← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الأسئلة

стр. 1157

حكم التقريب بين أهل السنة وبين الرافضة وحكم من يدعو إلى ذلك السؤال ظهر في الآونة الأخيرة في بعض الأشرطة لبعض المنتسبين للعلم أنه لا فرق بين أهل السنة والرافضة، ويسعى للتقريب بينهم، كما ذكر روايات وقصصاً فيما وقع بين الصحابة من خلاف وفتنة؟ الجواب ما يتعلق بالكلام في الصحابة الذي أعرفه أن المشايخ والعلماء الكبار الآن يرون أنه لا يجوز الحديث عما شجر بين الصحابة، حتى وإن كان من باب إعطاء الحقيقة أو الإنصاف للصحابة؛ لأن هذا يثير في الناس إشكالات، ويشككهم فيما كان عليه الصحابة، وأكثر الناس لا يتخلص من الشبهات التي تقع في ذهنه، فاعتبر من الأحداث التي لا يجوز إثارتها بين المسلمين مرة أخرى، ولا يترتب على إثارتها أي مصالح، فالأصل في المسلمين أن يعرفوا حقوق الصحابة، وأن يتعلموا ذلك، أما ما حدث من فتن وأحداث فلا يجوز إثارته ولو من باب تقرير الإنصاف أو العدل أو تقرير الدفاع عن الصحابة؛ لأن الأصل عند السلف عدم جواز الحديث فيما شجر بين الصحابة. أما الكلام عن الرافضة وتزكية الرافضة أحياناً، أو اعتبار الفرق بينهم وبين أهل السنة فرقاً غير عقدي أو التقريب بينهم، فهذه كارثة في صفوف الدعاة إن صح التعبير، منذ أن صار الدعاة غير علماء والكوارث تتوالى على المسلمين من هذا النوع، وسبق التنبيه إلى مثل هذا من قبل مشايخنا وطلاب العلم، منذ بدأت بعض الأحداث من بعض الدعاة أو بعض الحركات الإسلامية، وهذا مصداق ما ذكره النبي ﷺ من أنهم اتخذوا رءوساً جهالاً، فضلوا وأضلوا، والسبب في ذلك أن الموازين الآن عند كثير من الدعوات المعاصرة اختلت، فصار من يتولى القيادة يتولاها بشروط غير شرعية، مجرد ما يكون عنده عاطفة إسلامية وفكر وثقافة ويكون لسناً، وقد يكون صاحب مؤهل أو تخصص نادر، يرفع الراية وتنساق معه جموع الشباب وجموع المجتمعات، وهذه من سمات أهل الأهواء، وهي خطر عظيم، ولذلك لما تمكن هؤلاء من الدعوة، وصار لهم أتباع، تجرءوا على أن يقولوا ما في أنفسهم، وأن يبينوا عن جهلهم. فهذا جهل مطبق ودليل على عدم الرسوخ في العقيدة، وعدم الفقه في الدين، ودليل على تمكن الحزبية من الجماعات، فأنا أشعر من السؤال أن فيه إشارة إلى بعض الدعاة المشاهير في بعض البلاد العربية القريبة، الذين حاولوا أن يلطفوا الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة، وأن يعتبروا الخلاف مع الشيعة اختلافاً يسيراً يمكن تجاوزه، وأن أهل السنة بالغوا في قولهم في الشيعة إلى آخره. أقول: هذا من الخلط، وسببه تصدر هؤلاء الذين لا يفقهون في دين الله ، إلا مجرد الثقافة العامة من غير أصول ولا ضوابط، فصاروا يفتون بغير علم، ويتبعهم على ذلك فئام من شباب الأمة. إذاً: المسألة ليست مسألة شخص، بل مسألة مناهج، وإذا استمرت المناهج بهذا الشكل في تصدر هؤلاء الذين ليسوا من الراسخين في العلم، فسترى كوارث كثيرة، نسأل الله العافية والسلامة، ورأينا وسمعنا في السابق ولا نزال نسمع من مثل هذه الأمور العظام الكبار. ومعلوم أنه إذا تصدر للدعوة ناس ليس لهم رصيد إلا العاطفة، فمن الطبيعي أن يحدث مثل هذا، ما لم يتعلموا على أهل العلم، والمشكلة أن أكثر الذين يتدينون ممن لهم أثر يعتبرون مفكرين أو دعاة، خاصة الذين يتدينون في الغرب، ثم يأتي إلى بلاد المسلمين هنا ويتصدر، هؤلاء مشكلتهم أنهم جهلة ولا يعلمون أنهم جهلة، وهذا يسمى جهلاً مركباً، فلا يدرسون على العلماء، وأنا أشير على كثير منهم بأنه يجب أن يجلسوا على الركب بين يدي العلماء، لكنهم والله أعلم رأوا أن في ذلك غضاضة عليهم، وإلا فعلى هؤلاء أن يتعلموا ما يتعلمه الأطفال عندنا، ثم ما يتعلمه الشباب، ثم ما يتعلمه طلاب العلم، حتى يرسخوا في العلم؛ لأن تدينهم قائم على عواطف، والعواطف لا تصنع شيئاً، أو يتدين على أيدي دعاة أكثرهم من أهل الأهواء، فتنغرس في قلبه الأهواء وهو لا يدري، أو يتدين في الغالب على أصحاب شعارات وحزبيات وجماعات ترفع لواءات الحزبية، فيتصدر بهذا الاتجاه، ولو لم ينتم إليها، فمن هنا جاءت مثل هذه الدواهي والمصائب من أمثال هؤلاء، مما يزعمون أنه جمع أو تقريب بين السنة والرافضة. أقول: أهل السنة والرافضة ليس بينهم تقارب، إلا أن تستجيب الرافضة للحق، فهذا ما نرجوه ونأمله، ويجب أن نسعى إليه، ويسعدنا ذلك، أما أن نقرب السنة للرافضة أو نتهم السنة بالتحيز، أو أنهم قالوا في الرافضة ما لم يكن، فهذا من الباطل، فلا شك أن عند الرافضة من الباطل والضلالات والانحراف في المناهج والأعمال، وعندهم من الشركيات ما يجهلها أكثر أهل السنة؛ لأن أكثر مخازي الرافضة لا يعلمها إلا بعض المتخصصين، حتى إن بعضهم قد لا يجرؤ على ذكرها علناً؛ لأن أكثر الناس لا يصدقون، ويحتاجون إلى براهين قد لا يملك إفهام الناس لها، عند الرافضة من الباطل والكفر والشرك والبعد عن الحق ما لا يكاد يتصور.

стр. 1158

شرح العقيدة الطحاوية [٩٨] من عقيدة أهل السنة والجماعة ثبوت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولاً لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بعده بالنص عليه من أبي بكر، ثم لعثمان حين ترك عمر الأمر شورى من بعده، ثم لعلي ﵁، وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، وفضائلهم وجليل مناقبهم مبثوثة في كتب السير والتراجم، وقد اتفق أهل السنة على تعظيمهم وتوقيرهم، ثم من بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وما شجر بين الصحابة فإنه يسع المسلمين السكوت وعدم الكلام خوفاً من الفتن وإيغار الصدور بالأحقاد والضغائن.

стр. 1159

من حجج القائلين بعدم ثبوت خلافة أبي بكر بالنص الصريح قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة، لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل أحد من الصحابة قط: إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر؛ لا علي، ولا العباس ولا غيرهما، كما قد قال أهل البدع! وروى ابن بطة بإسناده أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن، فقال: هل كان النبي ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال: أو في شك صاحبك؟ نعم، والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها. وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر، لم يذكر حجة دينية شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط، وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وحب رسول الله ﷺ له، ففي الصحيحين، عن عمرو بن العاص: (أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وعد رجالاً). وفيهما أيضاً، عن أبي الدرداء قال: (كنت جالساً عند النبي ﷺ ، إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر، فسلم، وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر، ثلاثاً، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم هو؟ فقالوا: لا، فأتى النبي ﷺ ، فسلم عليه، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أوذي بعدها)، ومعنى: غامر: غاضب وخاصم، ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله. وفي الصحيحين أيضاً، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح، -فذكرت الحديث إلى أن قالت-: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني هيأت في نفسي كلاماً قد أعجبني، خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب، وأعزهم أحساباً، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد، فقال عمر: قتله الله]. والسنح: العالية، وهي حديقة من حدائق المدينة معروفة بها.

стр. 1160

خلافة عمر الفاروق ﵁ وفضائله قوله: (ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁. أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر لـ عمر ﵄]. يعني: نحن بصدد الحديث عن ترتيب الخلفاء الراشدين في الخلافة، لكن ينبغي أن يستصحب الترتيب الآخر، وهو أن ترتيبهم في الفضل جاء هكذا، ولم يكن بالضرورة أن يكون ترتيبهم في الخلافة ناتجاً عن ترتبيهم في الفضل، لكنه وقع هكذا، ولعل الصحابة ﵃ جميعاً سددوا ووفقوا في اختيار الأفضل فالأفضل فالأفضل، فكما أن الأربعة ترتيبهم في الأفضلية هكذا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فكذلك ترتيبهم في الخلافة جاء هكذا، وإن كان ليس ترتيب الخلافة من لوازم ترتيب الأفضلية، لكنه وقع كما قلت، وذلك من توفيق الله للصحابة ﵃. وكان الناس في وقت عثمان ﵁ خاضوا في أيهما أفضل علي أو عثمان، ولم يترددوا في أفضلية أبي بكر وعمر، وبعد قتل عثمان ﵁، بقي الأمر محل نزاع، ثم استقر بعد ذلك باتفاق الصحابة وباتفاق التابعين وتابعيهم وأئمة السلف وإلى أفضلية الخلفاء الراشدين في الإمامة كأفضليتهم في الأفضلية المطلقة، وأن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وانتهت المقولة التي كان عليها بعض السلف قديماً من تفضيل علي على عثمان، مع اعترافهم بإمامة عثمان، فإنهم كانوا يفضلون علياً على عثمان، ثم تركوا هذا التفضيل بعد توارد النصوص؛ لأنه لما أثيرت القضية روى الصحابة ﵃ وروى رواة الحديث من الثقات ما ثبت عن رسول الله ﷺ في هؤلاء الأربعة من الصحابة، فتبين للسلف اتفاقاً أن عثمان أفضل من علي، وأن النصوص الواردة في أفضليته أكثر من النصوص الواردة في أفضلية علي وفي كل خير، ولا شك أنهم الخلفاء الراشدون، وأنهم خير الصحابة بإطلاق، وهم من العشرة المبشرين بالجنة, وتفضيل الفاضل لا يعني استنقاص المفضول. قال رحمه الله تعالى: [أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر لـ عمر ﵄؛ وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه، وفضائله ﵁ أشهر من أن تنكر، وأكثر من أن تذكر. فقد روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بني، أوما تعرف؟ فقلت؟ لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال، ما أنا إلا رجل من المسلمين. وتقدم قوله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر). وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄، قال: (وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيراً ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو، أو لأظن أن يجعلك الله معهما). وتقدم حديث أبي هريرة ﵁، في رؤيا رسول الله ﷺ ، ونزعه من القليب، ثم نزع أبي بكر، ثم استحالت الدلو غرباً، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن. وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ ، وعنده نساء من قريش يكلمنه، عالية أصواتهن -الحديث، وفيه-: فقال النبي ﷺ : إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك). وفي الصحيحين أيضاً، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم)، قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهم

