← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

شرح العقيدة الطحاوية [١٠] لقد صنف بعض الصوفية والفلاسفة التوحيد إلى ثلاثة أنواع: توحيد العامة الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، وتوحيد الخاصة الذي يثبت بالحقائق، وتوحيد خاصة الخاصة وهو توحيد الفناء أو الوحدة أو الحلول والاتحاد، وهذا النوع من التوحيد عندهم يؤدي إلى الإلحاد؛ لأنهم به يزعمون أن أئمة الكفر على مر العصور هم أشد الناس توحيداً، وهذا مزبور في سائر كتبهم ومصنفاتهم.

стр. 107

بيان ضلال الصوفية في تقسيمهم للتوحيد باعتبار الموحدين قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب -كما تقدمت إليه الإشارة- فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع، وجعل هذا النوع توحيد العامة، والنوع الثاني: توحيد الخاصة، وهو الذي يثبت بالحقائق، والنوع الثالث: توحيد قائم بالقدم، وهو توحيد خاصة الخاصة]. هذا كله من توهيمات الصوفية وألغازهم ودجلهم وتلبيسهم على الناس، فتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام على هذا النحو من تلبيس المتصوفة والفلاسفة الذين ورثوا الفلسفات الهندية واليونانية وغيرها وأرادوا أن يلبسوها لباس الإسلام، فلو نظرنا إلى أنواع هذا التوحيد عند الصوفية في كتبهم لوجدناها تؤدي إلى الإلحاد، فتوحيد العوام عندهم وتوحيد السذج الذي لا يأبهون به هو توحيد الأنبياء والصالحين وعباد الله الذين هم في قمة العبودية، فهؤلاء عند الصوفية عوام، وكل ما جاء عن الله تعالى عن طريق الأنبياء من الوحي والشرائع والكتب والأوامر والنواهي والتوحيد يعتبرونه من توحيد العوام، وهذا مسطور في كتبهم، بمعنى أنهم قلبوا المفاهيم تماماً، فجعلوا الإلحاد هو قمة التوحيد وجعلوا التوحيد، هو قمة الشرك. والتوحيد الثاني عندهم توحيد الخاصة، ويقصدون به توحيد المعرفة والإثبات الذي هو توحيد الربوبية، أي: إثبات توحيد الله تعالى بالحقائق الكونية أو بالحقائق النفسية أو بالأدلة العقلية. والتوحيد الثالث عندهم -أي: عند الصوفية- توحيد خاصة الخاصة، وهو توحيد الفناء أو الفيض أو الإشراق أو الوحدة أو الحلول أو الاتحاد، وكلها تؤدي إلى الإلحاد؛ لذلك يزعمون أن أئمة الكفر في قمة التوحيد، وهذا موجود في كتب الصوفية، ومن أراد أن نطلعه على ذلك أطلعناه، ولكن العافية له في ترك ذلك، فهم يقولون: إبليس في قمة التوحيد؛ لأنه أبى أن يسجد لغير الله، ويقولون: فرعون في قمة التوحيد، لكنه تهور وأظهر الحقيقة، فأخطأ بتهوره حينما قال: أنا ربكم. لكنه في قمة التوحيد، حتى إن ابن عربي بث هذا في كتبه، وله رسالة موجودة اسمها (إيمان فرعون)، يقول: فرعون في قمة الإيمان، لكنه تهور حينما أظهر هذه الحقيقة للعوام، يعني: موسى وأتباعه، نسأل الله العافية، ولذلك فعند الصوفية من وصل إلى توحيد خاصة الخاصة لابد من أن يهلوس، كـ الحلاج مثلاً، لما وصل إلى هذه المنزلة قال: أنا الله، ونوقش، وقام له طائفة من السلف يقنعونه ويقيمون عليه الحجة ويتثبتون من عقله هل هو عاقل أم لا، حتى ثبت أنه عاقل؛ لأنه مصر، فحكموا عليه، وأمهلوه مدة طويلة فأبى إلا أن يقول: أنا الله، إلى أن جاءوا إليه وهو أمام الخشبة ليقتل يقولون: تب إلى ربك، تب إلى الله، فيقول: ما في الجبة إلا الله، كأنه كان لابساً الجبة، وكان أتباعه حوله يظنون أن السيف لن يناله ولن يموت، فلما سال دمه في الأرض وتلطخت ثياب بعضهم به صعقوا، واستغربوا كيف انفكت رقبته عن جسمه؟! إذ ما كانوا يظنون أن هذا يحدث. إذاً: فالصوفية بلية من البلايا، وهي خط من خطوط الزندقة، بل أصبحت زبالة كل فكرة فاسدة وكل إلحاد؛ لأنها انصبت فيها جميع المذاهب الموروثة عن الأمم الضالة، فنجد مظاهر الديانة الهندوسية موجودة في بعض طرق الصوفية، ونجد مظاهر الديانة المجوسية موجودة في طرق أخرى، ونجد الديانة الباطنية الشيعية الرافضية الموروثة عن المجوس موجودة في بعض الطرق الصوفية، ونجد الفلسفات الإغريقية والفلسفات اليونانية موجودة في الصوفية. فما من فلسفة وكفر وإلحاد إلا ويوجد له في الصوفية طرق ومذاهب واتجاهات، والصوفية اتجاهات كثيرة.

стр. 108

الحداثة قسيم للصوفية المتزندقة لما نفقت سوق الصوفية في العصر الحديث ظهر اتجاه جديد قام بدور الصوفية، لكن على شكل آخر وبمؤثرات وأسباب أخرى وتحت شعارات أخرى، وهو اتجاه الحداثة، فالحداثة حينما نتأملها نجدها وجهاً آخر للصوفية وإن لم يكن هذا مقصوداً، لكن هذه أساليب الشيطان في العبث بالأمم. فالحداثة الآن مصب للزندقة، فلذلك لا نرى مذهباً شاذاً في الغرب الآن أو في الشرق -سواء أكان منهجاً فكرياً شاذاً أم أخلاقياً شاذاً أم عقدياً شاذاً أم إلحادياً- إلا وقد وجد له في مدارس الحداثة من يتبناه، فأصبحت الحداثة معلماً جديداً من معالم الصوفية، فلذلك نجد أن أغلب الحداثيين يشيدون برموز الصوفية ورموز الباطنية أعظم إشادة. إذاً: فالصوفية وإن قلنا: إنها بدأت تتبين للناس ويتبين أمرها إلا أننا بلينا بعدها ببلية أخرى، وهي الحداثة التي الآن دخلت فينا إلى العظم وتمكنت وتوغلت عندنا في وسائل الإعلام وفي الاتجاهات الأدبية والفكرية حتى صارت الآن شوكة نحتاج في نزعها إلى جهود عظيمة.

стр. 109

الأنبياء أكمل الناس توحيداً قال رحمه الله تعالى: [فإن أكمل الناس توحيداً الأنبياء صلوات الله عليهم، والمرسلون منهم أكمل في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيداً، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين]. لا شك في أن الرسل يتفاوتون، وإن كانوا في حقوقهم، لا فرق بينهم، فكلهم سواء في الحب والإيمان بأنهم رسل وأنبياء، والإيمان بعصمتهم وأنهم بلغوا رسالة الله إلى آخره، لكن من حيث درجتهم عند الله وفضلهم يتفاوتون. وكون بعضهم أكمل في التوحيد لا يعني أن بعضهم أكثر توحيداً، لكن في جانب العبودية لله ، ففي عبوديتهم لله تعالى قد يكون بعضهم أفضل من بعض. قال رحمه الله تعالى: [وأكملهم توحيداً الخليلان محمد وإبراهيم صلوات الله عليهما وسلامه؛ فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علماً ومعرفة، وحالاً ودعوة للخلق وجهاداً، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسول ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه، ولهذا أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يقتدي بهم فيه، كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك، وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله ﷺ أن يقتدي بهم، وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين)، فملة إبراهيم: التوحيد، ودين محمد ﷺ : ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا، وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفطرة الإسلام: هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلام له عبودية وذلاً وانقياداً وإنابة. فهذا توحيد خاصة الخاصة، الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣١]. وكل من له حس سليم وعقل يميز به لا يحتاج في الاستدلال إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به. ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطر يفضي إلى الاتحاد، انظر إلى ما أنشده شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد].

стр. 110

الكلام في أبيات الهروي في التوحيد هذه الأبيات -في الحقيقة- من الأمور المعضلة؛ لأن ظاهر الأبيات ينزع إلى مقولة الصوفية، فلذلك نحتاج إلى أن نتكلف لنحسن الظن بالقائل، وهو الهروي ﵀، وهذه قد تحدث من بعض الأئمة، فيحصل منهم بعض المخالفات في المسائل الاعتقادية، بمعنى أنه قد يشذ إمام له قدره في الدين في مسألة من المسائل عمَّا عليه جمهور السلف، فهذا لا يضيره في صلاحه واستقامته، لكن مع ذلك لا نقر الخطأ حتى ولو كان من عالم كبير إذا لم نجد لكلامه المتأول إلا أن نحسن الظن به هو، أما كلامه وقوله فنعرضه على موازين الشرع، فمن هنا نقول إن هذه الأبيات في ظاهرها هي تأييد لمقالات الصوفية الخطيرة، لكنا إذا نظرنا إلى القائل فإنا نجد أن له في ذلك متأولاً، ونستطيع أن نفسرها بتفسير نحمله محملاً حسناً وإن تكلفنا، وتفسير آخر يؤيد الصوفية، وهو التفسير الظاهر، فلذلك حاول ابن القيم ﵀ أن يعتذر في هذه الأبيات للهروي وأن يفسرها بالتفسير الحسن، وبعد ذلك سلم ابن القيم بأن فيها معاني إلحادية، فقال كلمته المشهورة في مدارج السالكين: لكن ذكر لفظاً مجملاً محتملاً جذبه إليه الاتحادي، وأشار في المدارج أيضاً إلى أن في هذه الأبيات معنى إلحادياً، لكن الهروي بريء منه.

стр. 111

المحمل الحسن المتكلف لبيان معناها نرجع إلى تفسير الأبيات، على المحمل الحسن، وسنتكلف وأمرنا إلى الله. فقوله: (ما وحد الواحد من واحد) على التفسير الحسن يقصد بذلك: أنه لا يوجد أحد من المخلوقات وصل إلى حقيقة توحيد الله تعالى الكاملة، أي: ما وحد الله أحد من خلقه التوحيد الكامل الحقيقي الذي يليق بالله ، فتوحيد البشر مهما بلغ أقل من أن يصل إلى كمال الله تعالى، فلم يوحد الله على الحقيقة سوى الله، أي: التوحيد الكامل الذي لا يمكن أن ترتقي إليه مدارك البشر. (إذ كل من وحده جاحد) يقصد أن من حاول أن يقول بالتوحيد الكامل؛ فإنه لا يزال يخفى عليه جوانب أخرى من توحيد الله، فهذه الجوانب هو جاحد لها لم يصل إلى حقيقتها. ثم قال: (توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد) يقصد بذلك أن الله هو الذي أعارهم الوسائل التي عرفوا بها التوحيد، فعرف الإنسان توحيد الله بفطرته وعرف توحيد الله بعقله، وعرف توحيد الله بآياته، وهذه الأمور كلها من مخلوقات الله ومن مواهب الله التي وهبها للخلق، فهو استعارها من الله ليتعرف على الله. إذاً: فهي عادية موقوتة تزول، وتبقى شهادة الله لنفسه بالتوحيد هي الشهادة العظمى. وقوله: (توحيده إياه توحيده) يعني: أن التوحيد الحقيقي لله تعالى هو شهادة لله لنفسه، فهي التوحيد الحقيقي الذي يوقف عنده، أما توحيد المخلوقات فهو توحيد لا يمكن أن يبلغ كمال الله تعالى، فكمال الله تعالى لا يتناهي ولا يرتقي إليه ولا إلى إدراكه مخلوق على وجه التفصيل. وقوله: (ونعت من ينعته لاحد) يعني بذلك أن من تطلع إلى وصف الله تعالى بالنعوت الكاملة؛ فإنه لا يستطيع، ويلحد بذلك، إنما يستطيع البشر أن يصفوا الله تعالى ببعض نعوته، لذلك ذكر الله لنا أن من أسمائه وصفاته ما لا يخطر على بال بشر. إذاً: فمن ادعى أنه يستطيع أن ينعت الله بجميع كمالاته؛ فهو بذلك لاحد، أي: خارج ومائل عن الحق. هذا هو التفسير المتكلف؛ لئلا نتهم إماماً من أئمة المسلمين -وهو الهروي - بالإلحاد، وقد تنطوي بعض المعاني على بعض البشر -وإن كان إماماً في الدين- ليثبت للبشر أنه لا عصمة إلا للأنبياء.

