Полный текст (1 296 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
موقف الأحناف المتقدمين والمتأخرين من صفة الكلام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والذي يدل عليه كلام الطحاوي ﵀: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم، وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة ﵁ في الفقه الأكبر؛ فإنه قال: والقرآن في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، والقرآن غير مخلوق، وما ذكره الله في القرآن عن موسى ﵇ وغيره وعن فرعون وإبليس فإن ذلك كلام الله إخباراً عنهم، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم، وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا.
انتهى.
فقوله: (ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته) يعلم منه أنه حين جاء كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلاً وأبداً يقول: يا موسى، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ففهم منه الرد على من يقول من أصحابه: إنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره].
كثير من الأحناف قالوا بهذا القول، حتى قبل أن يقول به الأشاعرة، ثم قال به الماتريدية تبعاً للماتريدي، والماتريدي كان في القرن الرابع، أما هذا القول فقد ظهر في منتصف القرن الثالث الهجري، وكأنه تلفيق بين قول الجهمية وبين قول أهل السنة، تلفيق قصد به إثبات الكلام لله لكن مع إنكار الأفعال لله، كفعل الكلام أو الصوت المسموع أو نحو ذلك مما يرى هؤلاء أنه منفي عن الله بزعمهم، فكأنهم أرادوا أن يثبتوا أصل الكلام وينفوا الفعل لله، فهو يقول: إن هؤلاء يرد عليهم أبو حنيفة بقوله الذي سبق، والذي يفهم منه أن الكلام لا يمكن أن يكون معنى دون أن يكون بصوت مسموع؛ لأنه لو كان معنى لكان كلام الله تعالى لموسى كأنه ما حدث في وقت، إنما هو قائم إلى يومنا هذا؛ لأن المعاني إذا لم تترجم إلى حروف وأصوات تبقى دائمة، فكون الله كلم موسى تكليماً دل على أنه كلمه في زمن معين محدد، وأن هذا الكلام انتهى بوقته، ولا يعني أن كلامه تعالى ينتهي، إنما هذه الكلمات المعدودات جاءت من الله في وقت، كما أن القرآن جاء من الله في وقت، وكما أن الله يتكلم يوم القيامة ويكلم عباده بصوت في وقت، فهذه دلالات قاطعة على أن الله يتكلم متى شاء كيف شاء، وأن الله متصف بصفة الكلام على ما يليق بجلاله، وهي صفة دائمة لا تنقطع، ولم تستأنف كما يزعم بعضهم أن الله تكلم بعد أن لم يكن متكلماً، وأنه تكلم ولا يتكلم بعد ذلك، كذا زعموا، وهذا استنقاص لله ، بل الله يتكلم كما يشاء، وكلامه لعباده -سواء لموسى أو لمن سبقه من المرسلين أو لمن لحق أو للعباد يوم القيامة- جزء من كلامه سبحانه، وليس هو كل كلامه، فكلمات الله لا حد لها أبداً، فمن هنا يقرر أبو حنيفة ما يرد به على ما يعتقده كثير من الأحناف منذ أن اعتقدوا هذا الاعتقاد إلى يومنا هذا من أن كلام الله معنى قائم بالنفس؛ لأن المعنى القائم بالنفس فقط لا يترجم إلى فعل، فلا يكون كلاماً محدداً كالقرآن والتوراة والإنجيل وككلام الله لموسى.
стр. 352
تعلق كلام الله تعالى وسائر أفعاله بمشيئته والرد على من خالف ذلك
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (الذي هو من صفاته لم يزل) رد عَلَى من يقول: إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلماً].
هذا كلام موهم، وكأنه يفهم منه أن المعتزلة يقولون بأن الله يتكلم إذا شاء شيئاً بعد شيء، والمعتزلة لا يقولون هذا اعتقاداً، بل يقولون هذا على سبيل الرد، يقولون: إنكم إذا قلتم بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا قلتم بأن التوراة المنزلة على موسى قبل تبديلها كلام الله غير مخلوقة، وإذا قلتم: إن ما كلم الله به موسى وغيره غير مخلوق؛ لزمكم أن الله يتكلم بالمشيئة والقدرة، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء، فيزعمون أن هذا باطل لأنهم يقولون: إن هذا يعني أن الله تقوم به الحوادث، تعالى الله عما يظنون، فهم يزعمون أنه إذا قيل: إن الله يتكلم متى شاء؛ لزم من ذلك بزعمهم وظنهم الفاسد أن الله حدث له شيء، والله منزه عن الحوادث.
وكلامهم الذي ذكره الشارح كلام مجمل، قد يقصدون به حقاً وقد يقصدون به باطلاً، ولا نرده لمجرد أنهم قالوه، بل نفصل فيه على نحو ما يأتي، لكن لكي يتضح الكلام الآتي ولا يلتبس نقول إجمالاً: مسألة أفعال الله تعالى مسألة متعلقة بمشيئته وقدرته ، فالسلف والذي عليه أهل الحق جميعاً أن جميع أفعال الله تعالى متعلقة بمشيئته، ومنها الكلام، ومعنى (متعلقة بمشيئته) أنه فعال لما يريد، فإذا شاء تكلم متى شاء وكيف شاء، كما أنه ينزل إلى السماء الدنيا متى شاء، ويجيء متى شاء سبحانه، فهذه الأفعال يسميها المعتزلة قيام الحوادث به، وهو تعبير فلسفي جاء به فلاسفة اليونان والصابئة الذين يرون أن ربهم فكرة مجردة، وهذه شبهة المعتزلة التي دخلت عليهم، حيث اقتنعوا بقناعة الفلاسفة الوثنيين الذين يقولون بأن الله فكرة مجردة، والفكرة المجردة لا يمكن أن يكون لها وجود ولا أن تكون في العلو ولا في الفوقية ولا أن تنزل ولا تجيء ولا تفعل، فجاءت هذه الأفكار إلى المعتزلة والجهمية فسحبوها على الغيب فقالوا: الله متصف بالأسماء الحسنى، لكن الصفات الفعلية التي تدل على الأفعال لا تمكن؛ لأن الله عندهم فكرة، والفكرة لا تفعل، وعبر بعضهم بأن الله مجرد عقل، وبعضهم عبر عنه بأنه روح، فهذه المعاني الباطلة حينما تشربوها ثم سمعوا النصوص الواردة في الصفات اصطدمت مع قناعاتهم ومع اعتقاداتهم، فزعموا أنهم يلزمهم أن ينزهوا الله عن الأفعال؛ لأن الله لا يقبل أن يفعل، فجعلوا الكلام على هذه القاعدة، فالكلام عندهم كلام معنوي نفسي قائم بالنفس؛ لأن فكرة وجود الله أيضاً معنوية نفسية عقلية، فسحبوا هذه على هذه.
فمن هنا إذا أقروا بأن الكلام يتجدد أقروا بأفعال الله تعالى المتجددة على ما يليق بجلال الله تعالى، يعني أن الله يفعل متى شاء، وأن هذا الفعل يرى ويسمع، فالفعل الذي يرى ويسمع لا يمكن إلا أن يكون ممن تمكن رؤيته وسمعه على ما يليق بجلاله ، فمن هنا وصل الأمر عندهم إلى إنكار أفعال الله تعالى من أجل أن تسلم قاعدتهم الأولى في الاعتقاد في الله وأسمائه وصفاته.
وليس الأمر في الكلام فقط، بل كل أفعال الله تعالى كذلك، فالكلام والاستواء والنزول والمجيء والعجب والضحك والرضا والسخط، كل هذه الأمور قالوا: لا تتعلق بالمشيئة، لأنه لا يمكن أن نقول: إن الله إذا شاء غضب، وإذا شاء لم يغضب، بل الغضب يعبرون عنه بإرادة الانتقام، أو يعبرون عنه بالعذاب الذي توعد الله به، والرضا هو الرحمة والجنة؛ فليس هناك صفة لله اسمها الرضا أو الغضب، كل هذا من أجل أن تسلم أصولهم.
وعلى أي حال الموضوع جاء في مناسبة الكلام عن كلام الله تعالى؛ نظراً لأن أول باب دخلوا فيه في التأويل هو مسألة كلام الله تعالى، فأول ما دخل التأويل على الفرق المتكلمة التي تابعت الفلاسفة وجميع المعتزلة في مسألة كلام الله تعالى، وأول من شق هذا الكلام وفتقه الكلابية، ثم تبعهم عليه الأشعرية والماتريدية وسائر أهل الكلام إلى يومنا هذا، فزعموا أن كلام الله تعالى معنى، فمن هنا لم يقولوا بالصوت ولم يؤمنوا بتعلق الكلام بمشيئة الله تعالى.
стр. 353
دليل تعلق كلام الله بمشيئته ولزوم قبول ما وافق الحق من قول المخالف
قال رحمه الله تعالى: [وبالجملة فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل عَلَى أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء؛ فهو حق يجب قبوله، وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وإنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف، فهو حق يجب قبوله والقول به، فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب، والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما].
الصحيح ألا نقول: قائم به ولا: غير قائم به؛ لأن هذا كلام فيه ابتداع من ناحية، وفيه إيهام من ناحية أخرى، لكن نظراً لأنهم اتخذوا كلمة (قائم به) ذريعة لإنكار الصفات؛ ألزمهم بها ليقول بأنه لا يمتنع أن الله تكون صفته متعلقة بمشيئته وقدرته، ومعنى (متعلقة بمشيئته وقدرته)، أن الله فعال لما يريد، وأن الله إذا شاء فعل، وأن الله قادر على أن يفعل هذه الأفعال، قادر على أن يتكلم متى شاء، وأن ينزل متى شاء، وأن يجيء متى شاء سبحانه، والنصوص جاءتنا بذلك، ولسنا نتكلم من عقولنا، وهذا هو الذي يميز أهل السنة عن غيرهم حينما يقولون: إن أفعال الله بقدرته ومشيئته، فليس هذا مجرد تقرير عقلي، صحيح أن العقل يصدقه، لكن ليس مجرد تقرير عقلي، بل هو مقتضى النصوص، فقد ثبت في النصوص أن الله ينزل، وثبت في النصوص أن الله يعجب ويضحك ، وأنه يرضى، وأنه يتكلم، ونحو ذلك من الأفعال، وإذا ثبت في النصوص قررناه، أما قولنا: متعلق بالمشيئة والقدرة؛ فإنه مأخوذ من مثل قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، ولذلك لم يتورع بعض المعتزلة حتى عن نفي القدرة، فقالوا: إن الله تعالى لا يقدر على أن يتكلم بصوت وحرف، وقولهم: (لا يقدر) يتفلسفون فيه، فيقولون: ليس معنى هذا العجز، بل إن معنى (غير قادر) أنه غير قابل لأن يتكلم بصوت وحرف، وهذا كله رجم بالغيب، وافتراء على الله بغير علم، وكله إثم، فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يحترز من مثل هذه الكلمات حتى على سبيل التقرير والتدريس، إلا إذا جاءت في عرض تقرير العقيدة في مثل هذا الكتاب أو غيره مما قرره السلف والأئمة، وردوا به بدع الأهواء التي انتشرت وخيف على الناس منها، وتكلم فيها طلاب العلم المأمونون الذين لا يخشى عليهم من الالتباس، أما إذا ظن الإنسان أن يلتبس الأمر على السامع؛ فالأولى أن لا تقرر هذه الصفات، لذلك أرى من الضرورة أن ننبه إخواننا الذين يتكلمون في المساجد وفي المحاضرات أن لا يتعرضوا لتفاصيل الرد على الفرق بمثل هذه الأمور أبداً، حتى لو جاء سؤال، ما لم يكن هناك درس متخصص فيه طائفة من طلاب العلم والمقبلين على درس العقيدة ويستوعبونها، فلا مانع، أما ما عدا ذلك فلا ينبغي في المجالس أن تثار هذه القضايا، أقول هذا لأني سمعت ونمي إلى علمي من أكثر من مصدر أن هناك من طلاب العلم من بدأ يمتحن الناس في هذه الأمور، ويمتحن العوام وأشباه العوام، ويتكلم في كلام الله تعالى وهو القرآن، ويسأل -كما ورد إلى- عن القرآن هل هو محدث أو مخلوق؟! وهذا كلام خطير في الحقيقة لا ينبغي أن يثار بين أهل العلم بغير ضرورة وحاجة، فكيف بغير أهل العلم؟! فمن هنا أقول: ينبغي أن نعود أنفسنا على أن لا نتكلم في تفاصيل الرد على الفرق في أسماء الله وصفاته، ولا نتكلم بأكثر مما ورد في الشرع في أسماء الله وصفاته، ولا نتكلم في الأسماء والصفات إلا على سبيل الفائدة والتقرير العام الذي لا يخرج عن ألفاظ النصوص، ولا مانع من أن يتكلم الإنسان عن الأسماء والصفات لاستنباط المعاني التي تقوي الإيمان ويبين فيها آثار الأسماء والصفات في أفعال العباد، وفي أفعال المؤمنين، أما ما عدا ذلك فلا ينبغي، ولولا أن هذا الكلام ورد في مثل هذا الكتاب، وكان السلف قد اضطروا إليه اضطراراً لما لجأنا إليه في مثل هذا الدرس، لكن لا بد مما ليس منه بد في درس متخصص.