стр. 1161

خلافة عثمان ﵁ وفضائله قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ثم لـ عثمان ﵁. أي: ونثبت الخلافة بعد عمر لـ عثمان ﵄، وقد ساق البخاري ﵀ قصة قتل عمر ﵁، وأمر الشورى، والمبايعة لـ عثمان في صحيحه، فأحببت أن أسردها، كما رواها بسنده: عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر ﵁ قبل أن يصاب بالمدينة بأيام، ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمراً هي له مطيقة؛ ما فيها كثير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً، قال: فما أتت عليه أربعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللاً تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يميناً ولا شمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساً، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد يرى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله! فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله! فلقد أمرت به معروفاً! الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً، فقال: إن شئت فعلت؟ أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت! بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس عليه، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه، فعرفوا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كان كفافاً لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر! انظر ما علي من الدين؟ فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً ونحوه، قال: إن وفى لي مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، قالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، قال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شيء أحب إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسرب معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلاً لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى علياً، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعداً فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة

стр. 1162

خلافة علي بن أبي طالب ﵁ وفضائله قوله: (ثم لـ علي بن أبي طالب ﵁. أي: ونثبت الخلافة بعد عثمان لـ علي ﵄. لما قتل عثمان وبايع الناس علياً، صار إماماً حقاً واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة، كما دل عليه حديث سفينة المقدم ذكره، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء). وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفاً، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ابنه ستة أشهر. وأول ملوك المسلمين معاوية ﵁، وهو خير ملوك المسلمين، لكنه إنما صار إماماً حقاً لما فوض إليه الحسن بن علي ﵄ الخلافة، فإن الحسن ﵁ بايعه أهل العراق بعد موت أبيه، ثم بعد ستة أشهر فوض الأمر إلى معاوية، وظهر صدق قول النبي ﷺ : (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، والقصة معروفة في موضعها. فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعد عثمان ﵁ بمبايعة الصحابة، سوى معاوية مع أهل الشام. والحق مع علي ﵁، فإن عثمان ﵁ لما قتل كثر الكذب والافتراء على عثمان وعلى من كان بالمدينة من أكابر الصحابة، كـ علي، وطلحة، والزبير، وعظمت الشبهة عند من لم يعرف الحال، وقويت الشهوة في نفوس ذوي الأهواء والأغراض، ممن بعدت داره من أهل الشام، ومحبي عثمان تظن بالأكابر ظنون سوء]. جاء في بعض النسخ: (ويحمي الله عثمان أن يظن بالأكابر ظنون سوء) وكلا العبارتين صحيحتين، إن كان الخطاب المقصود به عثمان، فلا شك أن عثمان ﵁ لا يمكن أن يظن بالناس تلك الظنون التي نسبت إليه، لكن العبارة الموجودة أقرب: (ومحبي عثمان تظن بالأكابر ظنون السوء) يعني: أنهم كانوا بعيدين عن المدينة ولا يعرفون ماذا حدث، ويظنون أن الصحابة قصروا في حق عثمان، ولم تبلغهم الأخبار على وجهها، فأبوا أول الأمر مبايعة علي حتى يقتص لـ عثمان، والقضية اجتهادية بين المسلمين، لم يكن فيها قصد الهوى أو الفرقة كما هو معروف. قال رحمه الله تعالى: [وبلغ عنهم أخباراً منها ما هو كذب، ومنها ما هو محرف، ومنها ما لم يعرف وجهه، وانضم إلى ذلك أهواء قوم يحبون العلو في الأرض، وكان في عسكر علي ﵁ من أولئك الطغاة الخوارج، الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله، ورأى طلحة والزبير أنه إن لم يُنْتَصَرْ للشهيد المظلوم، ويقمع أهل الفساد والعدوان، وإلا استوجبوا غضب الله وعقابه، فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من علي، ولا من طلحة والزبير، وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين، ثم جرت فتنة صفين لرأي؛ وهو أن أهل الشام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكن من العدل عليهم، وهم كافون، حتى يجتمع أمر الأمة، وأنهم يخافون طغيان من في العسكر، كما طغوا على الشهيد المظلوم]. يعني: أن علياً ﵁ لا يستطيع تحقيق مطلب أهل الشام الذين أرادوا الاقتصاص من قتلة عثمان؛ لأن علياً ﵁ والذين خرجوا معه من المدينة أعرف من أهل الشام بتفاصيل القضية وبملابساتها، وبأحوال الجيش الذي مع علي، والذي منه قتلة عثمان، ومنهم من لا يعرف بعينه، ومنهم له أحوال لا يمكن معها إقامة القصاص ما لم تجتمع كلمة المسلمين على إمام واحد، فينفذ أمره. فالمسألة مسألة وجهة نظر، فكل من الصحابة ومن كان في الجيش في الجملة يريد مطلباً يرى أنه هو الشرعي، وأنه الذي به يكون الحق، لكن لا يخلو من بين هؤلاء وبين هؤلاء من يريد الفتنة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، لكن ليس من الصحابة، وهذا مما يجب أن يفهم، لم يثبت ولن يثبت أن أحداً من الصحابة كان صاحب هوى أو له مطلب أو سلطان، لم يكن أحد منهم يريد ذلك، لكن ممن التفوا حولهم من قتلة عثمان، ومن الشيعة السبئية والخوارج وأهل النفاق، وقليلي الفقه في الدين، وحدثاء الأسنان الذين تأخذهم العواطف ولا يقدرون الأمور بقدرها، وليس عند

стр. 1163

ذكر بعض الأصول المتعلقة بالفتنة التي حصلت في خلافة علي ﵁ من الأصول المهمة فيما يتعلق بالفتنة: أولاً: أن أكثر الصحابة لم يشاركوا في هذا الأمر؛ وذلك حين رأوا أن الأمر فتنة، فتأخروا، بخلاف ما تذكره روايات الرواة وأكثرهم من الشيعة من أن أغلب الصحابة وقعوا في النزاع، فالصحيح كما ذكر الأئمة المحققون أنه لم يشارك من الصحابة في القتال أكثر من ثلاثين، بل بعضهم قال: عشرة، يعني: الذين شاركوا في مسألة المداولة ومحاولة جمع المسلمين على رأي، فانضموا إما إلى علي وإما إلى معاوية. ثانياً: أن الصحابة الذين شاركوا منهم من خرج أثناء القتال، خاصة الكبار كـ طلحة والزبير؛ فقد خرجا منها في أثنائها لما علما بأنها فتنة، وحين بلغهما الحديث عن النبي ﷺ الذي أورده علي بن أبي طالب وذكره لهما. ثالثاً: أن جميع من شارك في الفتنة ندموا بعد ذلك، حتى إن علي بن أبي طالب والزبير ﵄ حينما التقى كل واحد منهما الآخر تعانقا، حتى وقع سيفاهما على الأرض من شدة التأثر، وذهب علي إلى عائشة ﵂ -وهي في جيش خصومه- فاعتذر منها، وكلمها بأدب، وخاطبها بأنها أمه، وقال: يا أماه، وهذا مما يدل على أن قلوبهم كانت صافية، بعكس ما يقوله الروافض، وأكثر المؤرخين الذين تكلموا عن القضية. رابعاً: أنها فتنة، والفتنة تنقلب فيها الموازين، ويضطر من يشارك فيها ومن لم يشارك فيها إلى ارتكاب الضرورات؛ لأن الأمور في وقت الفتنة تختلف عن حالة الرخاء والسلم، والفتنة لها ضرورات لا بد من اعتبارها، فقد يقبل المسلم في الفتنة ما فيه ضيم وضير عليه، قد يقبل المسلم في الفتنة ما يضره في دينه، لكنه يصبر، قد تعرض على المسلم في الفتنة مغريات، وتختل موازين الناس في الفتنة أيضاً في تقرير الحق والباطل، ففي الغالب في الفتنة ينغمر الحق وتسود الآراء الباطلة، حتى يرى الناس أنها هي الحق، وقد يخفى الأمر حتى على العاقل اللبيب، ويكون العاقل العالم الفقيه الراسخ الداهية حيران من أمره، أما الصغير العاطفي فيلج في الفتنة ويظن أنه على هدى، وهو ليس على هدى. فهذه أمور حاصلة من خلال هذه الفتنة التي حدثت بين الصحابة؛ ولذلك اتفق السلف على أنه لا يجوز الخوض فيما شجر بين الصحابة، واعتبار الأمر أمرَ تاريخٍ قد قضي لم نشهده ولم نعلمه، والذين شهدوه ما علموا كل خلفياته، مما جعلهم تختلف عندهم موازين الحكم، وموازين الرؤية للقضية، فكيف بمن جاء بعدهم بأجيال، وكل منهم كان يروي ما يرى ولا يدري عما لا يرى، وكان أغلب ما في القضية من أحكام قطعية في قلوب أصحابها عند علي ومعاوية وكبار الصحابة، لا أحد يدري عما كان في نفوسهم من اجتهادهم إلا الإحسان الظني فيهم، وقضوا إلى ما فعلوا، وأمرهم إلى الله ، لكن لا شك أنهم لم يقعوا في أمر يقتضي القدح والطعن في أحد منهم، ولا إلغاء الأفضلية التي كانت لهم؛ لأن الصحابة قدرهم قبل الفتنة كقدرهم بعدها ولا فرق، لم تغير الفتنة من حقوقهم شيئاً، وما ثبت لهم من النصوص الشرعية عن النبي ﷺ في حقوقهم العامة، وفي حقوق بعضهم الخاصة، فهو ثابت لم تغير فيه الفتنة شيئاً، وإذا كان الأمر كذلك فكأن الفتنة لم تكن، وهي أمر انقضى ومضى. إذاً: اتفق السلف على أنه لا يجوز الخوض في الفتنة، ولا حتى من أجل بيان وتقرير القول الحق؛ لأن إثارة القضية أمام عامة الناس، وأمام جمهور المسلمين، وأمام غير الراسخين في العلم لغير حاجة وضرورة مما يحرك القلوب على الصحابة، ومما يثير الشكوك والتساؤلات، ومما يبرر الوقوع في الفتن عند ضعاف الفقه، فما أكثر ضعف الفقه، أكثر الناس ربما إذا سمع القصة عن الصحابة ظن أنه يسوغ له أن يخالف، وأن يفارق، وأن يعاند، وأن يناطح العلماء ويناطح الولاة، ويظن أن هذا هو نهج الصحابة. فلذلك ينبغي ألا تثار قضية الصحابة أبداً إلا عند طلاب العلم المتخصصين، في دروس خاصة ممن يهمهم ذلك، أو عند الإجابة على سؤال يجب ويتعين الإجابة عليه عند من سأل، أما إثارة القضية في الندوات أو في المحاضرات، أو في الكتب، أو في رسائل أو بحوث من جديد، فهي من الأمور التي نهى عنها السلف، ولذلك لما ظهرت الأشرطة الأخيرة فيما شجر بين الصحابة، ورجع الناس إلى المشايخ الكبار والعلماء بسبب ما حيرهم من ضعف الإيمان، صدرت فتاواهم بعدم جواز تداول هذه الأشرطة، وعدم نشرها بين الناس؛ لأن هذا يثير الضغائن على صحابة رسول الله ﷺ ، ويثير الشكوك، وأكثر الناس لا يعرفون هذه الأمور، ولا يذكرون القواعد الشرعية في الحكم في هذه الأمور. فيجب على طلاب العلم أن يلتزموا هذا التوجيه من المشايخ الكرام.

стр. 1164

من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال رحمه الله تعالى: [ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ما في الصحيحين، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لـ علي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي). وقال ﷺ يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه). (ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١]، دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي).

