Полный текст (1 296 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
حديث أبي هريرة ﵁
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن.
فمنها: حديث أبي هريرة ﵁ (أن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله.
قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك).
الحديث، أخرجاه في الصحيحين بطوله].
مثل هذا الحديث صريح في إثبات الرؤية، بل إنه محكم، وكثير من أحاديث الرؤية محكمة في إثبات الرؤية، فالنبي ﷺ كان يتحدث عن عظمة الله وعن نعيم الجنة، فسأله بعض الصحابة سؤالاً صريحاً في الرؤية موجهاً إليه ﷺ ، وهو المبلغ عن ربه، فقالوا: (هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، وهم عرب، والنبي ﷺ أوتي جوامع الكلم ويتكلم بلسان عربي مبين، وليس في سياق الحديث -وكذلك الأحاديث الأخرى- ما يدل على أن المقصود بالرؤية غير رؤية البصر، بل الحديث يشهد آخره لأوله: (هل نرى ربنا؟)، فإذا تكلم المتكلم عن الرؤية في مثل هذا السياق فهل تنصرف لغير الرؤية البصرية؟!
و
الجواب
لا، ثم بعد ذلك تأكيد ذلك بتشبيه رؤية الله ووضوحها وتحققها برؤية الناس للشمس والقمر ليس دونهما سحاب، والشمس والقمر بأي شيء يريان سوى البصر؟! وهل يستطيع الأعمى الكفيف أن يدعي أنه رأى الشمس وهو لا يملك الآلة للرؤية؟! وكذلك الإشارة إلى السحاب، فالسحاب شيء مادي يحجب العيون عن الرؤية، ولا يحجب القلوب، ولو كان الأمر كما قالت المعتزلة: إن الرؤية قلبية، لما كان لذكر السحاب فائدة؛ لأن السحاب هو الذي يحجب رؤية العين، لكنه لا يحجب رؤية القلب؛ لأن الرؤية القلبية أمر ليس بمادي ولا يمكن أن يخضع للعوائق المادية المنظورة.
إذاً: فالإشارة إلى السحاب دليل على أن الرؤية بصرية فعلاً؛ لأن السحاب إنما يحجب أبصارنا عن رؤية الشمس والقمر، ومن هنا صار الحديث محكماً ودليلاً قاطعاً على أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم في الجنة على ما يليق بجلاله.
стр. 387
حديث أبي سعيد الخدري ﵁
قال رحمه الله تعالى: [وحديث أبي سعيد الخدري أيضاً في الصحيحين نظيره، وحديث جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوساً مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته) الحديث أخرجاه في الصحيحين.
وحديث صهيب ﵁ المتقدم رواه مسلم وغيره].
في هذا الحديث زيادة فائدة، وهي أن النبي ﷺ ذكر الرؤية في معرض نظره بعينه إلى القمر، فالنبي ﷺ كان الصحابة عنده جلوساً، فنظر إلى القمر، فلما نظر إلى القمر تذكر الرؤية في الآخرة فقال: (إنكم سترون ربكم)، وليس المقصود تشبيه القمر بالله ، إنما المقصود تشبيه رؤية الله في الجزم بها ووضوحها وتأكيدها برؤية القمر ليس دونه سحاب ليلة أربع عشرة، إذ هو أوضح ما يكون، ثم في نفس النص قال: (إنكم سترون ربكم عياناً) وهذا قول النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ومعنى (عياناً): بالعين الباصرة، فهذا تصريح بالعيان الذي هو فعل العين الباصرة.
стр. 388
حديث أبي موسى الأشعري ﵁
قال رحمه الله تعالى: [وحديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) أخرجاه في الصحيحين].
هذا أيضاً فيه تصريح بإمكان الرؤية، وقد أورد هذا الحديث بعض المعاصرين الذين أنكروا الرؤية تبعاً لمن سبقوه، لكنه ذنب، فزعم أن الرؤية غير ممكنة؛ لأن الله جعل بيننا وبينها رداء الكبرياء! مع أنه دليل على إمكان الرؤية؛ لأن النبي ﷺ ما نفى رؤية الله من قبل عباده، إنما ذكر الحاجب الذي يحجبهم عن الرب، فما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء، وهذا أمر متعلق بقدرة الله ، فإذا رفع الله عنهم هذا المانع رأوه، فهو دليل على أن الرؤية ممكنة لكنها دونها حاجز، وهذا الحاجز خاضع لقدرة الله.
إذاً: الرؤية ممكنة، لكن الله حجبهم برداء الكبرياء، والله الذي حجبهم برداء الكبرياء قادر على أن يرفع هذا الحجاب إذا شاء، وقد ثبت أنهم يرونه ﵎.
стр. 389
حديث عدي بن حاتم ﵁
قال رحمه الله تعالى: [ومن حديث عدي بن حاتم: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب) أخرجه البخاري في صحيحه].
هنا أشار إلى أمرين: إلى مسألة الرؤية والتكليم، فقوله: (ليس بينه وبينه حجاب) يعني: عن الرؤية، (ولا ترجمان) يعني: عن التكليم، وهذا متعلق بلقاء الله يوم القيامة في المحشر قبل الرؤية التي تثبت للمؤمنين، متعلق بما يسميه أهل العلم الرؤية العامة، وهي أن جميع الخلائق يوم القيامة يرون ربهم، لكن الرؤية تختلف من شخص إلى آخر، فالمؤمن يرى ربه رؤية المسرور، والكافر يرى ربه وهو حسير البصر نادم كئيب خجل من ربه ، فلا يتمتع بالرؤية كما يتمتع بها المؤمن، فلذلك قال: (وليلقين الله أحدكم يوم القيامة)، فليس المقصود به مجرد اللقاء العام؛ لأن هذا لقاء خاص لكل فرد، (وليس بينه وبينه حجاب) عن الرؤية (ولا ترجمان) في مسألة سماع كلام الله ، فيرى الله ويسمع كلامه، وهذا على القول بالرؤية العامة، وهل هي بصرية خالصة أو قلبية أو بعضها بصري وبعضها قلبي، أو هي بصرية للمؤمنين ولغيرهم، أو أن الكفار والمنافقين يدركون أن هذا ربهم لكن لا يستطيعون رؤيته مما لقوا الله به من أعمال غير صالحة، هذا مسألة خلافية.
стр. 390
دلالة الأحاديث النبوية على إثبات الرؤية والتكليم والمناداة والتجلي وغير ذلك من صفات الله
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث، ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية؛ فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي الخلق لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة الصواعق].
стр. 391
ذكر ما روي في إثبات الصوت وما قيل في ذلك
أشار المحقق في الهامش إلى أن حديث: (يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) ضعيف، وخلص إلى أنه ليس هناك ضرورة لإثباته، وليس من منهج السلف هذا الأسلوب، فالسلف ﵏ إذا ثبت عندهم الحديث قالوا به وقالوا بمقتضاه.
وإثبات الصوت لله اختلف في أحاديثه، أما مسألة النداء أن الله ينادي عباده، وأنه يكلمهم؛ فهي ثابتة بنصوص قطعية، فمسألة الصوت وردت فيها أحاديث صححها الكثير من أهل العلم، وبعضهم حسنها، وبعضهم ضعفها، والضعيف إذا لم يرتق إلى درجة القبول لا يثبت به صفة.
لكن الراجح -والله أعلم- أن أحاديث إثبات الصوت مرتبطة بأحاديث إثبات النداء، وأحاديث إثبات التكليم والنداء ثابتة بأسانيد صحيحة، ولذلك قال كثير من السلف: إنه لا يعقل أن الله ينادي عباده ويكلمهم بمجموعهم وبأفرادهم بغير صوت؛ لأنه ورد في النصوص أن العباد يسمعون كلام ربهم، والسماع لا يكون إلا لصوت، هذا قول السلف، فلذلك رجحوا إثبات صفة الصوت بناءً على أن الأحاديث التي وردت فيها حسنة، وبعضهم صححها، وقد أشار الألباني في أحاديث إثبات الصوت إلى هذا الحديث نفسه، أشار إليه في سلسلة الأحاديث الصحيحة وحسنه وصححه، وأيضاً ذكره في صحيح الجامع الصغير.
