← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

شرح العقيدة الطحاوية [٧] ينقسم التوحيد في التقسيم العلمي إلى: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وتوحيد الأسماء والصفات، والمراد به في باب الأسماء والصفات إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله على الوجه اللائق بالله ﷻ ؛ وقد ظهر في هذا الباب من يقول بنفي الصفات واعتبار ذلك توحيداً، فأفضى بهم ذلك إلى اعتقاد لوازم كفرية وإن لم يعتقدها بعضهم، وأما توحيد الربوبية فإن تقرير القرآن الكريم له يراد به إثبات توحيد الإلهية، ودلائله متعددة بتعدد المخلوقات الشاهدة على وجود خالقها ﷻ ، وقد جانب الهدى فيه أهل الكلام وأتباعهم من الصوفية، حيث اعتبروه الغاية التي يفنى فيها الباحثون.

стр. 72

توحيد الأسماء والصفات وعقيدة النفاة فيه قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: أحدها: الكلام في الصفات. والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء. والثالث: توحيد الإلهية: وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له]. مما ينبغي التنبيه عليه في هذا التقسيم -وسيرد كثيراً في ثنايا الطحاوية، بل في كثير من كتب العقيدة المتأخرة- أن هذا التقسيم لا يعني تنوع التوحيد، ولا يعني أن التوحيد يتجزأ، فالتوحيد واحد لا يتجزأ، لا من حيث العمل ولا من حيث الاعتقاد، ولا يسع أي مسلم أن يعتقد نوعاً ويترك الآخر، أو أن يقول: هذا هو المعتقد والباقي يمكن أن يتساهل فيه، إذاً: فتقسيم التوحيد إلى توحيد أسماء وصفات وربوبية وإلهية، أو توحيد خبر وتوحيد طلب، ونحو هذا من التقسيمات؛ تقسيم علمي توضيحي تفسيري فقط من أجل تمييز مباحث التوحيد الذي اختل مفهومه عند الفرق؛ لأن منشأ هذا التقسيم العلمي هو أن الفرق المفترقة فرقت بين أنواع التوحيد، فوقفت عند قسم واحد وتركت الأقسام الأخرى، فغاية ما يهتم به أغلب أتباع الفرق هو توحيد الربوبية الذي يعترف به المشركون، فهؤلاء إذا فسروا ألفاظ التوحيد ومعاني التوحيد وحقائق التوحيد ومطالب التوحيد قصروها على توحيد الربوبية، فمن هنا اضطر السلف إلى تنويع معاني التوحيد العلمية الفنية كما يسمى في العصر الحديث، فهذا تقسيم فني تقريبي فقط وليس تقسيماً ذاتياً حقيقياً، لأن التوحيد واحد لا يتجزأ، وهو أيضاً من حيث الاعتقاد والعمل لا فرق فيه، فهذه الأنواع الثلاثة كلها لا يمكن أن يكتمل الإسلام والدين والتوحيد إلا بها جميعاً. قال رحمه الله تعالى: [أما الأول: فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، كـ الجهم بن صفوان ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب!]. الواجب هنا معناه: الموصوف، فقولهم: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب يعني: تعدد الموصوف؛ لأنهم قسموا الوجود إلى واجب وجائز، أو واجب وممكن، وهذا تقسيم فلسفي عجيب. وسبب ذلك الفرار من أسماء الله وصفاته، لا يرغبون في أن يسمى الله الأول والآخر والصمد ونحو ذلك مما ثبتت في النصوص، بل يقولون: واجب الوجود، يعني: أن وجوده أمر أزلي قطعي ضروري من أجل أن يكون هو مصدر الموجودات، وكأن هذا التزام عقلي فقط. قال رحمه الله تعالى: [وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة؛ فإن إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله، وهذا غاية التعطيل]. هذه فلسفة تقوم عليها أكثر أصول الفرق المؤولة والمتكلمة، فلسفة تعدد الواجب، أو الكلام عن واجب الوجود وجائز الوجود، أو عن نفي أسماء الله وصفاته، وأنها لا بد من أن تنفى دفعاً لتعدد الموصوف إلى آخره، هذه كلها فلسفة قديمة قبل الإسلام موجودة إلى الآن في الأمم، وإلى الآن تدرس في المدارس الغربية على أنها فلسفة ثابتة مستقرة عندهم، فهذه الفلسفة تقوم على تصور وجود الله وجوداً خيالياً فقط، لأنهم ظنوا أن الذات لا بد من أن تشبه ذوات المخلوقات، فمن هنا نفوا ذات الله، ونفي الذات كاد يتفق عليه الفلاسفة وغلاة المتكلمين كالجهمية وغلاة المعتزلة، يكادون يتفقون على إنكار ذات الله، حتى المتكلمين من الأشاعرة تكلموا في الصفات بطريقة تؤدي إلى إنكار الذات، لكن ليس بطريق مباشر كما يقول الجهمية، فالجهمية لا يتورعون عن إنكار الذات، فلما أنكروا الذات تبعاً للفلسفة القديمة -حيث إنهم يتشبعون بالفلسفة قبل أن يأخذوا الكتاب والسنة- وردت عليهم ألفاظ الشرع التي فيها أسماء الله وصفاته، فألزمهم هذا بأن يكون لله ذات موصوفة ومسماة، فلما وجدوا هذا الإلزام قالوا: هذه الألفاظ ألفاظ مجردة لا تدل على موصوف فقيل لهم: لماذا لا تثبتون أسماء الله تعالى؟! فقالوا: لأنها متعددة، وتعدد الصفة يدل على تعدد الموصوف، والله لا يمكن أن يتعدد، مع أن هذه بدهية لا يصح أن تقال؛ فالمخلوق ألا تتعدد صفاته؟! أليس الإنسان فيه حلم وعلم وإرادة وحكمة وكلام وسمع وبصر وهو إنسان واحد؟! فهم قالوا: إذا تعددت الصفات دل هذا على تعدد الموصوف، فقيل لهم: ما دليلكم؟ فلم يكن لهم دليل، وليس عندهم من دليل إلا أنهم يعتمدون على الفلسفة التي تقول: إن تعدد الصفات يدل على تعدد وجوه الموصوف. وربما لا يجرءون على أن يقولوا بأن تعدد الصفات يدل على أن الموصوف لا بد من أن يكون موجوداً وجوداً ذاتياً مبايناً منفصلاً عن المخلوقات، وأن وجوده لا بد من أن يكون في العلو وفوق خلقه إلى آخره، فهذه المستلزمات كلها توصلهم إلى الإقرار بالاستواء والإقرار بالرؤية، فهروباً من هذه الأمور كلها قالوا: هذه الأسماء والصفات لا تدل على موصوف، وإنما هي ألفاظ افتراضية تقال من أجل ضبط سلوك الناس، ومن أجل تعلق الناس بشيء غيبي يضبط سلوكهم، لكن أن يكون هذا الموجود له وجود ذاتي مستقل وأسماء وصفات غير حاصل، هذا زعمهم، وهذه مقولة فلسفية قديمة اعتمدت عليها

стр. 73

لوازم القول بنفي الصفات

стр. 74

القول بالحلول والاتحاد قال رحمه الله تعالى: [وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول أو الاتحاد]. الحلول والاتحاد بينهما بعض الفرق، وبعض الناس -أيضاً- يفرق بين ثلاثة ألفاظ ستأتي، فبين هذه المعاني وجوه تشابه ووجوه اختلاف، وسنقف عند الحلول والاتحاد، فالحلول يقصد به عند كل الأمم التي تقول به وعند حلولية الباطنية وحلولية الفلاسفة والفرق التي ظهرت في الإسلام: أن الله حال في كل شيء، وأنه ممتزج بالأشياء كامتزاج الروح بالجسد، وكامتزاج الماء بالعجين، تعالى الله عما يقولون، وهذا يؤدي إلى القول بأن الله خلق الخلق في الله، فيؤدي إلى وحدة الوجود. أما كلمة الاتحاد فتعني ما هو أبلغ من ذلك، تعني: أن الخالق متحد بالمخلوق، فهو هو لا فرق بينهما، تعالى الله عما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: [وهو أقبح من كفر النصارى؛ فإن النصارى خصوه بالمسيح، وهؤلاء عموا جميع المخلوقات]. كفر الحلولية والاتحادية - كـ ابن عربي ومن نحا نحوه- أكبر من كفر النصارى؛ لأن النصارى زعموا أن واحداً من البشر حل فيه الله فقط، فالنصارى قالوا: عيسى هو الذي حلت فيه روح الله، أما هؤلاء الزنادقة فقالوا: الله حل في جميع المخلوقات حتى ما لا يليق ذكره، تعالى الله عما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: [ومن فروع هذا التوحيد: أن فرعون وقومه كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة!]. يقصد بالفروع هنا اللوازم، فهو بدأ باللوازم، يعني: لوازم القول بأن إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، ومن هنا أنكروا الصفات، فقولهم بإثبات ذات مجردة عن جميع الصفات، أو قولهم بإثبات وجود غير وجود الذات أدى إلى لوازم: اللازم الأول: هو الذي ذكره بقوله: إنه يؤدي إلى الحلول والاتحاد؛ لأنه -كما قال السلف- من ادعى أن الله ليس له أسماء ولا صفات، أو قال ببعض الأسماء، أو أنكر الأسماء وأثبت الصفات أو العكس، أو قال بأن الله موصوف بالصفات لكن هذه الصفات ليس لها معان، كأن يقول بأن الاستواء لا يقصد به الاستواء، أو قال بأن الله لا يوصف بالفوق، ولا بأنه داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين ولا محايث، وليس له وجود ذاتي، ولا هو غير المخلوقات ولا هو هي، وليس بعرض ولا بجوهر؛ فإلى أي شيء تؤدي لآته هذه؟! و الجواب إلى لا شيء، وهذا ما يريده الفلاسفة، فالجهمي لا يتورع عن أن يقول: إن الله لا شيء! بل قال الجهم بن صفوان: إن الله ليس بشيء! فهم لا يتورعون، وإنما الكلام فيما يلزمهم من لوازم. يقول: إن من لوازم هذا القول: أنهم إذا قالوا بأن الله ليس كذا ولا كذا ولا كذا؛ فهذا يعني أنهم إن اعترفوا بوجود الله فأين سيكون؟! فهذا يؤدي إلى الحلول والاتحاد ولا بد، فإنكارهم أن يكون الله القاهر فوق عباده، وأنه سبحانه العلي بذاته، وأنه مستو على عرشه مع قولهم بوجود الله يعني أنه لا مقر لهذا الوجود إلا المخلوقات، فيكون الله عندهم حل بالمخلوقات أو اتحد بها تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