стр. 1165

الخلفاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون قوله: (وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون). تقدم الحديث الثابت في السنن، وصححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة). وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل، كترتيبهم في الخلافة. ولـ أبي بكر وعمر ﵄ من المزية أن النبي ﷺ أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا في الاقتداء في الأفعال إلا بـ أبي بكر وعمر، فقال: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)، وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم، فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي ﵃ أجمعين]. يعني: أن الفارق بين الاقتداء وبين الاتباع، أن الاتباع يكون باتباع المناهج والسنن التي لها أصل في الشرع، فنتبع الخلفاء الراشدين في الأمور التي لم يكن فيها خلاف، أو فيما ينظم أحوال الأمة، مما نسميه الآن: المناهج، سواء مناهج تقرير الدين، أو مناهج الدفاع عن الدين، أو مناهج حماية الأمة من البدعة، أو مناهج التعامل مع غير المسلمين وغير أهل السنة، أو مناهج أحكام أهل الذمة ونحوها، فهذه تسمى مناهج غالباً يكون الحال فيها ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، حتى بعد الخلفاء الراشدين، لكن الخلفاء الراشدون تميزوا؛ لأنهم كانوا في عهد أكابر الصحابة، فكانوا إذا وافقوهم على شيء أو أقروهم على أمر صار إجماعاً، أما الاقتداء فهو في الأحوال الخاصة التي تحدث من الخليفة أو نحوها، ولا شك أن الخلفاء الأربعة كلهم في أحوالهم الخاصة أهل قدوة، لكن حدث في عهد عثمان وفي عهد علي من الفتن ما يجعل التصرفات أحياناً تكون للضرورات وليست للأحكام العامة والمناهج، فـ علي ﵁ تصرف تصرفاً ضرورياً تجاه الفتنة ما يلزم الاقتداء به فيه، وكذلك عثمان ﵁ في مواجهته للفتنة في آخر أمره تصرف تصرفاً ضرورياً لا يلزم الاقتداء به فيه؛ لأنه لجأ إلى كثير من أموره ضرورة. فعلى هذا هناك فرق بين الاقتداء وبين اتباع السنة. قال رحمه الله تعالى: [وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان، وعلى هذا عامة أهل السنة. وقد تقدم قول عبد الرحمن بن عوف لـ علي ﵄: إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان. وقال أيوب السختياني: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار]. في عهد متأخري الصحابة وأوائل التابعين استقر الأمر، ولم يعد هناك شك عند السلف في ترتيب الخلفاء على ما ذكر، وأن عثمان أفضل من علي، ولذلك من خالف من السلف فمخالفته زلة لا يقرونه عليها، وإذا كان من غير السلف ومن غير المعتبرين فمذهبه بدعة، لكن بدعة غير مغلظة؛ بدعة تفضيل علي على عثمان من البدع غير المغلظة، وتسمى: تشيعاً، لكن ليس كالتشيع الاصطلاحي عندنا، هؤلاء الذين فضلوا علياً على عثمان وهم على منهج أهل السنة والجماعة في العموم، هؤلاء زلوا ووقعوا في بدعة خفيفة، ويسمون: المفضلة، ويقال: فيهم تشيع، كما قيل عن عبد الرزاق بن همام، وكما قيل عن سفيان الثوري قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة في هذه المسألة، وكما قيل عن الحاكم النيسابوري وعن كثير من الأئمة، يقال: فيهم تشيع، ولكن لا يقصد به تشيع الرافضة الآن، هذا ليس بالتشيع، هذا رفض. أما من قدم علياً على أبي بكر وعمر وعثمان جميعاً فهذا يسمى من المفترية، حتى لو كان في أموره الأخرى على السنة، ويندر، بل لم ينسب إلى أهل السنة من قال بهذا القول، بل هذا القول قال به الشيعة، ولذلك كان علي بن أبي طالب ﵁ يأمر بجلد من يفضلونه على أبي بكر وعمر، ويسميهم: المفترية، وكتب إلى ولاته: بأن من فضله على أبي بكر وعمر فليجلد جلد المفتري ثمانين جلدة، ولذلك سماهم السلف: المفترية. قال ﵀ تعا

стр. 1166

العشرة المبشرون بالجنة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ ، وقوله الحق: وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين). تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة، ومن فضائل الستة الباقين من العشرة ﵃ أجمعين: ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: (أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي ﷺ : من هذا؟ فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، جئت أحرسك، -وفي لفظ آخر-: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ، ثم نام). وفي الصحيحين: (أن رسول الله ﷺ جمع لـ سعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد، فقال: ارم، فداك أبي وأمي). وفي صحيح مسلم عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ يوم أحد قد شلت. وفيه أيضاً عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي ﷺ غير طلحة وسعد. وفي الصحيحين، واللفظ لـ مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ : لكل نبي حواري، وحواريّ الزبير). وفيهما أيضاً عن الزبير ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه، فقال: فداك أبي وأمي). وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح). وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال: (جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين، قال: فاستشرف لها الناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح). وعن سعيد بن زيد ﵁، قال: (أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد، قال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر منه وجهه، خير من عمل أحدكم، ولو عمر عمر نوح) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه، ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أن النبي ﷺ قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة وقدم فيه عثمان على علي ﵄]. في الرواية الأولى لم يذكر أبا عبيدة، لأنه عد فيها النبي ﷺ ، لكن في هذه الرواية ذكر أبا عبيدة، فقد يكون ﷺ قال هذا مرة وقال هذا مرة، وهذا لا ي

стр. 1167

اتفاق أهل السنة على تعظيم العشرة المبشرين بالجنة التعظيم الشرعي وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم؛ لما اشتُهر من فضائلهم ومناقبهم، ومَن أجهلُ ممن يكره التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشرة؛ لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم يستثنون منهم علياً ﵁، فمن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة، وهم يبغضون التسعة من العشرة! ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار من السابقين الأولين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وكانوا ألفاً وأربعمائة، وقد ﵃، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]. وثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة). وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: (يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ : كذبت! لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية)].

стр. 1168

الأسئلة

стр. 1169

كيفية ترتيب الخلفاء الراشدين في الأفضلية وبقية العشرة السؤال كيف يكون ترتيب الخلفاء الراشدين وبقية العشرة؟ الجواب مجمل الألفاظ في ترتيبهم كانت على ترتيبهم في الخلافة، إلا في ألفاظ قليلة، أما ما بعد الأربعة الخلفاء الراشدين فذكر بعضهم طلحة والزبير وأبا عبيدة؛ لأنهم أفضل من البقية، لكن ليس هناك دليل قاطع، إلا في النصوص التي وردت من تسمية الزبير بحواري الرسول ﷺ ، وتسمية أبي عبيدة أمين هذه الأمة، وهذا كلام مجمل لا شك أنه يدل على الأفضلية الفردية، لكن لا يدل على الأفضلية المطلقة، كما قال النبي ﷺ في غزوة خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، فهذه المحبة لا تعني الأفضلية المطلقة؛ لأن البقية يحبون الله ورسوله، ويحبهم الله ورسوله. فأحياناً تكون الأفضلية خصيصة وليست أفضلية بإطلاق. أما الخلفاء الراشدون لا شك أن ترتيبهم في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة، وجاءت النصوص على ترتيبهم المعروف، أما من بعدهم فالمسألة خلافية ليس فيها جزم، والله أعلم.

стр. 1170

حكم الخوض فيما شجر بين الصحابة من قتال السؤال ما رأيكم في الخوض في خلافة الأربعة بما فيها من الفتنة، وذكر تفصيل ذلك، وخصوصاً ما انتشر من دروس طارق السويدان وغيره، وأنا سمعت شيئاً من أشرطته، فقد تعرض فيها للفتنة؟ الجواب الفتنة لها مقاييس، نسأل الله أن يعافينا جميعاً من الفتن، ليس كل حدث يسمى فتنة، لكن أحياناً بعض الأمور التي تبتدع في المسلمين تسمى فتنة، وإلا فالفتنة إذا جاءت لا تستأذن أحداً. أما الكلام على الأشرطة فما بعد كلام مشايخنا وعلمائنا مزيد، فقد أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بما نقله الثقات عنه، وفضيلة الشيخ محمد بن العثيمين وقد سمعته وغيرهما، أفتوا بعدم جواز استماع هذه الأشرطة وعدم نشرها، للتعليل الذي ذكره السلف، وهو أصل من أصول السلف، وهو قاعدة من قواعدهم التي يجب احترامها: من أن الكلام فيما شجر بين الصحابة ينبغي الكف عنه، وعدم إلقائه ونشره عند الآخرين، وهذه الأشرطة سحبت، وهذا بحمد الله كان بتوجيه المشايخ.

стр. 1171

شرح العقيدة الطحاوية [٩٩] أهل السنة يتبرءون من طريقة الرافضة الذين نصبوا العداء لأصحاب الرسول ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يتجاوز بضعة عشر رجلاً، وبالمقابل يغالون في الاثني عشر إماماً الذين نصبوهم وهالوا عليهم الصفات القدسية والرتب العلية، ومن أحسن القول في الصحابة وأزواج النبي ﷺ المطهرات من كل دنس فقد برئ وسلم من النفاق.

стр. 1172

موقف الرافضة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [والرافضة يبرءون من جمهور هؤلاء]. يعني: من الخلفاء الثلاثة الراشدين ومن بقية العشرة، ومن أصحاب الحديبية وأهل بدر، بل يبرءون من سائر أصحاب رسول الله ﷺ كما سيذكر الشارح. قال رحمه الله تعالى: [بل يبرءون من سائر أصحاب رسول الله ﷺ ، إلا من نفر قليل، نحو بضعة عشر رجلاً! ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس، لم يجب هجر هذا الاسم لذلك، كما أنه سبحانه لما قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل:٤٨] لم يجب هجر اسم التسعة مطلقاً، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع من القرآن: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]. وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقال في ليلة القدر: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان). وقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) يعني: عشر ذي الحجة]. شهد النبي ﷺ بالجنة لعشرة، وهؤلاء عند الرافضة مرتدون، فأبغض الرافضة لفظة (عشرة)؛ لأنها تشير إلى العشرة المبشرين بالجنة، وهذا من أشد أنواع الحمق المعروف في البشر؛ لأنه لا علاقة بين هذا وذاك، حتى لو قدر أن هناك شيئاً من الأعداد يخص ما هو مبغض أو مكروه فلا ينبغي بغض العدد بذاته، وبغض إطلاقه على أي شيء، فهذه مسألة تدل على حمقهم، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية تفصيلاً في منهاج السنة.