стр. 354
الرد على دعوى قيام الحوادث بالله حال إثبات صفة الكلام
قال رحمه الله تعالى: [فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به, قلنا: هذا القول مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضاً، مع صريح العقل.
ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ويقول، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه، بل الذي أفهموهم إياه أن الله نفسه هو الذي تكلم، والكلام قائم به لا بغيره، وأنه هو الذي تكلم به وقاله، وكما قالت عائشة ﵂ في حديث الإفك: (ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى) ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه لوجب بيانه؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا يعرف في لغة ولا عقل قائلٌ متكلم لا يقوم به القول والكلام، وإنما قام الكلام بغيره، وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذراً من التشبيه فلا يثبتوا صفة غيره، فإنهم إذا قالوا: يعلم لا كعلمنا، قلنا: ويتكلم لا كتكلمنا، وكذلك سائر الصفات].
قوله: [ولا يعرف في لغة ولا عقل قائم متكلم لا يقوم به القول والكلام، وإنما قام الكلام بغيره]، هذا قول طائفة من المعتزلة وبعض المتكلمين، يقولون: إن كلام الله تعالى المقصود به ما سمعه موسى من الشجرة، وهذا قول الجهمية والمعتزلة، يقولون: المقصود بكلام الله تعالى ما سمعه موسى من الشجرة، وما سمعه محمد ﷺ من جبريل ﵇، أو ما سمعه الناس من محمد ﷺ ، يزعمون بذلك أن الله لا يتكلم، فهو يقول لهم: إذا قلتم: إن كلام الله تعالى هو ما سمعه موسى في الشجرة؛ فأنتم بهذا تزعمون أن كلام الشجرة صار هو كلام الله، فهذا رد عليهم من ناحيتين: من ناحية أنهم نسبوا الكلام إلى الله تعالى حينما كان في غيره، وهذا ليس هو المقصود هنا، والناحية الثانية أنهم زعموا أن كلام غير الله تعالى كلام له، وهذا لا يجوز عقلاً؛ فإنك -ولله المثل الأعلى- لو سمعت كلاماً لإنسان في الشارع، ثم ذهبت إلى آخر في البيت وقلت له: أنت الذي تكلم في الشارع قبل قليل؛ لم يصح هذا منك؛ إذ لا يصح أن تنسب الكلام لغير قائله، فقولهم بأن كلام الله تعالى المقصود به ما خلقه في غيره -ككلام الشجرة أو كلام محمد ﷺ أو كلام جبريل- قول باطل من ناحية النسبة، فكيف نثبت لله صفة الكلام، ثم نقول: المقصود بكلامه ما تكلم به غيره؟! فلا يصح هذا عقلاً، هذا هو المقصود.
قال رحمه الله تعالى: [وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة، أوحي لا تقوم به الحياة؟! وقد قال ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فهل يقول عاقل: إنه ﷺ عاذ بمخلوق؟! بل هذا كقوله: (أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك)، وكقوله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)، وكقوله: (وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا)، كل هذه من صفات الله تعالى.
وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها، وإنما أشير إليها هنا إشارة].
الاستعاذة بالرضا من السخط، وبالمعافاة من العقوبة فيها رد على فئتين من الناس، وليس الذي تكلموا في الصفات فحسب، بل فيها رد على المبتدعة الذين يعوذون بغير الله، والذين يتعوذون أو يلجئون أو يدعون غير الله، ثم إن فيها رداً على الذين زعموا أن هذه الصفات ما هي إلا تعبير عن مخلوقات الله تعالى الأخرى، فهو يقول للذين ينكرون الرضا والسخط -وهم جميع المعتزلة-، والذين يؤولونهما -وهم الأشاعرة والماتريدية-: إذا زعمتم أن الرضا والسخط ليسا من صفات الله تعالى، وإنما هما تعبير عن الإنعام والعقوبة -وهذا كلام الأشاعرة والماتريدية، حيث يقولون: السخط هو عقوبات الله المادية التي نراها، والرضا هو نعم الله التي نراها، والعقوبات والنعم مخلوقة- إذا زعمتم ذلك فإنه لو كان قولكم صحيحاً ما صح أن نستعيذ برضا الله من سخطه؛ إذ لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق، إذاً: استعذنا من صفة الله بصفة الله، فهذا يؤكد جزماً أن هذه صفات لله ، بدليل أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك) فدل على أن الرضا صفة لله؛ لأنه لا تجوز الاستعاذة إلا بالله وأسمائه وصفاته.
إذاً: هذا دليل قطعي على أنهما صفتان لله على ما يليق بجلال الله، وإلا لما جازت الاستعاذة بها؛ لأنه لا يستعاذ إلا بالله .
стр. 355
شرح العقيدة الطحاوية [٢٩]
للناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: الأول: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، وهذا هو قول السلف أصحاب المنهج الحق، ومن عداهم قولهم إما باطل محض أو لا يخلو من باطل، ومن هؤلاء القائلون بأن الكلام اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزءَ مسماه، بل هو مدلول مسماه، ومنهم القائلون بأنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز، ومنهم القائلون بأنه مشترك بين اللفظ والمعنى، ويعنون بذلك أن كلمة (كلام) قد تطلق على اللفظ فقط أو على المعنى فقط.
стр. 356
ما عليه أكثر متأخري الحنفية من كون الكلام معنى واحداً والعبارات مخلوقة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد].
الضمير يرجع إلى كلام الله ، ولا يزال الشارح في سياق الحديث عن كلام الله ، والرد على الذين أنكروا الكلام، ومن أجل أن نربط اللاحق بالسابق أذكر بهذه المسألة بإيجاز، فالشارح هنا يقرر مذهب السلف في الإنكار على الذين تكلموا في كلام الله تعالى بغير الحق، وهم صنفان: الصنف الأول: الذين أنكروا كلام الله مطلقاً وقالوا بأن القرآن مخلوق، وهم المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم من بعض أهل الكلام.
الصنف الثاني: الذين قالوا بأن كلام الله تعالى معنى قائم بالنفس، وفصلوا كلام الله تعالى عن مشيئته، وقالوا بأن الكلام لا علاقة له بالمشيئة، وهذا فرع عن قول الكلابية، أي: قول الأحناف، وهو قول الماتريدية، عبر عنهم بالحنفية هنا؛ لأن الماتريدية أغلبهم أحناف، والأحناف أغلبهم ماتريدية، والأشاعرة وطوائف من المتكلمين قولهم يتشابه وإن اختلف تعبيرهم، فكل قولهم امتداد لقول الكلابية الذين قالوا في كلام الله تعالى بأنه معنى قائم بالنفس، وأنكروا أن يكون لله كلام يتجدد أو أن الله تعالى يتكلم متى شاء، فأنكروا تعلق الكلام بالمشيئة، وبناء على ذلك أيضاً أنكروا أفعال الله الاختيارية مطلقاً، أو تعلق أفعال الله تعالى الاختيارية بالمشيئة، وهو قول لزم إنكار المشيئة، حيث قالوا بأن الله لا يفعل الكلام متى شاء، إنما كلامه معنى واحد، تعالى الله عما يزعمون، فإن عبر عنه بالعبرية صار توراة، وإن عبر عنه بالعربية صار قرآناً إلى آخره.
فالشارح يرد على هذه الفئة، يرد على الذين أنكروا أن يكون الله يتكلم متى شاء، وأن الكلام متعلق بالمشيئة، وأنكروا أفعال الله الاختيارية تبعاً لذلك.
قال رحمه الله تعالى: [وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزي والتبعض في الحاصل في الدلالات، لا في المدلول، وهذه العبارات مخلوقة، وسميت (كلام الله) لدلالتها عليه وتأديه بها، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر بالعبرية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام، قالوا: وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازاً].
على هذا يكون قولهم في كلام الله تعالى مبنياً على خمس قواعد كلها تفرعت عن الأصل الأول، وهو إنكار أفعال الله الاختيارية.
فالقاعدة الأولى عندهم -وقد وافقوا فيها الجهمية والمعتزلة- قولهم: إنه معنى واحد.
والثانية: أن التعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض في الدلالات لا في المدلول.
والثالثة: أن هذه العبارات مخلوقة.
أي: عبارات القرآن، وهذا مؤداه قول الجهمية، لا يختلفون فيه عن قول الجهمية.
والرابعة: قولهم: إن كلام الله سمي بذلك لدلالته على كلام الله، وليس لأنه كلامه بذاته، بل لتأديه به، وفرعوا عن هذا أنه إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة، ثم اختلفت العبارات لا الكلام، أي: أن الكلام أصله واحد.
وقولهم: (اختلفت العبارات) دليل على أنهم يرون العبارة مخلوقة وأن الكلام هو صفة الله، فهم وافقوا الجهمية والمعتزلة في المبدأ ووافقوهم في النهاية.
الخامسة: قولهم: (وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازاً) وهذا كلام خطير؛ لأن المجاز غير الحقيقة، والمجاز يمكن أن يفسر بأكثر من تفسير، أما الحقيقة فلا تفسير لها إلا تفسير واحد، ومن هنا وقعوا فيما وقع فيه الجهمية من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
стр. 357
فساد القول بأن كلام الله تعالى معنى واحد وأن ما أنزله إنما هو تعبير عنه
قال رحمه الله تعالى: [وهذا الكلام فاسد؛ فإن لازِمَه أن معنى قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]].
لأنهم حينما زعموا أن كلام الله معنى واحد، وأن التعبيرات عنه مخلوقة؛ يكون معنى ذلك أن الأمر والنهي قبل التعبير شيء واحد، والواجب والمحرم شيء واحد لا فرق بينهما؛ لأن التفريق إنما جاء في التعبير فيما بعد على ألسنة الأنبياء، وليس من كلام الله ، وهذا يؤدي إلى القول الباطل.
قال رحمه الله تعالى: [ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١]، وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده وعلم أنه مخالف لكلام السلف.
والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧].
ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارئ ليس كلام الله لما حرم على الجنب قراءة القرآن.
بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف كما قال أبو حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة، وإذا قيل: المكتوب في المصحف كلام الله؛ فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه خط فلان وكتابته؛ فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه مداد قد كتب به؛ فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: المداد في المصحف كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السماوات والأرض، وفيه محمد وعيسى، ونحو ذلك.
وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه خط فلان الكاتب، وهذه المعاني الثلاثة مغايرة لمعنى قول القائل: فيه كلام الله.
ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب.
وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ، والمقروء الذي هو قول الباري، من لم يهتد له فهو ضال أيضاً، ولو أن إنساناً وجد في ورقة مكتوباً: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) من خط كاتب معروف؛ لقال: هذا من كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا (كل شيء) حقيقة، وهذا حبر حقيقة، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى.
والقرآن في الأصل: مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ َ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨]، وقال ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم)، وتارة يذكر ويراد به المقروء: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقال ﷺ : (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين المذكورين، فالحقائق لها وجود عيني، وذهني، ولفظي، ورسمي، ولكن الأعيان تعلم، ثم تذكر، ثم تكتب، فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة، وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة، بل هو الذي يكتب بلا واسطة ذهن ولا لسان.
والفرق بين كونه في زبر الأولين وبين كونه في رق منشور أو لوح محفوظ أو في كتاب مكنون واضح: فقوله عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] أي: ذكره ووصفه والإخبار عنه، كما أن محمداً مكتوب عندهم، إذ القرآن أنزله الله على محمد ﷺ ، لم ينزله على غيره أصلاً، ولهذا قال: في الزبر، ولم يقل في الصحف، ولا في الرق؛ لأن (الزبر) جمع (زبور)، والزبر هو الكتابة والجمع.
فقوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أي: مزبور الأولين، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد ويبين كمال بيان القُرْآن وخلوصه من اللبس، وهذا مثل قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] أي: ذكره، بخلاف قوله: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] أو: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢] أو: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٨]؛ لأن العامل في الظرف إما أن يكون من الأفعال العامة مثل الكون والاستقرار والح
стр. 358
ذكر الأقوال فيما يتناوله مسمى الكلام عند الإطلاق
قال رحمه الله تعالى: [وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: أحدها: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن معاً، وهذا قول السلف.