стр. 112

محمل الأبيات على طريقة الصوفية أما معناها على منطق الصوفية، فإن قوله: (ما وحد الواحد من واحد)، أي: ما وحد الله أحد، (إذ كل من وحده جاحد) أي: إذ كل من سعى إلى توحيده على طريقة الشرع والعبادة فهو عندهم جاحد لله؛ لأنه لا يصل إلى توحيد الله إلا بأن يتحد مع الله أو يحل أو يفنى في الله تعالى أو نحو ذلك من المعاني. وقوله: (وتوحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد) أي أن من عبد الله تعالى بصفاته، أو تعبد الله بأسمائه وصفاته؛ فإنه بذلك واقف على ألفاظ الشرع، وألفاظ الشرع عندهم هي دين العامة أو توحيد العامة، وهم يزعمون أنهم وصولوا إلى أسماء الله وصفاته باتحادهم مع الله، فلذلك مثلوا أسماء الله وصفاته بصفات بشر من البشر من أوليائهم. وقوله: (توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد) هو على نفس ما مر، أي: أنهم يقصدون بذلك أن من حاول أن يوحد الله بصفاته أو بنعته بصفات الكمال على نحو ما جاء به الأنبياء؛ فإنه بذلك لاحد عن توحيد الخاصة، أو خاصة الخاصة، الذي هو الاستغناء عن النص على أن صفات الله وأسمائه غير خلقه، فهم يرون أن الله هو الخلق والخلق هو الله، وعلى الإنسان أن يصف نفسه بصفات الكمال ليوحد التوحيد الكامل، لذلك قال أحدهم كلمة شنيعة، قال: سبحاني ما أجل شأني. يقصد نفسه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

стр. 113

وجود الخيرية في بعض المتصوفة لا يمنع من فضح المناهج الصوفية المتزندقة وحكاية الكفر أحياناً تكون ضرورية للتنبيه على مزالق هؤلاء؛ لأنا نرى الآن أعناق الصوفية بدأت تظهر، وكثر المتعاطفون مع المتصوفة جهلاً بهذه الأمور. نعم نحن ندرك أن هناك عدداً كبيراً ممن ينتسبون للتصوف من العامة قد لا يعتقدون هذه الاعتقادات، وأمرهم إلى الله ، لكن الصوفية بطرقها وبمدارسها، وبأقطابها كلها إلحاد وزندقة، وخروج عن مقتضى الدين، فيجب أن نتنبه، ويجب أن لا يغرنا المغفلون بمسألة التعاطف مع المتصوفة، بدعوى أن المتصوفة أخيار، نعم فيهم أخيار، لكن هل يعني هذا أن ننجذب إلى أناس فيهم الكفر والزندقة لمجرد وجود أخيار بينهم ينتسبون إليهم؟! إن كل طائفة من طوائف المسلمين قد يوجد فيها من السذج والمغفلين أخيار، لكن الكلام على حقيقة المذاهب والاتجاهات، وبيان ما هي عليه من كفر، وأنا بجهدي المحدود استقرأت كل ما حاولت أن أتوصل إليه من كتب الطرق الصوفية القديمة والجديدة، فما وجدت طريقة نزيهة ولا قريبة من التوحيد، ومن وجد فليعطني جزاه الله خيراً، وقد قرأت عن أكثر من أربعين طريقة من طرق الصوفية المعاصرة، فوجدتها تتفق على كثير من هذه الأصول الكفرية مع تفاوت في الاتجاهات العقدية، فلذلك من وجد طريقة على مذهب أهل السنة والجماعة فليخبرنا لئلا نظلم أحداً، وأحمل المسئولية كل من له اطلاع. أما أن يوجد من عوام المسلمين أو من طلاب العلم أو من المشايخ من ينتصر للصوفية وهو سليم المعتقد؛ فنعم قد يوجد هذا، لكن هل سلامة البعض تعني سلامة المذاهب وتعني سلامة الكل؟! هذا أمر لا يصح أن ننخدع به، وهذا هو مصدر اللبس الآن عند كثير من طلاب العلم، ومصدر اللبس عند كثير ممن حاروا في الأمر؛ لأنهم قد يجدون من الثقات والصالحين والعباد والزهاد من ينتسب إلى الصوفية ويقول: أنا صوفي، لكن هل تتمثل فيه الصوفية في مذاهبها وعقائدها؟! لا، فما عليه الصوفية من أوراد ومن أحوال ومن سلوك ومن شطحات كائن في كتب ومؤلفات، وهي موجودة، وهي محل الحكم. إذاً: فيجب أن لا ننخدع بدعاوى الصوفية أو دعاوى المتعاطفين مع الصوفية، ومن لديه برهان على أن طرق الصوفية -أو بعضها- فيها خير؛ فأرجو أن يسعفني بذلك وأنا أحمله المسؤولية؛ لأني ما وجدت إلى حد الآن طريقة سليمة تخلو من الكفريات فضلاً عن البدعيات والشركيات.

стр. 114

آثار غلو الصوفية في الدين قال رحمه الله تعالى: [وإن كان قائله ﵀ لم يرد به الاتحاد، لكن ذكر لفظا مجملا محتملا جذبه به الاتحادي إليه، وأقسم بالله جهد أيمانه أنه معه، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها كان أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوباً منا لنبه الشارع عليه، ودعا الناس إليه وبينه، فإن على الرسول البلاغ المبين، فأين قال الرسول: هذا توحيد العامة، وهذا توحيد الخاصة، وهذا توحيد خاصة الخاصة، أو ما يقرب من هذا المعنى، أو أشار إليه؟ ! هذه النقول، والعقول حاضرة، فهذا كلام الله المنزل على رسوله ﷺ ، وهذه سنة الرسول، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول، وسادات العارفين من الأئمة، هل جاء ذكر الفناء فيها وهذا التقسيم عن أحد منهم؟! وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في الدين المشبه لغلو الخوارج، بل لغلو النصارى في دينهم، وقد ذم الله تعالى الغلو في الدين ونهى عنه]. بذور الصوفية بدأت تحت شعار التعبد والزهد، والمبالغة في التعبد والزهد، فالغلو في الدين أوجد بيئة مناسبة لنشر المذاهب الباطلة تحت مسمى الزهد والورع والتصوف فلذلك إذا استعرضنا تاريخ التصوف نجد أنه بدأ في القرن الثاني على شكل نزعات، ولم يكن على طرق الصوفية، إنما كان نزعات مبالغة في العبادة على غير السوية، وأغلبها من أناس من الصالحين لا يتهمون في عقيدتهم وليسوا أصحاب بدع، لكنهم تعبدوا على غير فقه، فمنهم من نزع إلى تغليب الخوف على الرجاء، ومنهم من نزع إلى تغليب العبادة والانقطاع عن الدنيا، ومنهم من نزع إلى البكاء مثل البكائين، ومنهم من نزع إلى تغليب جانب الحب وترك جوانب العبادة الأخرى، ومنهم من نزع إلى العزوف عن كل شيء، ومنهم من نزع إلى الهيام في البراري والمشي في الأرض على غير قصد، ومنهم من نزع نزعات أخرى. فهذه النزعات في التعبد المغالي أوجدت بيئة مناسبة لدخول الباطنية ودخول المتصوفة في القرن الثالث الهجري، فلذلك اعتمدت الصوفية على هذا الاتجاه، اتجاه الغلو في العبادة، فزعمت أنها امتداد للزهاد الأوائل، وزعمت أنها امتداد لأهل الورع والتقى والصلاح، وهذا هو التلبيس والكذب والدجل بعينه، فالمتصوفة استغلوا هذه البيئات، وأوجدوا فيها ما يسمى بالشطحات أولاً والتعلق بالسماع ونحو ذلك من الألفاظ الموهمة التي تشبه ألفاظ الحداثيين الآن، ثم بعد القرن الثالث خرجت عن سمتها، وبدأت تقول بالكفر الصراح بدون مداهنة. قال رحمه الله تعالى: [وقد ذم الله الغلو في الدين ونهى عنه، فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]، وقال ﷺ : (لا تشددوا فيشدد الله عليكم؛ فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) رواه أبو داود.

стр. 115

شرح العقيدة الطحاوية [١١] لقد اعتمد السلف في باب الأسماء والصفات قاعدة القرآن الكريم الحاكمة بإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه عن نفسه، وقد خالف في ذلك سالكو مسلك التأويل أو التعطيل فيما يخص الإثبات؛ إذ توهموا أن الاشتراك اللفظي في صفات الخالق وصفات المخلوق يقتضي المشابهة، وذلك غير مسلم؛ فإن المشترك اللفظي ليس له إطلاق كلي على الأعيان الخارجة ليشملها في آن واحد حال الخطاب، بل هو في الخارج لا يوجد إلا معيناً مختصاً، فإذا وصف به الخالق اختص به على ما يليق بجلاله وكماله، وإذا وصف به المخلوق اختص به على ما يليق بنقصه.

стр. 116

بيان ما ينفى عن الله من الصفات وما لا يجوز نفيه منها قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا شيء مثله): اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظاً مجملاً يراد به المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن، ودل عليه العقل من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على الممثلة المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، رد على النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النصارى في كفرهم]. من جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم، وهو نظير اليهود -كذلك- في كفرهم وفي تشبيههم لله بخلقه؛ لأن اليهود حينما حرفوا التوراة وضعوا فيها اعتقادهم في تشبيه الله تعالى بخلقه، فزعموا أن الله له أعضاء كأعضاء المخلوقات، وأنه ينزل إلى الأرض ويصارع ويتحداهم ويتحدونه، تعالى الله عما يزعمون. فلذلك نجد التشبيه حينما ظهر في الأمة في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ظهر على أيدي الرافضة الذين هم ورثة اليهود، فالرافضة ورثوا كثيراً من عقائد اليهود كما هو معروف عند المحققين، ومن ذلك التشبيه، فالمشبهة الأوائل المجسمة كـ هشام بن الحكم وداود الجواربي وهشام بن سالم الجواليقي وغيرهم كلهم رافضة، بل التشبيه الشنيع الذي كفر أهل السنة من قال به أغلبه في فرق الرافضة الأولى. قال رحمه الله تعالى: [ويراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي، عليم، قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذا كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك]. هو بهذا يريد أن يقرب مسألة بناها على قاعدة نفي التشبيه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فهو أولاً أراد أن يبين معنى نفي التشبيه هنا، وما حدث عند المتكلمين والنفاة من اللبس والتلبيس في معنى التشبيه، فقاعدة: (ليس كمثله شيء) تعني أن الله تثبت له الصفات، لكن على غير صفات المخلوقين؛ لأن الله قال في الآية نفسها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالآية تضمنت قاعدتين متوازنتين ترد كل واحدة إلى الأخرى، ولا بد من رد كل واحدة إلى الأخرى. لكن أصحاب الأهواء انقسموا في هذا الأمر إلى قسمين، وأهل السنة وسط بين الفريقين، فأخذوا بالحق، حيث أخذوا بقاعدة: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وقاعدة: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، قاعدة نفي المشابهة وقاعدة الإثبات، والله بدأ بنفي المشابهة قبل الإثبات لئلا يستقر في ذهن السامع لصفات الله تعالى ما يتخيله من المعاني التي لا يعرفها إلا في عالم الشهادة، فنظراً لأن الإنسان إذا سمع: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ينطبع في ذهنه ما يشهده وما يعلمه من السمع والبصر؛ فكأن الله أراد أن ينفي المشابهة قبل الانطباع في الذهن، فما ينطبع في الذهن منفي عن الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فحقيقة صفات الله تعالى تثبت والمشابهة منفية قطعاً، فلذلك بدأ بنفي التشبيه لئلا يستقر في الذهن ما يتخيله الإنسان عندما يسمع اللفظ، فلذلك أهل السنة سلمت عقيدتهم، أما أهل الأهواء فانقسموا إلى قسمين: قسم وقف عند الشق الأول، فقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فظن أن إثبات الصفات مماثلة، فنفى الصفات، وطائفة أخرى وقفت عند: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وقالوا: لا نعرف إلا السمع بالأذن والبصر بالعين، إذاً: فالله جسم كالأجسام. تعالى الله عما يزعمون علواً كبيراً.

