Полный текст (1 296 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الدليل العقلي على ثبوت اتصاف الله تعالى بالأول والآخر
قال رحمه الله تعالى: [والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لابد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته قطعاً للتسلسل].
قوله: [واجب الوجود لذاته] مجاراة للمتكلمين في التعبير؛ لأنه يقصد الرد عليهم، وبعض الأئمة يتسامح في مجاراة المتكلمين في ألفاظهم إذا كان المقصود الرد عليهم، أو بيان باطلهم، أو إزالة الشبه التي يثيرونها، وإلا فكلمة (واجب الوجود) كلمة فلسفية، وهي تعني: الإقرار بوجود الله ضرورة، بمعنى: أن العقل السليم والفطرة لابد من أن ينتهيا إلى ضرورة الإقرار بالموجود الأول الذي أوجد غيره، فمعنى الوجوب هنا: الضرورة العقلية التي تستلزم وتلزم بأنه لابد من وجود خالق لا يسبق بوجود آخر قطعاً للتسلسل.
ومعنى التسلسل هنا تسلسل الموجب؛ لأنَّا لو افترضنا أن إنساناً توهم باطلاً فقال: لابد للخالق الأول من خالق، ثم تقرر في وهمه ذلك؛ فإنه ينشأ وهم آخر بناءً على هذه الشبهة، وهو لابد للخالق أيضاً من خالق، ثم لابد للخالق من خالق، وهكذا، وهذا ممنوع عقلاً، أي أن العقل يقضي بضرورة نفيه ومنعه، إذاً: فلابد من الإقرار بأن الله الخالق الأول الذي ليس قبله شيء، وهذا الإقرار عقلي يقتضيه العقل، أي أن الله تعالى أول لا بداية له ولا نهاية له، ولا يمكن توهم أو تصور أن للخالق خالقاً، وإن توهم فمن باب ما يدخله الشيطان من شبهات على الناس، وقد أشار النبي ﷺ في حديث سيأتي إلى: أن الإنسان قد يأتيه الشيطان ويقول له: من خلق الله، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن هذا أمر تنفيه الفطرة السليمة وينفيه العقل، فإنه لا يمكن أن يرد هذا السؤال؛ لأنه لو ورد لورد مثله في الخالق الأول، ثم هكذا إلى ما لا نهاية، وهذا يمتنع؛ لأنه لا يقطع التصور بهذا.
قال رحمه الله تعالى: [فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة؛ فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها؛ فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجودها، ووجودها ينفي امتناعها، وما كان قابلاً للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]].
هذا السؤال الذي ورد في القرآن الكريم هو سؤال الفطرة والعقل السليم، وجوابه بدهي لا يحتاج إلى تكلف، والقرآن نزل لجميع الناس بجميع أفهامهم ودرجات فهمهم، وهو -أي: كتاب الله- منزه عن التعقيد وعن التطويل وعن الغموض، ففيه كامل الوضوح، فمثل هذا السؤال يغني عن جميع فلسفات المتفلسفة وكلام المتكلمين وتكلف المتكلفين في إثبات وجود الله؛ لأنه يخاطب الفطرة والعقل السليم، فكل إنسان يورد هذه السؤال بجد ويتمعن فيه يجد أن الجواب واضح، حيث يقول تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] ولابد من أن يكون خلقوا من شيء، ولابد أن يكون هذا الشيء له موجد وهو الله ، فالمخلوق لابد له من خالق.
وفي الشق الثاني يقول تعالى: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، وكل عقل وفطرة سليمين يدركان أنهم ليسوا هم الخالقين، ولا يمكن أن يتأتى ولا أن يتصور أن يكون المخلوق هو الذي خلق نفسه؛ يدرك ذلك المخلوق العاقل، فكيف بغير العاقل؟! فالمخلوق العاقل يجد ضرورة في نفسه أنه بحاجة إلى غيره، وأن وجوده متوقف على موجد له، وهذا الإنسان قبل أن يعقل نشأ وترعرع بخلق الله ورعايته وقدرته، ثم لما عقل عرف أنه قبل أن يعقل لم يوجد نفسه؛ لأنه لا قدرة له في أمور أقل من الوجود، لا قدرة له في أن يبقى على الحياة، ولا في أن يدفع عن نفسه المرض ولا الفناء، ولا قدرة له في أن يتحكم في أي أمر من الأمور اللاإرادية التي أوجدها الله فيه.
إذاً: فمن باب أولى ألا يتصور أنه خلق نفسه.
فمثل هذه الأسئلة أسئلة مباشرة تمس الفطرة والعقل السليم مباشرة، ولا تحتاج إلى تكلف، لا في الفهم ولا في الجواب.
وجوابها بدهي لا يحتاج إلى كثير تفكير، بخلاف ما يسميه المتكلمون أدلة، أو يسمونه براهين ودلائل على وجود الله، ففيه التكلف كل التكلف، لأنها أدلة تنشأ من شبهات ثم ترد على الشبهات، وفي الغالب أن أي شبهة تنشأ في أمر غيبي لا يمكن أن يكون الجواب عليها إلا بالوحي أو بعقل يسترشد بالوحي، أما بمجرد قوة العقل فيستحيل لعاقل أن يدرك أسرار الغيب.
قال رحمه الله تعالى: [يقول سبحانه: أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم؟ ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجوداً بنفسه، بل إن حصل ما يوجده وإلا كان معدوماً، وكل ما أمكن وجوده بدلاً عن عدمه وعدمه بدلاً عن وجوده؛ فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له].
стр. 142
بيان حصول الغنية بطريقة القرآن عن طريقة المتكلمين في إثبات انتهاء المخلوقات إلى موجدها ﷻ
قال رحمه الله تعالى: [وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية؛ وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح عبارة وأوجزها، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم مثله، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣].
ولا نقول: لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة الطويلة؛ فإن الخفاء والظهور من الأمور النسبية، فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره، ويظهر للإنسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال أخرى].
الملحد الذي ينكر وجود الخالق أو ينكر أمراً من الأمور القطعية التي جاء بها الوحي قد يحتاج إلى المقدمات المنطقية والعقلية من أجل أن يقر إذا أراد الله له الهداية، أما المسلم فلا يتأتى منه أن يحتاج إلى المقدمات؛ لأنه مسلم ابتداء، والإسلام معناه الخضوع والتسليم لله بالتصديق أولاً، ثم بالالتزام والامتثال ثانياً، فإذا كان كذلك فلا يتأتى لمسلم أن يظن أنه يحتاج إلى مقدمات طويلة منطقية تقوي ثقته بوجود الله، أما في الأمور الأخرى فقد يحتاج المسلم إلى أن يعرف بعض العلل وبعض الحكم ليزيد إيماناً.
أما فيما يتعلق بوجود الله فالمسلم مُسلِّم بفطرته وعقله بوجود الله، ولا يحتاج إلى الأدلة المنطقية المعقدة، وإن لجأ إليها فلا بد من أن يكون في قلبه من الشك بقدر ما لديه مما يسميه أدلة، كل مسلم يلجأ إلى الأدلة العقلية والمنطقية المعقدة في إثبات وجود الله فإنه لا بد من أن يكون في قلبه من الشك بقدر ما لجأ إليه من الأدلة والبراهين، وكلما سَلَّم بفطرته وعقله سلم إيمانه ووقر في قلبه الإيمان.
أما غير المسلم أو الشاك أو المضطرب فقد يحتاج إلى الأدلة المعقدة بقدر مستوى تفكيره، وقد يهتدي وقد لا يهتدي، فإنما الهداية بيد الله؛ فإن البراهين لا تغني عمن ختم الله على قلبه.
قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فالمقدمات وإن كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها، وقد تفرح النفس بما علمته بالبحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة، ولا شك أن العلم بإثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية].
استعمال كلمة (الصانع) -كما أسلفنا في درس سابق- إنما هو مجاراة المتكلمين من باب الرد عليهم أو إلزامهم بألفاظهم وقواعدهم، وإلا فالأولى أن يقال: الخالق؛ لأن كلمة (الخالق) أصدق وأقرب، فهي من ألفاظ الشرف وهي أقرب إلى الفطرة والعقل السليم، فالخالق هو المبدع الموجد، وأما الصانع فلفظ مشترك بين الخالق والمخلوق، وإن كانت في حق الخالق إذا أطلقت عليه تليق بجلاله سبحانه، لكنها من الألفاظ التي لم ترد في الشرع، بمعنى أن من أسماء الله الصانع، وإن وردت بمعنى فعل الله ، لكنها ليست من أسماء الله، فالأولى أن يقال: الخالق؛ لأنها من الألفاظ الخاصة بالله .
стр. 143
خطأ المتكلمين في إدخال: (القديم) في أسماء الله ﷻ
قال رحمه الله تعالى: [وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى: القديم، وليس هو من أسماء الله تعالى الحسنى؛ فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعمل هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الحديث قيل للأول: قديم، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١] أي: متقدم في الزمان، وقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٥٧ - ٥٦] فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى، وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] أي: يتقدمهم، ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعديا، كما يقال: أخذني ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه.
ومنه سميت القدم قدماً؛ لأنها تقدم بقية بدن الإنسان.
وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم، ولا ريب أنه إذا كان مستعملاً في نفس التقدم؛ فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى.
وجاء الشرع باسمه الأول، وهو أحسن من القديم؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم.
والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة.
قوله: (لا يفنى ولا يبيد): إقرار بدوام بقائه ، قال عز من قائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضاً مقرر ومؤكد لقوله: (دائم بلا انتهاء)].
سنترك الكلام عما ذكره المؤلف في القدر؛ لأن البحث فيه صعب ومتكرر، وسننتقل إلى قوله: (لا تبلغه الأوهام).
стр. 144
تنزه الله ﷻ عن أن تبلغه أوهام المتوهمين وأفهامهم
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام): قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، قال الجوهري في الصحاح: توهمت الشيء: ظننته، وفهمت الشيء: علمته.
فمراد الشيخ ﵀: أنه لا ينتهي إليه وهم، ولا يحيط به علم.
قيل: الوهم ما يرجى كونه، أي: يظن أنه على صفة كذا، والفهم: هو ما يحصله العقل ويحيط به.
والله تعالى لا يعلم كيف هو سبحانه إلا هو ، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وهو أنه أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٣ - ٢٤]].
هذه الإشارة التي أشار إليها الإمام الطحاوي ﵀ ثم شرحها الشارح، وهي قوله: (لا تبلغه الأوهام) فيها تصريح بأن كل ما خاض فيه الناس من أسماء الله وصفاته بغير ما ورد في الكتاب والسنة والآثار الصحيحة إنما هو أوهام، وهذا هو الحق.
فكل خوض في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي سائر أمور الغيب بما لم يرد في الكتاب والسنة، ولا فيما فهمه أئمة السلف من المفاهيم القطعية لهذه النصوص؛ إنما هو أوهام، والأوهام لا تعتقد، بل هي رجم بالغيب، وهي إساءة أدب في حق الله ، بل هي اتباع للمتشابه وإلحاد في كلام الله وأسمائه وصفاته.
فما تكلم به المتكلمة من الجهمية والمعتزلة، ثم من متكلمي الأشاعرة والماتريدية والكلابية، ومن نحا نحوهم من الذين تكلموا في ذات الله وأسمائه وصفاته بغير ما قاله السلف بناءً على النصوص الشرعية، كل ذلك إنما هو خوض بالأوهام، حيث توهموا أموراً في أذهانهم فجعلوها عقيدة، ولذلك نجد أنهم يسمون أوهامهم علم التوحيد، وهذا هو السائد عند أغلب هؤلاء، تجدهم إذا عرفوا علم التوحيد قالوا: هو الكلام.
ويقصدون بالكلام أوهامهم التي توهموها وقالوها بغير حق في الله .
إذاً: الإشارة إلى الأوهام هنا فيها تأكيد على أن ما قاله الناس في الله تعالى وأسمائه وصفاته من غير ما ورد في النصوص إنما هو توهمات، والتعويل عليه إنما هو تعويل على الوهم الذي لا أصل له، بل هو الباطل.
стр. 145
تنزه الله ﷻ عن مشابهة خلقه
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا يشبه الأنام) هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ، قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع، فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر: لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه.
ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا.
انتهى.
وقال نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه.
وقال إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم.
وقال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة.
وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة؛ فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبهاً، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة القرامطة والفلاسفة، وقال: إن الله لا يقال له: عالم ولا قادر؛ يزعم أن من سماه بذلك فهو مشبه؛ لأن الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه، ومن أثبت الاسم وقال: هو مجاز -كغالية الجهمية- يزعم أن من قال: إن الله عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ فهو مشبه، ومن أنكر الصفات وقال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا محبة ولا إرادة؛ قال لمن أثبت الصفات: إنه مشبه، وإنه مجسم.
ولهذا كتب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبتي الصفات مشبهة ومجسمة].
الرافضة -كما هو معلوم- هم أول من قال بالتشبيه والتجسيم كما قالت اليهود، فأول من أعلن التشبيه والتجسيد الكفري الذي استعاذ منه السلف وكفروا أصحابه هم طوائف من الرافضة، كـ هشام بن سالم الجواليقي وهشام بن الحكم وداود الجواربي ومن نحا نحوهم، هؤلاء كلهم رافضة، بل كان التشبيه في آخر القرن الثاني الهجري وما بعده لا يعرف إلا في الرافضة، ثم بعد ذلك - أي: في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع - تحولت الرافضة إلى جهمية معطلة وانقسمت فيما بينها، فلما تحولت إلى جهمية معطلة سمت أهل السنة بالحشوية والمشبهة؛ لأنهم أخذوا بمذهب المعتزلة والجهمية، أي: صاروا معتزلة في أصول الاعتقاد.
стр. 146
رمي الجهمية لأهل السنة بالتجسيم
قال رحمه الله تعالى: [ويقولون في كتبهم: إن من جملة المجسمة قوماً يقال لهم: المالكية، ينسبون إلى رجل يقال له: مالك بن أنس، وقوماً يقال لهم الشافعية، ينسبون إلى رجل يقال له: محمد بن إدريس.
حتى الذين يفسرون القرآن منهم -كـ عبد الجبار والزمخشري وغيرهما- يسمون كل من أثبت شيئاً من الصفات وقال بالرؤية مشبهاً، وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف].
يشير بهذا إلى أن المؤولة -كمؤولة الأشاعرة ومؤولة الماتريدية والكلابية- يسمون أهل السنة والجماعة بالمشبهة والمجسمة، وقد نبتت نابتة من غلاة الأشاعرة المتأخرين ما فتئت تطلق على أهل السنة لفظ (الحشوية) بأسلوب فيه سخرية ولمز، حتى لأئمة السنة الكبار أهل الحديث المشهورين، بل منهم من تجرأ على متأخري الصحابة وقال: بأن هؤلاء رووا للناس أحاديث الحشوية، ويقصد أحاديث الصفات.
إذاً: ليس الجهمية والمعتزلة الذين يلمزون أهل السنة بذلك فقط، بل المتكلمون من الأشاعرة يقولون لأهل السنة إلى اليوم بأنهم حشوية، ويقولون بأنهم مشبهة ومجسمة، وهذا أيضاً كثر أخيراً عندما بدأت تظهر مؤلفاتهم وبدءوا يقررون مذهبهم مقابل مذهب أهل السنة والجماعة في الآونة الأخيرة.
والخلاصة أن مسألة التشبيه من الألفاظ التي أصبحت تلعب بها الفرق، فالغلاة جداً في التعطيل -كغلاة الجهمية وكالقرامطة والباطنية- يسمون كل من أثبت شيئاً من الأسماء والصفات مشبهاً، حتى إن غلاة الجهمية يسمون المعتزلة مشبهة؛ لأنهم أثبتوا الأسماء.
ثم بعد ذلك تأتي في الدرجة الثانية المعتزلة نفسها، فالمعتزلة تثبت الأسماء وتنكر الصفات، وتخالف المعطلة، بمعنى: أنها تثبت شيئاً، فالمعتزلة يقولون لأهل السنة والجماعة وللماتريدية وللأشاعرة وللكلابية بأنهم مشبهة ومجسمة وحشوية.
وفي الدرجة الثالثة من دون المعتزلة، وهم الذين تأثروا بالمقولات الجهمية في مسألة التأويل، أخذوا جانب التأويل من الجهمية والمعتزلة، وهم المتكلمون من الأشاعرة والماتريدية والكلابية ومن نحا نحوهم، فهؤلاء -نظراً لأنهم يؤولون بعض الصفات- يقولون لأهل السنة -لأنهم يثبتونها كما أثبتها الله لنفسه وكما أثبتها الرسول ﷺ له- بأنهم مشبهة وحشوية ومجسمة.
стр. 147
مراد علماء السنة بنفي التشبيه
قال رحمه الله تعالى: [ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين: أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات، بل مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله، كما تقدم من كلام أبي حنيفة أنه تعالى يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فنفى المثل وأثبت الوصف.
وسيأتي في كلام الشيخ إثبات الصفات؛ تنبيهاً على أنه ليس نفي التشبيه مستلزماً لنفي الصفات].
يعني بذلك أنا إذا قولنا بقول الله تعالى عن نفسه: أنه ليس كمثله شيء؛ فهذا لا يعني أننا ننفي صفاته، بل نثبتها كما أثبتها الله لنفسه، وإذا أثبتنا صفات الله فلا يعني أنا نقول: إنها تشبه صفات المخلوقات، بل القاعدة هي التي دلت عليها الآية الكريمة: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ))؛ فيقاس على هذا بقية الصفات التي وردت في الكتاب والسنة.
стр. 148
الاستدلال بقياس الأولى في إثبات كل كمال لله ونفي كل نقص عنه سبحانه
قال رحمه الله تعالى: [ومما يوضح هذا: أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده].
قياس التمثيل هو إلحاق الشيء بنظائره التي هي مثله تماماً، وقياس الشمول هو إدخال الشيء الواحد في حكم عام تدخل فيه أشياء أخرى مشتركة، كالحيوانية بين البهائم والإنسان.
قال رحمه الله تعالى: [فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي أفرادها، ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب؛ لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافؤها، ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلاً أو شمولاً، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للمكن أو للمحدث، ولا نقص فيه بوجه من الوجوه -وهو ما كان كمالاً للوجود غير مستلزم للعدم بوجه- فالواجب القديم أولى به].
الأولى أن يقال: فالله أولى به.
يعني: أنَّ كل كمال تقرر الفطر السليمة والعقول السليمة أنه كمال؛ فالله أولى به، لكن هذا يندرج تحت ألفاظ كتاب الله وألفاظ الرسول ﷺ ، وهذا مما ينبغي أن يعلم؛ لئلا يأتينا جاهل ويقول: أنا أثبت كمالات لله تعالى لم ترد في الكتاب والسنة، فنقول له: لا.
فكل كمال تعترف العقول السليمة والفطر المستقيمة بأنه كمال مما اشتملت عليه ألفاظ القرآن وألفاظ الرسول ﷺ المتعلقة بالله تعالى؛ فالله أولى به.
قال رحمه الله تعالى: [وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المربوب المدبر؛ فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره، فهو أحق به منه، وأن كل نقص وعيب في نفسه -وهو ما تضمن سلب هذا الكمال- إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات؛ فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى].
стр. 149
تناقض غلاة نفاة الصفات في نفيهم ما ثبت من صفات الله ودعوتهم للتشبه بالإله على قدر الوسع
قال رحمه الله تعالى: [ومن أعجب العجب: أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة على نفي الصفات أو الأسماء، ويقولون: واجب الوجود لا يكون كذا ولا يكون كذا، ثم يقولون: أصل الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة، ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني، ويوافقهم على ذلك بعض من يطلق هذه العبارة.
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (تخلقوا بأخلاق الله) فإذا كانوا ينفون الصفات، فبأي شيءٍ يتخلق العبد على زعمهم؟!].
يظهر لي -والله أعلم- أن أصل العبارة: (ويروي)، يقصد أن هذه الطائفة تروي عن النبي ﷺ أنه قال: (تخلقوا بأخلاق الله)؛ لأن هؤلاء زعموا أن الإنسان قد يرتقي بالارتقاء الكمالي، ويسمون ذلك: الإنسان الكامل تبعاً للفلاسفة اليونانيين وغيرهم الذين زعموا أن الإنسان قد يرتقي إلى درجة توصله إلى الوحدة والحلول والاتحاد بالله تعالى، وهذا ما أشار إليه المؤلف، فهؤلاء جاءوا متأخرين في آخر القرن الثالث الهجري، وكانوا أيضاً لا يعرفون الحديث ولا الآثار، بل هم من أجهل الناس مع شهرتهم عند الناس، من أجهل الناس بالآثار، فكانوا يتلقفون الأحاديث الموضوعة، بل أحياناً يضعون أحاديث من عند أنفسهم كما فعل ابن عربي، فـ ابن عربي يسرد بلا سند -بزعمه- عن رسول الله ﷺ ، والحال أنه عن الشيطان، ثم يقول ما شاء، وأحياناً يصل الحديث إلى ثلاثين صفحة أو أربعين، أحاديث لم نعرف مثلها في السنة، بل هناك كتب كاملة، مثل كتاب الوصايا الذي قال عنه ابن عربي الهالك -نسأل الله العافية- بأن النبي ﷺ جاءه في المنام وقال له: أخرج هذا للناس.
وقد جعل فيه نوعاً من التلبيس، حيث يبدأ الكتاب بتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، حتى إنَّ من يقرأه من الناشئة أو الجهلة أو المثقفين والمفكرين الذين لا يفقهون العقيدة يقول: هذا بقية الصالحين.
حيث يقرر مذهب السلف أكثر مما قرره كثير منهم، ثم يتدرج بالقارئ إلى الكفر الصريح، ويزعم أن النبي ﷺ أوصاه بأن يخرج هذا الكتاب للناس.
فهذه الفئة هي التي قالت بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وهي التي نزعت إلى هذه النزعة التي تزعم بأن الإنسان بإمكانه أن يرتقي إلى صفات الإلهية ويتخلق بأخلاق الله تعالى، لا بمعنى الفضائل، لكن بمعنى الوصول إلى القداسة.
وهذا كلام الباطنية والفلاسفة المتأخرين الذين يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، وقد نكب بهم الإسلام، وكذلك غلاة الصوفية المتأخرين، فهذا الكلام كثر بعد القرن الثالث في الصوفية وفي الفلاسفة وفي الباطنية على مختلف أشكالهم، كباطنية القرامطة والدروز والإسماعيلية وباطنية إخوان الصفا وغيرهم من فرق الباطنية التي تعددت وكثرت، فكلها فيها نزعات دعوى الارتقاء إلى درجة الكمال الإلهي، أو ارتقاء الإنسان إلى درجة التخلق بصفات الله تعالى، ليس بمعنى أن يأخذ بالصفات الفاضلة، لكن أن يكون على درجة القداسة.
وأول من صرح بمثل هذه المقولات الحلاج حتى زعم أنه هو الله! وأصر على هذا واستحوذ عليه الشيطان، وختم على قلبه حتى أصر على هذه المقولة وهو أمام السيف، وفي آخر لحظة كان يقال له: تب إلى الله، ويلقنه العلماء والقضاة التوبة، ويقول -نسأل الله العافية-: ما في الجبة إلا الله، وكان لابساً جبة.
حتى قتل بهذا وتفرق دمه على المقربين إليه؛ لأنهم جاءوا على سبيل التحدي يظنون أنه لن يأتيه الموت، فأتباعه كانوا يزعمون أنه لن يموت، فلما انقطعت رقبته وتلطخوا بدمه أصيبوا بصدمة، وبعضهم رجع، وبعضهم ارتد، وحصلت لهم أمور عجيبة.
стр. 150
بيان أن الله تعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبهه شيء من مخلوقاته
قال رحمه الله تعالى: [وكما أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته تعالى لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله].
النصارى تبعتهم الباطنية والرافضة ونحوهم، واليهود أيضاً تبعتهم المشبهة، فاليهود شبهوا الله بخلقه وزعموا أن الله كالخلق، والنصارى أشركوا من جانب آخر، وهو أنهم شبهوا المخلوق بالله، فنفوا عن الله الأسماء والصفات، لكنهم شبهوا المخلوق بالله، فلذلك عبدوا عيسى على أنه روح الله، وزعموا أنه ابن الله! تعالى الله عما يزعمون.