الثاني: أنه اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم.
الثالث: أنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز؛ لأنه دالٌ عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.
الرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية].
هذه الأقوال الثلاثة كلها أقوال المتكلمين، أعني الثاني والثالث والرابع، وربما يشتبه الرابع مع الأول، فكأنهما بمعنى واحد، لكن بينهما شيء من الفروق، وهذه الفروق لا تتبين إلا من خلال اللوازم التي تلزم على كل قول.
فالقول الأول هو قول أهل السنة، بل قول جمهور أهل العلم وغالب أهل اللغة من غير المتكلمين، وهو أن كلمة الكلام إذا أطلقت تشمل اللفظ والمعنى جميعاً، وهذا أمر بدهي عند العقلاء قبل أن يأتي تشقيق العلوم والتفلسف فيها، ولو ترك الناس على بديهاتهم دون أن تدخل عليهم شبهات لما فهموا إلا ذلك، وهو أن الكلام يشمل اللفظ والمعنى، وأنه ما من كلام مفيد إلا وله معنى، وما من معنى مفيد يعبر عنه الناطق والمتكلم إلا ويكون التعبير عنه بلفظ.
والإشارة قد يعبر بها، لكن الإشارة تنوب عن الكلام إذا عدم الكلام أو عدمت آلته، وهذا أمر شاذ، وإلا فالأصل في الكلام أنه يشمل اللفظ والمعنى.
والقول الرابع الذي أشار إليه يختلف قليلاً عن القول الأول؛ لأن الذين قالوا به قالوا: إن الكلام مشترك بين اللفظ والمعنى، فقولهم: (مشترك) يعنون به أن كلمة (كلام) قد تطلق على اللفظ فقط وقد تطلق على المعنى فقط، وقد تطلق عليهما.
وهذا القول لجئوا إليه ليخرجوا عن إثبات الكلام لله بحرف وصوت، فقالوا: نعم قد يطلق الكلام على اللفظ والمعنى، ولكنَّه أيضاً قد يطلق على اللفظ فقط، وقد يطلق على المعنى فقط.
وأهل السنة والجمهور من أهل العلم وأهل اللغة يقولون: الكلام إذا أطلق فلا بد أن يشمل اللفظ والمعنى، إلا إذا كان هناك ما يقيد، أو كان هناك قرينة، كأن يكون المعبر أخرص، فإنا نعرف أن إشارته ليست كلاماً إنما أراد معنى معيناً، فهذه قرينة، أو كان اللفظ يدل على إطلاق الكلام على أحد الأمرين: اللفظ أو المعنى، أما إذا أطلقت كلمة كلام فإنها تشمل اللفظ والمعنى، ولا يجوز أن تكون مشتركة بمعنى أنها قد تخص بأحد الأمرين بغير قرينة وبغير شاهد.
قال رحمه الله تعالى: [ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن].
يقصد أبا الحسن الأشعري، وربما يكون هناك في الاسم تصحيف وتحريف، والله أعلم؛ لأنه نقل مثل هذا القول عن أبي الحسين الطبري، لكن روي عن الأشعري وليس هو المشهور عنه، فربما قاله في بعض مراحل حياته، أما المشهور عنه في الكتب الأخيرة فهو أنه ينفي هذا القول، بل إنه ساق في (المقالات) قول من قالوا بأن صفات الله مجازية -ومنها الكلام- بما يشبه الإنكار له ولم يؤيده، مع أنه إذا كان يؤيد الرأي فهو يقول به.
فعلى كل حال يمكن أن يكون هذا قولاً للأشعري، لكنَّه قول مغمور وليس هو المشهور عنه.
قال رحمه الله تعالى: [ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله، حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم فلا يكون الكلام قائماً بغير المتكلم، بخلاف كلام الله، فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، وهذا مبسوط في موضعه].
стр. 359
موافقة أبي الحسن الأشعري لابن كلاب في مسألة كلام الله وغيرها
القول بأن الكلام قائم بالمتكلم بخلاف كلام الله تعالى فإنه لا يقوم به من المسائل التي بقيت عند الأشعري بعد رجوعه إلى السنة، وخالف فيها أهل السنة وتابع فيها ابن كلاب الذي تأول الصفات وأنكر ما يسمونه قيام الأفعال بالله، فهو ومن نحا نحوه يزعمون بأن اعتبار الكلام من الله بحرف وصوت يعني قيام الأفعال به، كما أن النزول من قيام الأفعال به، ونحو ذلك، فهم يؤولون هذه الصفات أو ينكرونها، فعلى هذا تكون أقوال الكلابية ثلاثة، وهي أقوال أهل الكلام؛ لأن الكلابية هي أصل أهل الكلام، لكنهم توسعوا بعدها توسعاً عظيماً، حتى أدخلوا على مذهبهم بعض أصول الجهمية والمعتزلة، فأقوال الكلابية ثلاثة: الثالث والرابع بترتيب المؤلف، وثالثها هذا القول المروي عن أبي الحسن، وأبو الحسن كلابي، وهذا أيضاً مما ينبغي أن يفهم؛ كما سيأتي في مسائل كثيرة في بقية مباحث الطحاوية، فـ أبو الحسن ﵀ كلابي يوافق ابن كلاب في مسألة كلام الله تعالى على الخصوص، وفي إنكار قيام الأفعال أو تأويل أفعال الله أو الصفات الفعلية، وهذا ما انحرفت به الكلابية عن مذهب أهل الحديث، هذه المسألة بالذات هي التي انحرفت بها الكلابية عن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة، وصارت بذلك فرقة متكلمة، وأبو الحسن الأشعري في هذه المسألة كلابي، وإن كان يوافق سائر أصول أهل السنة والجماعة كـ ابن كلاب نفسه، فـ ابن كلاب -وهو عبد الله بن سعيد القطان - يوافق أهل السنة في سائر الأصول، لكن يخالفهم في هذه المسألة فقط، ليس في غيرها، وكذلك أبو الحسن الأشعري يوافق أهل السنة في سائر الأصول، لكن يخالفهم في هذه المسألة، وهذا الباب والمنفذ هو الذي دخل من خلاله المتكلمون فيما بعد، كـ الجويني في مرحلته الأولى في حياته، والرازي في مرحلة حياته الأولى ومن جاء بعدهما.
стр. 360
ضلال المتكلمين في انتهاج رد خبر الآحاد في الاعتقاد واستدلالهم بشعر للأخطل النصراني
قال رحمه الله تعالى: [وأما من قال: إنه معنى واحد، واستدل عليه بقول الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فاستدلال فاسد].
الذين قالوا: إنه معنى واحد هم من ورثة الكلابية، وهم أهل الكلام.
قال رحمه الله تعالى: [ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به.
فكيف وهذا البيت قد قيل: إنه موضوع منسوب إلى الأخطل وليس هو في ديوانه؟! وقيل: إنما قال: (إن البيان لفي الفؤاد)، وهذا أقرب إلى الصحة].
مسألة متعلقة بمنهج الاستدلال عند المتكلمين، وأشار إليها هنا الشارح إشارة طيبة وجيدة تحتاج إلى وقفة يسيرة.
فهؤلاء المتكلمون لا يستدلون بحديث الآحاد في مسائل العقيدة، وإن كانت أحاديث الآحاد أصلاً في كثير من مسائل الدين، بل أصل كثير من مسائل الدين القطعية التي عمل بها المسلمون إلى يومنا هذا، سواء كانت اعتقادية أو عملية، كثير منها ثبت بأحاديث الآحاد، بل من ذلك ما هو من قواعد الدين الكبرى، مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات) هذا حديث آحاد، ومع ذلك أجمعت الأمة على العمل به وأنه قاعدة من قواعد الشرع، وهكذا كثير من مسائل الاعتقاد ومسائل الأحكام القطعية، وأهل الكلام يقولون: لا نستدل في العقيدة بحديث الآحاد، والشارح يقول: سبحان الله! إذا جئناكم بحديث صحيح في الصحيحين في أمر العقيدة نستدل به على ما يقوله أهل السنة والجماعة ويخالف أصولكم؛ قلتم: هذا حديث آحاد لا نأخذ به، ثم تأتون لنا ببيت لشاعر نصراني عبر عن عقيدته بكلام لا يفهم، أو يفهم منه غير ما يطابق قول أهل السنة والجماعة، ثم إنه كلام لم يثبت، وهو قول آحاد، لم ينسبه إلى نبي معصوم ولم ينسبه إلى إمام ثقة، فكيف تقولون بأن هذا دليل على قولكم بأن الكلام هو ما في الفؤاد، وهو معنى واحد، وتأتون لنا بكلام شاعر ليس بحجة في الدين؟! فحينما تركوا السنة الثابتة بطريق الآحاد جاءوا ليستدلوا بأمثال هذا، بل استدلوا لكثير من أصولهم بالشعر، مثل نفيهم للاستواء، فقد استدلوا له بقول القائل: استوى بشر على العراق، وهذا كلام لا ندري لمن نسب، وسواء كان لمجهول أو لمعلوم؛ فهو ليس بكلام إمام هدى فضلاً عن أن يكون عن رسول الله ﷺ ، فهم في الوقت الذي يردون فيه حديث الآحاد الصحيح يأخذون بأشعار وأقوال لا أصل لها، أو أن أصلها لا يعتمد عليه، فهو هنا يريد أن يستدل على فساد منهجهم في هذه الأمور.
стр. 361
خطأ استدلال المتكلمين ببيت الأخطل في مسألة الكلام
قال رحمه الله تعالى: [وعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به؛ فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام وزعموا أن عيسى ﵇ نفس كلمة الله، واتحد اللاهوت بالناسوت، أي: شيء من الإله بشيء من الناس! أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب؟! وأيضا: فمعناه غير صحيح؛ إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلماً؛ لقيام الكلام بقلبه، وإن لم ينطق به ولم يسمع منه، والكلام على ذلك مبسوط في موضعه، وإنما أشير إليه إشارة.
وهنا معنى عجيب، وهو أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين باللاهوت والناسوت، فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه، وإنما النظم المسموع مخلوق، فإفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى ﵇، فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه!].
على أي حال هذا وجه من وجوه الشبه بين المتكلمين وأهل الكتاب أو الأمم الأخرى، وإلا فسيأتي من خلال درس الفرق والأهواء ربط كثير من أصول المتكلمين -سواء الفرق الأولى كالرافضة، والذين جاءوا فيما بعد كالقدرية والمعتزلة والجهمية، والذين ورثوهم كالكلابية والأشاعرة والماتريدية- التي خالفوا فيها السنة بالديانات والملل والمذاهب الأخرى بقرائن ودلائل قوية، فمنها ما يوجد له أصل عند اليهود، ومنها ما يوجد له أصل عند النصارى، ومنها ما يوجد له أصل عند الفلاسفة من اليونان والصابئة، وهذا كثير جداً، بل أحياناً تجد كلمات المتكلمين بمصطلحاتها عند الفلاسفة بمصطلحاتها، فأحياناً لا يترجمون الكلمة، بل يأتون بها كما هي عند فلاسفة اليونان، وكما هي عند فلاسفة الصابئة، إضافة إلى شَبَهٍ لبعض أصول المجوس وبعض أصول الديانات الهندية، هذا كله -إن شاء الله- سيأتي من خلال درس الفرق، أي: ربط أصول الفرق المنحرفة بأصول الأمم الضالة، وليس ذلك على سبيل التكلف، إنما هو مصداق لقول الصادق المصدوق ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة -وفي رواية: شبراً بشبر وذراعاً بذراع- حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم) وفي رواية: (لدخلتموه).
إذاً: كوننا نربط أصول المخالفين لأهل السنة والجماعة بالديانات الأخرى ليس ذلك على سبيل التكلف والتمحل، إنما على سبيل تحقيق ما أخبر به النبي ﷺ وبقرائن واضحة، وسيأتي لهذا إن شاء الله مزيد تفصيل.
стр. 362
ردود على من اعتقد أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس
قال رحمه الله تعالى: [ويرد قول من قال بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس قوله ﷺ : (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) وقال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)، واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها بطلت صلاته، واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام].
