← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الفرق بين الشيخ محمد البهي تلميذ محمد عبده وبين البهي الخولي السؤال هل الشيخ محمد البهي تلميذ محمد عبده هل هو محمد البهي الخولي؟ الجواب لا، محمد البهي هو صاحب كتاب (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) وهو ليس بالمفكر الإسلامي الخولي، وكلاهما يسمى بالمفكر الإسلامي، لكن هذه مشكلة التسمية.

стр. 1192

شرح العقيدة الطحاوية [١٠١] أغلب الكرامات التي تقع للناس تكون في حال ضرورة ولجوء إلى الله ، وقد يكون منها ما يدفع الله به عن المسلم سوءاً، أو يجلب له خيراً، وقسم من هذه الكرامات يكون من باب إقامة الحجة، أو الاستدراج لعبد من العباد، أو طائفة من الناس، فيبتليهم الله بما يشبه الكرامات فلا يشكرونه، فتحل عليهم نتيجة ذلك العقوبة، وليس كل إنسان يحصل له شيء من هذه الكرامات، ولا يكون عدم حصولها لعبد من العباد دليلاً على نقصه عند ربه، وبعده عن جنابه.

стр. 1193

أقسام الناس في خوارق العادات قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة. وقسم يتعرضون بها لعذاب الله. وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات كما تقدم]. هذه مسألة مهمة، وسبق الإشارة إليها، لكن التأكيد عليها مهم في هذا المقام؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرف ضوابط الكرامة والخوارق، ولا يميز بين الكرامة التي تكون بمثابة البشارة للإنسان برفع درجته، وبين الكرامة التي تكون من باب سد حاجة الإنسان، فهي مباحات، وبين الخارقة التي تشبه الكرامات وهي ابتلاء. فالكرامة إذا حدثت على يد شخص من أهل الخير والاستقامة، فإنها غالباً تكون بإكرام الله له، وربما يدله الله فيها إلى خير ينفعه في دينه ودنياه، وأحياناً تكون الكرامة للرجل الصالح ولغير الرجل الصالح من الناس، من باب النفع العاجل، يفرج الله بها كربة، أو يشفي بها مرضاً، أو يدل فيها على أمر فيه حيرة ونحو ذلك، فهذه من الأمور التي تدخل في باب المباحات، وقد يكون جزءاً منها من باب الكرامة التي ترتفع بها الدرجة. فأغلب الكرامات التي يطلبها الناس تكون في حال ضرورة ولجوء إلى الله ، من فعل الأسباب التي شرعها الله وأباحها، كالدعاء أو الرقية أو الأدوية ونحو ذلك، فقد يكون الأمر الخارق للعادة الذي يدفع الله به عن المسلم سوءاً، أو يجلب له خيراً من باب الأمور المباحة، فإن شكر الله على ذلك وحمد الله ارتفعت بها درجته ولقي أجراً، وإن غفل ربما لا يظهر، لكن تبقى من صنف المباحات. وقسم آخر يكون من الأمور المضرة، أو من باب إقامة الحجة، سواء كان إنساناً أو جماعة أو أمة، قد تحدث لبعض الجماعات التي عندها شيء من البدع خوارق فيظنونها كرامات، وهي تصرفهم عن السنة إلى الوقوع في البدعة أو التمادي فيها، فيظنون أن هذه الخوارق دليل على أنهم على حق، في حين أنها من إملاء الله لهم، ومن العقوبة العاجلة، والتي ربما يترتب عليها الإثم في الدنيا والآخرة، وأغلب ما يحدث لأهل البدع وأهل الفجور من هذه الخوارق هو من هذا النوع، وأحياناً تكون من الاستدراج لعبد من العباد، أو لطائفة من الناس، فيبتليهم الله بما يشبه الكرامات والخوارق، فلا يشكرون الله ، فتحل عليهم العقوبة بسبب ذلك.

стр. 1194

كلمات الله نوعان: كونية، ودينية قال رحمه الله تعالى: [وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله، وكلمات الله نوعان: كونية، ودينية. فكلماته الكونية: هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام:١١٥] والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق]. الكون بما فيه، والإنسان في أعماله أو فيما يقدره الله له وعليه في سائر الأمور غير الشرعية، هو داخل في كلمات الله الكونية، سواء في نفس الإنسان وفي جسمه وفي أحواله، أو في جميع أمور المخلوقات، فجميع المخلوقات تسير بتدبير الله ، فالجميع داخل في آيات الله الكونية الصغير منها والكبير، ليس المقصود بالآيات الكونية فقط السنن الكونية الكبرى كجريان الشمس، ودوران الأفلاك ونحو ذلك، لا، حتى الأمور الدقيقة جداً التي يقدر فيها الله مقادير الخلق الصغير والكبير كلها داخلة في آيات الله الكونية. أما النوع الثاني: وهو الكلمات الدينية، فهي الأوامر الشرعية، والوحي بشتى أنواعه يتمثل كلمات الله الدينية. قال رحمه الله تعالى: [والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله ﷺ ، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها والعمل، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموماً وخصوصاً العلم بالكونيات والتأثير فيها، أي: بموجبها، فالأولى: تدبيرية كونية، والثانية: شرعية دينية، فكشف الأولى: العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية: العلم بالمأمورات الشرعية]. يعني: موقف العبد من الأمور الكونية بذل الأسباب، من خلال مقادير الله التي أقدره الله عليها، وجعل له فيها الإرادة والحرية والقدرة، فالعباد لهم قدرة معينة داخلة في قدرة الله الكونية العامة، وعلى العباد أن يعملوا بما وهبه الله لهم من الأسباب، التي هي داخلة في الأسباب الكونية، وهي بذل الأسباب المادية من طلب الرزق ونحو ذلك، فهذه داخلة في الأمور الكونية العامة، وهي أيضاً مطلوبة من العباد. أما موقف العبد من كلمات الله الشرعية فالمطلوب منه أولاً: العلم بها، ثم امتثال ما فيها من أوامر، واجتناب ما فيها من نواه. إذاً: فالعبد مطلوب منه أن يعمل بالأمرين، وهذا هو التوازن والاعتدال والوسطية التي خالفها أهل الأهواء بشتى أصنافها، فأهل السنة والجماعة يعملون بالأسباب، ومن هنا فهم عاملون بما أمر الله به من الاستفادة من آيات الله الكونية، ثم إنهم أيضاً يمتثلون لأوامر الله وآياته الشرعية. الملقي: [وقدرة الأولى: التأثير في الكونيات، إما في نفسه، كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره بإصحاح وإهلاك وإغناء وإفقار. وقدرة الثانية: التأثير في الشرعيات، إما في نفسه، بطاعة الله ورسوله ﷺ ، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ باطناً وظاهراً، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله ﷺ ، فيُطاع في ذلك طاعة شرعية]. قدرة الأولى: هي التأثير في الكونيات، تشمل النوعين: الأول: تشمل عمل الخوارق بما لا يجوز شرعاً كعمل السحرة، فإن الله قد يبتليهم بهذه الخوارق، ويكون ذلك سبباً لهلاكهم بوقوعهم في الكفر، أو في الكبائر التي تهلكهم في الدنيا والآخرة. النوع الآخر: تشمل آيات الله الكونية المتعلقة بالكرامات، فإنها داخلة في التأثير في الكونيات، فإن الله قد يسخّر لعباده من الآيات الكونية ما يكون كرامة. إذاً: فالقدرة الأولى التي هي التأثير في الكونيات يدخل فيها الجائز والممنوع، يدخل فيها المشروع وغير المشروع. أما قدرة التأثير الثانية فلا تكون إلا لمن وفقه الله بطاعة الله ، والتمسك بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهذا لا يكون إلا على وجه الاستقامة، لا يتهيأ للإنسان أن تتوافر فيه الطاعة لله ولرسوله ﷺ ، والاستقامة والتقوى والتوفيق في هذا الأمر إلا على الوجه المشروع، وإن حدث لأحد من الناس ظاهره الصلاح أن حدثت له ما يظن أنها كرامات، فهو إما ابتلاء، وإما من المخارق والدجل الذي يظنه من باب الكرامة، وهو ليس من باب الكرامة، فإن صاحب البدعة قد يدعو عند الكرب، والدعاء في حد ذاته مشروع، لكن يدعو بدعاء غير مشروع، فيحصل له نفع، أو يندفع عنه ضر، فهذا بذل وسيلة، إذ هي ظاهرة شرعية، لكن ليست على الاستقامة، وربما تسخر له الآيات الكونية، لكن من باب الابتلاء والفتنة والإملاء له، وهذا ليس دليلاً على الخير، وهذا يعرف بقرائن الأحوال، لا يمكن أن يعمى على الناس الحق، وأهل الاستقامة أهل السنة يدركون الفرق واضحاً، بل عامة أهل السنة يدركون ذلك، ولذلك تجدون بعض العوام مم

стр. 1195

عدم نقصان العبد عند ربه إذا لم تظهر على يديه الكرامات والخوارق قال رحمه الله تعالى: [فإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه]. هذه مسألة مهمة جداً؛ لأن الناس لما كثر إعراضهم عن العقيدة السليمة، وعن التمسك بالسنة، وابتعدوا عن مناهج السلف، وتعلق بعضهم بالكرامات، وظنها من علامات الاستقامة، وأنه إذا لم تحصل له كرامة كأنه محروم من الخير، خاصة عند الأحداث الكبرى، عندما يكون هناك جهاد، أو يكون هناك نوع من المواجهة أو الفتن أو المواقف الصعبة أو نحوها، بعض الناس تتعلق نفسه بالكرامة، ظناً منه أنه إذا لم تحدث له كرامة، فإنه ليس على شيء! وهذا غلط، ووجد هذا الهاجس عند كثير من الشباب المتدين، الذين لا يلمّون بعقيدة السلف، ولا عندهم إدراك لهذه الأمور، تجد أن نفوسهم تتعلق بالكرامة من خلال الدعوة إلى الله ، أو من خلال ما تتعرض لهم من مشاكل وأحداث، تجد الواحد منهم يظن أنه إذا لم تحدث له كرامة، فإنه مقصر في حق الله أو في دين الله، مع أن هذا ليس من الموازين الشرعية، الكرامة قد تحدث وقد لا تحدث، وإذا لم تحدث كرامة لبعض الناس، أو أمر خارق للعادة يفتن به قد يكون هذا في حد ذاته من علامات التوفيق له. قال رحمه الله تعالى: [فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخّر له شيئاً من الكونيات، لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه أو فساده أو نقصه]. يعني: أن الكرامات أحياناً تكون من باب الجزاء العاجل، وخير للمسلم أن يكون له الجزاء في الآخرة من أن يكون له في الدنيا. أيضاً قد تكون الكرامة من باب النعمة التي لا يقدر على شكرها، قد يكرم الله بعض العباد بكرامة عظيمة قد لا يقدر على شكرها، فيقصر في حق الله . فإذاً: لا ينبغي للمسلم أن تتعلق نفسه بالكرامة، إن حدثت فهذا خير، والكرامة مبشرات، ومن منهج السلف ألا تتعلق نفس المسلم بالكرامة أو يتطلع إليها، أو يلتمسها، أو يتكلف في حصولها أو نحو ذلك.

