← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مراتب المحبة قال رحمه الله تعالى: [والمحبة مراتب: أولها: العلاقة، وهي تعلق القلب بالمحبوب]. هذه المراتب التي سيذكرها الشارح هنا ذكرها ابن القيم، وهذه المراتب اجتهادية ليست توقيفية، وابن القيم ﵀ له في المسائل التعبدية طرق وأمور جيدة ومفيدة، لكن ذكره للمراتب لا يعني أنها توقيفية، بمعنى أن هذه المراتب تقرر على أنها مراتب شرعية يوقف عندها ولا يتعداها أو أنها لا تناقش، بل هي توسع من ابن القيم ﵀ واستقراء لمعاني المحبة الشرعية واللغوية، فصنفها على هذا النحو، فترتيبها ليس بلازم، وتعدادها ليس بلازم، إنما هي نوع توسع أشبه بالموعظة. قال رحمه الله تعالى: [والمحبة مراتب: أولها: العلاقة: وهي تعلق القلب بالمحبوب. والثانية: الإرادة: وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له. الثالثة: الصبابة: وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور. الرابعة: الغرام: وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم لملازمته، ومنه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥]. الخامسة: المودة والود: وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]. السادسة: الشغف: وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب. السابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في محبة ربه، وإن كان قد أطلقه بعضهم. واختلف في سبب المنع فقيل: عدم التوقيف. وقيل غير ذلك، ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة. الثامنة: التتيم: وهو بمعنى التعبد. التاسعة: التعبد. العاشرة: الخلة: وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه. وقيل في ترتيبها غير ذلك، وهذا الترتيب تقريب حسن، يعرف حسنه بالتأمل في معانيه. واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص. وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال نحو ثلاثين قولاً، ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً، وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد: كالماء والهواء والتراب والجوع والشبع ونحو ذلك].

стр. 317

بطلان دعوى النبوة بعد رسول الله ﷺ قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وكل دعوة نبوة بعده فغي وهوى): لما ثبت أنه خاتم النبيين علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال؛ لأن الله تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين؛ فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا تظهر إمارة كذبه في دعواه. والغي: ضد الرشاد. والهوى: عبارة عن شهوة النفس، أي: أن تلك الدعوة بسبب هوى النفس لا عن دليل، فتكون باطلة]. هنا يشير إلى أن دعاوى النبوة التي تأتي بعد النبي ﷺ حتى ولو جاءت بما يشبه المعجزات من بعض الخوارق؛ فإنها لا بد من أن تكون كاذبة؛ لأنه لا بد من أن يتبين لعقلاء الناس ما يدل على كذب الكاذب، ومن هنا فإنه قد تظهر دعوى نبوة كاذبة ويظهر معها بعض الخوارق، أو بعض الأمور التي يراها بعض الناس وكأنها معجزة، فإن عند البشر من الوسائل -كالسحر والاستعانة بالشياطين والاستعانة بعفاريت الجن ونحو ذلك- ما يظهر للآخرين، فيتصورون أنهم يأتون بأنواع من المعجزات، وقد حدث شيء من هذا كثير، فليس المعول على مجرد جنس المعجزة؛ لأن المعجزات الكبرى والكونية لا يمكن أن تأتي لكذاب غير من جاء الخبر عنه، وهو الدجال، فـ الدجال له معجزات كبرى، لكن ورد التحذير منه وورد بيان ذلك للأمة، فكل من كان صاحب أثر من هذه الأمة فإنه لا بد من أن يعرف الدجال من الآثار والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ . إذاً: فـ الدجال مستثنىً، فهو الوحيد الذي يأتي بمعجزات كبرى تشبه معجزات الأنبياء، والله هو الذي سلطه بهذا التسليط على البشرية؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وهذا أمر معلوم. أما من عدا الدجال فلا يمكن أن يأتي بمعجزات كبرى، لكنه يأتي بخوارق وبأمور هي أشبه بالمعجزات عند كثير من البشر، لكنها مما يقدر عليه الشياطين ومما يقدر عليه الجن، وما يقدر عليه الشياطين والجن أكثر مما يقدر عليه البشر، فقد يطلع على أمر من الغيب الذي يسترق، ويطلع على أمر من عالم الشهادة الذي لا يعلمه الناس، لكن يعلمه الجن والشياطين، فكأنه غيب عند الناس. وقد يتمادى الكذاب بعض الشيء في مسألة الخوارق فيدعي النبوة، ولكن لا بد من أن يظهر من سلوكه ومن أقواله ومن أفعاله ومن عهوده ومواثيقه ووعوده للناس ما يدل العقلاء -ولو لم يكونوا مسلمين- على أنه كاذب حتماً، فكل مدع للنبوة وإن جاءك بخوارق فلا بد من أن يظهر من تصرفاته ما يدل على كذبه، والتاريخ يشهد بذلك، فما من مدع للنبوة إلا ويظهر الله من عيوبه ومن تناقضاته ومن علامات كذبه الشيء الكثير، فيدل ذلك قطعاً على كذبه عند العقلاء، فضلاً عن المؤمنين.

стр. 318

شرح العقيدة الطحاوية [٢٥] من فضائل نبينا محمد ﷺ وخصائصه التي اختصه الله بها على سائر الأنبياء أن بعثه بالرسالة الخاتمة، التي هيمنت على كل ما سبقها من رسالات، وبالكتاب الذي نسخ كل ما سبقه من الكتب، ثم ميز هذه الرسالة بأن جعل المخاطبين بها كافة الإنس والجن، وتولى الله حفظ كتابه واستمرارية رسالته حتى تقوم الساعة.

стр. 319

إشارة إلى ما تضمنه كلام الشارح في النبوة من إثبات العلو وقبل الشروع فيما بقي من كلام المؤلف فيما يتعلق بنبوة نبينا ﷺ أشير إلى مراد الشارح بقوله: [وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى على خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه]. فهذا الكلام متصل بالحديث الذي أخرجه البخاري، وقد سبق له ذكره، حيث قال: [وأما ما يروى أن النبي ﷺ قال: (لا تفضلوني على يونس)، وأن بعض الشيوخ قال: لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالاً جزيلاً، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله تعالى وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج، وعدوا هذا تفسيراً عظيماً]. فكأنه هنا قصد الإشارة إلى أن المعراج ثابت، وأن النبي ﷺ عرج إلى ربه حتى وصل إلى سدرة المنتهى، وأنه قرب من ربه، فكل ذلك ثابت بصرف النظر عن كلام هذا المبطل من شيوخ الصوفية، فثبوت المعراج وأن النبي ﷺ عرج -بمعنى: صعد إلى فوق-، وأنه قرب من ربه ؛ هذا فيه إثبات العلو. إذاً: فالعلو لله تعالى علو حقيقي، وليس مجرد علو القدر، وهو كمال لله ، فله علو القدر وعلو الذات، فأراد بهذا أن يستدل على نفاة العلو بالمعراج؛ فإنه دليل قاطع على إثبات العلو، ولا يمكن تفسيره ولا تأويله؛ لأن النبي ﷺ عرج بروح وجسمه إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى.

стр. 320

عموم بعثة رسول الله ﷺ إلى الإنس والجن قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء): أما كونه مبعوثاً إلى عامة الجن فقد قال تعالى حكاية عن قول الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١]، وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضاً].

стр. 321

ذكر ما قيل في حصول الرسالة في الجن قال رحمه الله تعالى: [قال مقاتل: لم يبعث الله رسولاً إلى الإنس والجن قبله، وهذا قول بعيد؛ فقد قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسول، كذا قال مجاهد وغيره من السلف والخلف]. كلام مقاتل له احتمال آخر غير ما فهم من كلام الشارح، فكلام مقاتل له احتمالان: احتمال أن يقصد أن الله لم يرسل إلى الجن رسولاً أبداً إلا محمداً ﷺ . واحتمال أنه يقصد أن الله تعالى لم يرسل إلى الجن رسلاً من الإنس إلا محمداً ﷺ ، وقبل النبي ﷺ كانوا يبلغون بطرق أخرى، فإذا كان هذا قصده فهو وارد، وهو قول بعض أهل العلم كما يأتي فيما بعد؛ لأن الكلام هنا مبهم. فالحاصل أن مقاتلاً ربما لا ينفي الرسالة إطلاقاً، إنما ينفي الرسالة المشتركة بين الجن والإنسان قبل النبي ﷺ . قال رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس ﵄: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر]. هذا القول لا يختلف مع القول الذي قبله، إلا أنه أكثر تفصيلاً وأرجح، فقول مجاهد ما أشار فيه إلى النذر، إنما أشار إلى أن الرسل من الإنس، وعلى هذا فإن الجن تبع للإنس، بمعنى: أن الجن مكلفون بأن يسمعوا رسل الإنس ويطيعوهم ويأخذوا تعاليمهم ويأخذوا الدين الذي جاءوا به كما أرسلوا إلى الإنس. هذا مفهوم قول مجاهد. وأما ابن عباس فقد ذكر زيادة هي مقتضى النصوص، وهي أنه ليس الجن مكلفين باتباع رسل الإنس فحسب، بل إن الله جعل منهم نذراً بمثابة المصلحين، يسمعون كلام رسل الإنس ثم يبلغون أقوامهم، كما أشارت إليه آيات الأحقاف. قال رحمه الله تعالى: [وظاهر قوله تعالى حكاية عن الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] يدل على أن موسى مرسل إليهم أيضاً. والله أعلم. وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلاً، واحتج بهذه الآية الكريمة، وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي - والله أعلم - كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] والمراد: من أحدهما]. قول الضحاك بن مزاحم -إن ثبت- ليس عليه دليل، والآية تشير إلى أن الرسل بعثوا للجميع، والآية لها مفهوم قاطع ومفهوم محتمل: أما المفهوم القاطع فهو أن الرسل أرسلوا إلى الثقلين، وأن الثقلين مكلفون جميعاً باتباع الرسل، وأن الجن أيضاً محاسبون على ما يأتي به الرسل كالإنس، هذا المفهوم القاطع من النصوص، فظاهر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] يفهم منه أن الجميع جاءهم الرسل، لكن هل يفهم من الآية على وجه القطع أن قوله تعالى: (منكم) يعني: من كل صنف منكم بعث الله رسلاً؟ أو أن المقصود: منكم جميعاً، أي: من أحدكم، كما قال تعالى في ذكر البحرين: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] واللؤلؤ إنما يخرج من البحر المالح؟ وهذا تفسير ظني أيضاً؛ لأنه ثبت في العصور المتأخرة أن اللؤلؤ والمرجان وجدا حتى في البحر العذب، فيكون التفسير هذا غير قاطع، فيبقى الاحتمال وارداً في أن قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] يعني: من جنسكم جميعاً، أو من جنس كل صنف منكم. والظاهر -والله أعلم- أن المقصود بها: من جنسكم جميعاً؛ لأنه خاطبهم بخطاب العموم ثم قال: ﴿مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، ولا نعرف في نص قاطع أن الجن فيهم رسل يخصونهم، بل الظاهر عكسه، حيث يفهم من خبر الجن الذين جاءوا للرسول ﷺ وشرع لهم، وإشارتهم إلى السابقين قبل، وإشارتهم إلى موسى ﵇، وأنهم سمعوا كلام النبي ﷺ وأنه يشبه الكلام الذي جاء به موسى، كل ذلك يفهم منه بقرائن قوية أن الرسل في الإنس، وأن الجن تبع ويسمعون رسالات الرسل، وأن الجن فيهم نذر، ويؤخذ من ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] أن هذه الطائفة من الذين سمعوا أنذروا، وهذا الإنذار بمثابة عمل المصلحين الذين ينوبون عن الأنبياء وهم ورثة الأنبياء.