стр. 75

اعتبار فرعون وقومه كاملي الإيمان ومن اللوازم أن فرعون وقومه كاملو الإيمان؛ لأن فرعون حينما زعم أنه هو رب الناس ما قال إلا الحقيقة؛ فحينما ألزمناهم بالقول بالحلول والاتحاد كان مؤدى ذلك أن الله حل في فرعون وغيره، فحينما قال: أنا الله فقد قال الحقيقة، والعجيب أن هذه المقولة انتصر لها أبرز حلولية المتصوفة، وهو ابن عربي، يقول بأن فرعون مؤمن، وله كتاب في هذا اسمه: (إيمان فرعون)، وهذا الكتاب موجود مطبوع، وأرجو -إن شاء الله- ألا تروه ولا تقرءوه، وقد حصلت عليه، وفلسفته موجودة إلى اليوم في فلاسفة الصوفية، كـ مصطفى محمود ومن نحا نحوه، يقولون بأن فرعون والحلاج وأمثالهما الذين ظهروا في التاريخ هم عباد لله، لكنهم شطحوا وتهوروا حينما أعلنوا الحقيقة، فالحقيقة لا يدركها إلا الخلص من البشر الذين يعرفون أن الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله، وأنهم هم الله والله هم! هذه الحقيقة لا تدركها العامة، فحينما أعلنها فرعون تهور فعاقبه الله بالغرق، وهذه عقوبة شكلية فقط، وإلا فهو مؤمن. والحلاج حينما قال: ما في الجبة إلا الله بزعمهم؛ قالوا: لأن الحلاج هو الله، لكنه أعلن الحقيقة أمام العامة، وسبب ذلك أنه ما استطاع أن يلغي الحقيقة حينما وصل إليها، فتهور وأعلنها أمام العامة، وهم لا يقصدون بالعامة العوام، فبعض الناس يظن أنهم إذا قالوا: العامة يقصدون العوام الجهلة عندنا، وليس كذلك؛ بل يقصدون بالعامة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، فهؤلاء هم العامة عندهم وليس العوام، بل بعض العوام هم وإياهم على حال واحدة؛ لأنهم قد يطيعونهم ويسلمون لهم بغير شعور، وارجعوا إلى كتبهم فستجدون هذا المفهوم عندهم، يقصدون بالعامة علماء الشريعة، لذلك يسمون علم الشرع علم العامة، وهذا اللفظ موجود في كتب الصوفية إلى يومنا هذا، ومن الذي جاء به؟! أليس الأنبياء؟! يسمونه علم العامة، وعلم المساكين يقصدون بهذا أن الحقائق لا يدركها إلا الخلص الذين هم من الملاحدة والزنادقة.

стр. 76

اعتبار صحة مذهب عباد الأصنام قال رحمه الله تعالى: [ومن فروعه: أن عباد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا الله لا غيره! ومن فروعه: أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح، الكل من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة]. ذلك لأن من لم يفرق بين الخالق والمخلوق فمن باب أولى أن لا يفرق بين المخلوقات، أليس كذلك؟! فالفاسد والصالح واحد، والحلال والحرام واحد؛ لأن الأعيان واحدة، فهذا يؤدي من باب الإلزام إلى هذه النتيجة.

стр. 77

اعتبار الرسالات تضييقاً على الناس قال رحمه الله تعالى: [ومن فروعه أن الأنبياء ضيقّوا على الناس، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً]؛ لأنهم حينما أحلوا أشياء وحرموا أشياء، وقالوا: هذه الأعيان فاسدة محرمة، وهذه الأعيان صالحة حلال، وهذا ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، والله له حقوقه على عباده، فكأن الأنبياء ضيقوا على الناس حين جاءوا بأمور ليس لها أصل، كذا يزعمون، ويؤدي قولهم إلى هذه المزاعم؛ لأن من زعم أن الأعيان واحدة وأنه لا فرق بين الخالق والمخلوق فمعنى هذا: أن ما جاء به الأنبياء من أن الله له الكمال المطلق، وله حق العبودية والطاعة والتسليم، وأن ما أحله الله هو الحلال، وما حرم الله هو الحرام، كل تلك الأحكام التي جاء بها الأنبياء -إذا قلنا بأنه لا فرق بين الخالق والمخلوق- تكون من باب اللغو والتكلف والتضييق على الناس، وهذا من باب الإلزام العقلي، وإلا فهم قد لا يدعون هذا؛ لأنهم يخافون على رقابهم، وقد لا يصرحون بالكفر، لكن يلبسون الحق بالباطل.

стр. 78

توحيد الربوبية قال رحمه الله تعالى: [وأما الثاني: وهو توحيد الربوبية]. يعني الثاني من أنواع التوحيد، فالأول: التوحيد في الصفات، والثاني: توحيد الربوبية. قال رحمه الله تعالى: [وأما الثاني: وهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية. وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع: فرعون، وقد كان مستيقناً به في الباطن، كما قال موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]، وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ولهذا قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] على وجه الإنكار له تجاهل العارف، قال له موسى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٤ - ٢٨]]. في هذه النصوص دلالة على أن فرعون لا يجهل في الحقيقة أن الله هو الخالق، وأنه هو الرب، وإنما يتجاهل، ولذلك قال موسى ﵇ لفرعون: ((لقد علمت))، وهذا كلام الله حق، فهو علام الغيوب سبحانه، وهو أعلم بما في القلوب، فهذا الكلام لا يكون من موسى إلا لوصف الحقيقة؛ لأن موسى قال لفرعون: (لقد علمت) وكلام موسى حق؛ فهو نبي معصوم، وهذا -أيضاً- كلام الله مقرر في القرآن، فموسى حينما قال: (لقد علمت) يخاطب فرعون دل قوله على أنه عالم بالله، لكنه أنكر وجحد. وكذلك في الآية الأخرى -وهي صريحة- قال تعالى في وصف فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، فهم في حقيقة الأمر من المستيقنين، لكنهم جحدوا وستروا وغطوا وكفروا ظلماً وعلواً. أحب أن أنبه على كلمة في عبارة الشارح، وقد ترد أيضاً في عبارات تالية، وهي إطلاق كلمة الصانع على الله تعالى، وهذا من التساهل في التعبير، وإلا فلا ينبغي أن تطلق؛ لأن الله هو الخالق، وربما أخذها بعض أهل العلم من قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]، فلعله يقصد ذلك، فهذا على سبيل الوصف لا مانع من أن يقال، فـ (الصانع) على سبيل الوصف لا مانع منه، لكن أن يقصد بكلمة الصانع أن تكون اسماً لله تعالى؛ فليس من أسماء الله الصانع، إنما الله هو الخالق البارئ؛ لأن الصنع أقل وأضعف معنىً من الخلق؛ لأن الصناعة: هي إظهار المصنوع على مظهر يراه الناس وهو مظهر الإبداع في الخلق، وأما الخلق فهو الإيجاد من العدم، فالإنسان يصنع ولا يخلق. وقوله: [ولهذا قال -يعني: فرعون-: وما رب العالمين؟!] ولم يقل: ومن رب العالمين، وهذه لغة الفطرة التي نطق بها فرعون وهو لا يدركها، ففرعون لم يقل: من رب العالمين؛ لأنه يعرفه في حقيقة الأمر، إنما قال: وما رب العالمين من باب الاستهانة والاستهتار؛ وما قال: (من)؛ لأنه لو قال: (من) لورد احتمال أنه لا يعرف الله، لكن نظراً لأنه يعرف الله في الحقيقة نطقت فطرته بغير هذه الكلمة، فهو سؤال تجاهل وسؤال استخفاف، وأما قوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩]، فسؤاله كان هنا عن الربوبية، بمعنى: من الذي تطيعون أمره ونهيه؟ ولكن ما سأل عن الله، بل قال: يا موسى! من تطيعونه ومن تعبدونه؟! كأنه بهذا يقصد الربوبية، لكن حينما جاء سؤال الإلحاد ما قال: من رب العالمين؟ بل قال: وما رب العالمين؟ وهذا دل على أنه مستهتر يتجاهل وليس بجاهل؛ لأن السؤال عن المعلوم يدل على التجاهل والاستهتار. قال رحمه الله تعالى: [وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهماً عن الماهية، وأن المسئول عنه لما لم يكن له ماهية، عجز موسى عن الجواب!]. هؤلاء يرون أن السؤال كان عن الماهية، أي أن فرعون سأل موسى: كيف هو ربك؟ مم يتكون؟ هذا ما افترضه الفلاسفة والمتكلمون الذين ينزعون إلى إنكار وجود الله تعالى وجوداً ذاتياً، والذين يقولون بعدم المباينة والمفاصلة بين الخالق والمخلوق، فإنهم قالوا بأن فرعون سأل موسى عن الكيفية التي عليها الله، وأن موس