стр. 1196

الخوارق النافعة تابعة للدين خادمة له قال رحمه الله تعالى: [فالخوارق النافعة تابعة للدين خادمة له]. أي: أن الخوارق والكرامات التي تحدث للمسلمين، من أتباع النبي ﷺ ، هي جزء من تأييد النبي ﷺ ، ومن الآيات والدلائل على نبوته ﷺ ، وإقامة الحجة على الخلق؛ لأن المسلم المستقيم إنما تحصل له الكرامة باتّباعه للسنة، فهذا الأمر ينعكس على قوة الحجة على نبوته ﷺ . قال رحمه الله تعالى: [كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال النافع بيد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعاً لها ووسيلة إليها لا لأجل الدين في الأصل، فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليس حاله كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء الجنة، فإن ذلك مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة. والعجب أن كثيراً ممن يزعم أن همّه قد ارتفع عن أن يكون خوفاً من النار، أو طلباً للجنة، يجعل همّه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا! ثم إن الدين إذا صح علماً وعملاً، فلا بد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]. وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤]. وقال رسول الله ﷺ : (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥]) رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري ﵁. وقال تعالى فيما يروي عنه رسول الله ﷺ : (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه، ولا يزال عبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه). فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس، وبالله التوفيق.

стр. 1197

بطلان إنكار المعتزلة للكرامة وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات. وقولهم: لو صحت لاشتبهت بالمعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي ﷺ بالولي، وذلك لا يجوز! وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدّعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن ولياً، بل كان متنبئاً كذاباً، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ، عند قول الشيخ: (وأن محمداً عبده المجتبى، ونبيه المصطفى)]. هذه مسألة مهمة يحسن التنبيه عليها في هذا المقام، وهي من أسباب وقوع اللبس في مسألة المعجزة والكرامة، وهي أن المعتزلة وغير المعتزلة من الفلاسفة وبعض العقلانيين قديماً وحديثاً، وأكثر المتكلمين الذين أشكل عليهم الخلط بين المعجزة والكرامة، جعل بعضهم الدلائل الوحيدة على النبوة هي المعجزات، ومن هنا أدى هذا إلى إنكار الكرامات وإنكار الخوارق وإنكار السحر إلى آخره من الأمور التي لزمتهم، وهي ليست مستقيمة، حتى مع قواعدهم العقلية، وهم استندوا على دلالات العقول، والعقول لا تدرك ما وراء عالم الشهادة. لكن الذي يهمنا في هذا المقام أن أكثر اللبس وارد من معنى المعجزة وكونها دلالة على النبوة، فإطلاق المعجزات على آيات الأنبياء هذا يترتب عليه خطأ في المفهوم، وخطأ في اللوازم، وخطأ في النظرة إلى المعجزة والكرامة والخوارق، فالصحيح أن ما يحدث للأنبياء هو آيات، سواء كانت معجزات ظاهرة أو معجزات غير ظاهرة، سواء كانت خوارق عادية أو خوارق معنوية، أو كانت قرائن أحوال، وغالب ما يكون للأنبياء قرائن أحوال. إذاً: فدلائل الأنبياء هي آيات، وتسميتها معجزات أوجد اللبس، وهو ظنهم أنه لا يمكن أن تكون للنبي آية إلا أن تكون بمعنى الإعجاز بالظاهر الصريح، مع أن هناك آيات إعجازها غير ظاهر ولا صريح، لكن عند بذل الهمم وعند التفكير وصرف الجهود العقلية إليها يتبين أنها آية من آيات الله ، فمثلاً: إعجاز القرآن إعجاز أكيد يعترف به جميع العقلاء، لكن العامي لا يُدرك لأول وهلة إلا عندما يُفهّم ويُبين له أن القرآن معجزة. إذاً: الإعجاز هو جزء من آيات الأنبياء، وليس هو وصف لكل آيات الأنبياء، فدلالات النبوة هي آيات بعضها معجزات بالمعنى الاصطلاحي، وبعضها قد لا تسمى معجزات، إلا بعد بذل جهد وتبين، وقد تكون المعجزة معنوية لا تدرك إلا بجهود أجيال. فهذه المسألة هي راجعة في نظري إلى عدم تحقيق مناط الأمر، وعدم الاتفاق على موطن الخلاف، والصحيح أن دلائل النبوة هي آيات متنوعة، منها: المعجزات الظاهرة، ومنها: المعجزات غير الظاهرة، ومنها: قرائن الأحوال، وقرائن الأحوال هي ما يحدث للناس من الأمور التي تدل على الصدق والأمانة والأخلاق الفاضلة أو على العكس، فالأنبياء كلهم تميزوا بقرائن أحوال في سلوكهم، وهي تدل على أنهم لا يمكن أن يكذبوا على الله في دعوى النبوة، وأنهم صادقون، وأنهم مشفقون، وأنهم أمناء إلى آخره. ولذلك لا نجد النبوة تكون في إنسان مغمور يخرج من كهف أو يخرج من أدغال الغابات أو غيرها، وإنما يخرج من بين قومه يعرفونه سلفاً، فتكون قرائن الأحوال هي أعظم آيات الأنبياء، وهي ليست معجزات، بل عند التحقيق أن الذين آمنوا بالنبي ﷺ قبل أن يؤمن الناس كرهاً بقوة السيف، أو بالرعب الذي أوجده الله للإسلام بقوته، حينما قام الإسلام على الأرض، أقول: إن الذين آمنوا اختياراً آمنوا بالنبي ﷺ لقرائن أحواله، والذين نزلت عليهم الآيات العظمى التي تسمى معجزات ما آمنوا، الذين نزلت بناء على طلبهم، مثل: انشقاق القمر، فلما انشق وصفوا ذلك بالسحر، وطلبوا من النبي ﷺ أن يرقى إلى السماء، فلما عُرج به إلى السماء وجاء بخبر الرقي كذّبوه. إذاً: ما نفعت ما يسميه المعتزلة: معجزات وهي آيات، ما نفعت الآيات الكونية الصريحة المنظورة، إنما أقامت الحجة عليهم، لكن لم يهتد بها أولئك الذين طلبوها، وهي زادت المؤمنين إيماناً، وقد يكون هناك من أسلم بعض الأفراد، لكن أصحاب التحدي -الذين كتب الله عليهم الضلالة- لم تنفعهم هذه الأمور.

стр. 1198

أنواع الفراسة قال رحمه الله تعالى: [ومما ينبغي التنبيه عليه هاهنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع] تكلم المؤلف عن الفراسة؛ لأنها نوع من الكرامة، والمقصود بها فراسة المؤمن، وقد تختلط الفراسة ببعض المخارق عند من لا يدركون أو لا يفقهون. فالمهم أن الفراسة هي التحديث الذي ذكره النبي ﷺ ، ذكر أن في هذه الأمة محدَّثين، وذكر منهم عمر بن الخطاب، وهم أهل الفراسة الذين يلقي الله في قلوبهم الحق ويلهمهم إياه، والفراسة هي إلهام وتحبيب، وهي نوع من الكرامات والخوارق. قال رحمه الله تعالى: [إيمانية: وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أَحَدُّ فراسة. قال أبو سليمان الداراني ﵀: الفراسة مكاشفة النفس، ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان، انتهى. وفراسة رياضية: وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم]. في تسمية هذا النوع فراسة نظر؛ لأن الفراسة في قول النبي ﷺ : (اتقوا فراسة المؤمن) هي فراسة شرعية، وهي نوع من الكرامة، لا تلتبس بالنوع الآخر الذي هو الكشوف، وأشبه ما يكون بالهستريا التي تحدث لمن يبالغ في الجوع والسهر والعطش، فلا تسمى هسترته فراسة على المعنى الشرعي، لكن يمكن تسمى فراسة بالمدلول اللغوي. قال رحمه الله تعالى: [وفراسة خلقية: وهي التي صنّف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخلق على الخُلقُ؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة صاحبهما، وضعف حرارة قلبه ونحو ذلك]. هذه أمور علمية وتسميتها فراسة تسمية مجازية؛ لأن الأمور التي تثبت بالتجارب ويعرفها أهل الاختصاص ليست فراسة على المعنى الشرعي، إنما هي أمور علمية يدركها المتخصص، ولا يدركها غير المتخصص، فربما يشعر غير المتخصص أنها نوع من الفراسة، لكن ليست فراسة، وإنما هي أمور تعرف بالقرائن وتعرف بالدراسة، وتعرف بالعلم والتجربة والاستقراء، سواء في الطب أو في سائر العلوم، أو في الممارسات العادية لأصحاب المهن وغيرها، فإن هذه الأمور تحدث لهم، لكن تسميتها فراسة حقيقة فيها نظر، وهذا التقسيم هو تقسيم لغوي لا تقسيم شرعي؛ لأن الفراسة الشرعية لا تختلط بالمعاني الأخرى، من المخرصة، أو الأمور الخُلُقية المعروفة بالعلم ونحو ذلك.

стр. 1199

الأسئلة

стр. 1200

ما جاء في تعلق الفراسة بتمييز المتخصصين في الحديث بين الصحيح وغيره السؤال ما يعرفه أهل الحديث المتخصصون من التمييز بين الحديث الصحيح وغير الصحيح، أحياناً من خلال متنه فهل هذا من باب الفراسة؟ الجواب إذا كان هذا مبنياً على سياق المتن، فهذا التخصص يجعلهم أعلم من غيرهم؛ مما أعطاهم الله من العلم والفقه في دين الله ، وما أعطاهم الله من التجربة وإدراك المعاني، وهذا لا يكون من الفراسة بمعناها الخاص، لكن إذا كان العالم المتخصص تفرس في اللفظ معنى ليس هو الظاهر من السياق، فقد يكون هذا من باب الفراسة الشرعية، التي هي نوع من الكرامة. وأهل الحديث هم صيارفة الحديث كما وصفهم الأئمة، والصيرفي إذا أعطيته عملة مزيفة قد تخفى على آلاف الناس، لكن بمجرد ما يلمسها الصيرفي حتى لو كان غير مبصر أدرك أنها مزيفة، فكذلك أهل الحديث كثرة الخبرة والمران وتعودهم على سياق أحاديث النبي ﷺ ، بمعرفة معانيها ومسالكها، وقوتها في اللغة والبيان، قد يدركون المعنى الذي لا يليق نسبته إلى النبي ﷺ بهذه الأمور، فهي نوع من الفراسة، لكنها فراسة علمية، ليست فراسة كشف وفراسة خوارق؛ لأن فراسة الخوارق تحدث بالإلهام الذي لا يمكن أن يكون بمجرد الوسائل والمواهب البشرية، فالفراسة الحقيقة هي نوع من الكرامة، كما حدث لـ عمر بن الخطاب ﵁ في كثير من الأمور.

