Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
الأقوال في أبدية النار
قال رحمه الله تعالى: [وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة].
هذا القول تضمن صراحة القول بأبدية العذاب، ومن ثم القول بأبدية النار نفسها.
إذاً: من قال بأبدية العذاب إلى ما لا نهاية، فلا شك أنه يقول بأبدية النار إلى ما لا نهاية.
قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة نارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم، وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي.
الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٠ - ٨١].
الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد].
وهذا القول يتضمن القول بانقطاع العذاب، وليس فيه تصريح بفناء النار أو عدمه، أي: أن أصحاب هذا القول يقولون ببقاء النار وبانقطاع عذاب المعذبين فيها، وأنهم يخرجون منها كلهم.
قال رحمه الله تعالى: [الخامس: أنها تفنى بنفسها؛ لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه، وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار كما تقدم].
هذا القول أيضاً قال بفناء النار بنفسها، وهذا القول يتضمن القول بانقطاع العذاب في الضرورة أيضاً، هذا القول عكس القول الأول تماماً يتضمن القول بانقطاع العذاب بالضرورة، لأنه إذا كانت تفنى فلا شك أنه ينقطع عذابها، وهذا أيضاً قول باطل.
قال رحمه الله تعالى: [السادس: تفنى حركات أهلها، ويصيرون جماداً لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف كما تقدم.
السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئاً، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه].
هذا القول أيضاً تضمن القول بانقطاع العذاب، لأن من قال بفناء النار لا شك أنه يقول بانقطاع عذابها، لكنه يرى أن أهل النار يخرجون على درجات، منهم من يخرج بعد تطهيره من ذنوبه وهم أهل الكبائر، ومنهم من يبقى إلى أن تفنى، وبالضرورة سينقطع عذابها عنهم، لكن هذا القول فيما يظهر لي أنه يتضمن القول بأن أهل النار يعودون إلى الجنة، وإن كان ليس فيه تصريح بذلك، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر ضمنه هذا القول وفصله.
قال رحمه الله تعالى: [الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ ﵀.
وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان.
وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما].
قوله: (وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما) يشير فيه إلى أن من أهل السنة من قال بالقول السابع، أما القول الثامن فهو قول الجمهور، وهو القول الذي تقوم عليه ظواهر الأدلة، والقول الثامن هو الأصل عند أهل السنة والجماعة أن الله يخرج من النار من يشاء من أهل الكبائر وغيرهم بالشفاعات، وبرحمته سبحانه كما ورد في السنة، وأنه يبقى فيها الكفار، وأن عذابها يبقى ويبقى أهلها مخلدين فيها، نسأل الله العافية.
إذاً: هذا القول هو قول جمهور أهل السنة والجماعة، وهو القول الصحيح.
أما القول السابع فقد أثر عن بعض أهل العلم من أهل السنة والجماعة، ونسب إلى بعض الصحابة وإلى بعض كبار التابعين، وحكاه بعض الأئمة على أنه قول لبعض أهل العلم المعتبرين، وحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية وحكاه ابن القيم أيضاً.
وفي بعض المواضع التي حكاه فيها شيخ الإسلام ابن تيمية نجد أنه سكت عنه لم يؤيد ولم يعارض، ولذلك فهم بعض الناس أنه يقول بهذا القول، وهذا من باب الإلزام الذي لا يلزم، وشيخ الإسلام له في ذلك رسالة مشهورة موجودة مكتوبة وقد حققت مستقلة.
ذكر في هذه الرسالة شيئاً من الأقوال التي ستأتي بعد قليل وأدلتها، لكن جملة القول الذي حكاه أو ساقه هو أن هناك من أهل العلم من الصحابة وغيرهم من قال بأن عذاب النار ينقطع، وليس هناك تصريح بفنائها بذاتها؛ لأن الآباد مهما تكررت لها نهاية، ولأن رحمة الله سبقت عذابه، ولأن الأصل في عذاب المعذبين هو بسبب ذنوبهم، وأن الذنوب مهما تكاثرت تنتهي إلى آخره من الأمور التي ذكرها ولم يعلق عليها، فهو إنما ذكرها أدلة للقائلين بانقطاع العذاب، ففهم بعض الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية يؤيد هذا القول، مع أنه لم يؤيده ولم يعارضه؛ إلا أنه في الم
стр. 1087
أدلة القائلين بفناء النار دون الجنة
قال رحمه الله تعالى: [فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨].
وقوله تعالى.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧].
ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣].
وهذا القول - أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم ﵃.
وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور بسنده إلى عمر ﵁ أنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه.
ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته.
وقد قال ﷺ : (لما قضى الله الخلق، كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية: (تغلب غضبي) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁.
قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] و ﴿أَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٧٣] و ﴿عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥] ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم، وقد قال تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].
وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]].
في الإشارة إلى اليوم في قوله: (عذاب يوم) هنا يقصد أنه يوم لا بد أن يكون له نهاية في دلالته اللغوية، وحتى في الدلالات الاصطلاحية للغة، فاليوم سواء كان من أيام الدنيا أو من أيام الآخرة فإنه محدود بحد زمني معين، فالإشارة إلى أن العذاب في يوم يدل على أنه ينقطع، ولذلك لم يرد نص في نعيم الجنة بأنه يوم، وهذا دليل على أنه لا ينقطع، هذا من أدلتهم.
واليوم هو يوم القيامة عند الحساب، ولا شك أن الحساب له يوم معين ويوم الجزاء له وقت معين أيضاً.
أما ما ورد في قول الله : ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥] فالمقصود به يوم القيامة عند الحساب قبل دخول الجنة.
أما نعيم الجنة فلم يوصف بأنه يوم.
قال رحمه الله تعالى: [فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته، وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقاً يعذبهم أبد الآباد عذاباً سرمداً لا نهاية له، وأما أنه يخلق خلقاً ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيماً سرمداً فمن مقتضى الحكمة، والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض.
قالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأبيد وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام، كله حق مسلم لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها، قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨]].
هذه أدلة الفريق الأول ممن ينسبون إلى أهل السنة والجماعة، أو أنهم من أهل السنة والجماعة إن صح القول عنهم، وذكر أدلة شرعية وأدلة عقلية وقواعد عامة، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية تفصيلاً كما ذكرها ابن القيم أيضاً في (حادي الأرواح) وكذلك في (الصواعق المرسلة).
وكلام ابن القيم قريب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعضه منقول عنه، لكن ليس فيه ما يدل على أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم قالا بهذا القول صراحة.
стр. 1088
أدلة القائلين ببقاء النار وعدم فنائها
قال رحمه الله تعالى: [ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها].
قوله: (ببقائها وعدم فنائها) فيه نوع من الغلو؛ لأن بعض أصحاب القول الأول ما قال بفناء النار، وإنما قال بانقطاع عذاب أهلها، فتداخلت الأقوال، ولذلك القول بفناء النار بنفسها قول شنيع عند الجميع بالإجماع، وإن نسب إلى بعض أهل العلم والفضل، لكن ربما من زلة العالم أو من التوهم أو الاجتهاد الخاطئ، بينما القول بانقطاع العذاب أو بخروج أهل النار منها بعد أبد الآباد هذا قول أخف من القول بنفائها بنفسها، والقول بانقطاع العذاب أو بخروج أهل النار بعد آباد وآماد طويلة لا يلزم منه القول بفناء النار بنفسها.
وهنا سرد أدلة القائلين ببقائها، وبعضها لا يتضمن القول ببقاء النار، إنما يتضمن فقط القول ببقاء عذاب أهل النار، وعدم انقطاع عذاب أهلها.
قال رحمه الله تعالى: [ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها، قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨].
وقوله: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥].
وقوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠].
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣].
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨].
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
وقوله: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠].
وقوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦].
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] أي: مقيماً لازماً.
وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان.
وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما.
وقوله: وخلق لهما أهلاً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩].
وعن عائشة ﵂، قالت: (دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢ - ٣] والمراد الهداية العامة، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].
فالموجودات نوعان: أحدهما مسخر بطبعه، والثاني متحرك بإرادته، فهدى الأول لما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره.
ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع: نوع لا يريد إلا الخير، ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالملائكة.
ونوع لا يريد إلا الشر، ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالشياطين.
ونوع يتأتى منه إرادة القسمين، كالإنسان، ثم جعله ثلاثة أصناف: صنفاً يغلب إيمانُه ومعرفتُه وعقلُه هواه وشهوتَه، فيلتحق بالملائكة.
وصنفاً عكسه، فيلتحق بالشياطين.
وصنفاً تغلب شهوته البهيمية عقله، فيلتحق بالبهائم.
والمقصود أنه سبحانه أعطى الوجودين: العيني، والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته، وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته .
وقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه) إلى آخره.
مما يجب أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه، وهو العمل الصالح، فإنه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] وكذلك لا يعاقب أحداً إلا بعد حصول سبب العقاب، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]؟ وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، لكن إذا منَّ على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح، لا يمنعه موجب ذلك أصلاً، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
стр. 1089
شرح العقيدة الطحاوية [٩١]
الاستطاعة عند أهل السنة والجماعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، ومن جهة التوسع والصحة والتمكين تكون قبل الفعل، والله لا يكلف العباد ما يشق عليهم وما لا يقدرون عليه، وأما الأشعرية ومن نحا نحوهم من أهل الكلام والفلسفة فقد طال جدلهم وكلامهم في مسائل الاستطاعة والجبر والكسب والقدر، عندما حكموا العقل وابتعدوا عن النص، وقد رد عليهم أهل العلم وبينوا مخالفاتهم في الكسب وأفعال العباد والقدرة.
стр. 1090
مفهوم الاستطاعة
قال رحمه الله تعالى: [والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل.
وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]].
المقصود بموضوع الاستطاعة هنا القدرة التي أقدر الله بها العباد المكلفين على الفعل، ولها ارتباط بالإرادة والمشيئة والقدر عموماً، فالاستطاعة هي قدرة المكلف على فعل الشيء الذي أقدره الله على فعله.
وموضوع الاستطاعة من الموضوعات التي ابتدع فيها أهل الأهواء من المعتزلة والجهمية الكلام، ثم صارت من أصول أهل الكلام الأشاعرة والماتريدية، واشتهرت باسم الكسب عند الأشاعرة؛ نظراً لأن الأشعري يرى أن استطاعة العباد على أفعالهم التي يقدرهم الله عليها تأتيهم عن طريق الكسب، لا القدرة الكاملة على الفعل، بمعنى: أنه يرى أن الإنسان المكلف ليس في الأصل قادراً على الفعل، إلا عند العزم والشروع بالفعل، حتى وإن كان يملك جميع القدرة والوسائل، كالمشي مثلاً قدرة يتم بالاستطاعة، فيقول: إن الإنسان الذي يقدر على المشي أعطاه الله وسيلة وهي الرجلين، ولا يمكن أن نسميه مستطيعاً على المشي إلا إذا عزم على الفعل، فإذا عزم وأنشأ التحرك أقدره الله، أو في تلك اللحظة التي عزم فيها أوجد الله له الاستطاعة.
وهذه فلسفة فيها شيء من الغموض واللبس من ناحية، ومن ناحية أخرى ليس لها أصل في الشرع، نحن نعلم أن الله جعل للعباد قدرات فيما يقدرون عليه، وجعل لهم وسائل وهي الجوارح، والقدرات موجودة قبل الفعل وبعده، لكنها لا تتمثل لنا بفعل حقيقي إلا عند الفعل الحقيقي.
فالإنسان المتكلم الذي يملك القدرة على الكلام نسميه متكلماً وقادراً على الكلام، حتى وإن لم يتكلم، والقدرة على الكلام موجودة عنده، لكن قد لا يعزم على الكلام فيسكت، وحينما سكت لا يعني أنه غير قادر أو غير مستطيع على الكلام.