стр. 117

مناقشة المؤولة والمعطلة في بيان أن الإثبات لا يستلزم التشبيه وأراد هنا أن يناقش المؤولة والمعطلة؛ لأن تلبيسهم أشد من تلبيس المشبهة، التشبيه تنفر منه النفوس والفطر، ولا يحتاج التشبيه إلى تقعيد فلسفي ولا إلى قواعد عقلية ولا إلى قواعد كلامية، وتنفر منه جميع النفوس، فلا يحتاج إلى تكلف في رده؛ لأن تشبيه الخالق بالخلق تنفر منه فطرة كل إنسان، فلذلك لا يحتاج إلى مزيد كلام، لكن المشكلة في تلبيس المؤولة والمعطلة الذين نفوا أسماء الله وصفاته بدعوى أنها توهم المشابهة، أو الذين نفوا الصفات بدعوى أنها توهم المشابهة، أو الذين أولوا بعض الصفات بدعوى أنها توهم المشابهة، كل هؤلاء يناقشون على قاعدة واحدة، لكن كل واحد منهم نناقشه بقدر ما نتفق وإياه على الأمور الأولية التي يسلم بها، فكلهم لا بد من أن يسلموا بشيء كما سيأتي، فلذلك سنعرف من خلال الكلام أن الشارح سيتدرج في مناقشة المؤولة والمعطلة تدرجاً يأخذهم فيه دفعة دفعة، فيبدأ بالمؤولة الذين تأويلهم خفيف، ثم يثني بمنكري الصفات، ثم يثلث بمنكري الصفات والأسماء جميعاً، فيأخذهم بأسلوب واحد على قاعدة واحدة. قال رحمه الله تعالى: [وهم يوافقون أهل السنة على أنه موجود، عليم، قدير، حي، والمخلوق يقال له: موجود، حي، عليم، قدير، ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه]. هنا يناقش الأشاعرة والماتريدية، يعني: بدأ بالفرق التي هي أقل خروجاً عن السنة في التأويل، أو الذين يمكن أن يكون بيننا وبينهم شيء من الالتزام بالنصوص وظاهرها وبعض القواعد التي تستنبط من النصوص، وهم الأشاعرة والماتريدية، فهو هنا يناقش المؤولة المتكلمين من الأشاعرة ومن نحا نحوهم. قال رحمه الله تعالى: [وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل، ولا يخالف فيه عاقل، فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بها، وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمى، فسمى نفسه حياً، عليماً، قديراً، رءوفاً، رحيماً، عزيزاً، حكيماً، سميعاً، بصيراً، ملكاً، مؤمناً، جباراً، متكبراً، وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥]، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨]، ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيم﴾ [الصافات:١٠١]، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ((فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)) [الإِنسَان:٢]، ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف:٧٩]، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً﴾ [السجدة:١٨]، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥]، ومعلوم أنه لا يماثل الحي الحي، ولا العليم العليم، ولا العزيز العزيز، وكذلك سائر الأسماء. وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِه﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [السجدة:١٥]. وعن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته) رواه البخاري. وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين)]. الخلاصة في هذا الكلام كله أن الشارح قرر طريقة السلف في إلزام المؤولة أو منكري الأسماء والص

стр. 118

مناقشة الأشاعرة ونحوهم قال رحمه الله تعالى: [فقد سمى الله ورسوله صفات الله علماً وقدرة وقوة، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم:٥٤]، ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨]]. هذا في وصف المخلوقين، يعني بذلك أن الله كما سمى صفات نفسه وكما سماها رسوله ﷺ بالعلم والقدرة والقوة؛ كذلك سمى الله المخلوقين ووصفهم بهذه الصفات. قال رحمه الله تعالى: [ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر هذا كثيرة، وهذا لازم لجميع العقلاء؛ فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه]. هنا بدأ يرد على المؤولة قبل أن يرد على المعطلة، فبدأ بالرد على أقل الفرق انحرافاً في صفات الله تعالى، فهو يرد على المؤولة وعلى أهل الكلام الذين يمثلهم الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم. قال رحمه الله تعالى: [فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه -كالرضا والغضب، والمحبة والبغض ونحو ذلك- وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم؛ قيل له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر! مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما نفيته وأثْبتَهَ الله ورسوله مثل قولك فيما أثْبَتَّه؛ إذ لا فرق بينهما]. خلاصة قوله أنه يقول لمن أول بعض صفات الله تعالى وأثبت البعض الآخر، وهم المؤولة الذين يثبتون لله تعالى صفات العلم والإرادة والقدرة والحياة والسمع والبصر ولا يؤلونها، لكنهم في الوقت نفسه لا يثبتون صفة الرضا والنزول والمجيء والمحبة والبغض ونحوها من الصفات الفعلية، يقول لهم: الشبهة التي بها نفيتم الصفات هي موجودة فيما أثبتموه، وأيضاً: السبب الذي به أثبتم الصفات التي ذكرتموها هو موجود في تلك الصفات التي نفيتموها، فإذا قلتم في صفة الإرادة والكلام والسمع والبصر بأنكم تثبتونها لله تعالى وليست كصفات المخلوقين، فكذلك المحبة والغضب واليد والوجه قد أثبتها الله لنفسه، وليست كصفات المخلوقين، فلم نفيتم هذا وأثبتم هذا؟! ليس عندهم جواب.

стр. 119

مناقشة المعتزلة قال رحمه الله تعالى: [فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً من الصفات، قيل له: فأنت تثبت له الأسماء الحسنى، مثل: حي، عليم، قدير، والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما يثبت للرب من هذه الأسماء مماثلاً لما يثبت للعبد، فقل في صفاته نظير قولك في مسمى أسمائه]. هنا بدأ يرد على المعتزلة، فالمعتزلة يثبتون لله الأسماء مثل: عليم، قدير، حي، لكنهم ينفون عن الله الصفات مثل الحياة والعلم والقدرة، فيقولون: حي بلا حياة، وعليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وهذه فلسفة، لكن الشارح يقول لهم -وهذا مبدأ عند أهل السنة والجماعة-: إن السبب الذي أثبتم به الأسماء موجود في الصفات، والسبب الذي نفيتم به الصفات موجود في الأسماء، فلا داعي للتفريق بينهما، فهم يقولون -مثلاً- في نفي الحياة والعلم والقدرة: لأنها من صفات المخلوقين، فيقال لهم: أيضاً المخلوق يقال له: حي، ويقال له: عليم، ويقال له: خبير بحدود ما أعطاه الله من هذه الأسماء والصفات، فالتفريق بين أسماء الله وصفاته كالتفريق بين الصفات بعضها مع بعض، والقاعدة عند النفاة وعند المؤولة قاعدة واحدة، وإذ رد عليهم بقواعدهم نفسها، فما أثبتوه لا حجة لهم في نفي ما عداه، وما نفوه لا حجة لهم في إثبات ما عداه. إذاً: لا بد في القاعدة الشرعية أن تطرد، فإذا قال الأشاعرة -مثلاً- بأن لله صفات -كالسمع والبصر- ليست كصفات المخلوقين، فيقال لهم: كذلك تثبت لله المحبة والرضا والنزول والمجيء على غير ما عليه المخلوق، إنما تثبت على ما يليق بجلال الله تعالى، لا لأننا استنتجنا ذلك بخيالاتنا وعقولنا، لكن لأنها ثبتت في النصوص، فصفات الرضا والعَجَب والغضب واليد والوجه ثابتة بنصوص الشرع، وهي تثبت لله تعالى على ما يليق بجلاله، ودعوى المشابهة أو دعوى الالتباس بصفات المخلوقين دعوى باطلة؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وكما أنه ليس كمثله شيء في بعض صفاته التي أثبتوها؛ فكذلك ليس كمثله شيء في الصفات التي نفوها، وكما أن الله تعالى ليس كمثله شيء في أسمائه؛ فكذلك ليس كمثله شيء في صفاته، فلا داعي للتفريق بين الصفات، ولا للتفريق بين الأسماء والصفات.

стр. 120

مناقشة الجهمية والباطنية والمتفلسفة قال رحمه الله تعالى: [فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول: هي مجاز، وهي أسماء لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة]. هنا يرد على الباطنية والمتفلسفة والجهمية، فانتقل من المعتزلة والمتكلمين إلى فئة ثالثة أشد غلواً، وهي الجهمية والباطنية والمتفلسفة. قال رحمه الله تعالى: [قيل له: فلا بد أن تعتقد أنه موجود حق قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه، وليس هو مماثلاً له]. هذا رد على الدهرية الملاحدة، ثم انتقل من الرد على الجهمية الذين ينكرون الأسماء والصفات جميعاً إلى الرد على الملاحدة الدهرية الذين ينكرون وجود الله، فرد عليهم بنفس القاعدة.