стр. 322

أدلة عموم بعثته ﷺ إلى الناس جميعاً قال رحمه الله تعالى: [وأما كونه مبعوثاً إلى كافة الورى؛ فقد قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] أي: وأنذر من بلغه. وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [آل عمران:٢٠]. وقال ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ : (لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) رواه مسلم. وكونه ﷺ مبعوثاً إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة]. يعني بذلك أن هذا أمر قطعي بتواتر النصوص، فالنصوص في كتاب الله تعالى وفيما ورد عن رسول الله ﷺ وفي إجماع السلف قاطعة بأن النبي ﷺ بعث للناس جميعاً، هذا أمر. الأمر الآخر: أنه معلوم بالضرورة من خلال واقع البشرية أن الله -وهذا ما يلزم كل عقل سليم- لا يمكن أن يترك البشر بلا إقامة الحجة، فلو لم يكن النبي ﷺ مبعوثاً لجميع البشر لبعث في الأمم الأخرى أنبياء، ولو لم يبعث النبي ﷺ للناس جميعاً إلى قيام الساعة لما بقي الناس بلا رسالة إلى يومنا هذا، خاصة الأمم التي ضلت وانحرفت، أو الأمم التي لم تدخل في الإسلام أصلاً ولا تزال تحتاج إلى إقامة الحجة لو لم يكن النبي ﷺ قد أقام الحجة على الجميع. ثم إن بقاء القرآن وكونه معجزاً إلى قيام الساعة دليل قاطع على بقاء الرسالة إلى أن تقوم الساعة، وغير ذلك من الأمور التي تدل بالضرورة على أن النبي ﷺ بعث للناس جميعاً. هذا أمر.

стр. 323

أقوال الأمم في نبوة رسول الله ﷺ الأمر الآخر: أن الناس كثر كلامهم قديماً وحديثاً في رسالة النبي ﷺ ، وأشهر الأقوال التي قالت بها الأمم ولا يزال يقول بها طوائف من الكفار يمكن أن نلخصها في أربعة: القول الأول: الذي عليه أكثر الأمم المشركة والكافرة، وهم الذين يقولون بإنكار نبوة النبي ﷺ إطلاقاً، ولا يلتفتون إلى هذا الأمر، مع أنه يأتيهم من البينات والدلائل ما تقوم به الحجة عليهم، كوجود الإسلام والمسلمين والقرآن، ولكن مع ذلك لا تزال أمم كثيرة من هذه الأمم في الدنيا تكفر بمحمد ﷺ وإن سمعت به. القول الثاني: أن رسول الله ﷺ مصلح من المصلحين، وبه قالت طائفة في الآونة الأخيرة من المستشرقين ومن نحا نحوهم، يقولون بأن محمداً ﷺ إنما هو رجل مصلح من المصلحين. وهذا يكثر في المستشرقين الذين درسوا تاريخ الإسلام ودرسوا سيرة النبي ﷺ ؛ فإنهم وجدوا في شخصه ما بهرهم، فلذلك عزوا هذا الدين إلى عبقرية النبي ﷺ وقالوا: هذا رجل عبقري مصلح داهية توصل بعبقريته ودهائه وذكائه وحسن خلقه ونهجه في الإصلاح إلى هذا الدين الذي زعموا أنه وضعه، وهذا عليه كثير من الغربيين الذين يطلعون على الإسلام اطلاعاً مجرداً من الحقد والعصبية. وهذا ما تأثر به كثير من الكتاب المحدثين مع الأسف، فأبرزوا جانب العبقرية في النبي ﷺ زعماً منهم أن هذا انتصار للإسلام، وأنه -أيضاً- تعظيم للرسول ﵊، وأغفلوا جانب النبوة، كما فعل العقاد في (عبقرية محمد)، وكما فعل أمثال أحمد أمين وغيره في كتبهم، فإنهم ينزعون إلى هذه النزعة، ويزعمون أنهم بذلك يعظمون النبي ﷺ حينما يعزون هذا الدين إلى عبقريته وإلى خلقه القوي. والقول الثالث: قول الذين زعموا أن النبي ﷺ هو وصحابته ما هم إلا مجموعة من هواة التسلط والملوك الظالمين الذين تسلطوا على رقاب الأمة، وهذا يوجد في طوائف من اليهود وبعض متعصبة النصارى وبعض المشركين في الأمم الأخرى الذين يحقدون على الإسلام، فلا يعترفون بأنه دين، ويزعمون بأنه ما هو إلا وثبة عربية تزعمها هذا الرجل، فهو عندهم ظالم تسلط على البشر وهيمن دينه على البشرية بهذا الأسلوب. وهناك قول رابع يقول به طوائف من النصارى، خاصة نصارى العرب، ولا يزالون يقولون به، وهم الذين زعموا أن النبي ﷺ نبي لكنه للعرب خاصة، ولا يزال هناك من الغربيين طوائف كثيرة من النصارى وبعض اليهود يقولون بهذا القول، خاصة دعاة تقريب الأديان ينزعون إلى هذا القول ويدعون إليه، ويزعمون أن النبي ﷺ نبي لكنه للعرب خاصة. والعجيب أن هذه النظرة يقول بها بعض نصارى العرب من نصارى لبنان ونصارى مصر، يقولون بهذا القول، وهو حجة قاصمة ترتد عليهم؛ لأنه إذا كان النبي أرسل إلى العرب وهم عرب فلم لا يؤمنون؟! وهذه مقولة يلغيها العقل ولا تعتبر من الناحية الموضوعية. وهذه المقولات كلها يناقشها الشارح ضمناً، لكن سيناقش قضيتين على التفصيل، سيناقش النصارى، وسيناقش الذين قالوا بأن النبي ﷺ ليس برسول، بل هو ملك ظالم غشوم، سيناقشهم ويقف عندهم طويلاً فيما بعد. قال رحمه الله تعالى: [وأما قول بعض النصارى: إنه رسول إلى العرب خاصة فظاهر البطلان، فإنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال: إنه رسول الله إلى الناس عامة، والرسول لا يكذب، فلزم تصديقه حتماً، فقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف يدعو إلى الإسلام].

стр. 324

الأقوال في إعراب (كافة) في قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وكافة الورى): في جر (كافة) نظر، فإنهم قالوا: لم تستعمل (كافة) في كلام العرب إلا حالاً، واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨] على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها حال من الكاف في (أرسلناك)]. معنى أنها حال من الكاف أنها راجعة إلى الرسول ﷺ ؛ لأن الكاف ضمير عائد على النبي ﷺ ، فكأنه يقول: أنت كافة للناس على سبيل المبالغة، كما يقال: داعية، ويقال: داهية، ويقال: راوية، بمعنى داع وراو. قال رحمه الله تعالى: [أحدها: أنها حال من الكاف في (أرسلناك)، وهي اسم فاعل، والتاء فيها للمبالغة، أي: إلا كافاً للناس عن الباطل. وقيل: هي مصدر كف، فهي بمعنى (كفاً)، أي: إلا أن تكف الناس كفاً، ووقوع المصدر حالاً كثير]. على التقديرين المعنى واحد، يعني: أن تكف الناس، وهذا التقدير مرجوح، والراجح سيأتي. قال رحمه الله تعالى: [الثاني: أنها حال من الناس. واعترض بأن حال المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور، وأجيب بأنه قد جاء عن العرب كثيراً فوجب قبوله، وهو اختيار ابن مالك ﵀، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة]. هذا هو الراجح، وهو مقتضى ظاهر النص، والخروج عنه تكلف، أعني: الظاهر أن المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كافة، أي: للناس جميعاً، وإنما قدم وأخر زيادة في التأكيد، ولو تأملنا تأملاً طويلاً في الآية لوجدنا أن تقديم (كافة) فيه مزيد تأكيد للعموم، لكن يحتاج إلى شيء من التأمل. إذاً: فتقديم (كافة) وإن كان غير معهود عند جمهور اللغويين لكنه معهود عند العرب، ثم إنه هو الوصف الذي يناسب سياق الآية، لأن المقصود بيان عموم رسالة النبي ﷺ ، بدليل قوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨] يعني: للجميع، والبشارة والنذارة هما من غايات الرسالة بعد تحقيق التوحيد. قال رحمه الله تعالى: [الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: إرسالة كافة. واعترض بما تقدم أنها لم تستعمل إلا حالاً. وقوله: (بالحق والهدى وبالنور والضياء) هذه أوصاف ما جاء به ﷺ من الدين والشرع المؤيد بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر الأدلة. والضياء: أكمل من النور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس:٥]].

стр. 325

شرح العقيدة الطحاوية [٢٦] اختلفت الناس في إثبات صفة الكلام لله تعالى إلى تسعة أقوال، مردها إلى أربعة رئيسية: أولها: منها أنه مخلوق منفصل عن الله، والثاني: أنه معنى واحد قائم بذات الله هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، والثالث: أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً، والرابع: أنه تعالى ما زال متكلماً بصوت وحرف يسمع متى شاء وكيف شاء وبما شاء، وهذا هو القول الصحيح الذي يقول به أهل السنة والجماعة.

