمعافاة، ومن رأى منهم منكراً أو جوراً وظلماً فليصبر وليلزم الجماعة والسنة، ويجتنب الشذوذ والفرقة.

стр. 992

معنى حديث: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر) قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)]. لا تجزئ بيعة لخليفتين في بلد واحد، فبعد الخلافة الراشدة انقسمت بلاد المسلمين في بعض الفترات إلى أكثر من دولة، وهذا أمر واقع رضيه المسلمون، وتعتبر الولاية للمسلمين -وإن تعددت- شرعية ما لم تكن في بلد واحد. أما في البلد الواحد فلا تجوز الولاية لاثنين، هذا أمر بدهي عقلاً وشرعاً، لا تصح الولاية لاثنين في بلد واحد، ومسألة التنازع على الولاية تحسم بأن الولاية لمن كانت له الولاية أصلاً، بصرف النظر عن الأمور والملابسات الأخرى، فمن كان هو الوالي صاحب بيعة فلا يجوز أن يبايع لغيره ما دامت بيعته نافذة.

стр. 993

معنى حديث: (ولا ينزعن يداً من طاعة) قال رحمه الله تعالى: [وعن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، فقلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟! قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة)]. هذا الحديث اشتمل على قواعد عظيمة من قواعد الدين في الولاية، وهذه القواعد هي منهج السلف الذي قرروه في كل زمان، وفي كل الأحوال التي مرت بالأمة عبر تاريخها الطويل، وهي: أنه قد يتولى على الأمة خيارها، وقد يتولى الأمة شرارها، وقد يتولى عليهم من يبغضونه ويبغضهم، وأن هذا الأمر إذا كان أمراً واقعاً فلا بد من التزام الأصل فيه، وهو: السمع والطاعة في المعروف، وعدم جواز الخروج، وعدم جواز المنابذة بالسيف بنص الحديث؛ لأن الرسول ﷺ لما بين للصحابة هذا الأمر سألوه، فقالوا: (أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟! قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) يعني: ما دامت الصلاة قائمة بين المسلمين وتحت هذه الولاية الشرعية فلا يجوز رفع السيف على الوالي. ثم ذكر القاعدة الأخرى، وهي: أن من رأى من واليه شيئاً يكرهه من معصية الله فليكره ما يأتيه الوالي أياً كانت هذه المعصية، بمعنى أن كون الوالي يرتكب معصية أو ظلماً أو فسقاً أو فجوراً أو نحو ذلك مما ترى أنه غير جائز شرعاً؛ فلا يعني ذلك أن تقر هذا العمل وتبيحه، بل تكرهه وتكره فعله، لكن لا يجرك ذلك إلى نزع اليد من الطاعة، أي: نزع البيعة، سواء بالقلب أو بالعمل، فلا يجوز أن يستبيح الإنسان نقض بيعة لإمام له عليه ولاية شرعية وإن ظهر منه ما يكرهه المسلم في قلبه، فلا يجوز أن ينزع يداً من طاعة، بل يبقى مطيعاً سامعاً ولو على كره، أو على أثرة أو على ظلم أو نحو ذلك مما هو معروف مما يقع من البشر من المظالم والأخطاء والفسق والفجور. أقول: هذه قواعد عظيمة يجب أن يفهمها الناس وأن يعرفوا أنها هي مناهج السلف وليست من عندنا، فهذا الحديث حديث صحيح من الأحاديث التي أوصى بها النبي ﷺ الأمة وأمرهم بها أمراً صريحاً. ونزع اليد من الطاعة نوعان: نوع بمعنى عدم اعتبار الولاية في القلب، بمعنى أن تعتقد أن الوالي ليس له ولاية بمجرد ظهور المعاصي، فهذا لا يجوز، وهو نوع من نزع الطاعة؛ لأنه ورد هذا في أحاديث أخرى غير هذا الحديث، فهذا الحديث ظاهره أن نزع اليد هو الشيء العملي الظاهر، لكن هناك أحاديث أخرى تنظم إلى هذا الحديث ستأتي الإشارة إلى بعضها، فيها أنه لا يجوز أن يتخذ ما يحدث من الوالي من فسق وفجور وظلم ذريعة إلى عدم اعتقاد ولايته؛ لأن الخروج يكون باليد ويكون بالقلب كما سيأتي، وكما هو معروف في منهج السلف.

стр. 994

لزوم طاعة أولي الأمر فيما هو طاعة لله تعالى قال رحمه الله تعالى: [فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] كيف قال: (وأطيعوا الرسول) ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك. وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله، وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور؛ فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩]، فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم. وعن مالك بن دينار: أنه جاء في بعض كتب الله: (أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، لكن توبوا أعطفهم عليكم)].

стр. 995

عقيدة أهل السنة في اتباع السنة والجماعة واجتناب الشذوذ والفرقة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة): السنة: طريقة الرسول ﷺ ، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فاتباعهم هدى وخلافهم ضلال، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]. وثبت في السنن الحديث الذي صححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). وقال ﷺ : (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة) وفي رواية: (قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)، فبين ﷺ أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين إلا أهل السنة والجماعة. وما أحسن قول عبد الله بن مسعود ﵁ حيث قال: (من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم). وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله تعالى عند قول الشيخ: (ونرى الجماعة حقاً وصوابا والفرقة زيغاً وعذابا)].

стр. 996

الأسئلة

стр. 997

بيان معنى هلاك المخالفين من الجانبين السؤال ما المقصود بقوله: عامة المخالفين هالكون من الجانبين؟ الجواب أشار إلى حديث أن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، يعني الهلاك من جانب الإفراط والتفريط؛ لأن الإشارة إلى أهل الكتاب تدل على هذا الجانب، فالنصارى فيهم غلو واليهود فيهم تفريط، فهلكت الطائفتان بالغلو والتفريط، وكذلك الذين يهلكون من هذه الأمة مابين مغال وما بين مفرط، والله أعلم.