هنا يناقش القائلين بأن كلام الله تعالى معنى قائم في النفس، وأن هذه الحروف والأصوات التي هي القرآن الكريم الذي بين أيدينا تعبير عن كلام الله عبر به مخلوق، وأحياناً يقولون: هذا المخلوق أصوات وحروف خلقها الله في الكون، فتمثلت أصواتاً سمعها النبي ﷺ أو جبريل، وأحياناً يقولون: هو معنى ألقاه الله إلى جبريل فعبر عنه وألقاه إلى محمد ﷺ ، وأحياناً يقولون بأنه معنى ألقي في قلب النبي ﷺ فعبر عنه، وكل هذه المعاني باطلة، بل القرآن هو كلام الله أنزله الله على رسوله ﷺ ، وأنزله بالوحي المباشر للنبي ﷺ ، وسمعه النبي ﷺ أيضاً من جبريل.
قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب].
هذا المفهوم لم يكن محل نقاش عند السلف في القرون الثلاثة الفاضلة إطلاقاً، بل كان من المسلمات؛ لأنهم يفقهون معاني الألفاظ بالعربية، وقد تلقى هذا المعنى وهذا المفهوم عن النبي ﷺ الصحابة، وتلقاه التابعون عن الصحابة، إلى أن جاء المتكلمون الذين تأثروا بالفلسفة، فالفلاسفة مذاهبهم في كلام الله كثيرة، لكن منها اعتقاد أن كل ما يصدر عن الله معان، ومن ذلك كلامه أو ما يعبر عنه بكلامه، وأكثر الفلاسفة لا يؤمنون بالكتب المنزلة، لكن هناك من أتباع الأنبياء من تأثر بالفلاسفة فأخذ بمفهوماتهم حول تفسير الظواهر من حولهم، تفسير ظواهر الحياة، ومن ذلك تفسير الكتب المنزلة على أنها معان أو معقولات تصدر عن مخلوقات، هذا غاية ما عند الفلاسفة، وهذا التصور انتقل إلى المتكلمين من الجهمية والمعتزلة، فقالوا بأن كلام الله معنى وليس بكلام حقيقي بحرف وصوت، وفرعوا على هذه الفلسفة أشياء كثيرة، ثم انتقلت في منتصف القرن الثالث إلى الكلابية، فأخذوا بها وقالوا بأن كلام الله معنى قائم بالنفس، أو نحو هذا، لما قامت الفرق الكلامية التي توسعت في الكلام -وهي الماتريدية ومتكلمة الأشاعرة وسائر المتكلمين الآخرين الذي قد لا ينتسبون إلى فرقة- قال أغلبهم بهذه المقولة، وما ذلك إلا استجابة لشبهات الفلاسفة ومن تأثر بهم، وهو الآن يرد عليهم بمقتضى اللغة وبمقتضى فهم السلف، وبمقتضى الأحاديث والنصوص الصريحة في تحديد معنى الكلام، وببيان مفهوم الكلام عند السلف، سواء الكلام مطلقاً، أو الكلام المخصص من الأفراد، أو كلام الله عموماً، أو كلام الله بالقرآن على وجه الخصوص.
قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً في السنن أن معاذاً ﵁ قال: (يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟!).
فبين أن الكلام إنما هو باللسان، فلفظ القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظاً ومعنى، ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع ثم انتشر.
ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر؛ فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك].
стр. 363
اعتقاد أن كلام الله معنى قائم بنفسه تعالى لازمه القول بخلق القرآن
قال رحمه الله تعالى: [ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى، وإن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] أفتراه يشير إلى ما في نفسه أو هذا إلى المتلو المسموع؟! ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع، إذ ما في ذات الله غير مشار إليه، ولا منزل ولا متلو ولا مسموع].
القرآن -كما هو معروف وكما جاء في النصوص- تكلم به الله كما يليق بجلاله، ثم سمعه جبريل ﵇ من الله وأسمعه لرسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ سمع القرآن من جبريل بطريقة الوحي المعروفة، فالقرآن ليس منه شيء بإلهام، وليس منه شيء مسموع من غير معرفة المسموع منه، أي: لا يسمع من مجهول، وليس في القرآن شيء جاء عن طريق المنام أو عن طريق التخيل، ولا عن طريق الخرافة، فطرق الوحي الكثيرة كلها لم يرد فيها القرآن إلا بالطريقة التي هي عن جبريل ﵇، وسمعه الرسول ﷺ منه كما سمعه جبريل من الله .
إذاً: فالقرآن بمراحله الثلاث هو كلام الله، لكن المتكلمين خالفوا المعتزلة في بعض المراحل، فالمتكلمون يعترفون بأن النبي ﷺ تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وبعضهم يقول بأن النبي ﷺ سمعه من جبريل بحرف وصوت، لكن ينكرون أن يكون تكلم الله به، ومن هنا يوافقون الجهمية والمعتزلة في المنهاج، لكن يخالفونهم في الطريق الأخيرة وما قبل الأخيرة، ومع ذلك يتردد بعضهم في أن يكون جبريل تكلم به أو نطق به لرسول الله ﷺ بحرف وصوت، فهم مضطربون في ذلك أشد الاضطراب، بل إن بعض المتكلمين يميل إلى أن النبي ﷺ لم يسمعه بحرف وصوت، إنما عبر عنه، وهذه الفئة توافق المعتزلة والجهمية موافقة مطلقة إلا في الألفاظ، وعادة المتكلمين أنهم يحاولون أن يلطفوا ألفاظهم، فلا يأتون بأمور ترد النصوص رداً صريحاً كما يفعل الجهمية والمعتزلة، إنما يحاولون التلفيق، ويقولون: إن أردنا إلا التوفيق بين السنة وبين المعقولات، وهذه دعوى المنافقين.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه؟! وما في نفس الباري لا حيلة إلى الوصول إليه ولا إلى الوقوف عليه.
فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا؛ فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق، بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة؛ فإن حكاية الشيء مثله وشبهه، وهذا تصريح بأن صفات الله تعالى محكية، ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد أتوا بمثل كلام الله، فأين عجزهم؟! ويكون التالي -في زعمهم- قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف، وليس القرآن إلا سوراً مسورة وآيات مسطرة في صحف مطهرة، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات﴾ [هود:١٣]، ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس:١٣ - ١٤].
ويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات، قال ﷺ : (أما إني لا أقول: (آلم) حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)، وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن التالين.
قال الشيخ حافظ الدين النسفي ﵀ في المنار: إن القرآن اسم للنظم والمعنى.
وكذا قال غيره من أهل الأصول، وما ينسب إلى أبي حنيفة ﵀ أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه فقد رجع عنه، وقال: لا تجوز القراءة مع القدرة بغير العربية.
وقالوا: لو قرأ بغير العربية فإما أن يكون مجنوناً فيداوى، أو زنديقاً فيقتل؛ لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز حصل بنظمه ومعناه].
стр. 364
أدلة عقلية على بطلان القول بأن كلام الله معنى قائم بنفسه تعالى
هذا معلوم حتى في بديهات العوام، أعني مسألة التفريق بين الكلام والمعنى القائم بالنفس، فلو كان القرآن مجرد معنى لكلام الله تعالى وليس هو كلامه لما صح عند الناس وفي عرفهم أن يقال مثلاً: تعال -يا فلان- أقرأ عليك كلام الله، أو: اقرأ كلام الله؛ لأنه لو كان معنى لقيل: تعال لأقرأ عليك معنى كلام الله، هذه ناحية.
الناحية الأخرى فيما يتعلق بترجمات معاني كتاب الله، فلو كان القرآن ليس بحرف وصوت من كلام الله لصح أن نترجم القرآن، لكن عند أهل العلم لا يصح إطلاقاً أن نترجم القرآن بذاته، إنما تترجم معاني القرآن؛ لأن القرآن بذاته هو هذا الذي بين أيدينا بحروفه وأصواته، فلو كان كلاماً مخلوقاً ككلام المخلوقين لصح أن نترجم القرآن، فيجوز لأي إنسان من الناس أن يتكلم بالقرآن بأي لغة، ويقال: هذا هو القرآن، فيقرأ بالانجليزية ويقال: هذا هو القرآن، ويقرأ بالأردية ويقال: هذا هو القرآن، لكن عند جميع أهل العلم لا يصح أن يتلو أحد معنى آية بالأردية ثم يقول: هذه آية من كتاب الله، بل العجم كلهم المسلمون اليوم يقرءون كتاب الله بلفظه العربي، وإذا عبروا عن معانيه بغير العربية قالوا: معاني القرآن، ولا يقولون: هذا القرآن، حتى هؤلاء المبتدعة الذين يقولون هذا القول لا يجرؤ أحد منهم على أن يقول إذا عبر عن معنى بغير العربية من معاني آيات الله: هذا هو القرآن، أو: هذا كلام الله، أو: هذه آية، إنما يقول: هذا معنى آية، أو ترجمة معنى آية، أو ترجمة معنى القرآن ونحو ذلك.
إذاً: هذا أمر معلوم بالضرورة، لكن الأمور قد تشتبه على مثل هؤلاء لتعلقهم بشبهات المتكلمين والفلاسفة.
стр. 365
كلام الله ليس كلام البشر ولا يشبه كلامهم
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ومن سمعه وقال: إنه كلام البشر فقد كفر)، لا شك في تكفير من أنكر أن القرآن كلام الله، بل قال: إنه كلام محمد أو غيره من الخلق، ملكاً كان أو بشراً.
وأما إذا أقر أنه كلام الله ثم أوَّل وحَرَّف فقد وافق قول من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] في بعض ما به كفر، وأولئك الذين استزلهم الشيطان، وسيأتي الكلام عليه عند قول الشيخ: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) إن شاء الله تعالى].
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولا يشبه قول البشر)].
المقصود هنا قول الله ، أي: لا يشبه قول الله تعالى قول البشر، أو لا يشبه كلامه قول البشر.
قال رحمه الله تعالى: [يعني: أنه أشرف وأفصح وأصدق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود:١٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس:٣٨]، فلما عجزوا -وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة- عن الإتيان بسورة مثله؛ تبين صدق الرسول ﷺ أنه من عند الله.
وإعجازه من جهة نظمه ومعناه لا من جهة أحدهما فقط، هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين، أي: باللغة العربية.
فنفي المشابهة من حيث التكلم ومن حيث النظم والمعنى لا من حيث الكلمات والحروف، وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقَِّ﴾ [آل عمران:١ - ٣] الآية، ﴿المص﴾ [الأعراف:١] ((كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ)) [الأعراف: ٢]، قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس:١]، وكذلك الباقي، ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل خاطبكم بلسانكم].
стр. 366
ما تذرع به أهل الكلام من إثبات الإعجاز في معنى القرآن دون لفظه لنفي تكلم الله به
قال رحمه الله تعالى: [ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل هذا إلى نفي تكلم الله به وسماع جبرائيل منه].
يشير إلى أن كثيراً من أهل الكلام يزعمون أن القرآن إنما هو معجز من حيث معناه، من حيث إنه معنى قائم بنفس الله ، لا من حيث إنه هذا الكلام الذي هو بلسان عربي مبين؛ لأنهم يقولون: لو كان التحدي لمجرد كونه بالعربية لما أعجز العرب ذلك، إنما أعجزهم لأن التحدي متعلق بالمعنى القائم بنفس الله كما يعبرون هم، فلذلك يجعلون الإعجاز فيما يتعلق بأصل الكلام عندهم، وهو أنه المعنى القائم بالنفس، أي: بنفس الله ، وهذا باطل؛ فإن الإعجاز ينصرف إلى القرآن كله بمعانيه وحروفه وكلماته، وليس إلى جزء من هذا فقط، كأن يقال بأنه معجز بحروفه وكلماته دون معانيه، أو بمعانيه دون حروفه وكلماته، فإن هذا باطل؛ فالقرآن معجز من حيث هو كلام الله، ومن حيث كونه بلسان عربي مبين، ومن حيث حروفه ومعانيه، فهو معجز من جميع هذه الوجوه.
قال رحمه الله تعالى: [كما يتذرعون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] إلى نفي الصفات، وفي الآية ما يرد عليهم قولهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، كما أن في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس:٣٨] ما يرد على من ينفي الحرف؛ فإنه قال: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ) ولم يقل: (فأتوا بحرف أو بكلمة) وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات].
هذا دليل على أن القرآن معجز بحروفه ومعانيه.
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن أدنى ما يجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة؛ لأنه لا يقع الإعجاز بدون ذلك.
والله أعلم].
стр. 367
ما يثبت لله من الصفات لا يعني وصف الله بمعنى من معاني البشر
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، ومن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر): لما ذكر فيما تقدم أن القرآن كلام الله حقيقة منه بدا نبه بعد ذلك على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر، نفياً للتشبيه عقيب الإثبات.
يعني: أنه تعالى وإن وصف بأنه متكلم، لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الإنسان بها متكلماً؛ فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وما أحسن المثل المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، والمعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً].