стр. 79

الاعتقاد بوجود صانعين للعالم متماثلين في الصفات والأفعال

стр. 80

انتفاء اعتقاد إلهين خالقين عند المجوس القائلين بإله الخير وإله الشر قال رحمه الله تعالى: [ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال. فإن الثنوية من المجوس، والمانوية القائلين بالأصلين النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما؛ متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة: هل هي قديمة أو محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين]. يقصد بهذا أن المجوس الذين اعتقدوا بوجود إلهين اثنين ما قالوا بأن الإلهين كلاهما خالق، بل قالوا: الخالق واحد، والأول واحد، وألهوا الشر نظراً لخطورة الشر، فألهوا الشيطان أو إله الشر كما زعموا؛ نظراً لخطورة الشر وخوفاً منه، فيعبدون إله الخير طمعاً في ثوابه بزعمهم، ويعبدون إله الشر خوفاً من عقابه بزعمهم، وهذه شبهة الشيطان إلى يومنا، فمن أعظم شبهات الشيطان أنه يأخذ البشر بالخوف والرجاء، فإذا رجوا أحداً من دون الله عبدوه، وإذا خافوا من أحد من دون الله عبدوه، وعلى ذلك أغلب أهل الأهواء الذين يصرفون شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، وينزعون في ذلك نزعة الرجاء الخالص لغير الله، أو الخوف من غير الله، ولا يزال الناس يتعبدون لغير الله رجاءً وخوفاً وهم لا يشعرون، وليس من شرط العبادة كونها كعبادة الصنم في التوجه بالطقوس، بل من العبادة الاستجابة فيما لا تجوز الاستجابة فيه لغير الله، أو الخوف من غير الله إلى حد الهلع الذي يضر بدين المسلم أو يضر بالمسلمين، فهو نوع من عبادة الخوف من غير الله، بل عبادة بالخوف. فالمجوس تقوم فلسفتهم في عبادة الإلهين الاثنين على أساس أن إله الخير هو الأصل، لكنه منزه عن أن يخلق الشر، فعلى هذا لا بد عندهم من أن يكون للشر خالق، فقالوا: خالق الشر هو إبليس، أو قوى شريرة أخرى، وخالق الشر لا بد من أن يعبد خوفاً منه، فعبدوا إلهين اثنين. فالشارح يقول: مع أنهم عبدوا إلهين اثنين وهم من المشركين ما قالوا بأن كلاً منهما خالق للكون ومبدئ ومصور، بل قالوا: الأول الخالق المبدئ الذي خلق الخلق ابتداء هو واحد، والآخر جاء بعد، فلذلك عندهم فلسفة أنه عندما تنتهي الدنيا ينتصر الخير على الشر، وتكون الإلهية لواحد، وعلى كل حال هذه فلسفة مشركين، ومن الخير ألا نخوض فيها، لكن نظراً لأنها وردت كان لا بد من الإشارة إليها وإلى معناها.

стр. 81

ضلال مسلك معتبري توحيد الربوبية غاية مقصودهم كأن الشارح يرد على الذين قالوا بالمبالغة في إثبات توحيد الربوبية، هذا هو المقصود بهذا الكلام، فطوائف المتكلمين -ولا يزالون إلى اليوم- غاية ما عندهم في تقرير التوحيد أن يثبتوا أن الخالق موجود وأن الخالق واحد، وهذه بدهية، فالعوام كفوهم هذا، فكل إنسان يدرك أن الخالق واحد وأن الرب واحد، لكن المشكلة التي فيها النزاع بين البشر منذ أن بدأ الشرك إلى يومنا هذا هي أن الناس يعبدون مع الله غيره، هذه هي المشكلة، وليست المشكلة أنهم لا يعترفون بوجود الله، وليست المشكلة أنهم لا يعترفون بأن الله هو الخالق وحده، فالمشركون أخبر عنهم الله في القرآن بأنهم إذا سئلوا عمن خلق السماوات والأرض؛ يقولون: الله، وما ورد في القرآن أنهم أنكروا أن يكون الله هو الخالق، والله هو العليم بأحوال البشر، وهو الذي حكى لنا أحوالهم في القرآن، فالمشركون لم ينكروا توحيد الربوبية من أجل أن تتعب فيه عقول المتكلمين، ولا يزال المتكلمون إلى يومنا هذا غاية ما يريدون الوصول إليه إثبات الخالق، ومع ذلك عندهم شك في إثبات الخالق وهم لا يشعرون؛ لأنهم يثيرون من الشبهات ما يقتضي الشك، لكنهم ينسون التوحيد المهم الضروري الذي لتقريره ثمرة، وللقول به فائدة، ولنصح الأمة فيه فائدة، وهو توحيد الإلهية وتوحيد العبادة، فلذلك أغلب المتكلمين لا يعرفون توحيد الإلهية ولا توحيد العبادة، ويستنكرونه على أهل الحق إلى يومنا هذا، وهذا هو السبب في استنكار كثير من المسلمين الذين يذهبون مذاهب المتكلمين على الذين ينكرون على المسلمين الشركيات وينكرون البدع، سبب هذا أنهم يعرفون أن غاية التوحيد توحيد الربوبية، وأن هذه الشركيات إنما هي ممارسات سهلة يمكن حلها فيما بعد. فمنشأ التساهل -حتى عند كثير من الدعاة والدعوات المعاصرة- في توحيد الإلهية أنهم تربوا على أن التوحيد هو توحيد الربوبية، هكذا عرفوا، فلذلك يعدون الشركيات من الأمور اليسيرة التي يمكن أن يصبر عليها أو يسكت عنها حتى تحل مشكلات المسلمين السياسية وغيرها، وتحل مشكلة انحراف البشر في الربوبية، وهذا خطأ؛ لأنه خلل عظيم. وما ينبغي التنبيه عليه هنا أن الشارح ذكر أنه لا يقول أحد بأن للعالم صانعين، وإنما القول الذي ورد أن الثنوية من المجوس والمانوية وغيرهم قالوا بأن للخير إلهاً وهو الخالق الأول، وأن للشر إلهاً آخر وهو خالق الشر، وهذا المبدأ هو نفسه الذي قالت به المعتزلة، لكن بطريقة مهذبة، فهذا هو رأي القدرية، والقدرية نشأت في بيئة المجوس، القدرية في الإسلام نشأت في بيئة المجوسية، وتكونت من المجوس الذين اندسوا في المسلمين، وربما يكون كثير منهم أظهر الإسلام وأبطن الكفر، فدسوا على المسلمين هذه العقيدة، فلذلك قالت المعتزلة بأن الله هو خالق الخير، ولا يليق بالله أن يخلق الشر، فالشر من الإنسان، وهي نفس الفلسفة التي قال بها الثنوية وقامت عليها عقيدة القدرية الأولى ثم قدرية المعتزلة، قالوا بأن الله هو خالق الخير وهو مقدر الخير كله، لكن لا يليق بالله أن يخلق الشر ولا أن يقدره، إنما الإنسان هو الذي كسب الشر وفعله وخلقه، فقالوا: إن الإنسان هو خالق أفعاله، وظنوا بذلك أنهم ينزهون الله، وهذا غلو في التنزيه، بل بهذا قدح في علم الله وقدرته.

стр. 82

عدم إثبات النصارى القائلين بالتثليث لثلاثة أرباب منفصلين قال رحمه الله تعالى: [وأما النصارى القائلون بالتثليث؛ فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد. وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد، فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص، وقد فطر الله العباد على فساد هذه الأقوال بعد التصور التام، وبالجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين]. هذه العبارات في الكلام على عقيدة التثليث، والكلام عن التثليث لا يحتاج إلى مزيد بيان؛ لأن الشارح بينه، لكن هناك بعض العبارات هي مظنة الإشكال. وأما قول النصارى بأن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة؛ فهذا أمر يصادم العقل، لذلك تقوم عقيدتهم على تنشئة النصراني على أن يطفئ سراج عقله، وهناك قاعدة ترجمتها: أطفئ سراج عقلك واعتقد، اعتقد ولا تستعمل عقلك؛ لأن الإنسان إذا استعمل عقله لا يمكن أن يعتقد الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة مهما كان الحال، وهذا لا يتأتى بكل المعاني العقلية والحسابية، ولكنهم أحياناً يوهمون الآخرين بتفسيرات أخرى، فيقولون: هو واحد بالذات ثلاثة بالأقنوم، ويقصدون بهذا: أن الله يمكن أن يكون واحداً، لكن يظهر بثلاثة مظاهر، وهذه المظاهر قد تكون خصائص تركيبية، كأن يكون ينقسم الإله إلى الإنسانية وهي الناسوت، أي: الجانب الإنساني، والإلهية، وهي اللاهوت، أي: الجانب الإلهي، والمزج بينهما، وهو روح القدس، وهو الجمع بين الإنسانية والإلهية، وهذه فلسفة لا تعدو أن تكون تسويغاً للشرك.

стр. 83

نشأة قول النصارى بالتثليث ومما ينبغي أن يشار إليه أن عقيدة التثليث ليست هي عقيدة النصارى ابتداءً، فالنصارى أخذوها عن غيرهم؛ إذ التثليث كان موجوداً في الوثنية اليونانية قبل ظهور النصرانية المحرفة بمئات السنين، ودخل التثليث على النصارى بالتدريج عن طريق بولص اليهودي المسمى شاول حينما اعتنق النصرانية بعد عيسى ﵇ مباشرة؛ لأن بولص هذا كان من أشد المحاربين لعيسى ﵇، فهو يهودي حاقد متعصب، فلما مات عيسى استعمل طريقة اليهود، وهي نوع من الماسونية التي يستعملها اليهود إلى اليوم، أسلوب ماسوني، فادعى أنه صار نصرانياً ملهماً يوحى إليه، وأن عيسى يتصل به، وأنه يأخذ التشريع من لدنه، وأن عيسى أمره أن يبلغ رسالة الله من بعده، وفي ذلك الوقت كان النصارى يخفون دينهم، حتى الإنجيل يخفونه خوفاً من اليهود، فصار بولص زعيماً في النصارى؛ لأنه ادعى بين عشية وضحاها أنه صار نصرانياً، فأدخل فلسفة التعدد في الآلهة عليهم، وما قال بالتثليث الصريح، لكنه قال بالإنسانية والإلهية في عيسى ﵇ بهذه الصيغة، قال: عيسى هو ابن الله وفيه إنسانية وفيه إلهية. ثم بعدما دخل الملك الروماني قسطنطين النصرانية فرحت به طائفة من فرق النصارى التي صنعها اليهود؛ لأن اليهود بثوا الافتراق في النصرانية، فالفرق النصرانية التي صنعها اليهود فرحوا بدخول قسطنطين النصرانية وجعلوه إماماً في الدين، فبمجرد أن دخل النصرانية جعلوه زعيماً يتحكم في الدين ويعقد المجامع ويحكم ويقول ويؤصل ويضع العقائد للنصارى؛ لأنه نصراني وهو ملك، ففرح به هؤلاء وقالوا: ليقرر من الديانة ما يشاء. فأخذ يقرر ما يشاء، مع أنه لا يفقه من الدين شيئاً، وإنما تحول من اليهودية إلى النصرانية فجأة فصار نصرانياً، لكن نظراً لأنه ملك قالوا: نستعطفه وليدخل في الديانة ما يريد، وبعد ذلك نناقش المسألة، فأدخل عقيدة التثليث، وتقديس الصليب الذي كان أول من أشار إليه بشكل صريح هو قسطنطين. وبولص أشار إلى الصلب والصليب، لكن ليس على نحو ما عند النصارى الآن، فعقيدة النصارى في الصلب الآن التي هم عليها هي عقيدة وثنية يونانية، وكذلك التثليث عقيدة وثنية يونانية. قال رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن كثيراً من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره، ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل، وزعم أنه يتلقى من السمع، والمشهور عند أهل النظر إثباته بدليل التمانع، وهو: أنه لو كان للعالم صانعان، فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته، فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما. والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع؛ لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، وهو ممتنع، ويستلزم أيضاً عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلهاً، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزاً لا يصلح للإلهية، وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضعه، وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]؛ لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل ﵈، وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥]، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب، قال تعالى حكاية عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] وقد ثبت في صحيح البخاري، وكتب التفسير، وقصص الأنبياء وغيرها، عن ابن عباس ﵄، وغيره من السلف، أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد ف