стр. 1201

متى تحصل خوارق العادات للصالحين أفراداً وجماعات السؤال قوله: (ثم إن الدين إذا صح علماً وعملاً، فلا بد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه) هل هذا مناقض للكلام السابق: (أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه)؟ الجواب يقصد المؤلف معنىً يبدو أنه لم يفصح عنه، يقصد ﵀ أن أهل الاستقامة إذا ألجأتهم ضرورة شرعية كبرى، ليس مجرد أمور شخصية كالتحدي بين الإسلام والكفر، فإنهم قد تحدث لهم كرامات، وهذا صحيح، فإن أكثر ما كانت الكرامات في عهد الصحابة وعلى أيدي أئمة الهدى الكبار لا تكون في أمور شخصية، إلا في حالات نادرة لا يرغبون نشرها أو التحدث عنها، ولذلك قد تُذكر وقد لا تُذكر، لكن الكرامات المشهورة التي تشتهر غالبها تحدث للمؤمنين؛ بسبب استقامتهم في دين الله في المقامات العظمى والكبرى، مثل ما حدث لـ سعد بن أبي وقاص ﵁ حينما تجمد له النهر، ومثل ما حدث لـ خالد بن الوليد ﵁ حينما أكل السم الذي يقتل الإنسان عادة، لكن كان من باب التحدي، وكان فيما يشبه المباهلة التي فيها نصر للإسلام، ليس موقفاً شخصياً بين المؤمن وبين آخرين، فإذا وصل الأمر إلى حد ما يشبه المباهلة بين أهل الحق وأهل الباطل، أو إلى ضرورة نصر الحق في أمر حاسم تتعلق فيه مصالح الأمة العظمى، فمن هنا تحدث الكرامات على الوجه الذي ذكره الشارح، أما في أحوال الأفراد والأمور العادية، فإنه قد تحدث وقد لا تحدث، قد تحدث للعبد الصالح كرامة في المقامات الصعبة، لكنها ليست قاعدة مطردة.

стр. 1202

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٢] إن أشراط الساعة تدخل في الأخبار التي جاءت عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، فهي من الغيبيات التي يجب على كل مسلم أن يؤمن بها، وأشراط الساعة إما أن تكون أشراطاً صغرى، وقد حدث منها الشيء الكثير ولا يزال يحدث، وإما أن تكون أشراطاً كبرى ذكرها النبي ﷺ في عدد من أحاديثه، وتقع قبيل قيام الساعة وتكون مؤذنة بقيامها، وهي أمور عظام هائلة، وخوارق للسنن الكونية.

стр. 1203

الإيمان بأشراط الساعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها). عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) وروي: (راية) بالراء والغين، وهما بمعنى. رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه والطبراني. وعن حذيفة بن أسيد قال: (اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر الساعة، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، فقال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك: نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم) رواه مسلم. وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (ذكر الدجال عند النبي ﷺ ، فقال: إن الله لا يخفى عليكم، وإن الله ليس بأعور -وأشار بيده إلى عينه- وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية). وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور الدجال، ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه: ك. ف. ر) فسّره في رواية: (أي: كافر). وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة ﵁: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]). وأحاديث الدجال، وعيسى بن مريم ﵇ ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال، فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة، ببركة دعائه عليهم، ويضيق هذا المختصر عن بسطها. وأما خروج الدابة، وطلوع الشمس من المغرب، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [الأنعام:١٥٨]. وروى البخاري عند تفسير الآية عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل). وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (حفظت من رسول الله ﷺ حديثاً لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً) أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال، ونزول عيسى ﵇ من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر، مشاهدة مثلهم مألوفة، وأما خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف، ثم مخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية، وقد أفرد الناس أحاديث أشراط ا

стр. 1204

المقصود بأشراط الساعة يحسن الحديث عن بعض النقاط حول أشراط الساعة. من ذلك أولاً: المقصود بالأشراط. الأشراط لغة: العلامات والمقدمات، والأشراط جمع شرط، وهي الأحداث التي تكون علامة على الساعة وتتقدمها، وتكون مؤذنة بقيامها. أما المقصود بأشراط الساعة شرعاً: فهي العلامات والمقدمات التي تحدث بين يدي الساعة، سواء كانت من الخوارق، أو كانت من غير الخوارق، مما جاء ذكره في كتاب الله ، أو صح عن رسول الله ﷺ .

стр. 1205

صلة موضوع أشراط الساعة بالعقيدة إن أشراط الساعة تدخل في الأخبار التي جاءت عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، وتدخل في الغيبيات التي يجب أن يؤمن بها كل مسلم، والتي تميز المؤمنين عن غيرهم، فهي داخلة في أمور الإيمان بالغيب، ويدخل ذلك في الركن الخامس من أركان الإيمان: وهو الإيمان باليوم الآخر. وأشراط الساعة لا شك أنها من الأمور الغيبية، ولا يعرفها الناس على سبيل التحقيق، إلا إذا حدثت ورأوها أو أدركوها، لكن قبل ذلك لا بد من التسليم بكل ما صح فيها في كتاب الله أو عن رسول الله ﷺ ، دون تحكم أو تفسير بلا دليل؛ لأن كثيراً من الذين تناولوا موضوع أشراط الساعة أحياناً يفسرونها بغرائب التفسير، وإذا كان هذا التفسير لا يوافق الحقيقة، وهو على سبيل الجزم، يكون من القول على الله بغير علم، وأحياناً يقترن بتفسير بعض المعاني قرائن، فتكون من الأمور المحتملة، يقال: ربما يكون هذا الشرط المقصود به كذا والله أعلم، كقول النبي ﷺ : (في آخر الزمان يكلم الرجل سوطه) قد يقصد به هذه الأجهزة التي أصبحت الآن مع الشُرَطِ ورجال الأمن وغيرهم، فهذه الأجهزة هي أشبه بالسوط، فأجهزة الاتصال يكون فيها الكلام، وقد يقال مثلاً: في أن الرجل في آخر الزمان يكلمه فخذه أو يكلم فخذه، قد يقصد بذلك أجهزة الجوال ونحوه؛ لأن الجوال إذا وضع في الجيب يكون موازياً للفخذ كثيراً، ومع ذلك كل هذا ظن لا نجزم به. وهكذا فالاحتمالات ترد إذا كانت قريبة، أما إذا كانت بعيدة فيكون الكلام فيها إثماً، وإذا جزم الإنسان بتفسير هذه العلامات دون دليل يكون ذلك من باب القول على الله بغير علم، فليحذر المسلم من أن يتكلم ما لم تكن هناك قرينة، وبشرط ألا يجزم. وعلى هذا فإن من أنكر أشراط الساعة، أو شيئاً منها مما ثبت في الكتاب والسنة يكون واقعاً في الكفر.

стр. 1206

أنواع أشراط الساعة أشراط الساعة على نوعين: الصغرى، الكبرى. أما الصغرى فهي المقدمات التي حدثت أو لا تزال تحدث منذ مبعث النبي ﷺ إلى آخر الزمان، وهي غير الكبرى التي يكون فيها أمر عظيم هائل، سواء كان خرقاً للسنن الكونية، أو أحداثاً كبرى عظيمة.

стр. 1207

أشراط الساعة الكبرى أما الأشراط الكبرى للساعة فهي التي ورد ذكرها قبل قليل في حديث مسلم وغيره. وقد حصرها النبي ﷺ في بعض الأحاديث بعشر، هذه هي الكبرى، وسميت كبرى؛ لأنها إما خوارق للسنن الكونية، وإما أنها تتمثل بأحداث عظيمة هائلة، وتتمثل هذه العلامات الكبرى بما يلي: أولاً: خروج الدجال، وهذا على سبيل الترتيب التقريبي. ثانياً: نزول عيسى ﵇. ثالثاً: خروج يأجوج ومأجوج. رابعاً: الخسوف الثلاثة، مع أن الخسوف الثلاثة محتملة أن تحدث بين الأحداث السابقة أو قبلها، لكن هذا الظاهر من خلال عموم النصوص، والخسوف الثلاثة تعتبر ثلاث علامات. خامساً: الدخان، على اعتبار أنه لم يحدث إلى الآن، ربما يكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى، مع أن هناك من السلف من قال بأن الدخان حدث في عهد الصحابة، أو في عهد النبي ﷺ ، أو في عهد الخلفاء الراشدين. سادساً: طلوع الشمس من مغربها. سابعاً: خروج الدابة. ثامناً: خروج النار من اليمن، أو من قعر عدن، كما ورد في بعض النصوص. هذه الآيات العشر هي الآيات الكبرى، وترتيبها هنا ترتيب تقريبي.

стр. 1208

أشراط الساعة الصغرى أما العلامات الصغرى فهي كثيرة، منها ما حدث جزماً، ومنها ما يحتمل أن يكون قد حدث ويحتمل ألا يكون قد حدث، ومنها الراجح أنه لم يحدث. ويمكن أن نسرد عدداً من الأحداث الصغرى: أولاً: مبعث النبي ﷺ وقد حدث، وهذا قد يعد من الأحداث الكبرى أيضاً، كما ذكر بعض أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ ذكر أن العلامات الكبرى عشر، وعدّ منها مبعثه، وعلى هذا فالراجح أن مبعث النبي ﷺ يعتبر من الآيات الكبرى؛ لأن مبعثه قلب موازين الدنيا، فمبعث النبي ﷺ يجوز أن يكون من الكبرى أو من الصغرى. ثانياً: موت النبي ﷺ . ثالثاً: فتح بيت المقدس، وهذا قد حدث أيضاً. رابعاً: الموت الذي يأخذ الناس كقعاص الغنم، قيل: إنه طاعون عمواس وأيضاً ما حدث بعده، وبعضهم يقول: لا لأن هذا يدخل في الأحداث التي تقارن العلامات الكبرى؛ لحديث عوف بن مالك عند البخاري قال: (اعدد ستاً بين يدي الساعة -وذكر فيه-: ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم) فالمسألة فيها خلاف، هل هذه من الأمور التي حدثت أو لم تحدث بعد؟ الله أعلم. خامساً: استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة، وهذا حدث في عهد عمر بن عبد العزيز والله أعلم. سادساً: ظهور الفتن التي جاءت في حديث الملاحم والفتن، وهي كثيرة يصعب تعدادها هنا. سابعاً: ظهور نار في الحجاز، وقد ظهرت قرب المدينة سنة (٦٥٤هـ) هذه ظهرت ورآها الناس، ووقع فيها مصداق قول النبي ﷺ ، وهي الآن في شرق الحرة الشرقية شرق المدينة، وآثار هذه النار موجود إلى الآن على شكل أحجار بركانية، جنوب مطار المدينة. ثامناً: استتباب الأمن بين مكة والعراق، حتى يأمن الإنسان على نفسه من كل شيء، قد حدث هذا في مراحل كثيرة من التاريخ، منها في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد الخلفاء الراشدين، وفي عهود متفرقة، في عهد الدولة السعودية القائمة وفقها الله لكل خير، فإن الأمن مستتب منذ أن وحد الملك عبد العزيز ﵀ هذه البلاد، ولا يزال الأمن مستتباً بحمد الله، نسأل الله أن يستمر هذا الاستتباب للأمن، وأن يوفقنا ويوفق الولاة لشكر نعمة الله ، والثبات على دينه. تاسعاً: قتال العجم، وقد حدثت هذه الأشياء كما وصفها النبي ﷺ . عاشراً: ضياع الأمانة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وهذا حدث ولا يزال يحدث. الحادي عشر: رفع العلم، وفشو الجهل، والمقصود برفع العلم قلة الفقه في الدين، وقلة العلماء المقتدى بهم؛ لأن العلم لم يرتفع بالكلية، وهذا مما يدل على أن المقصود برفع العلم رفع الفقه في الدين والعلم النافع، العلم بشرع الله الذي ينتج عنه العمل. الثاني عشر: فشو الزنا، واستحلال الربا، وكثرة الفواحش، ونرى أن في شيوع وسائل الإعلان ما يدل على وقوع مثل هذا بين المسلمين، وسائل الإعلام المفسدة كالدشوش وغيرها. الثالث عشر: ظهور المعازف والأغاني واستحلالها. الرابع عشر: شرب الخمر، وتسمية الخمر بغير اسمه، وتسمية الربا بغير اسمه. الخامس عشر: التباهي بعمارة المساجد وزخرفتها. السادس عشر: تطاول الأعراب في البنيان، وهذه أمور كلها حدثت، وأن تلد الأمة ربتها. السابع عشر: كثرة الهرج والقتل. الثامن عشر: تقارب الزمان، والله أعلم بتقارب الزمان ربما يكون سرعة سير الأيام والساعات والدقائق، وهذا شعور مشترك بين كثير من الناس الآن، تجد الناس إذا تحدثوا في هذا الأمر يتفقون على الشعور بسرعة ذهاب الأيام؛ ولذلك تجد أن بعض كبار السن الذين مروا بفترة قبل توافر وسائل الحياة الحديثة، يقولون: نشعر أن اليوم في ذلك الوقت الذي هو ٢٤ساعة كالأسبوع في هذا الزمن، واسألوا أي أحد من كبار السن الذين تأملوا هذه المسألة، فربما يكون هذا -والله أعلم- راجعاً إلى شعور الناس، أو إلى أمر لا نعلمه، وقد يكون المقصود انتزاع البركة، أو يجتمع الأمران. التاسع عشر: تقارب الأسواق، وقد حدث هذا، حتى اشتبكت أسواق العالم الآن، يستطيع الآن أي تاجر أن يعقد صفقة بأسرع وقت من أقصى الدنيا، ويتسوق وهو في بلده من أي بلاد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وهذا حاصل الآن، وربما يكون تقارباً مكانياً أو تقارب الوسائل. العشرون: أن تعبد قبائل من هذه الأمة الأوثان، وهذا حدث عند غلاة المتصوفة وعند الرافضة وغيرهم، بل حدث حتى عند بعض قبائل العرب في بعض مراحل الزمان، ففي بداية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكرت بعض كتب التاريخ: أن بعض جيوش الدعوة وجدت عند ذي الخلصة من يعبدون الأصنام هناك، هنا في جنوب المملكة، وهذا ورد فيه نص مستقل أن الخلصة تعبد في الإسلام كما عُبدت في الجاهلية. الحادي والعشرون: فشو التجارة ومشاركة النساء مع الرجال فيها، وهذا قد حدث. الثاني والعشرون: كثرة الزلازل وهذا أيضاً بدأ يظهر في السنين الأخيرة. الثالث والعشرون: كثرة المسخ والخسف في هذه الأمة،