إذاً: فاليهود تشبه الله بالمخلوقين، والنصارى تشبه المخلوقين بالله، والطوائف التي وقعت في الكفر والضلال إما تبع لليهود وإما تبع للنصارى، وبعضها يجمع بين الأمرين، كغلاة المتصوفة وغلاة الباطنية وغلاة الفلاسفة، يجمعون بين التشبيه من جانب وبين التعطيل من جانب آخر، فيعطلون الله من أسمائه وصفاته التي ثبتت في القرآن والسنة، لكنهم يشبهون الله بخلقه بصفات ابتدعوها من عند أنفسهم.
قال رحمه الله تعالى: [ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته، فلذلك اكتفى الشيخ ﵀ بقوله: (ولا يشبه الأنام).
والأنام: الناس، وقيل: الخلق كلهم، وقيل: كل ذي روح، وقيل: الثقلان.
وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن:١٠] يشهد للأول أكثر من الباقي، والله أعلم].
стр. 151
كمال حياة الله ﷻ وكمال قيوميته
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (حي لا يموت، قيوم لا ينام): قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فنفي السنة والنوم دليل على كمال حياته وقيوميته.
وقال تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١]، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٦٥].
وقال ﷺ : (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام) الحديث.
لما نفى الشيخ ﵀ التشبيه أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين خلقه بما يتصف به تعالى دون خلقه، فمن ذلك: أنه حي لا يموت؛ لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تعالى دون خلقه؛ فإنهم يموتون.
ومنه: أنه قيوم لا ينام؛ إذ هو مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه، فإنهم ينامون، وفي ذلك إشارة إلى أن نفي التشبيه ليس المراد به نفي الصفات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال لكمال ذاته، فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة، ولهذا كانت الحياة الدنيا متاعاً ولهواً ولعباً، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤].
فالحياة الدنيا كالمنام، والحياة الآخرة كاليقظة، ولا يقال: فهذه الحياة الآخرة كاملة، وهي للمخلوق؛ لأنا نقول: الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها هو الذي وهب المخلوق تلك الحياة الدائمة، فهي دائمة بإدامة الله لها، لا أن الدوام وصف لازم لها لذاتها، بخلاف حياة الرب تعالى، وكذلك سائر صفاته، فصفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به.
واعلم أن هذين الاسمين -أعني: الحي القيوم- مذكوران في القرآن معاً في ثلاث سور كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: إنهما الاسم الأعظم؛ فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضاً على كونه موجوداً بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود، والقيوم أبلغ من القَيَّام؛ لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة.
وهل يفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان، أصحهما: أنه يفيد ذلك.
وهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه؛ لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول ولا يأفل، فإن الآفل قد زال قطعاً، أي: لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل -ولا يزال- موصوفاً بصفات الكمال.
واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على بقائها ودوامها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلاً وأبداً؛ ولهذا كان قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ .
فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما يرجع معانيها؛ فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة.
وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته؛ فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام].
الحي القيوم من أعظم أسماء الله سبحانه، وقيل: إنهما اسم الله الأعظم، كما يشملان كل كمال يعلمه البشر أو لا يعلمونه، وهذا يستلزم بالضرورة أن أي كمال يتخيله المتخيلون أو ينطق به الناطقون أو يتصوره المتصورون لا يمكن أن يزيد عما في هذين الاسمين.
وهذا فيه إشارة إلى أن الذين خاضوا بمجرد عقولهم وأفكارهم ليزعموا أنهم أتوا بأسماء وصفات من الكمال لله تعالى بأعظم مما جاء في القرآن أو مثله؛ إنما رجموا بالغيب، وأعظم منهم إثماً من زعم أنه يمكن أن يأتي في نفي النقائص بأكثر مما نفى الله عن نفسه من النقائص؛ لأن (الحي القيوم) جاء بعدهما قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فجاء النفي بعد الإثبات، والإثبات مفصل والنفي مجمل في عموم كتاب الله تعالى.
ومن أسماء الله الجامعة التي يدخل فيها كل كمال يتوهمه المتوهمون ويتكلم به المتكلمون، أو ما استأثر الله بعلمه في علم الغيب عنده؛ اسم الجلالة (الله)، فهو متضمن كل كمال على الإطلاق، وكذلك (العلي العظيم) يتضمنان كل كمال.
وأسماء الله تعالى كلها كمال، لكن بعضها يستلزم جميع الكمال المتصور وغير المتصور، وبعضها قد يفهم له معنىً
стр. 152
تفرد الله بالخلق والرزق وبيان كمال غناه ﷻ
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤونة): قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤].
وقال ﷺ من حديث أبي ذر ﵁: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر) الحديث.
رواه مسلم.
стр. 153
شرح العقيدة الطحاوية [١٤]
إن تصور وجود الله تعالى وجوداً ذهنياً عقلياً هو تصور نشأ عند الصابئة والمجوس واليهود والنصارى، ومن المتكلمين من قال بهذا التصور عن قصد؛ وذلك ليكيدوا للإسلام ويطعنوا في ثوابته، ومنهم من قال به عن غير قصد بسبب تأثرهم بمنهج تلك الأمم نتيجة لمجادلتهم للمعاصرين لهم منهم وردهم عليهم بكلامهم وأصولهم.
стр. 154
تفرد الله تعالى بالإماتة والبعث وكمال قدرته على ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة): الموت صفة وجودية، خلافاً للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] والعدم لا يوصف بكونه مخلوقاً.
وفي الحديث: (إنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار)، وهو وإن كان عرضاًَ فالله تعالى يقلبه عيناً، كما ورد في العمل الصالح (أنه يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن، والعمل القبيح على أقبح صورة)، وورد في القرآن (أنه يأتي على صورة الشاب الشاحب اللون)، الحديث.
أي: قراءة القرآن.
وورد في الأعمال: أنها توضع في الميزان، والأعيان هي التي تقبل الوزن دون الأعراض.
وورد في سورة البقرة وآل عمران أنهما يوم القيامة يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، وفي الصحيح أن أعمال العباد تصعد إلى السماء، وسيأتي الكلام على البعث والنشور إن شاء الله تعالى].
стр. 155
أزلية صفات الله تعالى الذاتية والفعلية
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه؛ لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً).
أي: أن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال: صفات الذات وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفاً بضده.
ولا يرد على هذا صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها، كالخلق والتصوير، والإحياء والإماتة، والقبض والبسط والطي، والاستواء والإتيان والمجيء والنزول، والغضب والرضا، ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه معلوم لنا كما قال الإمام مالك ﵁ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]: كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت، كما في حديث الشفاعة: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثل)؛ لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلماً بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام، ولو كان غير متكلم لآفة -كالصغر والخرس- ثم تكلم يقال: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفة يسمى متكلماً بالقوة، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلماً بالفعل، وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل، ولا يخرج عن كونه كاتباً في حال عدم مباشرته للكتابة].
стр. 156
تصور وجود الإله الذهني عند الفلاسفة وأثره على عقيدة أهل الكلام
في هذا المقطع نجد أن الشارح ركز على الرد على تصور خاطئ عند أكثر أهل الكلام، بل عند جميعهم، وهذا التصور هو الذي انبنى عليه التعطيل وانبنى عليه التأويل، وانبنى عليه الكلام في ذات الله وأسمائه وصفاته بغير علم، بل بمجرد الأقيسة العقلية وبمجرد الأوهام، وبقياس الخالق على المخلوق، أو بمجرد التحكم وافتراض ما لا يجوز في حق الله .
أقول: منشأ هذا التصور هو أن المتكلمين قالوا في الله بقول الفلاسفة عن قصد وعن غير قصد.
أما ما كان عن قصد فكثير ممن دخلوا في الإسلام وكادوا له أدخلوا هذه الأفكار عن قصد، وأما ما كان عن غير قصد فإن الذي جرَّ أكثر المتكلمين إلى هذه التصورات الباطلة عن الله تعالى مجادلتهم لأهل الأهواء والأمم المعاصرة لهم في ذلك الوقت، كالسمنية والمجوس والصابئة واليهود والنصارى، وتلك الأمم كلها تنظر في تصورها إلى الله على أن وجوده وجود ذهني أو عقلي، أي: ليس لله ذات تقبل الاتصاف بالصفات.
فهذه فكرة الفلاسفة اليونانيين ومن جاء بعدهم، وانبنت عليها كثير من التحريفات في الأديان، وانبنت عليها كثير من الفلسفات، وانبنى عليها الحوار الأساسي الذي قام بين جهم ومن جاء بعده وبين الفرق والأمم الضالة التي نشأت بين المسلمين أو كانت مجاورة للمسلمين، كالديانات الهندية.
فالذين جادلوا أولئك لم تكن إحاطتهم بالعقيدة والسنة كافية، وجرأتهم على الجدل في ذات الله وأسمائه وصفاته جعلتهم يسلمون لبعض أوهام تلك الأمم، فمن هنا تصوروا أن وجود الله -تعالى الله عما يزعمون وما يتوهمون ويظنون- وجود ذهني، ووجود كلي عام، وقد يسمونه العقل الفعال، وقد يسمونه المحيط، وقد يسمونه بأسماء أخرى، فهذا التصور أوجد عندهم هذا الخلل في جميع قضايا العقيدة وأصولها، فحينما تصوروا أن وجود الله وجود ذهني لم يتواءم هذا التصور عندهم مع الصفات التي ثبتت لله تعالى.
فإذا قيل: إن الله مستو على عرشه، بدليل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؛ تنافى ذلك مع تصورهم عن الله؛ لأنه كيف يستوي ووجوده عقلي ذهني؟! وكيف يستوي عندهم -كما يزعمون- وهو مجرد تصور كلي؟! فقالوا: إذاً: الاستواء له معنىً آخر، ثم سحبوا ذلك على بقية الصفات، حتى إن بعضهم لا يقر إلا بصفة الوجود لله، وبقية الصفات كلها ينكرها، ومع ذلك يخاصم حتى في هذه الصفة.
فيقال له: الوجود إذا كان في الأذهان فقط هل يكون وجوداً حقيقياً؟ إذاً: الوجود لا بد من أن يكون وجوداً فعلياً، والوجود الفعلي لا بد من أن تلزم منه صفات أخرى لهذا الموجود، فإن كان الموجود هو الخالق فلا بد من أن يتصف بالصفات اللازمة، ومنها: أن يكون خالقاً، وأن يكون عالماً قديراً سميعاً بصيراً، إلى آخر ذلك من اللوازم التي تلزم الوجود الكامل، وإن كان هذا الموجود هو المخلوق -وهذا ما نراه ونحسه ونشاهده- فله صفات تخصه.
المهم أنهم تصوروا هذا التصور التجريدي الذي هو في الأذهان والأوهام، وخضعوا له وقرب من أذهانهم بحسب درجاتهم، أو رضوا ببعض لوازمه، كالأشاعرة والماتريدية؛ لأنهم لا يرضون بهذا القول، فهم يعتقدون أن لله ذاتاً، لكن بعضهم يفلسف معنى ذات الله بما يميل إلى قول الفلاسفة، وبعضهم يفلسفه بمعنى آخر.
فهذا التصور هو الذي جعل هؤلاء يعطلون أو يؤولون؛ لأنهم تأثروا تأثراً سلبياً بالأمم التي جادلوها، وكان المفروض أن يجادلوا بالقرآن فقط، وإذا لم يكن المتكلم خاضعاً للقرآن جودل ببراهين القرآن، حتى لو لم نسمها آيات أو نسمها قرآناً، فينبغي أن يكون الجدال في الله ببراهين القرآن؛ لأننا لا نملك أبداً -ويستحيل أن يملك أحد من الناس- دليلاً من الأدلة على ذات الله وأسمائه وصفاته غير ما ورد في الكتاب والسنة، ولا يملك أن يضع تصوراً يلزم به الآخرين غير ما ورد في الكتاب والسنة.