стр. 998

حكم الإنكار على تارك الصلاة خلف إمام يدعو لولي الأمر السؤال هل ينكر على تاركي الصلاة خلف إمام معين لكونه يدعو للوالي، وهل فعلهم بدعة؟ الجواب الدعاء للولاة مشروع، بل هو من علامات أهل السنة، فمن علامات أهل السنة الدعاء للولاة، ومن علامات أهل البدعة الدعاء عليهم، وعلى هذا فإن الذي يترك الصلاة خلف إمام لكونه يدعو للوالي يعتبر مبتدعاً.

стр. 999

الجمع بين قوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ودخول مقرب الذباب للصنم النار السؤال في الحديث أن رجلاً أكرهه عباد الصنم على أن يقرب له شيئاً فقرب ذباباً، فدخل النار، فكيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]؟ الجواب الحديث ورد ولا بد من الإيمان بما جاء به؛ لأن هذا الذي قرب ذباباً دخل النار بسبب ذلك، وهذا أمر توقيفي غيبي، وظاهر ذلك -والله أعلم- أن هذا الرجل حينما أكره على أن يقرب ذباباً لم يستشعر أنه بذلك يفعل ذنباً عظيماً، وربما قصد التقرب، فالله أعلم، فإذا كان قصد التقرب لغير الله -وإن كان في الأصل ألجئ إلى ذلك- وكان بإمكانه أن لا يفعل ذلك، أو إذا فعله يفعله وهو يعلم أنه شرك، ولا يفعله عن قصد؛ فإنه بذلك يستحق العذاب، والله أعلم.

стр. 1000

بيان معنى كون إلزام السلطان بالتزام قول بغير حجة غير جائز السؤال قال ابن تيمية في الفتاوى: (وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة في الكتاب والسنة؛ فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين)، فما معنى هذا الكلام؟ الجواب يظهر أن المقصود به أحد وجهين: الوجه الأول: أن يلزم العلماء السلطان بأن يأخذ بقول اجتهادي ويلتزمه بغير رضاه، فهذا بعيد، وهو لا يجوز. والوجه الثاني وهو الظاهر: أن السلطان إذا ألزم في مسألة خلافية بقول بلا حجة من الكتاب والسنة فهذا لا يجوز، بمعنى: إذا شرع ذلك تشريعاً؛ لأن إلزام السلطان الناس بقول معين في مسألة اجتهادية له وجهان: وجه يعتبر فيه الإلزام من باب تقرير المصلحة أو دفع المفسدة؛ فإذا كان من باب المصلحة ودفع المفسدة فهذا من حق السلطان، والخلفاء الراشدون ومن بعدهم من أئمة المسلمين وسلاطينه إلى اليوم كانوا يلزمون في مسألة خلافية بأمر معين، كما في كثير من التعاميم التي فيها مصالح وتبنى على آراء أهل العلم، فهذا جائز، بل من حق السلطان إذا كان الإلزام يعني: إلزام الناس بمصلحة معينة لها مبرر شرعي في أمر اجتهادي. أما إذا كان الإلزام بمعنى أن يشرع فيحرم أو يحلل؛ فهذا لا يجوز، وإذا حصل فهو تشريع ولا يجوز باتفاق المسلمين. وأغلب ما يحدث من سلاطين المسلمين من النوع الأول، أي: من الأنواع الاجتهادية، حيث تكون المسألة فيها نزاع بين العلماء، فيأخذ السلطان بقول من أقوالهم ويلزم الناس به، ويكون هذا الإلزام في الغالب من باب تحقيق المصلحة ودرء المفسدة وجمع الكلمة أو نحو ذلك، وهذا جائز وسائغ تقتضيه المصلحة في الغالب.

стр. 1001

شرح العقيدة الطحاوية [٨٢] من عقيدة أهل السنة والجماعة محبة أهل العدل والأمانة، وبغض أهل الجور والخيانة، فإن العبودية وتمامها يستلزم كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته، كما يجب التسليم للنصوص والإيمان بما تحويه من معانٍ وأحكام، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه؛ فإن ذلك أسلم وأحكم للإنسان في الحال والمآل.