стр. 121

مناقشة الملاحدة فقال رحمه الله تعالى: [فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً، بل أنكر وجود الواجب. قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه]. كلمة واجب وغير واجب فلسفة اضطر أهل العلم للتعبير بها لإلزام الخصوم من الملاحدة، وإلا فهي من العبارات المبتدعة التي لا يجوز أن تطلق على الله ، لا باسم ولا بوصف، لكن قد يعبر للخصم الذي لا يؤمن بالكتاب والسنة، أو ألحد في كتاب الله وفيما ورد فيه من النصوص الثابتة بمفاهيمه ومصطلحاته لإلزامه بالحجة، فلذلك قد يحاج هؤلاء الذين ينكرون الأسماء والصفات، أو ينكرون وجود الله بمثل هذه الألفاظ من باب الإلزام العقلي. إذاً: لا بد من فهم كلمة واجب الوجود وممكن الوجود، والقائم بنفسه والقائم بغيره، فواجب الوجود معناه: الذي يلزم وجوده ويضطر العقل لإثباته، وتفتقر إليه الموجودات، اللازم عقلاً بالضرورة، فيسمى واجب الوجود بنفسه؛ لأن الوجود خلاف العدم، فلذلك الله موجود، بمعنى أنه له وجود ذاتي، وكذلك المخلوقات موجودة، لكن المخلوق مفتقر إلى موجد، فيقال له: ممكن الوجود، أو: جائز الوجود، أو قائم بغيره؛ لأنه لا بد في وجوده من موجد، وهذا الموجد -وهو الله الخالق- واجب الوجود، بمعنى: لا يمكن أن نتصور أنه يحتاج إلى موجد ثان، فلا يمكن أن يتصور عاقل أن الموجد الذي أوجد المخلوقات القائم بنفسه الواجب الوجود -في تعبيرات الفلاسفة- محتاج إلى موجد ثان؛ لأنه لو قيل بموجود ثالث موجب لغيره لاحتاج الموجود الثالث إلى موجود رابع، والرابع إلى الخامس، وهذا يؤدي إلى التسلسل الذي لا يتناهي أبداً، فلا ننتهي إلى نتيجة، إذاً: لا بد عقلاً من الإقرار بواجب الوجود، أي: لازم الوجود الذي لا بد من أن يكون وجوده أزلياً لا بداية له، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد:٣]، والأول -كما فسره النبي ﷺ الذي ليس قبله شيء، فإذا كان ليس قبله شيء فليس له موجد، ولا بد من أن يكون هو الموجد، فالفلاسفة تعبر بواجب الوجود الذي يضطر العقل للقول بوجوده أزلاً، وليس قبله شيء. قال رحمه الله تعالى: [فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً، بل أنكر وجود الواجب. قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر إلى خالق، وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه، وإما غني عما سواه، وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه]. يعني أن الذي لا يوجد نفسه لا بد له من موجد، فالمخلوقات نعلم قطعاً أنها لا تستطيع أن توجد نفسها، فلا بد لها من موجد، والموجد هو اللازم وجوده بالضرورة أزلاً، وليس قبله شيء. قال رحمه الله تعالى: [وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا يكون إلا بقديم، والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني عنه، فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه، وما سواه بخلاف ذلك، وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن]. يعني أن المخلوقات التي نراها ونحسها علم بالحس والضرورة أنها موجودة وكائنة وحادثة بعد أن لم تكن. قال رحمه الله تعالى: [والحادث لا يكون واجباً بنفسه، ولا قديماً أزلياً، ولا خالقاً لما سواه، ولا غنياً عما سواه، فثبت بالضرورة وجود موجودين: أحدهما واجب والآخر ممكن، أحدهما قديم والآخر حادث، أحدهما غني والآخر فقير، أحدهما خالق والآخر مخلوق، وهما متفقان في كون كل منهما شيئاً موجوداً ثابتاً. ومن المعلوم أيضاً أن أحدهما ليس مماثلاً للآخر في حقيقته؛ إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجب قِدمه وهو موجود بنفسه، والآخر لا يجب قِدمه ولا هو موجود بنفسه، وأحدهما خالق، والآخر ليس بخالق، وأحدهما غني عما سواه، والآخر فقير]. هذا القاعدة العقلية المعلومة بالضرورة تسري على كل من خالف النصوص الشرعية فيما يتعلق بصفات الله تعالى، ليست فقط في المنكرين لأسماء الله وصفاته أو الملاحدة الذين لا يؤمنون بوجود الله، إنما هي سارية على كل من خالف النصوص الشرعية، فالمؤولة الذين أولوا صفات الله فأثبتوا بعضها وأولوا بعضها، والمعطلة الذين أنكروا الصفات وأثبتوا الأسماء، أو الذين أنكروا الأسماء والصفات، هؤلاء كلهم يجمعون على أن الله هو الخالق الموجد الغني عما سواه، وهو القيوم القائم بنفسه القائم على خلقه، وهو مغاير للمخلوقات في كل شيء، -وهذه بدهية يعترفون بها، لكنهم نسوها عند الإثبات، فكان الأولى حينما أخبروا بصفات الله ﷻ كصفة العين واليد والغضب والرضا والضحك والنزول- أن تستمر القاعدة معهم بأن يقولوا: هذه الصفات تليق بالله على خلاف صفات المخلوقين، بل هي مغايرة حتماً؛ لأن الله تعالى له الكمال المطلق وليس كمثله شيء، وكل صفة لله تعالى فهي كمال مطلق مغايرة

стр. 122

الاشتراك اللفظي لا يعني تشبيه الخالق بالمخلوق قال رحمه الله تعالى: [فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه، واختلافهما من وجه، فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلاً قائلاً للباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً للباطل، والله أعلم]. يقصد بهذا ما يسمى بالاشتراك اللفظي، والاشتراك اللفظي هو الذي خفي أمره على كثير ممن خالفوا أهل السنة والجماعة، فخالفوا هدي الأئمة في إثبات صفات الله تعالى وإثبات أمور الغيب، والاشتراك اللفظي هو أن هناك ألفاظاً معلقة في الأذهان لا يمكن أن نفهم معانيها على الحقيقة إلا إذا أطلقت على الموصوف أو المسمى، فهذه الألفاظ المشتركة تطلق على الله تعالى على وجه الكمال، وتطلق على المخلوقات على وجه النقص، وهذا معلوم بالضرورة، فمثلاً: اسم (الحي) لفظ مشترك، فكلمة (حي) قبل أن نصف بها أحداً كلمة معلقة في الأذهان وفي الخيالات، لكن إذا قلنا عن الله تعالى: إنه الحي القيوم؛ فهم السامع بفطرته وعقله السليم أن لله الحياة الكاملة، فالله له البقاء، وإذا أطلقت كلمة (حي) على مخلوق فهم منها الحياة المقيدة التي يعتريها النقص والفناء، وكذلك كلمة (عالم) مثلاً، فهي كلمة مجردة تبقى في الخيال وفي الذهن عالقة، فإذا قيل للإنسان: عالم عرف أنها كلمة تطلق على هذا الإنسان بحسب معلوماته، أي: ليس عالماً بما كان وما يكون وما وراء الأرض، إنما هو عالم بمعلوماته التي في ذهنه، وإذا قيل في حق الله : عالم، فالله هو العالم على وجه الكمال، وهذا الأمر يجري على كل الصفات والأسماء، والذين نفوا الأسماء أو أولوها بدعوى أنها تشبه أسماء المخلوقات وصفاتهم يقال لهم: كما أنكم تقولون: إن الله موجود والمخلوق موجود، وتقولون بأن وجود الله يليق بجلاله، ووجود المخلوق يليق بنقصه؛ فكذلك الصفات الأخرى -اليد والعين والقدرة والضحك والرضا- تطلق على الله تعالى على ما يليق بجلاله على وجه الكمال، وتطلق على المخلوق على ما يليق بنقصه، فاتفاق الألفاظ من وجه واختلافها من وجه هو الذي التبس على كثير ممن حادوا عن الحق، سواء المشبهة الذين ما فهموا من صفات الله إلا أن تكون مثل صفات المخلوقين، وهو فهم خاطئ أدى بهم إلى الضلالة والكفر، وكذلك المؤولة الذين فهموا من هذه الألفاظ مثلما فهم المشبهة، لكنهم فروا من التشبيه فعطلوا وأولوا، فوقعوا في الضلالة وحادوا عن الحق حيث أردوا الإحسان، فلذلك قال بعض أهل العلم: إن هذه الفرق أرادت الإحسان أولاً لكنها لم تهتد إلى الحق في النهاية، فالمشبهة أردوا الإحسان بالإثبات، لكنهم ما اهتدوا بهدي السنة في معنى الإثبات، فوقعوا في التشبيه، والمؤولة والمعطلة أردوا الإحسان بالنفي، بأنهم أرادوا تنزيه الله، لكنهم زادوا على الحد فعطلوا -أي: أنكروا أسماء الله وصفاته، أو صفات الله أو بعض صفات الله-فحادوا عن الحق حينما أرادوا الإحسان، وسبب ذلك تقصيرهم في العلم وعدم اهتدائهم بهدي النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة، وإلا فلو اهتدوا لما ضلوا. قال رحمه الله تعالى: [وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه؛ فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضاً مختص بوجوده وعلمه وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه. وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة]. أي: اتفق الخالق والمخلوق في المسمى المجرد، وهو الوجود والعلم والقدرة. قال رحمه الله تعالى: [فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه]. يعني أن هذه الأسماء -الوجود والعلم والقدرة- كلمات مجردة لا تعدو أن تكون في الذهن ومفهومها غير مرتبط بعين معينة، أو بشخص معين، أو بموصوف معين، فإذا أطلقت على أحد أطلقت على من أطلقت عليه بحسب ما يليق به، فالوجود والعلم والقدرة إذا أطلقت على المخلوق عرف أنه وجود وعلم وقدرة محدودة، وإذا أطلقت على الخالق سبحانه عرفنا أنه علم وقدرة ووجود كامل يليق بجلال الله . قال رحمه الله تعالى: [وهذا موضع اضطرب فيه كثير من النظار؛ حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد].

стр. 123

مدلول الاشتراك اللفظي وصلته بالأعيان الخارجية قال رحمه الله تعالى: [وطائفة ظنت أن لفظ (الوجود) يقال بالاشتراك اللفظي، وكابروا عقولهم، فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم، كما يقال: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم وحادث. ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، واللفظ المشترك كلفظ (المشتري) الواقع على المبتاع والكوكب، لا ينقسم معناه، ولكن يقال: لفظ (المشتري) يقال: على كذا أو على كذا، ومثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في موضعه. وأصل الخطأ والغلط: توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتاً في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقا كلياً، بل لا يوجد إلا معيناً مختصاً، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها مختصاً به، فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصاً به. فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيها غيره، فكيف بوجود الخالق؟ ألا ترى أنك تقول: هذا هو ذاك، فالمشار إليه واحد لكن بوجهين مختلفين. وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحق فضلوا، وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا، وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه. فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن أساءوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الأمر، والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساءوا بزيادة التشبيه. واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها، ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له بلفظ المفرد له ويشار له إلى معناه إن كان مشهودا بالإحساس الظاهر أو الباطن، فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو البشر أول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل. فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وعنايته في قلبه، ولا يعرف باللفظ ابتداء، ولكن لا يعرف المعنى بغير اللفظ حتى يعلم أولا أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به، فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا إشارة إليه، وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن، مثل الجوع والشبع والري والعطش والحزن والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده استنزله إليه، وعرف أن اسمه كذا، والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له: جعت، أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه وإدراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه، أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره. وإذا عرف ذلك فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلو إما أن يكون مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله، وإما أن لا يكون كذلك. فإن كانت من القسمين الأولين لم تحتج إلا إلى معرفة اللغة، بأن يكون قد عرف معاني الألفاظ المفردة ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩]، أو قيل له: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]، ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه. وإن كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما لا يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة، فلا بد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل أقوى، كان البيان أحسن، والفهم أكمل. فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر، وكذلك لما خبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها، أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من

стр. 124

بيان وجه الإحسان ووجه الخطأ عند المعطلة والمؤولة القضية الثانية: ذكر الشارح وجه الإحسان والخطأ عند كل من المؤولة والمعطلة، وأن مرادهم الإحسان أولاً لكن على غير هدى، فوقعوا في الضلالة، وسبق أن أشرت إلى هذا. يعني بذلك أن المعطلة حينما عطلوا ونفوا الأسماء والصفات عن الله تعالى أو أولوا بعضها، أرادوا بذلك ابتداء الخروج مما يتوهمونه من تشبيه لله بمخلوقاته، لكنهم لم يهتدوا للحق الذي جاء عن أئمة الهدى، وهو الإثبات على ما يليق بجلال الله تعالى، فلم يهتدوا إلى الصواب، فإحسانهم حينما لم يكن على صواب ولم يكن على دليل ولا على هدى أدى بهم إلى الإساءة والضلال.