стр. 84

شرح العقيدة الطحاوية [٨] لقد جاءت الأدلة النقلية من كتاب وسنة لإثبات توحيد الربوبية، وجاءت كذلك الأدلة العقلية مصدقة بما جاء به الكتاب والسنة، ودالة على وجود الله وتوحيده بالفطرة السليمة وميلها إلى التصديق بوجود الخالق، واستعدادها للإقرار بتوحيد الألوهية تبعاً لتوحيد الربوبية، إذا سلمت مما يحجبها عن الحق، ولم يحصل لها المفسد الخارجي الذي ينحرف بها عن طريقتها السليمة.

стр. 85

الأدلة العقلية على صدق ما أخبر به رسول الله من توحيد الربوبية قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه، منها: أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً].

стр. 86

الميل بالفطرة إلى التصديق بوجود الخالق المقتضي للانتفاع قوله: (وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد له الأدلة العقلية) يقصد به الإخبار عما أخبر به النبي ﷺ من توحيد الله وطاعته وصدق ما جاء به النبي ﷺ . ويبدو لي أن العنوان الذي وضعه المحقق هنا ليس بدقيق، حيث قال: (الأدلة العقلية على صدق ما أخبر به الرسول) ﷺ ؛ إذ ليس مراده الأدلة على صدق ما أخبر به الرسول ﷺ ، إنما أراد الأدلة العقلية على توحيد الربوبية وأنه مستلزم لتوحيد الإلهية الذي هو ضرورة طاعة الله واتباع شرعه، بناءً على دلالة العقل السليم والفطرة السليمة على وجود الله وكماله وقدرته، كما سيأتي تفصيله. قال رحمه الله تعالى: [وتارة ما يكون باطلاً، وهو حساس متحرك بالإرادة فلا بد له من أحدهما، ولا بد له من مرجح لأحدهما]. هنا سيقرر الشارح ابن أبي العز أدلة وجود الله تعالى وتوحيده -أي: توحيد ربوبيته وإلهيته- من الفطرة السليمة والعقل السليم من وجوه متعددة كلها ترجع إلى أصل واحد في الاستدلال، وهو أن الفطرة السليمة والعقل السليم يدلان قطعاً على ضرورة توحيد الله تعالى في الربوبية والإلهية دون تفريق بين هذه الأمور. قال رحمه الله تعالى: [ونعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق وينتفع، وأن يكذب ويتضرر؛ مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع والإيمان به هو الحق أو نقيضه، والثاني فاسد قطعاً، فتعين الأول]. بناءً على القول بأن فطرة أي إنسان تميل إلى الصدق والانتفاع بالصدق وإلى ما ينفع إطلاقاً، وتنفر من الكذب وتتضرر به؛ فإن الإنسان بفطرته إما أن يصدق ما ينفعه -وهو الإقرار بوجود الصانع- أو لا يصدق، وإذا كان الإنسان قد فطر على التصديق والانتفاع، والتصديق والانتفاع هو في الإقرار بوجود الله تعالى وبعبادته وإلهيته؛ فحتماً لا بد من أن يكون هذا هو الافتراض اللازم؛ لأن الثاني قطعاً فاسد، أي: الميل إلى الكذب وإلى التضرر، فإذا كان كذلك تحتم الأول، وهو الإيمان بوجود الله النافع الضار. قال رحمه الله تعالى: [فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به، وبعد ذلك: إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو لا، والثاني فاسد قطعاً، فوجب أن يكون في فطرته محبة ما ينفعه].

стр. 87

الفطرة على جلب المنافع ودفع المضار حال قيام السبب عند حصول الشرط وانتفاء المانع قال رحمه الله تعالى: [ومنها: أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسبه، وحينئذ وإن لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج إلى سبب معين للفطرة كالتعليم ونحوه، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضي لذلك]. الشرط هنا يعني: الشرط الذي يتوافر لإثارة الفطرة الكامنة التي هي فطرة التوحيد والفطرة على الخير، وتوافر الشرط يكون بالتعليم السليم وبالهدى وبما أنزله الله من الوحي ومن الخير على ألسنة الأنبياء، هذا هو الشرط. والمانع: هو ما يحجب فطرة الإنسان عن الخير من الهوى، والشهوات، والشبهات، والتعليم المنحرف وهو أخطرها، فأكثر هذه الأسباب إضلالاً للبشر هو التعليم المنحرف، كما جاء في الحديث السابق عن النبي ﷺ أنه قال في الإنسان: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). وقوله: (بحسبه) علق عليه المحقق فقال: إنها في جميع النسخ (بحسبه)، وكذلك في (درء تعارض العقل والنقل)، وفي بعض النسخ (بحسه)، وكله جائز، و (بحسه) كأنها أقرب، لكن نظراً لأن النسخ توافرت على (بحسبه) فهي جائزة، أي: تجوز في السياق، يعني: أن الإنسان مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسبه، أي: بحسب مداركه، فبعضهم يدرك المنافع إدراكاً بيناً إذا كان إدراكه جيداً، وبعض الناس يدرك المنافع إدراكاً ضعيفاً بحسب إدراكه.

стр. 88

القوة الكامنة في النفس لقبول الحق إذا لم يحصل ما يفسد الفطرة قال رحمه الله تعالى: [ومنها: أن يقال: من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو علّم الجماد والبهائم وحضضا لم يقبلا. ومعلوم أن حصول إقرارها بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج، وتكون الذات كافية في ذلك، فإذا كان المقتضي قائماً في النفس وقدر عدم المعارض؛ فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها؛ كانت مقرة بالصانع عابدة له]. المقتضي السالم: هو الفطرة السليمة، والسالم عن المعارض يعني: عما يحجب هذه الفطرة عن الاستدلال على الخير، فالفطرة الأصل فيها أن تقتضي الدلالة على الخير والدلالة على الهدى والدلالة على الصلاح والإصلاح، هذا هو المقتضي للفطرة، فإذا سلمت هذه الفطرة من المعارض فإنها تبقى دالة على وجود الله تعالى وعلى طاعته وعبادته، ليس على الوجود فقط؛ لأن الوجود قل أن تنزع إلى إنكاره، لكن قد تنكر ما بعد ذلك من عبادة الله تعالى ومن طاعته واتباع أوامره، والمعارض: هو التربية السيئة أو الهوى أو الشهوة أو الشبهة أو وساوس الشيطان أو نحو ذلك، هذه كلها قد تحجب الفطرة عن الحق، فإذا سلمت الفطرة وبقيت على نقاوتها بقيت مستعدة للإقرار بتوحيد الإلهية تبعاً لتوحيد الربوبية.

стр. 89

اقتضاء الفطرة للصلاح بغير مؤثر خارجي قال رحمه الله تعالى: [ومنها: أن يقال: إنه إذا لم يحصل المفسد الخارج؛ ولا المصلح الخارج، كانت الفطرة مقتضية للصلاح؛ لأن المقتضي فيها للعلم والإرادة قائم والمانع منتف]. الكلام على المفسد الخارج والمصلح الخارج ينطبق على ما سبق، ويقصد بذلك: أن الأصل في الفطرة الصلاح، والمفسد آت من الخارج، وكذلك المصلح الخارج الذي يضيف إلى الفطرة شيئاً من معرفة الهدى، بمعنى: أن الفطرة عبارة عن قوة كامنة مستعدة للحق، فإن جاءها مفسد خارج من تربية أو شهوة أو شبهة أو ضلال أو تقليد أو غير ذلك أو شبهات الشيطان ووساوسه؛ فإنها قد تنحرف، وإذا جاءها مصلح من الخارج -وهو الوحي الذي أنزله الله على رسله وما يتفرع عن هذا الوحي من أمور أخرى دالة على الخير- فإن الفطرة تستقيم. قال رحمه الله تعالى: [ويحكى عن أبي حنيفة ﵀: أن قوماً من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، فترسي بنفسها، وتتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد، فقالوا: هذا محال لا يمكن أبداً! فقال لهم: إذا كان هذا محالاً في سفينة؛ فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟! وتحكى هذه الحكاية عن غير أبي حنيفة. فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هؤلاء النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين، كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه، كان مشركاً من جنس أمثاله من المشركين].