стр. 1002

عقيدة أهل السنة في الحب والبغض قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة): وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية، فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته، فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله]. تطرق هنا لأصلين متلازمين: الأصل الأول: هو مسألة الولاء والبراء، أو الولاية والبراءة. الأصل الثاني: وهو ملازم للأول، وهو الحب والبغض، فلا شك أن المسلم لا بد أن يكون له حال تعامله مع الناس ولاء وبراء، ومحبة وبغض، حتى مع المسلمين، وسيذكر الشارح -لكن بكلام متفرق- أن هناك ولاءً كاملاً وهناك ولاءً جزئياً، وأن هناك براءً كاملاً وهناك براءً جزئياً، والولاء الكامل فيه المحبة الكاملة والولاء الجزئي فيه المحبة الجزئية، والبراء الكامل فيه البغض الكامل، والبراء الجزئي فيه البغض الجزئي، فالولاء والبراء يتجزأان، وتجزئة الولاء والبراء وجعله درجات هو الفارق بين أهل السنة وبين الخوارج من جهة، وبينهم وبين المرجئة من جهة أخرى، فالمرجئة لا يجزئون الولاء والبراء، والخوارج لا يجزئون الولاء والبراء، فالخوارج إذا تبرءوا من مسلم أو من غير مسلم تبرءوا منه جملة وتفصيلاً، فالمسلم الذي يرتكب الكبيرة يتبرءون منه تبرؤاً كاملاً ويعاملونه معاملة الكافر، وهذا شطط وتنطع في الدين وخروج عن مقتضى السنة، وبدعة مغلظة. وكذلك المرجئة يرون للمسلم -وإن كان عاصياً فاجراً- الولاء الكامل، وهذا أيضاً شطط وتفريط. إذاً: فالقاعدة أن الكافر الخالص يجب البراء الكامل منه ومن كفره، ويجب البغض الكامل له ولكفره، أما من كان مسلماً وكان مرتكباً للمعاصي والآثام والبدع فإن له من الولاية بقدر ما يأتيه من الإيمان والصلاح، وله من البراءة -وكذلك البغض- بقدر ما فيه من المعصية أو الفجور أو البدعة، ما لم يخرج من الملة، فإذا خرج من الملة وجب البراء الكامل منه والبغض الكامل له. فصاحب البدع المغلظة والآثام والجرائم والمظالم الشنيعة يغلب في حقه البغض والبراء، ومن كان دون ذلك فله من الحق وعليه بقدر طاعته ومعصيته. إذاً: فتفصيل القاعدة في الولاء والبراء، وترتيب الولاء والبراء على درجات لا يكون إلا عند أهل السنة، أما بقية الفرق فما بين مفَرِّط ومُفْرِط. وأؤكد على أن الحب والبغض مرتبط بالولاء والبراء، فقد يجتمع في المسلم الواحد الحب والبغض، بل أغلب المسلمين يجتمع في حقهم الحب والبغض، تحبهم في الله بقدر ما فيهم من الطاعة والاستقامة والخير، وتبغض الواحد منهم بقدر ما فيه من المعصية والانحراف، بمعنى أنه يجتمع في الشخص الواحد الولاء والبراء، وأغلب المسلمين يقعون في التقصير، فعلى هذا يشترك فيهم الولاء والبراء والحب والبغض. قال رحمه الله تعالى: [فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله تعالى يحب المحسنين ويحب المتقين، ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضاً، ونبغضهم موافقه له . وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته، ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]].

стр. 1003

الفرق بين محبة الله تعالى والمحبة في الله مما تحسن الإشارة إليه هنا أن هناك فرقاً بين محبة الله وبين المحبة في الله، ذلك أن محبة الله لا تجوز إلا له سبحانه، التي هي محبة التقديس والعبادة، فمحبة التقديس والعبادة لا تجوز إلا لله سبحانه. والنوع الثاني: هو المحبة في الله، بمعنى: أن يكون عند المسلم ميل فطري غريزي للخير وأهل الخير، فهذا أمر مشروع، بل ينبغي أن يكون لكل من يستحق المحبة، فكل مؤمن له من المحبة -كما ذكرت سابقاً- بقدر ما فيه من الولاية والخير. وكون المسلم يحب الله ثم يحب أولياء هذا أمر لا تناقض فيه، فإن محبة الله إنما هي محبة التعظيم والتقديس والعبادة، أما محبة العباد فهي المحبة الفطرية، لكن المسلم المستقيم على الحق ترتبط محبته بما يحبه الله، والذي ليس عند استقامة قد يحب ما لا يحب الله، وهذا انحراف، لكنه إذا أحب غير الله محبة تقديس وعبادة وقع في الشرك، وإذا أحب غير الله محبة ميل وغريزة شهوانية ونحوها فهذا هوى، لكنه دون الشرك. إذاً: محبة الله لا يشرك فيها غيره، وهي محبة التقديس ومحبة العبادة، أما المحبة الأخرى الغريزية فمنها ما هو مرتبط بالدين، ومنها ما هو غريزي بحت، فالمحبة التي ترتبط بالدين هي محبة الخير وأهل الخير وما يحبه الله ، والمحبة الغريزية البحتة حي محبة الأشياء، فالله فطر العباد على محبة الأولاد والأموال والأزواج، فهذه محبة غريزية جائزة إذا لم يتعد فيها الإنسان حدود ما يشرع، فإذا تعدى فيها حدود ما يشرع وقع إما في البدعة وإما في الشرك وإما في الشهوة. قال رحمه الله تعالى: [والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوباً من وجه مبغوضاً من وجه، والحكم للغالب، وكذلك حكم العبد عند الله؛ فإن الله قد يحب الشيء من وجه ويكرهه من وجه آخر، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه)، فبين أنه يتردد؛ لا أن التردد تعارض إرادتين، وهو يحب ما يحب عبده المؤمن، ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه، كما قال: (وأنا أكره مساءته)، وهو سبحانه قضى بالموت، فهو يريد كونه، فسمى ذلك ترددا، ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك؛ إذ هو يفضي إلى ما هو أحب منه].

стр. 1004

بيان عقيدة أهل السنة في رد علم ما اشتبه إلى عالمه ﷻ قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونقول: (الله أعلم) فيما اشتبه علينا علمه): تقدم في كلام الشيخ ﵀ أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ومن تكلم بغير علم فإنما يتبع هواه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٣ - ٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]. وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يرد علم ما لم يعلم إليه، فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:٢٦]، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٢]. وقد قال ﷺ لما سئل عن أطفال المشركين: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وقال عمر ﵁: (اتهموا الرأي في الدين، فلو رأيتني يوم أبي جندل فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله ﷺ برأيي فأجتهد ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب، وقال: اكتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال: اكتب: باسمك اللهم، فرضي رسول الله ﷺ وكتب وأبيت، فقال: يا عمر! تراني قد رضيت وتأبى؟!). وقال أيضاً ﵁: السنة ما سنه الله ورسوله ﷺ ، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة. وقال أبو بكر الصديق ﵁: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي -أو: بما لا أعلم-؟! وذكر الحسن بن علي الحلواني: حدثنا عارم حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر ﵁، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً ولا في السنة أثراً، فاجتهد برأيه ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله].

