← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تقييم كتاب تهذيب شرح الطحاوية السؤال ما رأيكم في تهذيب شرح الطحاوية لـ محمد بن صلاح الصاوي، وهل تصلح المراجعة فيه؟ الجواب ما قرأت هذا التهذيب، وأحسبه جيداً إن شاء الله؛ لأن الصاوي -بحسب ما قرأت له من كتابات- طالب علم متمكن.

стр. 282

بيان ما يصنع حال ورود الوساوس المتعلقة بالعقيدة السؤال تراود الإنسان أحياناً الشكوك القهرية في السؤال عمن خلق الله تعالى، وعن نهاية الحياة الآخرة، فهل يأثم بذلك؟ الجواب الخواطر التي تخطر للإنسان لا يأثم عليها، ولا يسلم إنسان من خواطر، إنما العبرة بما بعد الخواطر، فيجب أن يبقى في المسلم أصل التسليم لله ابتداءً وانتهاءً، وإذا تواردت عليه الخواطر فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن اندفعت وإلا فليلجأ إلى الذكر والصلاة والاستعانة بالله ، فإن اندفعت وإلا فليلجأ إلى أهل العلم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فإذا بقيت بعد ذلك فإن النية الصادقة والإخلاص واليقين والثقة بالله تعالى تطرد هذه الأوهام، المهم أن الإنسان يحرص على طردها، أي: على التخلص منها، ويشغل نفسه بمشاغل أخرى هي أهم، وكلما ورد هذا الخاطر يجب ألا يقف عنده لكن قد ينسيه الشيطان فيقف معه، فإذا وقف فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم.

стр. 283

الموقف من زيادة (في الوجود) في كلمة التوحيد السؤال هل هناك من بأس إن قلت: لا إله بحق في الوجود إلا الله؟ الجواب كلمة (الوجود) ليس لها معنى ولا فائدة؛ لأنه لا يمكن أن ننفي أو نثبت بشكل عملي إلا ما هو موجود، خاصة ما يتعلق بالأعمال الثبوتية، والتأله من الأعمال الثبوتية التي لا بد من أن تقع في عمل القلب وعمل الجوارح، فإذا قلنا: لا إله إلا الله؛ فالمعنى: (لا إله) أي: تألهه القلوب وتتوجه إليه المخلوقات (بحق) أي: يعبد بحق (إلا الله)، فهذا كاف، أما كلمة (الوجود) فهي كلمة زائدة لا تزيد إلا الوسواس والتيه، فالأولى في نظري اجتنابها.

стр. 284

حكم ترك الصلاة السؤال جاء في الحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، فهل يمكن أن يكون الكفر من باب الوعيد، أي: هو كفر دون كفر؟ الجواب هذه مسألة كثر فيها كلام أهل العلم، وخلاصتها أن ترك الصلاة على نوعين: فإن كان ترك الصلاة من باب جحد وجوبها وجحد أن تكون ركناً من أركان الإسلام عن علم؛ فهذا كفر مخرج من الملة باتفاق الأئمة، فإذا كان تارك الصلاة قد جحد أن تكون من الإسلام أو من أركان الدين فإنه -ولو عملها كما يفعل المنافقون- كافر كفراً مخرجاً من الملة. من تركها ولم يجحدها، أو ظن أنها ليست بواجبة جهلاً، أو تركها كسلاً؛ فالخلاف فيه مشهور، وأئمة السنة فيه على قولين: منهم من يكفر فاعل هذا الأمر، أي: المصر على ترك الصلاة بعد بيان الحجة وبعد أن يؤمر بها، ويرى أن كفره كفر أكبر، وبعضهم يقول: كفره دون الكفر الأكبر. والذي يترك الصلاة غير جاحد، وإنما يتركها كسلاً أحياناً ويصليها أحياناً؛ فهذا عمله كفر دون كفر على قول أكثر أهل العلم.

стр. 285

معرفة المشركين الأولين حقيقة كلمة التوحيد وجهل بعض المسلمين المعاصرين لحقيقتها السؤال ما صحة هذه العبارة: المشركون عرفوا حقيقة لا إله إلا الله فلم يقولوها، وكثير من المسلمين جهلوا حقيقة لا إله إلا الله فقالوها؟ الجواب إذا كان المقصود بذلك المشركين الذين تنزل عليهم القرآن، فهذا صحيح؛ فالمشركون الذين تنزل عليهم القرآن عرفوا حقيقة لا إله إلا الله فلم يقولوها عناداً واستكباراً، والله ذكر ذلك عنهم، وكثير من المسلمين اليوم جهلوا حقيقة لا إله إلا الله، فقالوها دون أن يعملوا بلوازمها، وهذا صحيح.

стр. 286

رد النصوص إلى بعضها ليس تأويلاً السؤال كيف نرد على من قال: إنكم إذا فسرتم الكفر أو النفاق الوارد في بعض النصوص بأنه كفر غير مخرج عن الملة، وإنما هو كفر دون كفر؛ فقد أصبحتم مؤولين، ولم تمروها كما جاءت؟ الجواب ليس هذا بتفسير تأويل، بل هو إرجاع لنصوص الشرع بعضها إلى بعض؛ لأن الرسول ﷺ نهى أشد النهي عن أن نضرب آيات الله بعضها ببعض، فالنصوص لا بد من أن يرد بعضها إلى بعض ويفسر بعضها ببعض، وسنة النبي ﷺ مفسرة للقرآن، وعمل النبي ﷺ مفسر لقوله، وعمل الصحابة مفسر لعمل النبي ﷺ ، وعمل أهل القرون الثلاثة الفاضلة أئمة الهدى مفسر لأعمال الصحابة، فنحن لا نخرج عن هذه الأطر أبداً، فلذلك لا بد من أن يقال: ذلك كفر دون كفر من باب اللزوم الشرعي لا العقلي.

стр. 287

حكم الاحتفال باليوم الوطني السؤال ما رأيكم في مقال نشر في مجلة الدعوة حول اليوم الوطني، فحواه أنه ليس من المبتدعات، والاحتفال به جائز شرعاً؛ لأنه من الاحتفال بالأيام الدنيوية لا الدينية؟ الجواب القول بأن اليوم الوطني ليس من المبتدعات قول غريب شاذ جداً، وأرجو أن يكون من قاله جاهلاً أو لا يعرف معنى اليوم الوطني، وإلا فالاحتفال باليوم الوطني بدعة مغلظة، وهو عيد من الأعياد التي أخبر الرسول ﷺ بأن الله أبدلنا خيراً منها، ولو سمي يوماً وطنياً أو بأي اسم آخر، فهو عيد من الأعياد التي تضاهي أعياد الشرع، وهو تشريع لغير ما أنزل الله، وإقراره لا يجوز، فيجب على أهل العلم أن يبينوا لولاة الأمور أن اليوم الوطني مخالفة لدين الله وشرعه، وحكومتنا وفقها الله التزمت في النظام الصادر في العام الماضي بأنه لا عيد لهذه الدولة إلا عيد الفطر والأضحى، ونرجو -إن شاء الله- أن يتبع القول بالعمل، وعلى أي حال قد يرد الجهل عند بعض المسئولين في حكم هذا اليوم، فينبغي لطلاب العلم أن يبينوا وأن يقيموا شرع الله تعالى بالبيان للناس وأن ينصحوا للمسئولين، وأنا واثق -إن شاء الله- من أن المسئولين في هذه الدولة إذا عرفوا أن اليوم الوطني عيد بدعي مغلظ فسيكفون عنه إن شاء الله.

стр. 288

معنى إقامة الأسبوع الخاص بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السؤال ما رأيكم في الاحتفال الأسبوعي الذي يقام كل سنة ويسمى بأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ الجواب هذا لا وجود له، وأنت واهم، وأرجو أن ترجع عن وهمك، فأسبوع الشيخ أقيم مرة واحدة في مؤتمر سمي أسبوعاً؛ لأنه أقيم في سبعة أيام فقط، فلم يكن قصد القائمين عليه أن يكون أسبوعاً متكرراً، ولم يتكرر، ولن يتكرر بهذه الصيغة بمعنى الأسبوع إن شاء الله، إنما قد تعقد مؤتمرات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو ندوات أو مناسبات علمية تشرح فيها الدعوة، وهذا أمر حق، لكن لم يتكرر ولن يتكرر بالمعنى الذي ذكره الشخص إن شاء الله، ما دام أن القائمين على مثل هذا المؤتمر من أهل الخير، والمؤتمر قامت به جامعة الإمام، ونحسبها إن شاء الله ممن يدري بهذه المخاطر.

