← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

شرح العقيدة الطحاوية [٩٤] من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده أنه لا يكلف العباد ما لا يطيقون، بل لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد يطيقون أكثر مما كلفهم، ولكنه سبحانه رفع الحرج عن هذه الأمة ويسر لها الأحكام والتكاليف، وكل ما يجري في هذا الكون فهو يجري وفق حكمته وقدرته ومشيئته، لا راد لقضائه، ولا غالب لأمره، بل هو عدل حكم لا يظلم أحداً أبداً .

стр. 1122

مفهوم التكليف والاستطاعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]]. هنا الإمام الطحاوي ﵀ في هذه العبارة جارى الأشعري فيما خالف فيه السلف في بعض التعبيرات، لكن الطحاوي ربما يقصد معنى آخر غير ما يقصده الأشعري، وتعلمون أن الأشعري ﵀ حينما رجع إلى السنة بعد أن كان معتزلياً بقيت عنده بعض النزعات الكلامية، من ضمنها ما يتعلق بمسألة الكسب والاستطاعة، أو تكليف ما يطاق أو ما لا يطاق. فقوله: (ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون) هذا كلام لا بأس به؛ لأن الله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لكن العبارة الثانية فيها نظر، وهي قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) فهذه فيها نوع من الفلسفة والتكلف، وهي من كلمات الأشعري، ولا يؤيده عليها السلف بهذا الإطلاق، لا يقال: ولا يطيقون إلا ما كلفهم لأنه نوع من الجبر، قد يطيقون أكثر مما كلفهم، لكن الله بنى دينه على التيسير وعدم الحرج، وإلا لو كلف الناس بست صلوات لصلوا ست صلوات، لكن الله يسر لهم، والله فرض علينا خمسين صلاة، ثم خففت إلى خمس بأجر خمسين، وذلك من فضل الله. فقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) هذا هو مذهب الأشعري الذي يرى أن القدرة لا تكون إلا عند الإرادة، ويرى أيضاً أن إرادة العبد إرادة شكلية ليست إرادة حقيقية، يعني: تأتي بالصدفة مع إرادة الله. إذاً: فلا يصح أن يقال: (لا يطيقون إلا ما كلفهم)؛ لأنهم قد يطيقون أكثر مما كلفهم، لكن بمشقة وبحرج، والله رخص لهم ورفع عنهم الحرج والمشقة، وبنى دينه على التيسير. أما تفسيره فيما بعد هو تفسير صحيح لا بأس به. قال رحمه الله تعالى: [فقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون:٦٢]. وعند أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً، ثم تردد أصحابه أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فكان مأموراً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال]. الأصل أن السلف يكرهون الحديث في مثل هذه القضايا، كقول أبي الحسن الأشعري: إن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً. هذه فلسفة في الحقيقة؛ لأن كلمة (جائز) أو (غير جائز عقلاً) هذه سفسطة لا ثمرة لها، وجميع الأمور الاعتقادية أو التفصيلية التي تكلم فيها الناس، والتي لا أصل لها في الشرع، أو لا يترتب عليها عمل فالكلام فيها بدعة، ولذلك بدّع السلف من استعمل علم الكلام أو تحدث به أو تناوله؛ لأنه حديث عن مثل هذه الأمور التي لا مصلحة من ورائها، فما الفائدة من أن الإنسان يتفلسف ويجادل غيره في أن الله يكلف ما لا يطاق أو لا يكلف، أو أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً أو غير جائز عقلاً؟ الله حكم وشرع لعباده شرعاً بني على قدرات العباد و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وبني على التيسير وانتهى الأمر. ولو فرضنا أن العقل أجاز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز، فالنتيجة أن هذا أمر لا مصلحة فيه للعباد لا في دينهم ولا دنياهم، ولذلك مثل هذا الكلام يجب أن يجتنبه من يتقي الله ويتورع عن الدخول فيما لا يعنيه؛ لأنه ليس له تعلق بحياة الناس وبعلومهم الطبيعية أو علومهم الشرعية، بل مجرد فلسفة لا طائل تحتها، وعليه يقاس غيره من الأمور التي ليس وراءها لا أمر شرعي ولا مصلحة دنيوية طبيعية. إذاً: الأصل في علم الكلام النهي؛ لأنه لا فائدة فيه لا في دين الناس ولا في دنياهم. وهذه الأمور مما أخذت على الأشعري ﵀، ودخلت بسببه على كثير من أهل الفضل والعلم، دخلت على كثير من الأشاعرة والماتريدية وغيرهما، بل حتى أحياناً ممن ينتسبون إلى مذهب الإمام أحمد دخلوا في هذه الأمور، مع المهاترات والكلام والردود، وردود على الردود، مثل: الذي يحلم في منامه ينتهي إلى لا شيء. قال رحمه الله تعالى: [والجواب عن هذا بالمنع، فلا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا

стр. 1123

معنى قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به) وقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به) إلى آخر كلامه. أي: ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه، وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، و (لا حول ولا قوة إلا بالله) دليل على إثبات القدر. وقد فسرها الشيخ بعدها، ولكن في كلام الشيخ إشكال، فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: (لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم) وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد ولا يصح ذلك؛ لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه ولكنه تفضل علينا ورحمنا وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ففي العبارة قلق فتأمله.

стр. 1124

الفرق بين القضاء الكوني والقضاء الشرعي وكذلك الأمر والإذن والكتاب وغيرها وقوله: (وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره) يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونياً وشرعياً، وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات ونحو ذلك. أما القضاء الكوني ففي قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢]. والقضاء الديني الشرعي في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]. وأما الإرادة الكونية والدينية فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ: (ولا يكون إلا ما يريد). وأما الأمر الكوني ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. وكذا قوله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، في أحد الأقوال وهو أقواها. والأمر الشرعي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]. وأما الإذن الكوني ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]. والإذن الشرعي في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥]. وأما الكتاب الكوني ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]. والكتاب الشرعي الديني في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]. وأما الحكم الكوني ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب ﵇: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢]. والحكم الشرعي في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠]. وأما التحريم الكوني ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦]. ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥]. والتحريم الشرعي في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣]. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]. وأما الكلمات الكونية ففي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف:١٣٧]. وفي قوله ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر). والكلمات الشرعية الدينية في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤].

стр. 1125

عدم ظلم الله لعباده بأي وجه من الوجوه وقوله: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً) الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولاً وسطاً بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً يكون منه ظلماً وقبيحاً، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم، هو الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون]. هذه العبارة لو قيدت لكان أحسن، وهي قوله: (فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً) لو قال: ليس كل ما كان من بني آدم ظلماً إلى آخره، لكان أفضل؛ لأن هناك أشياء قبيحة تكون ظلماً ولا تجوز في حق الله ، كما لا تجوز في حق العباد، لا من باب القياس، لكن من باب أنها مما ينزه الله عنها؛ لأن الكامل ليس كالناقص، فالعباد ليس لهم سلطة على العباد، فكل تحكم في الآخرين يعتبر منهم ظلماً، أما الله إذا تحكم في عباده فإنما يتحكم في ملكه سبحانه. فهذا هو الفارق، فالله يفعل في خلقه ما يريد، ويفعل في خلقه ما يشاء؛ لأنهم خلقه وملكه، لكن العباد لا يملك منهم أحد ملكاً حقيقياً، فلذلك تحكم العباد بالعباد ظلم إذا كان بغير حق، أما تحكم الله بالعباد على ما يشاء فليس بظلم؛ لأنه هو ربهم وهم ملكه، وبيده مقاليد السماوات والأرض سبحانه، ويفعل بملكه ما يشاء. إذاً: لا يقال: ما يكون ظلماً من العباد يكون ظلماً من الله من كل وجه، فالتقييد يكون أضبط وأولى. قال رحمه الله تعالى: [وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كل ما كان ممكناً فهو منه -لو فعله- عدل؛ إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]. وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]. وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، وذلك يدل على نقيض هذا القول. ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله ﷺ : (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا). فهذا دل على شيئين: أحدهما: أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك. الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك، فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه لا ما هو ممتنع عليه. وأيضاً: فإن قوله: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]، قد فسره السلف بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. وأيضاً فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، حتى يؤمّن من ذلك، وإنما يؤمّن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: ﴿فَلا يَخَافُ﴾ [طه:١١٢]، علم أنه ممكن مقدور عليه، وكذا قوله: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق:٢٨]، إلى قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]، لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه، ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم، فعلى قول هؤلاء: ليس الله منزهاً عن شيء من الأفعال أصلاً، ولا مقدساً عن أن يفعله، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن ولا حقيقة للفعل السوء، بل ذلك ممتنع، والممتنع لا حقيقة له! والقرآن يدل على نقيض هذا القول في مواضع نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له، ولا ينبغي له، فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء، والفعل المعيب المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء، والوصف المعيب المذموم، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق عبثاً، وأنكر على من حسب ذلك وهذا فعل، وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)

стр. 1126

شرح العقيدة الطحاوية [٩٥] مما ينتفع به الأموات بعد حياتهم ما تسببوا به في حال الحياة من أوقاف أو صدقات جارية، أو علم ينتفع به الآخرون، أو غير ذلك من القربات وأنواع الصدقات التي لها آثار نفعية متعدية تلحق العبد إلى قبره، أو ينتفع بدعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة عنه والحج وغيرها من القربات، وقد اختلف في بعض الأعمال البدنية مثل الصوم عنه والصلاة وقراءة القرآن له والذكر، ومنع بعض أهل البدع كل هذه الأعمال أن تصل إلى الميت، والصواب هو ما حرره السلف والعلماء من بعدهم في هذه المسألة.