إذاً: فمسألة الصوت -كما قال السلف- مرتبطة بمسألة إثبات النداء وإثبات الكلام لله على ما يليق بجلال الله، بغير تكييف ولا تشبيه، فإذا عقل أن يثبت في النصوص النداء والتكليم فكذلك يثبت الصوت إذا ورد بأسانيد صحيحة، فما أدري لماذا جنح المحقق -عفا الله عنه- إلى التنصل من إثبات هذه الصفة، وليته أشار إلى أن الخلاف فيها وارد؛ لئلا يشعر كلامه بالجزم بنفيها، أما أن الخلاف فيها وارد فصحيح؛ لأن بعض أهل العلم قالوا: لا يلزم من إثبات النداء وإثبات التكليم إثبات الصوت، فهؤلاء لم يثبت عندهم حديث الصوت، أما الذين ثبت عندهم فلا إشكال عندهم على الإطلاق.
стр. 392
موقف منكري الرؤية تجاه نصوصها
ومما ينبغي علمه أن الذين أنكروا الرؤية صنفان: صنف ينكر الأحاديث إطلاقاً، ويؤول الآيات مثل قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وكقوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وقوله : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، ونحو ذلك من الآيات الصريحة في إثبات الرؤية، والنبي ﷺ فسرها في أحاديث صحيحة بإثبات الرؤية، فهذه الآيات يؤولونها، والأحاديث يردونها حتى وإن كانت صحيحة.
وصنف آخر يؤول الآيات ويؤول الأحاديث التي لا يمكن ردها، لكنَّه تأويل متعسف، فهم يفسرون الرؤية بأنها قلبية أحياناً، وأحياناً يقولون: يرى إلى غير جهة مع نفي الفوقية والاستواء والعلو، وهذا مذهب متكلمة الأشاعرة والماتريدية، فإنهم يقولون بالرؤية لا في جهة، مع أنهم في الجملة لا يعدون من نفاة الرؤية، لكن تفصيلاتهم حول الرؤية تشبه قول المعتزلة، بل يكاد بعض أهل العلم يقول: إنهم يقولون بنفي الرؤية، حتى إن المعتزلة قالوا لهم: أنتم تنفون الرؤية بهذا، فإذا قلتم: يرى إلى غير جهة فهذا نفي للرؤية، لأنه لا تعقل رؤية إلى غير جهة، وإذا قلتم يرى فأثبتوا الاستواء والفوقية والعلو.
стр. 393
أصول دين الإسلام لا تعلم من غير كتاب الله وسنة رسوله
قال رحمه الله تعالى: [وكيف تعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟!].
يشير بذلك إلى أن الذين أنكروا الرؤية لم يكن إنكارهم يعتمد على أدلة من الكتاب والسنة، بل كانت أصولهم معارضة للكتاب والسنة، والذين تولوا كبرهم في ذلك هم الجهمية والمعتزلة، فالجهمية والمعتزلة مصادر التلقي عندهم تتميز بما يأتي: أولاً: لا تنحصر في الكتاب والسنة.
ثانياً: لا يقدمون فيها الكتاب والسنة على المصادر الأخرى، بمعنى أنهم حينما ضلوا فأشربوا قواعد عقلانية قرروا بها العقيدة ووقعوا أيضاً في تقديم هذه القواعد على الكتاب والسنة وتحكيمها.
فالجهمية وكذلك المعتزلة وكل من أنكر الرؤية شبهتهم عقلية فلسفية وليست من الوحي في شيء، فلذلك لما قيل لهم: هذا كلام الله ورسوله جاءوا بداهية أخرى وقالوا: كلام الله ورسوله نعود به إلى العقل، فما صدقه العقل أخذنا به وما كذبه كذبناه أو رددناه أو أولناه، وهكذا الأهواء يجر بعضها إلى ما هو أشد إلى أن يقع صاحب الهوى في كفر صريح وهو يدعي أنه ينصر الحق.
إذاً: هم على أصول غير الكتاب والسنة، بل أخذوها عن آراء وقواعد الفلاسفة المبنية على الأوهام والتخرصات.
قال رحمه الله تعالى: [وكيف تعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟! وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسوله ﷺ وأصحاب رسوله الذين نزل القرآن بلغتهم؟! وقد قال ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)، وفي رواية: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)، وسئل أبو بكر الصديق ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١]: ما الأب؟ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟!].
المقصود هنا أن أمور العقيدة لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة، وأن نصوص الكتاب والسنة لا تفسر إلا عن علم، وأتى بكلام أبي بكر ﵁، حيث توقف في تفسير أمر من عالم الشهادة، فالأب ليس من أمور الغيب، إنما هو من النعم التي أنعم الله بها على عباده، لكن نظراً إلى أن أبا بكر ﵁ وقتها لم يكن يجزم بمعنى الأب -لأن العرب تفسر الأب بأكثر من تفسير- توقف عن أن يفسرها؛ نظراً لأنها من كلام الله، وهو لا يجزم بمراد الله ، وهذا في أمور تتناولها عقول الناس، وهو من عالم الشهادة، فكيف بالأمور التي لا تدركها العقول وهي أمور العقيدة كالرؤية وكلام الله ؟!
стр. 394
شرح العقيدة الطحاوية [٣٢]
الرؤية ثابتة بثبوت أدلتها وتواترها تواتراً لا يدع مجالاً للشك في إثباتها، ومع ذلك فقد أنكرها طوائف من أهل الكلام والمعتزلة، فبعضهم أنكروها إنكاراً صريحاً، وبعضهم أثبتوها بما يوافق أصولهم العقدية الباطلة، ولازم قولهم هو إنكارها، فإنهم قالوا: يرى لا في جهة، وهذا قول باطل يرده العقل والفطرة السليمة فضلاً عن الأدلة الشرعية، وهؤلاء هم الأشاعرة ومن حذا حذوهم من المتكلمة، وإنكار الرؤية تماماً هو قول الجهمية والمعتزلة ومن حذا حذوهم.
стр. 395
خطأ طريقة المتكلمين في إثبات الرؤية ولازم قولهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟! ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله، فإما أن يكون مكابراً لعقله، أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة].
في هذه المسألة يرد على المتكلمين من الأشاعرة ونحوهم الذين أثبتوا الرؤية بكلام لم يعهد عن السلف ولم يرد في النصوص، بل يناقض النصوص، وسبب ذلك جدالهم للجهمية والمعتزلة الذي ألجأهم إلى مثل هذه المقولات، وأي إنسان يصاب بالجدل لا بد من أن يتأثر بأقوال خصومه؛ لأن الجدل -خاصة في أمور الغيب وأمور الدين التي لا تؤخذ إلا من النصوص- لابد من أن يؤدي بصاحبه إلى أن يسلك مسالك عقلية لا يتخلص منها ويأخذ من خصومه ما لم يكن له على بال، بل يلزم نفسه في الخصام والجدل والتمحل بأمور قد تخرج عن أصول العقيدة الصحيحة، فهؤلاء المتكلمون من الأشاعرة والماتريدية أثبتوا الرؤية؛ لأنهم ليسوا ممن ينكر ما ثبت بنص الشرع، بل يثبتون ما صح عن رسول الله ﷺ ، لكن من حيث تقرير العقيدة يقررون العقيدة بالعقول، فأصول العقيدة يقررونها بالعقول، فلما لجئوا إلى تقرير الرؤية بالعقل مع الشرع، والعقل لا طاقة له بمثل هذه الأمور، ولا يمكن أن يطلع الغيب؛ اضطروا إلى أن ينفوا أشياء لم تنف بالنصوص وأن يثبتوا أشياء لم تثبت في النصوص، فمما نفوه مما لم يرد في النصوص أن قالوا: إن الله يرى لا إلى جهة أو إلى غير جهة، وسبب ذلك أنهم تأثروا بالمعتزلة في نفي العلو بالذات لله ، ونفوا الاستواء كما يقره السلف، ونفوا الفوقية كما تفهم من الشرع، فلما نفوا العلو أو أولوه ونفوا الفوقية أو أولوها، وكذلك الاستواء اضطروا حين أثبتوا الرؤية إلى أن يقولوا: يرى إلى غير جهة؛ لأنهم لو قالوا: إن الله يراه المؤمنون ولم ينفوا الجهة للزم من إثبات الرؤية إثبات العلو وإثبات الفوقية؛ لأن كل ما يرى لابد من أن يرى إلى جهة مقابل الرائي، وليس المقصود بالجهة الجهة المخلوقة، إنما الجهة التوجه، توجه البصر، فالبصر لا بد من أن يتوجه إلى شيء، والله شيء، وله وجود ذاتي سبحانه، فإذا رأته أبصار المؤمنين يوم القيامة في الجنة فإنما يرونه فوقهم، تعالى الله عما يزعم الذين نفوا العلو، فالله يراه المؤمنون من فوقهم، والفوق كمال، والعلو كمال، لكن لا يلزم من إثبات الفوقية والعلو أن نلتزم لفظ (جهة) إلا على سبيل قصد العلو بذاته أو الفوقية بذاتها.