стр. 1005

درجات أخذ أهل السنة بالنصوص في هذا المقطع إشارة إلى أصل عظيم كثيراً ما يخفى على الناس، خاصة في الآونة الأخيرة، وهو من أعظم أصول أهل السنة، ومن أعظم المناهج التي تعد من الفوارق الكبرى بين أهل السنة وبين أهل البدع والأهواء، ذلك أن أهل السنة يأخذون بالنصوص على أصول الاجتهاد، سواء كانت اجتهادية أو كانت توقيفية، والأخذ بالنصوص على ثلاث درجات: فإذا كان النص من النصوص الواضحة التي لا تشتبه على أحد، مثل نص شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فهذا أمر بيِّن تقوم به الحجة على كل العباد الذي يسمعون ويعقلون. وإن كان من النصوص التي تخفى على أكثر الناس ولا يعرفها إلا المجتهدون فيجب الرجوع فيها إلى أهل العلم وأهل الاختصاص الذين هم أهل الذكر، كما بين الله تعالى ذلك. وإذا كان من النصوص التي لا يعلمها إلا الله تعالى؛ فليسلم وليرد النص إلى عالمه، وهو الله ، بأن يقول: آمنت بأن كلام الله حق وأن كلام رسول الله ﷺ حق، ويذعن لذلك ويجعل نفسه مستسلماً بحيث لو فهم النص عمل به، فهو مؤمن به حتى ولو لم يفهمه، بمعنى أنه اشتمل على الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، هذا هو الأصل، وأغلب نصوص الشرع من الدرجتين الأوليين، أغلبها مما يفهمه عامة الناس أو يفهمه العلماء، والذي يشتبه في الغالب هو بعض نصوص الغيب ونصوص العقيدة.

стр. 1006

بيان وجه الفرق بين أهل السنة ومن خالفهم في رد ما اشتبه من النصوص إلى عالمه أما كون هذه القاعدة هي الفارق بين أهل السنة والجماعة فيمكن أن نستعرض هذا بإيجاز، فنقول: إن الخوارج حينما تواردت عليهم نصوص الوعيد اشتبه عليهم الأمر نظراً لقلة علمهم، وما ردوا نصوص الوعيد إلى نصوص الوعد أولاً؛ لأنَّ مداركهم ضعفت عن ذلك، ولم يرجعوا إلى العلماء، وربما رجعوا لكنهم لم يسلموا لأهل العلم من الصحابة، ذلك أن الخوارج كانوا من الفئات التي تستهين بالعلماء، لا ترى لأحد من الناس فضل علم، لذلك كانوا يلمزون الصحابة ويرون أنهم علماء دنيا وأنهم قعدوا عن الجهاد إلى آخره، فلما لمزوا الصحابة ولمزوا العلماء تركوهم وجفوهم، فلما جفوهم وكلهم الله إلى مداركهم الضعيفة، فقالوا على الله بغير علم، ولم تتسع مداركهم للجمع بين النصوص، فغلبوا نصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد، فصاروا وعيدية يكفرون بالذنوب، وصار هذا منهجاً باطلاً ابتليت به الأمة إلى يومنا هذا. ثم جاءت القدرية، فالقدرية حينما جاءت نصوص القدر ولم يفهموها ما ردوها إلى أهل العلم. ولذلك وصف معبد الجهني -وهو أول قدري- بأنه طلب العلم وكان عنده تعجل وتسرع، وأنه لم يستوعب العلم من العلماء، فأخذ نصوص القدر برأيه وضعفت مداركه عن الجمع بين نصوص القدر، فتوافق رأيه مع رأي بعض فئات من النصارى والصابئة والمجوس، ففرح بذلك وظن أن هذا مذهب من المذاهب التي تقتدى، فأعلن القول بالقدر؛ ولم تستوعب مداركه نصوص القدر، ولم يعرف قواعد الجمع بين النصوص، ولم يرجع إلى العلماء، وما سلم لله ، بل خاض في القدر برأيه، فصار مذهبه من أخبث المذاهب إلى يومنا هذا. وهكذا بقية الفرق، كلهم على هذا المنهاج، ومن متأخريهم أهل الكلام الذين خالفوا السلف في الصفات، فأهل الكلام حينما جاءتهم نصوص الصفات وما استوعبوا منهج السلف في تقرير صفات الله ما فهموا ولا أذعنوا لأهل العلم، بل اتهموا أهل العلم بالحشوية، واتهموهم بأنهم عندهم سلامة قلوب وسذاجة ونوع من الغباء والغفلة إلى آخره. فلما اتهموا أهل العلم وأئمة الدين في ذلك استقلوا عنهم، وما استوعبت مداركهم الإيمان بالصفات، بل اشتبهت عليهم، فعدوها من المتشابهات مع الأسف، وإلى اليوم يعد أهل الكلام نصوص صفات الله من النصوص المتشابهة، وليتهم حينما اشتبهت عليهم ردوها إلى عالمها، ولو فعلوا لأحسنوا؛ لأن هذا منتهى مداركهم، لكن ما فعلوا، بل خاضوا فتكلموا في صفات الله بغير علم، وقالوا -مثلاً-: لا يعقل أن يكون الرحمن على العرش استوى، لا بد أن يكون المعنى غير ذلك، فلما قيل لهم: لماذا؟ قالوا: لأنها اشتبهت. فلما اشتبهت ما ردوها إلى عالمها، بل خاضوا فيها، وما اتفقوا على رأي في هذا الأمر. فصفات الله الذاتية كاليد والقدم إلى آخره، والصفات الفعلية كلها أولوها، فلما قيل لهم: لماذا؟ قالوا: لأنها اشتبهت، فقيل لهم: أما تعرفون القاعدة في الاشتباه؟ إن الذي يشتبه يرجع للعلماء، فإن فهمتم قول العلماء وإلا فالعيب في عقولكم، فردوا الأمر إلى عالمه وقولوا: آمنا بما جاء عن الله وعن رسول الله ﷺ . إذاً: مسألة الخوض في المتشابه هي الفارق بين أهل الأهواء وبين أهل السنة، فأهل السنة أولاً ليس عندهم اشتباه، لكن إذا اشتبه عليهم شيء قالوا: آمنا بما جاء عن الله على مراد الله ، وأهل الأهواء كلهم خاضوا في المتشابه، فكانت أصولهم كلها تقوم على هذا الأصل.