стр. 125

حكمة التعبير عن الغيب بالألفاظ المشتركة القضية الثالثة التي تكلم عنها الشارح: وجوه فهم المخاطب للألفاظ الشرعية، ولماذا عبر الشارع بالألفاظ المشتركة؟ إذ ربما ترد هذه الشبهة على المعطلة والمؤولة والمشبهة، فيقولون إذا كان الله لصفاته وأسمائه كيفيات غير ما للمخلوقين، فلماذا عبر بهذه الأسماء والصفات؟ فيقال لهم: هذا على وجه التقريب؛ لأنه ليس عند المخاطب قدرة على الفهم أكثر مما يدركه في الموجودات، فالأمور الغيبية لا يمكن أن يصل إليها، ولو وصل إليها ما صارت غيباً، فالله تعالى عندما أخبرنا عن نعيم الجنة عبر بألفاظ عن هذا النعيم تشبه الألفاظ التي تطلق على أنواع النعيم في الدنيا، لكن الحقيقة غير الحقيقة، فلذلك قد يعبر عن بعض أمور الغيب بأقرب لفظ يقرب إلى الذهن فهمها، وإن كانت في الكيفيات على غير ما يعهده السامع؛ نظراً لأنه لا يمكن أن يطلع على الغيب. فلذلك جاءت النصوص الشرعية في ذكر أسماء الله وصفاته وغير ذلك من أمور الغيب بما يمكن أن يفهمه المخاطب من خلال مشاهداته وحسه، وضبطت هذه النصوص بقواعد أخرى تنفي التشبيه وتنفي التعطيل، وهي مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. فالله وصف نفسه بأنه العلي العظيم، وأنه حليم وأنه حي قيوم، وفي نفس الوقت قال الله لنا عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]؛ لئلا ترتبط الصفات التي نسمع الألفاظ عنها بالمحسوسات المتخيلة في أذهاننا، حتى لا نشبه أسماء الله وصفاته بما نعرفه مما يشبه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، فعلى هذا تثبت الحقائق الواردة في النصوص، أي: حقائق الألفاظ، لكن لا يمكن أن تثبت الكيفيات، والحقائق غير الكيفيات، فلذلك أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة هي حقائق، لكن الكيفيات التي هي عليها كيفيات كاملة تليق بجلال الله تعالى، ولا يمكن أن يدركها بشر؛ لأن الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وهذا أيضاً في سائر أمور الغيب التي أخبرنا الله بها، فشبهها بما عندنا من المحسوسات شبه لفظي، وهي حقائق، لكن الكيفيات غيبية، ولو كانت معلومة أو تشبه المشاهدات عندنا لما كانت غيباً. وما أخبر الله به من أمور الغيب على نوعين: نوع يمكن أن يرتسم له في الذهن ما يقرب من الحقيقة والكيفية، وهو ما أخبر الله به مما يوجد مثله، كإخبار الله تعالى عن الطوفان، أو عن غرق فرعون أو عن قصص النبيين، فهذه الأمور تفهم مما يقرب من كيفياتها، وربما نرى بعض أثارها وأعيانها، فهي غيب من حيث أحداثها، لكن ليست غيباً من حيث كيفياتها التي هي عليها. والنوع الآخر من الغيب هو الغيب الآخر الذي لا يوجد مثله في الدنيا، فهذا كيفياته في نطاق الغيب، ويستحيل لأحد من البشر أن يصل إلى هذه الكيفية؛ لأنه لو أمكن لأحد من البشر أن يصل إلى هذه الكيفية لما صارت غيباً، ولما سماها الله لنا غيباً، والغيب ما غاب عن الذهن والعقل والحس على السواء. هذه أهم القضايا التي وردت في بقية النص.

стр. 126

شرح العقيدة الطحاوية [١٢] من جملة القواعد المقررة عند السلف الصالح رضوان الله عليهم الإثبات التفصيلي لكل صفات الكمال لله تعالى، فيما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، والنفي الإجمالي لصفات النقص نفياً يتضمن إثبات كمال ضده لله ﵎، واطراح النفي الصرف الذي لا يتضمن ثبوت كمال ضده، وقد اتبعوا في ذلك منهج القرآن الكريم، مخالفين بذلك طريقة أهل الكلام المذموم الذين يعتمدون تقرير العقائد بالسلوب، ويجملون الإثبات ويفصلون النفي الصرف.

стр. 127

بيان كمال قدرة الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا شيء يعجزه)]. في هذه العبارة تقرير عقيدة السلف؛ إذ عندما كثر الخوض في أمر الاعتقاد وظهرت الفرق، وظهر أهل الأهواء والبدع، ودخلت على الناس المسائل الفلسفية، وكثر الكلام والخوض في العقيدة، خاصة فيما يتعلق بالله تعالى وأسمائه وصفاته؛ اضطر السلف إلى تقرير البدهيات، ومنها ما ذكره الطحاوي هنا، فقوله: (ولا شيء يعجزه) أي: لا شيء يعجز الله ، وهذا أمر بدهي تقتضيه جميع العقول السليمة، حتى عقول الكفار الذي يعترفون بالله، كاليهود والنصارى وسائر أهل الملل الذين يؤمنون بالله إذا لم تخالطهم فلسفات، فإنهم بالبداهة مقتنعون عقلاً وفطرة بأن الله لا يعجزه شيء، فضلاً عن المسلمين عامتهم وخاصتهم، فإنه من البدهي أن يقال: إن الله لا يعجزه شيء سبحانه؛ لأن هذا مقتضى كونه إلهاً ورباً وخالقاً، ولا تنفك عن ذلك العقول السليمة، ولا الفطر المستقيمة، لكن اضطر السلف لتقرير هذه البدهيات؛ لأن أهل البدع تكلموا في ذات الله وأسمائه وصفاته بقواعد عقلانية فلسفية هي أقرب إلى الترهات والخيالات التي هي شبهات من الشيطان. فالجهمية مثلاً -وهم أول من تجرأ على الكلام في ذات الله- طعنوا في حكمة الله تعالى وفي قدرته، ورسموا لله -تعالى عما يقولون وعما يزعمون- صلاحيات، فقالوا: إن الله يقدر على أن يفعل كذا ولا يقدر أن يفعل كذا، وإذا قرر الله بعدله أن يعذب الكافر فلا يقدر على أن يخرجه من النار! عياذاً بالله من ضلالهم. ومن هنا قالوا بعدم خروج أهل الكبائر من النار؛ لأن هذا طعن في قدرة الله، وكأن الله يعجز عن أن يخرج أحداً من النار بعد أن يعذب، وهكذا في سائر القضايا التي هي من سنن الله تعالى أو أحكامه، أو مما حكم الله به وقضاه، فإنهم يزعمون أن الله إذا قضى قضاءً لا يقدر على أن يتخلى عنه. ولم يفرقوا -بل أقول: إنهم ما أدركت عقولهم التفريق- بين قدرة الله تعالى وبين إرادته، فنحن نقول: إن الله أراد هذه الأمور، لكنه قادر على غيرها، فلم يفرقوا بين هذا وذاك، فلذلك اضطر السلف -ومنهم الإمام الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة- إلى قول هذا الكلام، وسيأتي مزيد شرح لذلك.

стр. 128

النفي في الكتاب والسنة يتضمن ثبوت كمال ضده قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا شيء يعجزه)؛ لكمال قدرته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤]، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿لا يَئُودُهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه، فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]؛ لكمال عدله، ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٣]، لكمال علمه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، لكمال قدرته، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، لكمال حياته وقيوميته، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]؛ لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه].

стр. 129

النفي الصرف لا يقال في حق الله النفي الصرف هو النفي الذي لا يتضمن ما يقابله، النفي الذي لا يتضمن الضد، أو ضده المعدوم، فهذا النفي لا يعد كمالاً، كنفي الوجود، فغلاة الفلاسفة ينفون عن الله الوجود، والذي لا يوجد هو العدم، فنفي الوجود ليس صفة كمال، بل صفة نقص؛ لأنه نفي صرف لا يتضمن الكمال الذي ضده، لذلك نجد في الأمثلة السابقة أن الله نفى عن ذاته المقدسة نقصاً لابد من أن يتضمن نفيه ويستلزم إثبات كمال، ولذلك يجتنب النفي الصرف، ككونه لا يرى، وليس في جهة، ونحو ذلك من العبارات التي سيوردها الشارح عن المتكلمين والفلاسفة، فإنهم نفوا نفياً سلبياً لا يتضمن شيئاً من الإثبات، وهذا النفي السلبي لا يجوز في حق الله . فالنفي الذي لا يتضمن ضده كنفي الوجود، أو نفي ما يمكن أن يوصف به الكامل؛ فإن هذا النفي الصرف لا مدح فيه. فإذا قلت: هذا الشيء لا يوجد؛ فهذا يعني المعدوم، أو: هذا الشيء لا يرى؛ فالذي لا يرى هو إما الصغير المتناهي في الصغر، أو الذي لا يوجد أصلاً، فالمعدوم لا يرى والصغير المتناهي في الصغر لا يرى. أما الله فهو يرى، لكن الناس في الدنيا لا يمكن أن يروه؛ لأنهم غير قادرين على الرؤية، فلذلك ثبتت رؤية المؤمنين لربهم في الجنة يوم القيامة، أما الذي لا يرى فهو المعدوم، وذلك -أي: نفي الرؤية عن الله ﷻ هو مذهب المعتزلة وبعض المتكلمين. وكذلك قولهم: إن الله ليس في جهة، وهذه كلمة تحتاج إلى شيء من التفصيل، لكن الذي ليس في جهة بإطلاق هو المعدوم، أما ما يوجد فلابد من أن يكون في جهة، لكن الجهة يفصل فيها في حق الله تعالى، فإن أريد بالجهة في حق الله العلو والفوقية؛ فالله تعالى هو العلي: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وإن أريد بالجهة المخلوق -أي أن الله يحويه مخلوق- فهذا ليس وارد في حق الله تعالى. وقد سألني أحد الإخوان سؤالاً يتعلق بهذا الموضوع، فقال: إنه سمع أحد الذين كانوا يفسرون بعض آيات القرآن من أهل التأويل يقول بأن الله لا يقال: إنه فوق ولا عالٍ ولا يشار إليه لا بالفوقية ولا بالعلو؛ لأن العلو -بزعمه- ذاتي، وعلو الله معنوي. وأقول: هذا هو مذهب المتكلمين نفاة الصفات أو مؤولة الصفات. أما مذهب السلف -وهو مقتضى الآيات والأحاديث الصريحة الصحيحة- فهو أن الله في العلو، فإن سميناه جهة فهو جهة، وإذا لم نسمه جهة بالمعنى المخلوق؛ فهذا حق، فلا يسمى العلو جهة بالمعنى المخلوق، فالله موصوف بالعلو والفوقية، وعلوه وفوقيته ذاتيان، بمعنى أن الله بذاته فوق مخلوقاته، وأن الله مباين ومنفصل عن مخلوقاته بحد، لكن الكيفيات لا نعلمها، ويشار إلى ذلك بالإشارة عند التفهيم، فإذا قيل: قال طفل أو إنسان جاهل: أين الله؟ فلا مانع أن يشار له إلى الفوق، والإشارة تعني الإشارة إلى العلو والفوقية لا الإشارة إلى الذات بمعنى إشارة الرؤية، لكن يشار إلى الذات وإلى العلو بالإشارة العامة التي لا تعني الكيفية، فلا مانع من الإشارة؛ لأن الله فوق، والفوق جهة واحدة لا تتعدد. فالله لا تحكمه الجهات الست أو الأربع، فهذه الجهات محكومة بها المخلوقات، بل الأرجح -والله أعلم- أن هذه الجهات تحكم بها الأرض فقط. أما ما فوق الأرض؛ فلن يجد الإنسان إلا العلو، ولو ارتفع إنسان عن الأرض مئات الكيلو مترات لما وجد إلا العلو، ولو طار من هذه الأرض وهي تحته فإنه بعد برهة من الوقت سيجد الأرض وكأنها الشمس والقمر فوق، فلا يجد إلا الفوق؛ لأن الأفلاك مستديرة كلها، فعلى هذا عندما يتحرر الإنسان والمخلوق من وجوده في هذه الأرض لا يبقى أمامه إلا العلو. فالله بكل شيء محيط، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وهو العليم، ولا حرج على الإنسان في أن يقول هذا، بل يقرره كما قرره السلف، وكما هو مقتضى النصوص الشرعية. أقول هذا لأن بعض الشباب يتلقون أحياناً عن بعض من نشئوا في بيئات مؤولة، فيسمعون منهم ما يشكك في هذه القضية، فأحببت التنبيه عليها بمناسبة الكلام عن صفات الله. قال رحمه الله تعالى: [ألا ترى أن قول الشاعر: قُبَيِّلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله: (قُبَيِّلة)، علم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم]. لأن وجه الكمال في أي مخلوق هو قدرته على الشيء، فإن كان هذا الشيء حسناً ففعله له كمال، وإن كان هذا الشيء سيئاً فتركه له كمال. فلذلك الإنسان قد يمدح بأنه قادر على الظلم ولكنه لم يظلم، فيمدح بذلك. أما إذا كان لا يقدر على الظلم أصلاً فلا يمدح بذلك؛ لأنه عاجز. فالقادر على فعل الشيء يمدح بتركه إذا كان هذا الشيء مذموماً، كما أن القادر على الشيء الممدوح إذا فعله يمدح به. إذاً: فالنفي أحياناً قد يقتضي نقصاً، وإن أراد النافي بذلك التنزيه كما سيأتي في ذكر الصفات التي ذكرها المتكلمون نفياً عن الله