أما الجهة التي هي من المخلوقات فلا تليق بالله ؛ لأن الله لا يحويه شيء من مخلوقاته، فهو فوق جميع الخلق، ومن هنا تلازم إثبات الرؤية مع إثبات الفوقية والعلو، كما أنه أيضاً يجتمع في الرؤية تعلق القلب وتعلق البصر بالله .
فالأشاعرة والماتريدية من أهل الكلام -لا المحدثون والفقهاء- الذين قالوا: يرى إلى غير جهة.
رد عليهم فقال: هل تعقل الرؤية بلا مقابلة؟! وليس المقصود أن نشبه مقابلة رؤية المخلوق للخالق بمقابلة رؤية المخلوق للمخلوق، بل من المقصود هنا أن هناك أمراً يفهم من النص بالضرورة، وهو أن المؤمنين إذا رأوا ربهم -والله فوق سماواته- فإنهم يرونهم من فوقهم.
ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله، ويقصد الشارح بقوله: (لا في جهة) إلى غير جهة، ولا يقصد بـ (في) هنا الظرفية، وإلا فالله ليس في جهة بمعنى أن هناك جهة تحويه، تعالى الله، إنما جهة العلو، فالعلو جهة والفوقية جهة، فمن هنا لا يصح أن يقال: يرى لا في جهة؛ لأن هذا نفي للعلو والفوقية، وكل هذا الكلام لا يليق بالمسلم أن يقوله في حق الله ، لكن السلف تكلموا به اضطراراً لنفي شبهات قال بها طائفة من المتكلمين حتى فتن بها العامة، فكان لا بد من الرد من قبل طلاب العلم.
فيقول: إذا قالوا: يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته؛ فهذا افتراض جدلي يرده كل من سمعه بفطرته السليمة، أي: يرد بالفطرة بعيداً عن التقعيدات والتفلسف، ويحكى أن الجويني كان يقرر على المنبر تأويل الاستواء لله وتأويل الفوقية الذاتية والعلو، فأراد أحد الطلبة أن يرد عليه بأيسر أسلوب، فقال له: أخبرني عن هذه الضرورة التي يجدها الداعي في قلبه إذا دعا الله ، يعني ضرورة التوجه إلى الله سبحانه، فالإنسان إذا دعا الله مستحضراً ما يقول يشعر بالتوجه إلى فوق، أليس كذلك؟ على أي وضع كان قائماً أو مضطجعاً، فإذا دعا الإنسان ربه دعاءً بقلبه مستحضراً شعر بجميع مشاعره أنه يتوجه إلى فوق، بل هذا في الحيوان، فالحيوان إذا مسته ضرورة شخص بصره إلى السماء.
فالتوجه إلى الفوق فطرة فطر الله الناس عليها حين يلجئون إلى الله .
فإثبات فوقية الله واستوائه على عرشه إثبات
стр. 396
سبب امتناع رؤية الله في الدنيا وسبب حصولها في الجنة
قال رحمه الله تعالى: [وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤية، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها، لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكملَ الله قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في صورته، إلا من أيده الله كما أيد نبينا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام:٨]، قال غير واحد من السلف: لا يطيقون أن يروا الملك في صورته، فلو أنزلنا عليهم ملكاً لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ يشتبه عليهم: هل هو بشر أو ملك؟ ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولاً منا].
في هذا المقطع بين أن الرؤية يفرق فيها بين الدنيا والآخرة، فرؤية الله في الدنيا غير ممكنة، ولما طلبها موسى حينما كلمه ربه، وطمع بعد الكلام في الرؤية بين له أنه لا يستطيع أن يرى ربه في هذه الدنيا؛ لأن الله لم يقدره، وليس بإمكانه وطاقته المحدودة في هذه الدنيا أن يرى ربه.
فمن هنا لما تجلى الله للجبل لم يطق الجبل رؤية الله، فالإنسان من باب أولى ألا يطيق؛ لأن قلبه مضغة ضعيفة، هذا في الدنيا.
أما في الآخرة فإن الله يقدر المؤمنين على الرؤية على نحو لا يكون إلا يوم القيامة، ولذلك فأحوال يوم القيامة كلها تخالف أحوال الدنيا في أمور كثيرة، فالشمس تدنو من الخلائق، ومع ذلك لا تحرقهم كما تحرقهم في الدنيا لو نزلت، وعلى هذا فإن الإنسان في هذه الدنيا غير قادر على رؤية الله؛ لأنه لم يقدره الله عليها، أما في يوم القيامة فالله يحدث له من القدرة والتحمل ما لم يكن في الدنيا، والإنسان لا يطيق رؤية بعض المخلوقات التي خلقها الله تعالى فكيف يطيق رؤية الله؟! فهذه الشمس إذا حدق بعينه فيها مدة طويلة عجز وربما يعمى، وهي مخلوقة من مخلوقات الله ، فكيف يطمع في أن يرى الله؟! وهذا فيه رد على الذين يزعمون أنهم يرون ربهم بأعينهم، وأظن أن الشيطان يتبدى لهم، وهم طائفة من المتصوفة وأهل الضلال، فلا يمكن لأحد أن يرى ربه في الدنيا، بل يستحيل ذلك كل الاستحالة، فالنصوص التي وردت في نفي الرؤية تعني نفي الرؤية في الدنيا، والنصوص التي وردت في إثبات الرؤية تعني إثبات الرؤية يوم القيامة من قبل عباد الله الذين ينعمهم الله وينعم عليهم بالرؤية، نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً منهم.
стр. 397
مدخل المعتزلة لإلزام المتكلمين بنفي الرؤية
قال رحمه الله تعالى: [وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه، لكن قول من أثبت موجوداً يرى لا في جهة أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجوداً قائماً بنفسه لا يرى ولا في جهة].
هذه مسايرة اضطرارية لأهل الكلام، والسلف قاعدتهم: أنهم يحرمون مثل هذا الكلام إلا لضرورة، ومن الضرورات التي ألجأتهم إلى هذا الكلام: أن الناس ابتلوا بمثل هذه الشبهات في أيام طفرة المعتزلة وانتشار أفكارهم، ثم بعد ذلك حينما كثر علم الكلام وكثرت كتبه، وصار يدرس ويعلم في حلق التعليم في كثير من البلاد الإسلامية؛ صار الأمر يوجب ويلزم بيان خطأ هؤلاء في هذه المسائل العقدية الحساسة الخطيرة.
وكلامه هنا بقوله: [وما ألزمهم المعتزلة]: يشير إلى متكلمة الأشاعرة والماتريدية الذين يقولون: إن الله يرى لا إلى جهة أو إلى غير جهة، والعبارة واحدة.
يقول بأن هذه فلسفة أصل منشئها كلام المعتزلة وشبهاتهم وقواعدهم العقلية، والمعتزلة -مع أنهم يعتمدون على القواعد العقلية- يردون هذا الكلام.
وقوله: [وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام] يعني بالإلزام أنهم قالوا: حينما قلتم: يرى إلى غير جهة جانبتم العقل والمنطق والقواعد وأصول الاستدلال.
وقالوا لهم: إن أخذتم بالقواعد العقلية التي أخذنا بها، وأخذت بها الجهمية، وسائر الفلاسفة؛ فيلزمكم أن تقولوا: لا يرى.
وإذا أخذتم بالنصوص الشرعية التي أخذ بها أهل الحديث فيلزمكم أن تقولوا: يرى، وكلمة: (لا إلى جهة) لا معنى لها؛ لأنه لا يعقل أن يرى إلى غير جهة، فإن أثبتم الرؤية فأثبتوا العلو كما أثبته أهل السنة، وإن نفيتم الرؤية نفيتم العلو، وإن نفيتم العلو نفيتم الرؤية، فهما متلازمان، وهذا صحيح من الناحية المنطقية بالنسبة لقواعدهم التي يتحاكمون إليها.
ثم قال: [لم يلزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه]، يعني: وافقوهم في نفي الفوقية لله ، ونفي العلو، وقالوا كلاماً ممرضاً للقلوب، ولولا أن المؤلف ساقه ما أجزت لنفسي أن أنطق بكلمة منه.