стр. 1209

الأسئلة

стр. 1210

القول بأن فتح القسطنطينية سيتكرر مرة أخرى في آخر الزمان السؤال ذكر بعض أهل العلم كالشيخ أحمد التويجري ﵀ في (إتحاف الجماعة): أن فتح القسطنطينية لم يحصل بفتح محمد الفاتح، وإنما هذا الفتح يكون في آخر الزمان، ودلل على ذلك، فما رأيكم في هذا؟ الجواب احتمال أن يكون هناك فتح غير الفتح السابق، والله أعلم.

стр. 1211

الرد على الشائعات حول ظهور الدابة أو بعض أوصافها السؤال قبل وقت قريب تكاثر الكلام حول الدابة، وأنها ستخرج من الصفا، وأن الصفا قد انشقت لها فما قولكم في هذا الكلام؟ الجواب ما قيل من رؤية شعرها، هذا كلام من الشائعات التي لا أصل لها.

стр. 1212

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٣] ذكر أهل العلم أن أصول الدجل ترجع إلى أربعة أمور وهي: دعوى النبوة، وقد وصف النبي ﷺ هؤلاء بأنهم دجالون، وهم أعظم الدجالين ذنباً، ثم يأتي بعدهم السحرة، ويدخل تحتهم أصحاب المؤثرات المعنوية إضافة إلى ما يعرف عنهم من تأثير حسي، ثم الكهنة الذين يدعون علم الغيبيات، ثم المنجمون، ويدخل تحت هذا الخط على الرمل، والضرب بالحصى، وقراءة الفنجان والكف، وغيرها من أعمال التنجيم.

стр. 1213

كذب الكاهن والعراف قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نصدق كاهناً ولا عرّافاً، ولا من يدّعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة). روى مسلم والإمام أحمد عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة). وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد). والمنجم يدخل في اسم العرّاف عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه، فإذا كانت هذه حال السائل فكيف بالمسئول؟ وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: (سأل رسول الله ﷺ ناسٌ عن الكهان؟ فقال: ليسوا بشيء، فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدّثون أحياناً بالشيء فيكون حقاً؟ فقال رسول الله ﷺ : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة). وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث). وحلوانه: الذي تسميه العامة حلاوته. ويدخل في هذا المعنى ما يعطاه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، مثل: الخشبة المكتوب عليها أ، ب، ج، د، والضارب بالحصى، والذي يخط في الرمل، وما يعطاه هؤلاء حرام، وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء، كـ البغوي، والقاضي عياض وغيرهما. وفي الصحيحين عن زيد بن خالد قال: (خطبنا رسول الله ﷺ بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب). وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة). والنصوص عن النبي ﷺ وأصحابه وسائر الأئمة بالنهي عن ذلك، أكثر من أن يتسع هذا الموضع لذكرها. وصناعة التنجيم التي مضمونها الإحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، أو التمزيج بين القوى الفلكية والغوائل الأرضية، صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] قال عمر بن الخطاب ﵁ وغيره: الجبت السحر. وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان لـ أبي بكر غلام يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري مم هذا؟ قال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أُحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه. والواجب على ولي الأمر، وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين، وأصحاب الضرب بالرمل والحصى، والقرع والفالات، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت أو الطرقات، أو أن يدخلوا على الناس في منازلهم لذلك، ويكفي من يعلم تحريم ذلك، ولا يسعى في إزالته مع قدرته على ذلك، قوله تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، وهؤلاء الملاعين يقولون الإثم، ويأكلون السحت بإجماع المسلمين، وثبت في السنن عن النبي ﷺ برواية الصديق ﵁ عنه، أنه قال: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه). وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة أنواع: نوع منهم: أهل تلبيس وكذب وخداع، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال من أهل المحال، من المشايخ النصابين، والفقراء الكاذبين، والطرقية المكارين، فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس، وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدّعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك. ونوع يتكلم في هـ

стр. 1214

أصول الدجل والتنجيم والكهانة يحسن الوقوف عند بعض الأمور مما سبق، أولاً: فيما يتعلق بأصول الدجل، وهنا الشارح ﵀ عرض صوراً من صور الدجل والتنجيم والكهانة، وبعضها قد يشبه بعضاً، وبعضها مرادف للبعض الآخر، لكن عند الاستقراء نجد أن أصول الدجل التي ذكرها أهل العلم، ومنها ما ذكر الشارح هنا ترجع إلى أربعة أمور: الأمر الأول: دعاوى النبوة، وقد وصف النبي ﷺ هؤلاء بأنهم دجالون، فأعظم الدجالين ذنباً وأكذبهم وأخطرهم وأشدهم هم الذين يدّعون النبوة، وهؤلاء يجب قتلهم بكل حال، ليس فيهم خلاف، من ادعى النبوة وهو عاقل سوي، ثم أصر على دعواه يجب قتله. الأمر الثاني: السحر، والسحر أنماط وأصناف وأنواع، ويدخل في السحر أحياناً المؤثرات المعنوية، ليس السحر فقط هو الأمور المادية، بل المؤثرات المعنوية تدخل في معنى السحر لغة وشرعاً. الأمر الثالث: الكهانة، والكهانة تعتمد على دعاوى الغيب. الأمر الرابع: التنجيم. وهذه الأمور قد تتداخل أحياناً، قد يكون المنجم ساحراً، وقد يكون المنجم كاهناً، وقد يكون الكاهن ساحراً والساحر كاهناً، لكن ومع ذلك فإن هذه الأصول إذا انفرد أحدها صار نوعاً من الدجل، وإذا اجتمعت فهي دجل مغلّظ مركب، وعلى هذا فإن الأمور التي ذكرها الشارح هي صور من صور هذه الأصناف الأربعة، فمثلاً: ذكر هنا العرّاف، العرّاف يدخل في مفهوم الكهانة، ويدخل في مفهوم التنجيم، ويدخل أحياناً في مفهوم السحر؛ لأن الساحر أحياناً يكون عرّافاً، بل المنجم يستعمل العرافة، والعرّاف أيضاً يستعين بالسحر وبالتنجيم، وسيأتي تعريف العرّاف بعد قليل، وكذلك أصحاب الأزلام، وذكر الشارح نموذجاً من صور من فعل الأزلام، التي من ضمنها وضع أشياء وكتابة حروف عليها، وربط الأفعال والتصرفات بهذه الحروف والرموز أو الألوان، كأن يلون الإناء أو الخشبة بألوان ثلاثة أو أربعة، ويقول: إن خرج عليك اللون الأخضر فامض إلى فعلك، وإذا خرج عليك الأحمر فلا تمض، أو إذا خرج عليك حرف كذا فامض، وإذا ما خرج الحرف الفلاني فاترك، أو إذا خرج عليك صورة طير أحمر فامض، وإذا ظهر عليك صورة طير أسود فلا تمض إلى آخره، كل هذه الصور تعتبر من الاستقسام بالأزلام، أو ما يستعمله أهل الجاهلية من وضع الأقداح، فإذا خرج منها نوع معين أو لون معين أو شكل معين أو طفحت أو غرقت إلى آخره، كل هذه صور من صور الاستقسام بالأزلام. وكذلك الضرب بالحصى، واعتبار أن نوع الضرب أو صوت الضرب أو لمس الحصاة إلى آخره يختلف من دجال إلى دجال؛ لأن كثيراً من الدجاجلة يحرص على أن يعمل خلاف ما يعمله غيره؛ ليتميز بشيء، ويرجع كل ذلك إلى نوع واحد. والخط في الرمل، وهو الخط بخطوط متعرجة ومستقيمة أو نحو ذلك، فهذا يكثر ولا يزال يمارس في التمويه على الناس والعامة. وكذلك من صور هذه الأفعال: التنجيم، التنجيم على صور كثيرة: من اعتقاد أن النجوم لها تأثير في الأرض، أو في مقاليد الأرض، أو في الأقدار، أو أن المطالع في الجملة لها تأثير في حياة الناس وفي أفعالهم وتصرفاتهم وأعمارهم وشقاوتهم وسعادتهم إلى آخره، أو أن النجوم لها تأثير في مضي الناس أو عدم مضيهم في الأعمال والأقوال وغيره إلى آخره! والتنجيم أيضاً له صور كثيرة تبدأ من عبادة النجوم، وتنتهي باعتقاد التأثير في النجوم، وبين هذه الصور صور كثيرة. وكذلك من الصور التي ذكرها الشيخ: القرع الذي هو ضرب شيء بشيء أو نحو ذلك، والفالات التي تسمى في بعض البلاد الحظ، ويمارس فيها الدجل علناً في الشوارع، والآن الحظ والفالات والطوالع صارت تنتشر في بعض وسائل الإعلام، في بعض الجرائد اللبنانية والمصرية وغيرها، ويضعون الآن للمنجمين صفحات تحت عناوين برّاقة وجذّابة، وهي تقوم على الفالات والحظ، ويتوارد السائلون على هؤلاء الدجالين والمنجمين في سؤالهم عن حقوقهم، وعن مقاديرهم، وعما يفعلونه أو يتركون إلى آخره، فيفتونهم بهذه الأساليب الشيطانية، ويقول: أنت صاحب حظ سعيد! أو الوقت الفلاني مشئوم فلا تذهب ولا تسافر فيه على النجم الفلاني! وأنت في الوقت الفلاني يجب أن تفعل كذا أو لا تمضي أو تمضي إلى آخره، هذا الدجل الموجود في السابق أصبح الآن يسمى بأسماء براقة خداعة، وكله يدخل في مجالات الفالات والحظ. وهؤلاء أيضاً لا يزال كثير منهم في البلاد الأخرى الإسلامية يجلسون في الحوانيت والطرقات، ويمتحنون الناس في دينهم. ومن هذا: دعاوى الصوفية، وهم من يدّعي الحال من أهل المحال، هذا يرجع إلى دعاوى السحرة، ودعاوى الفلاسفة، ودعاوى الصوفية، قال: (من المشائخ النصّابين، والفقراء الكذّابين، والطرقية المكّارين، فهؤلاء كلهم من أصناف أهل التصوف. فمشايخ الطرق الصوفية وأحوالها وأورادها وأشكالها يخربون عقائد الناس بالله، ويرتزقون باسم الدين. كذلك المدعون العبادة والتمسك يسمون الفقراء، وهو اسم من أسماء الصوفية والطرقية كذلك، كل هذه صور من صور الدجل ذكرها الشيخ. كذلك الطلاسم، وهي كل ما كان غامضاً بذاته، أو علق بأمر غامض، كتعليق الأمور بالرموز، وتع