إذاً: فليس هناك براهين نستطيع أن نقنع بها أو نجادل بها فيما يتعلق بالله -سواءٌ وجوده وأسماؤه وصفاته، أو عبادته وطاعته- إلا ما له أصل في القرآن، وما عدا ذلك فإنما هو خبط ورجم بالغيب، ومن شاء فليراجع أقوالهم، ولكن عافية الله أوسع له.
стр. 157
الموقف من قول أهل الكلام بنفي حلول الحوادث بالرب ﷻ
قال رحمه الله تعالى: [وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال].
حلول الحوادث أيضاً هو من اللوازم الباطلة التي التزم بها المتكلمون تأثراً بمن خاصموهم من أهل الأهواء من الأمم الأخرى، ويقصد الفلاسفة بحلول الحوادث: ما يطرأ من أفعال الله تعالى مما له صلة بأسماء الله وصفاته، كقولهم: إن الله صار خالقاً بعد أن لم يكن خالقاً؛ لأنه خلق الخلق بـ (كن) ، فيعتبرون هذا من حلول الحوادث.
وأما المتكلمون فيعبرون عن الحوادث بمثل الاستواء وبمثل المجيء والنزول والغضب والرضا، يقولون: هذه حوادث.
وهذه كلمة مجملة، فهي حوادث بتعبيرنا، والله ما عبر عنها بـ (حوادث)، فهم عبروا عنها بأنها حوادث حسب تصورهم، فنظراً لأنهم يتصورون أن وجود الله وجود ذهني فقط؛ فإنه من الطبيعي أن من يُتصَور بهذا الشكل لا يتوقع منه أن تحدث منه تلك الأفعال.
فهذه الأفعال -كالمجيء والنزول والرضا والغضب- لا يتصور أن تحدث إلا من الكامل الذي له وجود ذاتي، وهو مستو على عرشه سبحانه، فهذا هو الذي يتصور منه المجيء والنزول، فنظراً لأنهم أنكروا الوجود الذاتي بمعناه وخصائصه اللائقة بالله أنكروا لوازمه من الاستواء والعلو والفوقية، ثم أنكروا لوازمه الأخرى، وبعد ذلك أنكروا الصفات الفعلية؛ لأنهم قالوا: إنها حوادث، حتى القرآن قالوا بأنه أزلي بحروفه، وأن الله لم يتكلم بالقرآن؛ لأنه إذا تكلم فهذا يعني أنه حدث منه شيء، تعالى الله عمَّا يزعمون.
ولولا أني أخشى أن يلتبس الأمر بعد طول الكلام لذكرت الأصل الثاني الذي نشأ عنه ضلال أكثر الفرق التي ضلت عن أهل السنة، خاصة الفرق التي تأخذ بالسنة في بعض الأصول، كالماتريدية والأشاعرة ومن نحا نحوهم، ولعله تأتي له مناسبة في درس قادم إن شاء الله، لكن من فهم هذه الأصول التي هي منشأ الانحراف عند المؤولة فإنه بذلك تطرد عنده القاعدة، ويستطيع أن يفسر كل خلاف خالف فيه بعض المؤولة أهل السنة، فيفسره بهذا التفسير ويكون مرتاح الضمير مطمئناً بعقيدته عقيدة السلف، وكلنا -إن شاء الله- مطمئنون، لكن يطمئن بالبرهان، لأنه إذا عرف منشأ الخطأ وأصله فسر كثيراً مما يحدث، فلا يبقى الإشكال الوارد في الذهن، وهو: كيف يقول إمام كـ الأشعري ﵀، أو كـ الباقلاني ﵀، أو كـ الجويني أو الغزالي رحمهما الله في هذه المسألة بغير الحق وهو عالم يدرك ويعرف؟! أقول: لو عرفنا منشأ الانحراف من أصله لاستطاع كثير من طلاب العلم بناءً على هذا أن يفسروا هذه الأمور بتفسيرات واضحة.
فهم يقصدون بمسألة حلول الحوادث الأفعال التي تطرأ، فمثلاً: الله تكلم بالقرآن بعد أن لم يكن تكلم به، والله -كما ورد في النصوص الصريحة أيضاً- يتكلم يوم القيامة بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، فهذا أمر سيحدث فيما بعد، وهم يقولون: لا، هذا كله ليس كلاماً، إنما هو صفة أزلية في ذات الله تعالى، والله يصنع من خلقه ما يعبر عنه بأنه كلام.
فيقولون مثلاً: الله كلم موسى، لكنه كلمه بحروف وأصوات صنعها في مخلوقاته، ولازم قولهم أن كلامه من مخلوقاته وإن لم يلتزموا به، فلذلك قالت المعتزلة بخلق القرآن؛ لأنهم زعموا أنهم لو قالوا بأن الله تكلم بالقرآن لصار حادثاً في الله، تعالى الله عما يزعمون.
وهذا كله فلسفة عقلية، وكله خوض ورجم بالغيب، فالمسلم عليه أن يسلم بما جاء عن الله تعالى، فإن فهم فهذا طيب، وإذا لم يفهم لم يطالب بالفهم الذي يعني ضرورة التخلص مما يظهر من الإشكالات، فهذا ليس بضروري، لأن المسلم عليه أن يثق بأن كلام الله حق على حقيقته، وأن ما جاء من أسماء الله وصفاته وأفعاله حق على حقيقته، لكننا لا نفهم الكيفية؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وما دام الله ليس كمثله شيء فلا سبيل إلى فهم الكيفيات، بل لا سبيل إلى الكلام في هذه الأمور بغير علم أصلاً.
إذاً: فكل ما يرد من هذه العبارات -مثل حلول الحوادث أو مثل المباينة والمفاصلة والجهة ونحوها- خبط ورجم بالغيب، وإذا كانت في حق الله تعالى فهي بدعة شنيعة لا يجوز الكلام بها، لكن قد يضطر طالب العلم المتمكن والمتخصص إلى أن يتكلم بها حينما يظهر الإشكال ويوجد في الكتب ويتكلم به المتكلمون ويظهر على ألسنة الناس، فيتكلم لإيضاح الحق وتقريره، لا للانجرار والاستجابة لفلسفة المتفلسفين.
стр. 158
صحة حمل نفي حلول الحوادث على نفي حلول مخلوق أو حدوث وصف لذات الله المقدسة
قال رحمه الله تعالى: [فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن؛ فهذا نفي صحيح].
أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله تعالى الصفات الفعلية والصفات الاختيارية -كالخلق والتصوير، والإحياء والإماتة، والقبض، والنزول، والمجيء إلى آخره- لا يقولون بأن الله يحدث في ذاته شيء، تعالى الله عما يظنه الظانون وعما يلزم به الملزمون أهل السنة في ذلك، فأهل السنة برآء من أن يقولوا هذا القول، أي أن الله تحدث في ذاته أشياء، بل أهل السنة لا يتكلمون في هذه الأمور، وهم أعظم إجلالاً وتعظيماً لله ، فالله تعالى هو العلي العظيم، والله تعالى هو الحي القيوم، والله تعالى هو الذي لا تدركه الأبصار، وهو بكل شيء محيط، فكيف يتأتى لبشر يعرف الحق ويعرف السنة أن يتكلم في هذه الأمور ويزعم أنه يقول فيها قولاً فاصلاً بنفي أو إثبات؟! لكن ننفي اللوازم الباطلة.
стр. 159
بطلان اعتماد نفي حلول الحوادث لنفي الصفات الاختيارية
قال رحمه الله تعالى: [وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته؛ فهذا نفي باطل.
وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله].
المراد السني الجاهل؛ لأن عامة أهل السنة والجماعة الذين هم على الحق والاستقامة لا يخوضون في هذه الأمور، فهم على الفطرة، والله سلم أفكارهم وعقولهم من الخوض في هذه الأمور، فلذلك قد يستغفل السني وإن كان مثقفاً وإن كان مفكراً وإن كان عالماً إذا لم يكن له إلمام بمثل هذه المسائل، قد يستدرجه المتكلمون بمثل هذه الأمور، فيأتي المتكلم للسني فيقول: الكلام حادث، فيسلم بأنه حادث، ثم يقول: الله منزه عن الحوادث.
فيقول: نعم، الله منزه عن الحوادث، فيقول: إذاً: الله ليس بمتكلم.
فقد يجر السني إلى هذه الأمور دون أن يشعر، كما قالت المعتزلة وغيرهم في مسألة الرؤية، حيث قالوا: لا ترى الشيء إلا وهو أمامك، فقال لهم بعض الجهلة: نعم.
فقالوا: ولا ترى الشيء إلا وله صورة ولون وشكل، فينطبع في ذهنك عنه صورة ولون وشكل.
فقال لهم بعض الجهلة: نعم.
فقالوا: إذاً: فإذا قلنا: إن الله تعالى يرى فهذا يعني أن له لوناً وصورة وشكلاً، فهو -إذاً- لا يرى.
فرتبوا مقدمات فاسدة وبنوا عليها؛ لأنهم قاسوا الله على الخلق، صحيح أنهم فروا من التشبيه، ولكنهم فروا منه حينما تصوروه، فتصوروه أولاً ثم أرادوا أن يفروا منه، فهم كالإنسان الذي وقع في الشراك ثم أراد أن يخرج، مع أن الأصل أن الله ليس كمثله شيء.
فإذا قال لك قائل: لا نرى الشيء إلا وهو أمامنا فتنطبع في أذهاننا منه صورة، فقل له: هذا في حق المخلوقات، أما الله فلا؛ إذ ليس هو كالخلق.
وإذا قال: لا يستوي الشيء على الشيء إلا وهو معتمد عليه، فقل له: هذا بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فلا، فالله مستو على عرشه على ما يليق بجلاله من غير حاجة إلى العرش، لأنه قد يقول لك قائل من الأشاعرة وغيرهم الذين يؤولون الاستواء: إذا استوى المخلوق على شيء فهو معتمد عليه محتاج إليه، فهل تسلم له على الإطلاق؟! والجواب أنه بالنسبة للمخلوق قد يرد هذا، لكن الخالق ليس كمثله شيء تعالى الله عما يتوهمون.
إذاً: هم فروا من التشبيه حينما تصوروه، وأهل السنة والجماعة لم يتصوروا التشبيه أصلاً، بل أخذوا بالقاعدة كما ورد في الآية، إذ فيها أولاً: أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وثانياً: أنه هو السميع البصير.
فهذه قاعدة الاعتقاد؛ لأن اعتقاد الكمال لله مفطورة عليه الخلائق، فلا يمكن أن يتصور أن عاقلاً من العقلاء يظن أن الله سبحانه الخالق لهذه المخلوقات مثلها؛ لأنه لا بد من أن يكون أعظم وأجل وأكمل؛ لأننا نرى في المخلوقات كل معاني النقص، فإذا كان كذلك فإن تقرير النفي -أي: نفي المشابهة- لا بد من أن يكون أصلاً متأصلاً في ذهن كل شخص.
стр. 160
خطر استقرار التصور الذهني لصفات الله تعالى
وبهذه المناسبة أحب أن أنبه على أمر سبق أن تكلمت عنه في أول الدروس، ومن المناسب أن أكرره؛ لأنه قد يختلط على كثير من ضعاف العلم، أو الذين ليس لهم إلمام بالعقيدة أو ليسوا متخصصين، فيحدث عندهم شيء من الإشكال، وهو التصور في الأذهان الذي لا ينبني عليه اعتقاد، فهذا أمر لا ينفك منه عاقل، فأنت إذا سمعت بكلمة (نزول) (مجيء) (استواء)؛ فإنك لا تفهم الكلمة حتى ينطبع في ذهنك تصور، فإن استقر هذا التصور وجعلته صفة لله صار هذا تشبيهاً، نسأل الله العافية.
فلذلك يجب ألا يستقر التصور، بل يجب أن تعتقد أن هذه الصفة التي تصورتها لله ما هو أعظم منها، وأن الله منزه عن التصورات والأوهام، وأن الله ليس كمثله شيء، وأن الله أعظم وأجل من أن تستقر صفاته بأذهان المخلوقين؛ لأنه لو استقرت عرفنا الكيفيات، ولا سبيل إلى معرفة كيفيات صفات الله وأفعاله، فلذلك أقول: يجب أن نفصل ما نتصوره في الأذهان عن الاعتقاد، فما نتصوره في الأذهان إنما يقرب إلى الحقائق فقط في بعض أمور الغيب، فعندما يقال لك: (جبريل) تتصور شيئاً ما عليه جبريل، أليس كذلك؟! فهذا التصور أعطاك انطباعاً بأن هذا الملك له وجود، لكن هل وجوده هو ما في ذهنك؟!