لكن أقول: ما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه، وهذه فلسفة ليس لها معنى.
ولا يجوز في حق الله مثل هذا الكلام، لا يقال: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا أنه داخل العالم أو خارجه بالمعنى المفهوم في عالم الشهادة؛ لأن مسألة داخل وخارج، ولا داخل ولا خارج، هذه تصورات مبنية على تخيل الإنسان للمخلوقات، فما هو داخل وخارج إنما هو علم الشهادة، والله أعظم وأجل، وهو سبحانه ليس كمثله شيء، وهو سبحانه بكل شيء محيط، وهو الحي القيوم.
فلذا لا يجوز مثل هذا الكلام نفياً ولا إثباتاً، بل يثبت ما أثبته الله لنفسه، وينفى ما نفاه الله عن نفسه، ولا يجوز للناس أن يزيدوا على ذلك؛ لأن كل كلام عن الله بنفي أو إثبات أكثر مما في النصوص إنما هو قول على الله بغير علم، وتحكم في أمر الغيب، وتشبيه لله بخلقه؛ لأن الإنسان إذا نفى أو أثبت فلا ينفي أو يثبت إلا بناءً على معلومة مستقرة في ذهنه، والإنسان ليس لديه في النفي والإثبات معلومة إلا من خلال علم الشهادة، وما عدا ذلك غيب لا يستطيع أن ينفي فيه أو يثبت إلا ما نفاه الشرع أو أثبته، وإذا كان هذا في سائر أمور الغيب فكيف بالله ؟!
стр. 398
وجه كون قول المتكلمين في الرؤية أقرب من قول المعتزلة
إن الله أجل وأعظم من أن يقال فيه: لا داخل العالم ولا خارجه، لكن قول من أثبت موجوداً يرى لا في جهة أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجوداً قائماً بنفسه لا يرى ولا في جهة.
ويقصد بذلك: أن قول الأشاعرة الذي ينفون الجهة ويثبتون الرؤية أقرب إلى الحق من قول المعتزلة والجهمية الذين ينفون الرؤية نفياً مطلقاً.
فهم يثبتون أن الله موجود وقائم بنفسه حسب تعبيرهم، لكن يقولون بأنه لا يرى ولا في جهة.
وكلمة (الجهة) ينبغي أن نستبعدها، لكن قد يطلقها السلف اضطراراً للتعبير عن العلو والفوقية؛ لأن الذين ينفون العلو والفوقية يقولون للسلف: إذا قلتم بأن الله فوق عباده، وأنه العلي؛ فقد قالوا: إذاً أنتم أثبتم الجهة؛ لأن العلو جهة.
والسلف يقولون: لا مانع من أن نأخذ من معنى الجهة المعنى الصحيح، وننفي المعنى الباطل، فالجهة لها معنيان: معنى العلو والفوقية لله ، فهذا حق.
ومعنى المكان، أو الحيز، كما تقول: الجهة الشمالية من هذا المسجد، أو: الجهة الجنوبية، فهذا المعنى لا يجوز أن يطلق على الله ؛ لأن المكان وصف من أوصاف المخلوقات، والجهة على هذا الاعتبار وصف من أوصاف المخلوقات، والله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه.
إذاً: نقول: الله هو العلي سبحانه، وهو القاهر فوق عباده، فإن قال المعتزلة والجهمية: هذه جهة قلنا: سموها ما تشاءون، إنما نحن نثبت العلو والفوقية كما جاءا في النص.
стр. 399
مناقشة القائلين بنفي الرؤية لانتفاء الجهة اللازمة لها
قال رحمه الله تعالى: [ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها -وهو الجهة- أتريد بالجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً؟! فإن أردت بها أمراً وجودياً كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى، وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة، فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر.
وإن أردت بالجهة أمراً عدمياً، فالمقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار].
مثل هذا الكلام من الكلام الممرض للقلوب، لكن لما بليت به الأمة وصار في المصنفات والكتب والمؤلفات التي تدرس كان لابد من الدفاع عن الحق.
فقوله: [ويقال لمن قال بنفي الرؤية] وهم: الجهمية والمعتزلة الذين يقولون بنفي رؤية المؤمنين لربهم في الجنة يوم القيامة، يقول: نقول لهم: ماذا تريدون بالجهة التي من أجلها نفيتم الرؤية؟! والمعتزلة وأتباعهم إلى اليوم ليس عندهم حجة شرعية، فقد ثبت تواتراً بالقرآن والسنة رؤية المؤمنين لربهم في الجنة يوم القيامة، لكن عندهم شبهات يسمونها حججاً عقلية، يقولون بزعمهم: لا يعقل أن تكون هناك رؤية إلا بجهة، وعلى هذا ينفون الجهة حتى العلو والفوقية بالمعنى المفهوم عند السلف، فمن هنا قالوا: إذاً: لا تعقل الرؤية؛ لأنه يلزم منها الجهة، فلا أحد يرى، ولا شيء يرى إلا ويكون في جهة، إما أن تراه فوق أو تحت أو يمين أو شمال، فعندهم أن الله إذا كان يرى فلابد من أن يكون في جهة، وعندهم ممنوع أن يكون الله في جهة؛ لأنهم ينفون العلو الحقيقي، والفوقية الحقيقية.
وأهل الباطل إذا جاءوا بقاعدة فاسدة جرتهم إلى قاعدة فاسدة أخرى، وهكذا، وتكون النتائج فاسدة، وكل مشكلة ينشأ عنها مشكلة، حتى كادوا ينكرون البدهيات، وهذا ما حصل.
فهو يقول: [يقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها: أتريد بالجهة أمراً وجودياً، أو أمراً عدمياً؟!].
ومعنى كلامه: أننا نناقش من نفى الرؤية لأنها تلزم الجهة، فيقال له: تعال لنتفق وإياك على معنى الجهة، فإن كنت تريد بالجهة شيئاً مخلوقاً، فالله لا يحتاج إلى مخلوق، هذا معنى الأمر الوجودي، وإن كنت تريد بالجهة مجرد الوجهة حتى خارج المخلوقات؛ فهذا أمر عدمي، فالوجهة في الذهن، وليست في الواقع، فمجرد تصور الوجهة تصور ذهني، فإن وجد شيء في الوجهة صار في الجهة، وإن لم يوجد شيء في الوجهة صارت الوجهة مجرد تصور في الذهن، والذهن ليس له ما يقيده؛ لأنه يتصور العدم، وأما الوجود فإنه إذا رآه علمه، أو إذا اطلع عليه بأي وسائل من وسائل العلم علمه.
أما ما عدا ذلك من الألفاظ المجردة -مثل كلمة جهة أو جنوب أو شمال- فهذا إذا كان مجرداً في الذهن لا ينتهي إلى نهاية، فالإنسان قد يتخيل كلمة شمال إلى ما لا نهاية، حتى ما وراء الوجود.
إذاً: فإذا كان تصورهم للجهة التي نفوا بها الرؤية تصوراً وجودياً؛ فنحن لا نقول بأن الله يوجد في مكان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
لكن نثبت له الرؤية، ولا يلزم أنه يحويه شيء من مخلوقاته.
وإن أرادوا بالجهة أمراً عدمياً، بمعنى: مجرد التصور الذهني؛ فلا داعي لأن نجادل في أمر مجرد في الذهن ليس له وجود، إنما هو خيالات.
ثم قال بعد ذلك: [فإن أردت بها أمراً وجودياً كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى]، وهذا عند المعتزلة والجهمية، ولا يصح.
ومقصودهم: أنه لا يمكن أن يرى الشيء إلا إذا كان موجوداً في شيء غيره، وكل هذه فلسفات خيالية جاء بها الفلاسفة قبلهم ثم نقلوها عنهم.
يقولون: كل شيء لا يوجد في غيره لا يرى، هذا معنى هذا الكلام، وأرادوا أن يطردوا هذه القاعدة، فقالوا: ما دمنا نقول: كل شيء ليس في شيء موجود لا يرى؛ والله ليس في شيء موجود؛ فالله لا يرى! وهذا غير صحيح، وقد يصح جدلاً، وإلا فسينقضه الشارح بعد قليل، فهذه القاعدة لا تصح؛ لأن المخلوقات أحكامها أحكام معلومة عند الناس من خلال المشاهدة، لكن الله ليس كمثله شيء، فلا يقاس بخلقه، ولا يقاس به خلقه.