стр. 90

تقرير القرآن لتوحيد الربوبية وجعله ذلك مستلزماً لتوحيد الإلهية قال رحمه الله تعالى: [والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له، ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلاً على الثاني؛ إذ كانوا يسلمون الأول، وينازعون في الثاني، فيبين لهم سبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، لا شريك له في ذلك؛ فلم تعبدون غيره وتجعلون معه آلهة أخرى؟! كقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٥٩ - ٦٠]، يقول الله تعالى في آخر كل آية: ((أإله مع الله))، أي: أإله مع الله فعل هذا؟! وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام: هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم؛ لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام]. يقصد بهذا الكلام أن الاستفهام هنا ليس لإنكار وجود إله آخر بمعنى: رب وخالق، إنما كان الاستنكار استنكار أن يكون هناك معبود مع الله: أإله مع الله؟ أي: أمعبود مع الله؟ ما دمتم تقولون بأن الله هو الخالق وحده. وهذا هو قول المشركين حينما قرر القرآن قولهم بأن الله هو خالق السموات والأرض وهو الذي خلقهم ورزقهم، فقال لهم: ((أإله مع الله))، إذا كنتم تقولون بأن الله هو الرب وهو الخالق وهو الرازق وهو المدبر، أتعبدون معه غيره؟! هذا هو وجه الاستفهام، وليس وجه الاستفهام: أرب مع الله؟ لأنه لا يمكن، فهم قالوا: كل شيء لله، وكل شيء من أفعال الله تعالى قالوا: الله هو الذي فعله، فبقي ما بعد ذلك، ولا يمكن أن يرد الاستفهام لأمر نفوه من قبل؛ لأنهم هم وكل الأمم التي أشركت وضلت قرر القرآن أنهم لم يقولوا بأن هناك خالقاً مع الله، ولا بأن مع الله رباً، ولا رازقاً، بل قالوا: هو رب السماوات والأرض، وهو الذي خلق كل شيء، وهو الذي خلقهم، فلا يمكن أن يرد السؤال مرة أخرى: أرب مع الله؟ لأنهم نفوا الربوبية لغير الله، فالمراد بالاستفهام الإنكاري: إذا كان الأمر كذلك أمعبود مع الله؟! وهذا يفهم من كلمة (إله) لغة؛ لأن الإله هو الذي تألهه القلوب وتقدسه وتعبده وحده، هذا معنى الإله، فقوله تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠] ليس معناه: أرب مع الله؟ أخالق مع الله؟ إنما معناه: أتعبدون غير الله؟! أتتألهون لغير الله؟! هذا هو معنى السؤال، وكثير من المتكلمين إلى يومنا هذا يقررون تفسير هذه الآيات على المعنى الذي يقول به الفلاسفة، وهو أن معنى (أإله مع الله) أي: أرب مع الله؟ أي توحيد الربوبية، وهذا خطأ فادح وبعيد عن معنى ألفاظ كلام الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: [وليس المعنى استفهام: هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم؛ لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى]. أي: يجعلون مع الله معبودين آخرين. قال رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام:١٩]، وكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، لكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلهاً جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً، بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، وكذلك قوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:٤٦]، وأمثال ذلك].

стр. 91

الرد القرآني على أهل الكلام في اعتبار توحيد الربوبية غاية قال رحمه الله تعالى: [وإذا كان توحيد الربوبية الذي يجعله هؤلاء النظار ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد]. يقصد بالنظار: الفلاسفة والمتكلمين الذين أخذوا بالقواعد العقلية الفلسفية في تقرير التوحيد، وكثيراً ما يطلق عليهم النظار؛ لأنهم ينظرون لهذه الأمور العقلية ولأمور العقيدة بمجرد هذه القواعد العقلانية البحتة. قال رحمه الله تعالى: [وإذا كان توحيد الربوبية الذي يجعله هؤلاء النظار ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد داخلاً في التوحيد الذي جاءت به الرسل ﵈، ونزلت به الكتب؛ فليعلم أن دلائله متعددة، كدلائل إثبات الصانع ودلائل صدق الرسول؛ فإن العلم كلما كان الناس إليه أحوج كانت أدلته أظهر رحمة من الله بخلقه. والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقاً عليها استدل بها، ولم يحتج إلى الاستدلال عليها. والطريقة الفصيحة في البيان أن تحذف، وهي طريقة القرآن، بخلاف ما يدعيه الجهال الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة برهانية، بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع، فإنه يبينه ويدل عليه]. يقصد بقوله: [وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقاً عليها] أن هناك من البدهيات العقلية والفطرية ما لا يحتاج إلى استدلال، إنما تكون هي بنفسها أدلة، فمثلاً: من البدهيات أن الخلق لابد له من خالق، ومن البدهيات أن هذا الخالق هو المالك المتصرف وهو الرازق وهو الذي يحيي ويميت، فهذه البدهيات هي التي يستدل بها على الأمور الأخرى من مستلزماتها، كعبادة الله وحده وطاعته وطاعة رسله واتباع شرعه. فيستدل بكون الله هو خالق السموات والأرض وكونه هو الذي يحيي ويميت، وكونه هو الذي خلق البشر، يستدل بهذه الأمور على أنه هو وحده المعبود. إذاً: فالبدهيات الضرورية لا تحتاج إلى أدلة، إنما هي تكون أدلة على غيرها، وهذه هي قاعدة القرآن، لذلك نجد أن القرآن ليس فيه تكلف في الاستدلال على وجود الله تعالى، إنما نجد أكثر ما فيه من البراهين الاستدلال على ضرورة عبادة الله وحده، وأن الله هو وحده المستحق للعبادة، وقرر هذه الأدلة على أنها بدهية عند البشر حينما سألهم: من خلق السموات والأرض، ومن خلقهم؟ من يرزقهم؟ فقرر أنهم يقولون: إنه الله، ثم بعد ذلك استعمل هذه الأمور دليلاً على غيرها وعلى مستلزماتها، وهي عبادة الله وحده، وعدم الشرك، وأنه ما دام الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي والمميت، وهو خالق السموات والأرض؛ فإذاً: لا يجوز أن يعبد غيره، ومن عبد غيره فقد أشرك.

стр. 92

إبطال القرآن اعتقاد بعض المشركين وجود خالق آخر خلق بعض العالم

стр. 93

إبطال الشرك في الربوبية بقوله تعالى: (وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) قال رحمه الله تعالى: [ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم، باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقاً خلق بعض العالم، كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفة الدهرية في حركة الأفلاك، أو حركات النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أموراً محدثة بدون إحداث الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئاً من نفع أو ضر بدون أن يخلق الله ذلك، فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجوداً في الناس بين القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الظاهر، فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقاً فاعلاً، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بممالكه إذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه، فلابد من أحد ثلاثة أمور: إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ولا يتصرفون فيه، بل يكون وحده هو الإله، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه. وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره من أدل دليل على أن مدبره إله واحد، وملك واحد، ورب واحد، لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه. كما قد دل دليل التمانع على أن خالق العالم واحد لا رب غيره، فلا إله سواه، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في العبادة والإلهية، فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، كذلك يستحيل أن يكون لهم إلهان معبودان، فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه، فكذا تبطل إلهية اثنين، فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية].

стр. 94

إبطال الشرك في الربوبية بقوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) قال رحمه الله تعالى: [وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره، وهو أنه لو كان للعالم صانعان إلى آخره، وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل: أرباب]. أي: لو كان فيهما معبود، هذا معنى تقرير القول، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة، يعني: من يعبد غير الله أو يستحق العبادة غير الله، ولم يقل: أرباب؛ لأن مسألة الربوبية بدهية عند سائر العقلاء حتى الذين لا يقرون بالنبوات قد يقرون بضرورة وجود الرب الخالق، لكن المسألة التي هي محل نزاع، وهي التي خالف فيها البشر هي مسألة العبادة. فإذاً: معنى الآية: لو كان فيهما معبود يستحق العبادة غير الله لكان الأمر كذلك. قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا، وأيضاً: فإنه قال: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم يوجدا. ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه إنما هو بالعدل، وبه قامت السموات والأرض. وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك، وأعدل العدل التوحيد، وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس؛ فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزاً، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]].

стр. 95

إبطال الشرك في الربوبية بقوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً) قال رحمه الله تعالى: [وكذا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]. وفيها للمتأخرين قولان: أحدهما: لاتخذوا سبيلاً إلى مغالبته، والثاني -وهو الصحيح المنقول عن السلف كـ قتادة وغيره- وهو الذي ذكره ابن جرير لم يذكر غيره: لاتخذوا سبيلاً بالتقرب إليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٩]، وذلك أنه قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء:٤٢]، وهم لم يقولوا: إن العالم له صانعان، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، بخلاف الآية الأولى]. القول بأن معنى: (لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً): لاتخذوا سبيلاً إلى مغالبته، هذا القول -في الحقيقة- بعيد كل البعد؛ لأنا نجد أن هذه الآية تقرر مسألة العبادة، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، والإله هو المعبود المألوه الذي تألهه القلوب وتعبده وتتجه إليه. إذاً: لا يصح -بل يبعد كل البعد- أن يكون المقصود: سبيلاً إلى المغالبة؛ لأن ذا العرش هو ذو العظمة سبحانه، والقلوب إذا اتجهت إلى العظيم اتجهت إليه محتاجة لا مغالبة، ويبعد أن يقصد القرآن هذا؛ لأن البشر مهما بلغوا لا يمكن أن يغالبوا الله أو يغالبوا ذي العرش عقلاً ولا شرعاً، حتى وإن وصل الأمر ببعض الملاحدة إلى المغالبة كما فعل فرعون، فإن هذه المغالبة لم تكن حقيقة، إنما كانت من باب المراء والجدل للبشر ومن باب مغالبة الأنبياء لا مغالبة الله سبحانه. فمسألة المغالبة التي هي محاولة التغلب بعيدة كل البعد، إنما الصحيح: ﴿لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢] إلى طاعته والتقرب إليه؛ لأنه ما دام هو الأولى والأجدر، وما دام هو الأعظم وهو الرب وهو الخالق سبحانه؛ فإنه هو الذي يتخذون إليه سبيلاً ليتقربوا إليه ويلجئوا إليه سبحانه، هذا هو المعنى الصحيح، وهو الذي قال به السلف.

стр. 96

شرح العقيدة الطحاوية [٩] لقد جاءت الرسل بتوحيد الإثبات والمعرفة وتوحيد القصد والطلب، كما قرر ذلك القرآن في غير ما آية، حيث أخبر عن شهادة الله تعالى لنفسه بوحدانيته وشهادة الملائكة والأنبياء له بذلك، وأقام تعالى الدلائل على ذلك، وبينه بطريق السمع لآياته المتلوة في كتابه الكريم، والتي تبين السنة وتقرر المراد من هذه الآيات، وكذلك بطريق النظر لآياته العيانية الخلقية، ثم يأتي العقل فيجمع بين هذه وهذه، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة.