стр. 368
معنى التعطيل والتشبيه وذكر مواقف الفرق من صفات الله تعالى
هنا يحسن الوقوف عند مسألة مفهوم التعطيل، وكذلك مفهوم التشبيه؛ لأن الكلام في هذه المسألة بعد تفصيل الرد على الذين أنكروا كلام الله وقفة جيدة من الشارح ومن صاحب الأصل الطحاوي؛ لأنه بعد الكلام في إثبات كلام الله ، وأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وتقرير مذهب السلف ثم الرد على المنكرين؛ يحسن أن ينبه على ما يمكن أن يخطر ببال بعض الناس، أو ما يمكن أن يثيره أهل الشبهات من المؤولة والمعطلة في مسألة الإثبات، وهو قولهم بأنه إذا أثبتنا أن لله كلاماً أثبتنا مشابهته -بزعمهم- للخلق، والله ليس كمثله شيء، إذاً: هذا تشبيه.
ومن أجل أن تتجلى هذه المسألة ويوضح الأمر فيها عرج الشارح على مسألة التعطيل والتشبيه ليبين المقارنة بينهما، ويبين أن المنهج الوسط والمنهج الحق هو الإثبات مع نفي التشبيه من غير تعطيل.
فالإثبات: إثبات صفات الله تعالى، ومنها صفة الكلام التي كثر الكلام فيها من قبل.
ثم أيضاً نفي التشبيه من غير تعطيل، ولذلك يحسن أن نبين هنا معنى التعطيل بإيجاز، ومعنى التشبيه والتمثيل بإيجاز: فمواقف الناس تجاه الصفات عموماً تنقسم إلى أربعة مواقف رئيسة إلى يومنا هذا، وكل مواقف الفرق في الصفات لا تعدو هذه المواقف الأربعة:
стр. 369
موقف السلف وأتباعهم من صفات الله تعالى
الأول: الإثبات من غير تمثيل ومن غير تعطيل.
وهذا هو المذهب الحق مذهب السلف، على قاعدة قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) نفي للمشابهة والمماثلة، وقوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) إثبات لصفات الله .
هذا هو الموقف الحق الذي عليه سلف الأمة وتابعوهم بإحسان إلى يومنا هذا.
стр. 370
موقف المعطلة
الموقف الثاني: التعطيل.
والتعطيل يقصد به نفي أسماء الله وصفاته، أو نفي صفاته فقط، أو نفي أفعال الله تعالى وهي من الصفات، فهذا كله تعطيل، فمن نفى أسماء الله وصفاته فهو معطل، ومن نفى الصفات فهو معطل، ومن نفى الأفعال فهو معطل.
أما الأسماء فمعلومة، وأما الصفات فكالسمع والبصر والنزول والمجيء وغيرها، وأما الأفعال فتدخل في الصفات الفعلية، كالنزول والمجيء.
فمن نفى هذه الصفات أو بعضها فهو معطل لما نفاه، ومعنى التعطيل: تفريغ الموصوف من الصفات، وتفريغ الموصوف من الصفات يؤدي إلى إنكاره هو؛ لأن كل موجود موصوف، ولو لم يكن من معاني الموجود إلا أن يكون موجوداً -إذ الوجود صفة- لكانت هذه الصفة كافية لإثبات الصفة للموصوف.
فإذا قال قائل بنفي الصفات؛ فإن هذا يؤدي إلى أن يقول بوجود موجود غير موصوف، وهذا يستحيل عقلاً وشرعاً.
وهل يتصور موجود لا يوصف؟! هل يتصور ذلك عقلاً؟! وهل يتصور موجود بلا اسم، لو لم يكن من اسم الموجود إلا كلمة (موجود) لكفى، وهذا ما رد به السلف على الجهمية لما قالوا: لا نعرف من أسماء الله وصفاته ولا نقر إلا بأنه موجود فقط، فقالوا لهم: كلمة (موجود) اسم، والوجود صفة، إذاًَ: سميتموه ووصفتموه، فما دمتم قد قلتم بالتسمية والصفة؛ فأطلقوا جميع الأسماء والصفات التي وصف الله بها نفسه، وأطلقها على نفسه، ولذلك وقعوا في حيرة؛ إذ مؤدى قولهم نفي وجود الله تعالى بالضرورة، وهذا يسمى تعطيلاً، والتعطيل جزئي وكلي، فالتعطيل الكلي هو نفي الأسماء والصفات والأفعال، والتعطيل الجزئي هو نفي بعض هذه الأمور.
стр. 371
موقف المؤولة
الموقف الثالث: التأويل، وهو فرع عن التعطيل، لكنه أخف، لا من حيث النتيجة، بل أخف من حيث الإجراء والاستدلال والاستنتاج والتلقي فقط، فالمؤول يقر بالنصوص، والمعطل لا يقر بالنصوص، ولو أقر بألفاظها فإنه لا يقر بدلالاتها، فالمعطل حتى ولو أقر بألفاظ أسماء الله ؛ فهو لا يقر بدلالاتها، فمن هنا يسمى معطلاً، أما المؤول فهو يقر بالنصوص، لكنه يحرف دلالاتها عن معانيها المفهومة أو المتبادرة أو عن معانيها الحقيقية المطلقة على الموصوف، فالتأويل فرع عن التعطيل، لكنه أخف منه من حيث البداية ومن حيث الاستدلال، ومن حيث الاعتراف بالأدلة والنصوص، لكن من حيث المؤدى يؤدي إلى ما يؤدي إليه التعطيل في النهاية.
стр. 372
موقف المشبهة
الموقف الرابع: التشبيه، والوصف الحقيقي الشرعي له: التمثيل؛ لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فبعض أهل العلم يسمي التمثيل التشبيه؛ لأن أهل الأهواء أطلقوا هذه الكلمة فاشتهرت، والتشبيه هو اعتقاد أن الله مثل خلقه، أو اعتقاد أن بعض الخلق مثل الله، تعالى الله عما يزعمون، كل هذا تمثيل، وكله موجود في الفرق، فالتمثيل والتشبيه في الغالب هو اعتقاد أن الله مثل خلقه في جميع الخصائص أو في بعض الخصائص، سواء أكانت صفات أم أسماء أم ذاتاً أم أفعالاً، فاعتقاد أن الله مثل خلقه هذا تشبيه وتجسيم، وهو كفر، سواء في جميع الخصائص وفي بعض الخصائص، من اعتقد أن الله مثل خلقه -سواء فصل أو لم يفصل، وسواء جعل ذلك في جميع الخصائص والصفات أو في بعضها- فإنه بذلك يكون كافراً، وهذا التشبيه انقرض -تقريباً- إلا في حالات نادرة، كما انقرض التشيع الأول إلا في حالات نادرة، فالتشبيه وجد في فرق من الروافض الأوائل كالجواليقية والهشامية والداودية والبيانية والمغيرية وغيرها، كل هؤلاء كانوا مشبهة وكلهم روافض، لكن الروافض بعد عراكهم مع الفرق تحولوا إلى معطلة، فتركوا التجسيم وانقلبوا إلى التعطيل، فما وفقوا وسددوا إلى الاعتدال والوسط، فلما تجادلوا هم وخصومهم الذين يعتقدون التعطيل رجعوا إلى التعطيل ولم يوفقوا للسنة، فتركوا التشبيه والتجسيم وصاروا معطلة.
الرافضة وجميع الفرق المجسمة الأولى، ينسب التجسيم إلى الكرامية، لكنَّه الآن لا يوجد، كما لا توجد أيضاً لبعض الفرق التي انقرضت، فالآن لا يوجد إلا نزعات فردية، فلا نعرف التجسيم إلا في نزعات فردية.
стр. 373
معنى أن المعطل يعبد عدماً والمشبه يعبد صنماً
أما قوله بأن المعطل يعبد عدماً؛ فكما أشرت إليه سابقاً؛ لأن التعطيل يؤدي للنفي، أي نفي أسماء الله وصفاته وأفعاله أو بعضها، ومن نفى هذه الأمور فقد عطل النصوص عن معانيها، وجعل نصوص الكتاب والسنة ليس لها معان، وهذا يسمى تعطيلاً، ومن جرد الذات الإلهية من الصفات أو من الأسماء أو من الأفعال أو من بعضها؛ فكأنه في تجريده عطل الموصوف عن صفته، وعطل المسمى عن اسمه، أو عطل فعل الله عن فاعله، والله فعال لما يريد.
إذاً: فالتعطيل معناه النفي، ومعناه التجريد، ومعناه رفع المعنى، ومعناه اعتقاد أن الألفاظ والنصوص ليس لها معان، أي: تعطيلها من معانيها، وتعطيل الموصوف من صفاته، والمسمى من أسمائه، والفاعل من فعله.
إذاً: المعطل يعبد عدماً؛ لأنه إذا زعم أنه يعبد الله، ثم قال بنفي الأسماء والصفات فكأنه يعبد غير موجود؛ لأنه يقال له: إذا كنت تعبد الله وتقول: إن الله موجود، فالموجود مسمى وموصوف، وهذا مقتضى الكمال، وإذا قلت: لا؛ فإنك تعبد عدماً، لذلك لما سئل الجهم بن صفوان رأس المعطلة عن ربه تحير وبقي أربعين يوماً لا يدري ماذا يفعل؛ لأنه تشرب أقوال الفلاسفة من قبل حينما حاورهم، فوقعت في قلبه، فلما سألوه ما اهتدى للفقه في الدين وما عرف العلم الشرعي كما قال السلف فيه، فقد قالوا في وصفه بأنه لم يطلب العلم، فنظراً لأنه ليس عنده علم شرعي يعصمه كانت عنده الخلفيات الفلسفية، فأراد أن يطبقها، فما وجد معنى لمعاني النصوص على أساس القواعد الفلسفية، فما خرج من عزلته بعد أربعين يوماً إلا وهو حائر، حتى قيل: أنه لا يصلي، ولما قيل له: لماذا لا تصلي؟ قال: لم أدن بدين حتى أصلي، فإذا دنت بدين صليت، فلما خرج قال: هذا هو في الهواء، هو في كل شيء! بمعنى أنه جرد الله من وجوده الذاتي، وجرد الله من أسمائه وصفاته، وزعم أن هذا الكون هو الله.
إذاً: فهذا يعبد عدماً أو يعبد صنماً، بمعنى أنه قلب المسألة، فحينما عطل جعل هذه المخلوقات هي الله أو حل فيها الله، فمن هنا جعل صفة المخلوقات هي صفة الله، وهذا هو التشبيه بعينه.
أما قوله بأن المشبه يعبد صنماً؛ فنظراً لأن التشبيه يؤدي إلى عبادة غير الله حينما يتوهم الممثل أن ربه الذي يعبده مثل المخلوق، والله ليس كذلك، فهو حين زعم أن الله مثل الخلق تصور لربه صورة مثل صورة المخلوق، فلما تصورها صار يعبد هذه الصورة، فهو يعبد صنماً من حيث يشعر أو لا يشعر.
стр. 374
وجه كون التعطيل شراً من التشبيه
قال رحمه الله تعالى: [ويأتي في كلام الشيخ: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه).
وكذا قوله: (وهو بين التشبيه والتعطيل)، أي: دين الإسلام، ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه لما سأذكره إن شاء الله تعالى].
قوله: [ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه] هذا من وجوه: الوجه الأول: أن التعطيل مصادمة صريحة للنصوص، ومصادمة صريحة للعقول، فمن زعم أن ربه ليس له ذات ولا أسماء ولا صفات؛ فقد صادم نصوص القرآن والسنة مصادمة مباشرة، ورد الوحي رداً صريحاً لا تأول فيه ولا شبهة.