стр. 1215

حقيقة الكهانة والتنجيم والسحر وأنواعه الكهانة: هي تعاطي الأمور الغيبية، وممارسة الأشياء الغامضة البسيطة، وادعاء كشف الأسرار، وادعاء القدرة على خرق العادات، ولهذا يدخل السحر في الكهانة، وبعض صور التنجيم تدخل في الكهانة أيضاً. أما السحر فالمقصود به ما خفي ولطف سببه، وعلى هذا فالسحر أكثره طلاسم. والسحر عمل غامض يبهر الناس، وغالباً يكون بمعونة الشياطين، سواء شياطين الإنس أو شياطين الجن. وقيل: إن السحر هو أعمال دقيقة تؤثر في القلوب والأبدان، تتم بعزائم ورقى وحركات شيطانية، وهذا وصف من أوصافه، وإلا فالسحر: هو كل ما خفي ولطف سببه، سواء كان هذا الأمر مما ليس له تفسير شرعي، أو مما ليس له تفسير مادي وعقلي. وما لم تستوعبه العقول، أو يفسره العلم، ولم يقر به الشرع، فهو سحر، وما أثر في مقادير الخلق وأحوالهم من الأمور التي ليس لها أصل شرعي، وليست معقولة عند العقلاء، فهي سحر، ولذلك الآن يدخل في السحر صور كثيرة مما يمارسه الدجالون الآن. والسحر كما هو معروف نوعان، ومن عرف هذين النوعين خرج مما وقع فيه كثير من الناس من الخلاف في السحر، فالسحر منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو خيالي، وأكثر الخيال يرجع إلى حقائق، وأكثر الحقائق ترجع إلى خيالات أيضاً. فمن هنا السحر نوعان: سحر حقيقي، وهو أن يعمل الساحر أشياء مادية ظاهرة التأثير بينة، وتكون بينه وبين أعوانه من الشياطين، فالساحر يربط أحوال الناس الذين يؤثر فيهم بفعل الشياطين بأمور غامضة، يقوم بعمل أمور مادية أو وضع نجاسات أو غيرها، ويجعلها بمثابة العقد بينه وبين الشيطان، وأنه ما دامت هذه الأشياء موجودة محفوظة في مكان معين أو على نمط معين، فإنها هي الرابط بين الشيطان وبين الساحر للتأثير في الآدمي. وهذا التأثير يرجع إلى أمر حقيقي، ولذلك كثير من الناس إذا وفق إلى معرفة مكان السحر وإتلافه بإذن الله يشفى؛ لأنه هو العقد بين الشيطان وبين هذا الساحر، أو بين الشياطين وبين هذا الساحر. فهذا النوع أيضاً يعتبر نمطاً من أنماط السحر، ولذلك ينبغي لمن أصيب له قريب -لا قدر الله- بسحر أن يحاول أن يتعرف على مكان السحر، ولو عن طريق ما تنطق به الجن إذا ما قصد ذلك، إنما جاءه من باب استعمال الرقية. فإذا أخبر الجن بمكان سحر، فإن كانوا صادقين فهذا خير ونعمة وكرامة للعبد أن يشفى بسبب هذا الخبر، لكن لا ينبغي أن يتعلق القارئ بالاستعانة بالجن، فيكون هذا من باب الاستدراج والابتلاء، لكن إذا جاءه الأمر بدون اختياره أو قصده وتعمده فهذا لا حرج فيه؛ فقد وقع منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا. فالسحر الحقيقي كثير، وأكثر ما يؤثر في العباد من قبل هؤلاء الأشرار قاتلهم الله، هو السحر الحقيقي الذي يؤثر تأثيراً حقيقياً، سواء أثر في أمر مادي جسماني، أو في أمر معنوي نفسي، فكل هذا يرجع إلى أصل واحد وهو السحر الحقيقي. أما السحر التخييلي فهو ما يكون تأثيره تأثيراً نفسياً أو نحو ذلك، أو يكون باستعمال الشياطين مباشرة، بحيث تؤثر على تفكير الإنسان وتسيطر عليه، وهذا قد يكون بتأثير مباشر من الجني أو الشيطان. وهذا السحر توجد منه نماذج، وهو نوع من الجنون والمس، سواء عُلِم أو لم يُعلم، وأحياناً يجتمع الأمران: السحر الحقيقي، والسحر التخييلي. أما التنجيم فهو ادعاء تأثير النجوم في مقادير الخلق، أو مقادير الكون، أو بعضها. والكهانة أيضاً لها أصناف: العيافة كهانة، والطرق كهانة، والعرافة كهانة، وأحياناً التنجيم والسحر يكونان من الكهانة.

стр. 1216

ذكر بعض الصور الداخلة في التنجيم والسحر والكهانة هناك بعض الصور تدخل في التنجيم والسحر والكهانة، وبعض الناس قد لا يرى هذه الصور من السحر والكهانة والعرافة والدجل. فمثلاً: من صور الدجل ما ذكره الشيخ في الشرح ولا نعيده، لكن من الصور أيضاً ما يسمى بصب الرصاص، هذا موجود إلى وقت قريب، وربما يوجد الآن في بعض البلاد يفتن به العامة، يزعمون أن بعض الناس ممن يعالج بالأدوية الشعبية أنه من الوسائل التي يتعرف بها على العائن، أو على الساحر، فيقوم الكاهن أو المشعوذ بصب الرصاص في إناء، ويجعله قريباً من المريض على شكل معين، ويدعي أن صورة العائن أو صورة الساحر تظهر في الرصاص الموجود في الإناء. ولا شك أن إظهار صورة الساحر أو العائن في الرصاص يكون عن طريق الجن، وقد يكون حقيقة، لكن بواسطة مخلوق غيبي، فمن هنا وقع المحظور، بعض الناس يقول: هذا ليس فيه شيء، نقول: لا؛ لأنك استعملت وسائل غير مشروعة لإخراج أو إظهار الأمور الغيبية، فهذه الكهانة بعينها، فتفسيرها بالتفسيرات الموهمة أو المضللة لا يعني أنها حلال، وفي هذه الأيام كثير من العوام يعتقد أن صب الرصاص لا شيء فيه، يعني: تجد الواحد منهم يرى أن الذهاب إلى كاهن معلن بالكهانة أو ساحر معلن بالسحر حرام وكفر، لكن يستبيح الذهاب إلى الذي يصب الرصاص، وهو دجال من الدجاجلة، وما هو إلا كاهن، والكهانة من السحر. كذلك من الصور: استعمال الرقى والعزائم غير الشرعية. هذا نوع من الدجل؛ لأن فيها يتم استخدام الجن عمداً، لكن كما قلت إذا خدم الجن الإنسان دون أن يتعمد فهذا من فضل الله ، بشرط ألا يكون هذا عادة، لأنه ربما يكون هذا من باب الابتلاء والاستدراج، لكن أن يتعمد الإنسان استخدام الجن فهذا نوع من الاستعانة بالجن من ناحية، وهو حرام، ونوع من سيطرة الجن على الإنس، وهذا هو الاستمتاع المنهي عنه ما بين الإنس والجن، وذلك بأن يفيدك الجني بمكان السحر، أو يفيدك بمعرفة العائن أو الساحر، أو بأي نوع من أنواع الإفادة، فإذا وصل الأمر إلى حد إدمان الاستعانة بالجن، والاستمتاع بمواهبهم وقدراتهم في عقد أو عهد أو وعد، فإن هذا ممنوع. أما ما حدث من السلف ولا يزال يحدث من كثير من الصالحين أن الجن يعينون الإنسان بدون ما يكون بينه وبينهم عقد ولا عهد فهذا أمر كما قلت أحياناً يكون من باب الكرامة، وقد يكون من باب الابتلاء، فلذلك إذا كثر عند القارئ أو الراقي الاستعانة بالجن أو معاونة الجن له وتعلقهم به، فهذا نوع من الاستخدام غير المشروع، فليتنبه. ومن أتى عرافاً فإنه لا بد أن يصلي ويؤمر بالصلاة، لأنه أولاً ممن يجب أن يشرع بالتوبة فيتوب، فإذا تاب تاب الله عليه. الأمر الثاني: من أحاديث الوعيد: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) فهذا من أحاديث الوعيد لا يعني ضرورة تحققها؛ لأن الله قد يغفر له، وقد يوفق لصلاته فيتوب، وأيضاً ربما يبقى له أصل سقوط الفرض عنه وبقاء الإسلام ولو لم تقبل الصلاة، فإن الصلاة قد لا تقبل، لكن يسقط بها الفرض ويكون مسلماً، فما دام على الإسلام نلزمه بالصلاة، فينبغي ألا نسقط إقامة الصلاة عليه ولو لم تقبل منه، فرق بين القبول وبين مجرد إقامة الصلاة، وكذلك قد يبقى له أصل الإسلام وإن لم تقبل منه الصلاة. كذلك من الصور: بعض الناس عنده نوع من الهسترة، أو ما يسمونهم بعقلاء المجانين أو مجانين العقلاء، هناك فئة من الناس يكون عندها نوع من الاضطراب النفسي أو العقلي، هذا النوع يكون فيه جني، فيطلع الناس ويخبرهم بما لم يدركوه، وهذا حدث. فأنا أعرف بعض المجانين أو أشباه المجانين، أحياناً تأتيه حالة يخبرك عن شيء بينك وبينه عدة كيلو مترات، فيكون حقيقة، فينبغي للناس ألا يستفزوه لمثل هذه الأمور، ولا يستفيدوا منه أو يستنطقوه؛ لأن هذا نوع من استخدام الجن، فهو ممسوس أو عنده خلل في عقله، فلا يجوز للناس أن يستفيدوا من هذه الخصلة فيه في اكتشاف الغائب؛ لأنه نوع من الدجل، بعض الناس يتلهى بهذا ويتلذذ. وأنا أعرف طالب علم تعرف على نوع من هذا الفئة، فوجد عنده بعض الأخبار، ففتن به، فهو دائماً يبحث عنه ويبدأ يستشيره وكأنه من النوع الموهوب، لكن عنده اضطراب، فإذا استشاره بدأ هذا الممسوس يهذي بأمور، ويخبر بأشياء هي عن طريق الجن، بل صار هذا الطالب يدمن استشارة هذا الممسوس، حتى إنه كشف من خلاله أشياء كثيرة. فينبغي لمثل هذا أن يخوف بالله ، ويوضح له أنه نوع من أنواع الدجل، سواء كانت بعض الأخبار مفيدة؛ لأن الجني يعلم ما لا يعلمه الإنسي، وقد تحجب عن الإنس أشياء لا تحجب عن الجن، فلا تعتبر هذا كرامة لك، أو أنه من الأمور المباحة أو الجائزة، بل العكس، فهذا من أبواب الفتنة التي تحدث عند بعض الناس، وهو نوع من الدجل. أيضاً من أنواع الدجل والسحر ما يسمى بالزار هذا يوجد عند بعض الجهلة، الذين يكونون غالباً من أصحاب اللهو والعبث والرقص والأغاني وغيرها، فهؤلاء في الغالب تستحوذ عليهم الشياطين، وبعضهم يكون بينه وبين الشياطين عقود لدفع ضر أو جلب نفع أو نحو ذلك، فهذه