стр. 1007

الأسئلة

стр. 1008

حكم مدح الكافر تعظيماً لعمل قام به السؤال هل مدح الكافر دون محبته التي فيها تعظيم لعمل قام به فيه محظور، وكذا التسمي باسمه؟ الجواب هذا كلام يحتاج إلى تفصيل، فمدح الكافر إذا كان يعني تزكيته في الدين أو تزكية منهجه الكفري؛ فلا يجوز مدحه، وإذا كان المدح لبعض أفعالهم الشائعة بين البشر، ككونه صادقاً، فيقال: هذا الرجل صادق، وإن كان كافراً؛ فلا حرج في ذلك إذا لم يلتبس الأمر ولم يكن عند أناس قد يتأثرون إما من صغار السن أو غيرهم ممن لا يفرقون بين أساليب المدح، فمجرد الاعتراف بخلق حسن عند الكافر لا حرج فيه إذا أمنت الفتنة.

стр. 1009

حكم بغض رجال الحسبة بغير حق السؤال هل من يبغض رجال الحسبة بحق أو بغير حق ناقص الإيمان؟ الجواب رجال الحسبة أولاً هم في الغالب من الصالحين إن شاء الله، والحسبة لا شك في أنها من أعظم الأعمال الجليلة التي يجب أن يثنى على صاحبها وأن يحب في الله، لكن لا يعني ذلك أن كل من اندرج اسمه أو دخل في أهل الحسبة يكون مزكى بكل حال، هذا لا يلزم، فالأصول تبقى أصولاً، لكن الأفراد يحكم عليهم بحسب أحوالهم، وقد يحدث من بعض من ينتسبون للحسبة -وإن كان هذا قليلاً، وهذا من باب الابتلاء- أشياء مما يحدث من البشر من المعاصي أو الآثام أو الظلم أو نحو ذلك، فهذا يعامل بحسبه، ولا ينسحب الحكم على أهل الحسبة، بل يعامل الشخص الذي يخطئ بحسبه ويوقف منه بحسب حاله، لكن لا ينسحب الأمر على أهل الحسبة كلهم، فأهل الحسبة قد يكون فيهم من ينتسب إليهم وهو ليس كذلك، أو عنده نقص، كما يكون في أهل الجهاد، وكما يكون في أهل العلم، وكما يكون في عامة المسلمين، فالأمر واضح ولا ينبغي أن يشتبه.

стр. 1010

تفاوت محبة الله تعالى لعباده بتفاوت طاعاتهم السؤال هل محبة الله لعباده تتفاوت من عبد إلى عبد؟ الجواب لا شك أن المحبة مرتبطة بالعمل، فكلما تقرب الإنسان إلى ربه زادت محبة الله له، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1011

حكم الرضا بالقضاء والقدر السؤال ما حكم الرضا بالقضاء والقدر؟ وهل هناك فرق بين الرضا بالقضاء والقدر وبين الإيمان بالقضاء والقدر؟ الجواب الرضا بالقضاء والقدر واجب، يجب على العبد أن يرضى بقدر الله ؛ لأن هذا مقتضى الإيمان بالربوبية وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن أفعال الله لا تكون إلا بالحكمة، وأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فعلى هذا يكون الرضا بالقضاء والقدر من الله واجباً على العبد، وهناك بعض الفروق بين الرضا بالقضاء والقدر وبين الإيمان بالقضاء والقدر، فالإيمان هو مجرد التسليم واليقين والتصديق، وهو أمر قد لا يتعدى إلى الرضا، بمعنى أن هناك من يؤمن بالقضاء والقدر، لكن إذا حصل القدر فيما لا يحمد قد لا يرضى، وقد لا يصبر، فهذا أمر ينافي الرضا، ولا ينافي مجرد التصديق أو مجرد الإيمان. إذاً: فالرضا أمر زائد على الإيمان بالقدر، وكثير من العباد -خاصة أهل التقصير- قد يسلمون بالقدر ويؤمنون به، لكن إذا حصل قد يضعف إيمانهم عن الرضا، وقد يحصل لهم شيء من الجزع وعدم التحمل.

стр. 1012

حكم موالاة أعداء الإسلام السؤال هل موالاة أعداء الإسلام تعتبر من الكفر البواح، وما معنى الكفر البواح؟ الجواب الموالاة درجات، فإذا كانت الموالاة قلبية، بمعنى أن المسلم يحب الكفار لكفرهم أو لبعض كفرهم، أو يواليهم لما هم عليه من أمور شركية، أو يحبهم حباً يصل إلى حد الإخلال بالعقيدة الإسلامية أو بشيء من أركانها وأصولها؛ فهذا قد يكون كفراً، وغالب صوره في الكفر، أما إذا كانت الموالاة موالاة مادية عامة، وموالاة ظاهرة؛ فهي معصية وتختلف بحسبها، فأغلب صور الموالاة الظاهرة -خاصة في وقت ضعف المسلمين- تكون من الكبائر أو من الذنوب العظيمة، ما لم تصل إلى حد الإخلال بشيء من العقيدة، أي: بشيء مما يتعلق بأركان الإيمان، وما لم تصل إلى حب شيء من دينهم وما هم عليه من كفر، وحينئذٍ تبقى من الأمور التي تتفاوت في تقديرها، وهي من الكبائر، يعني: موالاة الكفار فيما يتعلق بالتعامل ظاهراً، أو ما يسمى بالعلاقات، سواء كانت عامة أو فردية، فأغلب صورها من الأمور العملية؛ لأنا لا نطلع على قلوب العباد، والغالب أن أغلب المسلمين الذين عندهم شيء من الولاء الظاهر في التعامل مع الكفار ليس عندهم النفاق الخالص -والله أعلم- أو حب عقائد الكفار أو التعلق بها، إنما قد يكون ذلك لمصالح ناتجة عن ضعف أو ناتجة عن تأول أو تراخ أو عن أمور تحدث من الناس بسبب تقصيرهم في دين الله ، فهذه الأمور لا تصل إلى حد الكفر، وأغلب الناس يخلط في هذه المسألة خلطاً عجيباً، ولا يعرف قواعد الشرع ولا مذهب السلف في ذلك.