وقد افترض الشارح افتراضاً صحيحاً فقال: ما دمتم تقولون هذا؛ فإن هناك ما ينقضه من الواقع، وهو: أن هذا العالم المخلوق له نهاية، ونهايته ليست في مخلوق آخر، وإلا فسيلزم التسلسل الممنوع عقلاً، فالمخلوقات تنتهي إلى نهاية، هذه النهاية يجب ألا تكون في مخلوق آخر، وإلا لزم التسلسل.
إذاً: لابد للعالم من نهاية، فالمخلوقات لابد لها من نهاية، إذا كان لابد لها من نهاية ألا يتصور عقلاً أن الإنسان لو أقدره الله على مشاهدة نهاية الخلق فإنه يمكن أن يشاهد نهاية الخلق؟! إذاً: قولهم بأنه لا تجوز رؤية الله؛ لأنه لو جاز أن يرى فلابد من أن يكون في مكان يحويه، أو في مخلوق يحصره، هذا غير صحيح، فالقاعدة وهمية من وساوس الشيطان لا أصل لها في العقل السليم والفطرة، إنما هي من خطوات الفلاسفة التي لا تستند على أي أصل علمي صحيح.
يقول: [وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة؛ فإن سطح العالم يمكن أن يرى وليس العالم في عالم آخر
стр. 400
قواعد سلفية في التلقي
قال رحمه الله تعالى: [وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان؟! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول، ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات النقلة، الذين تخيرهم النقاد، فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه، ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة فهو مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لكن إن أصاب يضاعف أجره].
هذه الجملة قواعد عند السلف يمكن أن نلخصها هنا على النحو الآتي: أولاً: أن الدين لا يتلقى إلا من الكتاب والسنة، وأنه لا يتلقى عن الأشخاص وعن الناس.
ثانياً: تفسير معاني النصوص إنما يتلقى عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
ثالثاً: أنه لا يعتمد في الدين من المنقول إلا ما نقل عن الثقات.
رابعاً: أن السلف لم ينقلوا نص القرآن واحده، إنما نقلوا نصه وتفسيره نظمه ومعناه، وجعلوه مصدراً من مصادر تلقي الدين في نظمه ومعناه.
خامساً: أن من لم يسلك في هذه الأصول سبيل السلف فإنما يتكلم في الدين برأيه.
سادساً: من تكلم برأيه في الدين فإنه آثم وإن أصاب، ومن أخذ بالكتاب والسنة -يعني: عن اجتهاد سائغ- فهو مأجور وإن أخطأ.
стр. 401
الخلاف في رؤية أهل المحشر لله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (والرؤية حق لأهل الجنة)، تخصيص أهل الجنة بالذكر يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]، واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يراه إلا المؤمنون.
الثاني: يراه أهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك.
الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار.
وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف].
والقول الرابع لعله يجمع بين هذه الأقوال، فهناك قول رابع قال به بعض أهل العلم، وهو أن الرؤية في المحشر تأتي بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: يراه فيها جميع الخلائق على ما يليق بجلال الله ، وهذه الرؤية لكل إنسان بحسبه، فالمؤمن يرى ربه رؤية تنعم وتلذذ وسرور، والكافر والمنافق يرى ربه رؤية حسرة، فلا يتمتع برؤية ربه .
والمرحلة الثانية: يتبدى الله فيها للخلائق فيراه المؤمنون والمنافقون، ولا يراه الكفار، وقالوا: سبب ذلك أن الله أطمع المنافقين في الرؤية ليظنوا أنهم نجوا، فيكون ذلك أنكى في العقوبة لهم؛ لأنهم كانوا يمكرون في الدنيا ويخادعون، فأراد الله أن يمكر بهم ويخادعهم في الآخرة.
فإذا رأى المنافقون ربهم مع المؤمنين وعلموا أن الكفار لم يروه في هذه المرحلة زاد طمعهم؛ ليكون ذلك أشد لحسرتهم إذا حجبوا في المرحلة الثالثة.
وفي المرحلة الثالثة: يراه المؤمنون دون المنافقين والكفار، قالوا: لأن هذا تقتضيه عمومات النصوص الكثيرة والتي تواردت في سياق الرؤية في المحشر.
ولعل هذا هو الذي يجمع بين ما ورد في النصوص، وعلى أي حال فالرؤية يوم القيامة على نوعين: النوع الأول: الرؤية في المحشر التي ذكرناها هنا، وهذه اختلف فيها أهل العلم: هل هي من نوع الرؤية التي تكون في الجنة أو تكون رؤية بحسب الحال، أو على وجه آخر يختلف؟ وهل هي رؤية حقيقية بصرية أو رؤية قلبية؟ فهذا كله محل خلاف، وإن كان جمهور السلف يقولون: ظاهر النصوص أنها رؤية عينية، لكنها تختلف بحسب حال الشخص وإيمانه.
وهذا النوع أيضاً صح في الأدلة، ولا يجوز لأحد إنكاره، لكن لا يكفر من أنكره؛ لأن النصوص ليست صريحة في رؤية المحشر العينية كما في رؤية الجنة.
أما النوع الثاني -وهو رؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأبصارهم- فهي رؤية بصرية عينية حقيقية أدلتها يقينية قطعية ومتواترة، ولا يسع أحداً بعد العلم بها أن ينكرها، ومن أنكرها فقد اتفق السلف على تكفيره، خاصة إذا كان ممن تقوم عليه الحجة، وعرف معنى الرؤية وأدلتها؛ إذ قد يحدث من الجهلة إنكار الرؤية؛ لأنهم لا يعرفون معناها ولا يفقهون نصوصها، فقد يرد من عامي أو شبه عامي لم يفهم معاني نصوص الرؤية إنكار الرؤية على سبيل الجهل، أما من علم وأقيمت عليه الحجة وأنكر بعد بيان الأدلة فإنه لا شك في كفره.
أما من أنكر الرؤية في المحشر فإن كان إنكاره إنكار تأول؛ فلا يكفر وإن ابتدع وخالف منهج السلف.
стр. 402
الاتفاق على عدم رؤية أحد ربه في الدنيا وذكر الخلاف في حق رسول الله ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه].
هذا هو قول جمهور السلف لم يخالف فيه أحد منهم، لكن في القرن الرابع وما بعده ظهرت طوائف من ضلال المتصوفة، وضلال الفلاسفة والباطنية يزعمون لبعض شيوخهم أنهم يرون ربهم رؤية عينية، وهذا باطل، فالسلف قد اتفقوا بإجماع على أنه لا أحد يرى ربه في الدنيا بعينه، وما حدث للنبي ﷺ في المعراج على تقدير أنه رآه بعينه على الرأي المرجوح؛ فإن هذا يعد استثناءً، وهو خاص بالرسول ﷺ لا يجوز لأحد غيره بعده ولا قبله.
إذاً: فهذا الإجماع شذ عنه طائفة من المتصوفة، وطائفة من الفلاسفة، وطائفة من الباطنية.
قال رحمه الله تعالى: [ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا ﷺ خاصة: منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له ﷺ .
وحكى القاضي عياض في كتابه الشفا اختلاف الصحابة ﵃ ومن بعدهم في رؤيته ﷺ ].
يعني: في رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج.
قال رحمه الله تعالى: [وإنكار عائشة ﵂ أن يكون ﷺ رأى ربه بعين رأسه، وأنها قالت لـ مسروق حين سألها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب.
ثم قال: وقال جماعة بقول عائشة ﵂، وهو المشهور عن ابن مسعود، وأبي هريرة واختلف عنه، وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين.
وعن ابن عباس ﵄: (أنه ﷺ رأى ربه بعينه)، وروى عطاء عنه: أنه رآه بقلبه.
ثم ذكر أقوالاً وفوائد، ثم قال: وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع ولا نص، والمعول فيه على آية النجم، والتنازع فيها مأثور، والاحتمال لها ممكن].
آية النجم ليس فيها جزم قاطع بأنه رأى ربه بعينه، بل آية النجم تؤيد الرؤية القلبية، لقوله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، وقوله قبل ذلك: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، فيفسر أحد النصين الآخر، فإذا قيل في الأولى: إن المقصود بها: أنه ﷺ رأى ربه؛ فإنه يكون رأه بقلبه؛ لأن الله قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وإن كان بعض المفسرين يقول: ما كذب الفؤاد ما رآه بعينه، لكن ظاهر النص عند بعض المفسرين يدل على أن الرؤية رؤية قلبية: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] يعني: ما رأى الفؤاد.