стр. 97

بيان نوعي التوحيد الذي دعت إليه الرسل قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد. فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ ، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول الحديد وطه وآخر الحشر وأول (الم تَنزِيلُ) السجدة وأول آل عمران وسورة الإخلاص بكمالها، وغير ذلك]. هذا النوع الأول من التوحيد هو توحيد الإثبات والمعرفة، ويسمى التوحيد العلمي، ويسمى أيضاً التوحيد الخبري؛ لأنه الذي جاء به الخبر، وهو توحيد الإقرار بربوبية الله ، وسمي معرفة؛ لأنه أتى بوسائل المعرفة التي تعرف بها الأمور، وأعرف المعارف معرفة الله ؛ لأنه أعرف شيء، وغيره يعرف به، فلذلك نجد أن طرق الإثبات والمعرفة في توحيد الله ليست مقصورة على الخبر، كما يظن بعض الناس أن الوحي هو الذي جاءنا بمعرفة الله، بل وسائل معرفة الله تعالى كثيرة جداً، منها: الفطرة، ومنها العقل السليم الذي عليه المعول؛ لأن العقل المنكوس لا يعول عليه، فالعقل السليم يعرف الله، والفطرة السليمة تعرف الله، وهناك أيضاً وسائل أخرى لمعرفة الله تعالى، مثل الآيات البينات، وهي وسيلة من وسائل إعلام الله لخلقه بمعرفته، فالله يعلم خلقه بآياته في الآفاق وفي الأنفس وبآياته المتعلقة بدلائل وجوده . إذاً: فوسائل المعرفة كلها تدل على توحيد الله تعالى الذي هو توحيد الربوبية وتوحيد الإثبات. قال رحمه الله تعالى: [والثاني -وهو توحيد الطلب والقصد- مثل ما تضمنته سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤]، وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها، وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام].

стр. 98

الفرق بين توحيد الإثبات والمعرفة وتوحيد القصد والطلب قد يرد تساؤل: ما الفرق الدقيق بين التوحيدين: توحيد الطلب والقصد، والمعرفة والإثبات؟ وأقول: إن الفارق من خلال تعبير الشارح هنا وتعبير أئمة الدين أهل العلم في مفهوم كل واحد منهما، فتوحيد المعرفة والإثبات توحيد يرد على الإنسان من خارج ذاته، يرد بدلائل العقل ودلائل الفطرة وشواهد الكون، وآيات الله المنزلة، وكلام الله الوحي المنزل، وغير ذلك من الأمور، بمعنى: أن توحيد المعرفة هو ما يرد على الإنسان مما يدله على معرفة الله، فهو توحيد قصري فطري، لا ينفك عنه أحد من المخلوقات العاقل منها وغير العاقل، لكن قد ينكره بعض العقلاء الذين تنتكس فطرهم وعقولهم جحوداً، وإلا فالأدلة واردة بشتى وسائل الإثبات. وأما توحيد الطلب والقصد فهو التوحيد الصادر من العقل، فالأول وارد إليه، وهو المعرفة التي ترد، ومصادر المعرفة التي ترد إلى ذهنه وإلى سمعه وإلى بصره وإلى فطرته وإلى عقله، فذاك يسمى توحيد المعرفة والإثبات. وأما توحيد الطلب والقصد فهو ما يصدر من الإنسان ابتداء من التأله لله ، والخوف والرجاء منه، والحب له سبحانه، وانجذاب القلب إليه انجذاب التأله، لذلك نجد أن أعظم أسماء الله تعالى وأجمعها كلمة الجلالة (الله)؛ لأنها تجذب القلب لله بكل معاني الجذب، وتجذب الإنسان المتأله لله تعالى بقلبه وأعماله وجوارحه بكل معاني الجذب. فلذلك نجد أن هذا اللفظ لا يشترك فيه الخالق والمخلوق، إنما هو لفظ خالص، فلا يسمى (الله) إلا الله ، أما بقية الأسماء فمنها ما يكون مشتركاً، فإذا أطلقت على المخلوق فهي له بحسب ضعفه، وإذا أطلقت على الخالق فهي له سبحانه بحسب كماله، كالعلم، فالإنسان عنده علم، لكنه علم محدود، علم ضعيف تعتريه كل جوانب الضعف، وإذا أطلق على الله فهو العلم الكامل، لكن كلمة الجلالة (الله) لا يمكن أن تنطبق على غير الله أبداً، فلذلك نجد أنها تجمع معاني انجذاب الإنسان إلى الله ، وهذا معنى توحيد القصد والطلب، بمعنى أن الإنسان ينجذب إلى الله تألهاً، ثم بعد ذلك بعمله وجوارحه، فالإنسان عندما يسعى في هذه الدنيا ويحتسب سعيه إلى الله فإنه يطلب المثوبة من الله تعالى. إذاً: فهو الطالب المؤله لله، وإذا قام بالفرائض وأمور الدين وقام بالجهاد وقام بما أمر الله به من الأعمال فإنما يقصد وجه الله سبحانه، إذاً: فتوحيد الإلهية توحيد القصد، أي: قصد العبد لله وانجذاب العبد إلى الله الانجذاب الحقيقي الذي يجعله يؤله الله في قلبه وفي عمله تأليه تسليم ورضا وتصديق واتباع.

стр. 99

تضمن سور القرآن لنوعي التوحيد قال رحمه الله تعالى: [وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] الذين فارقوا التوحيد].

стр. 100

شهادة الله تعالى لنفسه بوحدانيته وشهادة الملائكة والأنبياء له بذلك قال رحمه الله تعالى: [وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٨ - ١٩]، فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع طوائف الضلال، فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به، وعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار].

стр. 101

دلائل شهادة الله لنفسه بوحدانيته هنا يتكلم عن معنى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨]، فهنا يقرر معنى (شهد الله) وماذا تعنى شهادة الله لنفسه بأنه لا إله إلا هو، وأيضاً مصادر هذه الشهادة ووسائل هذه الشهادة، وكيف يتبين للخلق أن الله شهد لنفسه، وما الوسائل والأمور التي تبين فيها الأمر للخلق بأن الله لا إله إلا هو، فسيذكر هذه الأمور تفصيلاً، وقبل أن يذكرها أحب أن أشير إليها إجمالاً لتكون في الأذهان، فأقول: الدلائل المعبرة عن شهادة الله لنفسه بأنه لا إله إلا هو سبحانه تتلخص -حسب ما قرره الشارح- في ست دلائل، وهي الطرق التي تبينت بها الشهادة: الأولى: دلالة الفطرة: وهي دلالة ضرورية يعبر عنها الإنسان إذا تجرد من الهوى والتقليد الأعمى والتربية السيئة والانحراف والشهوات، يعبر عنها بلسانه وقلبه وبأفعاله وتصرفاته. والدلالة الثانية: دلالة العقل السليم، وهي معنى زائد على الفطرة، فالعقل السليم يرتكز على الفطرة لكنه يزيد عليها؛ لأن العقل نتيجة تفكير الإنسان بعوامل أخرى ومؤثرات داخلية وخارجية، أما الفطرة فهي أمر كامن في الإنسان ركبه الله فيه، وقد تنطق الفطرة أحياناً من غير شعور الإنسان، مع أن الأصل أن يشعر بما يقول ويتكلم، فالفطرة هي طاقة كامنة قد يعبر عنها الإنسان وقد لا يعبر، أما العقل السليم فهو إرادي من قبل الإنسان، وهو دليل من الدلائل على شهادة الله لنفسه. والدليل الثالث: آيات خلق الله تعالى في الأنفس والآفاق، آيات الخلق في الإنسان نفسه، فإذا تفكر الإنسان في نفسه وجد دليلاً على شهادة الله بأنه لا إله إلا هو من خلال خلق الإنسان. وكذلك إذا نظر في آيات الكون من حوله، وهي المعبر عنها بالآفاق؛ لأن الآيات ليست محصورة في الإنسان المحدود، بل هناك ما هو أبعد من محيط الإنسان في الكون الواسع. الرابع: آيات الله المنزلة، وهي كلامه، والإنسان إذا سلمت أدواته الأولى -العقل السليم والفطرة السليمة- عرف الدلائل من آيات الله تعالى واستوعبها، لكن إذا غطيت الفطرة بالمؤثرات الخارجية وانتكس العقل فقد لا يستفيد الإنسان من كلام الله، فإذا توافرت العوامل الأولى فإن الإنسان يجد من كلام الله تعالى -وهو القرآن المنزل والوحي- آيات صريحات دالات على أن الله شهد أنه لا إله إلا هو سبحانه. الخامس: شهادة المخلوقين الناطقين لله تعالى بالشهادة، وشهادة المخلوقين من أقوى الشهادات، ذلك أن الإنسان يسمع من غيره من المؤمنين ما يقتضي الشهادة لله أنه لا إله إلا هو، وهذا السماع هو بإذن الله وقدرته وبإرادته وحكمته وبتوفيق الله وهدايته، فإذا كان كذلك فالله هو الذي وفق الناطقين المؤمنين بالشهادة، فعلى ذلك يكون نطقهم حجة على الخلق؛ لأن الله شهد أنه لا إله إلا هو وأشهد أولياءه، وهذه أقوى حجة ظاهرة على الإنسان؛ لأن البشر لابد من أن يكون فيهم من يشهد أن لا إله إلا الله، فأي مؤمن لابد من أن يكون شاهداً تقوم به الحجة على الآخرين. الدلالة السادسة: شهادة الواقع، وهي شهادة تشمل جميع الشهود على أن الله لا إله إلا هو في كل شيء، في الإنسان وفي الآفاق وفي الوحي المنزل وفي الدلائل والأحداث وفي المصائب وفي كل أمر من الأمور التي تحدث للبشر وفي المخلوقات الأخرى وما يحدث لها وما يحدث منها، كل ذلك -وهو الواقع الذي يعيشه الإنسان- فيه شهادة أنه لا إله إلا الله سبحانه، وهي شهادة من الله؛ لأن الله هو الذي ألهم وأنطق، وهو الذي أقام الحجة.