стр. 1013

موقف الخوارج من المسح على الخفين السؤال هل الخوارج تنكر المسح على الخفين وتقول: لم يرد في القرآن إلا الغسل؟ الجواب هناك طوائف من الخوارج ينكرون المسح، لكن إنكار عموم الخوارج ليس عندي به علم، وأغلب الخوارج يجهلون السنة أو بعضها ويتنكرون لها، وكثير من السنن التي لا تخضع لقواعدهم لا يأخذون بها وإن أجمع عليها المسلمون، فبعض الخوارج فعلاً ينكرون المسح على الخفين، لكن لا أعرف أنه من أصول الخوارج كما هو عند الرافضة، والله أعلم.

стр. 1014

شرح العقيدة الطحاوية [٨٣] من أصول أهل السنة والجاعة العظام وقواعدهم المتينة: أن الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما، خلافاً للرافضة الذين يقولون: لا جهاد إلا عند خروج المهدي المزعوم، كما أن من عقيدة أهل السنة الإيمان بالكرام الكاتبين من الملائكة الذين جعلهم الله على العباد حافظين وأوكلهم بكتابة جميع الأعمال.

стр. 1015

اعتقاد أهل السنة في الحج والجهاد مع ولاة الأمر من المسلمين قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما)]. قبل أن نبدأ بالشرح نشير إلى وجه الجمع بين الحج والجهاد في هذه الجملة، وهو أن الحج من أركان الإسلام، والجهاد أيضاً من أصول الدين، ونظراً لأن الحج والجهاد من الأعمال الجماعية الكبرى، فالحج من الأعمال التي تتعلق بعموم المسلمين، فلا يتأتى للمسلمين أن يختلفوا فيه؛ لأن اختلافهم يؤثر في أداء الشعائر، ولذلك يجب على الناس أن يلتزموا نهجاً واحداً في أداء الحج على ضوء ما يجتهد فيه الذي يتولى الحج في ذلك الوقت، وفي أداء المشاعر في أوقاتها؛ لأن المشاعر مربوطة بمكان وزمان، فلا يتأتى للناس أن يختلفوا فيها، وإذا اختلفوا فسد حج بعضهم، فلا بد أن يكون الوقوف في عرفة في يوم معين، فمن وقف قبل هذا اليوم أو بعده لا يصح حجه، ثم يتلو ذلك بقية الشعائر الأخرى التي تؤدى في الحج، فلذلك لا بد للمسلمين أن يلتزموا في الحج بقرار الإمرة التي تتولى الحج، سواء كان من يتولى الحج براً أو كان فاجراً عاصياً ظالماً. وهنا أنبه على مسألة كثيراً ما تثور عند بعض الجهلة، وهي مسألة توقيت يوم عرفة، حيث يدور أحياناً في مجالس الناس عن جهل أن تقدير يوم عرفة مبني على كذا وكذا، وأنه ليس هناك رؤية في هذه السنة، أو أن مجلس القضاء الأعلى لم يقرر دخول ذي الحجة على رؤية، إنما هو اجتهاد أشخاص! فهذا كلام خطير؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (الحج يوم يحج الناس)، وما قال هذا إلا لأنه يعلم أن الناس قد تتفاوت أفهامهم، وفي هذه البلاد -والحمد لله- كل ما يتعلق بالمواقيت الشرعية من دخول رمضان وخروجه والحج ونحو ذلك يسير على أساس شرعي سليم بحمد الله، ويعلن من مجلس القضاء الأعلى أو من الديوان الملكي بناء على أمور ترجع إلى أهل العلم، خاصة فيما يتعلق بهذه الأمور الشرعية الخطيرة، فهناك من يتكلم في هذه الأمور بجهل أو بهوى فيضل الناس، وهذا أراه من أعظم الفتنة ومن أعظم الهوى ومن أعظم البدع التي يجب أن يردع من يقع فيها. وإنما نبهت على هذا؛ لأنه بدأ يكثر عند بعض الجهلة وبعض المتعلمين وبعض أصحاب الغرور والأهواء الكلام بما يشكك الناس في شعائر دينهم، وهذا أمر خطير، ويجب على طلاب العلم أن لا يسمحوا للناس أن يخوضوا في هذه الأمور، فإذا أعلن وقت الحج فإعلانه شرعي ملزم، ولا داعي لهذه الأمور التي تحدث الوساوس، وقد ربط الحج بولاية الحج، فمن تولى إمرة الحج -براً كان أو فاجراً- لا بد من الحج معه، ولا يكون الحج صحيحاً إلا بتوقيته، فمن تأخر يوماً أو تقدم يوماً فحجه غير صحيح؛ لأن الحج يوم يحج الناس.