وكذلك يدفع احتمال الرؤية العينية: أن قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢] قيل: إنه في رؤية النبي ﷺ لربه بقلبه، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] في رؤية النبي ﷺ لجبريل بعينه؛ لأن قوله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] يدل على أن الرؤية حدثت مرتين، وهذه إنما تنطبق على رؤية جبريل.
فالنبي ﷺ رأى جبريل على صورته الحقيقية مرتين: المرة الأولى: حينما جاءه بالوحي في غار حراء، فقد سد عليه الأفق حتى أصيب بالرعب من منظره، ثم رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى على صورته الحقيقة.
فنظراً لهذه الاحتمالات في تفسير النصوص لا يوجد في آيات النجم ما يدل على أن الرؤية بصرية إلا دلالة بعيدة، في حين أن سياق الآيات يدل على أن الرؤية قلبية، خاصة قوله : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
стр. 403
إمكان رؤية الله في الدنيا عقلاً بإقداره عباده على ذلك
قال رحمه الله تعالى: [وهذا القول الذي قاله القاضي عياض ﵀ هو الحق؛ فإن الرؤية في الدنيا ممكنة، إذ لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى ﵇، لكن لم يرد نص بأنه ﷺ رأى ربه بعين رأسه].
الإشارة إلى الإمكان كثيراً ما تأتي في المسائل التي جرى فيها الخلاف، خاصة المسائل التي جر المتكلمون أهل السنة إلى الكلام فيها، أي: المسائل التي دخل فيها النظر العقلي.
وبعض الناس يظن أن الإمكان معناه: جوازه أو وقوعه، فإذا قال أحد العلماء: إن رؤية الله في الدنيا ممكنة، فقد يفهم بعض الناس أنها واقعة.
وليس هذا هو المقصود، بل المقصود الإمكان عقلاً، أي يتصور عقلاً أن الله يقدر عباده على أن يروه، لكنه ما أقدرهم، هذا معنى: ممكن، وليس معنى (ممكن) أنه محتمل أن تقع، فلا يمكن أن تقع؛ لأن الله قدر ألا تقع الرؤية جزماً، وليس عند السلف في هذا شك، وهو اتفاق بين السلف، فالإجماع قائم على أنه لا أحد يرى ربه بعين رأسه في الدنيا، إنما الرؤية بالعين في الآخرة، لكن عندما يقولون: (ممكن) كما قالوا في الرؤية، وكما قالوا في غيرها؛ فإنهم يقصدون بالإمكان: التقدير العقلي، أي: ليس هناك ما يمنع أن يرى الناس ربهم في الدنيا لو أن الله أقدرهم على ذلك.
وهذه المسألة ما دامت معلقة بقدرة الله فهي ليست محل جدال، ولا ينبغي أن تكون محل جدال، لكن السلف ابتلوا باستعمال عبارات المتكلمين، مثل: الممكن والجائز، والواجب إلى آخره، والتي يقصد بها مفاهيم غير مفاهيمها الشرعية، فاضطروا إلى استعمالها دفعاً لشبهات المتكلمين.
стр. 404
ما روي مما يدل على نفي رؤية رسول الله ربه بعينه ليلة المعراج
قال رحمه الله تعالى: [لكن لم يرد نص بأنه ﷺ رأى ربه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: (نور أنى أراه؟!)، وفي رواية: (رأيت نورا).
وقد روى مسلم أيضاً عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
فيكون -والله أعلم- معنى قوله لـ أبي ذر: (رأيت نورا) أنه رأى الحجاب، ومعنى قوله: (نور أنى أراه؟): النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنى أراه؟! أي: فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته؟! فهذا صريح في نفي الرؤية.
والله أعلم.
وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك].
стр. 405
أهمية التسليم للنصوص وترك الخوض فيما يتعلق بالله لغير ضرورة
قال رحمه الله تعالى: [ونحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب تعالى أعظم وأعلى؛ فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة].
هذا الكلام جيد من وجه، يعني: قوله: [نحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه]، بمعنى: لأن نتكلم ونجتهد في رؤية النبي ﷺ لجبريل -يعني: هل رآه على حقيقته أو لا، وإن كان هذا أمراً غيبياً- خير لنا من أن نخوض في أمر يتعلق برؤيته لربه بغير دليل قاطع، ومعنى هذا: أنه ينبغي أن نسلم بالنصوص التي وردت دون أن نتعدى المعاني المفهومة منها، ولا نخوض في أمر ليس عليه دليل شرعي، وهذا حق، والسلف كانوا عليه، لكن اضطروا لزيادة التفصيل والقول بما لم يرد به الشرع دفعاً لتوهمات وشبهات المتكلمين، فإذا كان لابد للمتكلم من أن يتكلم في أمر غيبي فلأن يتكلم في الأمور الغيبية المتعلقة بالمخلوقات -كجبريل ﵇ خير له من أن يتكلم في الأمور الغيبية المتعلقة بذات الله .
وهذا أصل ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم، فلا يلجأ إلى الكلام عن الله وصفاته وأسمائه وأفعاله إلا اضطراراً حينما تلجئه الضرورة العلمية إلى الدفاع عن العقيدة، أو دفع شبهات الناس وما يقولونه.
أما لمجرد العلم، أو لمجرد افتراض الشبهات، أو الترف العلمي فهذا مما لا ينبغي أن يكون، وألا يعني هذا الاتهام لمخافة الله ، لكن يعني التورع عن الكلام فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وإن لم نفهم النصوص التي وردت -كنصوص رؤية النبي ﷺ لربه- فإنه ينبغي لنا أن نسلم ولا نخوض بأكثر مما نفهمه من ظواهر النصوص، وعلى هذا فإن المتأمل لمجموع نصوص رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج يجد أنها تتجه من خلال مجموعها إلى أن رؤية النبي ﷺ لربه رؤية قلبية، وأنه رآه بفوائده، ولذلك لما سئلت عائشة: هل رأى ربه؟ استنكرت السؤال؛ لأنها فهمت أن السؤال عن الرؤية العينية، ولا يشكل على هذا إلا الرواية التي ثبتت عن ابن عباس في البخاري وغيره أنه رآه بعينه، ولولا هذه الرواية لما وجد إشكال والله أعلم، ولربما اتفق السلف على أن الرؤية رؤية قلبية.
ومع ذلك فإن الرواية عن ابن عباس مضطربة، فـ ابن عباس ثبت عنه أيضاً عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه مرتين، ففسرها بأنها بقلبه، وقد تحمل تلك على هذه، وربما كان مراده -والله أعلم- أنه رأى ذات ربه ، لا شيئاً آخر فعبر عن الذات بالعين؛ إذ قد يعبر عن الذات بالعين، كما يعبر عن الذات بالوجه.
وفي كلام الشارح وجه آخر لا أحب أن أذكره؛ لتعلقه بأساليب المتكلمين في تقرير الدين، خاصة في تقرير النبوة، وتقرير الوحي.
стр. 406
إثبات الرؤية بغير إحاطة ولا كيفية
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (بغير إحاطة ولا كيفية)، هذا لكمال عظمته وبهائه ، لا تدركه الأبصار ولا تحيط به، كما يعلم ولا يحاط به علماً، قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]].
стр. 407
فساد التأويل بغير دليل أو قرينة
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وتفسيره على ما أراد الله وعلمه) إلى أن قال: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا) أي: كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في الرؤية، وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه.
فالتأويل الصحيح: هو الذي يوافق ما جاءت به السنة، والفاسد: المخالف له، فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه؛ فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل كلامه بيانا وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد؛ لم يكن بياناً ولا هدى، فالتأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء].
يقصد بذلك أن نصوص الغيب التي وردت في كلام الله -خاصة ما يتعلق بصفات الله- جاءت محكمة، وهذا معلوم بالضرورة؛ لأنها ليست قابلة للاجتهاد، ومعنى كونها جاءت محكمة: أنها جاءت على ظاهرها على ما يليق بجلال الله ، وعلى ما يليق بالأمور الغيبية التي لا تقاس بعالم الشهادة.