والوجه الثاني أن التعطيل موهم ملبس؛ لأن المعطل يأتي إلى سذج الناس وقليلي العلم ويقول لهم: إني لا أفهم من هذه الصفة أو هذا الاسم إلا ما أعرفه في المخلوقات، وهذا لا يليق بالله ، وإذا حكمت بأني لا أفهم من ذلك إلا ما أعرفه في المخلوق فسأقع قطعاً في التشبيه، ودفعاً للتشبيه ننفي المعنى إطلاقاً ونقول: هذه الألفاظ ليس لها معان، إنما هي مجرد ضبط لمفاهيم الناس أو مخاطبتهم بظاهر غير الباطن، أو بمعنى غير المعنى الحقيقي إلى آخره، فالتعطيل موهم، بمعنى أنه تنطلي شبهاته على بعض الناس، خاصة الأذكياء الذين ليس عندهم علم شرعي، أما العوام فالغالب أنهم في هذه الأمور على الفطرة ويسلمون من التعمق في هذه الأمور ولا يدركونها، ومن الخير لهم أن لا يدركوها، لكن بعض الأذكياء تنطلي عليهم هذه الشبهات إذا لم يكن عندهم فقه في الدين، فيأتي المعطل ويلبس، فإذا لبس وقعت شبهاته في قلوب الناس، فوقعوا في التعطيل أو التأويل، ومن هنا تكون الفتنة بالتعطيل أكثر، وهذا هو السبب الذي جعل التعطيل والتأويل يبقى إلى يومنا هذا والتشبيه ينقطع؛ لأن التشبيه لا يصادم النصوص مصادمة، إنما هو خطأ في فهم النصوص، فالمشبه لا ينكر أن الله له أسماء وصفات، بل يثبتها، لكن يثبتها على وجه مغلوط مبالغة في الإثبات، وذلك عدم فقه لنصوص التنزيه لله ، وعدم فهم لما في قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فهذا فهم ناتج عن قصور وليس ناتجاً عن إلحاد قلب وعن سوء نية أو عن تلبيس، فلذلك التشبيه لم يستمر، لأنه يصطدم بالعقول اصطداماً مباشراً، لكنه لا يصطدم بالنصوص، إنما بعد بيان النصوص يتبين لأدنى من عنده علم أن التشبيه مرفوض بالبداهة وبالفطرة بعكس التعطيل، فإنه وإن كان مرفوضاً بالبداهة وبالفطرة، لكن فيه شبهات تنطوي على ضعاف الفقه وضعاف العلم.
قال رحمه الله تعالى: [وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيهاً، بل صفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به.
وقوله: (فمن أبصر هذا اعتبر).
أي: من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات الوصف ونفي التشبيه ووعيد المشبه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار].
стр. 375
شرح العقيدة الطحاوية [٣٠]
إن رؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثابتة مقطوع بها بنص التنزيل، حيث صرحت بها آيات قرآنية وفسرت بها أخرى، ونطقت بها الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ ، وهي أعظم نعيم أهل الجنة، ولم ينازع في إثباتها إلا عميان البصائر من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم، معتمدين في ذلك على زبالات العقول وتوهم دلالات النصوص، وكفاهم دحضاً لقولهم أن معول دليلهم المتكئ على آيتين من كتاب الله تعالى قد قطعت به يد استدلالهم، ولا غرو؛ فالسالك مثل مناهجهم لابد من أن تزل به قدم التسليم.
стр. 376
إثبات الرؤية لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه): المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية].
يقصد المخالفين الذين نفوا الرؤية إطلاقاً، الذين كذبوا ما جاء في كتاب الله تعالى وما جاء عن رسوله ﷺ .
أما الآيات فكذبوها تكذيب تأويل وتعطيل، وأما الأحاديث فردوها رداً صريحاً، ولم يتورعوا عن ردها.
стр. 377
منكرو الرؤية
وأول من أنكر الرؤية من الفرق الجهمية، أما الأشخاص فإن أول من اشتهر عنه إنكار الرؤية الجعد بن درهم ثم الجهم بن صفوان.
وقد نسب إنكار الرؤية إلى غيلان بن مسلم، لكن لم يثبت عنه أنه أنكر الرؤية صراحة كما أنكرها الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، وإنكار الرؤية ناتج عن تعلق هؤلاء بالقواعد الفلسفية التي عليها فلاسفة اليونان وفلاسفة الصابئة الذين نهجوا نهج تقرير أمور الغيب وغيرها بالعقليات وجانبوا سبيل الأنبياء، فالفلاسفة في العموم الأصل فيهم عداوة الأنبياء وما جاءوا به من الحق والشرائع.
والجهمية أتباع الجهم بن صفوان أبرز ما عندهم من الأصول إنكار الأسماء والصفات، وإنكار الرؤية، وإنكار كلام الله ، والقول بأن القرآن مخلوق، والمعتزلة تبع لهم في هذه الأصول، إلا أنهم يختلفون عنهم في التفصيلات، فالمعتزلة تنكر الصفات ولا تنكر الأسماء، لكنها تقول بنفي الرؤية وبخلق القرآن ونحو ذلك من أصول الجهمية.
وقوله: [ومن تبعهم من الخوارج] يقصد بذلك أن كل الفرق التي أنكرت الرؤية أنكرتها اتباعاً للجهمية والمعتزلة، والإمامية يقصد بها الرافضة الإثني عشرية، وعموم الرافضة ينكرون الرؤية، لكن أشهرهم الإمامية، فهؤلاء في إنكارهم للرؤية تبع للجهمية والمعتزلة، ولم يأتوا بجديد حتى في أدلتهم العقلية، فما سموه بالأدلة العقلية من شبهاتهم، والأسلوب الذي ردوا به النصوص أو أولوها لا يخرجون في ذلك عن الجهمية والمعتزلة بشيء من الأشياء، والخوارج الذين أنكروا الرؤية ووقعوا فيما وقعت فيه الجهمية في سائر الأصول هم الخوارج المتأخرون الذين ظهروا في القرن الثاني وما بعده.
أما الخوارج الأولون فلم يكن هذا مشهوراً عنهم، كما أنه لم يكن مشهوراً عن غيرهم، بمعنى أن أصول الخوارج الأولى ليس فيها إنكار الرؤية، لكن -كما هو معروف- تتجارى بجميع أهل الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، كما ذكر النبي ﷺ ، بمعنى أنهم تستهويهم الأصول الفاسدة بسبب جدالهم للفرق الأخرى من الجهمية والمعتزلة، فيلزمونهم بأمور عقلية لا ينفكون عنها، وبسبب ما اتسموا به من المخالفة لأهل السنة، كان من عادتهم أن كل شيء يخالف أهل السنة يعتنقونه لوجود أصل المخالفة عندهم وتبييت هذا الأصل واستصحابه في كل حال.
إذاً: فالخوارج اعتنقوا القول بعدما اشتهر عن الجهمية والمعتزلة أثناء الحوار معهم، وعلى هذا فإن الخوارج من القرن الثاني وما بعده يقولون بإنكار الرؤية، ومن أشهرهم الإباضية، فالإباضية ينكرون الرؤية، والإباضية فرقة من فرق الخوارج الكبرى الأربع التي تشعبت عن الخوارج بعد سنة أربع وستين للهجرة، فالخوارج كانوا فرقة واحدة إلى سنة أربع وستين، فافترقوا إلى أربع فرق: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والإباضية، فالذين بقوا منهم في القرن الثاني من هذه الفرق الأربع كلهم قالوا بإنكار الرؤية ما عدا فئات قليلة منهم، وكذلك الإباضية، وإلى اليوم والإباضية تنكر الرؤية أو أكثرهم، ومنهم من يدعي الآن من مثقفيهم وبعض طلاب العلم فيهم أنهم لا ينكرون الرؤية، ويظهر لي أن هذا منطق جديد قال به بعضهم حينما رأوا قوة أهل السنة وقوة حجتهم، وإلا فالأصل في الإباضية إلى يومنا هذا أنهم ينكرون الرؤية وآخر ما قرأنا عنهم وسمعنا ما كتبه شيخهم أحمد الخليلي في كتاب له يقال له: (حق الدهر) أنكر فيه الرؤية، وساق أدلة الجهمية والمعتزلة في إنكار الرؤية.
أما الإمامية فكذلك ما كانوا يعتقدون هذه الأمور -كإنكار الرؤية- إلا في القرن الثاني وما بعده في أثناء نقاشهم للجهمية والمعتزلة، وعلى هذا أخذوا بمبدأ إنكار الرؤية إلى اليوم، فأغلب الإمامية يقولون بإنكار الرؤية على نحو ما تقول به الجهمية.
стр. 378
الفرق بين السلف وأتباعهم وبين المتكلمين المنسوبين إلى السنة والجماعة في إثبات الرؤية
قال رحمه الله تعالى: [وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة].
يقصد بطوائف الكلام المنتسبة لأهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريدية والكرامية والكلابية والسالمية ومن نحى نحوهم، فهؤلاء كلهم يقولون بإثبات الرؤية وكلهم من المتكلمين الذين ينتسبون للسنة والجماعة، لكن إثباتهم الرؤية فيه اضطراب شديد جداً يتمثل في أنهم أثبتوها بشروط زائدة على ما ورد في الكتاب والسنة، ومن هنا وقعوا في اضطراب شديد، حيث قالوا بأن الله يرى يوم القيامة أو يراه المؤمنون بأبصارهم لكن بلا جهة، فيقولون: نثبت الرؤية بلا جهة، أو لا إلى جهة، أو إلى غير جهة، ونحو ذلك من العبارات الفلسفية، فعلى هذا يعدون ممن لا يثبتون الإثبات التام الشرعي، فإثباتهم في المبدأ لكن عند التفصيل لا يثبتون كما يثبت السلف، بل لا يثبتون كما تثبت النصوص الشرعية، فيضعون للرؤية استثناء، وهذا الاستثناء أوقعهم في إشكال، فلا هم الذين قالوا بقول أهل السنة وسلموا، ولا هم الذين قالوا بقول المعتزلة واتضح رأيهم، فوقعوا في اضطراب كما سيأتي تفصيله.
وممن وقع في الكلام في الرؤية الصوفية، وهذا لم يذكر، لكن ينبغي التنويه به في هذا المقام، فالصوفية قولهم بالرؤية على نحو قول أهل السنة في مبدأ الإثبات، لكنهم في النهاية يلحدون في الرؤية كما يلحدون في كثير من أمور التوحيد، بمعنى أنهم يقولون بالرؤية حتى بالعين الباصرة في الدنيا، فغلاة الصوفية يقولون: إن الرؤية تثبت في الدنيا قلبية أو بصرية، وإن الولي إذا وصل إلى درجة الفناء أو الحلول أو الاتحاد أو الوحدة؛ فقد يرى ربه بعينه، وهذا ما صرح به ابن عربي صاحب وحدة الوجود، فيرى أن المرئي هو الله، وأن الإنسان لا يرى إلا ربه في هذا الكون، وحينما يرى نفسه فإنه يرى ربه، وحينما يرى ربه فإنما يرى نفسه، وهذه فلسفة، لكنه أراد بها الخروج عن مقتضى الشرع والقول بقول غلاة الصوفية وغلاة الفلاسفة الذين يزعمون أنهم يرون ربهم عياناً كما يرونه بقلوبهم، فعلى هذا نتحصل في أصل مبدأ الرؤية على أربعة أقوال: الأول: الإثبات كما ورد في الشرع، وعليه أهل السنة والجماعة.
والثاني: الإثبات لكن بشروط زائدة بدعية، وعليه أهل الكلام، يقولون: نثبت الرؤية لكن بلا جهة.
والقول الثالث: قول الذين يثبتون الرؤية لكنهم يزعمون حصول الرؤية لبعضهم في الدنيا بالعين الباصرة وبالقلب، وهذا ضلال مبين وكفر.
والقول الرابع: هو قول الذين أنكروا الرؤية إطلاقاً بدون تفصيل، وهم الجهمية والمعتزلة ومتأخرة الخوارج والرافضة ومن نحا نحوهم من الفرق التي غلت وسلكت طريق الجهمية.
стр. 379
فساد طريقة مؤولي نصوص الرؤية
قال رحمه الله تعالى: [وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودون.
وقد ذكر الشيخ ﵀ من الأدلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وهي من أظهر الأدلة.
وأما من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلاً فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص].
يقصد بذلك أن الذين أنكروا الرؤية وقفوا من نصوص الرؤية، مثل قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ومثل قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ومثل قوله : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، ونحو ذلك من الآيات الصريحة في الرؤية، وقفوا منها موقف المؤولة، فأولوها وردوا النصوص الأخرى التي في الأحاديث.
ونقف عند مسألة التأويل، فهو يقصد بالتأويل أن الجهمية والمعتزلة لا يجرءون على إنكار آيات القرآن ولا على ردها؛ لأنها لم تأت بإسناد، إنما هي وحي، والله قد تكفل بحفظ كتابه، فلم يجرءوا على الإنكار الصريح للآيات، وإن كان بعضهم قال قولاً يؤدي إلى ذلك، مثل قول بعضهم: إني أود أن أحك الآية الفلانية من المصحف، فهذه مجرد عواطف، لكنهم لم يجرءوا على الإنكار، وإنما جرءوا على التأويل، فهذه الآيات قالوا: ليس المقصود بها النظر إلى الله .
وأتوا بأقوال كثيرة في المقصود بها ولم يتفقوا في المقصود، إنما فتحوا باب التأويل.