стр. 326

كون القرآن كلام الله تعالى على الحقيقة وليس بمخلوق قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر]. قبل أن نبدأ بالشرح أحب أن أشير إلى المقصود ببعض العبارات التي بدأ بها، وإن كان سيشرحها شرحاً عاماً ثم سيشرع في ذكر أقوال الفرق على وجه التفصيل. فقوله: (إن القرآن كلام الله) هذا معروف، لكن قوله: (منه بدا) معناه أن الله تكلم به، ومنه بدا القرآن، أي: الكلام، وهذا رد لقول من قال بأن القرآن إنما خرج من مخلوق، أو بدا من مخلوق. فبعضهم يقول بأن القرآن بدا من جبريل ثم سمعه النبي ﷺ . وبعضهم يقول: إن القرآن بدا من مخلوقات أخرى خلقها الله، وبعضهم يقول بأن الله خلق الحروف والأصوات، فكانت بداية القرآن من تلك الحروف وتلك الأصوات. وبعضهم يقول بأن الله خلقه على لسان مخلوق آخر، سواء أكان هو جبريل أم النبي ﷺ أم غيرهما، أي: نطق به ناطق من العقلاء الناطقين ونحو ذلك. فالذين زعموا هذه المزاعم ادعوا أن القرآن بدأ من المخلوقين أو من المخلوقات على اختلافات بينهم كثيرة. وقوله: (بلا كيفية) يرد التوهم الذي يحصل والذي خاض به الخائضون فقالوا: إننا إذا قلنا بأن القرآن بدأ من عند الله تعالى فهذا يعني أنه نطق به كما ينطق المخلوق. فهذا مردود بأن الله ليس كمثله شيء، وبأننا لا نعرف كيف تكلم الله، لكن الله تكلم به ومنه بدأ. وقوله: (بلا كيفية قولاً) المعنى: أن الله قاله، ما بدأ منه خلقاً كما يزعمون، ولا بدأ منه معاني ثم ترجمت هذه المعاني على ألسنة بشر، ولا بدأ منه كلاماً نفسياً، إنما بدأ قولاً، ولذلك يسمى قول الله، فيقال: قال الله تعالى، فالقرآن قول الله، وليس بفعل مستقل عن ذات الله ، وليس بخلق، وليس بمعان نفسية، وليس أموراً معقولة حولها النبي ﷺ إلى ألفاظ كما يزعمون، أو نحو ذلك مما قالوه. وقوله: (وأنزله على رسوله وحياً) بمعنى: أنه حينما نزل على الرسول ﷺ لم ينزل على قلبه بمجرد العلم اللدني كما يزعم كثير من أهل التصوف وأهل الفلسفة، فهم يزعمون أن قلب النبي ﷺ مشتمل على القرآن، وأنه نطق به من معان موجودة في قلبه، وأهل السنة يقولون: المنصوص أن الله أنزله، ولم يشتمل عليه قلب النبي ﷺ قبل ذلك، إنما وعاه قلب النبي ﷺ وأدركه، لكن أيضاً سمعه منزلاً عليه ﷺ ، بمعنى: أن الله أوحى به إليه بأنواع الوحي المعروفة شرعاً، ولم يكن ذلك بمعان انصبت ولا بفيض ولا بنتيجة العقل الفعال ولا باشتمال قلب النبي ﷺ على العلم اللدني ولا بنحو ذلك من الأمور التي قال بها المبطلون، إنما كان منزلاً على رسول الله ﷺ بأنواع الوحي الشرعية. وقوله: (وصدقه المؤمنون حقاً) بمعنى: على الحقيقة، والحقيقة نوعان: منها ما يعلم ومنها ما لا يعلم، فما يعلم هو حقيقة الصفة وحقيقة الكلام وحقيقة التنزيل وأن الله أوحى إليه، وما لا يعلم هو كيفية الوحي، وكيفية كلام الله تعالى به، أما كيفية الوحي فهي معلومة عند النبي ﷺ . قال رحمه الله تعالى: [هذه قاعدة شريفة، وأصل كبير من أصول الدين، ضل فيه طوائف كثيرة من الناس، وهذا الذي حكاه الطحاوي ﵀ هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرهما، وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء الباطلة].

стр. 327

أقوال الناس في مسألة الكلام

стр. 328

قول الفلاسفة والصابئة بأن الكلام ما يفيض على النفوس من المعاني قال رحمه الله تعالى: [وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال]. هذه التسعة تعود إلى أربعة أقوال رئيسة، سأذكرها بعدما ينتهي من سرد الأقوال التسعة. قال رحمه الله تعالى: [أحدها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من المعاني، إما من العقل الفعال عند بعضهم أو من غيره. وهذا قول الصابئة والمتفلسفة]. هذا القول قالت به طوائف من الفلاسفة الإسلاميين الذين ظهروا في الإسلام، وكلمة الإسلاميين أدق في وصفهم من (المسلمين)، فكلمة (الفلاسفة المسلمون) لا تصح، إما (إسلاميون) فتصح، وإن كان الناس استعملوا هذه العبارة الآن على غير وجهها الصحيح، فالإسلامي من ينتسب للأمة الإسلامية أو الحضارة الإسلامية أو التاريخ الإسلامي أو إلى زمن فيه مسلمون أو إلى دولة إسلامية وإن كان كافراً، فيسمى إسلامياً بمعنى أنه عاش في عصر الإسلام، كما يقال: جاهلي حتى لو كان من النصارى أو اليهود أو من الذين على الحنيفية، يقال: هذا رجل جاهلي، أو شاعر جاهلي، بمعنى أنه منتسب لفترة الجاهلية. وكذلك كلمة (إسلامي) أرى أنها لا تدل على الإسلام، إنما تدل على الانتساب للتاريخ الإسلامي أو للحقبة الإسلامية، فكذلك الوصف بالنسبة للفلاسفة، فالفلاسفة الذين ظهروا في الإسلام أغلبهم ما دخل الإسلام، والذين دخلوا الإسلام أغلبهم اعتقد اعتقادات توجب إخراجه من الإسلام، فلذلك ينبغي أن نقول: الإسلاميون. فالفلاسفة الإسلاميون هم على هذا القول، أي: القول بأن الكلام من العقل الفعال أو نحو ذلك، ويعبرون عن هذا أحياناً بالفيض، ويعبرون عنه أحياناً بتعبيرات أخرى، فقول الصابئة المتفلسفة أظهره الفلاسفة الإسلاميون الذين ظهروا بعد القرن الثالث في تاريخ الإسلام.

стр. 329

قول المعتزلة بأن كلام الله مخلوق منفصل عنه قال رحمه الله تعالى: [وثانيها: أنه مخلوق خلقه الله منفصلاً عنه، وهذا قول المعتزلة].

стр. 330

قول الكلابية وأغلب الأشاعرة بأن الكلام معنى واحد قائم بذات الله تعالى قال رحمه الله تعالى: [وثالثها: أنه معنىً واحد قائم بذات الله هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة. وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه كـ الأشعري وغيره]. أغلب الأشاعرة المتكلمين على هذا القول، ولا يشذ عنهم إلا بعض الأشاعرة من أهل الحديث وبعض الفقهاء وبعض الأصوليين؛ فإنهم قد يقولون بقول أهل السنة، لكنهم قليل، أما غالبية الأشاعرة فإنهم على هذا القول، أنه معنى واحد قائم بذات الله تعالى، يقصدون به نفي أن يكون الله تعالى تكلم به بحرف وصوت على ما يليق بجلال الله تعالى، هذا المقصود به، فكأنهم يقولون: إن القرآن أشبه بقوالب أو معان عامة إذا ترجمت إلى اللغات تتحول إلى الألفاظ التي يتكلم بها الناس، فهي أشبه بالمعاني العامة التي تنقسم إلى: أمر ونهي، وخبر واستخبار، فإذا جاءت إلى قلوب الأنبياء ثم تكلموا بها تحولت إلى حروف وأصوات. هذه فلسفتهم، وما ذلك إلا انهزام أمام الجهمية والمعتزلة، هذه انهزامية أمام الجهمية والمعتزلة؛ لأن جميع المعتزلة يقولون: إنكم إذا قلتم بأن الله تكلم بحرف وصوت لزمكم أن تثبوا بقية الصفات؛ لأن هذا يعني قيام الأفعال به، وأنتم تنكرون قيام الأفعال به، فلذلك اضطروا إلى القول بأن القرآن معنى واحد قائم بذات الله، ومعنى أنه قائم بذات الله أن الله متصف به، وهذا المعنى إذا عبر عنه البشر بلغاتهم تحول إلى الكتب التي نزلت، فإذا عبر النبي ﷺ باللغة العربية عن المعاني التي أرادها الله صارت قرآناً، وحينما عبر عنها موسى ﵇ صارت توراة، وحينما عبر عنها عيسى صارت إنجيلاً، وهذا هروب من الإثبات. وفي الحقيقة لو تأملناه لوجدنا أنه يؤول إلى القول بأن القرآن مخلوق وليس منزلاً، لكنهم ما جرءوا على أن يصادموا السلف؛ لأن السلف كان لهم قوة وهيمنة، وكانت كلمتهم في هذه المسألة واضحة جداً، ولا يستطيع أحد أن يقاومهم، وإلا فلو تأملنا هذا القول لوجدنا أن مؤداه إنكار أن يكون الله تكلم بالقرآن، وإثبات أن القرآن مخلوق غير منزل. فإذا قلنا: إن القرآن ما صار قرآناً إلا حينما تكلم به الرسول ﷺ فهذا يعني أنه مخلوق، وإذا قلنا بأن التوراة ما صارت توراة إلا حينما نطق بها أو كتبها موسى ﵇ فهذا يعني أن الله لم يتكلم بها.

стр. 331

قول طائفة من أهل الكلام بأن الكلام حروف وأصوات مجتمعة في الأزل قال رحمه الله تعالى: [ورابعها: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث]. وهذا أيضاً قول عجيب، وهو أيضاً هروب من الإثبات وانهزام أمام هجوم المعتزلة والجهمية في مسألة كلام الله تعالى؛ فإن الأزلي هو الأول الذي ليس قبله شيء، هذا معنى الأزلي، فالأزلي يعني: الذي ليس له بداية، ونحن نعلم أنه ليس هناك شيء ليس له بداية إلا الله ، فهم حينما قالوا بأنها حروف أزلية كأنهم ألحقوها بخصائص الله، فإذا ألحقوها بخصائص الله فإنهم بذلك يلزمهم أحد أمرين: إما أن تكون كلام الله تعالى، وعليه فلا داعي لمثل هذا الكلام، ولمثل هذا اللجوء إلى التعبير الموهم، وإما أن يقولوا: إنها غير كلام الله تعالى، وبذلك يثبتون أزلياً غير الله، فيلزمهم أحد الإلزامين بالضرورة، فإذا قالوا: هو حروف وأصوات أزلية ليست هي كلام الله فهذا يعني أن هناك مع الله أزلياً غيره. وإذا قالوا بأنها حروف أزلية تكلم الله بها في الأزل فلماذا لا يتكلم بها الآن كما يليق بجلاله؟! فالأمر فيه إعضال، وما ألجأهم إلى ذلك إلا الاستجابة لهجوم المعتزلة الفكري أو لهجومهم الفلسفي، وكذلك هجوم الجهمية.