стр. 102

انطباق معاني الشهادة ومراتبها على شهادة الله لنفسه بالوحدانية قال رحمه الله تعالى: [وعبارات السلف في (شهد) تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار، وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها؛ فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلمه بذلك وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره به ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به. فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به. فأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة، وإلا كان الشاهد شاهداً بما لا علم له به، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، وقال ﷺ : (على مثلها فاشهد، وأشار إلى الشمس). وأما مرتبة التكلم والخبر؛ فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩]، فجعل ذلك منهم شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة، ولم يؤدوها عند غيرهم. وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل، وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر، تارة يعلمه به بقوله، وتارة بفعله، ولهذا كان من جعل داره مسجداً وفتح بابها، وأفرزها بطريقها، وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها معلماً أنه وقف، وإن لم يتلفظ به، وكذلك من وجد متقرباً إلى غيره بأنواع المسار، يكون معلماً له ولغيره أنه يحبه، وإن لم يتلفظ بقوله، وكذلك بالعكس. وكذلك شهادة الرب وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله أخرى، فالقول: ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه، وأما بيانه وإعلامه بفعله؛ فكما قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة عند خلقه: أنه لا إله إلا هو. وقال آخر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة:١٧]، فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه. والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله. وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به، وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه؛ فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة:٣١]، وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص:٨٨]، والقرآن كله شاهد بذلك. ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه باطلة، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهاً، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهاً، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلاً يستفتي رجلاً أو يستشهده أو يستطبه وهو ليس أهلاً لذلك، ويدع من هو أهل له، فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب، المفتي فلان، والشاهد فلان، والطبيب فلان، فإن هذا أمر منه ونهي. وأيضاً: فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة؛ فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة؛ تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم. وأيضاً: فلفظ (الحكم) و (القضاء) يستعمل في الجملة الخبرية، ويقال للجملة الخبرية: قضية، وحكم، وقد حكم فيها بكذا، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٤]، فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكماً، وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، لكن هذا حكم لا إلزام معه، والحكم والقضاء بأ

стр. 103

الشهادة لله بالوحدانية بطريق السمع والبصر والعقل قال رحمه الله تعالى: [ولو كان المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها، ولم ينتفعوا بها، ولم تقم عليهم بها الحجة، بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها؛ لم ينتفع بها أحد، ولم تقم بها حجة، وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها؛ فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة: السمع والبصر والعقل: أما السمع: فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرَّفنا إياه من صفات كماله كلها]. الحديث الآن يتعلق ببيان الطرق التي أقام الله بها الحجة وبين بها أنه تعالى شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو سبحانه، فذكر من هذه الطرق السمع. قال رحمه الله تعالى: [أما السمع فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرَّفنا إياه من صفات كماله كلها الوحدانية وغيرها غاية البيان، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات تُوقِع في الحيرة تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسوله الكريم، كما قال تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:١ - ٢]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١]، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨]، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢]، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]. وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن، لم يحوجنا ربنا إلى رأي فلان، ولا إلى ذوق فلان ووجْدِهِ في أصول ديننا، ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين، بل قد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فلا يحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي ﵀ فيما يأتي من كلامه بقوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ]. انتهى من طريق السمع، والآن انتقل إلى الطريق الثانية، وهي البصر. قال رحمه الله تعالى: [وأما آياته العيانية الخلقية: فالنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية]. وبعد هذه يذكر الطريق الثالثة، وهي دلالة العقل. قال رحمه الله تعالى: [والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة، فهو سبحانه -لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامة الحجة- لم يبعث نبياً إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل:٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران:١٨٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران:١٨٤]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى:١٧]، حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود، حتى قال له قومه: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود:٥٣]، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها، وقد أشار إليها بقوله: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٤ - ٥٦]. فهذا من أعظم الآيات: أن رجلاً واحداً يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار، بل هو واثق بما قاله جازم به، فأشهد الله أولاً على براءته من دينهم وما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه، معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه، ثم أشهدهم إشهاد مجاهر له

стр. 104

دلالة اسمي الله (المؤمن) و (الشهيد) على وحدانية الله تعالى قال رحمه الله تعالى: [ومن أسمائه تعالى (المؤمن)، وهو في أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فإنه لابد أن يري العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]]. المقصود بالآيات الأفقية هي آيات الآفاق التي هي الآيات الكونية، آيات الله الظاهرة التي ترى وتسمع وتلمس الآيات أو البراهين والمخلوقات التي تدركها الحواس هي آيات الله الأفقية، أما الآيات النفسية فهي آيات الله في الإنسان نفسه، فينبغي أن يتأمل نفسه، سواء عقله وروحه وجسده، فالإنسان فيه من آيات الله الباهرات والدلائل القاطعة على عظمة الله وتدبيره وإلهيته وربوبيته ما يكفي الإنسان لو نظر في نفسه. قال رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] أي: القرآن، فإنه المتقدم في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت:٥٢]، ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]، فشهد سبحانه لرسوله بقوله: إن ما جاء به حق، ووعد أنه يري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضاً، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل، وهو شهادته سبحانه على كل شيء؛ فإن من أسمائه (الشهيد) الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه، بل هو مطلع على كل شيء، مشاهد له، عليم بتفاصيله، وهذا استدلال بأسمائه وصفاته]. أسماء الله تعالى كلها لها معاني الكمال، بمعنى أن أسماء الله تعالى لا يوقف عند ألفاظها، بل لألفاظها معان عظمى تستنبط منها، فمثلاً: من معاني (الشهيد): الشاهد الذي يشهد الأمور بعلمه ، وبسمعه وبصره، فالله عالم سميع بصير، وهذه شهادة للأشياء بالعلم والسمع والبصر، كما أن الله شهيد أيضاً بإشهاده الخلق على ما يشهد به من الحق، كما أنه -أيضاً- شهيد بإقامة ما تقوم به الحجة وبإقامة ما تقوم به الشهادة، وشهيد بمعنى أن الله يشهد بالحق للحق. قال رحمه الله تعالى: [وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، واستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته]. الاستشهاد بمثل (المؤمن) و (الشهيد) استدلال بأسماء الله وصفاته، والاستدلال بالسمع والبصر والعقل والمخلوقات المنظورة وغير المنظورة وبالنفس كالاستدلال بقول الله وكلماته، فالاستدلال بقول الله كالاستدلال بالقرآن والوحي، وكذلك منه الكلمات، والاستدلال بالآيات الأفقية التي هي آيات الكون المخلوقة، والنفسية التي هي آيات الله في نفس الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، وكذلك بأفعال الله تعالى، أي: بما يحدث في هذا الكون من أفعال الله تعالى التي تدل على عظمته سبحانه.

стр. 105

دلالة أسماء الله وصفاته على وحدانيته وصدق ما أخبر به الرسول عنه قال رحمه الله تعالى: [فإن قلت: كيف يستدل بأسمائه وصفاته؛ فإن الاستدلال بذلك لا يعهد في الاصطلاح؟! ف الجواب أن الله تعالى قد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته، وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه]. هذا الكلام لـ ابن القيم، فهذه عدة مقاطع من كلام ابن القيم في مدارج السالكين، فهو ينقل أحياناً بإيجاز وأحياناً ينقل بعض المقاطع بكاملها، فالكلام هنا أراد أن يبين فيه معنى أن الله هو المؤمن والشهيد، وأن هذا المعنى لا يمكن أن ينصرف إلا إلى إثبات وحدانية الله تعالى من خلال ما ذكر؛ لأنا إذا قلنا بأن من أسماء الله المؤمن ومن أسماء الله الشهيد -مثلاً- فالله ليس بحاجة إلى أن يؤمن بغيره؛ لأن كل المخلوقات بحاجة إلى أن تؤمن بما هو أعظم منها، أليس كذلك؟ كل المخلوقات تميل وتنزع بفطرتها السليمة أو بغريزتها التي خلقها الله عليها إلى أن تؤمن بما هو أعظم وأكمل، فإذا كان الله هو المؤمن فلا يمكن أن يؤمن بما هو أعظم منه وأكمل؛ لأنه لا أعظم ولا أكمل من الله، فلابد من أن يكون معنى (المؤمن): الذي يجعل التصديق والإيمان في مخلوقاته لنفسه سبحانه، وكذلك الشهيد، وهذا ما أراد ابن القيم أن يقرره في هذه المقاطع. قال رحمه الله تعالى: [ومن كماله المقدس شهادته على كل شيء، واطلاعه عليه بحيث لا يغيب عنه ذرة في السموات ولا في الأرض باطناً وظاهراً، وَمنْ هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا غيره، ويجعلوا معه إلهاً آخر؟! وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك ويؤيده ويعلي شأنه، ويجيب دعوته ويهلك عدوه، ويظهر على يديه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه مفتر؟! ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك، ومن جوز ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته، والقرآن مملوء من هذه الطريق، وهي طريق الخواص]. الخواص دائماً يطلقها ابن القيم ﵀ وبعض الأئمة المتأخرين ويقصدون بها خواص المؤمنين الذين كمل إيمانهم مع فقه في الدين وعلم، أو الذين عندهم رسوخ في العلم مع قوة في الإيمان وقوة في اليقين، فهؤلاء هم الذين يدركون من مسائل الدين وفقه الإسلام ما لا يدركه عامة الناس ولا كثير من طلاب العلم، فالخواص هم الذين تجتمع فيهم صفات الإيمان مع صفات الفقه في الدين، وليس المقصود به مفهوم الخواص عند الصوفية أو الخواص عند أصحاب الأهواء أو المصطلحات الأخرى التي تنزع إلى أن تعطي الخصوصية لطائفة لا يستحقون هذه الصفة من أهل البدع. إذاً: الخواص هم عباد الله المخلصون الذين اجتمع عندهم الفقه والعمل والإخلاص والتقوى والاستقامة. قال رحمه الله تعالى: [والقرآن مملوء من هذه الطريق، وهي طريق الخواص، يستدلون بالله على أفعاله، وما يليق به أن يفعله ولا يفعله. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٧]، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى. ويُستَدل أيضاً بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٣]، وأضعاف ذلك في القرآن، وهذه الطريق قليل سالكها]. يقصد بالطريق هنا: الاستدلال على الله تعالى بأسمائه وصفاته، فهذه طريق لا يدركها إلا الخاصة من أهل التقوى والاستقامة والفقه. قال رحمه الله تعالى: [وهذه الطريق قليل سالكها، لا يهتدي إليها إلا الخواص، وطريقة الجمهور الاستدلال بالآيات المشاهدة؛ لأنها أسهل تناولاً وأوسع، والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض. فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره؛ فإنه الدليل والمدلول عليه، والشاهد والمشهود له، قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١]].