стр. 1127

انتفاع الأموات من سعي الأحياء قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات). اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين: أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته. والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له، والصدقة والحج، على نزاع فيما يصل من ثواب الحج، فعن محمد بن الحسن ﵀: أنه إنما يصل إلى الميت ثواب النفقة والحج للحاج، وعند عامة العلماء: ثواب الحج للمحجوج عنه وهو الصحيح]. هذا ظاهر قول النبي ﷺ في المرأة التي رفعت الصبي وقالت: (ألهذا حج؟ قال: ولكِ أجر)، هذا والحديث مطلق، وقد ورد في أكثر من حادثة في عهد النبي ﷺ في الذي حج عن أبيه أو عن أمه، أو فيمن يحج بالصبي، والصبي غير مكلف، وورد ثبوت الأجر لمن حج عن غيره مطلقاً في النصوص، فتحديد الأجر بأجر النفقة هذا لا دليل عليه. قال رحمه الله تعالى: [واختلف في العبادات البدنية، كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها. وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء ألبتة لا الدعاء ولا غيره، وقولهم: مردود بالكتاب والسنة، لكنهم استدلوا بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]. وقوله: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده)، فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب فيه في الحياة، وما لم يكن تسبب فيه في الحياة فهو منقطع عنه. واستدل المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة، كالصدقة والحج بأن النوع الذي لا تدخله النيابة بحال، كالإسلام والصلاة والصوم وقراءة القرآن يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه]. الصلاة بالاتفاق لا تدخلها النيابة، فلا أحد ينوب عن أحد في الصلاة. أما الحج فقد ورد أنه يجوز الحج عمن لم يستطع الحج، سواء كان حياً غير متمكن بإطلاق، أو من به مرض لا يرجى برؤه، أو كان ميتاً، فإنه يجوز الحج عنه والنيابة عنه. وكذلك تجوز الصدقة عن حي أو ميت. وكذلك بعض الأعمال الأخرى كإهداء قراءة القرآن. أما الصيام ففيه نظر أو فيه خلاف هل هو مما تدخله النيابة أو لا تدخله، والراجح أنه لا يصوم أحد عن أحد إلا بإسقاط الفرض؛ لحديث: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، وهذا لا يعني: النيابة، إنما يعني: الصيام عمن مات وعليه فرض الصيام. إذاً: الراجح أن الحديث لا يتعدى إلى التطوع، إلا إذا كان واجباً، كصيام فرض، أو وجب على الإنسان صيام كفارة أو نذر. قال رحمه الله تعالى: [كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره، وقد روى النسائي بسنده عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة)].

стр. 1128

ذكر الأدلة على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه [والدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. أما الكتاب، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] فأثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء، وقد دل على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة، والأدعية التي وردت بها السنة في صلاة الجنازة مستفيضة وكذا الدعاء له بعد الدفن، ففي سنن أبي داود من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل). وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم، كما في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية). وفي صحيحه أيضاً عن عائشة ﵂: (سألت النبي ﷺ : كيف أقول إذا استغفرت لأهل القبور؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون). وأما وصول ثواب الصدقة، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم). وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: (أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها)، وأمثال ذلك كثيرة في السنة. وأما وصول ثواب الصوم، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، وله نظائر في الصحيح، ولكن أبو حنيفة ﵀ قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه؛ لحديث ابن عباس المتقدم، والكلام على ذلك معروف في كتب الفروع]. الحديث صريح ولا اجتهاد مع النص، في أنه يجوز الصيام بل يشرع الصيام عمن مات وعليه صوم. وكنت أريد أن أشير إلى أن حديث ابن عباس السابق الصحيح فيه أنه موقوف على ابن عباس وهو قوله: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة) حسب ما قال المحقق: إنه موقوف على ابن عباس. قال رحمه الله تعالى: [وأما وصول ثواب الحج، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)، ونظائره أيضاً كثيرة. واجتمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت، ولو كان من أجنبي ومن غير تركته، وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال النبي ﷺ : (الآن بردت عليه جلدته)، وكل ذلك جار على قواعد الشرع، وهو محض القياس، فإن الثواب حق العامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله له في حياته، وإبرائه له منه بعد وفاته. وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة ونحوها من العبادات البدنية، يوضحه أن الصوم كف النفس عن المفطرات بالنية، وقد نص الشارع على وصول ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية؟]. قوله: (وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة) هذا من باب القياس، والقياس في الأمور التوقيفية لا يصح؛ لأن أمور العقيدة توقيفية، هذا ليس من باب الأحكام المجردة، هذا من باب الأمور الغيبية والأمور التوقيفية، فإذا نبه الشارع بوصول ثواب الصوم، فلا يدل ذلك على وصول ثواب غيره من الأعمال إلا بدليل آخر، وإلا لو أخذنا بهذه القاعدة لفتحنا باب العمل للميت من كل وجه، بما في ذلك قراءة القرآن عند القبور، وبما في ذلك الصلاة، والكثير من الأعمال التي يعملها أهل البدع، وهذا فيه نظر. إذاً: لا يصح القياس في أمور العقيدة والأمور الغيبية أبداً، وإنما يصح القياس في أمور الأح

стр. 1129

معنى قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) قال رحمه الله تعالى: [والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، قد أجاب العلماء بأجوبة أصحها جوابان: أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام، من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. يوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سبباً لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك. الثاني -وهو أقوى منه-: أن القرآن لم ينفِ انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه. وقوله سبحانه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٨ - ٣٩]، آيتان محكمتان تقتضيان عدل الرب تعالى: فالأولى: تقتضي أنه لا يعاقب أحداً بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره، كما يفعله ملوك الدنيا. والثانية: تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله، ليقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وكذلك قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقوله: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]، على أن سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبة العبد بعمل غيره، فإنه تعالى قال: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]. وأما استدلالهم بقوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فاستدلال ساقط؛ فإنه لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو، وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ما وفى به الدين، وأما تفريق من فرق بين العبادات المالية والبدنية فقد شرع النبي ﷺ الصوم عن الميت كما تقدم، مع أن الصوم لا تجزئ فيه النيابة، وكذلك حديث جابر ﵁ قال: (صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث الكبشين اللذين قال في أحدهما: (اللهم هذا عن أمتي جميعاً)، وفي الآخر: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد) رواه أحمد والقربة في الأضحية وإراقة الدم، وقد جعلها لغيره. وكذلك عبادة الحج بدنية، وليس المال ركناً فيه، وإنما هو وسيلة، ألا ترى أن المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي إلى عرفات من غير شرط المال، وهذا هو الأظهر، أعني: أن الحج غير مركب من مال وبدن، بل بدني محض، كما قد نص عليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة المتأخرين. وانظر إلى فروض الكفايات: كيف قام فيها البعض عن الباقين، ولأن هذا إهداء ثواب، وليس من باب النيابة، كما أن الأجير الخاص ليس له أن يستنيب عنه، وله أن يعطي أجرته لمن شاء.

стр. 1130

حكم الاستئجار على تلاوة القرآن وإهدائه للميت وإهداء القراءة للميت بغير أجرة وأما استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه، والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف، وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ونحوه، مما فيه منفعة تصل إلى الغير، والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله، وهذا لم يقع عبادة خالصة، فلا يكون ثوابه مما يهدى إلى الموتى، ولهذا لم يقل أحد: إنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت، لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك، كان هذا من جنس الصدقة عنه فيجوز. وفي الاختيار: لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره، فالوصية باطلة؛ لأنه في معنى الأجرة. انتهى. وذكر الزاهدي في القنية: أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره فالتعيين باطل. وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعاً بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج، فإن قيل: هذا لم يكن معروفاً في السلف ولا أرشدهم إليه النبي ﷺ ؟ ف الجواب إن كان مورد هذا السؤال معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء، قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول، ومن أين لنا هذا النفي العام؟]. رأي جمهور السلف على خلاف هذا القول، لكن بعض أهل العلم المعتبرين من السلف وغيرهم قالوا بمثل قول ابن أبي العز هنا، وقال به أيضاً بعض المتقدمين والمتأخرين، لكن الراجح هو قول جمهور السلف من أنه لا يجوز القياس في هذا الأمر، ولا يجوز إهداء قراءة القرآن للميت، وكونه لم يرد عن السلف يعتبر حجة؛ لأنه إذا لم يرد فيه نص صحيح صريح بإطلاق ولم يفعله السلف هذا كاف في أن نرده؛ لأنه يدخل في باب الابتداع، وقياس إهداء القرآن على وصول ثواب الحج والصيام والدعاء لا يصح، للاعتبارات التي ذكرتها من قبل، وهي أن هذا الأمر من الأمور التي لا يجب فيها القياس؛ لأن فيه جانب عبادة، وأيضاً هو أمر توقيفي، ومثل هذه الأمور لا بد أن يكون الأصل فيها الدين، ومع ذلك فإن الشارح سينتصر لهذا الرأي ويذكر الأدلة، وكما قلت: المسألة فيه نزاع. قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فرسول الله ﷺ أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة دون القراءة؟ قيل: هو ﷺ لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته، فأذن له فيه، وهذا سأله عن الصوم عنه، فأذن له فيه، ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك، وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟ فإن قيل: ما تقولون في الإهداء إلى رسول الله ﷺ ؟ قيل: من المتأخرين من استحبه، ومنهم من رآه بدعة؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، ولأن النبي ﷺ له مثل أجر كل من عمل خيراً من أمته، من غير أن ينقص من أجر العامل شيء؛ لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم إليه. ومن قال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده، باعتبار سماعه كلام الله، فهذا لم يصح عن أحد من الأئمة المشهورين، ولا شك في سماعه، ولكن انتفاعه بالسماع لا يصح، فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنه عمل اختياري، وقد انقطع بموته، بل ربما يتضرر ويتألم، لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه، أو لكونه لم يزدد من الخير.