стр. 130

تفصيل الإثبات وإجمال النفي قاعدة قرآنية خالفها أهل الكلام قال رحمه الله تعالى: [ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً، والنفي مجملاً، عكس طريقة أهل الكلام المذموم، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل]. طريقة السلف -كما هو معروف- إثبات صفات الله تعالى كما وردت في القرآن والسنة على جهة التفصيل، بمعنى: أن عدد مفردات صفات الله تعالى وأسمائه الواردة في الكتاب والسنة كثيرة جداً، فمثلاً: ورد لأسماء الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين، وورد في صفات الله ما هو أكثر من ذلك. إذاً: فإثبات الصفات لله تعالى ورد على جهة التفصيل في الكتاب السنة، فالإشارة إلى العلم والقدرة والقوة والحياة والقيومية وغير ذلك جاءت تفصيلاً. لكن النفي -أي: نفي النقائص- جاء مجملاً؛ لأن الإجمال في نفي المعايب يدخل فيه جميع المعايب. وذكر المعايب بنفيها عن الله تعالى تفصيلاً يعتبر إساءة أدب مع الله ؛ لأنه لا يليق في معرض نفي النقائص عن الله تعالى أن نعدد النقائص، إنما تنفى إجمالاً، وهذا هو مقتضى الأدب كما سيأتي في المثال الذي سيضربه الشارح. إذاً: فأهل السنة والجماعة هم على ما جاء في الكتاب والسنة، يثبتون ما أثبته الله تعالى وما أثبته رسوله ﷺ لله من أسماء وصفات تفصيلاً؛ لأنها وردت مفصلة، لكنهم ينفون نفياً مجملاً، لذلك لو قارنا بين عدد مفردات الأسماء والصفات مع عدد العبارات التي ورد فيها نفي النقائص لوجدنا أن نفي النقائص قليل؛ لأنه إجمالي، كنفي السنة والنوم، ونفي اللغوب، ونفي الولد والوالد ونحو ذلك؛ لأن الكلمة الواحدة في النفي تكفي في نفي جميع النقائص، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. قال رحمه الله تعالى: [ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً والنفي مجملاً، عكس طريقة أهل الكلام المذموم فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل]. يعني بالإثبات المجمل أنهم عندما يتكلمون عن صفات الله تعالى يزعمون أنهم يتورعون عن وصف الله تعالى باليد والوجه والفوقية والعلو والنزول والاستواء، ويصفون الله بصفات مجملة للكمال والتنزيه والتقديس، وهذا حق، لكنهم تورعوا عن الحق أيضاً فوقعوا في النفي والتعطيل أو التأويل. فلذلك لم يثبتوا ما أثبته الله، إنما كان إثباتهم في صفات الله تعالى مجملاً، وعند التفصيل ينكرون أو يؤولون، في حين أنا نجد أنهم إذا نفوا عن الله تعالى النقائص ينفون على جهة التفصيل على وجه تشمئز منه النفس، كما سيأتي.

стр. 131

أمثلة للنفي التفصيلي عند أهل الكلام المذموم قال رحمه الله تعالى: [يقولون: ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا مِجَسَّة، ولا بذي حرارة، ولا برودة، ولا رطوبة، ولا يبوسة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان، ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة، ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري ﵀ عن المعتزلة. وفي هذه الجملة حق وباطل، ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة]. يقصد بالجملة جملة المفردات، ففي جملة هذه الألفاظ حق وباطل، فهم قد ينفون عن الله تعالى النقائص، لكنهم عن طريق ذلك ينفون عن الله تعالى الصفات الثابتة له، فمثلاً: قولهم بنفي الحركة، وهذا حق في الحركة التي تشبه حركة المخلوقات، لكنهم يدخلون فيها ما يتعلق بأفعال الله تعالى وصفاته التي ثبتت، كالنزول والاستواء. فحينما زعموا أنه لا يتحرك أدخلوا في هذا الحق والباطل، أما الحق فنفي الحركة التي تشبه حركة المخلوق، وأما الباطل فنفي ما أثبته الله تعالى لنفسه على ما يليق بجلاله، والله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وكذلك أدخلوا تحت كلمة (جوارح وأعضاء) حينما نفوا عن الله الجوارح والأعضاء ما ثبت عن الله تعالى في كتابه، كاليد والوجه، وزعموا أنهما أعضاء وجوارح، فمن هنا نوهما عن الله تعالى بسبب قياسهم العقلي الفاسد؛ لأنهم قاسوا الله على الخلق وقاسوا الخلق على الله، وهذا قياس فاسد، فالأولى لهم أن يثبتوا ما أثبته الله لنفسه، لكن على ما يليق بجلاله. فهم حينما نفوا الجوارح والأعضاء أحسنوا من ناحية، وأساءوا من ناحية أخرى، فأحسنوا حينما نفوا عن الله تعالى الجوارح التي كجوارح المخلوقين، والأعضاء التي كأعضاء المخلوقين، لكن في النهاية انتهى أمرهم إلى الإساءة حينما أدخلوا في ذلك نفي ما أثبته الله لنفسه على ما يليق بجلاله، فأنكروا قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وأنكروا الوجه، وأنكروا غير ذلك من الصفات التي ثبتت لله. وكذلك قولهم: (وليس بذي جهة، ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف ولا فوق ولا تحت). فنفي الجهة اشتمل على حق وعلى باطل، فإن قُصِد بنفي الجهة نفي أن الله يحويه مكان، بمعنى أن الله غير موجود في مكان من مخلوقاته فهم محقون في نفيه، لكن هذا معنى تنفيه الفطر والعقول السليمة، لكنهم أيضاً زادوا وانتهى أمرهم إلى نفي الفوقية والعلو لله تعالى بذاته. فهم هربوا من التشبيه ووقعوا في التعطيل، مع أنه بإمكانهم أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه من غير تشبيه، والله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وكأنهم نسوا، أو عاقبهم الله بخضوعهم للعقليات والفلسفات بأن أنساهم هذه القاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ومقتضاها، ومع ذلك هو مستو على عرشه على ما يليق بجلاله، وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] على ما يليق بجلاله، وقوله ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا) على ما يليق بجلاله؛ لأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. والنزول ليس كنزول المخلوقين، مع أنهم نفوا النزول؛ لأنهم يقولون: لا نعرف من النزول إلا الحركة وتخلية مكان وإشغال مكان آخر. وهذه من لوازم المخلوقين، والله ليس كالمخلوقين، تعالى الله عما يظنون. إذاً: فهم خضعوا لخيالاتهم، ووقعوا في شر مما هربوا منه.

стр. 132

موقف أهل السنة تجاه الألفاظ الشرعية وألفاظ أهل الكلام فيما يوصف الله تعالى به قال رحمه الله تعالى: [وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه فيه إساءة أدب؛ فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك؛ لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقاً، وإنما تكون مادحاً إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب. والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة، والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده. وأما أهل الحق والسنة والإيمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده، والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضاً جملياً، أو يبينوا حاله تفصيلاً، ويحكم عليه بالكتاب والسنة، لا يحكم به على الكتاب والسنة]. يشير بهذا إلى أن ما ذكره الله تعالى، وما ذكره رسوله ﷺ من أسماء الله وصفاته وأفعاله مشتمل على كل كمال وتقديس وتنزيه لله تعالى. ولذلك فإن كل لفظ يطلق على الله تعالى لم يرد لابد من التفصيل فيه؛ لأنه لا يمكن عقلاً وشرعاً أن يتصور أن يأتي الناس بألفاظ كمال لله تعالى أعظم مما جاء في القرآن والسنة، بل يستحيل أن يأتي الناس -بأي لغة نطقوا وبأي خيال تخيلوا، وبأي عقول فكروا- بكمال أعظم مما ذكره الله عن نفسه. بل لله تعالى من الأسماء التي ذكرها والصفات التي ذكرها ما يشمل كل كمال متخيل أو متصور، فضلاً عن أن ينطق به. فإذا كان الأمر كذلك فعلام الخوض في ذات الله وأسمائه وصفاته؟ هل سيأتي الناس بصفات أعظم مما أخبر الله به عن نفسه، أو بأسماء أعظم مما أخبر به الله عن نفسه؟! يستحيل هذا. وهل الله بحاجة إلى أن يعظم ويقدس بأعظم مما قدس وعظم به نفسه وعظمته به رسله؟! وبناءً على هذه القاعدة وعلى هذا التصور السليم لأهل السنة والجماعة الذين وقفوا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ بناءً على هذا فكل لفظ يرد على ألسنة البشر أو يتوهمونه في خيالاتهم في الصفات والأسماء لابد من التفصيل فيه، فلا يمكن أن يقبل بإطلاق، ولا يرفض بإطلاق؛ لأنه قد يشتمل على بعض كمال يثبت لله تعالى بعد التفصيل، لكنه لن يخلو من النقص. فلذلك توقف السلف في كلمات هي حق في أسماء الله وصفاته، لكنها قد توهم، توقفوا فيها لأنها لم ترد في الكتاب والسنة، مثل كلمة (القديم)؛ لأن كلمة (القديم) أطلقها السلف في معرض الرد وصفاً لاسم الله تعالى الأول، فقالوا في وصف اسم الله تعالى الأول: قديم بلا ابتداء، لكنهم لا يفردون كلمة (قديم) نظراً لأنها تتضمن معنيين: أحدهما يعني الكمال، والآخر يعني النقص. أما الكمال فالقديم هو الأول الذي ليس قبله شيء. وأما النقص فقد يكون القديم معناه: المتهالك الذي مضى عليه الزمن فأصبح بالياً، فهذه الكلمة التي يعتز بها الفلاسفة والمتكلمون هي كلمة ناقصة، لا يمكن أن ترقى إلى درجة ما تكلم الله به أو تكلم به رسوله ﷺ من أسماء الله وصفاته. وعليها تقاس جميع الألفاظ التي ترد على ألسنة المتكلمين، فلذلك ينبغي على كل مسلم وكل طالب علم أن يحرص على أن يتشبع بعقيدة السلف قبل أن يقرأ كتب المتكلمين إذا قُدِّر أن يبتلى بحكم التخصص أو حاجة المسلمين، فعليه أن يتشبع بمذهب السلف في العقيدة قبل أن يقرأ أو يتعرض لقراءة كتب المتكلمين وأهل الافتراق، خاصة في الجوانب التي خالفوا فيها السلف، سواءٌ المعطلة كالجهمية والمعتزلة، والمؤولة كالأشاعرة والماتريدية فيما أولوا فيه وخالفوا فيه السلف؛ فإن عقائدهم -أي: المؤولة من الماتريدية والأشاعرة- تشتمل على نوعين: نوع يوافقون فيه السلف، ومن ذلك ما يتعلق بالصحابة وكثير من مسائل الإمامة، وبعض مسائل القدر، والكفر، والفسق، وأهل الكبائر، والشفاعة، والحوض، والميزان، والصراط، والرؤية ونحو ذلك، يوافقون السلف فيه، وهم في هذا من أهل السنة والجماعة. لكنهم يخالفون في جوانب أخرى، مثل بعض مسائل صفات الله وأسمائه، أو بعض مسائل القدر، أو بعض السمعيات، فعلى المسلم ألا يتلقى عنهم ذلك وإن كانوا يعدون من الأئمة، فلا يتلقى عنهم ما خالفوا فيه السلف في التأويل.