стр. 332

قول الكرامية بأن الكلام حروف وأصوات تكلم بها الله بعد أن لم يكن متكلماً قال رحمه الله تعالى: [وخامسها: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً، وهذا قول الكرامية وغيرهم]. هذا قول ناقص، فهو يشمل بعض قول السلف، لكنه ناقص وفيه انحراف أو حيدة عن إثبات الحق، فإنه إذا كان تكلم الله بعد أن لم يكن متكلماً فما الذي يمنع أن يكون الله قد تكلم؟! أليس الأكمل أن يكون الله تكلم من قبل ويتكلم من بعد ويتكلم متى شاء على ما يليق بجلاله؟! إن هذا أكمل من أن يقال بأن الله تكلم بعد أن لم يكن متكلماً. فهذا القول يعتبر إخلالاً بالكمال، فكلام الكرامية إخلال بالكمال، فإن من كان قادراً على الكلام في الأزل إلى الأبد أكمل ممن قدر على الكلام بعد مدة.

стр. 333

القول بأن الكلام يرجع إلى ما يحدثه تعالى من علمه وإرادته القائم بذاته قال رحمه الله تعالى: [وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهذا يقوله صاحب المعتبر، ويميل إليه الرازي في المطالب العالية]. هذا تعبير عن القول الثاني تماماً كما سيأتي، فالسادس ما هو إلا تعبير آخر عن القول الثاني.

стр. 334

قول الماتريدي بأن الكلام يتضمن معنى قائماً بذاته خلقه في غيره قال رحمه الله تعالى: [وسابعها: أن كلامه يتضمن معنىً قائماً بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول أبي منصور الماتريدي]. هذا تلفيق بين القول الثاني والقول السادس.

стр. 335

قول أبي المعالي الجويني بأن الكلام مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه تعالى في غيره من الأصوات قال رحمه الله تعالى: [وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهذا قول أبي المعالي ومن تبعه]. أيضاً هذا تلفيق آخر للقول الثاني.

стр. 336

قول أهل السنة والجماعة قال رحمه الله تعالى: [وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة]. هذا هو الحق، وهذا الذي تقتضيه النصوص، فإن الله تعالى لم يزل متكلماً، بمعنى: أنه يتكلم كما يشاء إذا شاء، فمشيئة الله لا راد لها، وعموم المشيئة ثابت بالنصوص القطعية، وعموم المشيئة أيضاً يشمل جميع ما يتعلق بأفعال الله تعالى، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ومن أفعال الله تعالى الكلام. و (متى شاء) بمعنى: في أي زمن، بدليل أن الله يخلق بكلمة (كن)، وخلق الله لا ينتهي، وبدليل أن الله كلم أنبياءه السابقين، وبدليل أن الله يكلم عباده يوم القيامة، كما ورد في النصوص الصحيحة أن الله ينادي عباده يوم القيامة بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد. وهذا ثابت في النصوص، وهذا في المستقبل، والكلام في الماضي ثبت من خلال تكليم الأنبياء وغيرهم، ومن خلال كلمة (كن)، فإن كلمة (كن) خلق الله بها الخلق ولا يزال يخلق بها، فإذا أراد شيئاً قال له: كن. و (كيف شاء) معناه أن الكيفية التي يتكلم الله بها راجعة إلى مشيئته، فلا يقال: كيف يتكلم؟ فما دام أن مشيئته عامة فالله يتكلم كيف يشاء، وهذا يعني أننا لا نخوض في الكيفية. وقول أهل السنة: (يتكلم بصوت يسمع) ليس من عندهم، بل ورد في الحديث الصحيح أن الله تعالى ينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، فالقريب والبعيد يسمعون كلام الله تعالى على نحو واحد. فالسلف في تقرير العقيدة يستندون على النصوص الشرعية ولم يأتوا من عند أنفسهم بشيء. ومعنى (أن نوع الكلام قديم) أنه صفة من صفات الله تعالى في الأزل، وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، فكون الله تكلم بالقرآن لا يعني أن القرآن قديم من حيث الكلام به، لا يلزم ذلك لئلا يقال بأن الكلام أزلي مع الله ، بمعنى: أنه منفصل عن الله أو عن أفعال الله، وهذا القول هو المأثور عن أئمة السلف. قال رحمه الله تعالى: [وقول الشيخ ﵀: (وإن القرآن كلام الله): (إن) بكسر الهمزة، عطف على قوله: (إن الله واحد لا شريك له)، ثم قال: (وإن محمداً عبده المصطفى)، وكسر همزة (إن) في هذه المواضع الثلاثة؛ لأنها معمول القول، أعني قوله في أول كلامه: نقول في توحيد الله].

стр. 337

مرد الأقوال في مسألة الكلام إلى أربعة أقوال نرجع إلى تصنيف تلك الأقوال، فتلك الأقوال التسعة ترجع إلى أربعة أقوال: فالقول الأول: أنه مخلوق -بزعمهم- خلقه الله منفصلاً عنه. وهذا قول الجهمية والمعتزلة، ثم تابعهم عليه متأخرة الخوارج ومتأخرة الرافضة وكذلك الزيدية، والزيدية معتزلة وشيعة، وتابعهم على ذلك أفراد من المتكلمين وبعض الفلاسفة ومن نحا نحوهم. وقد تركنا قول الفلاسفة لأنه قول خامس، لكن لا يرجع إليه غيره، فهو قول منفرد، فإذا أفردنا أقوال أهل الأهواء فهي أربعة، وإذا جمعنا معها قول أهل السنة والجماعة تكون خمسة. والقول الثاني: أنه معنى واحد قائم بذات الله تعالى هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار. وهذا قول الكلابية، وهو قول بعض الأشاعرة وبعض الماتريدية وكثير من المتكلمين، وهو القول الثالث بترتيب المؤلف. وهذا القول يرجع إليه القول السادس، فهو تعبير آخر عنه، ويرجع إليه القول السابع والقول الثامن، فالسابع والثامن ما هما إلا جمع ومحاولة توفيق بين القول الثاني والقول الثالث والقول الرابع كذلك. والقول الرابع يرجع أيضاً إلى الأول، فما هو إلا تعبير آخر عن القول الأول بترتيبنا، وهو الثاني بترتيب المؤلف، فالرابع يرجع إلى ما سماه ثانياً، وهو القول الأول بالنسبة لاعتباره عند أهل الأهواء. وما سماه خامساً هو القول الثالث، وما سماه تاسعاً هو القول الرابع، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو القول الحق. والخامس الأخير هو قول من زعم أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس، وهذا القول ما ظهر إلا متأخراً جداً، يعني: ظهر في آخر القرن الرابع وما بعده. أما الأقوال الأربعة السابقة فالقول الأول منها هو القول الحق، وبقية الأقوال قيلت في القرن الثاني والقرن الثالث. فالقول بأنه مخلوق ظهر في القرن الثاني، والقول بأنه معنى واحد قائم بالذات لم يظهر إلا في القرن الثالث، وكذلك القول بأنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل ما ظهر إلا في القرن الثالث وما بعده، وإن كان بعض الجهمية قد قال بنحوه، لكن لم يكن على هذا النحو. والقول السادس إنما قال به الرازي وقال به أبو البركات بن ملكا الطبيب الفيلسوف.

стр. 338

شرح العقيدة الطحاوية [٢٧] أجمع أهل السنة والجماعة على أن كلام الله غير مخلوق، وأن الله لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن كلامه بصوت يسمع، وقد خالف المعتزلة منهج أهل السنة في ذلك، فقالوا بخلق القرآن، واستدلوا على ذلك بنصوص من كتاب الله؛ لكنها استدلالات واهية، لا تقوم في نظر أقل الناس علماً في هذا الشأن.

стр. 339

إثبات أن كلام الله بدا منه والرد على المعتزلة في ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: (كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً) رد على المعتزلة وغيرهم، فإن المعتزلة تزعم أن القرآن لم يبد منه، كما تقدم حكاية قولهم، قالوا: وإضافته إليه إضافة تشريف كبيت الله، وناقة الله، يحرفون الكلم عن مواضعه، وقولهم باطل؛ فإن المضاف إلى الله تعالى معان وأعيان، فإضافة الأعيان إلى الله للتشريف، وهي مخلوقة له كبيت الله، وناقة الله، بخلاف إضافة المعاني، كعلم الله، وقدرته، وعزته، وجلاله، وكبريائه، وكلامه، وحياته، وعلوه، وقهره؛ فإن هذا كله من صفاته، لا يمكن أن يكون شيء من ذلك مخلوقاً. والوصف بالتكلم من أوصاف الكمال، وضده من أوصاف النقص، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨]، فكان عباد العجل -مع كفرهم- أعرف بالله من المعتزلة؛ فإنهم لم يقولوا لموسى: وربك لا يتكلم أيضاً. وقال تعالى عن العجل أيضاً: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩] فعلم أن نفي رجع القول ونفي التكليم نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل. وغاية شبهتهم أنهم يقولون: يلزم منه التشبيه والتجسيم، فيقال لهم: إذا قلنا: إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبهتهم، ألا ترى أنه تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس:٦٥]، فنحن نؤمن أنها تتكلم، ولا نعلم كيف تتكلم، وكذا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١]، وكذلك تسبيح الحصا والطعام وسلام الحجر، كل ذلك بلا فم يخرج منه الصوت الصاعد من الرئة المعتمد على مقاطع الحروف]. يقصد بذلك أن هؤلاء الذين اشتبهت عليهم الصفات -مع أنها محكمة بكلام الله تعالى- جاءتهم الشبهة من حيث إنهم قاسوا الله على خلقه وشبهوا الله بخلقه، فحينما وردت إليهم ألفاظ الصفات لم يوفقوا إلى الأخذ بالقاعدة الشرعية التي بدأ الله بها حينما تقررت قاعدة الإثبات والنفي، فالله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ثم قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) ينفي ابتداءً توهم التشابه، فمجرد التوهم والخيال منفي؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، وبعد نفي التوهم والخيال وما يمكن أن ينقدح في الذهن في حق الله تعالى يأتي الإثبات، وهذا إذا عمله الإنسان بهذا التدرج لا يمكن أن ترد إليه أوهام المتكلمين وشبههم، فإن شبهتهم أنهم يقولون: لا نفهم من هذه الصفات إلا ما نعرفه في المخلوقات، ويرد عليهم بما ذكره الله في المخلوقات نفسها، فإنهم يقولون: لا نفهم الكلام إلا بالجارحة، والجارحة: الفم واللسان ووسائل وأدوات الكلام، فيرد عليهم بأن هناك من يتكلم من مخلوقات الله تعالى بغير الوسائل والأدوات التي مع الإنسان، كالحصى والجمادات كلها، فكلها تسبح ولكن لا نفقه تسبيحها، فإذا كانت كلها تسبح ونحن لا نرى لها ألسنة ولا حناجراً ولا رئات ولا نفساً يخرج ويدخل ولا نرى شفاهاً؛ فمعنى هذا أنها تتكلم كما أقدرها الله على الكلام من غير أن نعرف الكيفية، فالله وصفها بصفات تشبه صفاتنا من حيث اللفظ، ومع ذلك لا نرى وجه التشابه أبداً، بل نرى التباين كل التباين بين صفات مخلوق ومخلوق، ولله المثل الأعلى، فالله يتكلم كما يليق بجلاله، وليس كلامه ككلام المخلوقين؛ لأنه ليس كمثله شيء، وإذا تكلم تكلم بما يليق بكماله وعظمته، وليس بما يتوهمون من أوهامهم التي ركزوها في أذهانهم ثم بنوا عليها أحكاماً. إذاً: يقال لهم: ما دمتم توهمتم التشبيه فارجعوا إلى ما هو في عالم الشهادة؛ لتعرفوا أن توهم التشبيه لا حقيقة له، فإن هناك من المخلوقات ما هو موصوف بالكلام ومع ذلك لا يوجد الشبه بيننا وبينه، ولا توجد فيه الوسائل التي يتكلم بها المخلوق ككلام المخلوقين.