وكذلك بعد الفعل، فالمسألة فيها نوع من التفلسف عند أهل الكلام، خاصة الأشعري ومن جاء بعده، حيث زعم أن الاستطاعة على الفعل لا تكون إلا أثناء الشروع فقط، وكأن الإنسان يصادفها مصادفة أو يكسبها كسباً، كالإنسان الذي يبحث عن شيء مفقود، فإنه لا يتهيأ له -حسب رأيهم- أن يكون وجد هذا الشيء إلا عندما يقع عليه، ومثلوا بالقدرة أو بالاستطاعة على الشيء المفقود، فإنه لا يمكن أن يكون وجد الشيء إلا أثناء التمكن منه، وهذا القياس غير صحيح، فلذلك عدت مسألة الاستطاعة والكسب عند الأشعري من المعضلات التي لا يمكن تفسيرها تفسيراً صحيحاً.
المهم أن السلف يرون أن الله أقدر العباد المكلفين على الأفعال، التي عندهم وسيلة إليها قبل الفعل وبعد الفعل وأثناء الفعل، وأنهم بذلك مكلفون، لكن قد يهيئ الله لبعض العباد أن يفعل، وقد لا يهيئ الله لبعض العباد أن يفعل.
فتأتي مسألة الهداية والإضلال والتوفيق والخذلان متفرعة من مسألة الاستطاعة، وسيأتي الحديث عنها بعد قليل.
قال رحمه الله تعالى: [الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة، وتنقسم الاستطاعة إلى قسمين كما ذكره الشيخ ﵀، وهو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط].
القسم الأول: أن الاستطاعة قوة كاملة في الإنسان القادر المكلف موجودة قبل الفعل.
القسم الثاني: أنها موجودة أيضاً أثناء الفعل، والإنسان ليس مجبوراً، فالإنسان قادر على أن يفعل أو لا يفعل في الأمور الاختيارية، فقادر أن يفعل، وهذه قدرة ثابتة للفعل، ثم تلحق إذا أنشأ الفعل، وقادر ألا يفعل أيضاً.
إذاً: المقصود بالقسم الأول: القدرة الكاملة في الإنسان.
والقسم الثاني: القدرة التي تتهيأ للإنسان أثناء الشروع في الفعل.
قال رحمه الله تعالى: [وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل.
وقابلهم طائفة من أهل السنة فقالوا: لا تكون إلا مع الفعل.
والذي قاله عامة أهل السنة: إن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله، لا يجب أن تكون معه].
يعني: جعل الله القدرة التي أعطاها العباد سبباً للتكليف، ولذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يفعل شيئاً من الأمور التي أمر بها، فإنه لا يحاسب، وغير مكلف بها، ورفع الله الحرج عن غير المستطيع، لكن الاستطاعة هي مناط التكليف، يعني: أن الله جعل للعباد قدرات وقوى كاملة فيهم، هي الوسيلة لفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه.
стр. 1091
محل القدرة من حيث الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات وأدلتها
قال رحمه الله تعالى: [والقدرة التي يكون بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل، لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة.
وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، فقد تتقدم الأفعال].
يعني: أنه قسم أفعال العباد هنا إلى قسمين وهذا هو الصحيح.
القسم الأول: كون الإنسان قادراً على الفعل قبل فعله، فيما يقدره الله عليه.
القسم الثاني: التمكن من الفعل أثناء الفعل.
وقال السلف بالأمرين: إن الإنسان فاعل وقادر حتى قبل أن يتمكن، وإذا فعل فإنه فاعل بقدرة أقدره الله عليها أثناء الفعل.
وهذا مما خالف فيه الأشاعرة حيث قالوا: القدرة لا تكون إلا أثناء الفعل فقط.
وكذلك الجبرية الجهمية وبعض المعتزلة خالفوا وقالوا: القدرة لا تكون إلا قبل الفعل، أما أثناء الفعل فالإنسان مجبور على الفعل، وكونه قادراً فالله جبره أن يفعل بالقدرة السابقة.
إذاً: قول الجبرية أن الإنسان قادر على أن يفعل الأشياء التي يقدر عليها، لكن قدرته أو فعله للشيء أثناء الشروع في الفعل لا يعد قدرة جديدة ولا استطاعة، إنما يعد مما جبر عليه.
وكلا القولين خطأ، والصواب هو أن الله أقدر العباد وأوجد فيهم القوة الكاملة الفطرية والغريزية على الفعل، ثم أثناء الفعل أيضاً هيأ الله لهم التمكن من الشروع في الفعل.
قال رحمه الله تعالى: [وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] فأوجب الحج على المستطيع، فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج، ولم يعاقب أحداً على ترك الحج، وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام].
يعني: أن الله رتب الحكم على التمكن والقدرة، لا على ذات الفعل، فالله تعالى أوجب الحج على من تمكن وقدر عليه، فإن فعل قام بالواجب، وإن لم يفعل لم يقم بالواجب، ولم يرتب الحكم على الفعل؛ لأنه لم يقل: إن الحج لا يجب إلا على من باشر الحج، بل ذكر الله في القرآن الكريم وذكر الرسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة أن الحج واجب على المستطيع، فرتبا الحكم على التمكن والقدرة والاستطاعة لا على الفعل ذاته، وهذا دليل على أن الإنسان قادر ومتمكن، وتوجد عنده الاستطاعة قبل الفعل، وأنه لو لم توجد عنده، لسقط عنه التكليف، لكن الأصل وجود الاستطاعة والتمكن والقدرة في عموم العباد المكلفين.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة، فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى، لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى، ولم يعاقب من لم يتق، وهذا معلوم الفساد.
وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة:٤] والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات.
وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة:٤٢] وكذبهم في ذلك القول، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل، ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين، وحيث كذبهم دل أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال، على ما بين تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة:٩١] إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة:٩٣].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] والمراد: استطاعة الآلات والأسباب.
ومن ذلك قوله ﷺ لـ عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) وإنما نفى استطاعة الفعل معها.
وأما دليل ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة، فقد ذكروا فيها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] والمراد نفي حقيقة القدرة، لا نفي الأسباب والآلات؛ لأنها كانت ثابتة].
يعني: أن هذه الآية تعني نفي الفعل لا نفي أصل القدرة؛ لأن الله ما نفى أصل القدرة على السمع والبصر، وإنما جعل لهم أسماعاً وأبصاراً، لكن نفى أن يكون الله وفقهم للسمع والبصر على الوجه الصحيح، وإنما خذلهم الله فأعمى قلوبهم وأبصارهم وجعلهم لا يفعلون، أما أصل القدرة فهي موجودة، ولذلك جعل الله التكليف مناط الثواب والعقاب.
إذاً: كونهم ما يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون فيه نفي الشروع في الفعل لا نفي أصل القدرة، فالله لم ينف عنهم أصل القدرة، لأن الله أعطاهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، لكنه عاقبهم بالخذلان، بسبب ذنوب وأعمال اقترفوها.
قال رحمه الله تعالى: [وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قو
стр. 1092
الرد على القدرية في اعتقادهم أن العبد يخلق فعله
قال رحمه الله تعالى: [وما قالته القدرية بناء على أصلهم الفاسد، وهو إقدار الله للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء، فلا يقولون: إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة حصل بها الإيمان، بل هذا بنفسه رجح الطاعة، وهذا بنفسه رجح المعصية، كالوالد الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفاً، فهذا جاهد به في سبيل الله، وهذا قطع به الطريق.
وهذا القول فاسد].
يعني: هذا القول بأنه لا دخل لقدرة الله في أفعال العباد، الذي يتضمن قولهم بنفي الهداية والإضلال من الله ، وبنفي التوفيق والخذلان، فنحن نقول: إن الله يهدي من يشاء ويوفق من يشاء، وأن الله يضل من يشاء ويخذل من يشاء، هم يقولون: لا، الإنسان خالق لأفعاله قادر على أفعاله، فإن ضل فبقدرته واستطاعته التي توجد في غريزته، وإن اهتدى فبقدرته واستطاعته.
هذا كلام قدرية المعتزلة، وهذا باطل، فإن الله أقدر المؤمنين على فعل الخيرات هداية منه وتوفيقاً سبحانه، وأقدر الكفار على فعل الكفر، وحجبهم عن الخير والهدى إضلالاً وخذلاناً منه؛ لأمر يعلمه سبحانه ولحكمة؛ لما يعلمه عن هؤلاء العباد وما يستحقون.
فلا يقال: إن الله لم يخص المطيع بالطاعة، إنما المطيع بإرادته وباستطاعته أطاع فقط، بل لا بد من أن يكون لله تقدير في التوفيق والخذلان.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر، فإنهم متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧].
فالقدرية يقولون: هذا التحبيب والتزيين عام في كل الخلق، وهو بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق، والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمن، ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] والكفار ليسوا راشدين].
هناك خلط في العبارات، فقوله: (فالقدرية يقولون: هذا التحبيب إلى آخره، إلى أن قال: وإظهار دلائل الحق بدأ يرد على القدرية، فقال: والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمنين) يعني: تزيين الإيمان في القلوب وتحبيبه خاص بالمؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥].
وأمثال هذه الآية في القرآن كثير، يبين أنه سبحانه هدى هذا وأضل هذا، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
وأيضاً فقول القائل: يرجح بلا مرجح، إن كان لقوله: (يرجح) معنى زائد على الفعل، فذلك هو السبب المرجح، وإن لم يكن له معنى زائد، كان حال الفاعل قبل وجود الفعل كحاله عند الفعل، ثم الفعل حصل في إحدى الحالتين دون الأخرى بلا مرجح، وهذا مكابرة للعقل، فلما كان أصل قول القدرية: إن فاعل الطاعات وتاركها كلاهما في الإعانة والإقدار سواء؛ امتنع على أصلهم أن يكون مع الفعل قدرة تخصه؛ لأن القدرة التي تخص الفعل لا تكون للتارك وإنما تكون للفاعل، ولا تكون القدرة إلا من الله تعالى.
وهم لما رأوا أن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل، قالوا: لا تكون مع الفعل، لأن القدرة هي التي يكون بها الفعل والترك، وحال وجود الفعل يمتنع الترك، فلهذا قالوا: القدرة لا تكون إلا قبل الفعل، وهذا باطل قطعاً].
هنا ترك قول الأشاعرة، وبدأ يرد على القدرية.
стр. 1093
الرد على الأشاعرة في القدرة
قال رحمه الله تعالى: [فإن وجود الأمر مع عدم بعض شروطه الوجودية ممتنع، بل لا بد أن يكون جميع ما يتوقف عليه الفعل من الأمور الوجودية موجوداً عند الفعل، فنقيض قولهم حق، وهو: أن الفعل لابد أن يكون معه قدرة.
لكن صار أهل الإثبات هنا حزبين: حزب قالوا: لا تكون القدرة إلا معه، ظناً منهم أن القدرة نوع واحد لا يصلح للضدين، وظناً من بعضهم أن القدرة عرض، فلا تبقى زمانين، فيمتنع وجودها قبل الفعل].
هؤلاء هم الأشاعرة، رجع المؤلف إليهم مرة أخرى، وجعلهم من أهل الإثبات، وقال: إنهم حزب من القائلين بإثبات القدرة، لكنهم حصروا القدرة على وقت الفعل.
قال رحمه الله تعالى: [والصواب: أن القدرة نوعان كما تقدم: نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي، وهذه تحصل للمطيع والعاصي، وتكون قبل الفعل، وهذه تبقى إلى حين الفعل، إما بنفسها عند من يقول ببقاء الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند من يقول: إن الأعراض لا تبقى زمانين، وهذه قد تصلح للضدين، وأمر الله مشروط بهذه الطاقة، فلا يكلف الله من ليس معه هذه الطاقة، وضد هذه العجز، كما تقدم.