فهنا يقول لهم: إذا فتحتم باب التأويل في هذه المسائل المتعلقة بالله والتي لا سبيل إلى القول بتأويلها؛ فتأويل غيرها مما يتعلق بالغيبيات الأخرى والسمعيات الأخرى أهون وأسهل، وإذا قلتم بتأويل الرؤية سهل على الناس أن يؤولوا حتى ما يتعلق بالجنة والنار والبعث واليوم الآخر والحساب ونحو ذلك من أمور السمعيات كالصراط والميزان، فيقول: إذا فتحنا باب التأويل فتحنا لكل مبطل -بل ولكل كافر- أن يتأول هذه النصوص على مزاجه ويقول: المقصود بالآية الفلانية كذا؛ لأن باب التأويل هو فتح لباب الظنون في الغيب، وإذا فتحت باب الظنون في الغيب لم تنغلق؛ لأن كل إنسان له ظنه، وكل إنسان يظن ويتوهم ويخطر على باله من الأوهام ومن الأشياء الظنية أشياء كثيرة، فلذلك لا يمكن أن يقال بتأويل هذه النصوص؛ لأن التأويل باطل أصلاً، وقول بالظنون والأوهام في أمور الغيب، وأمور الغيب لا مجال للظنون والأوهام فيها، ولا مجال للتخرص ولا للعقليات ولا للاجتهاد والرأي فيها؛ لأنها غيب، ولو علمها الناس وظنوا فيها ظنوناً لما كانت غيباً.
الأمر الثاني: أن من أول في أمر غيبي لزمه أن يؤول في الأمور الأخرى، ولو لم يلتزم احتج بتأويله غيره، فلذلك لما أولت المؤولة أفعال الله تعالى قال لهم الذين أولوا الصفات: إذا أولتم في الأفعال جاز لنا نؤول في الصفات، ولما أولوا الصفات قال لهم الجهمية: ما دمتم أولتم الصفات فمن حقنا أن نؤول الأسماء، فلما وصلوا إلى هذا الحد جاءت الباطنية فقالوا: ما دمتم فتحتم باب التأويل فنحن نؤول الدين كله، فالدين له ظاهر وباطن، حتى ما يتعلق بأركان الإسلام وأركان الإيمان! وهكذا انفتح باب التأويل، وهذا ما أراده الشيخ.
يقول: فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل؛ لأن من تأول ما يتعلق بأفعال الله وأسمائه وصفاته ورؤيته ونحو ذلك فقد جرؤ على الله وتأول ما يتعلق بالله، فجرأته على ما يتعلق بالمخلوقات من باب أولى حتى الغيبية منها.
فهذا الرد يرد به أهل السنة على كل من تأول حتى ولو في مسألة صغيرة، يقال له: إذا فتحت التأويل فما الذي يمنع غيرك من أن يزيغ، ثم الثالث يوسع التأويل، ثم الرابع يجعل الدين كله له تأويل، فلا ينغلق باب التأويل، وليس هناك ضابط شرعي ولا عقلي قاطع يوقف الناس عند حد في التأويل، فإذا فتحوا الباب أول كلٌ على مزاجه، كالحال في أدلة الرؤية.
стр. 380
التأويل الفاسد وضرره على الدين والدنيا
قال رحمه الله تعالى: [وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية! فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل الحسين، والحرة، وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟!].
توسع الشارح في مفهوم التأويل الفاسد، ويحق له ذلك، ويقصد أن التأويل إذا بدأ انفتح الباب لأهل الأهواء لتأويل كل شيء من الدين ومن مناهج السنة ومن سبيل المؤمنين، وضرب أمثلة تبدو وكأنها بعيدة في المعنى، ولكنها في الحقيقة أمثلة واقعية لمعنى التأويل على بابه الواسع، ليس في الصفات وفي العقائد فحسب، بل حتى فيما يتعلق بمناهج السنة، فضرب مثالاً بقتل عثمان ﵁، فالذين قتلوا عثمان حججهم الظاهرة لا تستهدف عثمان ﵁ بشخصه، فليسوا ممن قصدوا العدوان أو التشفي الشخصي من عثمان، إنما تأولوا، وتأولهم أنهم زعموا أنه أخل بما كان عليه أبو بكر وعمر، وأنه أخل بمبدأ توزيع الأموال شرعاً، وأنه أخل بمبدأ توزيع المناصب والولايات، ثم بدءوا يعمقون هذه النقمة في القلوب حتى أغاظوا قلوب الناس على أمير المؤمنين من باب التأول وقالوا: إن أردنا إلا الإحسان وإن أردنا الخير وإن أردنا إلا الإصلاح، وكانت نهاية هذا التأول قتل عثمان ﵁ وإباحة دمه على أن هذا دفع للمنكر.
ثم بعده ما جرى يوم الجمل وصفين، وهي الفتنة التي حصل فيها خلاف بين المسلمين، فكل ما حدث فيها من إراقة دماء ونحو ذلك كان بتأول، فالذين قتلوا الزبير بن العوام أو الذين قتلوا طلحة أو الذين قتلوا علي بن أبي طالب بعد ذلك متأولة يقولون: أردنا أن نريح الأمة من هؤلاء؛ لأن اختلافهم أدى لافتراق الأمة واختلافها، وهكذا الفتن أصحابها دائماً يتأولون.
ثم مقتل الحسين، ومقتل الحسين حدث فيه تأول من جهتين: الأولى: جهة أن الرافضة الذين خذلوه تأولوا أنهم يجوز لهم أن يخرجوا به على السلطان زعماً منهم أنهم بذلك يقرون الحق في الإمامة له، وأنهم بذلك يدفعون الشرور والمظالم التي كان عليها بنو أمية.
والثانية: أن الحسين ﵁ بنفسه تأول في جواز خروجه بأنه يستجيز ذلك لمصلحة المسلمين، لكن هذا التأول أدى إلى غير المصلحة كما هو معلوم.
كذلك قصة الحرة، والحرة المقصود بها ما حدث من قيام أحداث وشباب أهل المدينة ضد يزيد بن معاوية مع أن شيوخهم وكبارهم نهوهم، وبعضهم كان معهم؛ لأن الفتنة إذا حدثت عمت الصالح وغير الصالح والكبير والصغير، لكن في أول أمرها لم يشارك فيها إلا بعض حدثاء الأسنان وبعض الغيورين وبعض أصحاب العواطف دون العلماء، فالعلماء نهوهم، فلما واجهوا جيش الدولة الأموية وحدث أن انهزموا انتهكت المدينة ووقع من الشر والفساد في دين الناس ودنياهم وفي أعراضهم وفي أموالهم وفي عقائدهم ووقع من الفتن والافتراق والأهواء بعد هذه الوقعة ما لا يعلمه إلا الله ، حتى قال بعض السلف: إن المدينة منذ وقعة الحرة لم تعد هي المثال الذي يقتدى به في السنة، كان الناس يقولون في ذلك الوقت: إذا اختلف أهل العلم في شيء فانظروا ماذا يفعل أهل المدينة.
إلى أن وقعت الحرة، وبعد وقعة الحرة ذهبت ريحهم وأعمت الصالح والطالح ومن شارك فيها ومن لم يشارك، وقتل الأبرياء وانتهكت الأعراض ونهبت الأموال وفسد دين الناس ودنياهم، وما ذلك إلا بالتأول الفاسد من قبل الذين كانوا يقولون: إن يزيد بن معاوية فاجر وظالم، ويحدث منه كذا، ويبذر بالأموال ويفعل ويفعل، ولا يسعنا إلا أن نقوم ضده وأن نزيل المنكر، فالذي حصل ما حصل إلا بالتأويل الفاسد.
وكذلك الخوارج استحلوا دماء المسلمين جميعاً بتأويل فاسد، حيث أخذوا النصوص وطبقوها على غير وجهها واحتسبوا بذلك عند الله ، فكانوا يقتلون الصحابة تديناً، وكذلك المعتزلة ما فعلوا ما فعلوه إلا من باب التأول؛ لأنهم قالوا: علماء المسلمين لم يكن عندهم من العلم وإدراك الحقائق العقلية والفلسفية، ولم يكن عندهم من إدراك ما عليه أصحاب الملل والنحل ما يجعلهم يدفعون عن الإسلام، فقاموا بمنهج كلامي زعموا أنهم ينصرون به الدين وينصرون الحق، وكذلك الرافضة وبقية الفرق.
стр. 381
الآيات القرآنية الدالة على الرؤية
قال رحمه الله تعالى: [وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ ، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، وإن عدي بـ (في) فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] وإن عدي بـ (إلى) فمعناه: المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟! وروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: (قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من البهاء والحسن ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، قال: في وجه الله .
عن الحسن قال: نظرت إلى ربها فُنُضِّرت بنوره.
وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، قال: تنظر إلى وجه ربها .
وقال عكرمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من النعيم، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى ربها نظراً.
ثم حكى عن ابن عباس ﵄ مثله، وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك ﵄: هو النظر إلى وجه الله .
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله ﷺ والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: (قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟! فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة).
ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر معناها أن الزيادة: النظر إلى وجه الله ، وكذلك فسرها الصحابة ﵃، روى ابن جرير عن جماعة منهم: أبو بكر الصديق وحذيفة، وأبو موسى الاشعري، وابن عباس ﵃.
وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، احتج الشافعي ﵀ وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي.
وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي ﵀ وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]؟ فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا].
стр. 382
الرد على المعتزلة بإثبات الرؤية فيما استدلوا به على نفيها من النصوص
قال رحمه الله تعالى: [وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، وبقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فالآيتان دليل عليهم، أما الآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه: أحدها: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال].
المتكلمون يقولون: لا يجوز عليه كذا ويجوز منه كذا، ويقصدون بالجواز هنا الإمكان أو الوجود الذي هو الوقوع، فقولهم: (لا يجوز) يعني: لا يقع أو لا يليق ولا يحصل، فالمؤلف هنا أراد أن يقول: إنه لو كانت الرؤية مستحيلة كما يزعم المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم فإنه لا يعقل ولا يقع من موسى ﵊ -وهو أعرف الناس بربه في وقته- أن يسأل ما لا يقع ولا يمكن، أو ما يكون مستحيلاً؛ لأن الأنبياء معصومون فيما هو دون ذلك، فكيف بهذا الأمر؟ فلا يظن بكليم الله -وهو موسى ﵇ أن يسأل ما لا يمكن أو أن يسأل المستحيل، لاسيما أنه متعلق بالله ، وهو من أعرف الناس بالله، فلو كانت الرؤية مستحيلة لما سأل موسى هذا السؤال، ولعصمه الله من أن يسأل سؤالاً غير لائق بالله ؛ لأنه سأل سؤالاً متعلقاً بذات الله.
قال رحمه الله تعالى: [الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ﵇ ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله، وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]].
هذا معناه أن الله أنكر على نوح عندما سأل نجاة ابنه، مع أن هذه المسألة لا تتعلق بذات الله ولا بصفاته، ومع ذلك أنبه الله ووبخه، كيف يسأل نجاة ابنه وهو يعلم أنه كافر بالله؟! بمعنى أن نبياً من الأنبياء وعظه الله أن يسأل مثل هذا السؤال ونهاه، فلو كان موسى ﵇ سأل أمراً لا يليق بالله وهو الرؤية، وكانت الرؤية مستحيلة ولا تصح لنبهه الله على أن هذا لا يجوز، كما نبه نوحاً على ألا يسأل ما هو دون ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [الثالث: أنه تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولم يقل: إني لا أرى، أو: لا تجوز رؤيتي، أو: لست بمرئي.
والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاماً فقال: أطعمنيه فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل.
وأما إذا كان طعاماً صح أن يقال: إنك لن تأكله، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى ﵇ لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار؛ لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى.
يوضحه الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟!].
معنى هذا أن الجواب الذي أجاب الله به سؤال موسى يدل على الإمكان، بمعنى أنه يمكن في الآخرة، لكنه في الدنيا غير وارد، فالجواب يدل على إمكان الرؤية في الآخرة، بدليل أن الله حينما سأله موسى الرؤية ما قال: إني لا أرى، أو: لا تمكن رؤيتي، أو: لا تصح ونحو ذلك، إنما قال: (لن تراني)، ومعنى هذا أنه لن يراه بطاقته الموجودة؛ إذ ليس عنده القدرة والاستعداد في الدنيا للرؤية، ولم يقل: إني لا أرى، ولو قال: لا أرى لتحقق هذا في الدنيا والآخرة؛ ولأن (لن) تأتي مؤقتة بحسب الحال، فإذا تغير الحال تغير الجواب.