стр. 1131

اختلاف العلماء في حكم قراءة القرآن عند القبور واختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور على ثلاثة أقوال: هل تكره أم لا بأس بها وقت الدفن وتكره بعده؟ فمن قال بكراهتها، كـ أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية، قالوا: لأنه محدث لم ترد به السنة، والقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها، فكذلك القراءة. ومن قال: لا بأس بها، كـ محمد بن الحسن وأحمد في رواية، استدلوا بما نُقل عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها، ونُقل أيضاً عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة. ومن قال: لا بأس بها وقت الدفن فقط -وهو رواية عن أحمد - أخذ بما نُقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين، وأما بعد ذلك كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه، فإنه لم تأت به السنة، ولم يُنقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلاً، وهذا القول لعله أقوى من غيره لما فيه من التوفيق بين الدليلين]. يعني: يرى الشارح أن القراءة عند القبر بعد الدفن مباشرة فقط لا بأس بها؛ لأن هذا هو المأثور عن كثير ممن أجازه من السلف، وأنهم يرون هذا جائزاً وقت الدفن، أما أن يكون بصورة مستمرة في كل وقت يقرءون عنده القرآن، فهذا ليس بمشروع.

стр. 1132

الأسئلة

стр. 1133

وجه إدخال مسألة انتفاع الأموات بسعي الأحياء في أمور العقيدة السؤال هل مسألة انتفاع الأموات بسعي الأحياء داخلة في أمور العقيدة؟ الجواب مسألة انتفاع الأموات بسعي الأحياء لها جانبان: جانب حكمه من حيث الشرع الجواز، وجانب حكمه عدم الجواز؛ لأنه من الجوانب العبادية، والخلاف ورد بسبب الذين توسعوا في هذا الجانب، فالعبادات في أسلوبها داخلة في باب العقيدة، ثم هناك جانب غيبي، والجانب الغيبي داخل في العقيدة، ومن الجانب الغيبي نشأة الأموات، وما يسمعونه وما لا يسمعون، وما ينتفعون به وما لا ينتفعون، وهل يجيبون أو لا يجيبون؟ وهل يصلهم الثواب أو لا يصلهم؟ فهذه أمور داخلة في مسألة الحياة البرزخية وأمور الآخرة، فمن هذا الجانب كانت عقدية.

стр. 1134

وجه الجمع بين مراتب القدر الأربع وبين كون الدعاء يرد القدر السؤال كيف نجمع بين قولنا: إن مراتب القدر أربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، وبين أن الدعاء يرد القدر؟ وهل يقال: إن الملك عندما يؤمر عند خلق الإنسان بكتب رزقه وعمله وشقي أم سعيد، كل هذا لا يكتب في اللوح المحفوظ، بل يكتب في مكان آخر، فإذا دعا أزيل عنه ما كتب له؟ فهل هذا صحيح؟ الجواب أولاً: الدعاء لا يرد ما كتب في اللوح المحفوظ، الدعاء يرد الأقدار الجزئية الأخرى، ما كتب في صحيفة الإنسان عند نفخ الروح فيه بعد (١٢٠) يوماً من خلقه، إذا نفخت فيه روحه وكتبت عليه القضايا الأربع: رزقه، وأجله، وموته، وشقاوته أو سعادته، هذه الأمور لا ينفع فيها الدعاء، إنما ينفع الدعاء في رد بعض الأقدار الجزئية أو جلبها، هذا هو الظاهر من النصوص. ثانياً: أن ما يقدره الله مع كونه يمحو ما يشاء ويثبت هذا لا يتعارض مع الكتابة الأولى، فالمحو والإثبات إنما فيه دليل على عموم مشيئة الله ، وأن الله فعّال لما يريد. واختلف أهل العلم هل المحو والإثبات في الكتابة الأصلية الأولى؟ الراجح أن المحو والإثبات في الكتابات الجزئية؛ لأن الكتابات مراحل: منها: الكتابة القدرية العامة الكبرى التي قدر الله بها جميع أحكام الخلائق، فهذه كتابة عامة. ومنها: ما هو دون ذلك ككتابة الصحيفة، الكتابة السنوية التي يقدرها الله في ليلة القدر وغير ذلك، فهذه كتابات جزئية. فالمحو والإثبات إذا كان في الكتابة الأصلية فهو راجع إلى قدرة الله وتقديره، وأن الله يعلم أن هذا سيكون، فلا يتعارض مع كتابته وتقديره وخلقه، وإذا كان المحو والإثبات في الصحائف التي دون الصحيفة الكبرى أو الكتابة الأولى، فهذا يعني: أن الله يقدر في النهاية ما كتبه في الأول، وهو الراجح. المهم أن مراتب القدر باقية على ما هي عليه: العلم، والكتابة، علم الله من عباده ما سيكون منهم فكتب الكتابة المستقرة على ما علمه منهم، وما دون ذلك من كتابات قد يكون فيه المحو والإثبات، والله أعلم.

стр. 1135

حكم سماع الأموات للأحياء السؤال ما هو القول الصحيح في سماع الأموات للأحياء؟ الجواب الصحيح أن الأموات يسمعون الأحياء، لكن ليس دائماً إلا ما ورد بالنص من أن الميت عند دفنه يسمع قرع نعال من ينصرفون عنه، ويسمع قولهم، وكذلك عند السلام، إذا جاء الحي وسلم على الميت، فإن الميت يرد ﵇ ويسمعه، أو يسمعه سواء رد أو لم يرد، هذا هو الذي ورد هنا. إذاً: ما ثبت به النص يثبت وما لم يرد لم يثبت، وليس هناك دليل على أن الأموات يسمعون في كل الأحوال، فيكون الأصل أنهم لا يسمعون إلا ما ورد به النص.

стр. 1136

دليل من أجاز قراءة القرآن على الميت عند الدفن السؤال ما دليل الشارح في جواز قراءة القرآن على الميت عند الدفن؟ الجواب القراءة على الميت بعد وفاته مباشرة نقلت عن بعض الصحابة وعن بعض السلف، نقلت عن محمد بن الحسن وعن ابن عمر وغيرهما من الصحابة والتابعين، وبقية الصحابة لم ينكروا ذلك، والقاعدة الشرعية: أن الصحابة إذا عملوا شيئاً من أمور العبادة الأصل فيها التوقيف، فإن عملهم حجة، خاصة إذا أقروه ولم يعارضوه، أو أقره بعضهم ولم يُعارض، وهذا موقوف أو محصور فيما بعد الدفن، أما استمرار قراءة القرآن على القبر فهذه المسألة فيها خلاف.

стр. 1137

شرح العقيدة الطحاوية [٩٦] الدعاء من أقوى الأسباب لجلب المنافع ودفع المضار عن العباد، وهو مشروع بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك أحد إلا غلاة الفلاسفة، والدعاء أنواع منها دعاء العبادة الذي هو الخوف والخشية والرغبة والرهبة والإنابة والتوكل والتوجه إلى الله، ودعاء المسألة الذي هو سؤال الله والتماس الإجابة منه وحده لا من أحد من المخلوقين. وقد تؤخر عن العبد الإجابة لأمور كلها خير ونفع له.

стр. 1138

استجابة الله دعاء عبده قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات). قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم: أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار، وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، وأن الإنسان إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعداً أو قائماً، وإجابة الله لدعاء العبد مسلماً كان أو كافراً، وإعطاؤه سؤله من جنس رزقه لهم ونصره لهم، وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقاً، ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ومضرة عليه، إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك، وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يسأل الله يغضب عليه). وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال: الرب يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب]. الدعاء مشروع بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا أناس أغلبهم ينتمون إلى فرق خارجة من الملة، فهؤلاء الذين شكوا في مشروعية الدعاء ينتمون إلى غلاة الجهمية وغلاة الصوفية وإلى الفلاسفة، يعني: الفلاسفة بالاعتبار العقدي، فعلى هذا نقول: إن الأصل في الدعاء هو العبادة، والله جعل العبادة متضمنة للدعاء بكل أشكاله، ولذلك ورد في الحديث الصحيح: (الدعاء هو العبادة) لأن العبادة معناها: التوجه إلى الله بالتعظيم والرغبة والرهبة والخشية والإنابة والتوكل، وكل ذلك إما أن يكون دعاء بذاته، وإما أن يكون وسيلته الدعاء، وعلى هذا لا يمكن أن تخلو عبادة من الدعاء، فيكون الدعاء هو العبادة التي شرعها الله جملة وتفصيلاً، فلا ينبغي أن نتكلف في التماس الأدلة في مشروعية الدعاء، لكن علينا التماس الأدلة على نفع الدعاء؛ لأن بعض الناس قد يظن أن التوجه إلى الله بالدعاء مجرد عبادة فقط ليس وراءها منافع، في حين أن الأمرين متحققان في الدعاء: الأول: أن الدعاء عبادة وتوجه إلى الله بالتعظيم والتقديس والإجلال والتوكل والإنابة والخشية والرجاء وغير ذلك، الثاني: أنه أيضاً طلب للنفع في أمور الدنيا والآخرة. قال رحمه الله تعالى: [قال ابن عقيل: قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان: أحدها: الوجود، فإن ليس بموجود لا يُدعى. الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يُدعى. الثالث: السمع، فإن الأصم لا يُدعى. الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يُدعى. الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يُدعى. السادس: القدرة، فإن العاجز لا يُدعى]. هذا على سبيل التمثيل، وإلا فالدعاء يدل على جميع أسماء الله الحسنى، خاصة الصفات الفعلية التي هي متعلقة بمصالح العباد، فالدعاء يدل على جميع أسماء الله بجملتها، وعلى صفاته مثل: الحي، القيوم، العظيم، الأعلى. قال رحمه الله تعالى: [ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفي، ولا النجم يقال له: أصلح مزاجي؛ لأن هذه عندهم مؤثرة طبعاً لا اختياراً، فشرع الدعاء وصلاة الاستسقاء؛ ليبين كذب أهل الطبائع]. يشير الشارح هنا إلى الفلاسفة والدهرية والملاحدة وطوائف من غلاة المتكلمين، وكثير من العقلانيين في كل عصر، الذين يحكمون عقولهم في أمور الدين وفي كل شيء، فهؤلاء مذهبهم أن الدعاء يؤثر بالطبع وليس بقدرة الله ، وأن هذه الأمور من السنن اللازمة التي لا تأتي بتأثير الداعي، إنما قد يقترن وجود الدعاء بوجود المؤثر أو بوجود الأصل، فهم ينكرون أن يكون الدعاء سبباً في جلب المنافع ودفع المضار، ويعتبرون ما يجري في أحوال العباد أموراً طبيعية، تحدث في السنن الكونية فقط، دون أن يكون لله مشيئة أو إرادة، أو يكون الدعاء سبباً مباشراً بما يحدث للعباد من مصالح أو مضار. وهذه فلسفة تشمل كثيراً من قضايا الدين في القدر وفي أفعال العباد وغيرها، ولذلك نتج عنها القول بالجبر، ونتج عنها مذاهب الصوفية الذين تركوا الأسباب، ونتج عنها أيضاً عدم الإيمان بصفات الله الفعلية، ونتج عن هذا أيضاً التأول للصفات الفعلية إما بالإنكار وإما بالتأول، كل ذلك ناتج عن دعوى أن كل شيء يحدث بالطبع في السنن الكونية فقط، وليس للدعاء ولا للأسباب أي تأثير.