стр. 1217

الأسئلة

стр. 1218

حكم التشاؤم بأشياء معينة كطير ونحوه السؤال ما حكم التشاؤم بأشياء معينة كطير أو شخص أو غير ذلك؟ الجواب لا شك أن التشاؤم بأشياء معينة لا يجوز؛ لأن التشاؤم بها مبني على الدجل أصلاً، فالتشاؤم من رقم، أو من شخص، أو من صفر، أو من طير أو نحو ذلك يدخل في العرافة، ويدخل في الدجل.

стр. 1219

حكم وضع علامة أو ورقة على هيئة معينة للمضي في العمل أو تركه السؤال ما حكم من استخار في أمر متردد فيه فلم يهتد إلى طريقة، ووضع ورقة أو علامة على كيفية معينة، فإذا جاءت على الكيفية التي فيها المضي في ذلك العمل مضى وإلا فلا؟ الجواب هذا نوع من الطيرة والعرافة ولا يجوز؛ لأن الأصل في هذا أن الإنسان يستخير ربه، إذا كان متردداً بين أمرين أو في أمر، يستخير ويكرر الاستخارة، ويستشير، فإذا عزم فليتوكل على الله، كأن يكون له مريض فيقول: علاجه يكون باستعمال هذه الطريقة، ثم يقول: لا يكون علاجه بهذه الطريقة، فيقول: والله أنا ترددت، وربما استخرت واستشرت، فأنا الآن سأضع ورقة أو علامة، وهذه العلامة دليل على المضي على العمل أو عدمه، نقول: لا، هذا ما يجوز؛ لأنه علق قدره بما لا يجوز شرعاً، فعليه أن يرتب أمره على المشروع، وإن شاء الله سيهديه الله ، إذا صدق مع ربه.

стр. 1220

حكم القرعة السؤال هل تدخل القرعة في الدجل والعرافة؟ الجواب لا، القرعة حق؛ لأن القرعة تكون في الحقوق بين الناس، وفي المنازعة بين طرفين، القرعة ما تدخل في الدجل.

стр. 1221

أنواع السحر وحكم أصحاب كل نوع منها السؤال ما هي أنواع السحر؟ وحكم أصحاب كل نوع منها؟ الجواب المشهور عند أهل العلم أن السحر على نوعين: هناك سحرة يكون سحرهم بالشركيات، سواءً عملوا هم الشركيات وهو الغالب، أو أمروا به، أصحاب هذا النوع من السحر يقتلون، والأصل في عملهم الردة. النوع الثاني من السحر: استعمال ما دون الشركيات، كالتخرص والتخبطات والعرافة والدجل، الذي هو استعمال ألغاز، مع العلم أنها لا تنفع ولا تضر، فهذا نوع من الارتزاق بالدجل أو بالعرافة ونحوهما لكن دون الدخول في الشركيات، فهذا النوع إذا كان عمله أدى إلى الإضرار بالآخرين والفساد في الأرض، وصار الناس يستعينون به من دون الله ، فإذا عم فساده يقتل، وإن لم يكن مرتداً، أما إذا ما عم فساده فيكون عمله كبيرة، ويجب ردعه بالروادع التي دون القتل. إذاً: النوع الأول: يقتل بحال، إذا عمل الشرك وأمر بالشرك. النوع الثاني: إن كان عمله مؤدياً إلى فساد في الأرض، والفساد في الأرض معناه: أن يفتن الناس به، ويعلقون مقاديرهم بأقواله، فيقتل لهذا السبب. أما إذا كان فساده لم يعم، أو كان ضرره قليلاً، فهذا يجب أن يردع بالروادع والتعزيرات ما دون القتل، والله أعلم.

стр. 1222

حكم الخروج على الولاة الظلمة عملاً بخروج بعض السلف عليهم السؤال كيف نرد على من يعتقد الخروج على الولاة الظلمة، مستدلاً بخروج أصحاب الحرة، وعبد الله بن الزبير، والقراء في فتنة ابن الأشعث؟ ويقول: أليس هؤلاء من السلف، فلماذا لا نقتدي بهم؟ الجواب ينبغي أن تحكم مثل هذه المسائل بمنهج السلف، لا بمجرد الكلام التفصيلي، هل هؤلاء مخطئون أو غير مخطئين؟ أولاً: لا يعد السلف كل ما حدث في عهدهم مشروعاً. ثانياً: لا يعدون كل ما حدث من أفراد السلف وبعض جماعاتهم مشروعاً؛ لأنه قد يحدث من بعض أفراد السلف أو بعض جماعاتهم الذين هم دون الجماعة الكبرى، قد يحدث منهم زلة عن اجتهاد أو تأول. ثالثاً: أنه قد يخفى على بعض المنتسبين للسلف من العلماء ومن العامة ومن القراء وغيرهم، قد يخفى عليهم أصل، فيعملون بخلافه وهم لا يدرون، أو يتأولون ذلك الأصل. ثم إن هذه الحوادث التي حدثت، وقد سميت: حادثة الحرة، وفتنة ابن الأشعث، أما قصة عبد الله بن الزبير فتختلف عن القصتين. لكن مثل حادثة الحرة، وفتنة ابن الأشعث حدثت عن اجتهاد من بعض المنتسبين للعلم، وحدث فيها كلام وبعدها، فقبلها حدث أن تكلم الناس في الخروج على يزيد، أو في الخروج على عبد الملك، فكان أن قرر أهل العلم الكبار أمثال الحسن البصري وغيره بأن هذا لا يجوز، فتأول آخرون وقالوا: يجوز، لكنهم خالفوا من هم أكبر وأعلم. ففي فتنة الحرة نعرف أن كبار الصحابة الموجودين منهم نهوا عن الخروج، حتى لما رأوا عزم أولئك على الخروج خرجوا من المدينة؛ لأنهم عرفوا أنها ستكون فتنة، والذين قاموا بفتنة الحرة شباب ليس معهم شيوخ إلا واحد أو اثنان، وهؤلاء الشباب أخذتهم الغيرة والعاطفة، ولم يسمعوا للكبار الراشدين الفقهاء، لكن كانوا مجتهدين، وأمرهم إلى الله ، لكن كان عملهم خطأ. كذلك فتنة ابن الأشعث حدث فيها خلاف كبير بين أهل العلم، فالعلماء الذين هم مرجع الأمة مثل: الحسن وغيره رفضوا الخروج بل أمروا الناس بأن يكفوا حتى عن جهاد هذا الظالم الجبار العاتي وهو الحجاج، وقالوا: ما هو إلا ذنب من ذنوبكم، فاستغفروا الله وتوبوا إليه، واعملوا ما تستطيعون، ولا يسعكم الخروج؛ لأن الخروج فتنته أعظم. وفعلاً حصل ما قاله الحسن بحذافيره، لا لأنه يعلم الغيب، ولكنه يعلم لماذا نهى الشرع عن الخروج؛ لأن الخروج يؤدي فتنة عظمى، فلما خرج أولئك على الحجاج كانت الجولة للحجاج، فكان أن نكل بهم، ونكل بأقاربهم وبالأبرياء من النساء والرجال والأطفال، فهذا دليل على أن هؤلاء أخطئوا وتأولوا، ثم بعد انتهاء الفتنة، سواء فتنة الحرة أو فتنة ابن الأشعث -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - نظر السلف في عموم النصوص في قواعد الشرع فأجمعوا على أن الخروج لا يجوز، وأن ما حدث كان زلة من هؤلاء، لكن لا يقتدى بهم فيها؛ ولذلك سموه فتنة، وسموه خروجاً. فعلى هذا لا ينبغي الاستدلال بمثل هذه الأمور، بل ينبغي الاستدلال بقول السلف فيها، أنا لا أعرف أحداً من السلف الذين يقتدى بهم في الدين، المعتد بقولهم، الذين هم مصدر أخذ الدين ومناهجه، اعتبروا فتنة ابن الأشعث حجة، ولا اعتبروا فتنة الحرة حجة، بل العكس اعتبروها زلة. فإذاً: لم يستدلُ هذا المسكين بأدلة هي خلاف استدلال السلف؟ اعتبرها السلف من الزلات، ولا يزالون يضربون بها المثل على أنها من الغلطات التي وقعت فيها طائفة من المؤمنين. فهل يريد هذا أن تكرر الأمة الغلطات؟ ارجعوا إلى أقوال السلف، ليس الكلام كلامي، لكن ارجعوا إلى أقوال المحققين ممن محصوا هذه الأمور. أما عبد الله بن الزبير ﵁ فقد ظهر في فترة كانت الخلافة شبه مضيعة، لما بويع بعد يزيد بن معاوية ابنه حصل نوع من الانفلات، وما تولى الخلافة بشكل حقيقي، ثم توفي بعد أيام، ثم بقيت الأمة بلا إمام ولا خلافة، فـ ابن الزبير دعا ودعي له بالبيعة، فبويع له بالحجاز، ووصلت ولايته إلى العراق، ثم في هذه الأثناء استعاد بنو أمية الخلافة، واجتمعت الأمة حولهم، وصار اضطراب عن اجتهاد من الفريقين، ما نستطيع أن نخطئ هذا ولا نخطئ هذا، فـ ابن الزبير ما خرج ولا حث على يزيد بن معاوية، رغم أنه اشتهر بالظلم؛ لأنه صحابي ويعرف أحكام الخروج. إذاً: الاحتجاج بمثل هذه الأمور غير صحيح، ومن وقعت عنده هذه الشبهة ينبغي أن يرجع إلى قول المحققين والأئمة، ولا يرجع إلى فتاوى شاذة؛ لأنه سيجد من الفقهاء من يفتي بمثل هذه الأمور، لكن العبرة بجمهور السلف، وإلا العالم يزل والمجموعة من العلماء يزلون، قد تزل جماعة من المؤمنين وطائفة من المسلمين، فالأخيار يزلون. ففتنة الحرة، وفتنة ابن الأشعث هي زلات يغفر الله لمن وقع فيهما، ولا نقول في دي