و
الجواب
لا.
وكذلك في المشاهدات، فلو أن إنساناً -مثلاً- قيل له: هناك مدينة اسمها: نيويورك أو موسكو أو نحو ذلك من المدن الشهيرة، فلابد من أن ينطبع في ذهنه عمارات وشوارع وأعلام وأشخاص ومؤسسات وأشكال، فهل هي الحقيقة؟ فإذا كان هذا في المخلوقات -ولله المثل الأعلى- فالله أعظم وأجل من أن تنطبع في أذهان الناس عنه صفة.
قلت هذا لأن الذين تكلموا في ذات الله وأسمائه وصفاته ونفوا وخبطوا وخلطوا وأحرجوا المسلمين وأوقعوا الأمة في الإشكال؛ إنما وقعوا في ذلك لأنهم استجابوا لأوهامهم وتصوراتهم التي في أذهانهم، والتصورات التي في الأذهان إنما هي أوهام وليست هي الحقيقة في أمور الغيب، فالحقيقة أمر آخر لا يمكن أن يطلع عليه إنسان، ولو اطلع عليه أحد ما صار غيباً.
فالتسليم بأن الله ليس كمثله شيء سبحانه، وأن الله تعالى له الكمال المطلق، وأن الله متصف بهذه الصفة على ما يليق بجلاله به تسلم العقيدة، وإلا فلا يمكن لأحد أن ينفك من التصور، والذين خاضوا في ذات الله وفي أسمائه وصفاته هم أشنع تصوراً من الذين لم يخوضوا.
إذاً: فالعبرة بما ينتهي إليه الاعتقاد لا بمجرد التصور، فأنت إذا تصورت شيئاً في أمر الغيب وجب عليك أن تعتقد أن حقيقة الغيب غيره، بمعنى: أن ما تصورته من أمور الغيب وهم في ذهنك، لكن هذا الأمر الذي ورد في النص هو حقيقة، والحقيقة تعني أنه حق موجود، لكن هذه الحقيقة نجهل كيفيتها وصورتها، وهذا هو الفارق، أما الحقيقة فلابد من اعتقادها دفعاً لقول الذين يقولون بأن هذه الألفاظ ألفاظ ليس وراءها معانٍ؛ لأنه لا يعقل أن الله يخاطبنا بألفاظ ليس لها معانٍ، فذلك لا يليق بالله .
إذاً: فلابد من الاعتقاد، لكن تعتقد الكمال المطلق لله ، وأن الله ليس كمثله شيء، وما ينطبع في ذهنك من صورة إنما هو للفظ فقط لا لحقيقة اللفظ، بمعنى: أن اللفظ فقط هو الذي تستطيع أن تقربه إلى ذهنك، وإلا فالحقيقة غيره قطعاً؛ لذلك جاءت الآية بالمبالغة في نفي المشابه لله تعالى؛ لأن الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، مبالغة في البعد عما يمكن أن يتوهم الإنسان ويتصوره في ذهنه.
فتصورات الخواطر قد تتعلق بالغيب، وكذلك في أمور الحلال والحرام، كما ورد في الحديث أن الإنسان قد يهم بالشيء ولا يؤاخذ عليه إلا إذا فعله أو تكلم به، فالإنسان إذا تخيل معصية من المعاصي ومالت إليها نفسه، فإن فعلها أو سعى إلى فعلها أثم، وإن تركها ولم يسع إلى فعلها فهو مأجور على طرد هذا الطارئ على ذهنه، وكذلك بالنسبة لما يتعلق بتصورات الغيب، فالإنسان لا ينفك عن أن يضع تصوراً للغيب، بل أحياناً يرد السؤال عن بعض الخصائص المتعلقة بذات الله ، كما ورد في الحديث الصحيح.
فالإنسان عليه ألا يتمادى في هذه الأوهام، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليعلم ابتداء وانتهاء أن ما في ذهنه من أمور الغيب إنما هو أوهام ومجرد تصور للألفاظ، والحقيقة لا يعلم كيف هي في أمور الغيب إلا الله .
стр. 161
الموقف من الألفاظ المجملة في وصف الله
قال رحمه الله تعالى: [وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو لازم له، وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه].
وكذا مسألة الصفة: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ الغير فيه إجمال: فقد يراد به ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز مفارقته له.
ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره ولا أنه ليس غيره؛ لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو؛ إذ كان لفظ (الغير) فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل، فإن أريد به أن هناك ذاتاً مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن ذاتاً وصفة كلاً وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال.
ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الوجود، وإن كان الذهن يفرض ذاتاً ووجوداً يتصور هذا وحده وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج، وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره، وهذا له معنى صحيح، وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة، بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد.
والتحقيق أن يفرق بين قول القائل: الصفات غير الذات، وبين قوله: صفات الله غير الله، فإن الثاني باطل؛ لأن مسمى الله يدخل فيه صفاته، بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات؛ لأن المراد أن الصفات زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات، والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة، ولهذا قال الشيخ ﵀: (لا زال بصفاته)، ولم يقل: لا زال وصفاته؛ لأن العطف يؤذن بالمغايرة، وكذلك قال الإمام أحمد ﵁ في مناظرته الجهمية: لا نقول: الله وعلمه، الله وقدرته، الله ونوره، ولكن نقول الله بعلمه وقدرته ونوره، هو إله واحد ، فإن قلت: (أعوذ بالله) فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدس الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه، وإذا قلت: (أعوذ بعزة الله) فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى ولم أعذ بغير الله، وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن (ذات) في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم إلى غير ذلك من الصفات، فذات كذا بمعنى: صاحبة كذا، تأنيث (ذو)، هذا أصل معنى الكلمة، فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كان الذهن قد يفرض ذاتاً مجردة عن الصفات كما يفرض المحال، وقد قال ﷺ : (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)، وقال ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ولا يعوذ ﷺ بغير الله.
وكذا قال ﷺ : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك)، وقال ﷺ : (ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا)، وقال ﷺ : (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات).
وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره، وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو: سمع الله لمن حمده ونحو ذلك؛ فهذا المراد به المسمى نفسه، وإن قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله ونحو ذلك؛ فالاسم هاهنا لمسمى، ولا يقال: غيره؛ لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد به أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم؛ فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى].
قوله: [فالاسم هاهنا لمسمى؛ ولا يقال: غيره] هذه عبارة صحيحة، لكن العبارة الموجودة في طبعة أخرى أسلم، والسياق يؤيد هذه العبارة، وهي قوله: [فالاسم هاهنا للمسمى]، وهو قول السلف، يقولون: لله الأسماء الحسنى، فالاسم للمسمى، الاسم الذي أطلقه الله على نفسه هو اسم لله، يقال: اسم لله، فالأفضل ألا يقال: هو غيره، ولا: هو هو، وإن كان قول: (هو هو) يطلق على ذات الله تعالى، لكنه ملبس؛ لأنه يشتبه بقول القائلين بأنه لا فرق بين أسماء الله وذاته وصفاته، وإنما هي ألفاظ لا معنى لها تدل على مسمى واحد وهو الوجود المجرد في الأذهان، تعالى الله عما يزعمون.
стр. 162
شرح العقيدة الطحاوية [١٥]
ربنا ﵎ متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال، وصفات كماله ﵎ أزلية، سواء الذاتي منها أو الفعلي، فكما أن صفاته الذاتية أزلية، فكذلك صفاته الفعلية، ولا يجوز وصف الله تعالى بقدرته على الفعل بعد أن لم يكن ممكناً له، فهو خالق قبل وجود المخلوق، ورب قبل حدوث المربوب، قادر على كل شيء، فعال لما يريد ﷻ وعز ثناؤه وتقدست صفاته وأسماؤه.
стр. 163
أزلية صفات الله تعالى وضلال من قال بقدرة الله على الفعل بعد امتناعها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والشيخ ﵀ أشار بقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه) إلى آخر كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إنه تعالى صار قادراً على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكناً بعد أن كان ممتنعاً، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي! وعَلَى ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكناً له بعد أن كان ممتنعاً منه].
كل هذه لوازم التزمها هؤلاء؛ بسبب خضوعهم للجهمية والفلاسفة، فحينما ذهبوا لبعض مقولات الفلاسفة والجهمية وقعوا في هذه البلية، وإلا فلو أخذوا بما أخذ به السلف من الوقوف في أمور الغيب على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وعدم الخوض في هذه الأمور بغير علم؛ لما وقعوا في هذه اللوازم.
أقول: منشأ هذا الكلام الذي قالوه -وهو قولهم بأن الله تعالى تكلم بعد أن لم يكن متكلماً وأنه فعل بعد أن لم يكن فاعلاً، وأن الفعل صار ممكناً بعد أن كان ممتنعاً- كل ذلك منشؤه مسألة واحدة، وهي أن هؤلاء المتكلمين صدقوا أسلافهم في أن تجدد القدرة لله تعالى يعتبر من الحوادث، والله منزه عن الحوادث، وهذا كله وهم في أصله وفي فرعه، فالمعتزلة ومن قبلهم من الفلاسفة قالوا بأن تجدد القدرة يدل على وقوع الحوادث في الله تعالى أو به تعالى، وهو منزه عن الحوادث، فإذا كان منزهاً عن الحوادث فكل شيء من أفعال الله تعالى يعتبر مستأنفاً، فهو حادث، وعلى هذا ينفى عن الله.
فلذلك أنكروا أن يكون الله تكلم بالقرآن فقالوا -بالمعنى الذي فهموه هم ووقع في أذهانهم تشبيهاً-: إن الكلام يعني حدوث أشياء في الله تعالى لم تكن، وهي الكلام والحروف والأصوات.
وهذه كلها لوازم لا تلزم أولاً، وإخضاع ذلك إلى قاعدة عقلية إنما هو وهم، والله منزه عما توهموه، فالله تعالى ليس كمثله شيء، فكل هذه الأوهام لا اعتبار لها.
وسيأتي الكلام عن هذا التفصيل في مسألة الحوادث ووقوعها في الله تعالى أو به أو منه إلى آخره، وهذه الأمور إن أمكن طالب العلم أن يكف عنها فهو الأولى، لكن إذا اضطر للرد على مثل هؤلاء فلابد من أن يلتزم الحق ويحترز كثيراً، يجب الاحتراز عندما نتكلم في مثل هذه الأمور، ولا نتكلم في الله تعالى ابتداء، إنما نتكلم فيما يقع بعباراتهم لردها لا لتقريرها.
стр. 164
تعليق على نسبة ابن كلاب إلى متكلمي أهل السنة
وللمحقق تعليق على ابن كلاب، حيث قال: [هو رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، وقد عده الشهرستاني والأشعري وابن طاهر البغدادي من متكلمي أهل السنة].
وهذه مسألة فيها تلبيس، فالأشاعرة يعدون أصحابهم من متكلمي أهل السنة، بل يعدون الماتريدية والكلابية والأشاعرة كلهم من متكلمي أهل السنة، والحق أن أهل السنة ليس فيهم متكلم، وهذا يجب أن يفهم، ومن تكلم ممن ينسب إلى أهل السنة والجماعة فأخذ بأصول الكلامي جزئية أو عامة؛ فإنه فيما أخذ به ليس من أهل السنة، فمنهجه فيما أخذ به ليس محسوباً على أهل السنة.
فهذه الكلمة في رأيي أنها شنيعة في حق السلف، فلا يجوز قولنا مثلاً: فلان من متصوفة أهل السنة، أو: فلان من متكلمي أهل السنة، أو: فلان من فلاسفة أهل السنة، فهذا كله خلط لا يجوز، وإن كان قد يرد على ألسنة بعض أهل العلم، لكنه يفسر بتفسير آخر غير المفهوم الذي يقوله هؤلاء الذين يبجلون متكلمي الأشاعرة والماتريدية والكلابية ونحوه.
إذاً: فلا يصح أن يقال: إن ابن كلاب من متكلمي أهل السنة، وإن كان في أمور من أصول الدين وافق أهل السنة والجماعة ولاشك، وله من المقولات المحمودة شيء كثير، لكنَّه مع ذلك خالف أهل السنة في جوانب، ومنها علم الكلام، فنسبته ونسبة كلامه لأهل السنة فيه خطر، فيجب التنبه.