стр. 1139

الرد على من يزعم عدم فائدة الدعاء قال رحمه الله تعالى: [وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه! قالوا: لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء، وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين، ويجعل الدعاء عليه في مقام الخواص]. يعني: أن الخواص يتحكمون في القدر لا على سبيل الدعاء، لكن الدعاء يعتبر إشارة أو علامة للتأثير في الأمور الكونية. قال رحمه الله تعالى: [وهذا من غلطات بعض الشيوخ]. لأنهم يزعمون أن الخواص يدبرون الكون! تعالى الله عما يزعمون؛ ولذلك قسموا الكون ووزعوه على من يقدسونه، فقالوا: القطب والغوث هذا هو المتحكم الأول في الكون، ثم من دونه طبقات بحسب التسمية، مثل: الأوتاد ومن دونهم، فقالوا: إن هؤلاء كل منهم له جزء في التصرف الكوني، فعمموا هذا حتى على مسألة الدعاء، فزعموا أن دعاء هؤلاء الخواص أمر ونهي، أي: تحكم في الكون، ليس مجرد طلب من الله ، لكنه إشارة أو دليل على تصرفه في الكون، فكأن صاحب الخصوصية عندهم إذا دعا فإنه يأمر الأسباب بأن تتصرف كما يريد. قال رحمه الله تعالى: [وهذا من غلطات بعض الشيوخ، فكما أنه معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية، فإن منفعة الدعاء أمر اتفقت عليه تجارب الأمم، حتى إن الفلاسفة تقول: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون اللغات، يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات، هذا وهم مشركون]. هذا هو الذي يعتقده فلاسفة الصابئة، فهم يزعمون أن الأفلاك مؤثرة، وبعضهم يزعم أن الدعاء مؤثر فيما تعقده الأفلاك، فجعلوا تأثير هذا في هذا كله من دون الله ، وهم لا يقصدون ضجيج الأصوات بالدعاء المشروع، ولذلك نجد عند الصابئة وعند كثير من الديانات الوضعية التي تأثرت بالفلاسفة فيها أدعية تتضمن شركيات، وتنسب التأثير إلى غير الله ، وتطلب النفع والضر من غير الله سبحانه، ويزعمون أن هذا مما يؤثر على تدبير الأفلاك في الكون. فالفلاسفة ما قصدوا الدعاء بمعناه الشرعي، إنما قصدوا مجرد توجه العباد إلى من يزعمون أو يدّعون حصول النفع منهم، ونحن نعرف أن الداعي لغير الله قد يتحقق له طلب من باب الابتلاء، بمعنى أنه قد يدعو غير الله مما لا يقدر على شيء مما يُدعى إليه وقد يتحقق للداعي دُعاءه من باب الابتلاء، فيكله الله إلى هذا المخلوق، فيقع في الشرك، وقد ينتفع في دنياه وفي بدنه، لكنه يقع في الشرك، وهذا كثير، ولذلك بعض الناس قد يفتن إذا رأى دعاة أهل القبور قد ينتفعون ببعض الأشياء، قد ينتفعون من دعائهم لأصحاب القبور في بعض الأشياء فيفتن، ويكون عنده شيء من الريب والشك، وما جرى من هذا الشرك ابتلاء، مع أنه لا يتحقق له الطلب في الغالب، لكن إن تحقق طلبهم فلأنهم لجئوا لجوءاً صادقاً من حيث التوجه، لا لإخلاص العبادة، لكن من حيث الاضطرار، فالله يجيب المضطر ولو كان كافراً. إذاً: المسألة تحتاج إلى إيضاح؛ لئلا تلتبس على الناس؛ لأني أرى كثيراً من الناس، خاصة مع كثرة إقبالهم على الرقى والأدعية غير المشروعة، وضعف توكلهم على الله ، تعلقت قلوبهم بمثل هذه الأمور، وحصل لهم نفع، فظنوا أن هذا النفع الذي حصل يدل على مشروعية العمل، وأن الله ما حقق على أيديهم النفع إلا لأنهم على حق، وهذه مسألة فيها شرك، فنبين للناس أن الله يبتليهم، قد يأتي إنسان ويذهب إلى دجال ويحصل منه على أمر دنيوي من باب الابتلاء، بمعنى أنه قد يجاب دعاؤه من باب العقوبة له والفتنة، والشيطان أيضاً أحياناً يتلبس بأمور كثيرة، وكذلك شياطين الجن قد يكون لهم أثر في ذلك، قد يجلبون لبعض الناس بعض النفع ويدفعون عنهم بعض الضر، مما أعطاهم الله من قدرات، فيكون هذا من باب الوقوع في الإثم والشرك، ويكون من باب الفتنة والابتلاء، ولا يعني: أن استجابة الدعاء على الوجه الشرعي. ومع ذلك فإن الغالب أن من دعا الله خالصاً مخلصاً وبعيداً عن الشرك والدجل أنه يستجاب لهم، والغالب أن من دعا غير الله لا يستجاب لهم، لكن يستجاب للبعض وهذا ابتلاء وفتنة، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: [وجواب الشبهة بمنع المقدمتين: فإن قولهم عن المشيئة الإلهية، إما أن تقتضيه أو لا. ثم قسم ثالث: وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح ولا توجبه مع عدمه، وكما توجب الشبع والري عند الأكل والشرب ولا توجبه مع عدمهما، وحصول الولد بالوطء، والزرع بالبذر، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر الأسباب، فقول هؤلاء كما أنه مخالف للشرع فهو مخالف للحس والفطرة. ومما ينبغي أن يعلم ما قاله طائفة من العلماء وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومعنى التوكل والرجاء يتألف من موجوب التوحيد و

стр. 1140

الحكمة في أن الداعي قد لا يعطى شيئاً أو لا يعطى غير ما سأل وهنا سؤال معروف: وهو أن من الناس من قد يسأل الله شيئاً فلا يُعطى، أو يُعطى غير ما سأل، وقد أُجيب عنه بأجوبة، فيها ثلاثة أجوبة محققة: أحدها: أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقاً، وإنما تضمنت إجابة الداعي، والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟). ففرّق بين الداعي والسائل وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بالعموم والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص، وإذا علم العباد أنه قريب يجيب دعوة الداعي، علموا قربه منهم، وتمكنهم من سؤاله، وعلموا علمه ورحمته وقدرته، فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، وجمعوا بينهما في حال، إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة، وقد فُسِّر قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] بالدعاء الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب، وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] يؤيد المعنى الأول]. أحب أن أشير إلى أن كثيراً من قضايا الدين ترد في نصوص مجملة، ثم إن كانت من أمور العقائد تفصل بإيضاح وبأخبار، وإن كانت من أمور العبادات تفصل بأوامر ونواه، ولا شك أنه ورد في النصوص الصريحة الصحيحة في كتاب الله ، وفي سنة رسوله ﷺ ، أن الله يجيب دعوة الداعي في نصوص مجملة، لكن هناك نصوص أخرى صحيحة تُفسّر معنى الدعاء وحقيقة الدعاء الذي يُجاب؟ ومتى يُجاب؟ وكيف يجاب؟ وهذا مثل قول النبي ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله دخل الجنة) هذا نص مجمل، لكن هناك نصوص مفسرة لشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ومبينة للوازم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وهذه اللوازم ضرورية. ووردت نصوص: أن من فعل كذا قبلت صلاته، من فعل كذا قبل صيامه، لكن للصيام ضوابط ووقت معين وشروط وواجبات، وكذلك للصلاة شروط وواجبات لا بد منها، فكذلك الدعاء ورد في نصوص مجملة: أن الله يستجيب الداعي إذا دعاه، لكن هناك نصوص أخرى مفصّلة تضع للدعاء المقبول المُجاب شروطاً، وتوضح أن هناك موانع قد تمنع إجابة الدعاء. هذه قاعدة ينبغي أن يترسمها طالب العلم دائماً في كل ما يتعلق بقضايا الشرع العامة، والنصوص المجملة التي هي عبارة عن قواعد، وهذه النصوص مربوطة بالنصوص الأخرى، ولا بد من ضبطها بالأوامر والنواهي والشروط والواجبات، ولا بد من فهم الموانع أو المفسدات التي تتعلق بالأمر إن كان عبادة، أو تتعلق بالخبر إن كان عقيدة، لا بد من الرجوع في كل نص عام إلى ما يقيده ويفسره، ومن ذلك الدعاء، ورد للدعاء إجابة، لكن للإجابة شروط ولها موانع، ينبغي فهم هذه الشروط وتحقيقها، وفهم الموانع والابتعاد عنها. قال رحمه الله تعالى: [الجواب الثاني: أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين المسئول، كما فسّره النبي ﷺ ، فيما رواه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يُعجِّل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله إذاً نُكثر؟ قال: الله أكثر) فقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان من إعطاء السؤال معجلاً، أو مثله من الخير مؤجلاً، أو يُصرف عنه من السوء مثله. الجواب الثالث: أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب، بل قد يحصل غيره، وهكذا سائر الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة، المعلق عليها جلب منافع أو دفع مضار، فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل، تختلف باختلاف قوته وما يعينها، وقد يعارضها مانع من الموانع، ونصوص الوعد والوعيد المتعارضة في الظاهر من هذا الباب، وكثيراً ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكراً لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك، فأُجيبت دعوته، فيظن أن السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجرداً عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواءً نافعاً في الوقت الذي ينبغي، فانتفع به، فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب، فكان غالطاً. وكذا قد يدعو باضطرار عند قبر فيُجاب، فيظن أن السر للقبر، ولم يدر أن السر للاضطرار، وصدق اللجأ إلى الله تعالى، فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله تعالى كان أفضل وأحب إلى الله تعالى. فالأدعية والتعوذات و