стр. 133

السلب والنفي منهج بارز في عقائد المتكلمين قال رحمه الله تعالى: [والمقصود: أن غالب عقائدهم السلوب: ليس بكذا، ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل، وهو أنه عالم قادر حي، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة، ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات؛ فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي، ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله مما أخبرنا به من صفاته، وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه، كما قال رسوله الصادق ﷺ في دعاء الكرب: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي)، وسيأتي التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى].

стр. 134

توجيه النفي في قول الطحاوي: (ولا شيء يعجزه) قال رحمه الله تعالى: [وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى: (ولا شيء يعجزه) من النفي المذموم؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤]. فنبه في آخر الآية على دليل انتفاء العجز، وهو كمال العلم والقدرة؛ فإن العجز إنما ينشأ إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل، وإما من عدم علمه به، والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة، وهو على كل شيء قدير. وقد علم ببدائه العقول والفطر كمال قدرته وعلمه، فانتفى العجز لما بينه وبين القدرة من التضاد؛ ولأن العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً].

стр. 135

شرح العقيدة الطحاوية [١٣] لا يعلم كيفية الله وصفاته إلا هو ، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وما خاض الناس فيه بغير ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة فإنما هو أوهام وتخرصات، وإثبات الصفات لله هو منهج أهل السنة والجماعة، لكنه إثبات لها بما لا يشابه صفات المخلوقين، فهو سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وصفاته جل وعلا صفات كمال لا يلابسه نقص، وكما أنه سبحانه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته فكذلك لا يشبهه شيء من مخلوقاته.

стр. 136

بيان معنى كلمة التوحيد قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا إله غيره): هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها، كما تقدم ذكره. وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر؛ فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال؛ ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣]، قال بعده: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]؛ فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣]].

стр. 137

ذكر ما قيل في تقدير الخبر في كلمة التوحيد قال رحمه الله تعالى: [وقد اعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقدير الخبر في: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣]، فقالوا: تقديره: لا إله في الوجود إلا الله، فقال: يكون ذلك نفياً لوجود الإله، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى. وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في (ري الظمآن)، فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن (إله) في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلابد من خبر للمبتدأ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد، وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفياً للماهية؛ فليس بشيء؛ لأن نفي الماهية هو نفي الوجود، لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود، وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة، فإنهم يثبتون ماهية عارية من الوجود، و (إلا الله) مرفوع بدلاً من (لا إله)، لا يكون خبراً لـ (لا)، ولا للمبتدأ. وذكر الدليل على ذلك].

стр. 138

سبب الخلاف في تقدير الخبر في كلمة التوحيد هناك كلام لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أورده المحقق في الهامش، وأحب أن أشير قبل ذكره إلى السبب في الخلاف في تقدير المضمر أو في تقدير الخبر في مسألة لا إله إلا الله، أو: لا إله غيره. فسبب الخلاف في هذه التقديرات ناشئ عن مذاهب الناس في التوحيد. فالباطنية والفلاسفة وغلاة المتكلمين يقدرون العبارة هكذا: لا إله موجود، وهذا تقدير ناشئ عن تصورهم أن غاية ما يمكن أن يثبت لله من التوحيد هو إثبات الوجود، وما يستلزمه من لوازم أخرى عند المتكلمين. وطائفة أخرى -ومنهم أغلب المتكلمين، وبعض من ينتسب للسنة- قدروا التقدير الثاني، ولم يذكره هنا ولكنه أشار إليه، فقالوا بأن المقصود تقدير الخالق، أي: لا إله خالق وموجد أو رب غير الله. وهناك تقدير ثالث أيضاً قال به بعض المتكلمين، وهو: (لا إله إلا الله) بلا تقدير، فقالوا: لا داعي للتقدير، فنفوا الإلهية عن غير الله تعالى مطلقاً، وهذا قريب من الحق، لكن لا يتم به المعنى اللغوي؛ لأنه لا يتم المعنى اللغوي إلا بتقدير. فلذلك الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أن تقدير الكلام: لا إله بحق، أو لا إله حق، أو معبود بحق، فكلها عبارات متقاربة صحيحة، لا إله معبود بحق، أو لا إله حق، أو لا إله بحق إلا الله؛ لأنه ليس المقصود مجرد نفي الآلهة؛ لأنه يوجد في البشر من يعبد آلهة غير الله، وإن كانت آلهة لا تستحق العبادة، لكنها موجودة، إذاً: فنفي الوجود لآلهة غير الله ينافي الواقع؛ لأن هناك من يعبد غير الله ويزعم أنه إله. وكذلك نفي الماهية، وهو نفي الإلهية مطلقاً دون أن تقيد لا معنى له ولا يتم به المعنى اللغوي. وكذلك تقدير المتكلمين بأنه لا إله خالق أو رازق أو مدبر، أو لا إله يستحق الربوبية غير الله، فهذا تقدير ناقص؛ لأنه ليس المقصود نفي الربوبية؛ لأن نفي الربوبية عن غير الله مما يعترف به المشركون، يعترفون بأنه لا رب -أي: لا رزاق ولا خالق- إلا الله، إنما جاء النفي في الرد على المشركين، أي: نفي المعبودين من دون الله سبحانه، وهذا هو الذي نزل من أجله القرآن؛ لأن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأول ركائز الهدى: الدعوة إلى توحيد الله في العبادة، وهو الذي نازع فيه المشركون، بل نازعت فيه جميع الأمم التي خالفت الأنبياء، نازعت في طاعة غير الله وفي عبادة غير الله، وجعلت غير الله معبوداً من دون الله، وجعلت غير الله مطاعاً من دون الله، فلذلك جاء القرآن للرد عليهم، ولتقرير الإلهية بمعنى العبودية لله . إذاً: إذا قيل: لا إله غيره. فالمعنى: لا إله يعبد ويستحق العبادة إلا الله .

стр. 139

تعليق ابن باز على ما قيل في تقدير الخبر في كلمة التوحيد وقبل أن نستكمل بقية الشرح يناسب أن نقرأ ما نقل هنا من تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى. قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله تعليقاً على هذا الكلام من شرح الطحاوية: [ما قاله صاحب المنتخب ليس بجيد، وهكذا ما قاله النحاة وأيده الشيخ أبو عبد الله المرسي من تقدير الخبر بكلمة (في الوجود)، ليس بصحيح؛ لأن الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة وموجودة، وتقدير الخبر بلفظ (في الوجود) لا يحصل به المقصود من بيان أحقية ألوهية الله سبحانه وبطلان ما سواها؛ لأن لقائل أن يقول: كيف تقولون: لا إله في الوجود إلا الله، وقد أخبر الله سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود:١٠١]، وقوله سبحانه: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف:٢٨] الآية؟! فلا سبيل إلى التخلص من هذا الاعتراض، وبيان عظمة هذه الكلمة، وأنها كلمة التوحيد المبطلة لآلهة المشركين وعبادتهم من دون الله إلا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النحاة، وهو كلمة (حق)؛ لأنها هي التي توضح بطلان جميع الآلهة وتبين أن الإله الحق والمعبود الحق هو الله وحده، كما نبه على ذلك جمع من أهل العلم، منهم: أبو العباس ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم وآخرون ﵏. ومن أدلة ذلك قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢]، فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه هو الحق، وأن ما دعاه الناس من دونه هو الباطل، فشمل ذلك جميع الآلهة المعبودة من دون الله من البشر والملائكة والجن وسائر المخلوقات. واتضح بذلك أنه المعبود الحق وحده، ولهذا أنكر المشركون هذه الكلمة وامتنعوا من الإقرار بها؛ لعلمهم بأنها تبطل آلهتهم؛ لأنهم فهموا أن المراد بها نفي الألوهية بحق عن غير الله سبحانه؛ ولهذا قالوا جواباً لنبينا محمد ﷺ لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله): ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وقالوا أيضاً: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦]. وما في معنى ذلك من الآيات، وبهذا التقرير يزول جميع الإشكال ويتضح الحق المطلوب. والله ولي التوفيق]. قال رحمه الله تعالى: [وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد دفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة، وهو فاسد؛ فإن قولهم: في الوجود ليس تقييداً؛ لأن العدم ليس بشيء، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩]، ولا يقال: ليس قوله: (غيره)، كقوله: (إلا الله)؛ لأن (غير) تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد (إلا)، فيكون التقدير للخبر فيهما واحداً، فلهذا ذكرت هذا الإشكال وجوابه هنا].

стр. 140

بيان أن الله هو الأول والآخر قال رحمه الله تعالى: [قوله: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء): قال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣]، وقال ﷺ : (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء)، فقول الشيخ ﵀: (قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء) هو معنى اسمه الأول والآخر]. يقصد بذلك أنها شرح للفظتي (الأول) و (الآخر)، لا يقصد أن المعنى يثبت به اسم، إنما هو شرح لمعنى (الأول) ولمعنى (الآخر).