وهناك تعليق آخر يقول عن ابن كلاب: هو عبد الله بن سعيد بن كلاب، كان إمام أهل السنة في عصره وإليه مرجعها.
ولا أدري هل المعلق تبع غيره أم أنه يعتقد هذا؟! ونحن نقول: هو إمام المتكلمين، وليس بإمام أهل السنة لا في وقته ولا بعد وقته، وأهل السنة قدحوا في جانب التكلم فيه وبدعوه في هذا وخطئوه واعتبروا كلامه من كلام الفرق، وعُدَّ من المفارقين للسنة في المقولات التي انفرد بها، وهي المقولات الكلامية، كقوله في كلام الله، وهو من أشهر مقولاته، وسيأتي.
стр. 165
بيان ضلال القائلين بامتناع كون الله لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئة
قال رحمه الله تعالى: [وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته، وأصل هذا الكلام من الجهمية، فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ؛ لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون الباري لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئة، بل يمتنع أن يكون قادراً على ذلك؛ لأن القدرة على الممتنع ممتنعة!].
كل هذه الفلسفة لا طائل وراءها، وهي لوازم لا تلزم عقلاً وكلها أوهام وما رتب عليها أوهام، والأوهام خطر في أمور الغيب، بل هي خطأ وانحراف، وقبل أن يبدأ بالرد أحب أن أشير إلى ضعف عقول هؤلاء وإن كان منهم من يشار إليهم بالبنان، خاصة فيما خالفوا فيه السلف.
فأقول: إن منشأ هذه الضلالة -كما أسلفت- أنهم عولوا على عقولهم في أمر الغيب، والعقول مخلوقة وقاصرة وضعيفة، فما عرفت نفسها وما عرفت كيف هي وكيف تعمل، فكيف تعرف ما يتعلق بذات الله تعالى وأفعاله وأسمائه وصفاته؟! وما أشبه هؤلاء بالأطفال الصغار، وإن كان الأطفال الصغار أطهر منهم فطرة، لكن الأطفال الصغار أحياناً يتكلمون بخيال ويصدقون خيالهم، فالطفل إذا تحدى أحداً من الناس فربما قال: سآخذ هذا البيت وأضربك به، أو: سأحمل هذا الجبل وأرميه عليك، بل بعض الأطفال قد يقول: سأنزل عليك السماء، وبعد أن يكبر ويرشد يعلم أن هذه أوهام، أليس كذلك؟! فالمتكلمون على صنفين: منهم من يستمر في أوهامه، فيقول: هذا ممتنع في حق الله، والله يقدر أو لا يقدر، وهذا لا يتعلق بالمشيئة إلى آخره، فيتكلم بكلام هو رجم بالغيب، وكل ذلك لا أصل له في الكتاب والسنة، وما لا أصل له في الكتاب والسنة فهو رجم بالغيب، وإذا كان رجماً بالغيب فليس بحق.
فبعضهم يستمر -نسأل الله العافية- على اعتقاداته حتى يموت على ذلك.
وبعضهم يرشد كما يرشد الطفل، وهذا ثبت عن كثير منهم، بل ثبت عن مثل الغزالي وعن مثل الرازي ونحوهما ممن دخلوا في علم الكلام وكان عندهم شيء من التقوى والصلاح وقصد الخير، لكنهم فتنوا بالكلام في أول أعمارهم، فهؤلاء ثبت أنهم وصلوا إلى حد الاعتراف بأنهم ما استفادوا من الكلام إلا ضياع الوقت والجهد وضياع الدين، حتى قال الجويني: ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور، وحتى إن الرازي أيضاً تكلم عن علم الكلام بكلام رائع يكتب بماء الذهب، وحتى إن الغزالي انصرف وصرف نفسه وتناسى ما كتبه وما قاله وأكب على كتب السنة يريد أن يصرف ذهنه عما وقع فيه من الكلاميات وغيرها، وغيرهم كثير يعدون بالمئات من الذين رجعوا.
فإذاً كان هؤلاء من أصحاب علم الكلام قد رجعوا عنه وتابوا إلى الله وحذَّروا كل التحذير، كما ثبت عن الجويني وعن الرازي، وحذروا تحذير المشفق على الأمة من الوقوع في علم الكلام دقيقه وجليله؛ فكيف تبقى طائفة من الأمة تتبع هذا النهج وتدين به؟! فنسأل الله العافية.
стр. 166
الرد على القائلين بامتناع كون الله لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئة
ٍقال رحمه الله تعالى: [وهذا فاسد؛ فإنه يدل على امتناع حدوث العالم وهو حادث، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثاً فلا بد أن يكون ممكناً، والإمكان ليس له وقت محدود، وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه، فليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكناً جائزاً صحيحاً، فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها.
قالت الجهمية ومن وافقهم: نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن نقول: إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له، وذلك؛ لأن الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع، بل يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه، فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له، بخلاف جنس الحوادث].
هذا الكلام متناقض لا يدخل العقل، فسليم العقل لا يستطيع أن يجمع بين هذا القول وبين قول الجهمية من جانب آخر بامتناع حوادث لا بداية لها ولا نهاية، وهذه المقولة هي التي أوقعت الجهمية في إنكار كثير من أصول الدين، فإنكارهم لأسماء الله وصفاته مبني على هذا، وإنكارهم للرؤية مبني على هذا، بل قولهم بفناء الجنة والنار، وإنكارهم للحسيات أو للسمعيات الثابتة مثل الصراط والميزان ونعيم الجنة المادي -لأنهم يقولون: النعيم نعيم روحي- كل ذلك مبني على هذه المقولة في مسألة الحوادث.
والذين تأثروا بهم وقعوا في بعض ما وقعوا فيه، فالمعتزلة وقعوا في إنكار صفات الله وإنكار بعض السمعيات؛ لأنهم قالوا ببعض مقولات الجهمية، ثم جاء بعدهم المتكلمون وأولوا الصفات وأولوا بعض السمعيات، وقالوا بعض المقولات التي قال بها الجهمية والمعتزلة؛ نظراً لأنهم أخذوا بعض قاعدة الفلسفة حول الحوادث التي سيأتي الكلام عنها بشكل أكثر تفصيلاً.
قال رحمه الله تعالى: [فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقال: إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكناً بعد أن لم يكن ممكناً، وليس لهذا الإمكان وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء، ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث أو جنس الحوادث أو جنس الفعل أو جنس الأحداث أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الإمكان هو مصير ذلك ممكناً جائزاً بعد أن كان ممتنعاً من غير سبب تجدد، وهذا ممتنع في صريح العقل.
وهو أيضاً انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي؛ فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة، وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين؛ فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكناً، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكناً، وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكناً، فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه؛ فإنه يعقل كون الحادث ممكناً ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل، وأما كون الممتنع ممكناً فهو ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع؟! وهذا مبسوط في موضعه].
стр. 167
ذكر الأقوال في دوام الحوادث في الماضي والمستقبل
قال رحمه الله تعالى: [فالحاصل: أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أو في المستقبل فقط؟ أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم، أضعفها: قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل.
كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف].
هؤلاء المعطلة الذين يعطلون الله عن الأسماء والصفات والأفعال، وبناء على قولهم هذا بنفي دوام الحوادث في المستقبل والماضي نفوا أفعال الله تعالى والأسماء التي هي أسماء له وأثبتها لنفسه، وكذلك صفاته؛ ولهم في ذلك مأخذان: الأول: يقولون بأنها تشبه صفات المخلوقين ولو لفظاً، وأي اشتباه ولو كان لفظياً بالله تعالى فيلزم تنزيه الله منه لوجود الاشتباه.
والمأخذ الثاني أنهم ظنوا أن الأسماء والصفات والأفعال تشعر بحدوث شيء من الله ، وهم ينفون أن يكون حدث من الله شيء.
وهنا فيه لبس؛ فصفات الله نوعان: صفات ذاتية أزلية، فهذه لازمة له ولا يتجدد بها شيء؛ كالحي القيوم وغيرهما؛ لأنها من الصفات الذاتية اللازمة.
وصفات تتعلق بأفعاله، مثل: صفة الكلام، فالله متصف بصفة الكلام منذ الأزل وإلى الأبد، وصفته لازمة له من حيث هي نوع من أنواع الصفات، فالله متكلم منذ الأزل، والله لا يزال متكلماً متى شاء كما شاء، ويتكلم في المستقبل كما يشاء سبحانه.
فالله تكلم بكلمة (كن)، ويتكلم بها متى شاء، والله كلم موسى، وهذا كلام متجدد، لكنه لازم من لوازم صفة الله اللازمة الثابتة، وتكلم الله بالقرآن، وفي المستقبل يتكلم يوم القيامة ويكلم عباده المؤمنين ويكلمونه، بل يكلم جميع الخلائق كما ورد في النصوص، فهذا كله ليس من عقول الناس، إنما هو قول السلف من النصوص، فالله ثبت أنه يكلم عباده بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، والله على كل شيء قدير.
إذاً: فمنشأ المسألة اعتقاد قول الفلاسفة بأن الخالق سبحانه صفاته لابد من أن تكون لازمة له ولا يتجدد في أفرادها شيء؛ لأن الحوادث ينزه الله عنها؛ وهذا كلام مجمل، فقد يكون قصدهم بالحوادث الباطل، وقد يكون قصدهم بالحوادث الحق، فصفات الله الفعلية -مثل صفة النزول- من المعلوم أنها حوادث، وأن معناها المتبادر إلى الأذهان منفي عن الله.
لكن الجهمية والمعتزلة عطلوا بعضها وأولوا بعضها، والأشاعرة ورثوا ذلك عن الجهمية والمعتزلة، فقالوا: ما يدل على وقوع الحوادث -كالاستواء والنزول- لابد أن يؤول.
فالاستواء عندهم: هو الملك، والنزول: هو نزول رحمة الله، في حين أنه صرح الصحابة والتابعون وسلف الأمة بأن الله مستو على عرشه كما يليق بجلاله، وأن الله ينزل كل ليلة كما يليق بجلاله، وأنه تعالى يعجب ويضحك كما يليق بجلاله، فهذه الصفات تكلم فيها المتكلمون وزعموا أنها حوادث، وهذا كله من عبث الشيطان، وإلا فأصل مبدأ الإيمان بالصفات مبني على الغيب، وإذا كان مبنياً على الغيب فلم ينفون صفات الله تعالى وهو رجم بالغيب؟! قال رحمه الله تعالى: [وثانيها: قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم، والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة الحديث، وهي من المسائل الكبار، ولم يقل أحد: يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل.
ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارناً لفاعله لم يزل ولا يزال معه ممتنع محال، ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيء، فإن الرب لم يزل ولا يزال يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء، قال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]].
يريد بهذا أن يثبت أن صفة الكلام لله تعالى أفرادها باقية، والله سبحا
стр. 168
شرح العقيدة الطحاوية [١٦]
إرادة الله لا حدود لها، فالله يفعل ما يريد، وكل ما تكلم به المتكلمون من القدرية وغيرهم في مسألة فعل الله تعالى وقدرته إنما هو أوهام في أذهانهم لا تتعدى أن تكون وساوس، أما إرادة الله المتعلقة بفعل العبد فكان خطأ القدر فيها أنهم لم يستطيعوا أن يفرقوا بين إرادة الله الكونية وإرادته الشرعية، فاعتبرت الجبرية أن إرادة الله كلها كونية وليس فيها إرادة شرعية، بينما اعتبرت القدرية أن إرادة الله كلها شرعية وليس فيها إرادة كونية.
стр. 169
أزلية أفعال الله وحدوث المخلوقات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري: ظاهر كلام الشيخ رحمه الله تعالى: أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي، ويأتي في كلامه ما يدل على أنه لا يمنعه في المستقبل، وهو قوله: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان)، وهذا مذهب الجمهور كما تقدم، ولاشك في فساد قول من منع ذلك في الماضي والمستقبل كما ذهب إليه الجهم وأتباعه، وقال بفناء الجنة والنار؛ لما يأتي من الأدلة إن شاء الله تعالى.
وأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها من القائلين بحوادث لا آخر لها؛ فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما؛ فإنه سبحانه لم يزل حياً، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلاً لما يريد كما وصف بذلك نفسه حيث يقول: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥ - ١٦]].
ملخص هذا الكلام أنه يجب أن نفرق في التسلسل بين أمرين: بين التسلسل في أفعال الله تعالى وبين التسلسل في الأسباب والمؤثرات، فالتسلسل في أفعال الله تعالى واقع، بمعنى: أن الله أفعاله لا تنتهي، كما أنها في الأزل، ولا يمكن أن نقول: إنها حدثت استئنافاً، خاصة فيما يتعلق بقدرة الله على الأفعال، فالله خالق قبل أن يوجد الخلق، وحينما وجدت المخلوقات علم أن قدرة الله على الخلق متجددة، وهذا في الأزل وإلى الأبد؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وأوليته أولية مطلقة في أفعاله وأسمائه وصفاته.
وكذلك التسلسل في أفعال الله الأخرى غير مسألة الخلق، كمثل مسألة الكلام، فالله متكلم على ما يليق بجلاله، حتى قبل أن يحدث الكلام منه سبحانه فيما يخص الخلق؛ لأن الله أعلمنا بأنه تكلم فيما يتعلق بمصالح العباد، كتكلمه بالقرآن، وندائه لخلقه يوم القيامة ونحو ذلك، فهذا ما نعلمه، وما لا نعلمه لا ينتهي، فالله قدرته مطلقة، وهو متصف بصفة الكلام منذ الأزل وإلى ما لا نهاية، وهذا يعني: أن الله يتكلم متى شاء، فهذا معنى التسلسل في أفعال الله تعالى، فأفعال الله تعالى ليس لها بداية وليس لها نهاية، وهذا يعني الكمال المطلق.
لكن الممنوع هو التسلسل في المؤثرات، أي: في المخلوقات، في تأثر المخلوقات، أو تأثير بعض المخلوقات في بعض، فالمخلوقات قد يكون بعضها علة لآخر، فالإنسان مخلوق من طين ثم يعود إلى طين ثم يبعث يوم القيامة، وهكذا تتسلسل أحواله، فهذا التسلسل في المخلوقات لابد من أن ينتهي، بمعنى: أن علة الشيء لا تبقى علة إلى الأبد.
إذاً: فالتسلسل في الأسباب والمؤثرات ممتنع، أما التسلسل في أفعال الله تعالى فلا نهاية له، وهذا أمر لا يمكن أن يدرك على وجه التفصيل والإحاطة، فأفعال الله لا يمكن أن تدرك على وجه التفصيل والإحاطة، وكل ما تكلم به المتكلمون في أفعال الله تعالى إنما هو رجم بالغيب وتوهم لا حقيقة له، فالله أعظم وأجل من أن تحيط عقول البشر بما يتعلق بذاته وأفعاله سبحانه.
فالتسلسل في المخلوقات وربط بعضها ببعض أو انبثاق بعضها عن بعض أمر لابد من أن يكون له نهاية، وإلا وقعنا في الدور؛ لأن كل سبب له سبب إلى ما لا نهاية، وهذا لا يمكن، من أجل أن نقول: إن الله هو الخالق وهو الفعال لما يريد.
أما أفعال الله تعالى فلا يجوز أن نتصور أن لها نهاية ولا بداية بمفهومنا المحدود بالبداية الزمنية، والأولى ألا نخوض بمثل ما خاض به الخائضون، لكن دفعاً لشبهاتهم التي لا تندفع إلا بمثل هذا الكلام الضروري كان لابد من الكلام، والسلف اضطروا للكلام في هذه المسائل لمقاومة تيار المتكلمين الذي ساد في الأمة، حتى إنا نجد الآن ومنذ زمن بعد القرون الثلاثة الماضية أن أغلب من ينسبون إلى العلم مبتلون بعلم الكلام، فإذا كان كذلك فلابد من البيان.
فالقول بمنع تسلسل الحوادث في الماضي معناه: أنه يمتنع أن تكون المخلوقات بعضها سبباً لبعض إلى ما لا نهاية له في الماضي، فلابد من أن تكون المخلوقات قد بدأت بخلق الله تعالى بكلمة (كن) أو بما قدره الله في خلقه وفعله.
وأما في المستقبل فالله أخبرنا بأن هناك أبدية لا تنتهي، وهي أبدية الجنة والنار، فهذا يعني أن الله هو الذي أخبرنا بأن هناك من مخلوقاته ما لا ينتهي، فيبقى احتمال التسلسل في المفعولات في المستقبل وارداً بقدرة الله ، وهذا رأي بعض أهل العلم، ومع ذلك فإن أمر المستقبل اللامتناهي أمر لا يمكن أن تحيط به العقول.
لكن نظراً لأن جهماً زعم أنه لا يمكن أن تتسلسل الحوادث مستقبلاً، ومن هنا قرر بزعمه أن الجنة والنار تنتهيان وتبيدان؛ تكلم بعض أهل العلم في هذه المسألة وقالوا: إن التسلسل في المستقبل ليس له نهاية بقدرة الله في بعض المخلوقات.
وهذه المسألة لولا أنها في الكتاب والتزمنا أن نقرأ الكتاب لما جئنا بها أبداً، فأنتم -بحمد الله- كلكم عل
стр. 170
دلالات قوله تعالى: (فعال لما يريد)
قال رحمه الله تعالى: [والآية تدل على أمور: أحدها: أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته.
الثاني: أنه لم يزل كذلك؛ لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادماً لهذا الكمال في وقت من الأوقات، وقد قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]، ولما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثاً بعد أن لم يكن.
الثالث: أنه إذا أراد شيئاً فعله، فإن (ما) موصولة عامة، أي: يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله، أما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر، فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلاً لم يوجد الفعل، وإن أراده حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلاً، وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله فاعلاً، وسيأتي الكلام على مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى].
ملخص هذه المسألة: أن إرادة الله -كما هو معلوم- لا حدود لها، فالله يفعل ما يريد، وكل ما تكلم به المتكلمون من القدرية وغيرهم في مسألة فعل الله تعالى وقدرته إنما هو أوهام في أذهانهم لا تتعدى أن تكون مجرد وساوس.
أما كلامه في هذه المسألة ففيما يتعلق بفعل العبد وإرادة الله أن يعينه عليه ويجعله فاعلاً، أراد بهذا التفريق بين الإرادة الكونية العامة وبين إرادة خلقه.
فالله أراد كل شيء إرادة كونية عامة، وكل ما أراده الله كوناً لابد من أن يقع، لكن هناك إرادة أخرى وهي الإرادة الشرعية الدينية، فهذه الإرادة الشرعية الدينية يريدها الله من العبد، ولكن قد لا يفعلها العبد لأسباب الضلالة التي تسلط على العباد، فالله جعل من أسباب الضلالة الهوى ووساوس الشيطان.
ومثال ذلك: أن الله يريد من العباد الإسلام، والكافر لم يفعل ما يريده الله، فكون الكافر لم يفعل ما يريد الله يعني: أنه تخلف عن إرادة أرادها الله شرعاً، والله جعل الابتلاء على العباد، ومن الابتلاء أن أعطى الناس القدرة على تمييز الخير من الشر، ثم القدرة على فعل الخير باختيار وعلى فعل الشر باختيار، وإرادته الدينية متعلقة بما يرضاه ويحبه.
وقد لا يفعل كثير من العباد ما يريده الله ويحبه مما أمر الله به، وهذا هو الفرق بين الإرادتين، فلم يستطع القدرية أن يفرقوا بينهما؛ لأنهم حكموا عقولهم كما هو معروف.
فالشارح يقول: [الثالث: أنه إذا أراد شيئاً فعله؛ فإن (ما) موصولة عامة، أي: يفعل كل ما يريد أن يفعله].
فالله إذا أراد شيئاً إرادة كونية فعله، وهي المشيئة، فإذا شاء شيئاً فعله، هذا معنى الإرادة هنا.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا في إرادته المتعلقة بفعله، وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر].
فإرادة الله تعالى المتعلقة بفعل العبد على نوعين.
قال رحمه الله تعالى: [فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه] أي: أراد إرادة دينية أن يطيعه العبد -كأن يصلي- ولكن لم يرد أن يهدي هذا العبد؛ فإن هذه الإرادة تتخلف؛ لأنها أنيطت بفعل المكلف، وهو العبد الذي أمر أن يفعل ما يريده الله أو ما يرضاه الله ويحبه، فلما لم يفعل تخلفت الإرادة، فالله لم يرد في نفسه أن يعينه ويجعله فاعلاً ولم يوجد الفعل، فلو أوجد المعصية في العبد العاصي بغير اختياره صار مجبوراً، والمجبور لا يكلف، فلو أن الله جعل العباد يصلون قصراً دون إرادة التغت إرادتهم، فصاروا كالأنعام.
فالشارح رحمه الله تعالى يقول: [فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلاً لم يوجد الفعل وإن أراده، حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلاً، وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية] فالجبرية يزعمون أن كل شيء بإرادة الله، ولا يقرون بإرادته الدينية، فيزعمون أن العاصي قسره الله وأجبره على المعصية.
وهذا خطأ يدركه كل إنسان عاقل؛ لأن العاقل يدرك أنه يميز بين الخير والشر، وإذا لم يميز فإنه يجد الهادي إلى الخير والمحذر من الشر وهو الوحي، حتى ولو لم يدركه عقله، فكل عبد عاقل يجد من نفسه الميل إلى فعل الطاعات التي هي بمقدوره، كما أنه يجد من نفسه الميل إلى الهوى والشهوات، فإذا كان كذلك فإن الإرادة الدينية متعلقة بفعل العبد، فإن فعلها وقعت، فإن لم يفعلها لم تقع، لا لأن الله عاجز كما يزعم القدرية، بل لأن الله أناطها بفعل العبد، وهذا هو سر التكليف وهو سر الابتلاء، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
قال رحمه الله تعالى: [الرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعله فعله، وما فعله فقد أراده، بخلاف المخلوق، فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما لا يريد، فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده.
الخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعا
стр. 171
بيان اتصاف الله بكونه رباً وخالقاً قبل وجود المربوب المخلوق
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق).
يعني: أن الله تعالى موصوف بأنه (الرب) قبل أن يوجد مربوب، وموصوف بأنه (خالق) قبل أن يوجد مخلوق، قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قال: له معنى الربوبية ومعنى الخالق دون (الخالقية)؛ لأن (الخالق) هو المخرج للشيء من العدم إلى الوجود لا غير، و (الرب) يقتضي معاني كثيرة، وهي: الملك والحفظ والتدبير والتربية، وهي تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني، وهو الربوبية.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأن الخلق يكون بمعنى التقدير أيضاً].
التفريق بين العبارتين فيه شيء من التكلف، وإن كان الإمام الطحاوي ﵀ قد يكون راعى أموراً في تعبيره عن الربوبية بالمصدر وعن الخالق باسم الفاعل، ولعل من هذه الأمور: أن الربوبية أشمل معنى، لا على نحو ما ذكره الشارح لكنها (أشمل)؛ لأنها تشمل الخلق وزيادة.
وهناك معنى آخر، وهو أن مسألة الربوبية قد يختلط مفهومها عند الناس، بمعنى أنهم قد يزعمون الربوبية أو شيئاً من بعض خصائص الربوبية لغير الله.
فلذلك جاء بلفظ المصدر ليعم، أما مسألة الخلق فليس هناك من يزعم من الأمم الضالة أن الخالق غير الله، وإن نسبوا بعض الخلق إلى غير الله فإنهم مع ذلك يعترفون بأن الخالق الأول والخالق القادر الباقي هو الله .
فعبر بلفظ (الربوبية) ولم يقل: الرب؛ ليزيل ما في ذلك من مفهوم كثير من الذين ضلوا بأن أعطوا بعض الخلق شيئاً من خصائص الربوبية، فحصر الربوبية كلها لله ، أما الخلق فالناس معترفون بأنه وحده الخالق.
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم): يعني: أنه موصوف بأنه (محيي الموتى) قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه (خالق) قبل خلقهم، إلزاماً للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم فيما تقدم، وتقدم تقرير أنه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء].