стр. 1223

عدم دخول الجن كل مسحور السؤال هل من لازم الإنسان المسحور أن يكون هناك جني قد دخل فيه؟ الجواب لا، لا يلزم، لكن هذا ينطبق على نوعي السحر الحقيقي، فالسحر الحقيقي قد يصاحبه الجني، وقد لا يصاحبه جني، ولا يلزم من كل سحر أن يصاحبه جني، لكن قد يكون هذا هو الغالب؛ لأن الجن يقومون بالدور الذي يريده الساحر في الغالب، لكن ليس هذا بلازم. أما المؤثرات المعنوية فتدخل في السحر التخييلي، مثل: أن يشعر الإنسان بشيء غير حقيقي، يشعر أنه فعل شيئاً وما فعله، ويشعر أنه يرى شيئاً وهو في الحقيقة لم ير شيئاً، فهذه تسمى مؤثرات معنوية، وقد يكون عنده نوع من الوسواس، والوسواس تأثيره معنوي. وقد يكون السحر عضوياً من الناحية الطبية، في مخ الإنسان أو جسمه، لكن هذا ما ندركه، هو بالنسبة لنا معنوي.

стр. 1224

حكم فك السحر بالسحر للضرورة ووجه نسبة جواز ذلك للإمام أحمد السؤال ما صحة ما يروى أن الإمام أحمد أجاز النشرة بالسحر للضرورة؟ الجواب لا أدري، لكن يجب أن يفرق الناس في فك السحر بالسحر بين مسألة استباحة فك السحر بالسحر، وبين مسألة الضرورة، الضرورة أمر آخر لا خلاف فيها، لكن لم يقل عالم بأن الضرورة تبيح الشرك، أو الوقوع في الشركيات، لكن هناك أنواع من أنواع فك السحر هي أنواع مادية، أو تكون عن طريق الاستعانة بآخرين، يمكن أن يفتي بها بعض أهل العلم من باب الضرورة، بعد استنفاذ الوسائل الشرعية، وبشرط ألا يكون فيها ارتكاب لشركيات، ولا ضرر بآخرين، ولا غير ذلك، فالنشرة على المعنى الممنوع، كأن يفك السحر بالسحر من نفسه، هذا يعتمد على الجن، وهو شرك، لكن فك السحر بوسائل أخرى غير السحر جائزة. وهناك من الناس من خلط بين إجازة بعض العلماء بعض الوسائل لفك السحر للضرورة، وبين النشرة التي هي فك السحر بسحر، وهي حرام.

стр. 1225

حكم سؤال المنجمين وغيرهم عن مكان السحر السؤال سؤال المنجمين عن مكان السحر، هل فيه محذور؟ الجواب ليس فيه محذور، إذا عرض لك الجني بأي سبب من الأسباب فلا مانع أن تسأله، إذا كان الأمر متعلقاً بمصلحة آخر، أو بدفع ضرر عنه، فلا حرج في ذلك.

стр. 1226

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٤] لقد ذم الله في كتابه الكريم الكافرين على استعاذتهم بالجن، وقد ظهر في أمة محمد ﷺ من يتعلق بالجن من الصوفية، ويسمونهم رجال الغيب، فيخاطبونهم ويستعينون ويلجئون إليهم، ويخاطبون المجاذيب ممن فيهم مس أو جنون، حتى صار بعضهم يعتبرون ما يسند إلى رجال الغيب ديناً لابد من قبوله وتصديقه، وحتى ابتلي بعضهم بالاستعانة بالجن في الإضرار بالمسلمين، ومعاونة المنافقين والكافرين.

стр. 1227

تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، وزعم بعضهم أنه مجرد تخييل]. هذه المسألة سبق الإشارة إليها، وذكرنا أن السحر منه ما هو تخييلي، ومنه ما هو حقيقي، يؤثر تأثيراً مادياً محسوساً، ومنه ما يجمع بين الأمرين وهو الغالب، أغلب أنواع السحر يكون تخييلياً مبنياً على أشياء مادية يضعها الساحر، وأحياناً يكون مجرد تخييل، لكنه سحر، وأحياناً يكون مادياً بحتاً، بمعنى أنه مادة منظورة مشهودة مؤثرة، تحس بالحواس. إذاً: فالتنازع في الحقيقة لا محل له هنا، وكما ذكر جمهور أهل السنة على أن السحر ينقسم إلى نوعين: منه ما هو تخييلي، ومنه ما هو حقيقي، والتخييلي أحياناً ينبني على الحقيقي، وكذلك العكس. قال رحمه الله تعالى: [واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها، أو خطابها، أو السجود لها، والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك؛ فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، فيجب غلقه، بل سده، وهو من جنس فعل قوم إبراهيم ﵇، ولهذا حكى الله عنه بقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام:٧٦] الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. واتفقوا كلهم أيضاً على أن كل رقية وتعزيم، أو قَسَم فيه شرك بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به، لإمكان أن يكون فيه شرك لا يعرف، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً)]. مسألة الرقية موضوعها موضوع مستقل؛ لكن نظراً لأن المؤلف أشار إلى مسألة الرقية، وهي من الأمور التي يتحدث فيها الناس كثيراً الآن، ويكثر فيها اللغط، ويكثر فيها الكلام إلى حد شوش على عامة المسلمين. نقول: الأصل في الرقية الجواز، والأصل في الرقية أنها تجوز بكل مباح من الألفاظ والعبارات الصحيحة السليمة، وأفضل الرقية الرقية بكتاب الله ، وأيضاً بألفاظ رسول الله ﷺ ، مثل: قوله ﷺ : (اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، اللهم لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً) ونحو هذا من العبارات التي وردت عن النبي ﷺ . ثم بعد ذلك يجوز الرقية بأي لفظ صحيح يكون فيه الدعاء لله ، ولا يكون فيه شرك ولا غموض، ولذلك عندما كان بعض الصحابة يرقون برقىً كانوا يرقون بها في الجاهلية قال النبي ﷺ : (اعرضوا علي رقاكم) فأعطاهم قاعدة فيها وقال: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً). وهناك نصوص قد تدل على تخصيص الرقية بأشياء معينة أو بأمراض معينة، كتخصيص النبي ﷺ الرقية مثلاً بالعين والحمى، كما ورد في أكثر من لفظ، فهذا لا يعني أن غيرهما لا يجوز الرقية فيه، لكن هذا محمول على أن أفضل الرقى وأبلغها تأثيراً في هذين الأمرين، أو أنه من باب الخبر؛ للتأكيد على أن أبلغ أنواع الرقية هو هذا النوع، وإلا فما دام قد ورد عن النبي ﷺ الإذن العام، فتخصيص الرقية بشيء معين لا بد أن يحمل على معنىً آخر؛ لئلا يؤدي هذا إلى نقض الأحاديث، وهذا لا يمكن أن يكون. فإذاً: الأصل في الرقية الجواز إذا كانت بالقرآن أو بالسنة، أو بأدعية صحيحة مشروعة، وبألفاظ بينة ذات معنى مقر شرعاً، وليس فيها ألغاز ولا طلاسم ولا إسرار، بعض الناس يسر بالرقية؛ ليوهم الحاضرين بأن عنده أشياء ليست عندهم، فهذا نوع من الدجل، ومن مكائد الشيطان على الإنسان، فيبقى جنس الرقية جائز ما دامت بالضوابط الشرعية، وما ينضاف إلى الرقية من أمور فيحكم على الرقية من خلاله، بحسب ما يرد من الناس من زيادات وإشكالات؛ لأن من مداخل الشيطان على الناس أن أغلب الرقاة يضيفون على الرقية أشياء تأتيهم أحياناً بدون ما يشعرون، من خلال عبث الجن بهم، كحركات وصور وأشكال وأنماط من المؤثرات ونحو ذلك مما تنضاف إلى الرقية، وهذا من الباطل الذي ينبغي نفيه. أما الأمور الشرعية المعلومة التي ليس فيها لبس، سواء من الأعمال أو الألفاظ فلا حرج أن تكون من الرقى؛ لأن النبي ﷺ إنما منع من الرقية ما كان شركاً فقط، وما كان سحراً ونحو ذلك.

стр. 1228

حكم الاستعاذة والاستعانة بالجن قال رحمه الله تعالى: [ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح. (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) يعني: الإنس للجن، باستعاذتهم بهم. (رَهَقًا) أي: إثماً وطغياناً وجراءة وشراً، وذلك أنهم قالوا: قد سدنا الجن والإنس، فالجن تعاظم في أنفسها، وتزداد كفراً إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم، وأنها تنزل عليهم، ضالون، وإنما تنزل عليهم الشياطين، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨]. فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات ونحو ذلك. واستمتاع الجن بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به، واستغاثته وخضوعه له]. هذا مما يؤكد ما سبق الإشارة إليه في درس سابق: من أن ما يقع فيه كثير من الرقاة والقراء من الاستعانة بالجن ممنوع شرعاً، وأنه من الأمور التي ينبغي الحذر منها، والتوقف عنها، وذكرت أقوال أهل العلم، ومما ذكروا: أنه إذا كان انتفاع الإنسي بالجني يأتي من باب الكرامة، التي لم يقصدها الإنسي ولم يتقصدها، ولم يكن بعهد وعقد، فهذا لا حرج فيه، وربما يكون ذلك من إكرام الله للعبد، أو من باب الفتنة، فليحذر الإنسان، وليشكر الله على ما سيق له من نعمة، وأن يوقن أن ذلك من الله وليس من الخلق، ولكن إذا زاد الأمر إلى حد الإدمان لهذه المسألة، وكثرة الاستعانة بالجن، وكثرة المخاطبة لهم، وأخذ العهود والمواعيد منهم، بأن يأتوا عند الحاجة، ويكون هذا مصاحباً للرقية دائماً لبعض الناس الذين فيهم مس، فهذا هو الممنوع؛ لأنه الاستمتاع الذي نهى الله عنه، فينبغي التنبه لهذه المسألة؛ لأنها كثرت عند القراء، وأصبحت محل إشكالات وعلقت الناس بالجن، والواجب أن يتعلق الناس بالله ، ثم بالاعتماد على الرقى الشرعية، والأدوية المباحة ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: [ونوع منهم يتكلم بالأحوال الشيطانية، والكشوف ومخاطبة رجال الغيب، وأن لهم خوارق تقتضي أنهم أولياء الله، وكان من هؤلاء من يعين المشركين على المسلمين، ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين؛ لكون المسلمين قد عصوا!! وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين]. هذا من أساليب الصوفية، فكثير من الصوفية الطرقية يقع في مسألة التعلق بالجن، ويسمونهم: رجال الغيب، سواء مخاطبتهم أو الاستعانة بهم وكثرة اللجوء إليهم، أو مخاطبة الأشخاص الذين فيهم مس وجنون، ويسمونهم: مجاذيب ونحوهم ممن فيهم نوع من الجنون غير الظاهر، فهؤلاء فيهم نوع مس، قد يدخل من خلاله بعض المتصوفة، فيستفيدون منهم. والمهم أن رجال الغيب المقصود بهم الجن الذين يستعين بهم أصحاب الطرق، ويزعمون أنهم يوجهونهم حتى في الأمور الشرعية، ولذلك كثيراً ما يستند زنادقة الصوفية، خاصة الذين يدخلون في التصوف، يستندون فيما يعملونه وما يقولونه من الباطل على أن هذا بإيحاء من هؤلاء الذين هم رجال الغيب، وعموم شيوخ الطرق الصوفية -وأغلبهم من الكذبة الدجالين- يقطعون بأن ما يسنده الشيخ إلى رجال الغيب هذا أمر لا بد أن يقال ويصدق ولا يناقش، وربوا أتباعهم الدهماء على ذلك. وهذا من الابتلاء الذي يقع فيه هؤلاء، ولذلك وقع -كما ذكر الشارح- أن بعضهم يستعين بالجن في ضرر المسلمين، وأحياناً يعاون المشركين والمنافقين، ومنهم من تعاون مع التتار، ومنهم من تعاون مع الصليبيين، ومنهم من تعاون مع الباطنية ضد المسلمين، بدعوى أنه موجه من قبل رجال الغيب، وأن هذا توجيه رباني. وأحياناً يتصور لهم الشيطان بصور أولياء وملائكة وصور أنبياء ونحو ذلك، وأحياناً هذه الأمور قد تلتبس على كثير من الناس، فأحياناً يزعم الشيطان أنه الرسول ﷺ ، وقد ورد عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: أن من رأى النبي ﷺ في المنام فقد رآه حقيقة؛ لأن الشيطان لا يتمثل به، لكن ما يراه هؤلاء من الدجالين وأصحاب المخارق وغلاة الصوفية ليس هو الرسول صلى الله علي