стр. 141

الدليل العقلي على ثبوت اتصاف الله تعالى بالأول والآخر قال رحمه الله تعالى: [والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لابد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته قطعاً للتسلسل]. قوله: [واجب الوجود لذاته] مجاراة للمتكلمين في التعبير؛ لأنه يقصد الرد عليهم، وبعض الأئمة يتسامح في مجاراة المتكلمين في ألفاظهم إذا كان المقصود الرد عليهم، أو بيان باطلهم، أو إزالة الشبه التي يثيرونها، وإلا فكلمة (واجب الوجود) كلمة فلسفية، وهي تعني: الإقرار بوجود الله ضرورة، بمعنى: أن العقل السليم والفطرة لابد من أن ينتهيا إلى ضرورة الإقرار بالموجود الأول الذي أوجد غيره، فمعنى الوجوب هنا: الضرورة العقلية التي تستلزم وتلزم بأنه لابد من وجود خالق لا يسبق بوجود آخر قطعاً للتسلسل. ومعنى التسلسل هنا تسلسل الموجب؛ لأنَّا لو افترضنا أن إنساناً توهم باطلاً فقال: لابد للخالق الأول من خالق، ثم تقرر في وهمه ذلك؛ فإنه ينشأ وهم آخر بناءً على هذه الشبهة، وهو لابد للخالق أيضاً من خالق، ثم لابد للخالق من خالق، وهكذا، وهذا ممنوع عقلاً، أي أن العقل يقضي بضرورة نفيه ومنعه، إذاً: فلابد من الإقرار بأن الله الخالق الأول الذي ليس قبله شيء، وهذا الإقرار عقلي يقتضيه العقل، أي أن الله تعالى أول لا بداية له ولا نهاية له، ولا يمكن توهم أو تصور أن للخالق خالقاً، وإن توهم فمن باب ما يدخله الشيطان من شبهات على الناس، وقد أشار النبي ﷺ في حديث سيأتي إلى: أن الإنسان قد يأتيه الشيطان ويقول له: من خلق الله، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن هذا أمر تنفيه الفطرة السليمة وينفيه العقل، فإنه لا يمكن أن يرد هذا السؤال؛ لأنه لو ورد لورد مثله في الخالق الأول، ثم هكذا إلى ما لا نهاية، وهذا يمتنع؛ لأنه لا يقطع التصور بهذا. قال رحمه الله تعالى: [فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة؛ فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها؛ فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجودها، ووجودها ينفي امتناعها، وما كان قابلاً للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]]. هذا السؤال الذي ورد في القرآن الكريم هو سؤال الفطرة والعقل السليم، وجوابه بدهي لا يحتاج إلى تكلف، والقرآن نزل لجميع الناس بجميع أفهامهم ودرجات فهمهم، وهو -أي: كتاب الله- منزه عن التعقيد وعن التطويل وعن الغموض، ففيه كامل الوضوح، فمثل هذا السؤال يغني عن جميع فلسفات المتفلسفة وكلام المتكلمين وتكلف المتكلفين في إثبات وجود الله؛ لأنه يخاطب الفطرة والعقل السليم، فكل إنسان يورد هذه السؤال بجد ويتمعن فيه يجد أن الجواب واضح، حيث يقول تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] ولابد من أن يكون خلقوا من شيء، ولابد أن يكون هذا الشيء له موجد وهو الله ، فالمخلوق لابد له من خالق. وفي الشق الثاني يقول تعالى: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، وكل عقل وفطرة سليمين يدركان أنهم ليسوا هم الخالقين، ولا يمكن أن يتأتى ولا أن يتصور أن يكون المخلوق هو الذي خلق نفسه؛ يدرك ذلك المخلوق العاقل، فكيف بغير العاقل؟! فالمخلوق العاقل يجد ضرورة في نفسه أنه بحاجة إلى غيره، وأن وجوده متوقف على موجد له، وهذا الإنسان قبل أن يعقل نشأ وترعرع بخلق الله ورعايته وقدرته، ثم لما عقل عرف أنه قبل أن يعقل لم يوجد نفسه؛ لأنه لا قدرة له في أمور أقل من الوجود، لا قدرة له في أن يبقى على الحياة، ولا في أن يدفع عن نفسه المرض ولا الفناء، ولا قدرة له في أن يتحكم في أي أمر من الأمور اللاإرادية التي أوجدها الله فيه. إذاً: فمن باب أولى ألا يتصور أنه خلق نفسه. فمثل هذه الأسئلة أسئلة مباشرة تمس الفطرة والعقل السليم مباشرة، ولا تحتاج إلى تكلف، لا في الفهم ولا في الجواب. وجوابها بدهي لا يحتاج إلى كثير تفكير، بخلاف ما يسميه المتكلمون أدلة، أو يسمونه براهين ودلائل على وجود الله، ففيه التكلف كل التكلف، لأنها أدلة تنشأ من شبهات ثم ترد على الشبهات، وفي الغالب أن أي شبهة تنشأ في أمر غيبي لا يمكن أن يكون الجواب عليها إلا بالوحي أو بعقل يسترشد بالوحي، أما بمجرد قوة العقل فيستحيل لعاقل أن يدرك أسرار الغيب. قال رحمه الله تعالى: [يقول سبحانه: أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم؟ ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجوداً بنفسه، بل إن حصل ما يوجده وإلا كان معدوماً، وكل ما أمكن وجوده بدلاً عن عدمه وعدمه بدلاً عن وجوده؛ فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له].

стр. 142

بيان حصول الغنية بطريقة القرآن عن طريقة المتكلمين في إثبات انتهاء المخلوقات إلى موجدها ﷻ قال رحمه الله تعالى: [وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية؛ وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح عبارة وأوجزها، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم مثله، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣]. ولا نقول: لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة الطويلة؛ فإن الخفاء والظهور من الأمور النسبية، فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره، ويظهر للإنسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال أخرى]. الملحد الذي ينكر وجود الخالق أو ينكر أمراً من الأمور القطعية التي جاء بها الوحي قد يحتاج إلى المقدمات المنطقية والعقلية من أجل أن يقر إذا أراد الله له الهداية، أما المسلم فلا يتأتى منه أن يحتاج إلى المقدمات؛ لأنه مسلم ابتداء، والإسلام معناه الخضوع والتسليم لله بالتصديق أولاً، ثم بالالتزام والامتثال ثانياً، فإذا كان كذلك فلا يتأتى لمسلم أن يظن أنه يحتاج إلى مقدمات طويلة منطقية تقوي ثقته بوجود الله، أما في الأمور الأخرى فقد يحتاج المسلم إلى أن يعرف بعض العلل وبعض الحكم ليزيد إيماناً. أما فيما يتعلق بوجود الله فالمسلم مُسلِّم بفطرته وعقله بوجود الله، ولا يحتاج إلى الأدلة المنطقية المعقدة، وإن لجأ إليها فلا بد من أن يكون في قلبه من الشك بقدر ما لديه مما يسميه أدلة، كل مسلم يلجأ إلى الأدلة العقلية والمنطقية المعقدة في إثبات وجود الله فإنه لا بد من أن يكون في قلبه من الشك بقدر ما لجأ إليه من الأدلة والبراهين، وكلما سَلَّم بفطرته وعقله سلم إيمانه ووقر في قلبه الإيمان. أما غير المسلم أو الشاك أو المضطرب فقد يحتاج إلى الأدلة المعقدة بقدر مستوى تفكيره، وقد يهتدي وقد لا يهتدي، فإنما الهداية بيد الله؛ فإن البراهين لا تغني عمن ختم الله على قلبه. قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فالمقدمات وإن كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها، وقد تفرح النفس بما علمته بالبحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة، ولا شك أن العلم بإثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية]. استعمال كلمة (الصانع) -كما أسلفنا في درس سابق- إنما هو مجاراة المتكلمين من باب الرد عليهم أو إلزامهم بألفاظهم وقواعدهم، وإلا فالأولى أن يقال: الخالق؛ لأن كلمة (الخالق) أصدق وأقرب، فهي من ألفاظ الشرف وهي أقرب إلى الفطرة والعقل السليم، فالخالق هو المبدع الموجد، وأما الصانع فلفظ مشترك بين الخالق والمخلوق، وإن كانت في حق الخالق إذا أطلقت عليه تليق بجلاله سبحانه، لكنها من الألفاظ التي لم ترد في الشرع، بمعنى أن من أسماء الله الصانع، وإن وردت بمعنى فعل الله ، لكنها ليست من أسماء الله، فالأولى أن يقال: الخالق؛ لأنها من الألفاظ الخاصة بالله .

стр. 143

خطأ المتكلمين في إدخال: (القديم) في أسماء الله ﷻ قال رحمه الله تعالى: [وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى: القديم، وليس هو من أسماء الله تعالى الحسنى؛ فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعمل هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الحديث قيل للأول: قديم، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١] أي: متقدم في الزمان، وقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٥٧ - ٥٦] فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى، وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] أي: يتقدمهم، ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعديا، كما يقال: أخذني ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه. ومنه سميت القدم قدماً؛ لأنها تقدم بقية بدن الإنسان. وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم، ولا ريب أنه إذا كان مستعملاً في نفس التقدم؛ فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى. وجاء الشرع باسمه الأول، وهو أحسن من القديم؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم. والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة. قوله: (لا يفنى ولا يبيد): إقرار بدوام بقائه ، قال عز من قائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضاً مقرر ومؤكد لقوله: (دائم بلا انتهاء)]. سنترك الكلام عما ذكره المؤلف في القدر؛ لأن البحث فيه صعب ومتكرر، وسننتقل إلى قوله: (لا تبلغه الأوهام).

стр. 144

تنزه الله ﷻ عن أن تبلغه أوهام المتوهمين وأفهامهم قال رحمه الله تعالى: [قوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام): قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، قال الجوهري في الصحاح: توهمت الشيء: ظننته، وفهمت الشيء: علمته. فمراد الشيخ ﵀: أنه لا ينتهي إليه وهم، ولا يحيط به علم. قيل: الوهم ما يرجى كونه، أي: يظن أنه على صفة كذا، والفهم: هو ما يحصله العقل ويحيط به. والله تعالى لا يعلم كيف هو سبحانه إلا هو ، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وهو أنه أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٣ - ٢٤]]. هذه الإشارة التي أشار إليها الإمام الطحاوي ﵀ ثم شرحها الشارح، وهي قوله: (لا تبلغه الأوهام) فيها تصريح بأن كل ما خاض فيه الناس من أسماء الله وصفاته بغير ما ورد في الكتاب والسنة والآثار الصحيحة إنما هو أوهام، وهذا هو الحق. فكل خوض في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي سائر أمور الغيب بما لم يرد في الكتاب والسنة، ولا فيما فهمه أئمة السلف من المفاهيم القطعية لهذه النصوص؛ إنما هو أوهام، والأوهام لا تعتقد، بل هي رجم بالغيب، وهي إساءة أدب في حق الله ، بل هي اتباع للمتشابه وإلحاد في كلام الله وأسمائه وصفاته. فما تكلم به المتكلمة من الجهمية والمعتزلة، ثم من متكلمي الأشاعرة والماتريدية والكلابية، ومن نحا نحوهم من الذين تكلموا في ذات الله وأسمائه وصفاته بغير ما قاله السلف بناءً على النصوص الشرعية، كل ذلك إنما هو خوض بالأوهام، حيث توهموا أموراً في أذهانهم فجعلوها عقيدة، ولذلك نجد أنهم يسمون أوهامهم علم التوحيد، وهذا هو السائد عند أغلب هؤلاء، تجدهم إذا عرفوا علم التوحيد قالوا: هو الكلام. ويقصدون بالكلام أوهامهم التي توهموها وقالوها بغير حق في الله . إذاً: الإشارة إلى الأوهام هنا فيها تأكيد على أن ما قاله الناس في الله تعالى وأسمائه وصفاته من غير ما ورد في النصوص إنما هو توهمات، والتعويل عليه إنما هو تعويل على الوهم الذي لا أصل له، بل هو الباطل.

стр. 145

تنزه الله ﷻ عن مشابهة خلقه قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا يشبه الأنام) هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ، قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع، فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر: لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه. ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا. انتهى. وقال نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. وقال إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم. وقال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة. وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة؛ فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبهاً، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة القرامطة والفلاسفة، وقال: إن الله لا يقال له: عالم ولا قادر؛ يزعم أن من سماه بذلك فهو مشبه؛ لأن الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه، ومن أثبت الاسم وقال: هو مجاز -كغالية الجهمية- يزعم أن من قال: إن الله عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ فهو مشبه، ومن أنكر الصفات وقال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا محبة ولا إرادة؛ قال لمن أثبت الصفات: إنه مشبه، وإنه مجسم. ولهذا كتب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبتي الصفات مشبهة ومجسمة]. الرافضة -كما هو معلوم- هم أول من قال بالتشبيه والتجسيم كما قالت اليهود، فأول من أعلن التشبيه والتجسيد الكفري الذي استعاذ منه السلف وكفروا أصحابه هم طوائف من الرافضة، كـ هشام بن سالم الجواليقي وهشام بن الحكم وداود الجواربي ومن نحا نحوهم، هؤلاء كلهم رافضة، بل كان التشبيه في آخر القرن الثاني الهجري وما بعده لا يعرف إلا في الرافضة، ثم بعد ذلك - أي: في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع - تحولت الرافضة إلى جهمية معطلة وانقسمت فيما بينها، فلما تحولت إلى جهمية معطلة سمت أهل السنة بالحشوية والمشبهة؛ لأنهم أخذوا بمذهب المعتزلة والجهمية، أي: صاروا معتزلة في أصول الاعتقاد.
следующие страницы →