стр. 1173

الأئمة الاثنا عشر عند الرافضة الإمامية قال رحمه الله تعالى: [والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة الاثني عشر إماماً، وهم: علي بن أبي طالب ﵁، ويدعون أنه وصي النبي ﷺ دعوى مجردة عن الدليل، ثم الحسن ﵁، ثم الحسين ﵁، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن، ويتغالون في محبتهم، ويتجاوزون الحد]. قبل أن نتجاوز ذكر الأئمة عند الرافضة، نود أن نبين أن الأخير الذين يدّعون أنه إمام هذا ليس له وجود، وإنما هو شخص وهمي لم يولد ولم يعرف له حال، وأبوه مات عقيماً لم يكن له ولد، ولم يعرف أنه ولد، وقصة ولادته أيضاً قصة خرافية، فقد جاءوا بقصة لا تستقيم عند العقلاء، فزعموا أنه فجأة كشف للناس في ليلة واحدة أن إحدى جواريه حامل بولده، وأنها ستضع تلك الليلة، ولما أخبر من حوله من أهل البيت أنكروا ذلك، وقالوا لا نرى من نسائك ومن جواريك من في بطنها ولد، فأحالهم على أوهام بزعمهم في القصة وقال سترون، وفي آخر الليل فوجئ أنه بشر الناس بأنه ولد له ولد دون أن يكون هناك حمل، ودون أن يعرف أن إحدى نسائه حامل، ولم يكن لذلك أي شيء من التمهيد، وهذا مما يدل على أن القصة مكذوبة ومخترعة ولا أصل لها. وأنا أعجب من المهمش الذي ترجم في رقم (٣) في الهامش لمن يسمى بـ محمد بن الحسن العسكري، ولم يعلق على هذه القصة التعليق الكافي، بل قال: هو أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري ثاني عشر الأئمة الاثني عشر، الملقب عند الإمامية بـ الحجة والقائم والمنتظر وصاحب الزمان، وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره، والشيعة يقولون: إنه دخل السرداب إلى آخره. إذاً: لا بد من الإشارة إلى أن هذه خرافة، بل حتى الرافضة الآن متنازعون، ويوجد من علمائهم قديماً وحديثاً وإلى اليوم من يشير إلى أن هذه القصة خرافة، وهناك الآن كتاب خرج من كاتب وباحث مشهور أظن اسمه أحمد الكاتب، أضاف الشكوك على هذه القصة، وذكر بالمنهج العلمي الدقيق أنها لا تصح، وأن فيها نظراً. فالمهم القول بأن للعسكري ولداً هذه خرافة ولا أصل لها، لم يولد له ولد أبداً. قال رحمه الله تعالى: [ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر إلا على صفة ترد قولهم وتبطله، وهو ما خرَّجاه في الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: (دخلت مع أبي على النبي ﷺ ، فسمعته يقول: لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أبي: ماذا قال النبي ﷺ ؟ قال: كلهم من قريش). وفي لفظ: (لا يزال الإسلام عزيزاً باثني عشر خليفة). وفي لفظ: (لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة). وكان الأمر كما قال النبي ﷺ ، والاثنا عشر: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز، ثم أخذ الأمر في الانحلال. وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسداً منغَّصاً، يتولى عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود! وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل الإسلام عزيزاً في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر.

стр. 1174

البراءة من النفاق بحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق)]. كلمة (المقدسين) فيها نوع من التجاوز؛ لأن القداسة لا تكون إلا لله ، فوصف الذريات بأنهم مقدسون فيه نوع تجاوز وتساهل، وهو لفظ لا ينبغي إطلاقه، لو قال: وذرياته المنزهين أو المبرئين كان أولى. أما قول القائل: قدس الله روحه، أو قدس الله روحها، فهو من باب الدعاء وليس من باب الوصف، فمعنى قولهم: قدس الله روحه، يعني: يرفع الله درجته في الملأ الأعلى، والملأ الأعلى هم عند روح القدس، فربما يؤخذ من هذا التساهل في هذه العبارة: قدس الله روحه، ومع ذلك عند التحقيق فيها نظر، لكن قالها من أهل العلم من هو قدوة، ومن هو مأمون على مثل هذه الأمور، وأما ما ذكر المؤلف فقد يكون من باب التساهل في التعبير، أو عدم الفطنة إلى مغزى العبارة، وتبقى كلمة: قدس الله روحه، أسهل من وصف إنسان من الناس أو أحد من البشر بأنه مقدس؛ لأن المقصود من عبارة: قدس الله روحه أن يرفع الله روحه إلى أعلى عليين، أو إلى الملأ الأعلى الذين عند روح القدس. قال رحمه الله تعالى: [تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة ﵃، وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً بماء يُدعى خماً، بين مكة والمدينة، فقال: أما بعد: ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاثاً). وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ارقبوا محمداً في أهل بيته.

стр. 1175

أصل الرفض من منافق زنديق وإنما قال الشيخ ﵀: (فقد برئ من النفاق)؛ لأن أصل الرفض إنما أحدثه منافق زنديق؛ قصْدُه إبطال دين الإسلام، والقدح في الرسول ﷺ ، كما ذكر ذلك العلماء، فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر الإسلامَ، أراد أن يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولس بدين النصرانية، فأظهر التنسُّك، ثم أظهر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان وقتلِه، ثم لما قدم علي الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له؛ ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك علياً فطلب قتله، فهرب منه إلى قرقيسا، وخبره معروف في التاريخ. وتقدم أنه من فضَّله على أبي بكر وعمر جلده جلد المفتري]. مسألة إرجاع الرفض إلى النفاق، هذا أمر صحيح، لا شك أن الرفض منشؤه النفاق والمنافقون؛ لأن الرفض في الحقيقة عبارة عن ديانات كثيرة تقمصت مذاهب التشيع، هذه الديانات منها: اليهودية، ومنها: الصابئية، ومنها: المجوسية، وهي الأغلب، ومنها: النصرانية؛ ولذلك وجدت سمات هذه الديانات في الرافضة، فصارت الرافضة خليطاً من ديانة المجوس أولاً؛ لأن أغلب سمات الرافضة مجوسية في عقائدها، وفي عباداتها، وفي عاداتها وفي عوائدها، وفي مظاهر أعيادها، كما أنها مجوسية من حيث النزعة الشعوبية، أو النزعة العنصرية، فالرافضة مجوس قديماً وحديثاً، وينزعون إلى نصرة المجوس، وهم في أي وقت تقوم لهم دولة ينصرون تقاليد المجوس، ويتمسكون بآداب المجوس، حتى في أنماط إدارة الأمور، حتى في الشئون السلطانية، كما أنهم يقدسون المجوس تقديساً واضحاً، فعندهم العرق المجوسي هو العرق الأول المفضل. إذاً: لا شك أن الذين بذروا الرفض هم المنافقون من شتى الديانات، وأغلبهم أصحاب الديانات المشهورة، أولاً: الصابئة المجوسية، ثم اليهودية، ثم الصابئة، ثم النصرانية، وكل هذه الديانات موجودة في الرفض، وأصولها واضحة من خلال أصول الرافضة المشهورة. أما الأمر الآخر فيما يتعلق بهذا الموضع، هو القول بأن ابن سبأ هو الذي بذر بذور الرفض، هذا الأمر عند التحقيق العلمي قد يكون محتملاً، ولا سبيل إلى الجزم به؛ لأنه لا يلزم من إرجاع الرفض إلى أصوله الكفرية أن يكون من رجل واحد عمل ما عمل، مع أن الراجح أن ابن سبأ فعل ذلك، وإن لم يكن في وقت تصرفاته تلك مشهوراً بـ ابن سبأ، وإنما كان مشهوراً بـ ابن السوداء، وبعضهم يلقبه بـ عبد الله بن وهب، ولا يقصدون عبد الله بن وهب الراسبي الخارجي، إنما يقصدون عبد الله بن وهب الحميري السبائي، وله أسماء أخرى نظراً لتقلبه في كل بلد، فهو في كل بلد يظهر بشكل، فلقب بألقاب، وأهم صفاته التي اشتهر بها في عهد الصحابة أنه كان يسمى: ابن السوداء، وهذا يجرنا إلى الحديث عما ورد عند بعض الباحثين المتأخرين من إنكار أن يكون ابن سبأ حقيقة، ودعواهم أنه أسطورة. وإنكارهم هذا مبني على تعليق الأحداث بلفظة عبد الله بن سبأ، لكن لو رجعنا إلى ألقابه وأوصافه الأخرى لوجدنا له أصولاً، ورواة الرافضة وعلى رأسهم سيف بن عمر هم الذين أشهروا قصص عبد الله بن سبأ، وأكثرها عن طريقهم، لكن لا يعني أن القصة غير صحيحة؛ لأنهم يروون الصحيح وغير الصحيح، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن شهرة الاسم كانت متأخرة، فقد كان يسمى: ابن السوداء، ويسمى بأسماء أخرى، ولا شك أن علي بن أبي طالب طارد رجلاً فعل هذه الأفاعيل، وادعى هذه الدعاوى، وبذر بذور الإلحاد والكفر الصريح، وادعى عند قوم أن علياً إله إلى آخر القصة، وقام بنشر الرفض الغالي، وهذا معلوم، وقيل: إن علي بن أبي طالب تمكن منه، وقيل: إنه لم يتمكن منه، وقيل: إنه جلده، وقيل: إنه قتله، لكن لا يهمنا هذا بقدر ما يهمنا أصل الحدث والعبرة منه، وهو أن الرفض من صنع المنافقين، ولا يلزم أنه يرجع إلى رجل، ولذلك لما بذرت بذور التشيع دخلها كل كائد للإسلام، ولا يلزم أن يكون من خلال ابن سبأ أو تتلمذ على يده، ومن الطبيعي أنه إذا وجدت أفكار تشق عصا المسلمين، وتفارقهم في العقائد، فإن هذه الأفكار يعتنقها أناس كثيرون، ممن يضمرون الكيد للإسلام والمسلمين، أيضاً هذه الأفكار تتناسب مع أناس لهم ديانات معينة، ويحبون أن يبثوا دياناتهم من خلال هذه الأصول الكفرية أو الأصول البدعية، كما أن الذين وضعوا هذه الأصول لا شك أنهم ليسوا بشخص واحد، قد يكون بدأها شخص واحد، لكن لما بدأها توافرت جهود آخرين من الزنادقة والمنافقين، فكل وضع ما يناسب، ولذلك تجدون تطور الرفض من خلال العصور، حتى بعد ابن سبأ، فقد جاء على حسب رغبات الشعوب، وعلى حسب التأقلم مع الديانات الموجودة دا

стр. 1176

وجوب موالاة المؤمنين والتحذير من معاداتهم قوله: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل). قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصاً الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له في تركه من عذر. وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله. والثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول. والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ]. هذه جملة من أصول الأعذار التي يعذر بها المخطئ المجتهد، أو العالم إذا زل، فإذا زل العالم فلا نتبعه على زلته، بل ينبغي أن يحذر الناس من زلة العالم، لكن لا نلغي قدره واعتباره وإمامته في الدين، كما يفعله كثير من قليلي الفقه، من أصحاب العواطف، الذين إذا زل العالم أو زل طالب العلم ألغوا اعتباره وجرحوه، وهجموا عليه، وسلخوه من الأمة، هذا خلل شديد، بل فيه أحياناً خروج عن سبيل المؤمنين، أي: عدم إعذار العالم المجتهد إذا زل، لكن لا يتابع على زلته، كما أشار الشارح هنا في شرحه لكلام الطحاوي في قوله: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) هذا تقرير أصل من أصول السلف أهل السنة والجماعة، يجب أن يعيه طالب العلم جيداً، وهو أن سبيل المؤمنين هو جزء من الدين، والمقصود بسبيل المؤمنين أي: المناهج التي عليها أئمة الهدى: المناهج في الدين، المناهج في المصالح العظمى، المناهج فيما يتعلق بوسائل الاجتهاد، المناهج فيما يتعلق بأصول تعامل الناس مع بعضهم، تعامل الناس مع علمائهم، تعامل الناس مع ولاة الأمر منهم، تعامل الناس مع المصالح العظمى، أو الأضرار الكبرى التي تتعرض لها الأمة، هذه كلها تسمى: سبيل المؤمنين، هذا السبيل أصله هو نهج العلماء من خلال استنباطهم لفقه الكتاب والسنة، ولذلك يعتبر سبيل المؤمنين جزءاً من العقيدة التي نعبر عنها بمناهج السلف، فمنهج أهل السنة والجماعة هو سبيل المؤمنين، ليس فقط في العلم والاعتقاد كما يظن بعض الناس، لكن أيضاً في العمل والتعامل، وهذه نقطة مهمة؛ لأن كثيراً من الذين ينتسبون لأهل السنة والجماعة، تجدهم من المتضلعين في العلم والاعتقاد، لكنهم في العمل وفي التعامل يكسرون مناهج السلف كسراً، ويصادمونها صدماً، بل ربما أحياناً يعملون بما يشوهها، ويعملون بضدها. وهذه مسألة مهمة وقع فيها كثير من المنتسبين للسلفية، والمنتسبين لأهل السنة والجماعة، تجدهم في الناحية العلمية النظرية لعقائد السلف من العالمين الراسخين في هذا الجانب، لكن في جانب التعامل هم في واد والسلف في واد آخر، ولذلك أقول: إن العلم هو الاعتقاد، والعمل به هو سبيل المؤمنين، ولا يختلف هذا السبيل وينفصل بعضه عن بعض، وإشارة المؤلف هنا والشارح تدل على أن المقصود توجه علماء الأمة ونهجهم في أمر من الأمور، سواء كان من أمر الدين، أو كان من أمر الدنيا الذي استقر فيه صالح الأمة، فإن نهجهم وما يتفقون عليه أو ما يتفق عليه جملتهم هو سبيل المؤمنين، ومن حاد عنهم فهو متوعد بالوعيد الذي ذكره الله في الآية، فلذلك يجب أن يحذر طالب العلم من مخالفة نهج العلماء، أو الازدواجية في النظرة إلى العلماء، فتجده يأخذ ما يحلو له من الأمور العلمية، ويقول: العلماء في الجوانب العلمية والاعتقادية على العين والرأس، لكن في العمل، وفي تقدير مصالح الأمة، وفي النظرة إلى الأحداث ليسوا قدوة، أقول: هذه مصادمة لمنهج السلف في اتباع سبيل المؤمنين، وربما يقع فيها كثير من الناس وهو لا يشعر، وربما يتعذر بمعاذير هي من زلات العلماء، ولذلك نبه الشارح إلى هذه المسألة، قد يخالف سبيل المؤمنين عالم راسخ، لكن لا يكون عمله حجة، إنما نلتمس له العذر ولا نتابعه، وأمثلة ذلك كثيرة من عهد الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا، كثير من الراسخين في العلم يجتهد اجتهاداً يخرج به عن سمت العلماء، وقد يكون له أحياناً موقف عملي هو مخالف لسبيل المؤمنين، فيجب ألا نتبعه؛ لأن المواقف العملية أخطر من الاجتهادات، لكن قد نعذره، فلذلك أشار إلى