إذاً: فالذين أولوا خرجوا عن مقتضى مراد الله ، ودليل ذلك: أنهم حينما أولوا أولوا لشبهات خارجة عن منطوق النصوص، بل وحتى عن مفهوماتها، أي: لم يكن التأويل بسبب قرائن ودلالات توجد في النص نفسه، إنما التأويل لشبهات في أذهان المؤولين، فحينما قيل للجهمية: لم أنكرتم الأسماء والصفات؟ ما قالوا: لأنَّا ما فهمنا من النص كذا، بل قالوا: لأننا لا نفهم موجوداً يقبل التسمية والصفة إلا مخلوق محدث، أو نحو ذلك، ولأننا لا نفهم من هذه الأسماء والصفات إلا ما نفهمه في عالم الشهادة، فخوفاً من أن نقع في التشبيه نعتبر هذه الأسماء والصفات مجرد ألفاظ ليس لها معان، وأن الله لا يوصف ولا يسمى، تعالى الله عما يدعون.
وكذلك إذا قيل للمعتزلة: لم أولتم الصفات أو أنكرتموها؟ لا يقولون: لأن النصوص دلت على ذلك، أو: أولنا لقرائن تحف بنصوص الغيب تدل على تأويلها، بل يقولون: أولنا؛ لأننا لا نفهم من هذه الصفات إلا ما في المخلوقات، فمن أجل أن ننزه الله عن صفات المخلوقات نؤولها.
إذاً: جاءوا بأمور هي أوهام في أذهانهم وليست حقائق، ولا تدل عليها النصوص.
قال رحمه الله تعالى: [وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس؛ فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا وكذا؛ كان إخباراً بالذي عناه المتكلم، فإن لم يكن الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم.
ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة: منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، ومنها: أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له، كقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]].
المقصود: أن القرينة التي جاءت تدل على إثبات الصفة لله ، يعني: حف بكلام الله ما يدل على أنه أراد حقيقة الصفة على ما يليق بالله .
فقوله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فيه تأكيد لصفة الكلام، فقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ) يدل على وجود الكلام، وقوله تعالى: (تَكْلِيمًا) يدل على تأكيد الكلام حقيقة لله على ما يليق بجلاله.
قال رحمه الله تعالى: [و (إنكم ترون ربكم عياناً كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب)].
هنا دلت القرينة على أن الرؤية رؤية عينية، وهي قوله: (عياناً)، هذا قول النبي ﷺ ، والحديث في الصحيحين وغيرهما متواتر بمجموع أسانيده وألفاظه، والرؤية لا تفهم إلا برؤية بالعين، لكن جاءت قرينة مؤكدة على أن الرؤية عينية، وهي قوله: (عياناً)، يعني: بالعيون، فالله ينعم على عباده في الجنة بأن يروه بأعينهم.
قال رحمه الله تعالى: [فهذا مما يقطع به السامع له بمراد المتكلم، فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة؛ كان صادقا في إخباره، وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل عليه؛ فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه، وهو تأويل بالرأي، وتوهم بالهوى.
وحقيقة الأمر: أن قول القائل: نحمله على كذا، أو: نتأوله بكذا، إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له، فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه دفع وروده دفع معناه، وقال: أحمله على خلاف ظاهره.
فإن قيل: بل للحمل معنى آخر لم تذكروه، وهو: أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره، ولا يمكن تعطيله؛ استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن مجازه هو المراد، فحملناه عليه دلالة لا ابتداء.
قيل: فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده، وهو إما صدق وإما كذب، كما تقدم، ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى الذي أراده، بل يقرن بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة، ونحن
стр. 408
لزوم اعتقاد حقائق ألفاظ الغيب السمعية
خلاصة هذا الحوار: أن النصوص التي جاءت بأخبار الغيب -سواءٌ ما يتعلق بصفات الله ، والرؤية، وسائر السمعيات التي وردت في القرآن الكريم، وعلى لسان رسول الله ﷺ وهي غيبية- لابد بالضرورة من أن نعتقد أن ألفاظها حق على حقيقتها؛ لأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، ولأن النبي ﷺ أكمل الدين وبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ولم يبق في الدين شيء يحتاج إلى مزيد بيان لا في اللفظ، ولا في المعاني.
فأصول الدين كلها بينها النبي ﷺ ، وكذلك فروعه، ومعلوم أن ألفاظ العقيدة غير قابلة للاجتهاد، ولو كانت قابلة للاجتهاد ما صارت عقيدة.
فالذين أولوا لابد من أن يلزم من تأويلهم الاستدراك على الله ، والاستدراك على رسول الله ﷺ ؛ لأنهم ما جاءونا بأدلة تثبت صحة التأويل، بل جاءوا بشبهات، قالوا: لا يعقل كذا إلا كذا، إذاً: لابد من أن نقول فيه كذا.
ثم إنهم حينما عدلوا عن ألفاظ الشرع، وعن حقائق ألفاظ الشرع؛ ما سلموا مما فروا منه، بل قالوا على الله بغير علم، وتحكموا في ألفاظ الشرع بغير علم، واختلفوا في المراد، فصار الناس الذين تابعوهم لا تستقر لهم عقيدة، ولا يدرون ماذا يعتقدون، في حين أنهم لو أبقوا -كما فعل السلف- نصوص الشرع على ما جاءت، وأثبتوا لله ما أثبته لنفسه حقيقة على ما يليق بجلال الله مع نفي المماثلة والتشبيه؛ لما حصل الإشكال إطلاقاً، ولما وقعوا فيما وقعوا فيه، وكل شبهة أثاروها بسبب التأويل رد عليها السلف بما يكفي ويشفي، وسيأتي نماذج في ذلك مستقبلاً.
стр. 409
شرح العقيدة الطحاوية [٣٣]
لقد ضل أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم حين أصلوا لأنفسهم أصولاً فاسدة وقدموها على النص الشرعي، ومن ذلك تقديم العقل على النقل عند التعارض، هذا الأصل الذي ردوا به كثيراً من النصوص الشرعية بحجة معارضتها للعقل، والذي أصل لهم هذا الأصل هو الفخر الرازي، وقد رد عليه شيخ الإسلام في درء التعارض وغيره، مبيناً أنه لا تعارض أصلاً بين العقل الصريح والنقل الصحيح إلا في عقول هؤلاء المتكلمة الذين لم يسلموا للنصوص الشرعية التسليم الذي أراده الله ورسوله ﷺ .
стр. 410
أهمية التسليم لله ولرسوله وفساد معارضة النقل بالعقل
قال رحمه الله تعالى: [(فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه): أي: سلم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو بقوله: العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل، والعقل أصل النقل، فإذا عارضه قدمنا العقل! وهذا لا يكون قط.
لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك؛ فإن كان النقل صحيحاً فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك، وإن كان النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبداً.
ويُعارَض كلام من يقول ذلك بنظيره، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول ﷺ ، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه.
وهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل؛ لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال، فضلاً عن أن يقدم، فصار تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل].
هذا الكلام الذي أورده الشارح ينقسم إلى نوعين: نوع في تقرير الشبهة أي: شبهة المتكلمين الذين قدموا العقل على الشرع، ونوع آخر هو رد هذه الشبهة، وكل ذلك لخصه الشارح من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: درء التعارض.
وهذه القاعدة هي الفارق بين نهج السلف ونهج المتكلمين من متأخرة الأشاعرة والماتريدية في القرن السادس وما بعده، حينما استقر عندهم علم الكلام بأصول عقلانية مقعدة جعلتهم يأخذون بأصول الجهمية والمعتزلة، وأصول الفلاسفة في الموقف من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسول الله ﷺ في العقيدة، أما في الأحكام فقد لا يختلفون كثيراً مع السلف.
ولعله من المناسب أن نأخذ هذه القضايا التي أشار إليها الشارح قضية قضية حتى لو استغرقت أكثر من درس، فهذا المقطع مهم في نظري وخطير؛ نظراً لأنه يتعلق بأصول مذاهب موجودة، وبقواعد يمكن أن يسلكها كثير من العقلانيين، بل سلكها كثير من العقلانيين المعاصرين، ثم إنها بدأت الآن تخرج أعناقها حينما اهتم خلف هؤلاء المتكلمين من المعاصرين بكتبهم وأخرجوها.
وأرى في السنتين الأخيرتين بالذات حشداً هائلاً من كتب المتكلمين التي خرجت مطبوعة بعناية وبدعاية تفوق دعاية كتب السلف.