стр. 289

دلالة القيومية على الأزلية السؤال ما معنى قول الشارح: (ويدل القيوم على معنى الأزلي)؟ الجواب يقصد بذلك أن كلمة (القيوم) بتفسيرها الشرعي واللغوي المعروف، والذي اتفق عليه السلف أنه تعالى القائم بنفسه، يعني: الذي لا يحتاج إلى ما يقوم به، ولا يحتاج في وجوده إلى شيء آخر، بل هو القائم بنفسه القائم على غيره، فهو رب المخلوقات ومدبرها وبيده كل شيء سبحانه. وهو دليل على الأزلية، بمعنى أنه تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء، فالقيومية التي تعني القيام بالنفس والقيام على الغير يلزم منها الأولية المطلقة؛ لأن الأولية المطلقة ضرورة للقيومية، وإلا فسيحتاج الموجد إلى موجد وهكذا، وذلك يؤدي إلى التسلسل. إذاً: فالقيومية التي هي قيام الله بنفسه وقيامه على خلقه تعني أنه تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهذا معنى (الأزلي).

стр. 290

المآخذ العقدية على ابن حزم رحمه الله تعالى السؤال ما صحة القول بأن ابن حزم جهمي جبري؟ الجواب ابن حزم ﵀ له مقولة تشبه مقولة الجهمية في الأسماء والصفات، وذلك أنه يرى أن الأسماء أعيان لا تدل على صفة، ولا يشتق منها صفة، وهذا هو مؤدى قول الجهمية، وهو يؤدي بالإلزام -لا بالالتزام- إلى التعطيل؛ لأن الأسماء التي لا يفهم منها صفات إنما هي مجرد أسماء في الأذهان، وهذه لا يمكن أن تؤدي إلى وصف الكمال لله منطقياً، وإن كان ابن حزم يفلسف الأمر ويزعم بأنها أسماء لله تعالى، لكنه يقول بأن الأسماء والصفات لا نتعدى ألفاظها ولا نستمد منها معاني أبداً، فنقف عند الاسم ولا نستمد منه صفة، ونقف عند لفظة الصفة ولا نستمد منها معنى، فهو يرى الوقوف على الألفاظ بما يؤدي إلى إلغاء المفهوم الضروري عند العقول السليمة والفطر المستقيمة. وقوله قريب من قول المفوضة، لكنه لا يقول بلوازم قول المفوضة، بمعنى أنه لا يلغي معاني الألفاظ، بل يثبت معاني الألفاظ لكنه يجمدها ولا يخرجها عن حروف النص، حتى اللوازم التي تلزم عقلاً وتفهم من أسماء الله تعالى أو من صفاته لا يقول بها، فلذلك قيل بأنه جهمي، بل قال بعضهم: إن قوله أشد من قول الجهمية. ومع ذلك لا يمكن أن يقال بأنه جهمي لجلالة علمه وعظيم قدره وحرصه على السنة.

стр. 291

مدى صحة تفسير الأزلي بالذي لا أول له السؤال ما صحة تفسير الأزلي بالذي لا أول له؟ الجواب إذا كان عند من يفهم الأزلية فصحيح؛ إذ ليس كل من أطلق الأزلية من المتكلمين والفلاسفة يقصد الأزلية التي لا أول لها؛ لأنهم أحياناً يجعلون التقادم في القدم إلى حد بعيد جداً في الأذهان شبيهاً بالأزلية، أو يعطونه وصف الأزلية، ومع ذلك فمفهوم الأزلية الذي تقتضيه العقول هو الشيء الذي لا أول له، فلذلك الذين قالوا بأزلية المخلوقات من الفلاسفة وغلاة الصوفية وغلاة الباطنية هم الذين قالوا بوحدة الوجود؛ لأنها مؤدى قولهم بأن الوجود أزلي، بمعنى: لا أول له، وإذا كان لا أول له؛ فالموجد والموجد واحد، والخالق والمخلوق واحد، بل إنهم لا يرون أن هناك مخلوقاً، ويرون كلمة (مخلوق) كلمة مجازية تعني مظهراً من مظاهر الخالق، وأحياناً يصل الحد بهم إلى أن يقولوا بأن مسألة التفريق بين المخلوق والخالق ومشاهدة حركات المخلوقات تخيلية، فهي في الأذهان وليست في الأعيان، وهؤلاء يلغون عقولهم، وهذا القول تدرك العقول والبديهة أنه باطل حتماً.

стр. 292

بيان ما يحمل عليه تبديع الإمام أحمد للكرابيسي رحمهما الله تعالى السؤال كيف يبدع الإمام أحمد الكرابيسي ونترحم عليه؟ الجواب هذه المعضلة قد ترد كثيراً عندما نتأمل أمور السلف، وعلى أي حال فنحن عندنا موازين شرعية عن السلف أنفسهم، هذه الموازين هي أن نزن الرجال بمجموع أعمالهم وأقوالهم، وبما مات عليه الشخص منهم، فالمعاصرون للشخص الذي تكلم ببدعة قد يكون لهم منه موقف شديد وصعب، كموقف الإمام أحمد من بعض السلف الذين قالوا ببدع جزئية، وكذلك غير الإمام أحمد من الأئمة الذين وقفوا موقفاً فيه نوع من الهجر أو السب أو التحذير من الشخص، فهذا المقصود بذلك سد الذرائع، والمقصود به محاصرة البدعة لئلا تنتشر، خاصة إذا خرجت من شخص ينسب للسنة، فكانوا يشددون عليه ويهجرونه إذا أصر على قوله، لكن لا يعني هذا بالضرورة أنهم يكفرونه أو أنهم يحجرون على الآخرين أن يكون لهم رأي آخر فيه، فلو قرأتم -مثلاً- أقوال المترجمين للرجال -كـ الذهبي وغيره- لوجدتم أنهم يحكمون على مثل هؤلاء الذين تكلم عنهم السلف وهم ليسوا من أصحاب البدع الأصليين بتوازن، فينقلون ما قال فيهم النقاد وما قال فيهم المزكون، ثم يخرجون بنتيجة، فنحن لا نلغي موقف الإمام أحمد ﵀، لكننا نفسره، ولا شك في أن الكرابيسي ليس بصاحب بدعة مغلظة في غير هذه المسألة التي جرت بينه وبين الإمام أحمد، وهي قوله: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو في بقية أمور السنة يعتبر من أنصار السنة ومن الذين نافحوا عن السنة ودافعوا عنها وقرروها وكتبوا فيها، إلا في هذه المسألة، فالإمام أحمد معذور في وقفته ضده فيها خشية أن تنتشر فتفضي إلى القول بأن القرآن مخلوق إذا تساهل الإمام أحمد فيها وفيمن قالها. فهذه المواقف مواقف فردية جزئية، لا تلغي اعتبار الشخص في الجوانب الأخرى، وأمثالها في التاريخ كثير عند أئمة السلف ورواة الحديث وأئمة الهدى، خاصة في المتعاصرين والأقران، حيث يحدث بينهم من الكلام ما يكون لهم عذر فيه لكونه لحماية الدين وسد الذريعة، وهذا يحدث في كل زمان، فوطنوا أنفسكم على حدوث مثله في زمانكم.

стр. 293

أهل السنة أعلم بظواهر النصوص ومفهوماتها السؤال يقال: إن أهل السنة أعلم الناس بظواهر النصوص وبواطنها، فما صحة ذلك؟ الجواب هذا صحيح، فهم أعلم الناس بظواهر النصوص وبواطنها، لا أقصد بـ (بواطنها) التفسير الباطني، لكن النصوص دائماً يكون لها معنى متبادر، ومعنى آخر يفسر به النص لنص آخر أو قاعدة أخرى، فهذا قد يسمى معنى باطناً من حيث المفهوم، فالنص له مفهوم ومنطوق: فالمنطوق هو الظاهر، والمفهوم هو الذي يستنبطه العلماء. ولا أعني بالبواطن التفسير الباطني الذي يبعد عن معاني النصوص الحقيقية ويفسرها بتفسير على الأهواء والقواعد العقلية أو الباطنية، فهذا لا يقصد في هذا المقام؛ فنحن نقول ذلك لأنه إذا لم نقل بأن السلف أعلم الناس بظواهر النصوص وبواطنها جاء من يدعي أن السلف سطحيون، وأنهم أهل ظاهر لا يفهمون معاني النصوص ومفهوماتها ومحاملها على القواعد، وحمل الخاص على العام والعام على الخاص، والمطلق على المقيد ونحو ذلك؛ إذ هذا كله قد يدخل في معنى الباطن.