وأيضاً: فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما يتصور الفعل مع عدمها وإن لم يعجز عنه.
فالشارع ييسر على عباده، ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة المرض وتأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع لأجل حصول الضرر عليه، وإن كان قد يسمى مستطيعاً.
فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكناً مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائماً مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته ونحو ذلك.
فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف يكلف مع العجز؟ ولكن هذه الاستطاعة -مع بقائها إلى حين الفعل- لا تكفي في وجود الفعل، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل، بل لا بد من إحداث إعانة أخرى تقارن، مع جعل الفاعل مريداً، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة، والاستطاعة المقارنة تدخل فيها الإرادة الجازمة، بخلاف المشروطة في التكليف، فإنه لا يشترط فيها الإرادة.
فالله تعالى يأمر بالفعل من لا يريده، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه، وهكذا أمر الناس بعضهم لبعض، فالإنسان يأمر عبده بما لا يريده العبد، لكن لا يأمره بما يعجز عنه العبد، وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة لزم وجود الفعل.
وعلى هذا ينبني تكليف ما لا يطاق، فإن من قال: القدرة لا تكون إلا مع الفعل يقول: كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطيق، وما لا يطاق يفسر بشيئين: بما لا يطاق للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحداً، ويفسر بما لا يطاق للاشتغال بضده، فهذا هو الذي وقع فيه التكليف، كما في أمر العباد بعضهم بعضاً، فإنهم يفرقون بين هذا وهذا، فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط المصاحف، ويأمره إذا كان قاعداً أن يقوم، ويعلم الفرق بين الأمرين بالضرورة].
بهذا ينتهي الدرس، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1094
شرح العقيدة الطحاوية [٩٢]
تنازع العلماء في القول بفناء النار على أقوال ومذاهب، أقواها وأشهرها هو قول جمهور العلماء والمحققين أن النار لا تفنى ولا تبيد، وقد نسب القول بفناء النار لبعض الصحابة والتابعين.
стр. 1095
الأقوال في فناء الجنة والنار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فسبق أن وعدتكم أن نقرأ جملة من رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من قال بفناء الجنة والنار، وبيان الأقوال في ذلك؛ لأن هذه المسألة من المسائل المعضلة التي كثر الخلاف فيها قديماً وحديثاً، وأيضاً نسب إلى شيخ الإسلام فيها قول قد لا يصح في الجملة، والآن سنقرأ جملة من كلام الشيخ في الرسالة؛ لأن الرسالة طويلة، وبعضها قد لا تلزم قراءته؛ لأن فيها شيئاً من الاستطرادات، لكن قبل أن نبدأ بالقراءة أحب أن أنبه أن شيخ الإسلام حينما تكلم عن هذا الموضوع تكلم عنه بناء على إشكال ورد عند تلميذه ابن القيم في مسألة القول بفناء الجنة والنار، أو القول بفناء النار، فلما تهيأت فرصة لـ شيخ الإسلام تكلم عن هذا الموضوع بلسانه، وهذه الرسالة اشتهرت عند الناس قديماً وحديثاً، لكنها لم تطبع وتخرج محققة إلا في الآونة الأخيرة في كتاب تحت عنوان: (الرد على من قال بفناء الجنة والنار، وبيان الأقوال في ذلك) تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية، دراسة وتحقيق الدكتور محمد بن عبد الله السمهري.
وقد وضع المحقق جزاه الله خيراً مقدمة جيدة، درس فيها هذه المسألة وأقوال الناس، وما قيل في شيخ الإسلام بسببها ما بين ناف أو مثبت، ثم حقق الرسالة، وشيخ الإسلام ابن تيمية بدأ رسالته في الكلام عن القول بفناء الجنة والنار بذكر أقوال أهل العلم جملة، كما ذكرها ابن القيم في (حادي الأرواح) فذكر أن الناس تنازعوا في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: القول ببقائهما مطلقاً، أي: الجنة والنار، وهذا قول جمهور السلف وجمهور المسلمين، فالجمهور -وهم الأغلب- قالوا ببقاء الجنة والنار إلى ما لا نهاية بإذن الله وبقدرته سبحانه.
والقول الثاني: من قال بفنائهما معاً، أي: الجنة والنار، وهذا قول منكر، وهو قول الجهم بن صفوان ومن تابعه القول بفنائهما مطلقاً، بأن الجنة والنار تفنيان، وبالتبع يفنى النعيم والعذاب.
وهذا قول منكر، فقد كفر السلف من قال به.
والقول الثالث: من قال ببقاء الجنة مطلقاً لصراحة النصوص في ذلك إلى ما لا نهاية بإذن الله، والقول بفناء النار أو بانقطاع عذابها.
وأصحاب هذا القول لم يميزوا بين الأمرين تمييزاً واضحاً، ثم أشار شيخ الإسلام إلى أن القول بفنائهما من الأقوال الشاذة، فما رأينا أحداً حكاه عن أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حكوه عن الجهم بن صفوان وأتباعه الجهمية، وهذا مما أنكره عليه أئمة الإسلام، بل ذلك مما أكفروهم به، ثم ذكر كلاماً لـ عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة، والآن نقرأ كلام شيخ الإسلام بالتفصيل حول القول بفناء النار، بعد أن قرر الإجماع والقول الجزم بأن الجنة لا تفنى.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأما القول بفناء النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين ومن بعدهم.
وهذا أحد المأخذين في دوام عذاب من يدخلها، فإن الذين يقولون: إن عذابهم له حد ينتهي إليه ليس بدائم، كدوام نعيم الجنة، قد يقولون: إنها قد تفنى، وقد يقولون: إنهم يخرجون منها، فلا يبقى فيها أحد، لكن قد يقال: إنهم لم يريدوا بذلك أنهم يخرجون مع بقاء العذاب فيها على غير أحد، بل يفنى عذابها، وهذا هو معنى فنائها].
يعني: هذه المسألة ليست واضحة، وليست هناك أقوال صريحة فيها، والآن سيسوق أسماء من أُثِرَ عنهم القول بانقطاع العذاب، وتضمن هذا القول بفناء النار، لكنهم ما صرحوا بفناء مطلق، فقولهم يتوجه إلى أمرين: إلى خروج أهل النار منها بعد أحقاب طويلة لا يعلمها إلا الله ، وانقطاع العذاب عن المعذبين، لكن ما صرحوا بأن النار تفنى، وربما يقول قائل: إذا كان أهل النار بعد أحقاب طويلة يخرجون منها فما فائدة بقائها؟ نقول: هذا شيء ليس لنا أن نعلقه على فائدة نتحكم بها، وأيضاً أننا نجد في هذا حكمة وهي: أن في بقاء النار -وإن كان ليس فيها أحد- تذكيراً لأهل الجنة الذين فيها بنعمة الله عليهم؛ حتى يداوموا على حمد الله وشكره وغير ذلك من الفوائد التي لا يعلمها إلا الله ، كما أن هناك من المخلوقات ما لا يفنى كالكرسي والقلم وغير ذلك، والله أعلم.
стр. 1096
القائلون بفناء النار وأدلتهم
قال رحمه الله تعالى: [وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم ﵃].
هؤلاء أربعة من الصحابة ﵃ نقل عنهم القول بذلك، وإن كان كثير من أهل العلم طعنوا في أسانيد النقل إليهم، لكن الكلام فيها بين الصحابة وبين التابعين مشهور، بغض النظر عمن ثبت عنه القول ومن لم يثبت، مع أن بعض أهل العلم صحح القول المنسوب إلى عمر ﵁ في بعض أسانيده.
стр. 1097
أثر عمر في خروج أهل النار منها
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى عبد بن حميد -وهو من أجل علماء الحديث- في تفسيره المشهور، قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن البصري قال: قال عمر ﵁: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه.
وقال: أنبأنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج، لكان لهم يوم يخرجون فيه.
ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣].
وهذا يبين أن مثل الشيخ الكبير من علماء الحديث والسنة يروي عن مثل هؤلاء الأئمة في الحديث والسنة، مثل: سليمان بن حرب، الذي هو من أجل علماء السنة والحديث، ومثل: حجاج بن منهال في كلامهما، عن حماد بن سلمة مع جلالته في العلم والسنة، والذي يروى من وجهين: من طريق ثابت، ومن طريق حميد، هذا عن الحسن البصري الذي يقال: إنه أعلم من بقي من التابعين في زمانه، يرويه عن عمر بن الخطاب، وإنما سمعه الحسن من بعض التابعين، فسواء كان قد حفظ هذا عن عمر أو لم يحفظ، كان مثل هذا الحديث متداولاً بين هؤلاء العلماء الأئمة لا ينكرونه، وهؤلاء كانوا ينكرون على من خرج عن السنة من الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والجهمية.
وكان أحمد بن حنبل يقول: أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبتدعة.
فهؤلاء من أعظم أعلام أهل السنة الذين ينكرون من البدع ما هو دون هذا، لو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للكتاب والسنة والإجماع، كما يظنه طائفة من الناس].
قصد الشيخ هنا: أن الإرسال بين الحسن وبين عمر بن الخطاب ﵁ لا يضر في ثبوت أصل القضية بين السلف، وأنها مسألة يتكلم فيها؛ لأن هذا السند رجاله ثقات إلى الحسن، والحسن ﵀ نسبه إلى عمر، وسواء صحت النسبة أو لم تصح فهذا لا يضر بأصل القضية؛ لأن الحسن تكلم بها وأسندها إلى عمر، ثم كلامه بها اشتهر، ورواه عنه هؤلاء الثقات الذين يميزون، وهم صيارفة الأسانيد والحديث، ومع ذلك ما أنكروا أصل القضية حينما رووها، فلو كان هذا الكلام عندهم بدعة لبدعوه وردوه.
قال رحمه الله تعالى: [وعبد بن حميد ذكر هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]؛ ليبين قول من قال: الأحقاب لها أمد ينفد، ليست كالرزق الذي ما له من نفاد، ولا ريب أنه من قال هذا القول، قول عمر ومن نقله عنه، إنما أرادوا بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها.
فأما قوم أصيبوا بذنوب، فأولئك قد علم هؤلاء وغيرهم بخروجهم منه، وأنهم لا يلبثون فيها قدر رمل عالج، ولا قريباً من ذلك.
والحسن كان يروي حديث الشفاعة في أهل التوحيد، وقد ذكره البخاري ومسلم عنه، وكذلك حماد بن سلمة كان يجمعها ويحدث بها، وكذلك سليمان بن حرب وأمثاله، فهذا عندهم لا يقال فيه مثل هذا، ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين، بل يختص بمن عداهم، كما قال النبي ﷺ : (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون).
وقوله: (يخرجون منها) أي: يخرجون من جهنم بعد أن يفنى عذابها وينفد وينقطع.
فهم لا يخرجون منها -يعني: جهنم- بل هم خالدون في جهنم، كما أخبر الله ، لكن إذا انقضى أجلها، وفنيت كما تفنى الدنيا، لم يبق فيها عذاب، وذلك أن العالم لا يعدم، وجهنم في الأرض، والأرض لا تعدم بالكلية، ولكن فناؤها بتغير حالها، واستحالتها من حال إلى حال.
كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، وهم لا يعدمون، بل يموتون ويهلكون، وكما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، فإذا أنفده الرجل فقد نفد ما عنده، إن كان لم يعدم، بل انتقل من حال إلى حال.
стр. 1098
أثر ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله)
وفي تفسير علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس ﵄ -وهو معروف مشهور- ينقل منه عامة المفسرين الذين يسندون التفسير كـ ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وعثمان بن سعيد الدارمي، والبيهقي، والذين يذكرون الإسناد مجملاً كـ الثعلبي، والبغوي، والذين لا يسندون كـ الماوردي، وابن الجوزي قال: قوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨].
قال: وفي هذه الآية أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا ناراً.