стр. 1229

أصناف الناس في اعتقاد وجود الجن وبيان وجه الحق في ذلك قال رحمه الله تعالى: [والناس من أهل العلم فيهم على ثلاثة أحزاب: حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم. وحزب عرفوهم ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقاً إلى الله غير طريقة الأنبياء. وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا ولياً خارجاً عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون الرسول هو ممداً للطائفتين، فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه. ]. كل هذه الآراء باطلة، ليس فيها رأي يمثل الحق ولا أهل الحق، وإنما هي آراء موزعة بين الصوفية والفرق والأهواء والباطنية والفلاسفة وغيرهم. أما قوله: (والناس من أهل العلم فيهم) يعني: الذين يدعون العلم من هؤلاء الضالين. قال رحمه الله تعالى: [والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون رجالاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] وإلا فالإنس يؤنسون، أي: يشهدون ويرون، وإنما يحتجب الإنسي أحياناً لا يكون دائماً محتجباً عن أبصار الإنس، ومن ظن أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله، وسبب الضلال فيهم وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة، عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن. ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم]. الفقراء هنا هم النساك والعباد والجهلة من الصوفية ومن سلك سبيلهم، ومن أسماء الصوفية أهل البدع الفقراء، وقد ينطبق أحياناً هذا الوصف على بعض العبّاد أهل الاستقامة، لكن تسميتهم بفقراء غير صحيح، كما أن تسميتهم بالصوفية والنساك غير صحيح، قد يسمون عباداً؛ لأن العبادة من الأمور المشروعة لله ، لكن تسميتهم نساكاً، وتسميتهم صوفية، وتسميتهم فقراء متفكرة دراويش كل ذلك من التسميات البدعية، والغالب أنها تنطبق على أهل الجهل والبدع فيهم. ويقولون عمن يسمون بالفقراء: قد يسلم إليهم حالهم، وأنهم ما يعملون إلا خيراً، وأن كل تصرفاتهم لا بد أن تفسر بتفسير يؤدي إلى إعذارهم فيها؛ ولذلك يظن كثير من المريدين والمغترين بالصوفية أن هذا الصنف لا يعمل إلا خيراً، وإن ظهر منه ما هو شر فإنه يفسر بتفسيرات أخرى لها معان باطنية، ومصطلح الفقراء جعل المنظرين للصوفية وكتاب المقالات والمترجمين لرجالات الصوفية جعلهم يفسرون ما يحدث من بعض الزنادقة الصوفية وغيرهم من معاص بتفسيرات باطنية، جعلوا جرائمهم ومعاصيهم حتى المغلظة على أنها كرامات لأنهم يقولون: يسلم إليهم حالهم. فيقولون بأن الله يدفعهم لهذه الأمور من غير شعور، أو فتنة للناس، لكن هم حالهم على الاستقامة، حتى تجد منهم من لا يصلي الفرائض أبداً، بل لا يصلي إطلاقاً، ثم يزعمون أن روحه تذهب إلى البيت الحرام وتصلي هناك، وقد يجلس يتناول بعض الشهوات أمام المصلين ويقولون: هذا روحه في الكعبة، وقد يتناول الخمر، وقد يفجر، ويقولون: هذا من كراماته، ويدعون له بالرحمة، كما يفعل الشعراني. فهذا مبني على قولهم: الفقراء يسلم إليهم حالهم. ثم تطورت المسألة إلى أن جعلوا كبار رجالهم يسلم إليهم حالهم بإطلاق، وأن ما يكون منهم إلا خير، حتى الجرائم والشرك والفساد في الأرض يفسرونه بأنه خير. قال رحمه الله تعالى: [ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم. وهذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قبل، وما خالفها رد، كما قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ر). فلا طريقة إلا طريقة الرسول ﷺ ، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطناً وظاهراً. ومن لم يكن له مصدقاً فيما أخبر، ملتزماً لطاعته فيما أمر، في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان؛ لم يكن مؤمناً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على الماء، وأنفق من الغيب، وأخرج الذهب من الجيب، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل، فإنه لا يكون مع تركه الفعل المأمور وعمل المحظور، إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة إلى سخطه وعذابه، لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين، قد رفع عنهم القلم، فلا يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله وتقواه باطناً وظاهراً ما يكونون به من أولياء الله المقربين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، لكن يدخلون في الإسلام تبعاً لآبائهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]]

стр. 1230

اعتقاد الولاية في بعض البله بدعة وضلال قال رحمه الله تعالى: [فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين -مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله- أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي طريقة الرسول ﷺ ، فهو ضال مبتدع مخطئ في اعتقاده، فإن ذاك الأبله إما أن يكون شيطاناً زنديقاً، أو زكارياً متحيلاً، أو مجنوناً معذوراً، فكيف يفضل على من هو من أولياء الله المتبعين لرسوله أو يساوى به؟!. ولا يقال: يمكن أن يكون هذا متبعاً في الباطن، وإن كان تاركاً للاتباع في الظاهر، فإن هذا خطأ أيضاً، بل الواجب متابعة الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً. قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تعتبروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي: قصر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء، فلا تعتبروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله) فهذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ، ولا ينبغي نسبته إليه، فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب، الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البله الذي هو ضعف العقل وإنما قال النبي ﷺ : (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقرا) ولم يقل: البله. والطائفة الملامية، وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون: نحن متبعون في الباطن، ويقصدون إخفاء المرائين، ردوا باطلهم بباطل آخر، والصراط المستقيم بين ذلك]. موقف الملامية يحدث من عدة أصناف من الناس، منهم طائفة من المتصوفة، فهؤلاء بنوا فكرهم هذا على منهج خاطئ، أصله جهلهم في الدين، فترى الواحد منهم يكون له عبادة وتنسك واستقامة وصلاح، لكنه يتعمد أحياناً بأن يفعل ما يذم عليه؛ خوفاً من التزكية، أو خوفاً من الوقوع في الرياء، وهذا من عبث الشيطان بهم. كذلك يذهب الواحد منهم إلى مكان غير لائق، ويقول كلمة فيها إثم، أو ينظر نظرة معصية، ويشهد الناس على هذا؛ من أجل أن يظهر لهم أنه لا يزكي نفسه، وهذا اجتمع فيه الجهل والرياء المركب وعبث الشيطان، واجتمع فيه أيضاً البدعة، هذا الفعل بدعة إذا اعتقده ودان به. لكن هناك صنف آخر قد يكون من غير الصوفية، لكنه يعتقد هذا الاعتقاد، وهم بعض أصحاب الوساوس، بعض الناس عنده وسواس، هذا الوسواس يدفعه إلى أن يترك بعض السنن وبعض الواجبات أحياناً؛ خوفاً من أن يقول الناس: إنه مراءٍ، أو يفعل بعض ما يلام عليه، ويظهر في بعض المظاهر غير اللائقة أحياناً، كأنه يريد أن يؤدب نفسه؛ لئلا تقع في الرياء. وهذا كثير من الناس في كل زمان، وإن لم يكن من أصحاب الطريقة الأولى الذين يتعبدون بذلك عن جهل، فينبغي التنبه لمثل هذه الأمور. والفرق بين الرياء وبين التصنع واضح، التصنع: هو أن الإنسان لا يترك النافلة والسنة إلا إذا غلب على ظنه أنه لن يقهر هواه ونفسه في إظهار الرياء، فمن هنا قد يترك أحياناً، لكن ما تكون عادة له، قد يترك بعض الأعمال الظاهرة أحياناً إذا وجد نفسه تغلبه في المراءاة، أو وجد أنه يحتاج إلى أن يدافع نفسه دفاعاً شديداً، هذا قد يحدث لبعض الناس في بعض المواقف، فإذا حدث هذا مرة لا حرج، لكن أن يكون عادة ثم يكون مدخلاً للوسواس على الإنسان، فينبغي أن يترك، وليكن طبيعياً في أموره كلها، فيما يعمله من الواجبات والسنن، أو فيما يتركه من المحظورات. أما إخفاء الأعمال المبني على تورع أو على طلب الأجر من الله ، فهذا لا حرج فيه، مثل: إخفاء الصدقة، لكن الأصل في الأعمال الظهور، مثل: الفرائض الخمس، وشعائر الحج، والذكر، والتكبير المشروع فيه رفع الصوت، كذلك التكبير في مواسم التكبير، كعشر ذي الحجة، وفي الأعياد وغيرها، ومثل: السنن الرواتب وغيرها، وإقامتها في المسجد أصلح لبعض الناس، لأنك إذا ذهبت إلى البيت ربما نسيت أو انشغلت، والبيت مليء بالمشاغل والمزعجات وهكذا، أما إذا كان الأمر طبيعياً فلا حرج أن تصلى النوافل في البيت، لكن هناك أعمال ليس الأصل فيها الظهور، مثل: الصدقات وغيرها فلا حرج في إخفائها، بل ربما يكون أولى له أن يخفيها؛ لأن هذا أبلغ في الإخلاص. فإذاً: مسألة إخفاء العمل راجعة إلى طبيعة العمل، فإذا كان الأصل الظهور فينبغي أن يظهره الإنسان، وإن أخفاه أحياناً بشرط ألا يكون هذا دائماً فلا حرج.
следующие страницы →