стр. 1141

غضب الله ورضاه قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحين). كلام حق ظاهر لا خفاء فيه، والحين، بالفتح: الهلاك. قوله: (والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى). قال تعالى: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩]. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]. وقال تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٦٠]. ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]. ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٦١]. ونظائر ذلك كثيرة. ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضا، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. كما يقولون مثل ذلك في السمع، والبصر، والكلام وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ فيما تقدم بقوله: (إذ كان تأويل الرؤية، وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية، ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المرسلين). وانظر إلى جواب الإمام مالك ﵁ في صفة الاستواء كيف؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وروي أيضاً عن أم سلمة ﵂ موقوفاً عليها، ومرفوعاً إلى النبي ﷺ . وكذلك قال الشيخ ﵀ فيما تقدم: (من لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه). ويأتي في كلامه: (أن الإسلام بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل). فقول الشيخ ﵀: (لا كأحد من الورى) نفي التشبيه، ولا يقال: إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط لما أراده. ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: لأن الغضب غليان دم القلب والرضا الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى، فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، لا أنه من الغضب، ويقال له أيضاً: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الشيء، أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده، ومفتقر إليه، يزداد بوجوده، وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذاك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك. فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة. قيل له: فقل: إن الغضب والرضا الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كانت كل منهما حقيقة، فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات، لم يتعين التأويل، بل يجب تركه؛ لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضاً من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام، ولا يكون الموجب للصرف ما دله عليه عقله؛ إذ العقول مختلفة، فكل يقول: إن عقله دله على خلاف ما يقوله الآخر! وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى، لامتناع مسمى ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يثبت شيئاً لله تعالى على خلاف ما يعهده، حتى في صفة الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به ووجود الباري تعالى كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته مثل الحي والعليم والقدير، أو سمى به بعض صفاته كالغضب والرضا، وسمى به بعض صفات عباده، فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى، وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضاً معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل أن بين المعنيين قدراً مشتركاً، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركاً، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركاً إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معيناً مختصاً، فيثبت في كل منهما كما يليق به، بل لو قيل: غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة، لم يجب أن يكون مماثلاً لكيفية غضب الآدميين؛ لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه، فغضب الله أولى]. نقف عند هذه النقطة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

стр. 1142

الأسئلة

стр. 1143

حكم ترك تطعيم الأطفال بحجة أن ذلك نقص في التوكل السؤال أحد الإخوة لا يرى عمل التطعيمات الخاصة بالأطفال، فهو لا يطعم أولاده؛ لأنه يرى أن هذا نقص في التوكل على الله، وأن كبار السن لم يعملوا هذه التطعيمات عندما كانوا صغاراً، والناس في هذه الأزمنة قد تعلقوا بهذه الأسباب، فما رأيكم في هذا؟ الجواب من يترك هذا تورعاً في حق نفسه لا حرج، لكن أن يترك أولاده لا يجوز له؛ لأن التطعيمات من الأسباب التي بإذن الله تبرأ بها الأمراض، وتجنب المرض قبل وقوعه مشروع، وحماية الناس من الأمراض قبل وقوعها مشروعة، سواء كانت حماية فردية أو جماعية. وكل فرد عليه أن يرعى من هم تحت ولايته، من أطفال وغير أطفال، وإذا وجد وسائل مشروعة لدرء الخطر عنهم فينبغي عليه أن يأخذ بهذه الوسائل، بما في ذلك التطعيمات. والتطعيمات مشروعة ولا حرج فيها، لكن على الناس أن يعلموا أن التطعيمات أسباب، وأن الله هو الواقي. والوقاية قبل العلاج من الأسباب المشروعة، ونحن نعلم أن كثيراً من الأمراض انقطعت بإذن الله بسبب التطعيمات، كالجدري، والحصبة وغيرهما، وهذه الأمراض موجودة سابقاً ومن أشد الأمراض فتكاً بالناس، ولا تزال آثارها في بعض كبار السن. وكبار السن من آبائنا الذين هم أصفى توحيداً، وأعرف بقواعد الشرع بحكم أنهم على الفطرة، ويتلقون العلم الشرعي صافياً، لو أن أحد هذه الأسباب كانت موجودة في عهدهم فما أظن أن يتوقفوا في استعمالها، لكن ما وجدوا.

стр. 1144

حكم التفرغ للرقية واتخاذها مهنة السؤال ما حكم التفرغ للرقية واتخاذها مهنة من قبل بعض المنتسبين للعلم أو غيرهم، وهل هذا مأثور عن أئمة السلف؟ الجواب الأصل في الرقية أنها مشروعة، وهي نوع من الدعاء الذي أمرنا به، وهو جزء من العبادة. وأيضاً الأصل في الرقية أن تكون من كتاب الله ، أو مما ورد عن النبي ﷺ من الألفاظ الثابتة، أو ما يشبه ذلك من الأدعية الصحيحة السليمة، التي ليس فيها شرك، وليس فيها بدع، وليس فيها ظلم أو عدوان، وليس فيها ألغاز أو استعانة بغير الله ، كالاستعانة بالجن ونحو ذلك. أما مسألة التفرغ للرقية من قبل طالب العلم، بحيث يجعل مهنته رقية للناس، سواء كان ذلك بأجر أو بغير أجر، فلم يرد عن السلف أن أحداً منهم تفرغ من أجل الرقية، بل كانوا يرقون أنفسهم ويرقون غيرهم، ويقرون من يرقي غيره، لكن لا على سبيل جعل الرقية مهنة يتفرغ لها الإنسان، وما يفعله كثير من طلاب العلم هذا فيه نوع من تجاوز الأصل الشرعي، ويستتبع ذلك وضع مكان ثابت يجتمع فيها حشد كبير من الرجال، أو حشد من النساء، ويقرأ عليهم قراءة جماعية بشكل يومي منتظم، وحدد لذلك أجوراً معينة، وتباع من خلال هذا الأمر أنواع من الأدوية والمياه بأكثر من قيمتها الحقيقية إلى غير ذلك من الوسائل التي في التوسع فيها نظر، ولذلك أقول: إن هذه الظاهرة إذا زادت ربما تتأصل وتكون من البدع التي يصعب علاجها فيما بعد. أما كون الإنسان يحتسب الرقية ويرقى الناس ويفيدهم فهذا لا حرج فيه، لكن أن يجعل ذلك مهنة فهذا فيه نوع من التجاوز ولا بد من التنبيه على ذلك. قد يرد إشكال وهو أن الناس بحاجة إلى الرقية الشرعية، والدليل على هذا أنه ما من راق يشتهر إلا ويتكدس عليه الناس بالعشرات والمئات والآلاف، نقول: هذا حق، لكن كلما زاد الناس من التعلق بهذا الأمر وضع الله عليهم من الأصار والأغلال ما يجعلهم أيضاً يزيدون أكثر؛ لأنهم يلجئون إلى غير الله فيكلهم الله إلى عباده، والذي ينبغي أن يعوّد الناس كيف يحمون أنفسهم بالأوراد الشرعية، وبالتزام الطاعة وأعمال البر، والمواظبة على الذكر والاستغفار وغير ذلك من المحصنات الشرعية التي بإذن الله تقي الناس من كثير من الأمراض والأوهام، التي تسبب لهم اللجوء إلى الرقاة، هذا شيء. الشيء الآخر: أن الناس لو عودوا أن يرقوا أنفسهم أو يرقيهم أمثالهم والأقربون منهم من الجيران وجماعة المسجد ونحوه؛ لكان هذا أولى، ولما ظهرت هذه الظواهر التي أصبحت الآن من الظواهر التي دخلت من خلالها بعض البدع، والله أعلم.