стр. 340

بيان معنى قول الطحاوي: (منه بدا بلا كيفية قولاً) قال رحمه الله تعالى: [وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: (منه بدا بلا كيفية قولاً)، أي: ظهر منه]. أي: أن الله تكلم به، هذا معنى (منه بدا)؛ لئلا يقال: إنه بدا الكلام على لسان جبريل، أو بدا الكلام على لسان محمد ﷺ أو لسان موسى بالنسبة للتوراة أو عيسى بالنسبة للإنجيل أو نحو ذلك، أو: إن الله عبر عن كلام مخلوقاته بأنه كلامه، أو أنه خلق أصواتاً فصارت كلاماً، كل ذلك يتنافى مع القول بأنه منه بدا، يعني: أن الله قاله وتكلم به على ما يليق بجلاله، وليس هذا من عند هؤلاء من أهل العلم، بل هو من النصوص الشرعية. قال رحمه الله تعالى: [أي: ظهر منه، ولا يدرى كيفية تكلمه به. وأكد هذا المعنى بقوله: (قولاً)، أتى بالمصدر المعرف للحقيقة، كما أكد الله تعالى التكليم بالمصدر المثبت النافي للمجاز في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!]. يقصد بذلك أن الله فسر وبين الكلام هنا، فما قال: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى) ثم انقطع الكلام، بل أكد الأمر فقال: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] لأنه قد ينشأ في الذهن: هل الله كلم الله موسى وحياً أو إلهاماً أو مناماً أو خيالاً؟! وتحتمل هذه الاحتمالات عند من لا يفقه الأمور الشرعية أو لا يفقه حقائق النصوص المتعلقة بصفات الله، فلذلك جاء التأكيد في الآية نفسها بما يرد التعطيل ويرد التأويل؛ فإن قوله تعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] يعني: على ما يليق بجلال الله .

стр. 341

عجز المؤولة للصفات عن تأويل الصفة الواردة في نصوص معينة بنفس التأويل في كل مرة قال رحمه الله تعالى: [ولقد قال بعضهم لـ أبي عمرو بن العلاء -أحد القراء السبعة-: أريد أن تقرأ: (وكلم الله موسى)، بنصب اسم الله ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقال أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟! فبهت المعتزلي]. وهذا يرد في كثير من الصفات، حيث نجد أن الصفات ترد على أوجه عديدة، فلو أولوا وجهاً من الوجوه ما أولوا الآخر، وإذا أولوا الجميع تناقضت تأويلاتهم، فمثلاً: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كثير من المؤولة يقولون: (على العرش) بمعنى: على الملك، أي: استولى على الملك، لكن تأتيهم آية أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] فلو أولوها بتأويل فإنه يناقض التأويل الآخر، وهكذا، وقد ورد لفظ الاستواء في القرآن في أكثر من ست آيات، وفي المفهوم في آيات كثيرة، وكذلك في الأحاديث الثابتة. وكذلك بقية الصفات، فإنا نجد أن كل صفة يؤولونها في نص تنقضها آية أخرى أو حديث آخر، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، فهذا من الصعب تأويله، فإن أولوه أتاهم مثل قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. فما من صفة يؤولونها إلا وينقضها تأويلهم الآخر للصفة الأخرى، ولو أولوا الصفة في موضع فإنا نجد النص الآخر ينقض تأويلهم فلا يستقيم عليه، وهكذا.

стр. 342

أدلة تكليم الله لأهل الجنة وغيرهم قال رحمه الله تعالى: [وكم في الكتاب والسنة من دليل على تكليم الله تعالى لأهل الجنة وغيرهم. قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أهل الجنة في نعيم إذ سطع لهم نور فرفعوا أبصارهم، فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قول الله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، وتبقى بركته ونوره عليهم في ديارهم) رواه ابن ماجه وغيره]. هذا الحديث ضعفه المحقق في الهامش، لكن معانيه ثابتة في أحاديث أخرى، منها ما في صحيح البخاري، وقد أشار إليه إجمالاً أيضاً، فقد ورد في صحيح البخاري أن الله يقول لأهل الجنة كذا فيقولون كذا، فنسب إلى الله صفة القول، وصفة القول تثبت صفة الكلام، فصفة القول مرادفة لصفة الكلام، فإن الكلام لا يكون إلا بقول، والقول لا يكون إلا بكلام. قال رحمه الله تعالى: [ففي هذا الحديث إثبات صفة الكلام، وإثبات الرؤية، وإثبات العلو، وكيف يصح مع هذا أن يكون كلام الرب كله معنى واحداً؟! وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧] فأهانهم بترك تكليمهم، والمراد أنه لا يكلمهم تكليم تكريم، وهو الصحيح؛ إذ قد أخبر في الآية الأخرى أنه يقول لهم في النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين لكانوا في ذلك هم وأعداؤه سواء، ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلاً]. أي: إذا كان الله لا يكلم هذه الفئة، وهم الذين توعدهم الله بحرمانهم من كلامه؛ فيقتضي هذا بالضرورة أنه يكلم غيرهم من المؤمنين المنعمين المستحقين للكلام، وهذا أمر مفهوم بالضرورة، كما أننا نقول مثل ذلك في الرؤية، وهو ما قاله الشافعي، وهو أنه لو لم يكن المؤمنون يرونه ما كان للاحتجاب عن الكافرين معنى، فلما حرم الله الكفار من أن يروه واحتجب عنهم دل هذا بالضرورة العقلية والشرعية وبالمفهوم والمقطوع به أن المؤمنين يرونه، وكذلك الكلام، فإذا كان الله لا يكلم هؤلاء عقوبة لهم فإنه في المقابل يكلم غيرهم، ولو كان لا يتكلم أبداً ما كان لحرمان هؤلاء الذين عوقبوا من الكلام فائدة، فالله لا يتكلم إلا بالحق. ثم إن ذكر الكلام والنظر في سياق واحد يدل على أن كل واحد منهما يثبت الآخر، فلو أولوا الكلام هنا دحضوا بالنظر، ولو أولوا النظر دحضوا بالكلام، فكلام الله محكم، ومهما أتوا من باب فإن الأبواب الأخرى تسد عليهم باب التأويل والتعطيل. قال رحمه الله تعالى: [وقال البخاري في صحيحه: باب كلام الرب ﵎ مع أهل الجنة. وساق فيه عدة أحاديث]. ساق فيه حديثين، وفي هذين الحديثين ما أشرت إليه سابقاً من أنه ذكر في البخاري أن الله يقول لأهل الجنة، ثم يقولون ثم يقول، كما ورد في الحديث، فالقصد بالسياق هنا أن البخاري أورد في الصحيح أن الله تعالى يقول، والقول كلام. قال رحمه الله تعالى: [فأفضل نعيم أهل الجنة رؤية وجهه ﵎ وتكليمه لهم، فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا به].

стр. 343

الرد على استدلالات المعتزلة على قولهم بخلق القرآن

стр. 344

الرد على الاستدلال بقوله تعالى: (الله خالق كل شيء) قال رحمه الله تعالى: [وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، والقرآن شيء، فيكون داخلاً في عموم كل فيكون مخلوقاً! فمن أعجب العجب. وذلك: أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها، لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم كل، وأدخلوا كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤]، ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقاً لزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل، وهو باطل، وطرد باطلهم: أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة وغيرهما، وذلك صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء، وحياته شيء، فيدخل ذلك في عموم كل، فيكون مخلوقا بعد أن لم يكن، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وكيف يصح أن يكون متكلماً بكلام يقوم بغيره؟ ولو صح ذلك للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه! وكذلك أيضا ما خلقه في الحيوانات، لا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق. وإنما قالت الجلود: ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٢١]، ولم تقل: نطق الله، بل يلزم أن يكون متكلما بكل كلام خلقه في غيره، زورا كان أو كذبا أو كفرا أو هذيانا!! تعالى الله عن ذلك. وقد طرد ذلك الاتحادية، فقال ابن عربي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه! ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره، لصح أن يقال للبصير: أعمى، وللأعمى: بصير! لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره، والأعمى قد قام وصف البصر بغيره! ولصح أن يوصف الله تعالى بالصفات التي خلقها في غيره، من الألوان والروائح والطعوم والطول والقصر ونحو ذلك. وبمثل ذلك ألزم الإمام عبد العزيز المكي بشراً المريسي بين يدي المأمون، بعد أن تكلم معه ملتزماً أن لا يخرج عن نص التنزيل، وألزمه الحجة، فقال بشر: يا أمير المؤمنين، ليدع مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه، ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال. قال عبد العزيز: تسألني أم أسألك؟ فقال بشر: اسأل أنت، وطمع في فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها: إما أن تقول: إن الله خلق القرآن، وهو عندي أنا كلامه - في نفسه، أو خلقه قائماً بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره؟ قال: أقول: خلقه كما خلق الأشياء كلها. وحاد عن الجواب. فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة، ودع بشراً فقد انقطع. فقال عبد العزيز: إن قال خلق كلامه في نفسه، فهذا محال؛ لأن الله لا يكون محلاً للحوادث المخلوقة، ولا يكون فيه شيء مخلوق، وإن قال خلقه في غيره فيلزم في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلامه، فهو محال أيضاً، لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره -هو كلام الله! وإن قال خلقه قائماً بنفسه وذاته، فهذا محال: لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا يعقل كلام قائم بنفسه متكلم. فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقاً، علم أنه صفة لله. هذا مختصر من كلام الإمام عبد العزيز في (الحيدة). وعموم كل في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟ وذلك لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة وما يستحق التدمير. وكذا قوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام. إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك، غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها، ولهذا نظائر كثيرة. والمراد من قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠٢]، أي: كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتما، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست غيره، لأنه هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة، لا يتصور انفصال صفاته عنه، كما تقدم الإشارة إلى هذا المعنى عند قوله: (ما زال قديما بصفاته قبل خلقه). بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم. فإذا كان قوله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) مخلوقاً، لا يصح أن يكون دليلاً.