стр. 294

بيان ما تعنى به أقسام العقيدة في الجامعات الإسلامية السعودية السؤال علماء السلف يحذرون من تعلم علم الكلام ومن كتبه، وفي قسم العقيدة تطرح أقوالهم وشبهاتهم للتوسع، وفي بعض الأحيان يكون الرد عليهم هزيلاً يثير بعض الشكوك عند بعض الشباب، ألا يكون الأولى أن تعرض عرضاً ليس بهذا التوسع؟ الجواب هذا كلام مجمل قد لا أوافق عليه، فأقسام العقيدة عندنا في المملكة في جامعة أم القرى والجامعة الإسلامية وفي جامعة الإمام كلها تقوم على منهج ثابت واضح، وهو تقريب مذاهب السلف وتقويم المذاهب التي تجمع بين السلفية وغير السلفية، والرد على المذاهب الكلامية والبدعية بشكل واحد، لكن مع ذلك قد توجد بعض جوانب الضعف عند بعض الباحثين، وليس الذنب فيها ذنب الأقسام، لكن هذه المسألة ينبغي ألا تؤثر في الأصل، فأقسام العقيدة كلها تقوم على تقرير العقيدة أولاً، وتقويم إنتاج الناس في هذا الموضوع ثانياً، والرد على أهل الكلام ومن نحا نحوهم قديماً وحديثاً، وهذه مهمات القسم، وحسبها أنها تناقش وتعالج في الأقسام نفسها، ولا يخرج منها إلا ما يصلح، أما مناقشة قضايا الكلام وعلم الكلام والفلسفة والمنطق ومناقشة أهل الأهواء والبدع القديمة والحديثة وشبهات الملحدين فذلك من أهم واجبات الأقسام، لكن الكلام فيما يخرج للناس وما يخرج للعامة، فهذا هو مسئولية الباحثين والمؤلفين الذين يخرجون إنتاجهم.

стр. 295

خلق الله للعباد وأفعالهم السؤال كيف نقول: إن الله خلق أعمال العباد، ولا نقول: إن الله خلق العباد، وأعمال العباد كائنة باختيارهم؟ الجواب الله خالق كل شيء سبحانه، وكل شيء بقدره، فالله لا يخرج عن خلقه وعن قدرته وعن تدبيره شيء، لا من أفعال العباد ولا من أفعال سائر المخلوقات، لكن مثار الخلاف عند الفرق الذين خالفوا أهل السنة والجماعة هو أفعال الإنسان المكلف المختار القادر على التمييز، فهل أفعاله مستقلة ليس لله فيها علم سابق ولا قدر ولا خلق -وهذا قول باطل- أم هي داخلة في علم الله وقدره؟ وهذا هو القول الحق، فلا يخرج عن علم الله وقدرته شيء، لكن الإنسان هو الذي يفعل ما هو في مقدوره، وأفعاله داخلة في خلق الله، بمعنى أن ما يفعله الإنسان بقدرته واختياره الله هو خالقه وهو مقدره وهو العالم به سبحانه.

стр. 296

أبو الحسن الأشعري وعلم الكلام السؤال هل كان ميل أبي الحسن الأشعري إلى علم الكلام أم إلى مناظرة أهل الكلام؟ الجواب هذا مفرق في الفهم، فـ أبو الحسن ﵀ حينما رجع إلى السنة قرر مذهب أهل السنة والجماعة بأصول السنة جملة وتفصيلاً، ولكن نُمي إلى بعض أئمة السنة أنه لا يزال عنده قناعة ببعض علم الكلام، فنوقش في هذا وطلب منه أن يتراجع، وأن يعلن أنه بريء من علم الكلام، وأنه لا يقول به، فأصر على أن من علم الكلام ما هو مفيد، وحبذ دراسته وتحصيله على أنه علم من العلوم التي يفاد منها، وكان السلف يخالفونه في ذلك؛ لأن علم الكلام كلمة تعني القواعد العقلية التي يعتمد عليها المتكلمون، ولا تعني مجرد استعمال العقليات البدهية في نصر الحق على ضوء القواعد الشرعية وفي مصب النصوص، فهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، وقامت عليه السنة، بل هو نهج القرآن، فالقرآن يثير عقول البشر والبدهيات عندهم وما استقر في الفطرة ليقرر به الحق، وهذا أمر وسيلته العقل لا شك في ذلك، لكن إذا قلنا: علم الكلام؛ فعلم الكلام المقصود به الخوض في أسماء الله وصفاته، وفي مسائل القدر وأمور الغيب الأخرى بمجرد القواعد العقلية مع التلفيق بينها أو التوفيق بينها وبين النصوص، وهذا هو أساس علم الكلام، ولو لم يكن هذا أساسه لما اختلفنا مع الذين يقولون باستخدام العقول في نصرة الحق، فنحن لا نختلف معهم في ذلك، بل نرى أن الأصل عند أهل السنة والجماعة استخدام العقول في نصرة الحق، وهذا أمر بدهي، إنما إذا أرادوا الأمر الآخر -وهو التلفيق بين النصوص والقواعد العقلية، أو استخدام القواعد العقلية البحتة في تقرير قضايا الغيب-؛ فهذا هو مكمن الخطورة، وهو المقصود عند المتكلمين، وإذا كان هذا هو المقصود عند المتكلمين فنحن نقول بقول السلف، ولذلك استنكر الأئمة على الأشعري هذه المسألة، وبقيت مما عابه عليه الأئمة.

стр. 297

حكم تعليم العامة العقيدة بنحو سؤال: (أين الله) السؤال هل يجوز سؤال العامة بقول: (أين الله) لتعليمهم العقيدة؟ الجواب لا يجوز تعليم العامة العقيدة في مثل هذا السؤال، وهو قول الرسول ﷺ للجارية: (أين الله؟)، فهذا السؤال إنما جاء لمناسبة، وهي التأكد من أن هذه الجارية مؤمنة فقط، ليس على سبيل تقرير العقيدة، إنما على سبيل التأكد من إيمانها، فمن تعرض لمثل هذه الحالة فإنه يستعمل معه هذا الأسلوب، أما أن يكون السؤال بـ (أين الله) من أمور التربية التي يربى عليها الناس فلا، بل يكفي عرض العقيدة على ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والعوام لا يتمادون في الكلاميات، ولو أخذوا العقيدة بأسلوب المتكلمين لضلوا كغيرهم، ولعل من حظهم أنهم لا يفهمون أساليب المتكلمين، وإلا فلو فهموها لفتنوا بها، فلذلك لا نجد متكلماً إلا وهو ذكي وعبقري، أما الذي هم أقل في الذكاء وأقل في العبقرية فهم إما مقلدون وإما من السالمين من عقائد المتكلمين، بمعنى أنه ليس في رءوس أهل الكلام عوام، بعكس البدع العملية، فالبدع العملية يكون فيها عوام ويكونون دعاة ضلالة، أما البدع الاعتقادية التي تخضع لمناهج المتكلمين والعقليات والفلسفات فليس فيها عوام ولا من دعاتها عوام.

стр. 298

شرح العقيدة الطحاوية [٢٢] جميع العقلاء يفرقون بين مدعي النبوة كذباً، وبين النبي الصادق بأنواع من القرائن، حتى لو لم تأتهم معجزات، أو لم يدركوا معناها، والنبي ﷺ جاء بأدلة وبراهين عقلية تدل على نبوته، كإخباره بما سيحدث من أحداث، ووقوع هذه الأحداث بعد إخباره بها على ما قال، وكحاله ﷺ وحال أمته ودينه مما لا يرده إنسان إذا استعمل عقله مجرداً من الهوى والمكابرة.

стр. 299

الدلائل على صدق نبوة رسول الله ﷺ

стр. 300

ذكر خبر سؤال هرقل أبا سفيان عن رسول الله ﷺ قال المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الدلائل الدالة على صدق نبوة رسولنا ﷺ : [وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي ﷺ لما كتب إليه كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام؛ طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي ﷺ ، فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الإخبار، سألهم: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا، قال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا، وسألهم: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذباً، وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه، وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا، وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم، وسألهم عن الحرب بينهم وبينه، فقالوا: يدال علينا مرة وندال عليه أخرى، وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم: بماذا يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وهذه أكثر من عشر مسائل، ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة، فقال: سألتكم هل كان في آبائه من ملك؟ فقلتم: لا، قلت: لو كان في آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتكم: هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلتم: لا، فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله، وسألتكم: أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم. وهم أتباع الرسل، يعني: في أول أمرهم، ثم قال: وسألتكم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم: بل يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم]. يعني بذلك أن الإيمان بدين الأنبياء -وهو دين الفطرة ودين التوحيد- لا يدخله في الغالب إلا من هو مقتنع به، ثم إنه ينسجم مع الفطرة ومع العقل السليم ومع حاجة البشر، فالإنسان إذا استجاب وهداه الله للإيمان وذاق حلاوة الإيمان؛ فإنه لا يمكن أن يخرج منه أبداً، فمن هنا لم يعهد أن أحداً ممن دخل مع النبي ﷺ في الإسلام عن قناعة وعن يقين وإيمان ارتد، خاصة في أول الإسلام، أما بعد ذلك حينما دخل الناس رغبة ورهبة فقد وجد من ارتد؛ لأن من أسباب دخول كثير منهم إما التقليد واتباع الكبار، وإما الرغبة حينما بدأت الأطماع في الغنائم والمصالح، وإما الرهبة من السيف، وهذا كان بعد أن أثخن النبي ﷺ في الأرض، أما قبل ذلك فلا أحد كان يدخل في الإسلام والنبي ﷺ وأصحابه على تلك الحال إلا عن قناعة، فمن دخل عن قناعة وذاق حلاوة الإيمان لا يمكن أن يعدل عنها إلى غيرها. قال: [وسألتكم: هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشتة القلوب لا يسخطه أحد. وهذا من أعظم علامات الصدق والحق؛ فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج إلا قليلاً ثم ينكشف. وسألتكم: كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول، وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم: هل يغدر؟ فقلتم: لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون؛ علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء، لينالوا درجة الشكر والصبر، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده! لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). ] قال رحمه الله تعالى: [والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة، فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، الآيات، وقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢]، الآيات. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه وحكمته التي بهرت العقول]. هذا فيه إشارة إلى أن من سنن الله تعالى في النبيين وأتباعهم أنهم لا بد من أن يبتلوا على قدر إيمانهم، والابتلاء أنواع، وأشده أن يواجهوا من أقوامهم وممن حولهم الصدود والإعراض، وربما يصل الأمر إلى القتال، كما حصل لجمع من الأنبياء الذين ما انتشرت دعوتهم إلا بقتال. إذاً: فال