قال الطبري: وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يتأول في هذا الاستثناء: أن الله تعالى جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته].
إذاً: ينبغي أن نستصحب في أذهاننا أمرين: الأمر الأول: أن شيخ الإسلام هنا لم يؤيد هذا القول ولم يعارضه، بمعنى أنه لم ينتصر له انتصاراً يرى أنه هو الراجح، ولم يظهر منه أنه يرى أن هذا القول باطل، إنما ساقه على أنه قول قيل من أهل العلم، وأنه ثبت أنه قال به من لهم اعتبارهم من أهل العلم.
الأمر الثاني: أن هذا القول بحد ذاته ليس من الأقوال المنكرة، بغض النظر عن كونه راجحاً أو مرجوحاً، وإن كان غير قول الجمهور، لكنه قول له اعتباره؛ لعموم الأدلة، وهذا الاعتبار لا يعني أنه صحيح بالضرورة، قد يكون الصحيح هو رأي الجمهور، لكن يريد ﵀ أن يقرر أن هذه المسألة مسألة مشهورة، وقال بها من لهم علمهم وفضلهم من السلف، وطائفة أقروها ولم ينكروها وإن لم يقولوا بها، ورووها بأسانيد صحيحة ولم ينكروا أصل القول، إنما سكتوا عنه، فغاية ما يقال: إن هذا القول اجتهادي، وإن من قال به خلاف رأي الجمهور يمكن أن يقال: إنه أخطأ، لكن ليس ببدعة؛ لأن الدلالة على قول هذا الفريق وجيه، ويكون قول الجمهور أوجه منه وأصح.
إذاً: لا بد من أن نضع في أذهاننا أن سياق شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة، وذكر أقوال الذين قالوا بفناء النار وانقطاع عذابها وذكر أدلتهم لا يعني أنه ينتصر لهذا القول، ولا أنه هو القول الراجح، وكثيراً ما يسلك شيخ الإسلام هذا المسلك في المسائل الخلافية، يسردها دون أن ينتصر لها أو يرد عليها، ينبغي أن نفهم هذا؛ لئلا يلتبس الأمر علينا.
قال رحمه الله تعالى: [قال الطبري: وروي عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الأنعام:١٢٨].
قال في هذه الآية: إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا ناراً.
وهذا الوعيد في هذه الآية ليس مختصاً بأهل القبلة، فإنه قال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٨ - ١٢٩]، (فأولياؤهم من الإنس) لفظ يدخل فيه الكفار قطعاً، فإنهم أحق بموالاتهم من عصاة المسلمين.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١].
وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَان
стр. 1099
الآثار الواردة عن ابن مسعود وأبي هريرة وغيرهما في خلو جهنم من المعذبين بعد مضي الحقب
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً، وهؤلاء هم الكفار.
وعن أبي هريرة ﵁ مثله.
قال البغوي: ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: ألا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان.
فيقال: إنهما لم يريدا ذلك، فإنهما بعدما يلبثون فيها أحقاباً، وهؤلاء هم الكفار المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ:٢١ - ٢٨].
وهذا وصف الذين كذبوا بآيات الله، ﴿كِذَّابًا﴾ [النبأ:٢٨] أي: تكذيباً، فهو تكذيب مؤكد بالمصدر، ولم أجد نقلاً مشهوراً عن أحد من الصحابة يخالف ذلك، بل أبو سعيد وأبو هريرة ﵄ هما رويا حديث ذبح الموت، وأحاديث الشفاعة، وخروج أهل التوحيد وغيرهما، قالا في فناء النار ما قالا، وقد نقل البغوي: روى السدي عن مرة عن عبد الله قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا.
وقد استفاض عن غير واحد من السلف تقدير الحقب بحد محدود، والأحقاب جمع حقب، فروى ابن أبي حاتم عن عطية عن ابن عباس ﵄ قال في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قال: سنين.
وعن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قال: الحقب: ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم كألف سنة، اليوم منها كالدنيا كلها.
قال ابن أبي حاتم، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وهلال الهجري والضحاك وذكوان والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وعمرو بن ميمون أنهم قالوا: الحقب: ثمانون سنة.
وعن هشام عن الحسن البصري أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] فقال: الله أعلم بالأحقاب، فليس فيها عدد إلا الخلود، ولكنه بلغنا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كل يوم من تلك الأيام كألف سنة مما تعدون.
وعن هشام عن الحسن قال: الأحقاب لا يدري أحد ما هي؟ ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون.
وقوله: الله أعلم ما الأحقاب، ولا يدري أحد ما هي؟ يقتضي أن لها عدداً الله أعلم به، ولو كانت لا عدد لها لعلم كل واحد أنه لا عدد لها، ويؤيد ما نقله الحسن عن عمر بن الخطاب كما تقدم.
قول الحسن: (ليس فيها عدد إلا الخلود) حق أيضاً، فإنهم خالدون فيها لا يخرجون منها ما دامت باقية، فأقوال الحسن يصدق بعضها بعضاً.
وأما خلودهم في النار فهو حق كما أخبر الله.
وعن السدي: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قال: سبعمائة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم كألف سنة مما تعدون.
وعن عبد الله بن عمرو قال: الحقب: أربعون سنة.
стр. 1100
أقوال الناس في الأحقاب المذكورة في آية النبأ من حيث تحديدها وعدمه
وقد تنازع الناس في الأحقاب، هل هي مقدرة محدودة؟ على قولين: فعلى قول السدي وغيره: هي محدودة مقدرة، وهو قول الزجاج وغيره، لكن قال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً، لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً.
قال الزجاج: وبيانه: أن الأحقاب حد لعذابهم بالحميم والغساق، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب.
وهذا الذي قاله الزجاج شاذ، خلاف ما عليه الأولون والآخرون، وهو خلاف ما دل عليه القرآن، فإن هذا يقتضي أنهم يبقون بعد الأحقاب فيها، ولكن لا يذوقون البرد والشراب حينئذٍ، وهذا باطل قطعاً، ثم إذا ذاقوا البرد والشراب فهذا نعيم، فكيف يكونون معذبين فيها بعد ذلك؟ وقال بعضهم: هذه الآية منسوخة، وقيل: هي في أهل التوحيد.
قال عبد الحق بن عطية في تفسيره: ومن الناس من ظن لذكر الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم، فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن حيان: الحقب سبع عشرة ألف سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠]، قال: وقد ذكرنا فساد هذا القول].
لا يمكن أن يرد نسخ الأخبار؛ فالله إذا قال خبراً لا يمكن نسخه؛ لأن النسخ لا يرد إلا في الأوامر والنواهي والأحكام، فالكلام في النسخ مستبعد.
قال رحمه الله تعالى: [وقال آخرون: الموصوف باللبث أحقاباً عصاة المؤمنين.
قال: وهذا أيضاً ضعيف؛ فما بعده من السورة يرد عليه.
وقال آخرون: إنما المعنى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] غير ذائقين برداً ولا شراباً، فبهذه الحال: يلبثون أحقاباً، ثم يبقى العذاب سرمداً وهم يشربون أشربة جهنم.
والقول الثاني: إنها غير مقدرة، وقال هؤلاء: هذا لا يدل على غاية؛ لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب، ولو أنه قال: لابثين فيها عشرة أحقاب، أو خمسة أحقاب دل على غاية، هذا قول ابن قتيبة وغيره.
قال أبو الفرج بن الجوزي: وهذا قول ابن قتيبة والجمهور، وبيانه: أن زمان أهل الجنة والنار يتصور دخوله تحت العدد، كقوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:١١]، ومثل هذا أن كلمات الله داخلة تحت العدد، وإن لم يكن لها نهاية، فيقال: هذا ممنوع، فما لا نهاية له يمتنع أن يدخل تحت العدد، وإنما يدخل تحت العدد ما له مقدار محدود وهو المعدود، لكن إذا أُخِذَ بعض من أبعاضه دخل تحت العدد، كالبكرة والعشي، وهو مقدار يوم من أيام الجنة، ويعرف ذلك بنور يظهر لهم يزيد على النور المعتاد، يعرفون به البكرة والعشي، كما تظهر الشمس لأهل الدنيا، لكن الجنة ليس فيها ظلمة.
وقوله: (كلمات الله داخلة تحت العدد) ممنوع؛ إنما يدخل منها تحت العدد بعض من أبعاضها، مثل: الآيات المنزلة، وإلا فما لا نهاية له كيف يكون معدوداً، وكلما عد بقدر معدود فهو ما حدّ، وما يقدره الإنسان بلسانه وذهنه من العدد فله حد، والذي لا يتناهى ليس له مقدار لا في ذهنه ولا في لسانه.
стр. 1101
استدلال القائلين بفناء النار وانقطاع عذابها بقوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك)
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن جعفر بن سليمان عن الجريري قال: سمعت أبا نضرة يقول: ينتهي القرآن إلى هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
وقد روى حرب الكرماني وأبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الخدري وعن قتادة في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧] الله أعلم بتثنيته على ما وقعت.
وروى الطبري عن يونس أنبأنا ابن وهب حدثنا ابن زيد في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] فقرأ حتى بلغ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، فأخبرنا الذي شاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
وعن السدي: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] إن هذه الآية يوم نزلت كانوا يطمعون في الخروج.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣]، وذكر البغوي عن عبد الرحمن بن زيد أنه قال: قد أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
وقد روى علماء السنة والحديث في ذلك آثاراً عن الصحابة والتابعين، مثل ما روى حرب الكرماني، وأبو بكر البيهقي، وأبو جعفر الطبري وغيرهم عن الصحابة في ذلك.
وفي المسند للطبراني: ذكر فيه: (أنه ينبت فيها الجرجير) وحينئذ فيحتج على فنائها بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، مع أن القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنة ولا أقوال الصحابة.
منها ما رواه حرب والبيهقي، قال حرب الكرماني: سألت إسحاق عن قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾ [هود:١٠٧]، قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن.
قال إسحاق: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال لي أبي: حدثنا أبو نضرة عن جابر أو أبي سعيد، أو بعض أصحاب النبي ﷺ ﵃ قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
قال المعتمر: قال أبي: عنى كل وعيد في القرآن.
ورواه أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره قال: حدثنا الحسن بن يحيى أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا ابن التيمي عن أبيه عن أبي نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ﵃ في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله، فيقول: حيث كان في القرآن: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود:١٠٧]، تأتي عليه.
وقال ابن جرير حدثت عن ابن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس ﵃: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧]، قال: استثنى الله ، قال: يأمر النار أن تأكلهم.
قال: وقال ابن مسعود ﵁: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً.
وقال: حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمراناً، وأسرعهما خراباً.
وقال حرب الكرماني عن إسحاق بن راهوية حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي بلج سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو رضي الله
стр. 1102
أدلة وطرق الذين قطعوا بدوام النار
قال رحمه الله تعالى: [قلت: والذين قطعوا بدوام النار لهم أربع طرق: أحدها: ظن الإجماع، فإن كثيراً من الناس يعتقد أن هذا مجمع عليه، ولا خلاف فيه بين السلف، وإن كان فيه خلاف حادث فهو من أقوال أهل البدع.
والثاني: أن القرآن قد دل على ذلك دلالة قطعية، فإنه أخبر بخلودهم في النار أبداً في غير موضع من القرآن.
والثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار دون الكفار، فإنهم لم يخرجوا.
والرابع: قول من يقول: الرسول وقفنا على ذلك، وعلمناه من بعده ضرورة، ولا يحتجون بنص معين، وعامة الناس يقولون: هذا لا نعلمه إلا من الخبر، وشذ بعضهم فزعم أن العقل دل على خلود الكفار.