стр. 1145

معنى قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك) وإثبات صفة الوجه لله السؤال ما معنى قوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] يعني: هل يبقى الوجه فقط أم سائر الذات؟ وهل فيها إثبات صفة الوجه لله؟ الجواب هذه المسألة معروفة عند أهل العلم، وهي مسألة إثبات صفة الوجه لله على ما يليق بجلاله، أما معنى الآية في كونه لا يبقى إلا وجه الله، يعني: لا يبقى إلا ذاته؛ لأن العرب تعبر عن الذات بالوجه، هذا معروف في لغة العرب، وليس بغريب، وليس فيه تكلف، نثبت الوجه، ومع ذلك نثبت أنه لا يبقى إلا الله ، ويستثنى من ذلك من كتب الله له من المخلوقات عدم الفناء، مما ذكره أهل العلم.

стр. 1146

شرح العقيدة الطحاوية [٩٧] من عقيدة أهل السنة والجماعة محبة أصحاب النبي ﷺ ، فيجب أن نحبهم وألا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ونذكرهم بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، ونبرأ إلى الله من طريقة الروافض والنواصب الذين قدحوا في الصحابة وسبوهم وكفروهم، كما نبرأ من الغالية الذين يبالغون في مدح بعض الصحابة حتى يعطوهم بعض صفات الإلهية ونحوها، والوسط هو منهج القرآن والسنة في الثناء على الصحابة ومدحهم وتزكيتهم ورضا الله تعالى عنهم.

стр. 1147

مذهب الجهمية وأهل الكلام في صفتي الرضا والغضب قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد نفى الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه من كلامه، ورضاه وغضبه، وحبه وبغضه، وأسفه ونحوه ذلك، وقالوا: إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه، ليس هو في نفسه متصفاً بشيء من ذلك. وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه فقالوا: لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلاً، بل جميع هذه الأمور صفات لازمة لذاته قديمة أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت، ولا يغضب في وقت دون وقت. كما قال في حديث الشفاعة: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)]. قد يفهم بعض الناس أن الشيخ ﵀ أتى بالحديث استدلالاً لقول الكلابية وقول الجهمية ومن سلك سبيلهم، بينما هو يقصد أنهم اعترضوا على مثل ما ورد في هذا الحديث، فساق الحديث ليثبت مذهب السلف. وقبل أن ندخل في الكلام عما في الحديث من دلالة، أحب أن أنبه إلى بعض الأمور التي مرت، وهي نفي الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه من كلامه ورضاه وغضبه، فـ الجهم بن صفوان نفى جميع الأسماء والصفات، حيث زعم أن المقصود بالأسماء والصفات هي آثار أفعال الله في خلقه، فنفيه الأسماء والصفات والأفعال لله سبحانه بحجة أن ذلك يفهم منه التشبيه. والجهم على مذهب غلاة الفلاسفة، بل على مذهب الفلاسفة؛ فالفلاسفة كلهم غلاة، وما أعرف أحداً من الفلاسفة يسمى معتدلاً. والفلاسفة يجردون الله من وجود الذات أصلاً، فيتصورون وجود الله -كما يسميه أهل الفكرة- وجوداً ذهنياً فقط، فمن هنا أنكروا الأسماء والصفات التي جاء بها الأنبياء، وجهم تعلق بمذهب الفلاسفة حينما حاورهم وحاور الصفاتية، وهذا يدل على خطورة تعلق المسلم بمحاورة المخالفين دون أن يتسلح بالعلم، لا ينفعه ذكاؤه، بل أكثر ما يهلك الإنسان بسبب ذكائه إذا لم يتسلح بالعلم الشرعي، وأغلب الذين يقعون في الشبهات والتأويل والإلحاد بأسماء الله وصفاته وأفعاله وفي قضايا الدين هم الأذكياء، تجدهم يحاورون غير المسلمين أو أهل الأهواء المخالفين دون تسلح بالعلم الشرعي، والجهم كما هو معروف لم يعرف بعلمه كما ذكر السلف، فلما حاور الصفاتية وحاور الفلاسفة أوقعوا في ذهنه مسألة: أنه لا يمكن أن يكون لله وجود ذاتي، فمن هنا استنكر الأسماء والصفات، فلما وجد النصوص الشرعية في الكتاب والسنة قال: إن هذه النصوص تعني آثار ما يفعله الله في خلقه. والمعتزلة سارت على منهج الجهمية، لكنهم أثبتوا الأسماء دون الصفات. أما الصفاتية فالمقصود بهم الذين يثبتون الصفات، ويدخل فيهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية والسالمية والكرامية ومن سلك سبيلهم، وبعض أهل العلم يدخل فيهم المعتزلة. وأهل السنة من باب أولى أن يثبتوا الصفات. إذاً: فالمقصود بالصفاتية هم من أثبتوا الصفات، سواء أهل السنة أو غيرهم، فمن أثبت شيئاً من الصفات أو كل الصفات يسمون صفاتية. وأول الصفاتية الذين تأثروا بالجهمية والمعتزلة وادعوا أنهم على مذهب السلف الكلابية، فإنهم يثبتون جميع الصفات ما عدا الصفات الفعلية، فزعموا أن الصفات الفعلية لا تثبت على حقيقتها، إنما لا بد أن تؤول، فإنهم قالوا بأن الصفات الفعلية ليس لها علاقة بالمشيئة، ولا ترتبط بالمشيئة، وزعموا أنها تفسر بآثار خلق الله في العباد، ولا تفسر بأنها صفات لله ثابتة له. وهذا الاتجاه هو الذي مشى عليه الأشاعرة والماتريدية، هذا قبل أن يتوسعوا ويأخذوا بمذهب الجهمية في إنكار الصفات الذاتية، فالأشاعرة والماتريدية في أقوالهم المتأخرة خرجوا عن مذهب ابن كلاب الذي كان عليه، ووقعوا في تأويل جميع الصفات ما عدا سبع صفات. أيضاً قوله: إن الصفاتية ومن سلك سبيلهم من النفاة قالوا: صفاته لازمه لذاته، قديمة أزلية، يعني: أنها غير مرتبطة بالمشيئة، قالوا: لا يتكلم الله كما يشاء، ولا يغضب متى شاء، وإنما رضاه آثار ذلك في خلقه، وغضبه آثار ذلك في خلقه، فأولوا هذه الصفات. والصفات الفعلية ثابتة لله ، كما في حديث الشفاعة. قال رحمه الله تعالى: [كما قال في حديث الشفاعة: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)]. في هذا دلالة قاطعة على أن الله يحدث منه الغضب، كما يليق بجلاله سبحانه، وأنه يغضب متى شاء إذا وجد للغضب سبب، وغضبه يثبت له سبحانه على ما يليق بجلاله من غير تشبيه، وليس غضب الخالق كغضب المخلوق؛ ولذلك قال: (غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله) هذا دليل على أن غضبه متعلق بمشيئته فيما قبله. وقوله: (ولن يغضب بعده مثله) فيه دليل على أن الله بعد هذا المقام يغضب كما يشاء، وأن غضبه متعلق بمشيئته سبحانه. قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : (إ

стр. 1148

ما ورد من النصوص في الثناء على الصحابة قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان). يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الروافض والنواصب، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ورسوله، ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى]. النواصب عكس الروافض، فالروافض معروفون وهم الذين يسبون الصحابة، وينتسبون إلى التشيع، وفي الحقيقة أن الشيعة درجات: الشيعة المفضلة، والشيعة المفترية، والشيعة الغالية التي خرج منها الرافضة حين ذاك، فالشيعة الغالية هم الذين يقدسون علياً ﵁، ولم يكونوا يتكلمون في الصحابة كثيراً في بداية الأمر. والشيعة المفترية هم الذين يفضلون علياً ﵁ على أبي بكر وعمر، وقد سماهم علي ﵁: مفترية، وأمر بجلدهم ثمانين جلدة. والشيعة المفضلة هم الذين يفضلون علياً على عثمان فقط، فالشيعة المفضلة انتهت واندثرت، ولذلك بعض الناس يحب الشيعة ظناً منه أن الشيعة إنما مشكلتهم تفضيل علي على عثمان، أو تفضيل علي على الصحابة فقط، فيتعاطف معهم، وتجده يدافع عنهم ويقول: التشيع ليس فيه شيء، نقول: هذا التشيع غير موجود عند الرافضة؛ لأن الرافضة يسبون الصحابة، بل يكفرونهم، أما المفضلة فتشيعهم أخف من تشيع الرافضة. أما الشيعة الغالية فهي السبئية، والسبئية فيما بعد تحولت إلى رافضة، فهم الآن يسمون رافضة؛ لأنهم أولاً يرفضون الصحابة ﵃ إجمالاً، بل كفّروهم وأخرجوهم من الملة وقالوا فيهم قولاً عظيماً، حتى ذات النبي ﷺ لم تسلم منهم، ثم إنهم رفضوا زيد بن علي منذ ذلك الوقت؛ لأنه أثنى على أبي بكر وعمر خيراً، ثم إنهم رفضوا الحق ورفضوا السنة والجماعة، فهؤلاء رافضة ليسوا شيعة. إذاً: الروافض سمتهم الأولى: سب الصحابة، يوجد عند بعض الشيعة الأوائل سب لبعض الصحابة، لكن لا يسبون جملة الصحابة، ولا يسبون أبا بكر وعمر. أما النواصب فهي نزعة وليست فرقة؛ لأن بعض الأصول فرق وبعض الأصول ليست فرقاً، فالرافضة فرق، والخوارج فرق، والجهمية فرق، والمعتزلة فرق، لكن النصب نزعة وجدت أشبه بردة فعل، فالناصبة لما رأوا مبالغة الشيعة في علي وآل البيت صاروا يقدحون في علي وفي آل بيته، لكن الناصبة لا يكفرون علياً إنما يقدحون فيه، أو يفضلون عليه بعض الصحابة الذين لم يرد التفضيل بينهم شرعاً، فقد يفضلون معاوية على علي، أو يفضلون بني أمية على آل البيت، وهذا لا شك أنه بدعة وخطأ وظلم عظيم، ولكن هو أشبه بالنزعة التي ليست مذهباً وليس لها أتباع ولا رءوس مشاهير، إنما هي ردة فعل من بني أمية. أما الخوارج فهم خوارج قبل أن يكونوا ناصبة، والنصب يوجد في الخوارج؛ لأنهم يسبون علياً ﵁ ويكفّرونه، ولم يبق من النصب إلا أنه سمة من سمات الخوارج.