стр. 1177

الأسئلة

стр. 1178

الحكم على كتاب (الشيعة والتشيع) لموسى الموسوي السؤال قصة محمد بن الحسن العسكري تكلم عنها الكسروي الشيعي الذي رجع إلى السنة نوعاً ما في كتابه الشيعة والتشيع، تحقيق الدكتور القفاري والعودة؟ الجواب هذا الكتاب أو غيره فيه حجج من الشيعة الذين كتبوا عليهم، لكن ومع ذلك لا يلزمنا أن نحتج على الرافضة ببعضهم، بقدر ما يلزمنا أن نحقق المسألة علمياً أولاً، فإذا حققناها علمياً وأشهرناها عند الباحثين والعلماء، سنجد من الرافضة من يستفيد من هذا البحث العلمي أو التحقيق العلمي، أما وجود التناقض بين أقوال الرافضة فلا شك أنها موجودة، وما يكتبه بعضهم من الرجوع أو التراجع عن التشيع ينبغي ألا ننخدع به، فدعوى رجوع مثل الموسوي أو غيره هذه مسألة لا تعدو -والله أعلم- أن تكون عبثاً ولعباً على الذقون، شيعي أنكر على شيعي آخر، لكن لا يعني هذا أنه ترك التشيع، فلا نقع في السذاجة المتناهية، لكن نضرب قول بعضهم ببعض، هذا جيد، ومن أساليب السلف أنهم ينقضون بحجة بعضهم على بعض.

стр. 1179

حكم إنكار شخصيات مشهورة في كتب التاريخ السؤال ينكر بعض الكتَّاب ثبوت شخصيات من التاريخ مثل: عبد الله بن سبأ وبعض الصحابة مثل: القعقاع؟ الجواب المسألة ينبغي أن تبحث علمياً.

стр. 1180

حكم الجماعات الحزبية ومن ترفع شعار السلفية وغير ذلك من الجماعات السؤال هل الجماعات الموجودة الآن من الفرق الثنتين والسبعين؟ وهل من انتسب إلى السلفية يعتبر على سبيل المؤمنين، أم هو أقرب، أم هو من التحزب المنهي عنه شرعاً؟ الجواب هذا سؤال كبير، وكثير من المشايخ تكلموا في هذه الأمور بكلام جيد بين وواضح، وقعّدوا لها بقواعد، يستطيع طالب العلم من خلالها أن يستبين منها الحق. وعلى أي حال فالجماعات الموجودة الآن إن قصد بها الجماعات الحزبية ذات الشعارات والمناهج، فأغلب هذه الجماعات ترجع إلى أصول بدعية أصلاً، حتى وإن ادعت السنة؛ لأنها خرجت من منابت بدعية، هذا شيء، الشيء الآخر أننا لا نعرف من منهج السلف أن هناك تحزبات أو جماعات، هذا مخالف لنهج السلف، وبمجرد أن توجد الحزبية فالمنهج غير سلفي إطلاقاً، بل يعتبر نوعاً من الافتراق، حتى وإن ادعى صاحبه أنه على مذهب أهل السنة، وحتى وإن كان نظرياً وعلمياً على مذهب أهل السنة والجماعة، أو عقيدته العلمية على مذهب أهل السنة، فإذا تحزب ورفع شعاراً غير السنة والجماعة، وأوجد مناهج في الدين والدعوة مخالفة لمنهج السلف، فهذا خروج عن السنة. فنحن هنا نحكم على الجماعات ذات الطابع الحزبي بأنها خرجت عن منهج أهل السنة والجماعة خروجاً كلياً وجزئياً، لكن أهم من هذا كله وهو ما ذكرته في أول حديثي، وأؤكده الآن، ليكون واضحاً أن الجماعات التي خرجت في العالم الإسلامي جماعات أصولها بدعية أصلاً؛ لأنها خرجت من منابت أحسن ما فيها أنها خرجت من منابت أهل الكلام الأشاعرة والماتريدية، وخرجت من منابت صوفية، ومنابت قبورية، ومنابت عقلانية، ومنابت اعتزالية، ومنابت جهمية، فالمسألة واضحة، لكن لا يعني ذلك الحكم على الأفراد، وإنما الحكم من حيث الجملة. أما ما ذكره السائل من وجود بعض الشعارات السلفية، فأقول: السلفية ليست شعاراً، ومن ادعى السلفية فيعرض أمره على الكتاب والسنة، أو على نهج السلف، فإن سلم من التحزب، وسلم من وضع مناهج منحرفة في الدين، وسلم من البراء من غيره ممن هم من أهل السنة، وهذه مشكلة أكثر السلفيين يتبرءون ممن يخالف منهجهم الخاص، فوقعوا في الحزبية من حيث لا يشعرون، فإذا تبرءوا ممن لا يكون على منهجهم الخاص، ولم يغفروا له زلته، ولم يعذروه بالمعاذير الشرعية، وقعوا فيما وقع فيه الحزبيون، وهذه الحزبية ربما تكون أضيق من الحزبية العامة الموجودة عند الجماعات، وإن كان هذا قليلاً، لكن مع ذلك أحذر من ذلك، كما هو معروف عن أهل العلم ومشايخنا الذين لهم بصر ومعرفة بهذه الأمور، فإنهم بينوا للناس أن هناك بوادر تحزب عند بعض من يرفعون شعارات السلفية، لكن لا يعني ذلك: أن كل من رفع شعار السلفية نتهمه، لا، بالعكس. إذاً: غالب الجماعات ترجع إلى الثنتين والسبعين فرقة، بطبيعة الحال، من خلال المنشأ والمنابت والمناهج التي وضعوها. وهنا أحب أن أؤكد على عمل آخر؛ لكي لا يفهم الكلام على غير وجهه، وهو أن بعض الأساليب والوسائل في الدعوة إلى الله يسميها كثير من الناس: حزبيات وجماعات، فمثلاً: وجود مراكز إسلامية لا تضع مناهج تخالف السلف، ولا تعلن ولاءات، ولا تعلن حزبيات، وإنما هي عبارة عن وسائل تعليم مثل: المدارس، المراكز، والمؤسسات مثل: مؤسسة الحرمين، وما كان على شاكلتها، هذه وسائل وأساليب في خدمة السنة، لا تُعَدُّ جماعات، بعض الناس حكم عليها على أنها تجمع وتحزب، وهذا غير صحيح، وفيه جناية، وأيضاً فيه حجر للأمة؛ لكي لا تعمل ولا تنشط، فالعمل المؤسسي مشروع، وأهل السنة أولى به من غيرهم، وكذلك بقية الوسائل، ولذلك أعجب من الذين يقولون: إن وسائل الدعوة توقيفية، فمن وسائل الدعوة الشريط، والكتاب، ومن وسائل الدعوة: استعمال الحاسبات، ومن وسائل الدعوة: استعمال الآلات والمصنوعات الحديثة في خدمة الدين، فهل هذه توقيفية؟ وأنا لا أدري لماذا تثار هذه الضجة حول وسائل الدعوة؟! فالخلاصة أن استعمال هذه الأساليب والوسائل، التي تخضع لضوابط السلف ومناهج السلف لا تدخل في الافتراق، ولا تدخل في الجماعات ولا الحزبيات. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1181

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٠] من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأنبياء أفضل من الأولياء، ونبي واحد أفضل من جميع الأولياء، وأما أهل الأهواء والبدع من الصوفية وملاحدة الفلاسفة وغيرهم، والرافضة، فهم يفضلون أئمتهم وأولياءهم على الأنبياء، وهذا خروج ومروق عن الشريعة، وزندقة وإلحاد في دين الله تعالى.