стр. 1016

الرد على الرافضة المعطلين للجهاد إلى خروج مهديهم قال رحمه الله تعالى: [يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد ﷺ ، وينادي مناد من السماء: اتبعوه]. الرافضة هم على رأس الفرق التي خالفت المسلمين، وتعمل في هذه الأمور بضد ما عليه أهل الحق، لكن غير الرافضة فيهم شبه منهم، فأكثر أهل الأهواء من سماتهم المخالفة في هذه الأمور، فلا نعرف أن أهل الأهواء يجاهدون مع المسلمين أو مع أئمة المسلمين، ولا يجاهدون إلا في فتنة، ويسمونها الجهاد، فلو نظرنا إلى المعتزلة والجهمية والخوارج وكثير من الفرق الكبرى لوجدنا أن هذا هو منهجهم، لا يقاتلون مع المسلمين، بل يقاتلون المسلمين، فإذا ثارت على المسلمين فتنة سارعوا فيها، ولا تجدهم في الثغور أو في جيوش المسلمين؛ لأنهم لا يرون الجهاد مع أئمة المسلمين. فأهل الأهواء لا يقاتلون إلا في ألويتهم، ولا نعرف أن ألوية أهل الأهواء ضد الكفار أو لجهاد الكفار، بل ألوية أهل الأهواء دائماً في نحور المسلمين ومن قرأ التاريخ فسيجد مصداق هذا واضحاً جداً طيلة التاريخ الإسلامي. فأكثر الفرق هم كالرافضة، لكن قد يكون لهم فلسفة أخرى ونظرة أخرى غير نظرة الروافض، فمتى ما حصلت ثورة على أئمة المسلمين شاركوا فيها، أما الرافضة فلا يشاركون إلا تأولاً أو من أجل النكاية، لا لأنه جهاد، ولا يجاهدون إلا مع هذا الموهوم المنتظر الخرافة الذي يسمونه المهدي المنتظر. قال رحمه الله تعالى: [وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل، وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوما اشتراطا بغير دليل، بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعته)]. قوله: (خيار أئمتكم) وقوله: (شرار أئمتكم)، يعني: الولاة؛ لأن لفظ (الأئمة) يطلق على صنفين: على الولاة السلاطين، أبراراً كانوا أو فجاراً، وعلى الأئمة في الدين، أئمة العلم، فهذه إمامة وهذه إمامة، وهذه لها حقها وهذه لها حقها، ولا شك أن من ولي أمر المسلمين فهو إمام لهم حتى ولو لم يكن على شروط الإمامة، لا كما يظن بعض الناس الذين يعتقدون جهلاً أنه لا يسمى إماماً إلا إذا توافرت الشروط، فهذا ليس بصحيح، ثم إن من الشروط شروطاً كمالية لم توجد إلا في الخلافة الراشدة. فمن تولى أمر المسلمين فهو إمام، سواء كان براً أو فاجراً، ومصداق ذلك هذا الحديث، وهو صريح، حيث سماهم أئمة على الحالين، وهذا أمر له اعتباره في القواعد الشرعية، ولذلك بنى الحكم على هذا الاعتبار، فحين قالوا: (أفلا ننابذهم عن ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة). ثم ذكر ﷺ أيضاًَ قاعدة أخرى مهمة جداً، فقال: (ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله) يعني: يكره ذلك في قلبه، ويناصح إن استطاع، وينكر إن استطاع بالأسلوب المناسب الذي لا يؤدي إلى الفتنة، لكن لا ينزع يداً من طاعة، وما أجهل كثيراً من الناس في هذا العصر من الذين بدءوا يجانبون هذه المسائل ويتهمون من يقول الحق أو يعتقده أو ينهج هذا النهج بأمور ليست مما يجوز أن يتهم فيه المسلمون أو يتراشق فيه المسلمون. أقول: إن كثيراً من أهل السنة وأهل الحق الذين بقوا على هذا الأصل يكادون يعيشون غربة أحياناً في بعض بلاد المسلمين، بسبب انتكاس مفاهيم المسلمين وعملهم على غير الأصول، فالمسلمون الذين نهجوا مع ولاتهم نهج الخروج والقوة ما أصابوا الحق؛ لأن هذا ليس هو منهج السلف، فمن أنكر عليهم اعتبروه هو المخطئ، وهو الذي يخذل الدين، وهو الذي لا يعرف شيئاً إلى آخره، حتى عاش كثير من أهل الرأي الصائب والقول الرشيد والاعتقاد السديد في غربة الآن في كثير من بلاد المسلمين، فلا بد من تقرير الحق، وأن يكون لطلاب العلم أثر في المسلمين يعملونه، ذلك أن أغلب المصائب التي وقعت على البلاد الإسلامية الآن -خاصة ما يحدث من القتل والتشريد وانتهاك الأعراض وسفك الدماء وما ترونه وتسمعونه من فتنة في بعض بلاد المسلمين- يقوم أصلاً على مخالفة هذا المنهج، بسبب أن طائفة ممن عندهم حماس للدعوة إلى الله ، وعندهم غيرة على دين الله جهلوا هذا الأصل، فظنوا أن مقتضى الحسبة قتال الحكومات، وهذا خطأ شنيع؛ إذ هو أولاً مخالفة للنبي ﷺ ، ثم إنه مخالفة لنهج الإسلام في الدعوة إلى الله، ومخالفة لأصول الدعوة وللأساليب المشروعة التي شرعها الله ، ولو أنهم اتقوا الله وناصحوا بالتي هي أحسن وعملوا لوجدوا خيراً، وإذا ما وجدوا فالأ