стр. 1149

الآيات القرآنية الواردة في الثناء على الصحابة قال رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠]. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨ - ١٠]. وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وتتضمن أن هؤلاء هم المستحقون للفيء، فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم، لا يستحق في الفيء نصيباً بنص القرآن]. أي: أن الله ذكر هذه الفئات بالتفصيل بأنهم يستحقون الفيء، أي: الغنائم، بعد أن ذكر ذلك إجمالاً في أول السورة، فقد ذكر الله قبل هذه الآيات قوله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر:٧]، ثم ذكر بعد ذلك: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] أي: هؤلاء يستحقون الفيء، ثم ذكر من سمات هؤلاء أنهم الذين ليس في قلوبهم غل، وأن من يستحق الفيء هم الذين يدعون لإخوانهم الذين سبقوهم، وعلى هذا فإن الذين لا يدعون للسابقين ومن في قلوبهم غل لا يستحقون الفيء على هذا الوجه؛ لأن الآيات جاءت في ذكر صفات تفصيل من يستحقون الفيء الذي ورد ذكره في أول السورة.

стр. 1150

الأحاديث والآثار الواردة في الثناء على الصحابة والتحذير من الطعن فيهم قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : لا تسبوا أحداً من أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) انفرد مسلم بذكر سب خالد لـ عبد الرحمن دون البخاري. فالنبي ﷺ يقول لـ خالد ونحوه: (لا تسبوا أصحابي)، يعني: عبد الرحمن وأمثاله؛ لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية. والمقصود أنه نهى من له صحبة آخراً أن يسب من له صحبة أولاً، لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ﵃ أجمعين؟ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة. وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف؛ فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة. وأما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة. وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: (قيل لـ عائشة ﵂: إن ناساً يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر! فقالت: وما تعجبون من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله ألا يقطع عنهم الأجر)]. يقول في الحاشية: لم نجده في مسلم، فيبدو أن نسبته إلى مسلم وهم من ابن أبي العز. قال رحمه الله تعالى: [وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لا تسبوا أصحاب محمد؛ فلمقام أحدهم ساعة -يعني: مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة)، وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم عمره). وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين وغيره أن رسول الله ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة؟) الحديث. وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧]. ولقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁ في وصفهم، حيث قال: (إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد؛ فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيئ)، وفي رواية: (وقد رأى أصحاب محمد جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر)]. كلام ابن مسعود مقيد بالأصول الأخرى، يعني: ما رآه المسلمون الذين هم على الاستقامة حسناً فهو كذلك، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ لأن هذا مثل أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة في أحاديث: (عليكم بالجماعة)، (إن يد الله مع الجماعة). إذاً: قوله: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) أي: ما رآه المسلمون المستمسكون، وهم من يسمون بأهل الحل والعقد وبأهل العلم، ليسوا بالرعاع والدهماء، وليسوا بأهل البدع وإن كثروا، ثم هذا مفسر بحديث: (إ

стр. 1151

النهي عن التجاوز في حب الصحابة والتبرؤ من أحد منهم قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولا نفرط في حب أحد منهم) أي: لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم، كما تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]. وقوله: (ولا نتبرأ من أحد منهم) كما فعلت الرافضة! فعندهم لا ولاء إلا ببراء، أي: لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄!! وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧]، وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، يروى ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، منهم: أبو سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وغيرهم. ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر، بدون العلم بما ختم الله له به.

стр. 1152

حب الصحابة دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان وقوله: (وحبهم دين وإيمان وإحسان) لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص، وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه). وتسمية حب الصحابة إيماناً مشكل على الشيخ ﵀؛ لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلاً في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه: أن الإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلاً في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أبي حنيفة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازاً. وقوله: (وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) تقدم الكلام في تكفير أهل البدع، وهذا الكفر نظير الكفر المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقد تقدم الكلام في ذلك.

стр. 1153

ثبوت الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁ قوله: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولاً لـ أبي بكر الصديق ﵁، تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة). اختلف أهل السنة في خلافة الصديق ﵁: هل كانت بالنص، أو بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار.

стр. 1154

أدلة القائلين بثبوت خلافة أبي بكر بالنص والدليل على إثباتها بالنص أخبار: من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ قال: (أتت امرأة النبي ﷺ ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال: إن لم تجديني فائتي أبا بكر) وذكر له سياقاً آخر، وأحاديث أخر؛ وذلك نص على إمامته. وحديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) رواه أهل السنن. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وعن أبيها، قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقال: ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب لـ أبي بكر كتاباً، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر). وفي رواية: (فلا يطمع في هذا الأمر طامع). وفي رواية: قال: (ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأكتب لـ أبي بكر كتاباً لا يختلف عليه، ثم قال: معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر). وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة، وهو يقول: (مروا أبا بكر فليصل بالناس). وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة، فصلى بهم مدة مرض النبي ﷺ ]. عائشة ﵂ أشفقت على أبيها، فراجعت النبي ﷺ بألا يستخلفه في الصلاة، لكنه أصر على استخلافه. قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غرباً، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريَّه، حتى ضرب الناس بعطن). وفي الصحيح أنه ﷺ قال على منبره: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر). وفي سنن أبي داود وغيره، من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم: (من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً أنزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بـ أبي بكر، ثم وزن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأيت الكراهة في وجه النبي ﷺ ، فقال: خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء). فبين رسول الله ﷺ أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ذلك ملك. وليس فيه ذكر علي ﵁؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه، بل كانوا مختلفين، لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك. وروى أبو داود أيضاً عن جابر ﵁، أنه كان يحدث، أن رسول الله ﷺ قال: (رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ، ونيط عمر بـ أبي بكر، ونيط عثمان بـ عمر، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ ، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ ، وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه). وروى أبو داود أيضاً عن سمرة بن جندب: (أن رجلاً قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلواً دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شرباً ضعيفاً، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها، فانتشطت منه، فانتضح عليه منها شيء). وعن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ : (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء، أو الملك)]. يعني: من خلال النظر في كلام المحققين من أهل العلم قديماً وحديثاً تبين أن مسألة استخلاف أبي بكر ﵁ اجتمع فيها النص والاختيار، بمعنى أن الصحابة ﵃ كان عندهم من إدراك مقاصد الإسلام ومقاصد النبي صلى

стр. 1155

حجج القائلين بعدم ثبوت خلافة أبي بكر بالنص الصريح قال رحمه الله تعالى: [واحتج من قال لم يستخلف بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر عن عمر ﵄، أنه قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر - وإن لا أستخلف، فلم يستخلف من هو خير مني، يعني رسول الله ﷺ ]. عمر ﵁ لم يعتبر النصوص صريحة في الاستخلاف، لكن أن تكون قرائن أو مؤشرات يستأنس بها فلا شك أن الصحابة رووا هذا وعمر يعرفها، لكنه لم يعتبرها من النص الجلي الصريح، ولذلك جمهور السلف يرون أن النص على خلافة أبي بكر خفي وليس من النص الجلي. قال رحمه الله تعالى: [وبما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت: (من كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلف؟). والظاهر -والله أعلم- أن المراد أنه لم يستخلف بعهد مكتوب، ولو كتب عهداً لكتبه لـ أبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم تركه، وقال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر). فكان هذا أبلغ من مجرد العهد، فإن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة، من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك، حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهداً، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض؟ أو هو قول يجب اتباعه؟ ترك الكتابة، اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر. فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه بياناً قاطعاً للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين، وفهموا ذلك، حصل المقصود، ولهذا قال عمر ﵁ في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة: إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار؛ طمعاً في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ بطلانه]. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1156