стр. 301

توارد ما يقطع بصدق نبوة رسول الله ﷺ قال رحمه الله تعالى: [ومما ينبغي أن يعرف: أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور قد لا يستقل بعضها به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وري وشكر وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها، لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر]. السياق يدل على أن مقصود الشارح ﵀ الاستدلال على أن النبوة تعرف بالقرائن، وأن أي نبي يعرف صدقه بالقرائن، وأن أي مدع للنبوة يعرف كذبه بالقرائن، يقول: إن من علامات ذلك أن الإنسان فيما دون النبوة من الحالات العادية الكائنة في سلوك البشر ترد عليه أمور تتوارد واحداً بعد الآخر -يعني: قرينة بعد قرينة- حتى تجعله يجزم بالأمر بمجرد خواطر وقرائن، فكيف بأدلة تدل على أن النبي صادق؟! فالإنسان إذا كان جائعاً وأكل طعاماً قليلاً يشعر بسد بعض حاجته، فإذا انضاف إلى هذا الطعام طعام آخر شعر بشيء من سد الحاجة أكثر، فإذا أكل طعاماً يسد جميع حاجته شعر بالشبع، أليس كذلك؟! هذا في حالة الإنسان العادية، فكذلك مسألة التصديق، فالعقل مثل حاجات الإنسان الأخرى، فإذا توارد عليه من القرائن ما يدل على صدق خبر من الأخبار صدق، كأن يأتي إنسان من الناس يظهر عليه أنه ثقة فيخبر بخبر، فيترجح عندنا أن هذا الخبر صدق، فيأتي آخر يظهر عليه أنه ثقة فيقول الخبر، فيترجح عندنا بشكل أقوى أنه صدق، فيأتي ثالث نعرفه يقيناً أنه صادق وأنه من الثقات بنفس الخبر ويقول: إنه شاهد عيان. فمن هنا يحصل الجزم بأن الخبر صادق، فإذا توارد الخبر من مجموعة أشخاص فمئات فآلاف صار جزماً، وهذا في أحوال الناس العادية، فكيف بأخبار الأنبياء التي تتوارد على الناس من كل وجه فتصدقها قلوبهم وعيونهم ومسامعهم، فالأنبياء يحدث لهم من الأحوال والأقوال والتصرفات والأوامر والنواهي والتشريعات والعقود والعهود والتعامل مع الآخرين والأخبار التي يخبرون بها ثم تقع بمجموعها ما يوجب اليقين بأن النبي صادق، فالرسول ﷺ تحقق له الوحي الذي نزل عليه -وهو القرآن والسنة-، ثم إخباره عما يحدث، ثم ارتفاع شأنه بين الأمة وكثرة أتباعه، واستقرار دينه وتمكنه في الأرض، كل هذا الأمور توجب عند كل عاقل لو تجرد من الهوى أن النبي ﷺ صادق، لكن إذا حجب الهوى قلبه -نسأل الله العافية- فقد لا يهتدي، فالمشركون الذين كانوا في عهد النبي ﷺ كانوا يعرفونه بالصدق ويسمونه الأمين، ولما جاءهم بالوحي من عند الله ما استطاعوا أن يكذبوه لذاته، إنما بحثوا عن عوامل أخرى، ومع ذلك بقي عندهم صادقاً وكانوا يشهدون له بالصدق بعد أن جاءهم بالوحي، ومع ذلك لم تنفعهم هذه القرائن، لكن نفعت المؤمنين وزادتهم إيماناً. إذاً: فمسألة الاستدلال على النبوة لا يلزم أن تكون بمعجزة فقط، بل أدلة النبوة وأدلة صدق النبي تتضافر عليها عوامل وقرائن كثيرة توجب اليقين لكل عاقل منصف. قال رحمه الله تعالى: [وكذلك العلم بخبر من الأخبار؛ فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثم الآخر يقويه، إلى أن ينتهي إلى العلم، حتى يتزايد ويقوى، وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك].

стр. 302

الآثار الدالة على ما فعل بالأنبياء وأتباعهم وما فعل بالمكذبين قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة: كتواتر الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده، ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبياً بعد نبي في سورة الشعراء: كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده، يقول في آخر كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]]. القصص المشهورة للنبيين معروفة عند الأمم إلى يومنا هذا، فمثلاً: قصة الطوفان نجدها عند كل أمة من الأمم، فكل أمة من الأمم تتحدث عن الطوفان، يعني: أصل الطوفان ومبدؤه وحدوثه معترف به عند جميع الأمم، وأنه عقوبة لأمة كذبت رسولها، هذا هو أصل القصة وإن نسجت حوله خيالات وحكايات كاذبة، لكن أصل القصة معروف، وكذلك قصة فرعون وغرقه معروفة عند جميع الأمم، فكل أمة ذات حضارة نجد أن قصة فرعون مسطورة في كتبها، فما من أمة حدث لها أمر هائل أو عقوبة شاملة إلا ونجد قصتها عند أكثر الأمم أو عند كل الأمم، وهذا مما تقوم به الحجة على الأمم، حيث تجعل تلك القصص كل إنسان يعرفها يقول: لماذا حدث هذا؟ وكيف حدث؟ وما نتيجته؟ إلى آخر ذلك، فإذا كان هذا في القصص السابقة؛ فكيف بقصص النبي ﷺ التي هي الآن مدار حديث الأمم جميعاً، وهي مسطورة ومكتوبة، ولا يستطيع أن ينكرها إلا مكابر؟! قال رحمه الله تعالى: [وبالجملة: فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول: إنه رسول الله، وأن أقواماً اتبعوهم، وأن أقواماً خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين وجعل العاقبة لهم وعاقب أعداءهم؛ هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها، ونقل أخبار هذه الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار من مضى من الأمم من ملوك الفرس وعلماء الطب، كـ أبو قراط وجالينوس وبطليموس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأتباعه. ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم علمنا يقيناً أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة: منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه -كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم- عرف صدق الرسل. ومنها: أن من عرف ما جاء به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من الرحمة والمصلحة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. ولذكر دلائل نبوة محمد ﷺ من المعجزات وبسطها موضع آخر، وقد أفردها الناس بمصنفات، كـ البيهقي وغيره].

стр. 303

بيان مذهب المعتزلة فيما تثبت به النبوة فدلائل نبوة نبينا ﷺ كثيرة، وكلها تثبت صدق نبوته، وليست هي المعجزات فحسب كما قال المعتزلة وبعض أهل الكلام الذين قالوا بأن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة، وأهل السنة قالوا: النبوة تثبت بالقرائن والمعجزات، وثمرة هذا الخلاف تظهر على جزئيات بعض المباحث في العقيدة فقط، فالإيمان بالنبوات والرسالات واحد عند الجميع، سواءٌ الذين اعترفوا بأن القرائن دالة على النبوة والذين لم يعترفوا، كلهم قولهم في النبيين في الجملة واحد، لكن انعكس الخلاف في بعض المسائل الأخرى، فمثلاً: المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء، بناءً على قاعدتهم في أن الخارق لا يحدث إلا لنبي، فأنكروا أن يكون للأولياء كرامات، وإنكار الكرامات قدح في الشرع وقدح في العقل وقدح أيضاً في الناس أنفسهم، فالناس يدركون الكرامات ويدركون ما يحدث لأولياء الله تعالى من خوارق هي من باب الكرامات. فالمعتزلة -بناءً على قولهم لأجل أن تسلم قاعدتهم أنه لا يكون خارق إلا لنبي- ادعوا أنه ليس هناك شيء اسمه كرامات الأولياء، وينبني على هذا قيمة الوحي عندهم، فإذا عولوا على أنه لا يتم الإيمان بالرسل إلا بالمعجزة انعكس هذا على مسألة في القرآن، فإن المعتزلة قالوا بأن القرآن مخلوق، وإذا كان مخلوقاً فهذا يعني أنه ضعيف؛ إذ لا يتم الإعجاز من خلال مخلوق، فيبطل إعجاز القرآن بقولهم: إنه مخلوق، فإذا بطل إعجاز القرآن بطلت دلائل نبوة النبي ﷺ ؛ لأنه لا يوجد بعده منها شيء. فالذين يولدون بعد انقضاء حياة النبي ﷺ لا يجدون من معجزاته إلا القرآن، فمن قال بخلق القرآن ألغى إعجاز القرآن، ومن ألغى إعجاز القرآن فقد ألغى المعجزة، وإذا التغت المعجزة كان الناس في حل من أن يؤمنوا بمحمد ﷺ أو لا يؤمنوا. وهكذا نجد للمسألة فروعاً كثيرة خطيرة لا يتسع الوقت لإحصائها.