فأما الإجماع فهو أولاً: غير معلوم، فإن هذه المسائل لا يقطع فيها بإجماع، نعم قد يظن فيها الإجماع، وذلك قبل أن يعرف النزاع، وقد عرف النزاع قديماً وحديثاً، بل إلى الساعة لم أعلم أحداً من الصحابة قال: إنها لا تفنى، وإنما المنقول عنهم ضد ذلك، ولكن التابعون نقل عنهم هذا وهذا.
стр. 1103
أدلة دوام النار من القرآن
وأما القرآن فالذي دل عليه حق، وليس في القرآن ما يدل على أنها لا تفنى، بل الذي يدل عليه ظاهر القرآن أنهم خالدون فيها أبداً، كما أخبر الله في غير موضع، وأخبر أنهم يطلبون الموت والخروج منها، ويطلبون تخفيف العذاب فلا يجابون: لا إلى هذا ولا إلى هذا، وأخبر أنهم ماكثون فيها، وأخبر أنهم ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٧]، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧ - ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٨].
وقوله: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: يميتنا، وهكذا قال المفسرون مثل: السدي وابن زيد وغيرهما.
قال السدي: يقضي علينا بالموت، وقال ابن زيد: القضاء هاهنا: الموت.
وكذلك قال سائر المفسرين، وهذا كقوله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦].
وعن الفراء في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥] إلى قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧]، وذلك أن القضاء هو الإكمال والإتمام، والأمر المقتضى هو الذي قد مضى وفرغ.
وبالموت تنقضي حياة الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة:١٦١ - ١٦٢].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٦ - ٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨].
فهذه النصوص وأمثالها في القرآن تبين أنهم خالدون في جهنم لا يموتون ولا يحيون، وأنهم يسألون هذا وهذا فلا يجابون.
وهذا يقتضي خلودهم في جهنم دار العذاب مادام ذلك العذاب باقياً، ولا يخرجون منها مع بقائها وبقاء عذابها، كما يخرج أهل التوحيد، فإن هؤلاء يخرجون منها بالشفاعة، وغير الشفاعة مع بقائها، كما يخرج ناس من الحبس الذي فيه العذاب، مع بقاء الحبس والعذاب الذي فيه على من لم يخرج.
стр. 1104
أدلة دوام النار من السنة
وهكذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح -صحيح مسلم - عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل).
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة في الحديث الطويل الذي فيه المرور على الصراط والشفاعة، وقال فيه: (حتى إذا فرغ الله من القصاص بين العباد، فأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم بأثر السجود، وتأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القصاص بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، وهو آخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة فيقول: رب اصرف وجهي عن النار) وذكر صرفه عن النار، ثم تقدمه إلى الجنة، ثم إلى بابها، ثم إدخاله الجنة، وأنه يعطيه ما تمناه ومثله معه.
ورواه أبو سعيد، وقال: (وعشرة أمثاله).
وكذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون، فيقول: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً، وقد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتهم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، إلى أن قال: ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً.
وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠].
فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبداً).
وفي رواية: (من إيمان) بدل قوله: (من خير)، قال فيه: (فيقول الجبار: قد بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواماً قد امتشحوا، فيلقيهم في نهر بأفواه الجنة) الحديث.
ولم يقل: (لم يعملوا خيراً قط).
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر الجنة دخولاً الجنة: رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله له: اذهب: فادخل الجنة، فيأتيها فتخيل إليه أنها ملآى إلى أن قال: فيقول الله له: اذهب، فإن لك عشرة أمثال الدنيا، أو إن لك الدنيا وعشرة أمثالها).
وفي رواية لـ مسلم: فيقول له: (تمن، فيتمنى، فيقال له: لك الذي تمنيت، وعشرة أضعافه).
وهذا يوافق حديث أبي سعيد من وجهين: وكذلك لـ مسلم من حديث جابر: (مثل الدنيا وعشرة أمثالها)، كما في اللفظ الأول في حديث ابن مسعود.
وفي حديث جابر في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى يخرج ناساً من النار فيدخلهم الجنة).
وفي رواية: (إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة).
ولـ مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة).
وللبخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنة، فيسمون: الجهنميين).
стр. 1105
الفرق بين بقاء الجنة والنار شرعاً وعقلاً
الفرق بين بقاء الجنة والنار.
والفرق بين بقاء الجنة والنار شرعاً وعقلاً، فأما شرعاً، فمن وجوه: أحدها: أن الله أخبر ببقاء نعيم الجنة ودوامه، وأنه لا نفاد له ولا انقطاع في غير موضع من كتابه، كما أخبر أن أهل الجنة لا يخرجون منها، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك، بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك، بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها.
الثاني: أنه أخبر بما يدل على أنه ليس بمؤبد في عدة آيات.
الثالث: أن النار لم يذكر فيها شيء يدل على الدوام.
الرابع: أن النار قيدها بقوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٨]، وقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾ [هود:١٠٧]، فهذه ثلاث آيات تقتضي قضية مؤقتة أو معلقة على شرط، وذلك دائم مطلق ليس بمؤقت ولا معلق.
الخامس: أنه قد ثبت أنه يدخل الجنة مَنْ يُنَشَأه في الآخرة لها، ويدخلها من دخل النار أولاً، ويدخلها الأولاد بعمل الآباء، فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيراً، وأما النار فلا يعذب أحد إلا بذنوبه، فلا تقاس هذه بهذه.
السادس: أن الجنة من مقتضى رحمته ومغفرته، والنار من عذابه، وقد قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠].
وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٩٨].
وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧].
فالنعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته، فيجب داومه بدوام معاني أسمائه وصفاته.
وأما العذاب فإنما هو من مخلوقاته، والمخلوق قد يكون له انتهاء مثل الدنيا وغيرها، لاسيما مخلوق خلق لحكمة تتعلق بغيره.
السابع: أنه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، وقال: (سبقت رحمتي غضبي) و (غلبت رحمتي غضبي).
وهذا عموم وإطلاق، فإذا قدر عذاب لا آخر له، لم يكن هناك رحمة ألبتة.
الثامن: أنه قد ثبت مع رحمته الواسعة أنه حكيم، والحكيم إنما يخلق لحكمته العامة، كما ذكر حكمته في غير موضع، فإذا قدر أنه يعذب من يعذب لحكمة كان هذا ممكناً، توجد في الدنيا العقوبات الشرعية فيها حكمة، وكذلك ما يقدره من المصائب فيها حكم عظيمة، فيها تطهير من الذنوب، وتزكية للنفوس، وزجر عنها في المستقبل للفاعل ولغيره، ففيها عبرة، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب، ولهذا قال في الحديث الصحيح: (إنهم يحبسون بعد خلاصهم من الصراط على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة).
والنفوس الشريرة الظالمة التي إذا ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه، لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والظلم والشر، فإذا عذبوا بالنار عذاباً يخلص نفوسهم من ذلك الشر، كان هذا معقولاً في الحكمة، كما يوجد في تعذيب الدنيا، وخَلْقُ مَنْ فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة، أما خَلْقُ نفوسٍ تعمل الشر في الدنيا، وفي الآخرة لا تكون إلا في العذاب، فهذا تناقض يظهر فيه من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر في غيره.
ولهذا كان الجهم لما رأى ذلك ينكر أن يكون الله أرحم الراحمين، وقال: بل يفعل ما يشاء، الذين سلكوا طريقته كـ الأشعري وغيره، ليس عندهم في الحقيقة حكمة ورحمة، ولكن له علم وقدرة وإرادة لا ترجح أحد الجانبين، ولهذا لما طلب منهم أن يقروا بكونه حكيماً، فسروه بأنه عليم أو قدير أو مؤيد، وليس من الثلاثة ما يقتضي الحكمة، وإذا ثبت أنه رحيم حكيم، وعلم بطلان قول الجهم تعين إثبات ما تقتضيه الرحمة والحكمة.
وما قاله المعتزلة أيضاً باطل، فقول القدرية المجبرة والنفاة في حكمته ورحمته باطل، ومن أعظم ما غلطهم اعتقادهم تأييد جهم، فإن ذلك يستلزم ما قالوه، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم، والله سبحانه أعلم.
стр. 1106
الآيات الواردة في بقاء الجنة وعدم فنائها
وأما آيات بقاء الجنة.
فالأول: مثل قوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥].
فأخبر أنه دائم، والمنقطع ليس بدائم.
والثاني: مثل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]، والمنقطع ينفد.
والثالث: قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، فأخبر أن ما في الدنيا من الخير ينفد، وما عند الله باق لا ينفد، فلو كان لما عند الله من النعيم آخر، لكان ينفد كما ينفد نعيم الدنيا، ولم يكن باقياً لا ينفد.
والرابع: مثل قوله تعالى في آيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:٨].
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٥].
كما قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم:٣].
قال عامة المفسرين: غير مقطوع ولا منقوص.
وذكروا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: غير مقطوع.
وعن مقاتل: غير منقوص أيضاً.
قال عامة المفسرين: غير مقطوع ولا منقوص، كما قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم:٣].
قالوا ومنه المنون؛ لأنه يقطع عمر الإنسان.
وعن مجاهد: غير محسوب.
وهذا يوافق ذلك؛ لأن ما ينتهي مقدر محسوب، بخلاف ما لا نهاية له فإنه غير محسوب.
وقد شذ بعض الناس فقال: غير ممنون عليهم، من جنس قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧].
وهذا القول مع مخالفته لأقوال السلف والجمهور هو خطأ لوجوه: أحدها: أن الله يمن علينا بكل نعمة أنعم بها علينا، حتى بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ [آل عمران:١٦٤].
وقال أهل الجنة ما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٧].
وهذا قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
وقوله: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧]، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل أحد منكم بعمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
والله تعالى في غير موضع يذكر آلاءه وإحسانه ونعمه على عباده، ويأمرهم أن يذكروها، ويأمرهم أن يشكروها.
والعبد قد نهي أن يمن بصدقته بقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤]؛ لأن المتصدق في الحقيقة إنما أحسن إلى نفسه لا إلى المتصدق عليه؛ فإنه لولا أن له في ذلك منفعة وأجراً وعوضاً لم يتصدق عليه، فصار كالذي يخدم المماليك بأجرة يأخذها من سيدهم ليس بمحسن إليهم.
وأيضاً فإن المصدق الله هو المنعم عليه بما يسره الله للإحسان إلى نفسه، وعليه أن يشكر الله تعالى ويرى أن الله هو المحسن إليه، فإن نظر إلى الفعل فالله خالقه، وإن نظر إلى غايته فهو يطلب جزاءه وعوضه من الله، وإن نظر إلى المحسن إليه فهو المحسن إلى نفسه، والله أحسن إليه أن جعله محسناً إلى نفسه لا ظالماً لها.
فلهذا كان مَنُّهُ على المخلوق ظلماً أبطل به صدقته، والله هو المنعم على عباده حقيقة بالنعمة، والشكر عليها إذا أعانهم على شكره، وجعلهم شاكرين بنعمته، بثواب الشكر، فكل ذلك تفضل منه وإحسان من غير أن يكون له على ذلك عوض يأخذه من غيره، لا من المحسن إليه ولا من غيره فهو المنعم حقيقة، وإن كان له في الإنعام حكمة يحبها ويرضاها، فتلك الحكمة منه، فما لأحد عليه مِنَّة، وهو الجواد المحض، وهو سبحانه ليس كمثله شيء.
وللناس كلام في الجود والإحسان، ومن يفعل لحكمة ومقصود لحكمة هو مقصود هل هو جواد أم ليس بجواد؟ أم يفرق بين من يطلب عوضاً من غيره، فيحتاج إلى غيره، فيكون جوده من باب المعاوضة، وبين من لا يحتاج إلى غيره، بل هو الجواد بالنعم وبالحكم كما قد بسط في غير هذا الموضع.