стр. 345

الرد على الاستدلال بقوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) قال رحمه الله تعالى: [وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] فما أفسده من استدلال]. يقصد هنا استدلال الذين قالوا بخلق القرآن وعلى رأسهم المعتزلة والجهمية، وكل من تكلم في خلق القرآن ممن جاءوا بعد هاتين الفرقتين عالة عليهما، حتى المحدثين إلى يومنا هذا، وقد انبرى أحد رءوس البدعة في العصر الحاضر وألف كتاباً قال فيه بخلق القرآن وأنكر الرؤية والشفاعة، وكفر فيه أهل الكبائر، وهذا الكتاب متداول بين طلاب العلم، أسماه الحق الدامغ، وقد حشاه صاحبه بشبهات المعتزلة في خلق القرآن، بل نقل أقوالهم ومصطلحاتهم بحروفها وجعلها مستنداً له في القول بخلق القرآن. فالشاهد: أن الذين قالوا بخلق القرآن بعد المعتزلة هم عالة على المعتزلة، ولم يأتوا بجديد، وكل أقوالهم وشبهاتهم وردهم للأدلة واستدلالهم الباطل كله مبني على أصول المعتزلة الباطلة من كتبهم ومما قالوه وناظروا به، فالذين أنكروا نزول القرآن وأنه منزل من الله وأن الله تكلم به وقالوا بخلق القرآن هؤلاء هم المعتزلة والجهمية، وكل من جاء بعد المعتزلة والجهمية في مسألة القول بخلق القرآن عالة على الجهمية والمعتزلة فيما قالوه، حتى صاحب الكتاب الذي ألف كتاب (الحق الدامغ) وزعم أن القرآن مخلوق وأنكر أن يكون كلام الله، فقد جاء بأدلة المعتزلة على نحو ما قلته في مسألة الرؤية. فالمسألة واحدة، فكما أنه أنكر الرؤية في كتابه، كذلك زعم أن القرآن مخلوق، وحشد أقوال المعتزلة، ولم يكن يخرج عنها في استدلالاتهم العقلانية ولا في ردهم للنصوص وإيرادهم للشبهات. وهذه المسألة أعطاها من حجم هذا الكتاب أكثر من حجم الكلام على الرؤية والكلام عن مسألة الشفاعة والقول بأن مرتكبي الكبائر كفار. قال رحمه الله تعالى: [فإن (جعل) إذا كان بمعنى (خلق) يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣٠ - ٣١] وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى (خلق)، قال تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء:٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] ونظائره كثيرة. فكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]]. (جعل) تأتي على معنيين، فإذا جاءت متعدية إلى مفعولين فهي بمعنى صير وحكم، وإذا جاءت متعدية إلى مفعول واحد فإنها تعني الخلق، وكل ما ورد في شأن القرآن بلفظ (جعل) فهو بمعنى (صير)، لا بمعنى (خلق).

стр. 346

الرد على استدلالهم في مناداة الله موسى بقوله: (من الشجرة) قال رحمه الله تعالى: [وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص:٣٠] على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة فسمعه موسى منها، وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ﴾ [القصص:٣٠] والنداء هو الكلام من بعد، فسمع موسى ﵇ النداء من حافة الوادي، ثم قال: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص:٣٠] أي: أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، يكون من البيت لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم، ولو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] وهل قال: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] غير رب العالمين؟! ولو كان هذا الكلام بدا من غير الله لكان قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] صدقاً؛ إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله! وقد فرقوا بين الكلامين على أصلهم الفاسد: أن ذاك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقا غير الله، وسيأتي الكلام على مسألة أفعال العباد إن شاء الله تعالى].

стр. 347

نسبة القرآن إلى الرسول الكريم إنما هو نسبة تبليغ لا نسبة إنشاء قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] وهذا يدل على أن الرسول أحدثه إما جبرائيل أو محمد ﷺ ؛ قيل: ذكر الرسول معرف أنه مبلغ عن مرسله، لأنه لم يقل: إنه قول ملك أو نبي، فعلم أنه بلغه عمن أرسله به، لا أنه أنشأه من جهة نفسه. وأيضاً: فالرسول في إحدى الآيتين جبريل، وفي الأخرى محمد، فإضافته إلى كل منهما تبين أن الإضافة للتبليغ؛ إذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه الآخر. وأيضاً: فقوله: (رسول أمين) دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسله بتبليغه ولا ينقص منه، بل هو أمين على ما أرسل به، يبلغه عن مرسله. وأيضاً: فإن الله قد كفر من جعله قول البشر، ومحمد ﷺ بشر، فمن جعله قول محمد - بمعنى أنه أنشأه - فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول: إنه قول بشر أو جني أو ملك، والكلام كلام من قاله مبتدئاً، لا من قاله مبلغاً، ومن سمع قائلا يقول: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل قال: هذا شعر امرئ القيس، ومن سمعه يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قال: هذا كلام الرسول ﷺ ، وإن سمعه يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٢ - ٥] قال: هذا كلام الله، إن كان عنده خبر ذلك، وإلا قال: لا أدري كلام من هذا؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذبه. ولهذا من سمع من غيره نظماً أو نثراً يقول له: هذا كلام من؟ هذا كلامك أو كلام غيرك؟]. هناك فرق بين مسألة القول ومسألة الكلام، فإن الكلام لا ينسب إلا إلى المتكلم به الذي صدر عنه، لكن في القول قد يقول الإنسان بقول غيره، كما ذكر في بيت الشعر والحديث والآيات، فإن من نطق بهذا الحديث أو أتى بذكر هذا الشعر نقول: ما قلته كلام من؟ فيقول: هذا البيت لـ امرئ القيس، وهذا الحديث كلام النبي ﷺ ، بمعنى: أنه أسند الكلام إلى المتكلم، أما القول فقد يقول الإنسان بقول غيره، وأحياناً ترادف كلمة قول كلمة كلام، لكن السياق هو الذي يحكم بذلك.

стр. 348

اتفاق أهل السنة على أن كلام الله غير مخلوق وبيان ما تنازع فيه المتأخرون قال رحمه الله تعالى: [وبالجملة: فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات]. وهذا كلام الكلابية وكثير من المتكلمين الذين جاءوا بعد. قال رحمه الله تعالى: [أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً]. هذا أيضاً قول بعض المتكلمين من أهل الحديث، فهو قول لطائفة من أهل الكلام، وليس قول أكثرهم، فأكثرهم يقولون بالقول الأول أو بنحوه، أي أنه معنىً قائم بالذات، أو هو حديث النفس، أو هو معنىً قائم بالنفس، أو نحو ذلك مما يدور حول أن الكلام عندهم معان وليس حروفاً وأصواتاً، إنما تكلم به جبريل أو محمد ﷺ . أما كونه صدر عن الله فهم يزعمون أنه صدر عن الله معاني ترجمت، فلما تكلم بها موسى صارت توراة، ولما تكلم بها محمد ﷺ بالعربية صارت قرآناً، ولما تكلم بها عيسى صارت إنجيلاً، كذا زعموا، وهذا نوع من الانجذاب إلى قول الفلاسفة والمتكلمين، وإن كان بعض من قال بها يدعي أنه يثبت كلام الله، لكن على تأويل فاسد. إذاً: القول الأول قول أكثر الكلابية ومن تابعهم من المتكلمين، والقول الثاني قول متكلمة أهل الحديث أو محدثة أهل الكلام. قال رحمه الله تعالى: [أو أنه لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم]. هذا كلام السلف، وهو أن الله متكلم إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء سبحانه، وأن كلامه من صفاته، وهذا معنى أنه قديم، فكلامه من صفاته، وصفات الله كذاته أزلية، لكن صفات الله على نوعين: منها صفات ذاتية، ومنها صفات فعلية، ومنها ذاتية وفعلية، فبعض أهل العلم قال: إنها ثلاثة أنواع، وبعضهم جعل الذاتية الفعلية داخلة في الفعلية، وبعضهم جعلها داخلة في الذاتية. أما الصفات الفعلية فهي كالنزول والمجيء، وأما الصفات الذاتية فهي كالحياة والعلم والقدرة، أما الصفات التي قد تكون ذاتية فعلية فهي كالكلام، فمن حيث إن الله متكلم تكون صفة ذاتية، لكن من حيث حدوث الكلام تكون صفة فعلية، فالله يتكلم إذا شاء ومتى شاء، كما كلم موسى وكما كلم نبينا محمداً ﷺ ، وكما يكلم الناس يوم القيامة، يكلم الخلائق جميعاً بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، كما أنه يكلم كل عبد ويحاسبه على أعماله ليس بينه وبينه ترجمان، فيحاسب العباد جميعاً حساب رجل واحد ويكلمهم جميعاً وكأنه يكلم رجلاً واحداً، على ما يليق بجلاله، وهذا أمر غير مفسر بالنسبة لقدرة عقول البشر. فهذا دليل على أن الله يتكلم متى شاء، فهذا النوع داخل في أفعال الله، فالله يفعل الكلام متى شاء، لكن صفة الكلام -وهي أن الله قادر على الكلام متى شاء وأنه متكلم- صفة لازمة، بمعنى: أنها أزلية، وهذا معنى القديم. والسلف كانوا يكرهون كلمة (قديم)، لكن أحياناً يعبرون بها بناءً على أنها عمت بها البلوى، خاصة بعد القرن الرابع إلى وقت قريب، فصار الناس يتكلمون بها لإيضاح العقيدة اضطراراً.