стр. 1017

خسارة الرافضة في تعليق الجهاد بالإمام المعصوم قال رحمه الله تعالى: [وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة، ولم يقل: إن الإمام يجب أن يكون معصوماً، والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة؛ لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا]. لأنهم فرضوا له صفات لا يمكن أن تكون في البشر، فهو معدوم فعلاً، فتلك الصفات لا توجد في أحد من خلق الله ولا من الذين يدعون أنهم أئمة معصومون، فهؤلاء الذين يدعون أنهم معصومون هم أناس من البشر منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، والصالحون منهم ليس عندهم هذه الخصائص التي ادعتها الرافضة، سواء منهم من يعلقون عليه بعض الآمال مثل المهدي الموهوم، أو الأحياء منهم أو الأموات الذين كان لهم وجود، ألقوا عليهم من الصفات والآمال وافترضوا فيهم من الخصال ما لا يوجد في مخلوق. إذاً: فهم توهموا أموراً معدومة وليست حقيقية، فلذلك بقوا طيلة الدهر ينتظرون موهوماً حتى جاء الخميني وأظهر لهم فكرة جديدة، وهي فكرة (ولاية الفقية) الوسيط بين الإمام المزعوم الموهوم وبين الأجيال الحاضرة، وقال: لا بد أن نتولى بعض صلاحيات الإمام المعصوم المنتظر، فنفخ هذه الروح الوهمية أيضاً فانتفضوا انتفاضتهم المعلومة، لكنهم لا يزالون على أفكارهم الخيالية. قال رحمه الله تعالى: [فإنهم يدعون أن الإمام المنتظر محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب في زعمهم سنة ستين ومائتين أو قريباً من ذلك بسامراء، وقد يقيمون هناك دابة -إما بغلة وإما حرساً- ليركبها إذا خرج، ويقيمون هناك في أوقات عينوها لمن ينادي عليه بالخروج: يا مولانا! اخرج، يا مولانا! اخرج، ويشهرون السلاح، ولا أحد هناك يقاتلهم! إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم فيها العقلاء!]. ذكر المحقق في الهامش بعض الترجمة للعسكري التي توهم أن هذا الرجل له وجود، وأن له ولادة ووفاة إلى آخره. وهم يزعمون أنه المهدي، ويسمونه صاحب الزمان والمنتظر والحجة وصاحب السرداب، وقد ولد بزعمهم في سامراء، ومات أبوه وله خمس سنين، وكل هذه ليست حقائق بإجماع المؤرخين، فكل ما قالوه من هذا أوهام لا وجود لها تاريخياً أبداً حتى في كتبهم، وقد قرأنا في كتبهم ما يدل على أن هذا وهم وكذب، ولا أدري كيف يروون هذه الروايات التي يعتمدونها عندهم ثم يقولون بهذه الأكذوبة، فيكذبون ثم يصدقون أنفسهم، أقول: حتى في كتبهم المسندة يوجد ما يكذب القول بأن هناك رجلاً اسمه كذا إلى آخره؛ إذ إن أباه كان عقيماً ومات عقيماً ليس له ولد ولا ذرية، وهذا معروف عند المؤرخين من غير الشيعة، وبعض الرافضة يثبت هذا. قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (مع أولي الأمر برهم وفاجرهم) لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما، ويقاوم العدو، وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر].

стр. 1018

عقيدة أهل السنة في الإيمان بالكرام الكاتبين من الملائكة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين): قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]، وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس:٢١]. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وفارقناهم وهم يصلون). وفي الحديث الآخر: (إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم). جاء في التفسير: اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه واحد من ورائه وواحد أمامه، فهو بين أربعة ملاك بالنهار وأربعة آخرين بالليل بدلاً، حافظان وكاتبان. وقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه].

стр. 1019

القرين من الجن والقرين من الملائكة قال رحمه الله تعالى: [وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير). الرواية بفتح الميم من (فأسلمَ)، ومن رواه (فأسلمُ) برفع الميم فقد حرف لفظه، ومعنى (فأسلمَ) أي: فاستسلم وانقاد لي في أصح القولين، ولهذا قال: (فلا يأمرني إلا بخير) ومن قال: إن الشيطان صار مؤمناً فقد حرف معناه؛ فإن الشيطان لا يكون مؤمناً]. ليس هناك ما يمنع أن يكون هذا القرين من الجن؛ وليس من الشياطين الذين حكم عليهم بالشيطنة على وجه خاص؛ لأن الشيطنة وصف عام ووصف خاص، فالوصف العام هو بمعنى الشر، فالإنس فيهم شياطين والجن فيهم شياطين، وذرية إبليس فيهم شياطين، والوصف الخاص هو المختص بالشيطان الذي هو إبليس وذريته الذين هم من جنسه وفصيله. والناظر إلى النصوص الشرعية وإلى فهم الصحابة وفهم السلف وتفسيرهم للنصوص يجد أن الأحاديث التي جاء فيها أن الله أعان النبي ﷺ على قرينه فأسلم تدل على أنه قرين من الجن، والجن منهم من يسلم ومنهم من يفسق، أو أنه قرين -مهما كان- قدر الله أن يسلم؛ لأن الأمور بيد الله ، حتى لو قلنا: إن الشياطين لا يسلمون كما يقول بعض الشراح، فالأمر راجع إلى قدرة الله ، وهذا خبر النبي ﷺ ، فلا داعي للتحريف وتطويع النصوص لقواعد عقلية، فإذا كان أسلم بقدرة الله فالله بيده مقاليد السموات والأرض وبيده قلوب عباده، فليس الأمر بغريب، والخبر لا بد أن يؤخذ على حقيقته، أن قرين النبي ﷺ أسلم بمعنى أنه لم يعد كافراً، هذا ظاهر الحديث، فما عداه تكلف، وما أشرت إليه هو رأي الجمهور؛ لأنه أسلم حتى لم يكن يأمره إلا بخير. قال رحمه الله تعالى: [ومعنى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قيل: حفظهم له من أمر الله أي: الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ: يحفظونه بأمر الله].

стр. 1020

بيان ما تكتبه الملائكة قال رحمه الله تعالى: [ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل، وكذلك النية؛ لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢]، ويشهد لذلك قوله ﷺ : (قال الله : إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا). وقال رسول الله ﷺ : (قالت الملائكة: ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي) خرجاهما في الصحيحين، واللفظ لـ مسلم].
следующие страницы →