стр. 1182

ضلال تفضيل الأولياء على الأنبياء قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء). يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة]. هذا مذهب تفضيل طوائف من الناس على الأنبياء والرسل، وهذا المذهب يوجد في كثير من الطوائف الضالة، فبعضهم يصرح، وبعضهم يكون واقع حاله تفضيل البشر، أو تفضيل من يزعمون له الولاية أو القداسة والإمامة على الأنبياء، فممن يصرحون بالتفضيل، تفضيل أنفسهم، أو تفضيل من يقدسونه، أو تفضيل الأولياء والفلاسفة على الأنبياء، ممن يصرح بذلك الفلاسفة، فالفلاسفة كلهم، حتى الذين يسمون بالإسلاميين وعلى رأسهم الفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول وابن سبعين وابن الفارض ومن سلك سبيلهم ممن زعم لهم الإسلام وليسوا كذلك، هؤلاء يصرحون بتفضيل الفلاسفة والأولياء على الأنبياء والمرسلين، وتوجد هذه النزعة عند طوائف الباطنية بشتى أنواعها، كل الباطنية بفرقها تفضل الأولياء أو الأئمة كل له في ذلك نزعة، يفضلون رؤسائهم على الأنبياء والمرسلين، وأحياناً يصرحون بإهانة المرسلين، وكذلك طوائف من المتصوفة، والمتصوفة أغلبهم ينزعون إلى الفلسفة وإلى الباطنية، لا تخلو أغلب مدارس الصوفية من النزعة الفلسفية التي تقول بتفضيل الأولياء على النبيين، أو النزعة الباطنية التي تقول بتفضيل الأئمة على الأنبياء. ثم الرافضة حقيقة مذهبهم أنهم يفضلون الأئمة على الأنبياء، والاتحادية وغلاة الجهمية يدخلون في طوائف الفلاسفة وغلاة المتصوفة والباطنية. كذلك كبار الجهمية وكبار المعتزلة نجد منهم من يفضل الطوائف من الفلاسفة والعقلانيين على الأنبياء، وبعضهم يلزمه ذلك من باب الإلزام، يعني: غلاة المتكلمين تدل نظرتهم إلى الدين الذي جاء به الرسل على أنهم يفضلون أنفسهم على الأنبياء؛ وذلك أنهم فضلوا عقولهم وأفكارهم وما ابتدعوه من مناهج في الدين على الأنبياء، هذا من باب الإلزام. وهناك طوائف من الجهمية وطوائف من المعتزلة وبعض المتصوفة وبعض المتشيعة يلمحون لهذا ولا يصرحون، أما خلّص الرافضة وخلّص الباطنية وخلّص المتصوفة الغلاة، وخلّص الفلاسفة فهؤلاء يصرحون بالتفضيل، ولا عندهم في ذلك أي تردد، ويبالغون في هذا في مؤلفاتهم، وفيما أُثر عنهم من كلام، وفي أشعارهم وفي غير ذلك، فقد قرروه تقريراً، وانتصروا له في مؤلفات وكتب. قال رحمه الله تعالى: [يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع، فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤] إلى أن قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]]. الاتحادية هم أصحاب الاتحاد من الفلاسفة والباطنية وغلاة الصوفية، وهؤلاء كلهم مذهبهم واحد، يختلفون فقط في التعبيرات عن المذهب. والاتحادية هم الذين يرون اتحاد الخالق بالمخلوق أو اتحاد المخلوق بالخالق، بعضهم يعبر عن مسألة الاتحاد بزعمه أنه حلت فيه الإلهية، مثل ما فعل الحلاج، وبعضهم يزعم أن الله الخالق حل في المخلوقات أو اتحد فيها، وهذا مذهب كثير من غلاة الصوفية، فهؤلاء كلهم اتحادية، الذين يزعمون اتحاد الخالق بالمخلوق أو ببعض مخلوقاته، أو الذين يزعمون اتحاد المخلوقات أو بعض المخلوقات بالله بأي نوع من أنواع الاتحاد. وعلى ذلك يعد التثليث عند النصارى والتثنية عند المجوس، وكذلك مذاهب غلاة الصوفية كلها نوع من الاتحاد. والاتحاد يشمل وحدة الوجود، وإن كانت الوحدة أخص أو أصرح في التعبير من الاتحاد، لكن مع ذلك فإن الاتحاد يشمل هذه المذاهب كلها؛ لأن الاتحاد يعبر عنه بعدة تعبيرات، فمنهم من يقصد بالاتحاد الاتحاد الجزئي، وهم أغلب أصحاب الاتحاد، ومنهم من يقصد بالاتحاد الاتحاد الكلي، وهؤلاء أحياناً يعبرون عن ذلك بوحدة الوجود، ولذلك يقال لهم: أصحاب وحدة الوجود، وهم في الحقيقة اتحادية، لكن عمموا مسألة الاتحاد حتى سموا بأصحاب وحدة الوجود، وهم الذين يرون أنه لا فرق بين الخالق والمخلوق، فكل من الخالق والمخلوق يتمثلون في هذا الخلق، تعالى الله عما يزعمون.

стр. 1183

مصير من أمّر السنة على نفسه ومن تكبر عنها قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عثمان النيسابوري: من أمّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. وقال بعضهم: ما ترك بعضهم شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه. والأمر كما قال؛ فإنه إذا لم يكن متبعاً للأمر الذي جاء به الرسول ﷺ ، كان يعمل بإرادة نفسه، فيكون متبعاً لهواه بغير هدى من الله، وهذا غش النفس، وهو من الكبر، فإنه شعبة من قول الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة، وتصفية نفسه، إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم. ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء. ومنهم من يقول: إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء، ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع مباين له، لكن هذا يقول: هو الله، وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم، فإنه كان مثبتاً للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق كـ ابن عربي وأمثاله، وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره قال: النبوة ختمت، لكن الولاية لم تختم! وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة، وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها، كما قال: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي]. أشار المؤلف إلى بدعة تفضيل الأولياء على الأنبياء، وسبق الكلام عن هذا في درس من دروس الأهواء الملحق بهذا الدرس، لكن أحب الآن أن أنبه إلى مسألة مهمة دائماً تحدث عند تصور البدع، ولعلنا نستفيد منها فيما يجب أن يسلكه طلاب العلم في محاربة البدع، أو محاربة ذرائع البدع التي تحدث كثيراً عند الناس، وهو أن كثيراً من هذه الأفكار التي من ضمنها تفضيل الأولياء على الأنبياء، بدأت وكأنها ساذجة، وكأنها أفكار أو شبهات خفيفة ما تنبه لها الناس، وتفضيل الأولياء على الأنبياء، أو تفضيل طائفة من الناس على الأنبياء، هذه نزعة فلسفية كما قلت، توجد عند أكثر المستكبرين على النبوة وعلى الأنبياء، وعلى رأسهم الفلاسفة والباطنية وغلاة الصوفية وأهل الأهواء في كل ديانة، الذين يفارقون ديانات الأنبياء يوجد عندهم هذا الاستكبار، الذي يجعلهم يفضلون طوائف ممن يقدسونهم على الأنبياء، إما التفضيل المباشر الصريح، وإما التفضيل غير المباشر، وإنما يكون من لوازم المذاهب التي يلجئون إليها؛ لأن من سلك غير طريق النبيين لا شك أنه استهان بهم، وفضل عليهم غيرهم، لكن هنا نشأت هذه البدعة في تاريخ الإسلام، ربما يقول قائل: كيف تنتشر هذه البدعة التي يظهر عوارضها وخطؤها بشكل بيّن بين المسلمين؟ أقول: انتشرت غيرها من البدع في البداية حذرة غير بينة، وقد بدأت هذه الدعوى في منتصف القرن الثالث على أيدي العباد الجهلة، أو العباد الذين اختلط فيهم -والله أعلم- مسلك العبادة السنية عن جهل مع مسالك العبادات البدعية، أو عن تبييت لإفساد الإسلام والله أعلم بأحوال الأشخاص، لكن في الجملة الذي يتأمل أحوال العباد الأوائل في القرن الثاني والثالث، يجد منهم طوائف عمقت البدعة، وأخذت عن الأمم السابقة كثيراً من المذاهب والنحل والديانات، وأظهرتها بين المسلمين بشعار المسلمين وبالصبغة الإسلامية، وقد يكون ممن ينتسبون للسنة من العباد والنساك من وقع في هذه البدع، تقليداً لغيرهم دون أن يشعر أنها بدعة، وذلك ناتج عن جهله، وعن بعده عن مناهج العلماء، وعن عدم التزامه لسلوك الأئمة في وقته، وقد يكون من أصحاب الخير والفضل والاستقامة في ذاته، لكن نجد دائماً أن كل من كان عنده شيء من الجهل، أو الابتعاد عن مسالك السلف، إذا وضع نفسه إماماً في الدين، أو وضعته طائفة من الناس إماماً في الدين، فإنه يخطئ ويزل، ويتبع الناس زلته؛ بسبب صلاحه، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين أن أول من تكلم بمسألة تفضيل الولي على النبي أحمد بن أبي الحواري، وهو من العباد المشاهير المتوفى سنة (٢٤٦هـ)، وكانت عبارته حذرة، ولما استنكر العلماء ذلك عليه أخرجه العوام من دمشق؛ لأن العوام الذين هم على الفطرة في الغالب يمتثلون توجيهات أهل العلم، ثم لما شاعت هذه المسألة وتكلم عنها أهل العلم انطفأت بعض الوقت، ولم يجرؤ أحد أن يقولها، حتى جاء الحكيم الترمذي، وهو معاصر لـ ابن أبي الحواري تقريباً، فكتب هذه المسألة في كتاباته ومؤلفاته، وأشار إشارة صرح فيها بختم الولاية، وأن الولاية تختم كما تختم النبوة، وهذه مسألة في الحقيقة فيها نوع من الأخذ بالقول بتفضيل الأولياء، لكن غير صريح، يعني: مسألة القول بختم الأولياء كما تختم النبوة فيها نوع من رفع مقام الأولياء، ولم

стр. 1184

عقيدة ابن عربي في النبوة والولاية وتكفير العلماء له وقال ابن عربي أيضاً في فصوصه: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن، فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان هو ﷺ موضع اللبنة، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية، فيرى ما مثله النبي ﷺ ، ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين، ويرى نفسه تنطبع في موضع كلتا اللبنتين، فيكمل الحائط؛ والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه؛ فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول. قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه، فقد حصل لك العلم النافع]. عند تأمل كلام ابن عربي ينبغي أن نستصحب من خلال هذا التأمل مدى جهل الذين يعتذرون لـ ابن عربي أو يجهلون كفره؛ لأن كفريات ابن عربي كثيرة وثابتة في كل كتبه، ومن أمثلته هذا، مع أن هذا على وضوحه يعتبر من الكفريات التي تحتاج إلى بيان عند بعض الناس، وله كفريات صريحة وواضحة مثل الشمس. قال رحمه الله تعالى: [فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسول المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسول؟! ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١]. ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟! وله من الكلام أمثال هذا، وفيه ما يخفى من الكفر، ومنه ما يظهر، فلهذا يحتاج إلى ناقد جيد ليظهر زيفه، فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد، ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير. وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤]، ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة، اتحادية في الدرك الأسفل من النار، والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين؛ لإظهارهم الإسلام، كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ﷺ ، ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم معاملة المسلمين؛ لما يظهر منهم، فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر لأجرى عليه حكم المرتد، ولكن في قبول توبته خلاف، والصحيح عدم قبولها، وهي رواية معلى عن أبي حنيفة ﵁، والله المستعان.