стр. 349

تقريرات المعتزلة ونحوهم من أغاليط الشيطان قال رحمه الله تعالى: [وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق، ومرادهم أنه غير مختلق مفترى مكذوب، بل هو حق وصدق، ولا ريب أن هذا المعنى منتف باتفاق المسلمين. والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقاً خلقه الله، أو هو كلامه الذي تكلم به وقام بذاته، وأهل السنة إنما سئلوا عن هذا، وإلا فكونه مكذوباً مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه. ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن العقل دلهم عليه، وإنما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع. ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة لم يكن بينهم نزاع، ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه فرق بها بينهم، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦]]. الأغلوطة هي الأمر العقلاني المحير، فكل أمر ينبني على التعجيز والتعقيد العقلي والتحيير فإنه يسمى أغلوطة يغالط بها الإنسان من غير أن يفقه، فكل ما غالط به أهل الكلام والفرق أمور الشرع يعتبر أغلوطات، ولهذا نجدهم لا يتفقون على شيء منها، فكل واحد يتكلم بفهمه، وكل واحد له فهم غير فهم الآخر، وكل واحد يعتقد ما لا يعتقده الآخر، فهم يتجادلون على لا شيء، وهذا أمر بدهي، كلما تجادلوا في أمر الغيب تجادلوا على أوهام، فهذا خصمه يتوهم شيئاً وهو يتوهم شيئاً آخر، فيتنازعون على أوهام، وكل واحد ينازع في غير محل النزاع عند الآخر، فلذلك إذا قيل للمتكلمين أو أهل الأهواء في أمر خالفوا فيه الدين: حرروا مسألة النزاع أو موطن النزاع لا يمكن أن يحرروه. أما الاجتهادات في الأحكام فيستطيع الناس بسهولة أن يحرروا موضع النزاع فيها ويتفقوا على شيء وينطلقوا من هذا الاتفاق، أما أصحاب الأغلوطات فلا يمكن أن يتفقوا إلا على أوهام.

стр. 350

شرح العقيدة الطحاوية [٢٨] كلام الله تعالى صفة من صفاته المتعلقة بمشيئته وإرادته؛ إذ هو تعالى فعال لما يريد، ومن نفى ذلك واعتقد خلافه فقد افترى على الله تعالى فيما أخبر به عن نفسه ، كمن قال بأن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه والمتلو منه عبارات مخلوقة، وفساد هذا القول لا يخفى على ذي بصيرة، فكلام الله تعالى صفة من صفاته لا يشابهه فيها البشر، ومن زعم أنه قول البشر فقد كفر بنص الخبر.

стр. 351

موقف الأحناف المتقدمين والمتأخرين من صفة الكلام قال المصنف رحمه الله تعالى: [والذي يدل عليه كلام الطحاوي ﵀: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم، وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة ﵁ في الفقه الأكبر؛ فإنه قال: والقرآن في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، والقرآن غير مخلوق، وما ذكره الله في القرآن عن موسى ﵇ وغيره وعن فرعون وإبليس فإن ذلك كلام الله إخباراً عنهم، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم، وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا. انتهى. فقوله: (ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته) يعلم منه أنه حين جاء كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلاً وأبداً يقول: يا موسى، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ففهم منه الرد على من يقول من أصحابه: إنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره]. كثير من الأحناف قالوا بهذا القول، حتى قبل أن يقول به الأشاعرة، ثم قال به الماتريدية تبعاً للماتريدي، والماتريدي كان في القرن الرابع، أما هذا القول فقد ظهر في منتصف القرن الثالث الهجري، وكأنه تلفيق بين قول الجهمية وبين قول أهل السنة، تلفيق قصد به إثبات الكلام لله لكن مع إنكار الأفعال لله، كفعل الكلام أو الصوت المسموع أو نحو ذلك مما يرى هؤلاء أنه منفي عن الله بزعمهم، فكأنهم أرادوا أن يثبتوا أصل الكلام وينفوا الفعل لله، فهو يقول: إن هؤلاء يرد عليهم أبو حنيفة بقوله الذي سبق، والذي يفهم منه أن الكلام لا يمكن أن يكون معنى دون أن يكون بصوت مسموع؛ لأنه لو كان معنى لكان كلام الله تعالى لموسى كأنه ما حدث في وقت، إنما هو قائم إلى يومنا هذا؛ لأن المعاني إذا لم تترجم إلى حروف وأصوات تبقى دائمة، فكون الله كلم موسى تكليماً دل على أنه كلمه في زمن معين محدد، وأن هذا الكلام انتهى بوقته، ولا يعني أن كلامه تعالى ينتهي، إنما هذه الكلمات المعدودات جاءت من الله في وقت، كما أن القرآن جاء من الله في وقت، وكما أن الله يتكلم يوم القيامة ويكلم عباده بصوت في وقت، فهذه دلالات قاطعة على أن الله يتكلم متى شاء كيف شاء، وأن الله متصف بصفة الكلام على ما يليق بجلاله، وهي صفة دائمة لا تنقطع، ولم تستأنف كما يزعم بعضهم أن الله تكلم بعد أن لم يكن متكلماً، وأنه تكلم ولا يتكلم بعد ذلك، كذا زعموا، وهذا استنقاص لله ، بل الله يتكلم كما يشاء، وكلامه لعباده -سواء لموسى أو لمن سبقه من المرسلين أو لمن لحق أو للعباد يوم القيامة- جزء من كلامه سبحانه، وليس هو كل كلامه، فكلمات الله لا حد لها أبداً، فمن هنا يقرر أبو حنيفة ما يرد به على ما يعتقده كثير من الأحناف منذ أن اعتقدوا هذا الاعتقاد إلى يومنا هذا من أن كلام الله معنى قائم بالنفس؛ لأن المعنى القائم بالنفس فقط لا يترجم إلى فعل، فلا يكون كلاماً محدداً كالقرآن والتوراة والإنجيل وككلام الله لموسى.

стр. 352

تعلق كلام الله تعالى وسائر أفعاله بمشيئته والرد على من خالف ذلك قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (الذي هو من صفاته لم يزل) رد عَلَى من يقول: إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلماً]. هذا كلام موهم، وكأنه يفهم منه أن المعتزلة يقولون بأن الله يتكلم إذا شاء شيئاً بعد شيء، والمعتزلة لا يقولون هذا اعتقاداً، بل يقولون هذا على سبيل الرد، يقولون: إنكم إذا قلتم بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا قلتم بأن التوراة المنزلة على موسى قبل تبديلها كلام الله غير مخلوقة، وإذا قلتم: إن ما كلم الله به موسى وغيره غير مخلوق؛ لزمكم أن الله يتكلم بالمشيئة والقدرة، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء، فيزعمون أن هذا باطل لأنهم يقولون: إن هذا يعني أن الله تقوم به الحوادث، تعالى الله عما يظنون، فهم يزعمون أنه إذا قيل: إن الله يتكلم متى شاء؛ لزم من ذلك بزعمهم وظنهم الفاسد أن الله حدث له شيء، والله منزه عن الحوادث. وكلامهم الذي ذكره الشارح كلام مجمل، قد يقصدون به حقاً وقد يقصدون به باطلاً، ولا نرده لمجرد أنهم قالوه، بل نفصل فيه على نحو ما يأتي، لكن لكي يتضح الكلام الآتي ولا يلتبس نقول إجمالاً: مسألة أفعال الله تعالى مسألة متعلقة بمشيئته وقدرته ، فالسلف والذي عليه أهل الحق جميعاً أن جميع أفعال الله تعالى متعلقة بمشيئته، ومنها الكلام، ومعنى (متعلقة بمشيئته) أنه فعال لما يريد، فإذا شاء تكلم متى شاء وكيف شاء، كما أنه ينزل إلى السماء الدنيا متى شاء، ويجيء متى شاء سبحانه، فهذه الأفعال يسميها المعتزلة قيام الحوادث به، وهو تعبير فلسفي جاء به فلاسفة اليونان والصابئة الذين يرون أن ربهم فكرة مجردة، وهذه شبهة المعتزلة التي دخلت عليهم، حيث اقتنعوا بقناعة الفلاسفة الوثنيين الذين يقولون بأن الله فكرة مجردة، والفكرة المجردة لا يمكن أن يكون لها وجود ولا أن تكون في العلو ولا في الفوقية ولا أن تنزل ولا تجيء ولا تفعل، فجاءت هذه الأفكار إلى المعتزلة والجهمية فسحبوها على الغيب فقالوا: الله متصف بالأسماء الحسنى، لكن الصفات الفعلية التي تدل على الأفعال لا تمكن؛ لأن الله عندهم فكرة، والفكرة لا تفعل، وعبر بعضهم بأن الله مجرد عقل، وبعضهم عبر عنه بأنه روح، فهذه المعاني الباطلة حينما تشربوها ثم سمعوا النصوص الواردة في الصفات اصطدمت مع قناعاتهم ومع اعتقاداتهم، فزعموا أنهم يلزمهم أن ينزهوا الله عن الأفعال؛ لأن الله لا يقبل أن يفعل، فجعلوا الكلام على هذه القاعدة، فالكلام عندهم كلام معنوي نفسي قائم بالنفس؛ لأن فكرة وجود الله أيضاً معنوية نفسية عقلية، فسحبوا هذه على هذه. فمن هنا إذا أقروا بأن الكلام يتجدد أقروا بأفعال الله تعالى المتجددة على ما يليق بجلال الله تعالى، يعني أن الله يفعل متى شاء، وأن هذا الفعل يرى ويسمع، فالفعل الذي يرى ويسمع لا يمكن إلا أن يكون ممن تمكن رؤيته وسمعه على ما يليق بجلاله ، فمن هنا وصل الأمر عندهم إلى إنكار أفعال الله تعالى من أجل أن تسلم قاعدتهم الأولى في الاعتقاد في الله وأسمائه وصفاته. وليس الأمر في الكلام فقط، بل كل أفعال الله تعالى كذلك، فالكلام والاستواء والنزول والمجيء والعجب والضحك والرضا والسخط، كل هذه الأمور قالوا: لا تتعلق بالمشيئة، لأنه لا يمكن أن نقول: إن الله إذا شاء غضب، وإذا شاء لم يغضب، بل الغضب يعبرون عنه بإرادة الانتقام، أو يعبرون عنه بالعذاب الذي توعد الله به، والرضا هو الرحمة والجنة؛ فليس هناك صفة لله اسمها الرضا أو الغضب، كل هذا من أجل أن تسلم أصولهم. وعلى أي حال الموضوع جاء في مناسبة الكلام عن كلام الله تعالى؛ نظراً لأن أول باب دخلوا فيه في التأويل هو مسألة كلام الله تعالى، فأول ما دخل التأويل على الفرق المتكلمة التي تابعت الفلاسفة وجميع المعتزلة في مسألة كلام الله تعالى، وأول من شق هذا الكلام وفتقه الكلابية، ثم تبعهم عليه الأشعرية والماتريدية وسائر أهل الكلام إلى يومنا هذا، فزعموا أن كلام الله تعالى معنى، فمن هنا لم يقولوا بالصوت ولم يؤمنوا بتعلق الكلام بمشيئة الله تعالى.