стр. 304

إنكار رسالة محمد ﷺ طعن في الذات الإلهية قال رحمه الله تعالى: [بل إنكار رسالته ﷺ طعن في الرب ﵎، ونسبته إلى الظلم والسفه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل جحد للرب بالكلية وإنكار]. وهذا من باب الإلزام، وليس هو قول الخصم، فالذين أنكروا رسالة النبي ﷺ قد ينكرونها مكابرة وجحداً، ومع ذلك يعترفون بهذه اللوازم، لكن هذا من باب الإلزام العقلي، وتقرير الحق بالإلزام من الوسائل التي استعملها السلف. قال رحمه الله تعالى: [وبيان ذلك: أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق بل ملك ظالم؛ فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم]. هذا القول -أي: الزعم بأن النبي ﷺ ملك ظالم- قال به طوائف من أهل الكتاب، طوائف من اليهود وطوائف من النصارى، ولا يزال هذا القول موجوداً في طائفة كبيرة من الغربيين من المستشرقين وغيرهم، يزعمون أن محمداً ﷺ ملك ظالم، وأنه من ملوك العرب، وأنه مدع للنبوة، ويستدلون على ظلمه -بزعمهم- بأنه أشرع السيف في الأمم. قال رحمه الله تعالى: [وبيان ذلك أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق بل ملك ظالم؛ فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل وهم أهل الحق، ويسبي نساءهم ويغنم أموالهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض، وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل الحق، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثاً وعشرين سنة، وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر، وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته، ويهلك أعداءه، ويرفع له ذكره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم؛ فإنه لا أظلم ممن كذب على الله وأبطل شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أولياءه، واستمرت نصرته عليهم دائماً، والله تعالى يقره على ذلك، ولا يأخذ منه باليمين، ولا يقطع منه الوتين!]. فالله تعالى قد توعد على ما هو أقل من ذلك، فكيف بهذه الأمور كلها يفعلها ثم الله تعالى ينصره ويؤيده ويرفع ذكره ويعلي أمته في الدنيا ويمكنها من جميع الأمم؟! فالله توعده على ما هو أقل من ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]، فإذا كان الله يتوعده في بعض الأقاويل؛ فكيف في أمر أكبر من مجرد الأقاويل؟! أمر هيمن فيه على الأمم، ورفع شعار لا إله إلا الله، وقاتل عليه، وجاء بشرع من عند الله، ووعد بأن الله سينصره، ثم نصره الله ومكن له وأظهر أمته، فلو كان هذا كذباً لما تمكن هذا التمكن وصار له ولدينه هذا الشأن. قال رحمه الله تعالى: [فيلزمهم أن يقولوا: لا صانع للعالم ولا مدبر، ولو كان له مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالاً للصالحين؛ إذ لا يليق بالملوك غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟!]

стр. 305

هلاك مدعي النبوة دليل صدق نبوة محمد ﷺ قال رحمه الله تعالى: [ولا ريب أن الله تعالى قد رفع له ذكره، وأظهر دعوته والشهادة له بالنبوة على رءوس الأشهاد في سائر البلاد، ونحن لا ننكر أن كثيراً من الكذابين قام في الوجود، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم أمره، ولم تطل مدته، بل سلط الله عليه رسله وأتباعهم، فقطعوا دابره واستأصلوه، هذه سنة الله التي قد خلت من قبل، حتى إن الكفار يعلمون ذلك، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣٠ - ٣١]. ] من المعروف أن الله لا يمكن لمتنبئ كذاب في الأمة، وهذا ما حصل فعلاً، فإنه في تاريخ الإسلام ظهر مدعون كثر يدعون النبوة، لكن أمرهم كان ينتهي بالفشل، والناس الذين يغترون بهم ينقمون عليهم في نهاية المطاف ويحقدون عليهم، هذا أمر. والأمر الآخر: أن كل الذين ادعوا النبوة في تاريخ الإسلام كانوا ينتهون بنهاية مؤلمة تدل على كذبهم، إما بقتل غيلة أو نحوه، ثم إن الذين ادعوا النبوة في التاريخ الإسلامي لم يبق لهم دين محترم، فالدين الحق هو الدين الظاهر، والذين كذبوا على الله تعالى انتقم منهم بأي نوع من أنواع الانتقام، بالفشل وبالنهاية المؤلمة وبعدم التمكين في الأرض وإن تمكنوا زمناً، فإنهم ينتهون في النهاية إلى أمر يدل على الفشل الذريع، والناس لا يستجيبون للمتنبئ الكذاب ولو اغتر به بعض الغوغاء بعض الوقت لعصبية أو لغيرها؛ لأنه قد يبيح لهم بعض الشهوات أو يخفف عنهم بعض الأعباء أو بعض العبادات ونحوها، فما من متنبئ كذاب إلا وانتهى أمره -بحمد الله- بما يدل على فشله وكذبه، فهذا من تمكين الله لهذا الدين، ودليل على صدق النبي ﷺ ، فهؤلاء الكفار لو نظروا هذه النظرة لوجدوا في ذلك ما يدل على صدقه ﵊، فقد ظهر المتنبئ الكذاب من هذه الأمة، ومن الأمم الأخرى، فقد ادعى النبوة أناس من النصارى وفشلوا، وادعى النبوة أناس من اليهود وفشلوا، وادعاها أناس في هذه الأمة فلم يفلحوا، بل انتهى أمرهم إلى ما هو معروف. قال رحمه الله تعالى: [أفلا تراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل، بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]، وهنا انتهى جواب الشرط، ثم أخبر خبراً جازماً غير معلق أنه يمحو الباطل ويحق الحق. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره]. انتهى الشارح إلى خلاصة، وهي: أن جميع العقلاء في الأرض يفرّقون بين مدعي النبوة كذباً، وبين النبي الصادق بأنواع من القرائن، حتى لو لم تأتهم معجزات أو لم يدركوا معنى المعجزة، مع أن الله تعالى حفظ لهذه الأمة ولنبينا ﷺ معجزة القرآن ومعجزات أخرى، وهي نبوءاته ﷺ الباقية إلى قيام الساعة، التي هي إخباره بما سيحدث، فمنها ما حدث وكان دليلاً قاطعاً على صدقه ﵊، ومنها ما ينتظر، ولا تزال الأمة ترى ما يصدق أخباره ﷺ إلى يوم القيامة، وهذا مما تقوم به الحجة، وهو من القرائن. ومن القرائن ما ذكره، وهو أن النبي ﷺ توافر له من الأدلة ما يدل على صدقه، أي: الأدلة العقلية والبرهانية والأدلة التاريخية التي هي واقع هذه الأمة ودينها المحفوظ، فلا يسع أحداً من الكفار الذين يسمعون عن النبي ﷺ ويسمعون عن الإسلام ويسمعون عن هذه الأمة إلا أن يصدقوا إن استعملوا عقولهم مجردة من الهوى، لكن الناس تحجبهم عن الحق أهواؤهم، وتحجبهم عن الحق رغباتهم وشهواتهم وأمور أخرى من نوازع البشر التي تحجبهم عن الهدى، ومن لم يهده الله فلا هادي له.

стр. 306

شرح العقيدة الطحاوية [٢٣] الفرق بين النبي والرسول ناشئ عن القول بأن النبي غير الرسول، وإن كان الرسل يصطفون من الأنبياء، وكل رسول نبي ولا عكس، وهذا هو قول جمهور السلف، ولكنهم اختلفوا في سبب التفريق، فمنهم من أرجع ذلك إلى وجود شريعة جديدة يبعث بها الرسول، بينما النبي يكون متبعاً لمن قبله، ومنهم من جعل الفرق في الكتاب، فمن نزل عليه كتاب فهو رسول، ومن لم ينزل عليه كتاب فهو نبي، وغير ذلك من التفريقات.