стр. 1185

ثبوت كرامات الأولياء قوله: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم). المعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، وفي عرف أئمة أهل العلم المتقدمين وغيره، ويسمونها الآيات، ولكنْ كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعلون المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعها: الأمر الخارق للعادة]. أقرب الأوصاف الشرعية لمعجزات الأنبياء أنها آيات أو دلالات، وقد ذكر الله أنها آيات، وذكر النبي ﷺ بأنها آيات، وكلمة معجزة هي وصف للآيات وليست اسماً لها، فلذلك ينبغي أن يعبر عن المعجزة بالآية، ويقال: من أوصاف هذه الآيات أنها معجزة، ومن سمات الآيات أنها معجزة، فحصر الشيء ببعض وصفه فيه إضعاف للدلالة، هذا بالنسبة لمعجزات الأنبياء، والآيات التي تحدث من دون الأنبياء تسمى كرامات، إذا كانت على أيدي صالحين، وتسمى دجلاً ومخارق وخوارق إذا كانت على أيدي غير صالحين، ومع ذلك فالكرامات خارقة في وصفها اللغوي، لكن لا تسمى الآيات والمعجزات والخوارق كرامات، إلا إذا توافرت فيها صفات الكرامة، وإذا كانت الخوارق للأنبياء فهي آيات، ومن أوصافها أنها معجزة، وإذا ما توافرت في الأنبياء فلا تسمى معجزات، لكن تسمى آيات ودلائل؛ لأنها تلحق بدلائل النبوة. فكرامات الأولياء تلحق بدلائل النبوة؛ لأن الأولياء الذين توافرت عندهم صفة الكرامة أتتهم الكرامة باتباعهم للنبي ﷺ ، وبتقواهم، وصارت كراماتهم امتداداً لآيات النبي ﷺ ، ودلائل نبوته. قال رحمه الله تعالى: [فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده]. يعني: هذه صفات الكمال التي يكون فيها الإعجاز، والتي تنبثق منها الآيات الكونية، أو آيات الأنبياء، فشيء يرجع إلى العلم، وشيء يرجع إلى القدرة، وشيء يرجع إلى الغنى. قال رحمه الله تعالى: [وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين، ولهذا أُمر النبي ﷺ أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة، بقوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠]، وكذلك قال نوح ﵊، فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله إلى الأرض، وهذا خاتم الرسل وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرأا من ذلك؛ وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف:١٨٨]]. الآن بدأ يفصل في مسألة الثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، وأن هذه هي التي يكون فيها الإعجاز، وهي التي لا تكون على وجه الكمال إلا لله ، بدأ يفصل فيها، فالأولى كمال العلم، ومن ذلك علم الغيب، وهذا لا يكون إلا لله. قال رحمه الله تعالى: [وتارة بالتأثير]. الحديث عن التأثير يرجع إلى كمال القوة، التي لا تكون إلا لله ، أو كمال القدرة التي أشار إليها قبل قليل. قال رحمه الله تعالى: [كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠]. وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية]. هذا راجع إلى كمال الغنى الذي أشار إليه من قبل. قال رحمه الله تعالى: [كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧]. فأمر الرسول أن يخبرهم بأنه لا يملك ذلك]. يعني: الرسول ﷺ لا يملك كمال العلم، ولا كمال القدرة، ولا كمال الغنى، إلا ما منحه الله . قال رحمه الله تعالى: [وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله، فيعلم ما علّمه الله إياه، ويقدر على ما أقدره عليه، ويستغني عما أغناه عنه من الأمور المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة غالب الناس]. العادة المطردة المخالفة هي الآيات الكونية، والعادة المخالفة لعادة غالب الناس هذه ما دون العادات الكونية، مثل: كشف المجهول، والقدرة على ما يعجز عنه كثير من المخلوقين، أو جلب النفع، أو دفع الضر فيما لا يقدر عليه البعض ويقدر عليه الآخر، هذا مما يقدر عليه بعض المخلوقين، وكشف المجهول من دون الغيب، ليس هو الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله ، لكن ما هو مجهول عنا تعلمه الملائكة، وكذلك ما هو مجهول عنا تعلمه الجن؛ لأن الجن ليس عليهم حجب في كثير من الأمور، وكذلك هناك أمور لا يقدر عليها البشر، يقدر عليها الملك، ويقدر عليها الجني، وهناك أمور أيضاً قد لا يستطيع أن ينفع بها الإنسي، لكن قد ينفع بها الجني وغيره، وهذه داخلة في خوارق العادات. أما الأمور المخالفة للعادات المطردة فهي لا شك الآيات الكونية، مثل: شق القمر، مثل: حبس الشمس، هذه أمور تخرج عن قدرة جميع الخلق، وهناك أمور لا تخرج

стр. 1186

المحمود من الخوارق والمذموم والمباح فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين، ومذموم، ومباح؛ فإن كان المباح الذي فيه منفعة كان نعمة، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها. قال أبو علي الجوزجاني: كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا أصل كبير في الباب، فإن كثيراً من المجتهدين المتعبدين سمعوا سلف الصالحين المتقدمين، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئاً منه، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهماً لنفسه في صحة عمله، حيث لم يحصل له خارق، ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وأمارة القدرة يقيناً؛ فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة]. هذه إشارة إلى أن تعلق بعض الناس بالكرامة، واعتبارها هي دليل الصلاح أو دليل التوفيق هذا خطأ، خاصة من يطلبون الكرامات ويلتمسونها، ولذلك الذين يجعلون كثرة الكرامات دليلاً على الاستقامة، أو أن قلة الكرامات دليل على عدم الاستقامة وعدم التوفيق، هؤلاء يخطئون؛ فإن الكرامة هبة من الله يهبها لمن يشاء بقدر، أيضاً لم تكن من الأمور الذي يفتن بها الصالحون، ولذلك نجد أن الكرامات عند أولياء الله الصالحين من الصحابة ﵃، ومن جاء بعدهم قليلة. ولما وجد من العباد والجهلة والمبتدعة من كثر تعلقهم بالكرمات، كثرت عندهم الكرامات والمخارق أيضاً، واختلطت عليهم الكرامة بالخوارق وبالمخارق والدجل، ولذلك فتن بعضهم. وهناك طائفة من الدعاة الذين ينتسبون لبعض الجماعات يتعلقون كثيراً بالكرامات، ويجعلونها دليلاً دائماً أو غالباً على التوفيق والصلاح والاستقامة، وهذا خطأ، فكونهم يفرحون بالكرامة هذا أمر طيب، وإذا حدثت الكرامة لمسلم استبشر بها، لكن أن يطلبها ويتعلق بها قلبه، بحيث يعتمد عليها كثيراً، وأن يشيعها ويجعلها دليلاً على الاستقامة والتوفيق، فهذا خطأ؛ لأن الإكثار من ذلك ليس هو من سبيل المؤمنين، ولم يكن الإكثار من الكرامة أو التنويه عنها أو التماسها والتعلق بها من السنة، وإنما كما قال الشارح: إن أكبر كرامة للمؤمن أن هداه الله ووفقه وسدده وأعانه، هذه بحد ذاتها كرامة، فلا ينبغي أن يبحث عن غيرها، إلا إن جاءت بدون طلب فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليستبشر بها خيراً، لكن أن يلتمسها ويتعلق بها خاطره، ثم يبدأ يتعلق بها في مناماته ورؤاه، ويتعلق بها في أحواله الأخرى، فهذا مما يضعف التوكل على الله ، ويروج البدعة في كثير من الأمور، ويضعف جانب الصلاح والاستقامة في الظاهر. قال رحمه الله تعالى: [ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان، لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحاً، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسداً، فالأحوال يكون تأثيرها محبوباً لله تعالى تارة، ومكروهاً لله أخرى، وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن]. يشير المؤلف ﵀ إلى جانب آخر مما يلتبس على الناس بالكرامات، وهو جانب المؤثرات المعنوية والمؤثرات النفسية وتعلق النفس بها، وجعلها من ضمن الأسباب. والمقصود بهذا أن هناك من يتوسع في مفهوم الخوارق، حتى يستخدمها في ضر الناس ونفعهم، أو في كف الشر عنه، أو في جلب الخير إليه، كما يحدث من بعض الرقاة الجهلة، ويحدث من بعض المشعوذين وبعض الدجالين أو بعض المبتدعة، أو غيرهم من الذين عندهم نوع من الصلاح، لكن عن جهل، فهؤلاء قد يستخدمون بعض التأثيرات النفسية، أو يستخدمون أحياناً الجن، أو يستخدمون الرقى في التأثير على الخصم. ولذلك تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن، يعني: بغير سلاح مباشر، كمن يستخدم العين للقتل، وهذا يوجد عند بعض الحسدة مرضى القلوب، يعين الناس حتى يقتل بعضهم، نسأل الله العافية. أو يستعين بعائن، بأن يذهب إلى عائن مشهور ممن لا يتقون الله، من الجهلة المركبين في الجهل، ويكون مشهوراً بالعين، فيقول عن لي فلاناً، أو افعل معه كذا، أو سأصفه وأنت اصرف له العين إلى آخره! فيحدث أحياناً قتل للنفس، ويحدث مثل هذا عن طريق الجن أيضاً، بعض الناس يستعين بالجن استعانة يظن أنها مشروعة على قتل خصومه، أو قتل من يكرههم ومن يحسدهم، هذا كله من القتل بغير سلاح، واختلف أهل العلم هل فيه قود أو ليس فيه قود؟ هذه مسألة خلافية مبنية على عدم وجود القرينة أو الدليل القطعي على التعمد في القتل؛ أما إذا وجد التعمد في القتل بهذه الوسيلة فلا شك أنه من باب القتل الذي توعد الله به من يفعله، إنما يبقى هل يكون فيه قود (قصاص) أو لا يكون؟ والشاهد عندنا أن هؤلاء يستعملون هذه المخارق، وهذه الأساليب الدجلية، ويظنون أنها مشروعة في التأثير على خصومهم، أو في الإضرار بالآ

стр. 1187

الأسئلة

стр. 1188

المقصود بولاية الفقيه وبيان وقت ظهور هذا المصطلح السؤال ما المقصود بولاية الفقيه عند الرافضة؟ وهل هو مصطلح قديم أو هو حادث بعدما قامت دولتهم في إيران أذلهم الله؟ الجواب ولاية الفقيه لا شك أنها من حيث فلسفتها الحديثة تعتبر أمراً حادثاً عند الرافضة، وإن كان يوجد عند بعض فقهائهم من يشير إلى هذا، لكنها كمذهب معلن لم يجرؤ أحد على إعلانه، والقول به واعتماده عند الرافضة إلا الخميني، ويقصد به الخميني أنه لا بد من أن يكون للمهدي المزعوم الذي يسمونه المنتظر من يمهّد لهم لظهوره؛ وذلك بأن يتولى ولاية الرافضة في شئونهم العلمية والفقهية والدينية، نيابة عن المهدي، وهذا الوالي الذي يمهّد للمهدي هو الفقيه، أو ما يسمونه: الآية. إذاً: معنى ولاية الفقيه: أن الفقيه ينبغي أن يقوم ببعض واجبات المهدي المعلقة إلى خروج المهدي، فهم مثلاً: يعتقدون أنه لا تقوم لهم دولة إلى بـ المهدي، فـ الخميني وهو سياسي داهية عبث بعقولهم، قال: إلى متى ننتظر خروج المهدي من أجل أن يقيم دولة؟ بل لا بد أن ننوب عنه في إقامة دولة؛ لكي نهيئ له السبيل ليخرج، فإذا خرج من سردابه وإذا بنا قد مهدنا له السبيل في دولة قائمة تحكم بالشرع كما يريد الرافضة، وهذه خرافة، ولكنه دجّل عليهم بها وصدقوه، ولا يزال أكثرهم يصدقونه وإن كانوا قد بدءوا يتراجعون بعض الشيء، فهناك من يبدّعون هذه الفكرة؛ لأنها ما أوصلتهم إلى ما يريدون، ولن يصلوا إلى أغراضهم التي يريدون بها ضر المسلمين.

стр. 1189

أسباب اختلاف الرافضة فيما بينهم في الأصول المعتمدة لديهم السؤال هل لك أن تحدثنا عن الأسباب العلمية، لما يحدث عند الإيرانيين الرافضة هذه الأيام من اضطرابات بين مراجعهم؟ الجواب أكثر ما أثّر على الرافضة بعد الخميني هو أنهم تحطمت أحلامهم، واصطدموا بصخرة الواقع، ووجدوا أنهم كانوا يحلمون حينما قاموا مع الخميني، ولما مات الخميني ماتت آمالهم معه، فبدءوا يراجعون أمورهم، ومن ذلك رجوع كل منهم إلى أصوله العقدية، وأصوله الحزبية، وأصوله الأسرية إلى آخره، وهذا جعلهم يتشتتون الآن، هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من مثقفيهم صاروا يشككون في أصوله، وهم من المثقفين الذين خرجوا عن نطاق إيران إلى الدول الأخرى، وعايشوا المسلمين وقرءوا، بدءوا يعلنون التشكيك في أصول الرافضة، والآن صدر في هذا الكتب، ولهم مقالات وردود، وردود على الردود من صميم الرافضة، وهذا مما يدل على تناقضهم، فبعضهم يرد على بعض في أصول كبرى قطعية، ليست مجرد أمور خلافية، بل اختلفوا في أمور قطعية من أصولهم التي يعتمدون عليها في دينهم، بدءوا يختلفون فيها.