الأسئلة

стр. 1157

حكم التقريب بين أهل السنة وبين الرافضة وحكم من يدعو إلى ذلك السؤال ظهر في الآونة الأخيرة في بعض الأشرطة لبعض المنتسبين للعلم أنه لا فرق بين أهل السنة والرافضة، ويسعى للتقريب بينهم، كما ذكر روايات وقصصاً فيما وقع بين الصحابة من خلاف وفتنة؟ الجواب ما يتعلق بالكلام في الصحابة الذي أعرفه أن المشايخ والعلماء الكبار الآن يرون أنه لا يجوز الحديث عما شجر بين الصحابة، حتى وإن كان من باب إعطاء الحقيقة أو الإنصاف للصحابة؛ لأن هذا يثير في الناس إشكالات، ويشككهم فيما كان عليه الصحابة، وأكثر الناس لا يتخلص من الشبهات التي تقع في ذهنه، فاعتبر من الأحداث التي لا يجوز إثارتها بين المسلمين مرة أخرى، ولا يترتب على إثارتها أي مصالح، فالأصل في المسلمين أن يعرفوا حقوق الصحابة، وأن يتعلموا ذلك، أما ما حدث من فتن وأحداث فلا يجوز إثارته ولو من باب تقرير الإنصاف أو العدل أو تقرير الدفاع عن الصحابة؛ لأن الأصل عند السلف عدم جواز الحديث فيما شجر بين الصحابة. أما الكلام عن الرافضة وتزكية الرافضة أحياناً، أو اعتبار الفرق بينهم وبين أهل السنة فرقاً غير عقدي أو التقريب بينهم، فهذه كارثة في صفوف الدعاة إن صح التعبير، منذ أن صار الدعاة غير علماء والكوارث تتوالى على المسلمين من هذا النوع، وسبق التنبيه إلى مثل هذا من قبل مشايخنا وطلاب العلم، منذ بدأت بعض الأحداث من بعض الدعاة أو بعض الحركات الإسلامية، وهذا مصداق ما ذكره النبي ﷺ من أنهم اتخذوا رءوساً جهالاً، فضلوا وأضلوا، والسبب في ذلك أن الموازين الآن عند كثير من الدعوات المعاصرة اختلت، فصار من يتولى القيادة يتولاها بشروط غير شرعية، مجرد ما يكون عنده عاطفة إسلامية وفكر وثقافة ويكون لسناً، وقد يكون صاحب مؤهل أو تخصص نادر، يرفع الراية وتنساق معه جموع الشباب وجموع المجتمعات، وهذه من سمات أهل الأهواء، وهي خطر عظيم، ولذلك لما تمكن هؤلاء من الدعوة، وصار لهم أتباع، تجرءوا على أن يقولوا ما في أنفسهم، وأن يبينوا عن جهلهم. فهذا جهل مطبق ودليل على عدم الرسوخ في العقيدة، وعدم الفقه في الدين، ودليل على تمكن الحزبية من الجماعات، فأنا أشعر من السؤال أن فيه إشارة إلى بعض الدعاة المشاهير في بعض البلاد العربية القريبة، الذين حاولوا أن يلطفوا الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة، وأن يعتبروا الخلاف مع الشيعة اختلافاً يسيراً يمكن تجاوزه، وأن أهل السنة بالغوا في قولهم في الشيعة إلى آخره. أقول: هذا من الخلط، وسببه تصدر هؤلاء الذين لا يفقهون في دين الله ، إلا مجرد الثقافة العامة من غير أصول ولا ضوابط، فصاروا يفتون بغير علم، ويتبعهم على ذلك فئام من شباب الأمة. إذاً: المسألة ليست مسألة شخص، بل مسألة مناهج، وإذا استمرت المناهج بهذا الشكل في تصدر هؤلاء الذين ليسوا من الراسخين في العلم، فسترى كوارث كثيرة، نسأل الله العافية والسلامة، ورأينا وسمعنا في السابق ولا نزال نسمع من مثل هذه الأمور العظام الكبار. ومعلوم أنه إذا تصدر للدعوة ناس ليس لهم رصيد إلا العاطفة، فمن الطبيعي أن يحدث مثل هذا، ما لم يتعلموا على أهل العلم، والمشكلة أن أكثر الذين يتدينون ممن لهم أثر يعتبرون مفكرين أو دعاة، خاصة الذين يتدينون في الغرب، ثم يأتي إلى بلاد المسلمين هنا ويتصدر، هؤلاء مشكلتهم أنهم جهلة ولا يعلمون أنهم جهلة، وهذا يسمى جهلاً مركباً، فلا يدرسون على العلماء، وأنا أشير على كثير منهم بأنه يجب أن يجلسوا على الركب بين يدي العلماء، لكنهم والله أعلم رأوا أن في ذلك غضاضة عليهم، وإلا فعلى هؤلاء أن يتعلموا ما يتعلمه الأطفال عندنا، ثم ما يتعلمه الشباب، ثم ما يتعلمه طلاب العلم، حتى يرسخوا في العلم؛ لأن تدينهم قائم على عواطف، والعواطف لا تصنع شيئاً، أو يتدين على أيدي دعاة أكثرهم من أهل الأهواء، فتنغرس في قلبه الأهواء وهو لا يدري، أو يتدين في الغالب على أصحاب شعارات وحزبيات وجماعات ترفع لواءات الحزبية، فيتصدر بهذا الاتجاه، ولو لم ينتم إليها، فمن هنا جاءت مثل هذه الدواهي والمصائب من أمثال هؤلاء، مما يزعمون أنه جمع أو تقريب بين السنة والرافضة. أقول: أهل السنة والرافضة ليس بينهم تقارب، إلا أن تستجيب الرافضة للحق، فهذا ما نرجوه ونأمله، ويجب أن نسعى إليه، ويسعدنا ذلك، أما أن نقرب السنة للرافضة أو نتهم السنة بالتحيز، أو أنهم قالوا في الرافضة ما لم يكن، فهذا من الباطل، فلا شك أن عند الرافضة من الباطل والضلالات والانحراف في المناهج والأعمال، وعندهم من الشركيات ما يجهلها أكثر أهل السنة؛ لأن أكثر مخازي الرافضة لا يعلمها إلا بعض المتخصصين، حتى إن بعضهم قد لا يجرؤ على ذكرها علناً؛ لأن أكثر الناس لا يصدقون، ويحتاجون إلى براهين قد لا يملك إفهام الناس لها، عند الرافضة من الباطل والكفر والشرك والبعد عن الحق ما لا يكاد يتصور.

стр. 1158

شرح العقيدة الطحاوية [٩٨] من عقيدة أهل السنة والجماعة ثبوت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولاً لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بعده بالنص عليه من أبي بكر، ثم لعثمان حين ترك عمر الأمر شورى من بعده، ثم لعلي ﵁، وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، وفضائلهم وجليل مناقبهم مبثوثة في كتب السير والتراجم، وقد اتفق أهل السنة على تعظيمهم وتوقيرهم، ثم من بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وما شجر بين الصحابة فإنه يسع المسلمين السكوت وعدم الكلام خوفاً من الفتن وإيغار الصدور بالأحقاد والضغائن.

стр. 1159

من حجج القائلين بعدم ثبوت خلافة أبي بكر بالنص الصريح قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة، لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل أحد من الصحابة قط: إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر؛ لا علي، ولا العباس ولا غيرهما، كما قد قال أهل البدع! وروى ابن بطة بإسناده أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن، فقال: هل كان النبي ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال: أو في شك صاحبك؟ نعم، والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها. وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر، لم يذكر حجة دينية شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط، وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وحب رسول الله ﷺ له، ففي الصحيحين، عن عمرو بن العاص: (أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وعد رجالاً). وفيهما أيضاً، عن أبي الدرداء قال: (كنت جالساً عند النبي ﷺ ، إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر، فسلم، وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر، ثلاثاً، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم هو؟ فقالوا: لا، فأتى النبي ﷺ ، فسلم عليه، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أوذي بعدها)، ومعنى: غامر: غاضب وخاصم، ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله. وفي الصحيحين أيضاً، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح، -فذكرت الحديث إلى أن قالت-: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني هيأت في نفسي كلاماً قد أعجبني، خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب، وأعزهم أحساباً، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد، فقال عمر: قتله الله]. والسنح: العالية، وهي حديقة من حدائق المدينة معروفة بها.

стр. 1160

خلافة عمر الفاروق ﵁ وفضائله قوله: (ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁. أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر لـ عمر ﵄]. يعني: نحن بصدد الحديث عن ترتيب الخلفاء الراشدين في الخلافة، لكن ينبغي أن يستصحب الترتيب الآخر، وهو أن ترتيبهم في الفضل جاء هكذا، ولم يكن بالضرورة أن يكون ترتيبهم في الخلافة ناتجاً عن ترتبيهم في الفضل، لكنه وقع هكذا، ولعل الصحابة ﵃ جميعاً سددوا ووفقوا في اختيار الأفضل فالأفضل فالأفضل، فكما أن الأربعة ترتيبهم في الأفضلية هكذا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فكذلك ترتيبهم في الخلافة جاء هكذا، وإن كان ليس ترتيب الخلافة من لوازم ترتيب الأفضلية، لكنه وقع كما قلت، وذلك من توفيق الله للصحابة ﵃. وكان الناس في وقت عثمان ﵁ خاضوا في أيهما أفضل علي أو عثمان، ولم يترددوا في أفضلية أبي بكر وعمر، وبعد قتل عثمان ﵁، بقي الأمر محل نزاع، ثم استقر بعد ذلك باتفاق الصحابة وباتفاق التابعين وتابعيهم وأئمة السلف وإلى أفضلية الخلفاء الراشدين في الإمامة كأفضليتهم في الأفضلية المطلقة، وأن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وانتهت المقولة التي كان عليها بعض السلف قديماً من تفضيل علي على عثمان، مع اعترافهم بإمامة عثمان، فإنهم كانوا يفضلون علياً على عثمان، ثم تركوا هذا التفضيل بعد توارد النصوص؛ لأنه لما أثيرت القضية روى الصحابة ﵃ وروى رواة الحديث من الثقات ما ثبت عن رسول الله ﷺ في هؤلاء الأربعة من الصحابة، فتبين للسلف اتفاقاً أن عثمان أفضل من علي، وأن النصوص الواردة في أفضليته أكثر من النصوص الواردة في أفضلية علي وفي كل خير، ولا شك أنهم الخلفاء الراشدون، وأنهم خير الصحابة بإطلاق، وهم من العشرة المبشرين بالجنة, وتفضيل الفاضل لا يعني استنقاص المفضول. قال رحمه الله تعالى: [أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر لـ عمر ﵄؛ وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه، وفضائله ﵁ أشهر من أن تنكر، وأكثر من أن تذكر. فقد روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بني، أوما تعرف؟ فقلت؟ لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال، ما أنا إلا رجل من المسلمين. وتقدم قوله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر). وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄، قال: (وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيراً ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو، أو لأظن أن يجعلك الله معهما). وتقدم حديث أبي هريرة ﵁، في رؤيا رسول الله ﷺ ، ونزعه من القليب، ثم نزع أبي بكر، ثم استحالت الدلو غرباً، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن. وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ ، وعنده نساء من قريش يكلمنه، عالية أصواتهن -الحديث، وفيه-: فقال النبي ﷺ : إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك). وفي الصحيحين أيضاً، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم)، قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهم
следующие страницы →