стр. 307

الفرق بين النبي والرسول قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد ذكروا فروقاً بين النبي والرسول، وأحسنها: أن من نبأه الله بخبر السماء إن أمره أن يبلغ غيره فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره فهو نبي وليس برسول]. التفريق بين النبي والرسول ناشئ عن القول بأن النبي غير الرسول، وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور السلف، فالأنبياء غير الرسل وإن كان الرسل يصطفون من الأنبياء، وكل رسول نبي، لكن ليس كل نبي رسولاً، فالقول بالتفريق بين النبي والرسول هو الراجح، وهو الذي تقتضيه ظواهر الآيات والنصوص، بل ورد من الأحاديث ما يدل على التفريق، وإن كانت أحاديث قد لا تصل إلى درجة الصحة، لكن ما ورد من ظواهر النصوص يوصلنا إلى الجزم بأن هناك فرقاً بين النبي والرسول، فقد ورد عن النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو ذر وأبو أمامة أيضاً، وأخرجه أحمد في المسند والحاكم وغيرهما -وهو حسن، وصححه كثير من أهل العلم- (أن أبا ذر ﵁ سأل النبي ﷺ : كم عدد النبيين؟ فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً. ثم سأله: كم عدد المرسلين؟ فقال: ثلاثمائة وبضعة عشر). إذاً: فالتفريق يدل قطعاً على الفرق؛ لأنه حينما سأل أبو ذر ﵁ عن عدد النبيين أجابه النبي ﷺ بعدد معين، ثم لما سأله عن عدد المرسلين أجابه بذكر عدد معين، فتنويع السؤال دليل على التفريق، ثم لما أجابه عن عدد المرسلين دل ذلك قطعاً على أن الرسل غير النبيين، فالمرسلون يصطفون من النبيين، لكن ليس كل نبي يصل إلى الرسالة. فأقول: إذا صح الحديث فهو دليل قاطع، لكن لم يصل إلى درجة الصحة عند بعض أهل العلم، وإن كان روي بطرق حسنة، وقد اختلف الناس في التفريق بين النبي والرسول على أقوال كثيرة: فمنهم من نظر إلى الشرائع فقال: الفرق بين النبي والرسول: أن الرسول يأتيه شرع، والنبي لا يأتيه شرع، وإنما يكون متبعاً لشرع من قبله. ومنهم من قال: الفرق هو الكتاب، فمن نزل عليه كتاب فهو رسول، ومن لم ينزل عليه كتاب فهو نبي. ومنهم من نظر إلى مسألة المعجزة فقال: من حصلت له معجزة كبرى فهو رسول، ومن لم تحصل له معجزة كبرى فهو نبي. ومنهم من نظر إلى فعل الأنبياء، فمن دعا إلى الدين بالقوة واستعمل القتال والسيف ضد خصومه فهو رسول، ومن لم يفعل ذلك فهو نبي. ومنهم من نظر إلى كيفية الوحي فقال: من نزل عليه جبريل بالوحي فهو رسول، ومن لم ينزل إليه جبريل فليس برسول، بل هو نبي، كمن يلهم إلهاماً أو يوحى إليه بأنواع الوحي الأخرى. ومنهم من نظر إلى نوع الوحي فقال: من أوحي إليه يقظة ومناماً فهو رسول، ومن أوحي إليه مناماً فقط فهو نبي. وكل هذه الأقوال لا تصمد أمام النظر والاستقراء لأحوال الأنبياء والمرسلين ولمن سماهم الله أنبياء وسماهم الله مرسلين. وهناك تفريق مشهور عند أهل العلم، وهو أن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وهذا أبعد من الفروق الأخرى، لكن هناك تفريق أحسن من هذه التفريقات كلها، وهو أن يقال: إن النبي من أوحي إليه بشرع تابع لشرع من سبقه من المرسلين وأمر بتبليغه؛ لأنه لا يتأتى أن يوحى إليه بشرع ولا يؤمر بالتبليغ، بل الله كلف بالتبليغ أتباع الرسل، وأتباع الأنبياء من المصلحين والدعاة، فكيف لا يؤمر بالتبليغ من هو أعلم منهم؟! إذاً: فيقال: إن النبي هو من أوحي إليه بشرع تابع لشرع من سبقه من الرسل لأقرب رسول إليه وأمر بالتبليغ، والرسول: هو من أوحي إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه، سواء أكان هذا الشرع الجديد شرعاً كاملاً كما أوحي إلى موسى، أم شرعاً مكملاً كما أوحي إلى عيسى ﵇، فهذا أسلم تعريف، وهو الذي استقر عليه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال بأن النبي: هو من أوحي إليه بشرع تابع لشرع من سبقه وأمر بتبليغه، والرسول: هو من أوحي إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه. قال رحمه الله تعالى: [فالرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة؛ إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها]. يقصد بذلك: أن الرسالة من حيث قدرها أخص؛ لأنها أعظم قدراً، وكذلك من حيث عدد المرسلين تعتبر الرسالة أخص؛ لأن عدد المرسلين أقل، لكنها أعم؛ لأنها أرفع درجة، فالرسالة أعم من النبوة من هذا الجانب، فهي تشمل النبوة وزيادة، والعكس بالنسبة للنبوة، فالنبوة أعم من جهة أهلها، أي: أن عدد النبيين أكثر، وأخص من جهة نفسها؛ فإنها جزء من الرسالة، فالنبوة مرحلة سابقة للرسالة، فهي أخص، يعني: أقل رتبة وأدنى درجة من الرسالة؛ فلذلك كل رسول نبي؛ لأن كل رسول ينبأ أولاً، ثم يصطفي الله من النبيين رسلاً، فيكون كل رسول نبياً، ولكن ليس

стр. 308

عظيم نعمة الله على عباده بإرسال الرسل قال رحمه الله تعالى: [وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه، وخصوصاً محمداً ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]]. يشير بهذا إلى أن إرسال الرسل من نعم الله تعالى؛ لأن البشر لو لم يأتهم رسل لما اهتدوا إلى ما يريده الله وما يرضاه، وهذا معلوم قطعاً بالضرورة؛ فإن الشرائع تشتمل على ما لا يحيط به البشر من الحكم والمقاصد الشرعية والغايات التي لا تتعلق بجيل دون جيل، ولا تتعلق بشخص دون شخص، فلو فرضنا أن إنساناً أدرك مصالح نفسه فلن يدرك مصالح الآخرين، ولو فرضنا أن جيلاً أدرك مصالحه فلن يدرك مصالح من سبقه ومن يلحقه، إذاً: فالبشر بحاجة إلى شرع من الله تعالى، هذا أمر. والأمر الآخر: أن الأديان تنبني بالدرجة الأولى على العقائد ثم على الأحكام، والعقائد بجملتها لا يدركها البشر، فكان لا بد من بعث المرسلين؛ ليبينوا للناس التوحيد أولاً ثم الأحكام ثانياً. والأمر الآخر: أن الرسالات جاءت لإنقاذ طائفة من البشر ممن كتب الله لهم الهداية وليس لجميع البشر؛ لئلا يظن أن من مقتضى الرسالة أن يؤمن الناس جميعاً، فإن الله كتب على الخلق الابتلاء، ومن مقتضيات الابتلاء أن تهلك طوائف من البشر وأن تنجو طوائف، فعلى هذه قد يحرم من هذه النعمة طائفة من خلق الله تعالى، وهم الذين يتنكبون الصراط المستقيم، ويعصون الأنبياء ولا يطيعونهم، مع أنه لا يمكن أن يتأتى من عاقل من البشر أن يعصي الرسول إلا بعد إقامة الحجة عليه، وهذا أمر ضروري يجب أن يفهمه كل إنسان، لا يمكن أن يتأتى عصيان الرسل عصياناً مباشراً إلا بعد إقامة الحجة على العصاة، بمختلف أنواع الأدلة التي تكون لكل أمة بحسب ما يصلح لها، وحجة النبي ﷺ على هذه الأمة ظاهرة لجميع البشر الذين يبلغهم خبر النبي ﷺ ، ظاهرة بوجود دينه وبوجود المسلمين وبوجود السنة، وظاهرة بوجود القرآن أيضاً، والتمكين لهذا الدين، ووجود المسلم في أي بقعة من الأرض حجة على البشر؛ لأنه يمثل دين الرسول ﷺ ، إذاً: فلا يلزم من إقامة الحجة وجود شخص النبي ﷺ أو حتى إدراك تفصيل سيرته، بل مجرد وجود مسلم تابع لرسول الله ﷺ في الأرض يعتبر حجة، ويعتبر من النعمة التي أسداها الله إلى الخلق تبعاً لما أنعم الله به من بعثة النبي ﷺ ، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، أي: أن من لم تبلغه الرسالة لا يعذب حتى تقام عليه الحجة، فلذلك اختلف أهل العلم فيمن مات من البشر ولم يسمع برسول ولم تبلغه رسالة، وهذا وارد في طوائف من البشر في كل زمان، فقد يوجد الآن في الأرض على كثرة وسائل انتشار الأخبار والتبليغ من لم يسمع برسول، فهذا -كما قال أهل العلم- حكمه إلى الله ، وأرجح ما قيل -وقد ورد في ذلك أحاديث وآثار صحيحة- أن الله يبتلي هؤلاء بابتلاء في الآخرة على نحو ما ابتلى الناس في هذا الدنيا، فيختبرهم فيشقى من شقي ويحيا من حي عن بينه، والله أعلم.