стр. 1190

حكم وصف بعض المشايخ وطلبة العلم بأنهم من أولياء الله السؤال نرى في وقتنا المعاصر من يبالغ في مدح المشايخ أو طلبة العلم ويصفه بأنه ولي من أولياء الله؟ الجواب من ظهر صلاحه واستقامته من أهل العلم الراسخين في الدين، الذين لهم اعتبارهم، والذين جعل الله في قلوب عامة المسلمين الحب لهم، يُشهد لهم -إن شاء الله- بالولاية، لا حرج في ذلك، هناك من علمائنا -بحمد الله- من شهد الناس لهم بالاستقامة، ونجد حبهم في قلوب عامة المسلمين، فهؤلاء -إن شاء الله- يقال: إنهم من أولياء الله، هذه من باب الشهادة العامة لا الجزم.

стр. 1191

الفرق بين الشيخ محمد البهي تلميذ محمد عبده وبين البهي الخولي السؤال هل الشيخ محمد البهي تلميذ محمد عبده هل هو محمد البهي الخولي؟ الجواب لا، محمد البهي هو صاحب كتاب (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) وهو ليس بالمفكر الإسلامي الخولي، وكلاهما يسمى بالمفكر الإسلامي، لكن هذه مشكلة التسمية.

стр. 1192

شرح العقيدة الطحاوية [١٠١] أغلب الكرامات التي تقع للناس تكون في حال ضرورة ولجوء إلى الله ، وقد يكون منها ما يدفع الله به عن المسلم سوءاً، أو يجلب له خيراً، وقسم من هذه الكرامات يكون من باب إقامة الحجة، أو الاستدراج لعبد من العباد، أو طائفة من الناس، فيبتليهم الله بما يشبه الكرامات فلا يشكرونه، فتحل عليهم نتيجة ذلك العقوبة، وليس كل إنسان يحصل له شيء من هذه الكرامات، ولا يكون عدم حصولها لعبد من العباد دليلاً على نقصه عند ربه، وبعده عن جنابه.

стр. 1193

أقسام الناس في خوارق العادات قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة. وقسم يتعرضون بها لعذاب الله. وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات كما تقدم]. هذه مسألة مهمة، وسبق الإشارة إليها، لكن التأكيد عليها مهم في هذا المقام؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرف ضوابط الكرامة والخوارق، ولا يميز بين الكرامة التي تكون بمثابة البشارة للإنسان برفع درجته، وبين الكرامة التي تكون من باب سد حاجة الإنسان، فهي مباحات، وبين الخارقة التي تشبه الكرامات وهي ابتلاء. فالكرامة إذا حدثت على يد شخص من أهل الخير والاستقامة، فإنها غالباً تكون بإكرام الله له، وربما يدله الله فيها إلى خير ينفعه في دينه ودنياه، وأحياناً تكون الكرامة للرجل الصالح ولغير الرجل الصالح من الناس، من باب النفع العاجل، يفرج الله بها كربة، أو يشفي بها مرضاً، أو يدل فيها على أمر فيه حيرة ونحو ذلك، فهذه من الأمور التي تدخل في باب المباحات، وقد يكون جزءاً منها من باب الكرامة التي ترتفع بها الدرجة. فأغلب الكرامات التي يطلبها الناس تكون في حال ضرورة ولجوء إلى الله ، من فعل الأسباب التي شرعها الله وأباحها، كالدعاء أو الرقية أو الأدوية ونحو ذلك، فقد يكون الأمر الخارق للعادة الذي يدفع الله به عن المسلم سوءاً، أو يجلب له خيراً من باب الأمور المباحة، فإن شكر الله على ذلك وحمد الله ارتفعت بها درجته ولقي أجراً، وإن غفل ربما لا يظهر، لكن تبقى من صنف المباحات. وقسم آخر يكون من الأمور المضرة، أو من باب إقامة الحجة، سواء كان إنساناً أو جماعة أو أمة، قد تحدث لبعض الجماعات التي عندها شيء من البدع خوارق فيظنونها كرامات، وهي تصرفهم عن السنة إلى الوقوع في البدعة أو التمادي فيها، فيظنون أن هذه الخوارق دليل على أنهم على حق، في حين أنها من إملاء الله لهم، ومن العقوبة العاجلة، والتي ربما يترتب عليها الإثم في الدنيا والآخرة، وأغلب ما يحدث لأهل البدع وأهل الفجور من هذه الخوارق هو من هذا النوع، وأحياناً تكون من الاستدراج لعبد من العباد، أو لطائفة من الناس، فيبتليهم الله بما يشبه الكرامات والخوارق، فلا يشكرون الله ، فتحل عليهم العقوبة بسبب ذلك.

стр. 1194

كلمات الله نوعان: كونية، ودينية قال رحمه الله تعالى: [وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله، وكلمات الله نوعان: كونية، ودينية. فكلماته الكونية: هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام:١١٥] والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق]. الكون بما فيه، والإنسان في أعماله أو فيما يقدره الله له وعليه في سائر الأمور غير الشرعية، هو داخل في كلمات الله الكونية، سواء في نفس الإنسان وفي جسمه وفي أحواله، أو في جميع أمور المخلوقات، فجميع المخلوقات تسير بتدبير الله ، فالجميع داخل في آيات الله الكونية الصغير منها والكبير، ليس المقصود بالآيات الكونية فقط السنن الكونية الكبرى كجريان الشمس، ودوران الأفلاك ونحو ذلك، لا، حتى الأمور الدقيقة جداً التي يقدر فيها الله مقادير الخلق الصغير والكبير كلها داخلة في آيات الله الكونية. أما النوع الثاني: وهو الكلمات الدينية، فهي الأوامر الشرعية، والوحي بشتى أنواعه يتمثل كلمات الله الدينية. قال رحمه الله تعالى: [والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله ﷺ ، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها والعمل، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموماً وخصوصاً العلم بالكونيات والتأثير فيها، أي: بموجبها، فالأولى: تدبيرية كونية، والثانية: شرعية دينية، فكشف الأولى: العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية: العلم بالمأمورات الشرعية]. يعني: موقف العبد من الأمور الكونية بذل الأسباب، من خلال مقادير الله التي أقدره الله عليها، وجعل له فيها الإرادة والحرية والقدرة، فالعباد لهم قدرة معينة داخلة في قدرة الله الكونية العامة، وعلى العباد أن يعملوا بما وهبه الله لهم من الأسباب، التي هي داخلة في الأسباب الكونية، وهي بذل الأسباب المادية من طلب الرزق ونحو ذلك، فهذه داخلة في الأمور الكونية العامة، وهي أيضاً مطلوبة من العباد. أما موقف العبد من كلمات الله الشرعية فالمطلوب منه أولاً: العلم بها، ثم امتثال ما فيها من أوامر، واجتناب ما فيها من نواه. إذاً: فالعبد مطلوب منه أن يعمل بالأمرين، وهذا هو التوازن والاعتدال والوسطية التي خالفها أهل الأهواء بشتى أصنافها، فأهل السنة والجماعة يعملون بالأسباب، ومن هنا فهم عاملون بما أمر الله به من الاستفادة من آيات الله الكونية، ثم إنهم أيضاً يمتثلون لأوامر الله وآياته الشرعية. الملقي: [وقدرة الأولى: التأثير في الكونيات، إما في نفسه، كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره بإصحاح وإهلاك وإغناء وإفقار. وقدرة الثانية: التأثير في الشرعيات، إما في نفسه، بطاعة الله ورسوله ﷺ ، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ باطناً وظاهراً، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله ﷺ ، فيُطاع في ذلك طاعة شرعية]. قدرة الأولى: هي التأثير في الكونيات، تشمل النوعين: الأول: تشمل عمل الخوارق بما لا يجوز شرعاً كعمل السحرة، فإن الله قد يبتليهم بهذه الخوارق، ويكون ذلك سبباً لهلاكهم بوقوعهم في الكفر، أو في الكبائر التي تهلكهم في الدنيا والآخرة. النوع الآخر: تشمل آيات الله الكونية المتعلقة بالكرامات، فإنها داخلة في التأثير في الكونيات، فإن الله قد يسخّر لعباده من الآيات الكونية ما يكون كرامة. إذاً: فالقدرة الأولى التي هي التأثير في الكونيات يدخل فيها الجائز والممنوع، يدخل فيها المشروع وغير المشروع. أما قدرة التأثير الثانية فلا تكون إلا لمن وفقه الله بطاعة الله ، والتمسك بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهذا لا يكون إلا على وجه الاستقامة، لا يتهيأ للإنسان أن تتوافر فيه الطاعة لله ولرسوله ﷺ ، والاستقامة والتقوى والتوفيق في هذا الأمر إلا على الوجه المشروع، وإن حدث لأحد من الناس ظاهره الصلاح أن حدثت له ما يظن أنها كرامات، فهو إما ابتلاء، وإما من المخارق والدجل الذي يظنه من باب الكرامة، وهو ليس من باب الكرامة، فإن صاحب البدعة قد يدعو عند الكرب، والدعاء في حد ذاته مشروع، لكن يدعو بدعاء غير مشروع، فيحصل له نفع، أو يندفع عنه ضر، فهذا بذل وسيلة، إذ هي ظاهرة شرعية، لكن ليست على الاستقامة، وربما تسخر له الآيات الكونية، لكن من باب الابتلاء والفتنة والإملاء له، وهذا ليس دليلاً على الخير، وهذا يعرف بقرائن الأحوال، لا يمكن أن يعمى على الناس الحق، وأهل الاستقامة أهل السنة يدركون الفرق واضحاً، بل عامة أهل السنة يدركون ذلك، ولذلك تجدون بعض العوام مم

стр. 1195

عدم نقصان العبد عند ربه إذا لم تظهر على يديه الكرامات والخوارق قال رحمه الله تعالى: [فإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه]. هذه مسألة مهمة جداً؛ لأن الناس لما كثر إعراضهم عن العقيدة السليمة، وعن التمسك بالسنة، وابتعدوا عن مناهج السلف، وتعلق بعضهم بالكرامات، وظنها من علامات الاستقامة، وأنه إذا لم تحصل له كرامة كأنه محروم من الخير، خاصة عند الأحداث الكبرى، عندما يكون هناك جهاد، أو يكون هناك نوع من المواجهة أو الفتن أو المواقف الصعبة أو نحوها، بعض الناس تتعلق نفسه بالكرامة، ظناً منه أنه إذا لم تحدث له كرامة، فإنه ليس على شيء! وهذا غلط، ووجد هذا الهاجس عند كثير من الشباب المتدين، الذين لا يلمّون بعقيدة السلف، ولا عندهم إدراك لهذه الأمور، تجد أن نفوسهم تتعلق بالكرامة من خلال الدعوة إلى الله ، أو من خلال ما تتعرض لهم من مشاكل وأحداث، تجد الواحد منهم يظن أنه إذا لم تحدث له كرامة، فإنه مقصر في حق الله أو في دين الله، مع أن هذا ليس من الموازين الشرعية، الكرامة قد تحدث وقد لا تحدث، وإذا لم تحدث كرامة لبعض الناس، أو أمر خارق للعادة يفتن به قد يكون هذا في حد ذاته من علامات التوفيق له. قال رحمه الله تعالى: [فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخّر له شيئاً من الكونيات، لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه أو فساده أو نقصه]. يعني: أن الكرامات أحياناً تكون من باب الجزاء العاجل، وخير للمسلم أن يكون له الجزاء في الآخرة من أن يكون له في الدنيا. أيضاً قد تكون الكرامة من باب النعمة التي لا يقدر على شكرها، قد يكرم الله بعض العباد بكرامة عظيمة قد لا يقدر على شكرها، فيقصر في حق الله . فإذاً: لا ينبغي للمسلم أن تتعلق نفسه بالكرامة، إن حدثت فهذا خير، والكرامة مبشرات، ومن منهج السلف ألا تتعلق نفس المسلم بالكرامة أو يتطلع إليها، أو يلتمسها، أو يتكلف في حصولها أو نحو ذلك.
следующие страницы →