ولأنه لما قال تعالى: ﴿
стр. 1107
تحقيق موقف شيخ الإسلام من القول بفناء النار
كما سمعتم لقد ساق شيخ الإسلام الأقوال في هذه المسألة، ويظهر للقارئ أنه انتصر للقول بأن عذاب النار ينقطع وينتهي، وأن مآل الجميع إلى دار النهاية، لكن هذا لا يعني أنه تبنى هذا القول جزماً، أو أنه هو رأيه، وإنما ساق أقوالاً تبقى المسألة محتملة، الله أعلم بها؛ ولذلك تنازع الناس هل هذا رأي شيخ الإسلام أم أنه حكاه مجرد حكاية وقرره، الله أعلم بالحال، ولا يظهر أنه توقف؛ لأنه لم يصرح بالتوقف، فلا نستطيع أن نجزم أنه توقف، وإلا قد يرد ذلك.
وقد ورد حول هذا الموضوع سؤال عن رسالة لـ عبد الكريم الحميد في هذه المسألة، وأنا سبق أن قرأت للحميد رسالة قديمة من حوالي ثمان سنوات أو أكثر مخطوطة في هذا الموضوع، لكن السائل هنا يذكر أن هذه الرسالة فيها رد على ما توجه في مقدمة هذا الكتاب من أن هذا ليس قولاً نجزم به على شيخ الإسلام، وأنا لم أطلع على هذا الرد الأخير، وإنما اطلعت على الكلام الذي ينزع فيه إلى أن هذا هو قول شيخ الإسلام كما في رسالة الحميد، فهو يرى أن ما ذكره الشيخ في هذه الرسالة التي قرأناها هو قوله، أي: قول شيخ الإسلام.
стр. 1108
تنبيهات في مسألة فناء النار
لعل مسألة القول بفناء النار من المسائل التي لا تزال تستحوذ على أذهان الكثيرين، والقضية كما تعرفون ليست جديدة على أهل العلم المتخصصين، والذي وردني بشأنها بعض الأمور من الإخوة أحب أن أنبه إليها بإيجاز.
الأمر الأول: أنني أحب أن أؤكد على ما سبق أن ذكرته أكثر من مرة، وهو أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقرر في كثير من كتبه رأي جمهور السلف وينتصر له، من أنه لا يجوز القول بفناء النار، وأن هذا من أقوال الجهمية، وهذا تكرر كثيراً في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكثيراً ما كان يرد على الجهمية وعلى أصحاب هذا القول، وكلامه واضح، ومع ذلك ما نسب عنه من سرده لأقوال الناس في الرسالة السابقة الغالب أنه صحيح، لكنه حسب ما قرأنا وسمعتم أنتم وعند التمعن والتبين للحال نجد أن شيخ الإسلام لم يذكر بصراحة أنه يتبنى هذا الرأي أو يؤيده، وإنما ذكر أقوال هؤلاء وذكر أقوال هؤلاء، وتوسع في أقوال المخالفين؛ لأن المقام يقتضي حشد كل ما عندهم من الأقوال والأصول والقواعد، فينبغي أن يفهم هذا، حتى لا يدعي أحد ويجزم أن شيخ الإسلام قال بفناء النار؛ لأن أقواله في إنكار هذا القول كثيرة جداً في مواضع كثيرة، فيحمل الصريح على غير الصريح كما هي القاعدة، والمجمل يحمل على المبين، ويحمل على المفسر، هذه قاعدة شرعية، إذا وجد من أي إنسان فضلاً عن الأئمة قول مجمل وقول مفصل ومفسر ومبين، فينبغي أن يحمل المجمل على المبين، وهذا ما أراه في موقف شيخ الإسلام ابن تيمية وهو إنكاره على من يقول بفناء النار، وهذا بين في مواضع كثيرة، أما سرده لرأي من يرى فناء النار وحشده للأدلة فإنما هو سياق مجرد عن الرأي، ما ظهر أنه انتصر لهذا القول، أو قال: هذا رأيي، أو هذا ما أرجحه، وليس هناك ما يدل على ذلك، ولا حتى بالإشارة، وإنما غاية ما يمكن أن يقوله بعض المتكلفين أن سكوته إقرار، وهذا لا يصح دائماً، ليس كل سكوت إقرار في معرض بيان أقوال أهل العلم وتفصيله.
الأمر الثاني فيما يتعلق بهذه القضية أيضاً: أن بعض الإخوة أنكر إثارة مثل هذا الموضوع، وقال: هل من المصلحة أن تثار مثل هذه المسألة؟ أقول: مثل هذه المسائل الغامضة والمشكلة ينبغي ألا تثار عند عموم الناس، ولا في المحاضرات العامة، ولا في دروس المبتدئين، لكن في درس متخصص يحضره مثل هؤلاء النخبة، الذين هم طلبة علم إن شاء الله ينبغي أن يثار الموضوع؛ لأنه من الأمور التي كتب فيها الناس الآن، والقول فيها سجال بين فريق وآخر، وهناك راد ومردود عليه، وهناك كتب طبعت وموجودة في الساحة، ووصل الحد بإناس إلى طلب المباهلة في مثل هذا الموضوع.
إذاً: فلا بد من إثارتها عند أمثالكم، ولا تستغربوا هذا، ولستم في عافية من إثارة القضايا العقدية الخطيرة المهمة التي تحدث إثارتها بين طلاب العلم بخاصة، فلا تضيق صدوركم ذرعاً في عرض مثل هذا الموضوع في درس متخصص مثل هذا الدرس.
стр. 1109
الأسئلة
стр. 1110
الترجيح في مسألة القول بفناء النار
السؤال
كأنك تميل إلى القول بفناء النار، وكأنك تهز رأسك مؤيداً للأدلة التي ذكرها أصحاب القول بفناء النار، فكيف نوجه الآيات التي صرحت بأن أهل النار خالدين فيها أبداً، مثل: سورة النساء والأحزاب وغيرهما، وما زالت هذه التساؤلات تحيرني حتى أنقذني الله بـ (كتاب رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار) للإمام الصنعاني، حيث رد على شيخ الإسلام ابن تيمية وعلى تلميذه ابن القيم، وقد فند الأدلة ورد عليها، وقد قام بتحقيق الكتاب الشيخ الألباني، والشيخ الألباني يؤيد ما ذكر الإمام الصنعاني، وأثبت أن شيخ الإسلام يقول بذلك، وإنه خطأ، وقد جل من لا يخطئ؟
الجواب
لو قدر أني أرى هذا الرأي فقد سبقني من هو خير مني، لكن كنت أحكي أن هذا قول غريب، وكنت أذكر كثيراً أنه ينبغي في مثل هذه المسألة وغيرها، إذا كان لجمهور السلف فيها رأي، فإنه ينبغي للمسلم أن يلتزم به، وإذا كان لعدد قليل منهم قول فهو بمثابة زلة العالم، ولا ينبغي أن يكون لي رأي غير رأي الجمهور.
ففي الحقيقة أنا لا أعتقد ذلك، وإذا فهم مني أني أهز رأسي عندما يذكر دليل هذه المسألة فلا يجوز أن يبنى على ذلك حكم ورأي، فعلى أي حال فقد أوضحت أن رأي الجمهور هو الرأي الأرجح، وهو الذي ينبغي أن يتبناه طالب العلم، وهو الذي تقتضيه الأدلة صراحة.
стр. 1111
قواعد وضوابط في التكفير
السؤال
ما هو ضابط التكفير؟ وهل من ترك تكفير إنسان وقع في أحد نواقض الإيمان من الإرجاء؟ وما حكم تكفير النصراني؟ وما حكم تعيين شخص بعينه أنه كافر؟
الجواب
هناك قواعد وضوابط في التفكير أثرت عن السلف، وهي مستنبطة من النصوص الشرعية، من أهمها: القاعدة الأولى: أن الكافر الخالص يجب ألا نشك في كفره، اليهودي، والنصراني، والمشرك، والمنافق، والملحد، والزائغ عن دين الله المرتد، لا نشك في كفره ولا يجوز للمسلم أن يتردد في ذلك.
كما أن المسلم أيضاً يجب ألا نشك في إسلامه، حتى يتبين كفره، من كان مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويستقبل هذه القبلة، ويدعي الإسلام ولم يظهر منه ما يوجب الردة، فإنه يبقى على اسم الإسلام، حتى وإن ظهر منه ما يمكن أن يكون كفراً في القول والعمل.
القاعدة الثانية: ليس كل من فعل أو قال الكفر يكفر، إلا بانتفاء موانع وتوافر شروط يعلمها أهل العلم، ليس كل من قال أو فعل الكفر من المسلمين يكفر، بل أكثر من يقولون الكفر أو يفعلونه من المسلمين الأصل فيهم الإسلام، ما لم يكن ردة؛ لأن أغلب الأقوال الكفرية من باب الكبائر، وأغلب الأفعال الكفرية من باب الكلام، إذ الشرك الصريح مسألة معروفة، وليس كل من قال أو فعل الكفر يكفر.
القاعدة الثالثة: أنه جاء الوعيد بالتكفير، يعني: ورد الوعيد في وصف المسلم بالكفر وعلى أنه كافر، ومع ذلك لا يكفر إلا إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع.
القاعدة الرابعة: أننا لسنا متعبدين بتكفير من نرى كفرهم، بمعنى أنه لا يتعلق بذمة المسلم تكفير المسلمين خاصة، ولا يظن أنه إذا ما كفر من يظهر كفره منهم أنه يأثم، وأنه ارتكب ذنباً عظيماً، أو أنه إذا ما كفَّر كَفَر، كل هذا خطأ.
القاعدة الأخيرة: أنه لا يتناول التكفير إلا الراسخون في العلم، وإلا لو عرضنا هذه المسألة لكثير من طلاب العلم أو المتعالمين أو الحدثاء الذين ليس عندهم فقه في دين الله ، لكفّر الناسُ بعضهم بعضاً، ووقعت فتنة.
стр. 1112
معنى قاعدة (من شك في كفر المشركين فهو كافر)
السؤال
ما معنى قاعدة: من شك في كفر المشركين فهو كافر؟
الجواب
قاعدة: من شك في كفر المشركين أو كذا فهو كافر، هذه قاعدة، لا تنطبق على المسلم، نعم من شك في كفر المشركين من اليهود والنصارى والمرتدين الخلص، وأهل النفاق الخالص، فلاشك أن من شك بما ثبت شرعاً في الكتاب والسنة من كفر هؤلاء، فإنه يخشى عليه الكفر، فالقاعدة سليمة في غير المسلمين، أما في المسلمين فلا، حتى وإن كانوا أهل بدع، وإن كانوا أهل معاص وفجور وظلم، وإن تجاوزوا كثيراً من حدود الله ، ما داموا مسلمين لا نكفرهم إلا ببينة.
стр. 1113
شرح العقيدة الطحاوية [٩٣]
الله خالق كل شيء، ومن مخلوقاته أنه خلق العباد وأفعالهم، والعباد فاعلون لها على الحقيقة، وهي كسب لهم، وبها صاروا مطيعين أو عصاة، وقد خالفت الجبرية والقدرية في مسألة خلق أفعال العباد، وأوردوا شبهات وإيرادات دحضها أهل السنة وردوا عليهم وأبطلوا أدلتهم.
стр. 1114
أفعال العباد خلق الله وهم فاعلون لها حقيقة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد).
اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية].
أفعال العباد على نوعين: أفعال اختيارية، وأفعال غير اختيارية، أما الأفعال الاختيارية فالتي يفعلها العباد بمحض إرادتهم، وهذه لا تتأتى إلا من أفعال العقلاء، وغير العقلاء لا يخضعون في هذا؛ لأن أفعالهم قصرية، فمثلاً: المجانين والأطفال أفعالهم شبه قصرية، حتى وإن كان عند الطفل المميز شيء من الاختيار، لكنه غير مكلف، وعلى هذا فإن الحديث منصب على أفعال المكلفين العقلاء الذين يختارون أفعالهم الاختيارية، التي بمقدورهم أن يفعلوها أو يتركوها.