стр. 309

شرح العقيدة الطحاوية [٢٤] جاءت عن النبي ﷺ أحاديث تمنع من التفضيل بين الأنبياء، بينما هناك نصوص أخرى وردت بإثبات التمايز بينهم في الفضل، وأن النبي ﷺ أفضلهم، والجمع بين ذلك بأن يقال: إن النهي عن التفضيل بين الأنبياء يكون إذا جاء في مقام العصبية والحمية والتفاخر على الآخرين، وإذا جاء ذلك في معرض التنقص والحط من قدر بعض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.

стр. 310

ختم النبوة بمحمد ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وأنه خاتم الأنبياء): قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال ﷺ : (مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، وترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان وختم بي الرسل)، خرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ : (إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي). وفي صحيح مسلم عن ثوبان: قال رسول الله ﷺ : (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي)، الحديث].

стр. 311

المراد بظهور ثلاثين كذاباً يدعون النبوة بعد رسول الله ﷺ في هذا الحديث ذكر عدد المتنبئين الكذابين الذين سيخرجون في هذه الأمة، وقد يرد في ذكر العدد بعض الإشكالات عند من لم يتأمل معنى الحديث، أو لم يتأمل أيضاً قصص التاريخ التي ذكر فيها أحاديث وقصص المتنبئين الكذابين، فالإشارة إلى الثلاثين مقيدة بأمور، منها: أن هذا العدد المقصود به بعض الذين يتنبئون وليس كلهم، فالبعض هم الذين تتوافر فيهم صفات المتنبئ الكذاب؛ لأنا لو نظرنا إلى عدد من خرجوا في التاريخ فنجدهم بالآلاف، ولا يخلو شهر أو سنة من سنين هذه الدنيا إلا ويخرج فيها متنبئ كذاب، لكنه قد لا تتوافر فيه الشروط التي بها يسمى متنبئاً، فالذين تتوافر فيهم الشروط قلة، وربما لم يبلغ عددهم إلى الثلاثين، والله أعلم. والذين ظهروا في تاريخ المسلمين من المتنبئين الكذابين الذين كانت لهم شوكة ولهم أثر وبقي ذكرهم؛ لا يصلون في الحقيقة إلى هذا العدد، وهذا يعني -والله أعلم- أنه لا يزال المجال مفتوحاً لخروج كذابين، لا سيّما أنه وردت أحاديث أخرى -أظنها بأسانيد حسنة- عن النبي ﷺ أن من المتنبئين الكذابين أربع نسوة، ولا يعرف في التاريخ من النساء من كان لها أثر وشوكة إلا سجاح التغلبية، وهذه ظهرت بعد وفاة النبي ﷺ مباشرة، وبعدها لم نعرف أن متنبئة كذابة ظهرت، فبقي منهن -إذا صح الحديث- ثلاث، وعصر المرأة الآن يمهد لظهور كذابات، والله أعلم؛ لأن نفخ المرأة بأكثر مما تستحق يجرئها على أن تدعي النبوة، وأظن أن الأمور الآن من خلال ما يحدث في العالم الآن من إعطاء المرأة أكبر من قدرها تهيئ لظهور متنبئات كذابات، وعلى أي حال لا نتنبأ بالغيب، لكن إرهاصات ذلك واضحة، ومع ذلك يبقى الأمر معلقاً على صحة الحديث، وأنا لم أتثبت من صحة الحديث، إلا أني أعرف أنه رواه الإمام أحمد، وأنه -أيضاً- بإسناد حسن، لكن يحتاج لمتخصصين يرجعون إلى الحديث، والحديث فيه أن النبي ﷺ قال: (في أمتي كذابون ودجالون، سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة)، وأرجوا من الإخوة المهتمين بالحديث أن يفيدونا بصحة حديث السبعة وعشرين متنبأ، والنبي ﷺ أخبر بذلك بعدما ظهر في آخر عهده ثلاثة من المتنبئين الكذابين، وهم: الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي، هؤلاء كلهم تنبئوا في آخر حياة النبي ﷺ . فالثلاثون هنا المقصود بهم: الذين لهم شوكة ولهم أثر، أما المجانين وأشباه المجانين والمهلوسون الذين عندهم نوع من حب الشهرة؛ فهؤلاء لا يحسب لهم حساب، وإلا فهم كثرة كاثرة لا يكادون يحصون، لكن ما ثبت من هؤلاء وأصر وصار له أتباع إلا عدد قليل، وأولهم أو الأربعة الذين ظهروا قبل حروب الردة ثم قضي على دعواتهم مع حروب الردة ما عدا العنسي؛ فقد اغتيل بأمر النبي ﷺ قبل وفاة النبي ﷺ بليالٍ، وقد بشر بقتله قبل وفاته ﵊. فالذين تنبئوا في التاريخ وكان لهم أثر وكان لهم أتباع وبقي لهم ذكر وصارت لهم مبادئ وعقائد نقلت عنهم ورويت عنهم هؤلاء قلة في التاريخ.

стр. 312

مزاعم أهل الضلال في معنى ختم النبوة قال رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم: أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)]. في هذا الحديث أشار ﷺ إلى أنه ختم به النبيون، بمعنى أن النبي ﷺ خص بهذه الخصيصة، وهذا دليل قاطع على أنه لا نبي بعده، والذين ظهروا في التاريخ منهم من يجهل هذه الأمور أصلاً، ومنهم من يدري لكن يتأول، فيقول بأن المقصود بالختم الأفضلية، ومنهم من زعم بأن المقصود ختم النبوة فقط وليس ختم الرسالة، ومنهم من زعم أنه في مستوى فوق الرسول كما قال ابن عربي، وفوق النبي أيضاً، فدعواه لا تتعارض مع ختم النبوة والرسالة؛ لأنه قال: إنه خاتم الأولياء، وزعم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ومن خاتم المرسلين. فالمبطلون الذين يجرون وراءهم غوغاء أهل الباطل يتأولون مثل هذا النصوص إن علموا بها، وبعضهم لا يعلم بها أصلاً، وبعضهم يدعي أن هذا للعرب وليس للعجم، وبعضهم من عجمته وجهله يقول بأن النبي ﷺ قال (لا نبي بعدي)، ثم يقول: إن (لا) اسم شخص أو وصف، فقال: أنا (لا)، إذاً: فأنا النبي من بعده! وهذا لا يفقه العربية؛ لأن النبي ﷺ ما قال: (لا) نبيٌ. إنما قال: (لا نبيَّ بعدي)، وعلى كلٍ فطرائف المتنبئين الكذابين ومضحكاتهم كثيرة.

стр. 313

إمامة رسول الله للمتقين وكونه سيداً للمرسلين قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وإمام الأتقياء). الإمام: الذي يؤتم به، أي: يقتدون به؛ والنبي ﷺ إنما بعث للاقتداء به، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وكل من اتبعه واقتدى به فهو من الأتقياء. قوله: (وسيد المرسلين): قال ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع). رواه مسلم، وفي أول حديث الشفاعة: (أنا سيد الناس يوم القيامة)، وروى مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)].

стр. 314

الجمع بين إخباره ﷺ بكونه سيد المرسلين ونهيه عن تفضيله على بعض الأنبياء قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: يشكل على هذا قوله ﷺ : (لا تفضلوني على موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشاً بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله؟) خرجاه في الصحيحين]. يقصد بذلك: أنه قد يشكل الأمر عند بعض الناس: كيف أن النبي ﷺ يأمر أمته بأن لا يفضلوه على غيره من الأنبياء الآخرين كما ورد في عدة أحاديث، ثم هو بعد ذلك يذكر أنه أفضل من غيره، ويذكر أنَّه سيد الناس جميعاً حتى الأنبياء، فكيف نجمع بين هذا وهذا؟ هذا ما سيجيب عنه الشارح. قال رحمه الله تعالى: [فكيف يجمع بين هذا وبين قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)؟! ف الجواب أن هذا كان له سبب؛ فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم وقال: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟! فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فقال النبي ﷺ هذا؛ لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموماً، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموماً؛ فإن الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على وجه الانتقاص بالمفضول. وعلى هذا يحمل أيضاً قوله ﷺ : (لا تفضلوا بين الأنبياء) إن كان ثابتاً، فإن هذا قد روي في نفس حديث موسى، وهو في البخاري وغيره، لكن بعض الناس يقول: إن فيه علة، بخلاف حديث موسى فإنه صحيح لا علة فيه باتفاقهم. وقد أجاب بعضهم بجواب آخر، وهو: أن قوله ﷺ : (لا تفضلوني على موسى)، وقوله: (لا تفضلوا بين الأنبياء) نهي عن التفضيل الخاص، أي: لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه، بخلاف قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه، وهذا كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد، لا يصعب على أفرادهم، بخلاف ما لو قيل لأحدهم: فلان أفضل منك. ثم إني رأيت الطحاوي ﵀ قد أجاب بهذا الجواب في شرح معاني الآثار. وأما ما يروى أن النبي ﷺ قال: (لا تفضلوني على يونس)، وأن بعض الشيوخ قال: لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالاً جزيلاً، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج. وعدوا هذا تفسيراً عظيماً، وهذا يدل على جهلهم بكلام الله وبكلام رسوله لفظاً ومعنى، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، وفي رواية: (من قال: إني خير من يونس بن متى فقد كذب)، وهذا اللفظ يدل على العموم، أي: لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى، ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمداً على يونس، وذلك لأن الله تعالى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم، أي: فاعل ما يلام عليه، وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فقد يقع في نفس بعض الناس أنه أكمل من يونس، فلا يحتاج إلى هذا المقام؛ إذ لا يفعل ما يلام عليه، ومن ظن هذا فقد كذب، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، كما قال أول الأنبياء وآخرهم، فأولهم آدم قد قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، وآخرهم وأفضلهم وخاتمهم وسيدهم محمد ﷺ ، قال في الحديث الصحيح حديث الاستفتاح من رواية علي بن أبي طالب وغيره بعد قوله: (وجهت وجهي)، إلى آخره: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، لا يغفر الذنوب إلا أنت)، إلى آخر الحديث. وكذا قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:١٦]. وأيضاً: فيونس ﷺ لما قيل فيه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [ا