وضرب الشارح لذلك مثلاً في الفرق بين (لن) و (لا)، فلو أن إنساناً في كمه تفاحة ولقيه إنسان جائع فقال: أطعمني مما معك، وليس في نيته أن يطعمه أبداًَ؛ فالجواب على أحد احتمالين: إما أن يقول: لن تأكله.
بمعنى أنه ما جاء الجواب على أنه لا يؤكل، إنما جاء الجواب على أنه منعه لعارض آخر، إما لحاجة وإما لغيرها.
لكن لو قال: الذي معي لا يؤكل فالجواب غير صريح وغير جيد وغير مناسب؛ لأنه يكون كذب عليه، فإذا قال: لن تأكله فربما أطمعه، فلو كان فيه القوة لاغتصبه وأخذ الذي معه؛ لكن إذا قال: لا يؤكل فربما يتصور أنه حجر أو نحو ذلك.
فالمقصود أن الفرق بين (لن) و (لا) في مثل هذا الجواب أن (لن) يعني الامتناع لأي عارض، و (لا) في مثل هذه الحالة لا تعني الامتناع لعارض، فلذلك لم يأت الجواب بـ (إني لا أرى) أو نحو ذلك، إنما جاء بلفظ (لن تراني).
قال رحمه الله تعالى: [الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقراً، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء].
هذه الجملة فيها غموض، وكل كلام المتكلمين فيه غموض ومحارات وألغاز وأوهام، لكن أحياناً قد يضطر بعض أهل العلم إلى أن يخوضوا بمصطلحات المتكلمين للرد عليهم بها، أو رد شبهاتهم، وإلا فمن غير اللائق أن تكون مثل هذا العبارات ومثل هذه الأمثال في كتب أهل السنة والجماعة.
فالشارح في الوجه الخامس
стр. 383
وجه إثبات الرؤية في قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)
ثم جاء المعتزلة والجهمية بشبهة أخرى حول آية أخرى لبسوا بمعناها على الناس، وهي قوله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فقالوا: (لا تدركه) بمعنى: لا تراه، وهذا يشمل الدنيا والآخرة، وفي معرض الرد على استدلالهم بهذه الآية ذكر الشارح جملة من الردود الجيدة التي نقلها عن أهل العلم.
قال رحمه الله تعالى: [وأما الآية الثانية: فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف وهو: أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية].
المقصود بالصفات الثبوتية الصفات التي تتضمن إثبات كمال، سواء كانت في سياق الإثبات أو في سياق النفي، فالنصوص التي وردت في تنزه الله كلها تدل على صفات ثبوتية، مثل قوله : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، وقوله : ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ونحوها من الآيات التي تنفي عن الله النقص، فإنها لا بد من أن تدل على صفات ثبوتية في المقابل، كما سيبين الشارح، فالمقصود بالصفات الثبوتية الصفات التي تدل على ثبوت الكمال، سواء كانت بلفظ الإثبات أو بلفظ النفي.
قال رحمه الله تعالى: [وأما العدم المحض فليس بكمال، فلا يمدح به، وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمراً وجودياً].
يريد بهذا أن يمهد للرد عليهم في قولهم بأن قول الله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] معناه: لا تراه.
يريد أن يمهد بهذه القواعد ليثبت أن هذه الآية دليل على إثبات الرؤية لا على نفيها؛ لأن قولهم: لا يرى تشبيه له بالعدم، تعالى الله عما يزعمون؛ فقولهم بأن الله لا يرى تشبيه له بالمعدوم؛ لأن الذي لا تمكن رؤيته هو المعدوم، أما المخلوق فتمكن رؤيته على أي وجه من الوجوه التي يقدر الله بها عباده على الرؤية، فكأنه يريد أن يقول لنفاة الرؤية: قولكم: إن معنى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]: (لا تراه) تشبيه له بالمعدوم؛ لأن الشيء الذي لا يرى أو لا تمكن رؤيته ولو بما يقدر الله به عباده على الرؤية هو المعدوم، وهو الذي يقبل الوصف السلبي المحض؛ لأنك إن نفيت عنه النفي المطلق قبل، وإن نفيت عنه الإيجاب قبل؛ لأنه لا يقبل الوصف، ومن هنا لا يقبل الرؤية، أما ما يقبل الوصف ويقبل التسمية ويقبل الكمال فلا بد من أن يقبل الرؤية.
قال رحمه الله تعالى: [وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمراً وجودياً، كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته.
ولهذا لم يتمدح بعدم محض لم يتضمن أمراً ثبوتياً؛ فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فإذاً: المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢] فلم ينف موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علماً، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية، كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه].
يعني: لا يتمكن الرائي لأي مخلوق عظيم وكبير من أن يحيط بحدوده، فإذا كان هذا في المخلوقات -ولله المثل الأعلى- فالله أعلى وأعظم وأجل من أن تدركه الأبصار، أي: تحيط به على جهة الإدراك، كما قال أهل العلم وكما قال أهل اللغة: إن الإدراك معنىً زائد على الرؤية؛ لأنك قد ترى الشيء لكن لا تدركه، فقوله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لا يعني: لا تراه، إنما تراه ولكن لا تدركه، بل ربما يوحي معنى الآية -كما قال بعض أهل العلم- بأن قوله: (لا تدركه الأبصار) يعني: أنها تراه، وإلا فلماذا نفى الإدراك؟! فلو تأملتم بحس لغوي لأدركتم فعلاً أن معنى الآية يُفهِم أن المؤمنين يرونه لكن لا يدركونه تعالى، فالله تراه الأبصار ولكن لا تدركه، ول
стр. 384
شرح العقيدة الطحاوية [٣١]
لقد تواترت أحاديث إثبات الرؤية عن النبي ﷺ بما لا يدع مجالاً للشك في إثباتها، فقد رواها نحو من ثلاثين صحابياً، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول ﷺ قالها، ومع هذا فهناك من أنكر الرؤية من الفرق الضالة كالمعتزلة والجهمية وهناك من أول نصوصها، وفسرها بغير ما وردت به النصوص، كالأشاعرة والماتريدية، وكلهم قد جانبوا الصواب، وركبوا البدعة واتبعوا الهوى والشيطان.
стр. 385
بعض الأحاديث المتواترة الدالة على ثبوت رؤية المؤمنين ربهم في الجنة
стр. 386
حديث أبي هريرة ﵁
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن.
فمنها: حديث أبي هريرة ﵁ (أن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله.
قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك).
الحديث، أخرجاه في الصحيحين بطوله].
مثل هذا الحديث صريح في إثبات الرؤية، بل إنه محكم، وكثير من أحاديث الرؤية محكمة في إثبات الرؤية، فالنبي ﷺ كان يتحدث عن عظمة الله وعن نعيم الجنة، فسأله بعض الصحابة سؤالاً صريحاً في الرؤية موجهاً إليه ﷺ ، وهو المبلغ عن ربه، فقالوا: (هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، وهم عرب، والنبي ﷺ أوتي جوامع الكلم ويتكلم بلسان عربي مبين، وليس في سياق الحديث -وكذلك الأحاديث الأخرى- ما يدل على أن المقصود بالرؤية غير رؤية البصر، بل الحديث يشهد آخره لأوله: (هل نرى ربنا؟)، فإذا تكلم المتكلم عن الرؤية في مثل هذا السياق فهل تنصرف لغير الرؤية البصرية؟!
و
الجواب
لا، ثم بعد ذلك تأكيد ذلك بتشبيه رؤية الله ووضوحها وتحققها برؤية الناس للشمس والقمر ليس دونهما سحاب، والشمس والقمر بأي شيء يريان سوى البصر؟! وهل يستطيع الأعمى الكفيف أن يدعي أنه رأى الشمس وهو لا يملك الآلة للرؤية؟! وكذلك الإشارة إلى السحاب، فالسحاب شيء مادي يحجب العيون عن الرؤية، ولا يحجب القلوب، ولو كان الأمر كما قالت المعتزلة: إن الرؤية قلبية، لما كان لذكر السحاب فائدة؛ لأن السحاب هو الذي يحجب رؤية العين، لكنه لا يحجب رؤية القلب؛ لأن الرؤية القلبية أمر ليس بمادي ولا يمكن أن يخضع للعوائق المادية المنظورة.
إذاً: فالإشارة إلى السحاب دليل على أن الرؤية بصرية فعلاً؛ لأن السحاب إنما يحجب أبصارنا عن رؤية الشمس والقمر، ومن هنا صار الحديث محكماً ودليلاً قاطعاً على أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم في الجنة على ما يليق بجلاله.
стр. 387
حديث أبي سعيد الخدري ﵁
قال رحمه الله تعالى: [وحديث أبي سعيد الخدري أيضاً في الصحيحين نظيره، وحديث جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوساً مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته) الحديث أخرجاه في الصحيحين.
وحديث صهيب ﵁ المتقدم رواه مسلم وغيره].
في هذا الحديث زيادة فائدة، وهي أن النبي ﷺ ذكر الرؤية في معرض نظره بعينه إلى القمر، فالنبي ﷺ كان الصحابة عنده جلوساً، فنظر إلى القمر، فلما نظر إلى القمر تذكر الرؤية في الآخرة فقال: (إنكم سترون ربكم)، وليس المقصود تشبيه القمر بالله ، إنما المقصود تشبيه رؤية الله في الجزم بها ووضوحها وتأكيدها برؤية القمر ليس دونه سحاب ليلة أربع عشرة، إذ هو أوضح ما يكون، ثم في نفس النص قال: (إنكم سترون ربكم عياناً) وهذا قول النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ومعنى (عياناً): بالعين الباصرة، فهذا تصريح بالعيان الذي هو فعل العين الباصرة.
стр. 388
حديث أبي موسى الأشعري ﵁
قال رحمه الله تعالى: [وحديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) أخرجاه في الصحيحين].
هذا أيضاً فيه تصريح بإمكان الرؤية، وقد أورد هذا الحديث بعض المعاصرين الذين أنكروا الرؤية تبعاً لمن سبقوه، لكنه ذنب، فزعم أن الرؤية غير ممكنة؛ لأن الله جعل بيننا وبينها رداء الكبرياء! مع أنه دليل على إمكان الرؤية؛ لأن النبي ﷺ ما نفى رؤية الله من قبل عباده، إنما ذكر الحاجب الذي يحجبهم عن الرب، فما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء، وهذا أمر متعلق بقدرة الله ، فإذا رفع الله عنهم هذا المانع رأوه، فهو دليل على أن الرؤية ممكنة لكنها دونها حاجز، وهذا الحاجز خاضع لقدرة الله.
إذاً: الرؤية ممكنة، لكن الله حجبهم برداء الكبرياء، والله الذي حجبهم برداء الكبرياء قادر على أن يرفع هذا الحجاب إذا شاء، وقد ثبت أنهم يرونه ﵎.
стр. 389
حديث عدي بن حاتم ﵁
قال رحمه الله تعالى: [ومن حديث عدي بن حاتم: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب) أخرجه البخاري في صحيحه].
هنا أشار إلى أمرين: إلى مسألة الرؤية والتكليم، فقوله: (ليس بينه وبينه حجاب) يعني: عن الرؤية، (ولا ترجمان) يعني: عن التكليم، وهذا متعلق بلقاء الله يوم القيامة في المحشر قبل الرؤية التي تثبت للمؤمنين، متعلق بما يسميه أهل العلم الرؤية العامة، وهي أن جميع الخلائق يوم القيامة يرون ربهم، لكن الرؤية تختلف من شخص إلى آخر، فالمؤمن يرى ربه رؤية المسرور، والكافر يرى ربه وهو حسير البصر نادم كئيب خجل من ربه ، فلا يتمتع بالرؤية كما يتمتع بها المؤمن، فلذلك قال: (وليلقين الله أحدكم يوم القيامة)، فليس المقصود به مجرد اللقاء العام؛ لأن هذا لقاء خاص لكل فرد، (وليس بينه وبينه حجاب) عن الرؤية (ولا ترجمان) في مسألة سماع كلام الله ، فيرى الله ويسمع كلامه، وهذا على القول بالرؤية العامة، وهل هي بصرية خالصة أو قلبية أو بعضها بصري وبعضها قلبي، أو هي بصرية للمؤمنين ولغيرهم، أو أن الكفار والمنافقين يدركون أن هذا ربهم لكن لا يستطيعون رؤيته مما لقوا الله به من أعمال غير صالحة، هذا مسألة خلافية.
стр. 390
دلالة الأحاديث النبوية على إثبات الرؤية والتكليم والمناداة والتجلي وغير ذلك من صفات الله
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث، ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية؛ فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي الخلق لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة الصواعق].
следующие страницы →