стр. 353

دليل تعلق كلام الله بمشيئته ولزوم قبول ما وافق الحق من قول المخالف قال رحمه الله تعالى: [وبالجملة فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل عَلَى أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء؛ فهو حق يجب قبوله، وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وإنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف، فهو حق يجب قبوله والقول به، فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب، والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما]. الصحيح ألا نقول: قائم به ولا: غير قائم به؛ لأن هذا كلام فيه ابتداع من ناحية، وفيه إيهام من ناحية أخرى، لكن نظراً لأنهم اتخذوا كلمة (قائم به) ذريعة لإنكار الصفات؛ ألزمهم بها ليقول بأنه لا يمتنع أن الله تكون صفته متعلقة بمشيئته وقدرته، ومعنى (متعلقة بمشيئته وقدرته)، أن الله فعال لما يريد، وأن الله إذا شاء فعل، وأن الله قادر على أن يفعل هذه الأفعال، قادر على أن يتكلم متى شاء، وأن ينزل متى شاء، وأن يجيء متى شاء سبحانه، والنصوص جاءتنا بذلك، ولسنا نتكلم من عقولنا، وهذا هو الذي يميز أهل السنة عن غيرهم حينما يقولون: إن أفعال الله بقدرته ومشيئته، فليس هذا مجرد تقرير عقلي، صحيح أن العقل يصدقه، لكن ليس مجرد تقرير عقلي، بل هو مقتضى النصوص، فقد ثبت في النصوص أن الله ينزل، وثبت في النصوص أن الله يعجب ويضحك ، وأنه يرضى، وأنه يتكلم، ونحو ذلك من الأفعال، وإذا ثبت في النصوص قررناه، أما قولنا: متعلق بالمشيئة والقدرة؛ فإنه مأخوذ من مثل قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، ولذلك لم يتورع بعض المعتزلة حتى عن نفي القدرة، فقالوا: إن الله تعالى لا يقدر على أن يتكلم بصوت وحرف، وقولهم: (لا يقدر) يتفلسفون فيه، فيقولون: ليس معنى هذا العجز، بل إن معنى (غير قادر) أنه غير قابل لأن يتكلم بصوت وحرف، وهذا كله رجم بالغيب، وافتراء على الله بغير علم، وكله إثم، فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يحترز من مثل هذه الكلمات حتى على سبيل التقرير والتدريس، إلا إذا جاءت في عرض تقرير العقيدة في مثل هذا الكتاب أو غيره مما قرره السلف والأئمة، وردوا به بدع الأهواء التي انتشرت وخيف على الناس منها، وتكلم فيها طلاب العلم المأمونون الذين لا يخشى عليهم من الالتباس، أما إذا ظن الإنسان أن يلتبس الأمر على السامع؛ فالأولى أن لا تقرر هذه الصفات، لذلك أرى من الضرورة أن ننبه إخواننا الذين يتكلمون في المساجد وفي المحاضرات أن لا يتعرضوا لتفاصيل الرد على الفرق بمثل هذه الأمور أبداً، حتى لو جاء سؤال، ما لم يكن هناك درس متخصص فيه طائفة من طلاب العلم والمقبلين على درس العقيدة ويستوعبونها، فلا مانع، أما ما عدا ذلك فلا ينبغي في المجالس أن تثار هذه القضايا، أقول هذا لأني سمعت ونمي إلى علمي من أكثر من مصدر أن هناك من طلاب العلم من بدأ يمتحن الناس في هذه الأمور، ويمتحن العوام وأشباه العوام، ويتكلم في كلام الله تعالى وهو القرآن، ويسأل -كما ورد إلى- عن القرآن هل هو محدث أو مخلوق؟! وهذا كلام خطير في الحقيقة لا ينبغي أن يثار بين أهل العلم بغير ضرورة وحاجة، فكيف بغير أهل العلم؟! فمن هنا أقول: ينبغي أن نعود أنفسنا على أن لا نتكلم في تفاصيل الرد على الفرق في أسماء الله وصفاته، ولا نتكلم بأكثر مما ورد في الشرع في أسماء الله وصفاته، ولا نتكلم في الأسماء والصفات إلا على سبيل الفائدة والتقرير العام الذي لا يخرج عن ألفاظ النصوص، ولا مانع من أن يتكلم الإنسان عن الأسماء والصفات لاستنباط المعاني التي تقوي الإيمان ويبين فيها آثار الأسماء والصفات في أفعال العباد، وفي أفعال المؤمنين، أما ما عدا ذلك فلا ينبغي، ولولا أن هذا الكلام ورد في مثل هذا الكتاب، وكان السلف قد اضطروا إليه اضطراراً لما لجأنا إليه في مثل هذا الدرس، لكن لا بد مما ليس منه بد في درس متخصص.

стр. 354

الرد على دعوى قيام الحوادث بالله حال إثبات صفة الكلام قال رحمه الله تعالى: [فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به, قلنا: هذا القول مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضاً، مع صريح العقل. ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ويقول، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه، بل الذي أفهموهم إياه أن الله نفسه هو الذي تكلم، والكلام قائم به لا بغيره، وأنه هو الذي تكلم به وقاله، وكما قالت عائشة ﵂ في حديث الإفك: (ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى) ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه لوجب بيانه؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا يعرف في لغة ولا عقل قائلٌ متكلم لا يقوم به القول والكلام، وإنما قام الكلام بغيره، وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذراً من التشبيه فلا يثبتوا صفة غيره، فإنهم إذا قالوا: يعلم لا كعلمنا، قلنا: ويتكلم لا كتكلمنا، وكذلك سائر الصفات]. قوله: [ولا يعرف في لغة ولا عقل قائم متكلم لا يقوم به القول والكلام، وإنما قام الكلام بغيره]، هذا قول طائفة من المعتزلة وبعض المتكلمين، يقولون: إن كلام الله تعالى المقصود به ما سمعه موسى من الشجرة، وهذا قول الجهمية والمعتزلة، يقولون: المقصود بكلام الله تعالى ما سمعه موسى من الشجرة، وما سمعه محمد ﷺ من جبريل ﵇، أو ما سمعه الناس من محمد ﷺ ، يزعمون بذلك أن الله لا يتكلم، فهو يقول لهم: إذا قلتم: إن كلام الله تعالى هو ما سمعه موسى في الشجرة؛ فأنتم بهذا تزعمون أن كلام الشجرة صار هو كلام الله، فهذا رد عليهم من ناحيتين: من ناحية أنهم نسبوا الكلام إلى الله تعالى حينما كان في غيره، وهذا ليس هو المقصود هنا، والناحية الثانية أنهم زعموا أن كلام غير الله تعالى كلام له، وهذا لا يجوز عقلاً؛ فإنك -ولله المثل الأعلى- لو سمعت كلاماً لإنسان في الشارع، ثم ذهبت إلى آخر في البيت وقلت له: أنت الذي تكلم في الشارع قبل قليل؛ لم يصح هذا منك؛ إذ لا يصح أن تنسب الكلام لغير قائله، فقولهم بأن كلام الله تعالى المقصود به ما خلقه في غيره -ككلام الشجرة أو كلام محمد ﷺ أو كلام جبريل- قول باطل من ناحية النسبة، فكيف نثبت لله صفة الكلام، ثم نقول: المقصود بكلامه ما تكلم به غيره؟! فلا يصح هذا عقلاً، هذا هو المقصود. قال رحمه الله تعالى: [وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة، أوحي لا تقوم به الحياة؟! وقد قال ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فهل يقول عاقل: إنه ﷺ عاذ بمخلوق؟! بل هذا كقوله: (أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك)، وكقوله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)، وكقوله: (وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا)، كل هذه من صفات الله تعالى. وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها، وإنما أشير إليها هنا إشارة]. الاستعاذة بالرضا من السخط، وبالمعافاة من العقوبة فيها رد على فئتين من الناس، وليس الذي تكلموا في الصفات فحسب، بل فيها رد على المبتدعة الذين يعوذون بغير الله، والذين يتعوذون أو يلجئون أو يدعون غير الله، ثم إن فيها رداً على الذين زعموا أن هذه الصفات ما هي إلا تعبير عن مخلوقات الله تعالى الأخرى، فهو يقول للذين ينكرون الرضا والسخط -وهم جميع المعتزلة-، والذين يؤولونهما -وهم الأشاعرة والماتريدية-: إذا زعمتم أن الرضا والسخط ليسا من صفات الله تعالى، وإنما هما تعبير عن الإنعام والعقوبة -وهذا كلام الأشاعرة والماتريدية، حيث يقولون: السخط هو عقوبات الله المادية التي نراها، والرضا هو نعم الله التي نراها، والعقوبات والنعم مخلوقة- إذا زعمتم ذلك فإنه لو كان قولكم صحيحاً ما صح أن نستعيذ برضا الله من سخطه؛ إذ لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق، إذاً: استعذنا من صفة الله بصفة الله، فهذا يؤكد جزماً أن هذه صفات لله ، بدليل أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك) فدل على أن الرضا صفة لله؛ لأنه لا تجوز الاستعاذة إلا بالله وأسمائه وصفاته. إذاً: هذا دليل قطعي على أنهما صفتان لله على ما يليق بجلال الله، وإلا لما جازت الاستعاذة بها؛ لأنه لا يستعاذ إلا بالله .

стр. 355

شرح العقيدة الطحاوية [٢٩] للناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: الأول: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، وهذا هو قول السلف أصحاب المنهج الحق، ومن عداهم قولهم إما باطل محض أو لا يخلو من باطل، ومن هؤلاء القائلون بأن الكلام اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزءَ مسماه، بل هو مدلول مسماه، ومنهم القائلون بأنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز، ومنهم القائلون بأنه مشترك بين اللفظ والمعنى، ويعنون بذلك أن كلمة (كلام) قد تطلق على اللفظ فقط أو على المعنى فقط.
следующие страницы →