стр. 315

ثبوت أعلى مراتب المحبة لرسول الله ﷺ قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وحبيب رب العالمين): ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، وقال: (ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن)، والحديثان في الصحيح، وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه. وفي الصحيح أيضاً: (إني أبرأ إلى كل خليل من خلته)، والمحبة قد ثبتت لغيره، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة، وحديث ابن عباس ﵄ الذي رواه الترمذي الذي فيه: (إن إبراهيم خليل الله، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر) لم يثبت].

стр. 316

مراتب المحبة قال رحمه الله تعالى: [والمحبة مراتب: أولها: العلاقة، وهي تعلق القلب بالمحبوب]. هذه المراتب التي سيذكرها الشارح هنا ذكرها ابن القيم، وهذه المراتب اجتهادية ليست توقيفية، وابن القيم ﵀ له في المسائل التعبدية طرق وأمور جيدة ومفيدة، لكن ذكره للمراتب لا يعني أنها توقيفية، بمعنى أن هذه المراتب تقرر على أنها مراتب شرعية يوقف عندها ولا يتعداها أو أنها لا تناقش، بل هي توسع من ابن القيم ﵀ واستقراء لمعاني المحبة الشرعية واللغوية، فصنفها على هذا النحو، فترتيبها ليس بلازم، وتعدادها ليس بلازم، إنما هي نوع توسع أشبه بالموعظة. قال رحمه الله تعالى: [والمحبة مراتب: أولها: العلاقة: وهي تعلق القلب بالمحبوب. والثانية: الإرادة: وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له. الثالثة: الصبابة: وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور. الرابعة: الغرام: وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم لملازمته، ومنه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥]. الخامسة: المودة والود: وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]. السادسة: الشغف: وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب. السابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في محبة ربه، وإن كان قد أطلقه بعضهم. واختلف في سبب المنع فقيل: عدم التوقيف. وقيل غير ذلك، ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة. الثامنة: التتيم: وهو بمعنى التعبد. التاسعة: التعبد. العاشرة: الخلة: وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه. وقيل في ترتيبها غير ذلك، وهذا الترتيب تقريب حسن، يعرف حسنه بالتأمل في معانيه. واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص. وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال نحو ثلاثين قولاً، ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً، وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد: كالماء والهواء والتراب والجوع والشبع ونحو ذلك].

стр. 317

بطلان دعوى النبوة بعد رسول الله ﷺ قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وكل دعوة نبوة بعده فغي وهوى): لما ثبت أنه خاتم النبيين علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال؛ لأن الله تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين؛ فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا تظهر إمارة كذبه في دعواه. والغي: ضد الرشاد. والهوى: عبارة عن شهوة النفس، أي: أن تلك الدعوة بسبب هوى النفس لا عن دليل، فتكون باطلة]. هنا يشير إلى أن دعاوى النبوة التي تأتي بعد النبي ﷺ حتى ولو جاءت بما يشبه المعجزات من بعض الخوارق؛ فإنها لا بد من أن تكون كاذبة؛ لأنه لا بد من أن يتبين لعقلاء الناس ما يدل على كذب الكاذب، ومن هنا فإنه قد تظهر دعوى نبوة كاذبة ويظهر معها بعض الخوارق، أو بعض الأمور التي يراها بعض الناس وكأنها معجزة، فإن عند البشر من الوسائل -كالسحر والاستعانة بالشياطين والاستعانة بعفاريت الجن ونحو ذلك- ما يظهر للآخرين، فيتصورون أنهم يأتون بأنواع من المعجزات، وقد حدث شيء من هذا كثير، فليس المعول على مجرد جنس المعجزة؛ لأن المعجزات الكبرى والكونية لا يمكن أن تأتي لكذاب غير من جاء الخبر عنه، وهو الدجال، فـ الدجال له معجزات كبرى، لكن ورد التحذير منه وورد بيان ذلك للأمة، فكل من كان صاحب أثر من هذه الأمة فإنه لا بد من أن يعرف الدجال من الآثار والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ . إذاً: فـ الدجال مستثنىً، فهو الوحيد الذي يأتي بمعجزات كبرى تشبه معجزات الأنبياء، والله هو الذي سلطه بهذا التسليط على البشرية؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وهذا أمر معلوم. أما من عدا الدجال فلا يمكن أن يأتي بمعجزات كبرى، لكنه يأتي بخوارق وبأمور هي أشبه بالمعجزات عند كثير من البشر، لكنها مما يقدر عليه الشياطين ومما يقدر عليه الجن، وما يقدر عليه الشياطين والجن أكثر مما يقدر عليه البشر، فقد يطلع على أمر من الغيب الذي يسترق، ويطلع على أمر من عالم الشهادة الذي لا يعلمه الناس، لكن يعلمه الجن والشياطين، فكأنه غيب عند الناس. وقد يتمادى الكذاب بعض الشيء في مسألة الخوارق فيدعي النبوة، ولكن لا بد من أن يظهر من سلوكه ومن أقواله ومن أفعاله ومن عهوده ومواثيقه ووعوده للناس ما يدل العقلاء -ولو لم يكونوا مسلمين- على أنه كاذب حتماً، فكل مدع للنبوة وإن جاءك بخوارق فلا بد من أن يظهر من تصرفاته ما يدل على كذبه، والتاريخ يشهد بذلك، فما من مدع للنبوة إلا ويظهر الله من عيوبه ومن تناقضاته ومن علامات كذبه الشيء الكثير، فيدل ذلك قطعاً على كذبه عند العقلاء، فضلاً عن المؤمنين.

стр. 318

شرح العقيدة الطحاوية [٢٥] من فضائل نبينا محمد ﷺ وخصائصه التي اختصه الله بها على سائر الأنبياء أن بعثه بالرسالة الخاتمة، التي هيمنت على كل ما سبقها من رسالات، وبالكتاب الذي نسخ كل ما سبقه من الكتب، ثم ميز هذه الرسالة بأن جعل المخاطبين بها كافة الإنس والجن، وتولى الله حفظ كتابه واستمرارية رسالته حتى تقوم الساعة.

стр. 319

إشارة إلى ما تضمنه كلام الشارح في النبوة من إثبات العلو وقبل الشروع فيما بقي من كلام المؤلف فيما يتعلق بنبوة نبينا ﷺ أشير إلى مراد الشارح بقوله: [وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى على خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه]. فهذا الكلام متصل بالحديث الذي أخرجه البخاري، وقد سبق له ذكره، حيث قال: [وأما ما يروى أن النبي ﷺ قال: (لا تفضلوني على يونس)، وأن بعض الشيوخ قال: لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالاً جزيلاً، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله تعالى وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج، وعدوا هذا تفسيراً عظيماً]. فكأنه هنا قصد الإشارة إلى أن المعراج ثابت، وأن النبي ﷺ عرج إلى ربه حتى وصل إلى سدرة المنتهى، وأنه قرب من ربه، فكل ذلك ثابت بصرف النظر عن كلام هذا المبطل من شيوخ الصوفية، فثبوت المعراج وأن النبي ﷺ عرج -بمعنى: صعد إلى فوق-، وأنه قرب من ربه ؛ هذا فيه إثبات العلو. إذاً: فالعلو لله تعالى علو حقيقي، وليس مجرد علو القدر، وهو كمال لله ، فله علو القدر وعلو الذات، فأراد بهذا أن يستدل على نفاة العلو بالمعراج؛ فإنه دليل قاطع على إثبات العلو، ولا يمكن تفسيره ولا تأويله؛ لأن النبي ﷺ عرج بروح وجسمه إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى.

стр. 320

عموم بعثة رسول الله ﷺ إلى الإنس والجن قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء): أما كونه مبعوثاً إلى عامة الجن فقد قال تعالى حكاية عن قول الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١]، وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضاً].
следующие страницы →