стр. 172
بيان عموم قدرة الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]): (ذلك) إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه، والكلام على (كل) وشمولها وشمول (كل) في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى.
وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] فقالوا: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم! وتنازعوا: هل يقدر على مثلها أم لا؟! ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال: هو عالم بكل ما يعلمه، وخالق لكل ما يخلقه، ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها، فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء! وأما أهل السنة فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته -مثل كون الشيء الواحد موجوداً معدوماً في حال واحدة-؛ فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئاً باتفاق العقلاء.
ومن هذا الباب: خلق مثل نفسه، وإعدام نفسه، وأمثال ذلك من المحال.
وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة؛ فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن: هل هو شيء أم لا؟ والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج].
هذا كله من باب السفسطة والجدال العقيم الذي لا ناتج وراءه، بل مما هو يمرض القلوب، فالذين تكلموا بهذه الأمور الكلامية تأثروا بكلام الفلاسفة الملاحدة المشركين الذين لا يؤمنون بالوحي أصلاً ولا يهتدون بهدي الله، فهؤلاء خاضوا في أمور الغيب بغير علم فتأثر بهم أصحاب هذه الاتجاهات من المتكلمين المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم.
لذلك تنازعوا في أمورٍ الكلامُ كله فيها تحصيل حاصل، بل هو تضييع للوقت والجهد وإماتة للقلوب، كتنازعهم في المعدوم الممكن هل هو شيء أم لا، فهذا كله من الفلسفة التي لا تثمر؛ لأن المعدوم الممكن في الذهن وليس في الواقع، مثاله: أن يفترض إنسان أن الله قادر على خلق جنة أخرى غير الجنة التي ذكرها، فهذا ممكن، ويقولون: هذه الجنة المفترضة معدومة؛ لأنها لم توجد، ولم يذكر الله أنها ستوجد.
إذاً: ما الذي يترتب على تصورها أو تصور أنها شيء أو غير شيء؟! كل ذلك إنما هو من السفسطة التي لا داعي للكلام فيها أبداً، بل الكلام في مثل هذه الأمور لغير ضرورة ملحة -كالبيان والرد على الشبهات- هو من الإثم، ويجب على المسلم أن يتجنب مثل هذه الافتراضات.
قال رحمه الله تعالى: [والتحقيق أن المعدوم ليس بشيء في الخارج].
يقصد بالخارج خارج الذهن، وهذه -أيضاً- من مشاكل المتكلمين وعباراتهم التي تموه على الناس، فإذا تصورت معدوماً -كجنة غير الجنة التي ذكرها الله فهذا أمر ممكن، لكن تصوره لا يخرج عن الوهم الذي هو في خواطر الإنسان وذهنه، ومعنى (لا وجود لها في الخارج) كونها غير مخلوقة، أو فيما هو خارج الذهن من الموجودات، أو الحيز الذي فيه الموجودات.
قال رحمه الله تعالى: [ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]، فيكون شيئاً في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] أي: لم تكن شيئاً في الخارج، وإن كان شيئاً في علمه تعالى.
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]].
стр. 173
شرح العقيدة الطحاوية [١٧]
العلم صفة من صفات الكمال الثابتة لله ، وقد نفى أهل التعطيل هذه الصفة، ويرد عليهم في ذلك بأن الله سبحانه هو موجد الأشياء وخالقها، ويستحيل إيجاد الأشياء وخلقها دون العلم بها، كما أن من مخلوقاته من هو عالم، والعلم صفة كمال، ويستحيل أن تكون هذه الصفة في المخلوق دون خالقه، فلا يصح عقلاً أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عارياً منه.
стр. 174
الرد على المشبهة بنفي المماثلة والمعطلة بإثبات صفات الكمال
قال المصنف المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على المشبهة، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على المعطلة، فهو موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه.
فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير؛ فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه؛ إذ صفات المخلوق كما يليق به، وصفات الخالق كما يليق به، ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه، وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب له وما يمتنع عليه، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم وأقدرهم على البيان؛ فإنك إن نفيت شيئاً من ذلك كنت كافراً بما أنزل على محمد ﷺ ، وإذا وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه، فليس كمثله شيء، فإذا شبهته بخلقه كنت كافراً به.
قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيهاً.
وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي ﵀: ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه].
стр. 175
ثبوت المثل الأعلى لله ﷻ
قال رحمه الله تعالى: [وقد وصف الله تعالى نفسه بأن له المثل الأعلى، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧]، فجعل سبحانه مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال لأعدائه المشركين وأوثانهم، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمال كله لله وحده، فمن سلب صفات الكمال عن الله تعالى فقد جعل له مثل السوء، ونفى عنه ما وصف به نفسه من المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية، والمعاني الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره، ولما كانت صفات الرب تعالى أكثر وأكمل كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير.
واختلفت عبارات المفسرين في المثل الأعلى ووفق بين أقوالهم بعض من وفقه الله وهداه، فقال: المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب تعالى بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه.
فهاهنا أمور أربعة: ثبوت الصفات العليا لله ، سواء علمها العباد أو لا، وهذا معنى قول من فسرها بالصفة، الثاني: وجودها في العلم والشعور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره، ومحبته وجلاله، وتعظيمه، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه، وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشركه فيه غيره أصلاً، بل يختص به في قلوبهم، كما اختص به في ذاته.
وهذا معنى قول من قال من المفسرين: إن معناه: أهل السماوات يعظمونه ويحبونه ويعبدونه وأهل الأرض كذلك، وإن أشرك به من أشرك، وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فأهل الأرض معظمون له، مجلون، خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته وجبروته، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم:٢٦].
الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل.
الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده، والإخلاص له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى.
فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الأربعة، فمن أضل ممن يعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧]، وبين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ويستدل بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] على نفي الصفات، ويعمى عن تمام الآية، وهو قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، حتى أفضى هذا الضلال ببعضهم -وهو أحمد بن أبي داؤد القاضي - إلى أن أشار على الخليفة المأمون أن يكتب على ستر الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم! حرف كلام الله لينفي وصفه تعالى بأنه السميع البصير، كما قال الضال الآخر جهم بن صفوان: وددت أني أحك من المصحف قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، فنسأل الله العظيم السميع البصير أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بمنه وكرمه].
стр. 176
ذكر ما قيل في إعراب (كمثله)
قال رحمه الله تعالى: [وفي إعراب (كمثله) وجوه: أحدها: أن الكاف صلة زيدت للتأكيد، قال أوس بن حجر: ليس كمثل الفتى زهير خلق يوازيه في الفضائل وقال الآخر: ما إن كمثلهم في الناس من بشر.
وقال آخر: وقتلى كمثل جذوع النخيل فيكون (مثله) خبر (ليس)، واسمها (شيء)، وهذا وجه قوي حسن، تعرف العرب معناه في لغتها، ولا يخفى عنها إذا خوطبت به، وقد جاء عن العرب أيضاً زيادة الكاف للتأكيد في قول بعضهم: وصاليات ككما يؤثفين.
وقول الآخر: فأصبحت مثل كعصف مأكول.
الوجه الثاني: أن الزائد (مثل)، أي: ليس كهو شيء، وهذا القول بعيد؛ لأن (مثل) اسم، والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم.
الوجه الثالث: أنَّه ليس ثم زيادة أصلاً، بل هو من باب قولهم: مثلك لا يفعل كذا.
أي: أنت لا تفعله.
وأتى بـ (مثل) للمبالغة، وقالوا في معنى المبالغة هنا: أي: ليس لمثله مثل لو فرض المثل، فكيف ولا مثل له، وقيل غير ذلك، والأول أظهر].
стр. 177
إثبات صفة العلم الكامل لله ﷻ
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (خلق الخلق بعلمه): (خلق) أي: أوجد وأنشأ وأبدع، ويأتي (خلق) أيضاً بمعنى: قدر.
والخلق: مصدر، وهو هنا بمعنى المخلوق.
وقوله: (بعلمه) في محل نصب على الحال، أي: خلقهم عالماً بهم، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠]، وفي ذلك رد على المعتزلة.
قال الإمام عبد العزيز المكي صاحب الإمام الشافعي ﵀ وجليسه في كتاب (الحيدة) الذي حكى فيه مناظرته بشراً المريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى: فقال بشر: أقول: لا يجهل، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم تقريراً له، وبشر يقول: لا يجهل، ولا يعترف له أنه عالم بعلم، فقال الإمام عبد العزيز: نفي الجهل لا يكون صفة مدح؛ فإن قولي: هذه الأسطوانة لا تجهل ليس هو إثبات العلم لها، وقد مدح الله تعالى الأنبياء والملائكة والمؤمنين بالعلم لا بنفي الجهل، فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه].
هذه الفلسفة عند المعتزلة ناتجة عن قولهم بأن الله تعالى عليم بلا علم، فلذلك يهربون من إثبات صفة العلم بكل وسيلة، حتى ولو بتكلف وتمحل، كما في مثل هذه المناظرة التي جرت بين الكناني وبشر المريسي، وكتاب الحيدة قد أورد بعض المتأخرين حوله إشكالاً في ثبوته بنصه عن الكناني، فالكتاب الموجود المطبوع الآن قد لا يكون بنصه هو كتاب الكناني، لكن المناظرة جرت وفحواها موجودة في الكتاب، وإنما صياغة الكتاب قد تكون دخلتها الصناعة؛ لأنه في بعض القضايا التي وردت في الكتاب ما لم يكن معهوداً في ذلك الزمن، أي: في زمن الكناني، وهذه هي الشبهة التي أوردت على الحيدة، ومع ذلك فإن المناظرة واردة فعلاً والحيدة صحيحة، أي: حيدة المريسي، بمعنى: نكوصه عن الجواب ووقوفه وانقطاعه.
ثم إن أكثر قضايا المناظرة نقلت عن الأئمة العلماء، سواء عن طريق كتاب الحيدة أو عن غيره، وإنما يبقى الإشكال في الصياغة، بمعنى أنه قد يكون دخل في صياغة الكتاب بعض الاجتهادات من النساخ أو غيرهم.
стр. 178
الدليل العقلي على إثبات صفة العلم الكامل لله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [والدليل العقلي على علمه تعالى: أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل، ولأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزماً للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم، ولأن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها؛ لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير عالم، ولأن من المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع ألا يكون الخالق عالماً.
وهذا له طريقان: أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر غير عالم؛ كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالماً لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع.
الثاني: أن يقال: كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عارياً منه، بل هو أحق به، والله تعالى له المثل الأعلى، لا يستوي هو والمخلوقات، لا في قياس تمثيل ولا في قياس شمول، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق به أحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه أولى].
هذا الأمر فطري بالطبع، لا يكاد يغالط فيه أي عاقل، وهو أن الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم لابد من أن يكون هو العالم، ولا يمكن أن يكتب المخلوق -وهو الإنسان أو غير الإنسان- علماً من دون الله، فالله إذا كان هو الذي وهب العباد العلم؛ فمن باب الضرورة العقلية والفطرية أنه سبحانه هو العالم، وأن ما عند المخلوقين إنما هو من علم الله، ولا يساوي مع علم الله شيئاً.
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وقدر لهم أقداراً): قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٢ - ٣].
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)].
стр. 179
شرح العقيدة الطحاوية [١٨]
стр. 180
بيان المراد بواجب الوجود عند المتكلمين
السؤال
ما المراد بقولهم: واجب الوجود؟
الجواب
هذا تعبير عن مصطلح المتكلمين والفلاسفة الذين يسمون الله بواجب الوجود، بمعنى الذي وجوده معلوم بالضرورة، وليس الواجب هنا بمعنى الواجب الشرعي المكلف به، إنما الواجب الذي يسلم العقل به ضرورة.
وبمعنى آخر: الواجب بمعنى اللازم الأزلي الذي لا يفتقر وجوده إلى موجد، بل وجود الموجودات يفتقر إليه، وعكسه المخلوق المحدث، فيسمونه الممكن، وهذا تعبير فلسفي الأولى في الحقيقة تفاديه، فالتعبير بأنه ﷻ هو الأول الذي ليس قبله شيء -كما عبر النبي ﷺ هو الأولى.
следующие страницы →