أما النوع الثاني: وهو الأفعال غير الاختيارية، وهي الأفعال القصرية المتعلقة بتسيير أحوال العباد في شئونهم الخاصة، وفي أنفسهم، وفي أجسامهم، مثل: حركة الدم، وحركة الجسم وغير ذلك من الحركات التي عُبِّر عنها الآن اللاإرادية، هذه أمور لا تدخل في هذا الكلام، إنما الداخل في هذا الكلام الذي سيأتي الخلاف فيه، هو أفعال العباد التي يفعلونها باختيارهم أو يتركونها باختيارهم، مما يستطيعونه ويقدرون عليه تركاً أو فعلاً.
قال رحمه الله تعالى: [فزعمت الجبرية -رئيسهم الجهم بن صفوان الترمذي - أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز، وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصِّله.
وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى، واختلفوا فيما بينهم أن الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟].
هنا ذكر الشارح أو نسب القول المخالف للمعتزلة، والمعتزلة هم الذين يقولون بأن الإنسان مختار لأفعاله اختياراً مطلقاً، ليس لله فيها تقدير ولا مشيئة، هذا هو قول القدرية، فهو نسبه إلى المعتزلة؛ لأن أشهر من تبناه في القرن الثاني وما بعده المعتزلة، وإلا فأصل هذا القول هو قول القدرية الأولى، قول معبد الجهني وغيلان الدمشقي ومن سلك سبيلهما.
والقدرية الأولى يقولون: لا قدر، أي: أن الله لم يقدر أفعال العباد المكلفين، وأن الأمر أُنُف، يعني: مستأنف، وأن أفعالهم حدثت بإرادتهم الكاملة، وليس لله فيها تقدير، بل بعضهم بالغ وقال: ليس لله فيها علم أصلاً، وهذا كفر محض، فمن أنكر العلم والتقدير فقوله كفر، حتى لو لم نكفره، ثم لما جوبه وقوبل هذا القول بشيء من الاستنكار حتى عند عوام الناس لطفته المعتزلة فيما بعد، وقالوا: نحن لا نقول بإنكار العلم السابق، إنما نقول بأن أفعال العباد من اختيارهم الاختيار المطلق، ومع ذلك فإن بعض المعتزلة حصروا هذه المسألة بأفعال الشر فقط، وقالوا: إن أفعال الشر هي التي ليست مقدرة من الله ، زعماً منهم أن هذا يقتضي التنزيه؛ لأنهم ظنوا أن الله إذا قدر شيئاً فقد رضي به، ونسوا أن الله قد يقدر الشيء من باب الابتلاء والفتنة، أو قد يقدره سبحانه بناء على ما سيفعل هذا الشخص في سابق علم الله، فهم ما استوعبوا قضية القدر، وحكموا عقولهم، فوقعوا في هذا، فمنهم من قال بأن جميع أفعال العباد العقلاء المكلفين ليست من تقدير الله إطلاقاً، إنما هي من أفعال العباد بحتة، حتى إن بعضهم صرح بأن الإنسان خالق أفعاله، وبعضهم حصر هذا في جانب فقط وهو جانب الشر.
إذاً: هذا هو قول القدرية، وليس كل المعتزلة يقولون به، إنما بعضهم يلطف العبارة.
стр. 1115
مذهب أهل السنة في خلق أفعال العباد
قال رحمه الله تعالى: [وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه].
يعني: أن الله منفرد بخلق المخلوقات جميعاً، بما فيها أفعال العباد، وهذا حتم لا بد منه، ولو افترضنا أن هناك أفعالاً لا تحدث بقدرة الله ولا بعلمه ولا بمشيئته، فإن هذا يؤدي إلى القول بخالق مع الله، وهذا هو قول المجوس، وقد كفروا بهذا القول.
قال رحمه الله تعالى: [فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد أصلاً، كما غلت المشبهة في إثبات الصفات فشبهوا، والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالِقِين مع الله تعالى، ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس من حيث إن المجوس أثبتت خالِقَين وهم أثبتوا خالِقِين].
قوله: (بل أردأ من المجوس) نقول: قول المجوس من أشنع الأقوال؛ لأن المجوس صرحوا بأن الخالق الآخر إله، وعبدوه من دون الله ، فلاشك أن مقولتهم إذا نظرناها من جميع الوجوه أشد وأشنع وأكفر من مقولة المعتزلة الجهمية أو المعتزلة القدرية، لكن قد يكون قول المعتزلة من بعض الوجوه أشد، وإلا فقول المجوس قول شنيع، ولاسيما أنهم نسبوا خلق الشر إلى إله آخر وعبدوه من دون الله، وأحياناً يقولون: إنه الشيطان، وعبدوا الشيطان، وهذا سبب نزعة عبادة الشيطان عند عبدة الشيطان الموجودين الآن في بعض البلاد.
وعبدة الشيطان لهم اصطلاحان: اصطلاح يطلق على طائفة قديمة هم امتداد للمجوس، وانتموا إلى بعض الفرق الإسلامية، وهؤلاء عباد الشيطان الذين في العراق وأجزاء من سوريا وشمال هذه المنطقة، هؤلاء نزعتهم نزعة مجوسية، فهم يعبدون إبليس نسأل الله العافية؛ لأنهم يرون أن له قدرة، ويستقل بخلق بعض الأفعال، منها: خلق الشر، وهناك صنف آخر من عبدة الشيطان، وهم الذين ظهروا أخيراً ويمارسون بعض الطقوس، وبين الفكرتين شيء من التشابه، لكن هذه فيها سذاجة ونوع من عدم التعمق الفكري، بينما تلك كانت متأصلة ومغرقة في الوثنية.
على أي حال هناك شبه بين قول المعتزلة والقدرية وبين قول المجوس، من حيث قولهم بأن الإنسان هو خالق أفعاله، أو ألزموا بهذا القول فجعلوا جميع العقلاء خالِقِين لأفعالهم، بينما المجوس أثبتوا خالقاً آخر مع الله فقط، هذا من الناحية العددية، وإلا من حيث شناعة القول فلاشك أن قول المجوس أشنع، وقول القدرية إنما هو امتداد لقول المجوس، وأغلب الذين نشروا قول القدرية إما أنهم مجوس أو أخذوه عن المجوس مباشرة، وقول القدرية كما أنه موجود في المجوسية، كذلك هو موجود عند بعض الفرق الصابئة، وعند بعض فرق اليهود، وبعض فرق النصارى، ويدل عليه قصة بطريرك الشام قسطنطين الذي سلم عمر بن الخطاب ﵁ مفاتيح بيت المقدس، فإن عندهم هذه النزعة القدرية بعينها، أي: القول بأن الإضلال ليس من تقدير الله، فلذلك لما خطب عمر ﵁ الناس في الجابية قال: ومن يضلل فلا هادي له، قام هذا الأسقف النصراني واعترض على عمر هذا القول، وقال: إن الله لا يضل أحداً، فلما سمع عمر ﵁ مقولته هدده بالقتل.
فإذاً: هذه المقولة موجودة عند النصارى وعند اليهود، لكن أصلها من المجوس، ولا شك أن نشأتها بين المسلمين جاءت من خلال النصارى والمجوس واليهود والصابئة.
قال رحمه الله تعالى: [وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فكل دليل صحيح يقيمه الجبري، فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش، وهبوب الرياح، وحركات الأشجار.
وكل دليل صحيح يقيمه القدري، فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مريد له مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى، وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته.
فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى، فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة، من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم].
هذا الأمر يذكرنا بضرورة استحضار مراتب القدر، وسبق الكلام عنها أكثر من مرة، لكن من المناسب الآن أن نستحضرها جيداً، فمراتب القدر أربع جاءت في النصوص القطعية، لا بد من الإلمام بها جميعاً؛ من أجل أن يحكم المسلم عقيدته في هذا الأمر، ويعرف الرأي المخالف بهذا الميزان معرفة واضحة بلا تردد ولا التباس.
المرتبة الأولى: العلم، وهي أن جميع المخلوقات لله بما في ذلك أفعال العباد تخضع أولاً لمرتبة العلم، وأن الله علمها أصلاً.
الثانية: الكتابة، وهي أن الله عز وجل
стр. 1116
الرد على الجبرية والمعتزلة في مسألة أفعال العباد
قال رحمه الله تعالى: [وهذا هو الواقع في نفس الأمر، فإن أدلة الحق لا تتعارض، والحق يصدق بعضه بعضاً ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين، ولكنها تتكافأ وتتساقط، ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخر، ولكن أذكر شيئاً مما استدل به كل من الفريقين، ثم أبين أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل.
فمما استدلت به الجبرية، قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فنفى الله عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على أنه لا صنع للعبد، قالوا: والجزاء غير مرتب على الأعمال، بدليل قوله ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
ومما استدل به القدرية، قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، قالوا: والجزاء مرتب على الأعمال ترتيب العوض، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ونحو ذلك.
فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فهو دليل عليهم؛ لأنه تعالى أثبت لرسوله ﷺ رمياً بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال:١٧]، فعلم أن المثبت غير المنفي، وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء، فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما يسمى رمياً، فالمعنى حينئذ والله تعالى أعلم: وما أصبت إذ حذفت، ولكن الله أصاب، وإلا فطرد قولهم: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما صمت إذ صمت، وما زنيت إذ زنيت، وما سرقت إذ سرقت!! وفساد هذا ظاهر.
وأما ترتب الجزاء على الأعمال فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة وله الحمد والمنة، فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات، فالنفي في قوله ﷺ : (لن يدخل الجنة أحد بعمله)، باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل يستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمة الله وفضله، والباء التي في قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ونحوها، باء السبب، أي: بسبب أعمالكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته.
стр. 1117
بيان ما يدخل في عموم (كل)
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فمعنى الآية: أحسن المصورين المقدرين، والخلق يذكر ويراد به التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، أي: الله خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم (كل) وما أفسد قولهم في إدخال كلام الله تعالى في عموم (كل)، الذي هو صفة من صفاته، يستحيل عليه أن يكون مخلوقاً.
وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم (كل)، وهل يدخل في عموم (كل) إلا ما هو مخلوق؟ فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم، ودخل سائر المخلوقات في عمومها، وكذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، ولا نقول: لأن (ما) مصدرية، أي: خلقكم وعملكم؛ إذ سياق الآية يأباه؛ لأن إبراهيم ﵇ إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتاً إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقاً لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقاً لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقاً له، بل الخشب أو الحجر لا غير.
стр. 1118
الرد على شبهة: كيف يعذب الله المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم ؟
وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من المعتزلة: أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضروري، وذكر الرازي أن افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده، ويمتنع عند عدمه ضروري، وكلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضروري، ثم ادعاء كل منهما: أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة غير مسلم، بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم الضروري، وإنما وقع غلطه في إنكار ما مع الآخر من الحق، فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثاً لفعله، وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]، فقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨] إثبات للقدر بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ [الشمس:٨]، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه؛ ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية، وقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] إثبات أيضاً لفعل العبد، ونظائر ذلك كثيرة.
وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم، بل مزقتهم كل ممزق، وهي أنهم قالوا: كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم، وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقاً في العالم على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته، وعنه تفرقت بهم الطرق، فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة الله تعالى، وطائفة أنكرت الحكم والتعليل وسدت باب السؤال، وطائفة أثبتت كسباً لا يعقل، جعلت الثواب والعقاب عليه، وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور بين قادرَين، ومفعول بين فاعلين، وطائفة التزمت الجبر، وأن الله يعذبهم على ما لا يقدرون عليه، وهذا السؤال هو الذي أوجب التفرق والاختلاف.
والجواب الصحيح عنه، أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقاً لله تعالى فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها، فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضاً.
يبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب، يقال: هو عقوبة أيضاً على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه، فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠].
فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة الله وعبوديته والإنابة إليه عوقب على ذلك، بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي؛ فإنه صادف قلباً خالياً قابلاً للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤].
وقال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣].
وقال الله : ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤١ - ٤٢]، والإخلاص: خلوص القلب من تأليه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته، فخلص لله فلم يتمكن منه الشيطان، وأما إذا صادفه فارغاً من ذلك تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنباً مسيئاً في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص، وهي محض العدل].
خلاصة الأمر في هذا الموضوع: أن مسألة أفعال العباد راجعة إلى تصور مراتب القدر أولاً.
ثانياً: تصور معنى الابتلاء، وتصور حكمة الله في ذلك، فإن الإنسان إذا تصور المراتب الأربع للقدر، ثم عرف أن الله بيّن للعباد طريق الخير وأقدرهم عليه، ورتب عليه الثواب، وبين لهم طريق الشر وحذرهم منه، ورتب عليه العقاب، فهذا أمر يتصوره كل عاقل يعرف شرائع الله ، فإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان محجوج بهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يمكن أن يقول عاقل بأن الإنسان الحر المختار قصر وجبر على شر دون أن يريده، إلا في حال لا يكلف ولا يحاسب فيها، فمن فقد عقله وفقد الاستطاعة سقط عنه الحساب، لكن في حال قدرته وإمكاناته فإنه محاسب على ما بيّنه الله له وأرشده إليه، وبذلك تقوم الحجة، وما وراء ذلك من الإشكالات والشبهات إنما هو من وساوس الشيطان، والله ليس بظلام للعبيد، ولا يمكن أن يحدث منه ولا في أفعاله ظلم لعباده.
يبقى ما ورد مما يحدث من أفعال الله إذا شاء للعباد فيها، مما هو محجوب عنهم ولا قدرة لهم عليه، مثل: مسألة الشقاء والسعادة المكتوبة سلفاً على العبد، فهذه مسألة محجوبة عن العب
стр. 1119
الأسئلة
стр. 1120
الرد على من قال بأن شيخ الإسلام هو أول من ابتدع مراتب القدر الأربع
السؤال
ذكر محقق شرح الواسطية للشيخ الهراس: أن بعض المبتدعة انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأنه أول من ابتدع هذا التقسيم لمراتب القدر الأربع، فما صحة ذلك؟
الجواب
لا، ليس بصحيح فقد سبق شيخ الإسلام كثير في هذه الأمور، وقد تكلم فيها السلف، لكن هل سموها مراتب وحدودها بأربع؟ هذا ما أدري عنه، لكن أصلوا القدر على هذا الأساس: مرتبة العلم، مرتبة الكتابة، مرتبة المشيئة والتقدير، مرتبة الخلق، هذه المراتب ذكرها السلف منذ أن نشأت القدرية في آخر القرن الأول الهجري، وليس من ابتداع شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 1121
شرح العقيدة الطحاوية [٩٤]
من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده أنه لا يكلف العباد ما لا يطيقون، بل لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد يطيقون أكثر مما كلفهم، ولكنه سبحانه رفع الحرج عن هذه الأمة ويسر لها الأحكام والتكاليف، وكل ما يجري في هذا الكون فهو يجري وفق حكمته وقدرته ومشيئته، لا راد لقضائه، ولا غالب لأمره، بل هو عدل حكم لا يظلم أحداً أبداً .
стр. 1122
مفهوم التكليف والاستطاعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره.
غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]].
هنا الإمام الطحاوي ﵀ في هذه العبارة جارى الأشعري فيما خالف فيه السلف في بعض التعبيرات، لكن الطحاوي ربما يقصد معنى آخر غير ما يقصده الأشعري، وتعلمون أن الأشعري ﵀ حينما رجع إلى السنة بعد أن كان معتزلياً بقيت عنده بعض النزعات الكلامية، من ضمنها ما يتعلق بمسألة الكسب والاستطاعة، أو تكليف ما يطاق أو ما لا يطاق.
فقوله: (ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون) هذا كلام لا بأس به؛ لأن الله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لكن العبارة الثانية فيها نظر، وهي قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) فهذه فيها نوع من الفلسفة والتكلف، وهي من كلمات الأشعري، ولا يؤيده عليها السلف بهذا الإطلاق، لا يقال: ولا يطيقون إلا ما كلفهم لأنه نوع من الجبر، قد يطيقون أكثر مما كلفهم، لكن الله بنى دينه على التيسير وعدم الحرج، وإلا لو كلف الناس بست صلوات لصلوا ست صلوات، لكن الله يسر لهم، والله فرض علينا خمسين صلاة، ثم خففت إلى خمس بأجر خمسين، وذلك من فضل الله.
فقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) هذا هو مذهب الأشعري الذي يرى أن القدرة لا تكون إلا عند الإرادة، ويرى أيضاً أن إرادة العبد إرادة شكلية ليست إرادة حقيقية، يعني: تأتي بالصدفة مع إرادة الله.
إذاً: فلا يصح أن يقال: (لا يطيقون إلا ما كلفهم)؛ لأنهم قد يطيقون أكثر مما كلفهم، لكن بمشقة وبحرج، والله رخص لهم ورفع عنهم الحرج والمشقة، وبنى دينه على التيسير.
أما تفسيره فيما بعد هو تفسير صحيح لا بأس به.
قال رحمه الله تعالى: [فقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون:٦٢].
وعند أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً، ثم تردد أصحابه أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فكان مأموراً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال].
الأصل أن السلف يكرهون الحديث في مثل هذه القضايا، كقول أبي الحسن الأشعري: إن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً.
هذه فلسفة في الحقيقة؛ لأن كلمة (جائز) أو (غير جائز عقلاً) هذه سفسطة لا ثمرة لها، وجميع الأمور الاعتقادية أو التفصيلية التي تكلم فيها الناس، والتي لا أصل لها في الشرع، أو لا يترتب عليها عمل فالكلام فيها بدعة، ولذلك بدّع السلف من استعمل علم الكلام أو تحدث به أو تناوله؛ لأنه حديث عن مثل هذه الأمور التي لا مصلحة من ورائها، فما الفائدة من أن الإنسان يتفلسف ويجادل غيره في أن الله يكلف ما لا يطاق أو لا يكلف، أو أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً أو غير جائز عقلاً؟ الله حكم وشرع لعباده شرعاً بني على قدرات العباد و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وبني على التيسير وانتهى الأمر.
ولو فرضنا أن العقل أجاز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز، فالنتيجة أن هذا أمر لا مصلحة فيه للعباد لا في دينهم ولا دنياهم، ولذلك مثل هذا الكلام يجب أن يجتنبه من يتقي الله ويتورع عن الدخول فيما لا يعنيه؛ لأنه ليس له تعلق بحياة الناس وبعلومهم الطبيعية أو علومهم الشرعية، بل مجرد فلسفة لا طائل تحتها، وعليه يقاس غيره من الأمور التي ليس وراءها لا أمر شرعي ولا مصلحة دنيوية طبيعية.
إذاً: الأصل في علم الكلام النهي؛ لأنه لا فائدة فيه لا في دين الناس ولا في دنياهم.
وهذه الأمور مما أخذت على الأشعري ﵀، ودخلت بسببه على كثير من أهل الفضل والعلم، دخلت على كثير من الأشاعرة والماتريدية وغيرهما، بل حتى أحياناً ممن ينتسبون إلى مذهب الإمام أحمد دخلوا في هذه الأمور، مع المهاترات والكلام والردود، وردود على الردود، مثل: الذي يحلم في منامه ينتهي إلى لا شيء.
قال رحمه الله تعالى: [والجواب عن هذا بالمنع، فلا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا
стр. 1123
معنى قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به)
وقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به) إلى آخر كلامه.
أي: ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه، وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، و (لا حول ولا قوة إلا بالله) دليل على إثبات القدر.
وقد فسرها الشيخ بعدها، ولكن في كلام الشيخ إشكال، فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: (لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم) وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد ولا يصح ذلك؛ لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه ولكنه تفضل علينا ورحمنا وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ففي العبارة قلق فتأمله.
стр. 1124
الفرق بين القضاء الكوني والقضاء الشرعي وكذلك الأمر والإذن والكتاب وغيرها
وقوله: (وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره) يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونياً وشرعياً، وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات ونحو ذلك.
أما القضاء الكوني ففي قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢].
والقضاء الديني الشرعي في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].
وأما الإرادة الكونية والدينية فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ: (ولا يكون إلا ما يريد).
وأما الأمر الكوني ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
وكذا قوله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، في أحد الأقوال وهو أقواها.
والأمر الشرعي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
وأما الإذن الكوني ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢].
والإذن الشرعي في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥].
وأما الكتاب الكوني ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
والكتاب الشرعي الديني في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣].
وأما الحكم الكوني ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب ﵇: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢].
والحكم الشرعي في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠].
وأما التحريم الكوني ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦].
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥].
والتحريم الشرعي في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣].
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
وأما الكلمات الكونية ففي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف:١٣٧].
وفي قوله ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر).
والكلمات الشرعية الدينية في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤].
стр. 1125
عدم ظلم الله لعباده بأي وجه من الوجوه
وقوله: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً) الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولاً وسطاً بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً يكون منه ظلماً وقبيحاً، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم، هو الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون].
هذه العبارة لو قيدت لكان أحسن، وهي قوله: (فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً) لو قال: ليس كل ما كان من بني آدم ظلماً إلى آخره، لكان أفضل؛ لأن هناك أشياء قبيحة تكون ظلماً ولا تجوز في حق الله ، كما لا تجوز في حق العباد، لا من باب القياس، لكن من باب أنها مما ينزه الله عنها؛ لأن الكامل ليس كالناقص، فالعباد ليس لهم سلطة على العباد، فكل تحكم في الآخرين يعتبر منهم ظلماً، أما الله إذا تحكم في عباده فإنما يتحكم في ملكه سبحانه.
فهذا هو الفارق، فالله يفعل في خلقه ما يريد، ويفعل في خلقه ما يشاء؛ لأنهم خلقه وملكه، لكن العباد لا يملك منهم أحد ملكاً حقيقياً، فلذلك تحكم العباد بالعباد ظلم إذا كان بغير حق، أما تحكم الله بالعباد على ما يشاء فليس بظلم؛ لأنه هو ربهم وهم ملكه، وبيده مقاليد السماوات والأرض سبحانه، ويفعل بملكه ما يشاء.
إذاً: لا يقال: ما يكون ظلماً من العباد يكون ظلماً من الله من كل وجه، فالتقييد يكون أضبط وأولى.
قال رحمه الله تعالى: [وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كل ما كان ممكناً فهو منه -لو فعله- عدل؛ إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢].
وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، وذلك يدل على نقيض هذا القول.
ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله ﷺ : (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا).
فهذا دل على شيئين: أحدهما: أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك.
الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك، فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه لا ما هو ممتنع عليه.
وأيضاً: فإن قوله: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]، قد فسره السلف بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
وأيضاً فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، حتى يؤمّن من ذلك، وإنما يؤمّن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: ﴿فَلا يَخَافُ﴾ [طه:١١٢]، علم أنه ممكن مقدور عليه، وكذا قوله: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق:٢٨]، إلى قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]، لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه، ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم، فعلى قول هؤلاء: ليس الله منزهاً عن شيء من الأفعال أصلاً، ولا مقدساً عن أن يفعله، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن ولا حقيقة للفعل السوء، بل ذلك ممتنع، والممتنع لا حقيقة له! والقرآن يدل على نقيض هذا القول في مواضع نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له، ولا ينبغي له، فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء، والفعل المعيب المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء، والوصف المعيب المذموم، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق عبثاً، وأنكر على من حسب ذلك وهذا فعل، وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)
следующие страницы →