стр. 106

شرح العقيدة الطحاوية [١٠] لقد صنف بعض الصوفية والفلاسفة التوحيد إلى ثلاثة أنواع: توحيد العامة الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، وتوحيد الخاصة الذي يثبت بالحقائق، وتوحيد خاصة الخاصة وهو توحيد الفناء أو الوحدة أو الحلول والاتحاد، وهذا النوع من التوحيد عندهم يؤدي إلى الإلحاد؛ لأنهم به يزعمون أن أئمة الكفر على مر العصور هم أشد الناس توحيداً، وهذا مزبور في سائر كتبهم ومصنفاتهم.

стр. 107

بيان ضلال الصوفية في تقسيمهم للتوحيد باعتبار الموحدين قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب -كما تقدمت إليه الإشارة- فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع، وجعل هذا النوع توحيد العامة، والنوع الثاني: توحيد الخاصة، وهو الذي يثبت بالحقائق، والنوع الثالث: توحيد قائم بالقدم، وهو توحيد خاصة الخاصة]. هذا كله من توهيمات الصوفية وألغازهم ودجلهم وتلبيسهم على الناس، فتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام على هذا النحو من تلبيس المتصوفة والفلاسفة الذين ورثوا الفلسفات الهندية واليونانية وغيرها وأرادوا أن يلبسوها لباس الإسلام، فلو نظرنا إلى أنواع هذا التوحيد عند الصوفية في كتبهم لوجدناها تؤدي إلى الإلحاد، فتوحيد العوام عندهم وتوحيد السذج الذي لا يأبهون به هو توحيد الأنبياء والصالحين وعباد الله الذين هم في قمة العبودية، فهؤلاء عند الصوفية عوام، وكل ما جاء عن الله تعالى عن طريق الأنبياء من الوحي والشرائع والكتب والأوامر والنواهي والتوحيد يعتبرونه من توحيد العوام، وهذا مسطور في كتبهم، بمعنى أنهم قلبوا المفاهيم تماماً، فجعلوا الإلحاد هو قمة التوحيد وجعلوا التوحيد، هو قمة الشرك. والتوحيد الثاني عندهم توحيد الخاصة، ويقصدون به توحيد المعرفة والإثبات الذي هو توحيد الربوبية، أي: إثبات توحيد الله تعالى بالحقائق الكونية أو بالحقائق النفسية أو بالأدلة العقلية. والتوحيد الثالث عندهم -أي: عند الصوفية- توحيد خاصة الخاصة، وهو توحيد الفناء أو الفيض أو الإشراق أو الوحدة أو الحلول أو الاتحاد، وكلها تؤدي إلى الإلحاد؛ لذلك يزعمون أن أئمة الكفر في قمة التوحيد، وهذا موجود في كتب الصوفية، ومن أراد أن نطلعه على ذلك أطلعناه، ولكن العافية له في ترك ذلك، فهم يقولون: إبليس في قمة التوحيد؛ لأنه أبى أن يسجد لغير الله، ويقولون: فرعون في قمة التوحيد، لكنه تهور وأظهر الحقيقة، فأخطأ بتهوره حينما قال: أنا ربكم. لكنه في قمة التوحيد، حتى إن ابن عربي بث هذا في كتبه، وله رسالة موجودة اسمها (إيمان فرعون)، يقول: فرعون في قمة الإيمان، لكنه تهور حينما أظهر هذه الحقيقة للعوام، يعني: موسى وأتباعه، نسأل الله العافية، ولذلك فعند الصوفية من وصل إلى توحيد خاصة الخاصة لابد من أن يهلوس، كـ الحلاج مثلاً، لما وصل إلى هذه المنزلة قال: أنا الله، ونوقش، وقام له طائفة من السلف يقنعونه ويقيمون عليه الحجة ويتثبتون من عقله هل هو عاقل أم لا، حتى ثبت أنه عاقل؛ لأنه مصر، فحكموا عليه، وأمهلوه مدة طويلة فأبى إلا أن يقول: أنا الله، إلى أن جاءوا إليه وهو أمام الخشبة ليقتل يقولون: تب إلى ربك، تب إلى الله، فيقول: ما في الجبة إلا الله، كأنه كان لابساً الجبة، وكان أتباعه حوله يظنون أن السيف لن يناله ولن يموت، فلما سال دمه في الأرض وتلطخت ثياب بعضهم به صعقوا، واستغربوا كيف انفكت رقبته عن جسمه؟! إذ ما كانوا يظنون أن هذا يحدث. إذاً: فالصوفية بلية من البلايا، وهي خط من خطوط الزندقة، بل أصبحت زبالة كل فكرة فاسدة وكل إلحاد؛ لأنها انصبت فيها جميع المذاهب الموروثة عن الأمم الضالة، فنجد مظاهر الديانة الهندوسية موجودة في بعض طرق الصوفية، ونجد مظاهر الديانة المجوسية موجودة في طرق أخرى، ونجد الديانة الباطنية الشيعية الرافضية الموروثة عن المجوس موجودة في بعض الطرق الصوفية، ونجد الفلسفات الإغريقية والفلسفات اليونانية موجودة في الصوفية. فما من فلسفة وكفر وإلحاد إلا ويوجد له في الصوفية طرق ومذاهب واتجاهات، والصوفية اتجاهات كثيرة.

стр. 108

الحداثة قسيم للصوفية المتزندقة لما نفقت سوق الصوفية في العصر الحديث ظهر اتجاه جديد قام بدور الصوفية، لكن على شكل آخر وبمؤثرات وأسباب أخرى وتحت شعارات أخرى، وهو اتجاه الحداثة، فالحداثة حينما نتأملها نجدها وجهاً آخر للصوفية وإن لم يكن هذا مقصوداً، لكن هذه أساليب الشيطان في العبث بالأمم. فالحداثة الآن مصب للزندقة، فلذلك لا نرى مذهباً شاذاً في الغرب الآن أو في الشرق -سواء أكان منهجاً فكرياً شاذاً أم أخلاقياً شاذاً أم عقدياً شاذاً أم إلحادياً- إلا وقد وجد له في مدارس الحداثة من يتبناه، فأصبحت الحداثة معلماً جديداً من معالم الصوفية، فلذلك نجد أن أغلب الحداثيين يشيدون برموز الصوفية ورموز الباطنية أعظم إشادة. إذاً: فالصوفية وإن قلنا: إنها بدأت تتبين للناس ويتبين أمرها إلا أننا بلينا بعدها ببلية أخرى، وهي الحداثة التي الآن دخلت فينا إلى العظم وتمكنت وتوغلت عندنا في وسائل الإعلام وفي الاتجاهات الأدبية والفكرية حتى صارت الآن شوكة نحتاج في نزعها إلى جهود عظيمة.

стр. 109

الأنبياء أكمل الناس توحيداً قال رحمه الله تعالى: [فإن أكمل الناس توحيداً الأنبياء صلوات الله عليهم، والمرسلون منهم أكمل في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيداً، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين]. لا شك في أن الرسل يتفاوتون، وإن كانوا في حقوقهم، لا فرق بينهم، فكلهم سواء في الحب والإيمان بأنهم رسل وأنبياء، والإيمان بعصمتهم وأنهم بلغوا رسالة الله إلى آخره، لكن من حيث درجتهم عند الله وفضلهم يتفاوتون. وكون بعضهم أكمل في التوحيد لا يعني أن بعضهم أكثر توحيداً، لكن في جانب العبودية لله ، ففي عبوديتهم لله تعالى قد يكون بعضهم أفضل من بعض. قال رحمه الله تعالى: [وأكملهم توحيداً الخليلان محمد وإبراهيم صلوات الله عليهما وسلامه؛ فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علماً ومعرفة، وحالاً ودعوة للخلق وجهاداً، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسول ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه، ولهذا أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يقتدي بهم فيه، كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك، وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله ﷺ أن يقتدي بهم، وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين)، فملة إبراهيم: التوحيد، ودين محمد ﷺ : ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا، وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفطرة الإسلام: هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلام له عبودية وذلاً وانقياداً وإنابة. فهذا توحيد خاصة الخاصة، الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣١]. وكل من له حس سليم وعقل يميز به لا يحتاج في الاستدلال إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به. ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطر يفضي إلى الاتحاد، انظر إلى ما أنشده شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد].

стр. 110

الكلام في أبيات الهروي في التوحيد هذه الأبيات -في الحقيقة- من الأمور المعضلة؛ لأن ظاهر الأبيات ينزع إلى مقولة الصوفية، فلذلك نحتاج إلى أن نتكلف لنحسن الظن بالقائل، وهو الهروي ﵀، وهذه قد تحدث من بعض الأئمة، فيحصل منهم بعض المخالفات في المسائل الاعتقادية، بمعنى أنه قد يشذ إمام له قدره في الدين في مسألة من المسائل عمَّا عليه جمهور السلف، فهذا لا يضيره في صلاحه واستقامته، لكن مع ذلك لا نقر الخطأ حتى ولو كان من عالم كبير إذا لم نجد لكلامه المتأول إلا أن نحسن الظن به هو، أما كلامه وقوله فنعرضه على موازين الشرع، فمن هنا نقول إن هذه الأبيات في ظاهرها هي تأييد لمقالات الصوفية الخطيرة، لكنا إذا نظرنا إلى القائل فإنا نجد أن له في ذلك متأولاً، ونستطيع أن نفسرها بتفسير نحمله محملاً حسناً وإن تكلفنا، وتفسير آخر يؤيد الصوفية، وهو التفسير الظاهر، فلذلك حاول ابن القيم ﵀ أن يعتذر في هذه الأبيات للهروي وأن يفسرها بالتفسير الحسن، وبعد ذلك سلم ابن القيم بأن فيها معاني إلحادية، فقال كلمته المشهورة في مدارج السالكين: لكن ذكر لفظاً مجملاً محتملاً جذبه إليه الاتحادي، وأشار في المدارج أيضاً إلى أن في هذه الأبيات معنى إلحادياً، لكن الهروي بريء منه.
следующие страницы →