وقد انبرى لهذا الاتجاه طائفة من المتكلمين المعاصرين صغاراً وكباراً، فأصبحوا يدافعون عن هذا التوجه العقلاني ويدعون إليه من جديد، وبدأ يتجذر في عقول كثير من شباب الأمة في الآونة الأخيرة.
فمن هنا لعلنا نخرج عن القاعدة التي درجنا عليها، وهي أن الأمور الفلسفية لا نتعمق فيها، فنستثني مثل هذه الأمور للضرورة.
стр. 411
قاعدة الرازي العقلية التي اعتمدها المتكلمون
الشبهة العقلية هي قاعدة المتكلمين الأوائل التي استقرت عند الرازي قبل أن يرجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فهو رجع وسلم لمذهب السلف، لكن بعد فوات الأوان؛ إذ ما استطاع أن يلغي ما قاله، ولا أن يقنع الناس بأن يعدلوا عما كتب، وإن كان نصح أصحابه، لكنهم لم يأخذوا بنصيحة الناصحين.
وشأن الرازي وأمثاله ممن وضعوا هذه القواعد ثم تابوا منها أن مثلهم ومثل أتباعهم اليوم كمثل رائد قوم صار في طريق وفجأة رأى أمامه هوة سحيقة، فأدرك الخطر هو فرجع، وأنذر أصحابه، لكن الذين تبعوه أبوا إلا أن يسقطوا في الهوة، وهذا هو شأن المتكلمين الذين يتبعون هؤلاء الكبار الذين رجعوا عن علم الكلام.
والعجيب: أن أغلب كبار المتكلمين رجعوا عن علم الكلام، الأمر الذي يقيم الحجة على أتباعهم إلى اليوم، فيقال لهم: كيف تسلكون مسالك تاب أصحابها منها، وتبرءوا إلى الله منها في حياتهم بحرية كاملة، فلم يكرهوا على ذلك، ونهوا عنها بإشفاق ونصيحة.
وهذه مسألة عارضة، لكن أحببت التنبيه حتى يتبين عوار هذه القواعد من مؤسسيها، وإن كان لها أتباع، فمسألة الأتباع ليست دليلاً، بل الشيطان له من يعبده الآن.
وقاعدة الرازي ذكرها شيخ الإسلام وأجاب عليها في كتب مطولة كما سأشير إليه بعد قليل، وذكرها الرازي في كتابه: (تأسيس التقديس)، وهو مطبوع الآن ومنشور بعناية.
في هذا الكتاب أراد الرازي أن يقرر مسألة مجرد تصورها يصادم الفطرة والعقل السليم، وملخصها أنه يقول: إن دلالة العقل قطعية، ودلالة الشرع ظنية، كذا بإطلاقه! فإذا تعارض النقل مع العقل أخذنا بالقطعي وهو العقل.
وظاهر هذه العبارة ينطلي على من لم يفقه في الدين، وهذا ملخص القاعدة الذي انتهت إليه، وإلا فقد صاغها بأكثر من هذا، ثم أيدها من خلال كتابه: تأسيس التقديس.
والعجيب أنه لما أراد أن يثبت أن دلالة الشرع ظنية أوقع الأمة في شبهات خطيرة، فصارت قاعدته مذهباً أوجد تشكيكاً عند كثير من مفكري الأمة من وقته إلى يومنا هذا، حتى إنهم وقعوا في الشكوك ولم يخرجوا منها، حتى الرازي نفسه اعترف نظراً لمجاراته لهذه القاعدة بأنه كثيراً ما يثير الشبهة ولا يستطيع أن يجيب عليها.
стр. 412
القوادح التي اعتبرها الرازي لامتناع قطعية دلالة الشرع
فالمهم: أنه لما أراد أن يثبت أن دلالة الشرع ظنية زعم أن الشرع يتعرض لقوادح تمنع من أن يكون قطعياً، وهو يعترف في الأصل بأن الشرع مقدس، وأن الشرع دين الله، وهذا القدر من الاعتراف يوجد حتى عند طائفة من الكفار الخلص، لكن بعد الاعتراف يأتي بالاعتراض، وهذا منهج المنافقين، ومنهج الكفار، وإن لم يكن الرازي كافراً، لكنّه وقع في منهج الكافرين، ومنهجه منهج الفلاسفة، وإلا فلا نستطيع بمجرد هذه الشبهات تكفيره، إنما نقول: إنه ضل بهذه القواعد.
فالخلاصة: أنه أورد على الشرع قوادح، لعلي أذكر شيئاً منها من أجل أن نتصور القواعد التي سأقولها بعد قليل، فمن هذه القوادح زعمه أن دلالة الشرع متوقفة على الجزم بفهم ألفاظه، ولا سبيل إلى الجزم.
وهذه مغالطة ترد على الرازي نفسه، فيقال له: إذا كنا لا نجزم بصحة ألفاظ الشرع؛ فكيف تجزم بصحة ألفاظك أنت، وصحة ألفاظ الفلاسفة والمتكلمين؟ وكيف تقول: إن العقل قطعي مع أن العقل لا يعبر عن مراده ونتائجه إلا بلسان العاقل، وهل يكون لسان العاقل أصدق من كلام الله ؟! ثم قال بعد ذلك: إن نصوص الشرع نقلت إلينا -ويقصد بذلك الأحاديث- عبر الرجال، والرجال يعتريهم السهو والخطأ والنسيان إلى آخره، ثم أورد شبهة خاصة بأحاديث الصفات، فقال: إن أحاديث الصفات أغلبها ما رواه الصحابة إلا بعد سنين من وفاة النبي ﷺ ، ثم ألمح إلى أن الصحابة رووها بسبب أهواء الفرق، فكأنه يشير إلى أن الصحابة تكلفوا في وضعها، أو فهموها من النبي ﷺ فهماً ولم ينقلوها نقلاً.
فجعل من القوادح أن أكثر الدين جاء عن طريق الآحاد، والآحاد كله ظني إلى آخره.
سيأتي إن شاء الله الكلام على القوادح في الجملة.
стр. 413
ذكر ما كتبه شيخ الإسلام في الرد على قاعدة الرازي
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه القاعدة وما يشبهها بكتابين عظيمين من قرأهما سيتصور فعلاً عظمة منهج أهل السنة في رد شبهات المتكلمين، وسيقتنع فعلاً أن هذه الشبهات لا تعدو أن تكون من وساوس الشيطان.
الكتاب الأول: درء التعارض، ويقع الآن في أحد عشر مجلداً.
وكتاب آخر اسمه: بيان تلبيس الجهمية، هذا طبع منه جزء قليل، جمعه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ وابنه محمد الموجود وفقنا الله وإياه، لكنه لا يشمل إلا جزءاً قليلاً من كتاب بيان تلبيس الجهمية الذي هو رد على هذه القاعدة وأمثالها من قواعد المتكلمين، حقق في جامعة الإمام قسم العقيدة، ويقع في ستة عشر مجلداً.
ونرجو -إن شاء الله- أن يطبع في وقت قريب في ستة عشر مجلداً في الرد على تأسيس التقديس الذي هو في قرابة مائة وثمانين صفحة أو مائتي صفحة، بل ما رد عليه كله، إنما رد على ثلثيه، والثلث الأخير لا يدرى هل هو مفقود، أم أن الشيخ اكتفى بالرد على ثلثي الكتاب تقريباً.
стр. 414
القواعد التي تضمنها كلام الشارح في التسليم لله ولرسوله وعدم معارضة النصوص بالعقول
والكلام الذي ذكره الشارح يحتاج إلى أن نحوله إلى قواعد من أجل أن نخرج بنتيجة من خلال ذكر قواعد السلف وبيان قواعد المتكلمين بإزائها، ثم الخروج بنتيجة في مقابلة قاعدة السلف بقاعدة المتكلمين.
стр. 415
قيام صحة الإسلام على كمال التسليم
القاعدة السلفية الأولى: قوله: [فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ].
هذه قاعدة الإسلام الأولى التي ينبني عليها صحة الإسلام من المسلم، أو كمال الإسلام من المسلم، وذلك أنه لا يسلم أي إنسان حتى يسلم لله بالعبودية والتصديق والإذعان للخبر والنهي والأمر، وحتى يسلم لرسول الله ﷺ بالحب والاتباع والتصديق من كل وجه.
стр. 416
رد ما أشكل من أخبار الغيب إلى العليم بها ﷻ
ويتفرع عن هذه القاعدة الثانية التي تعتبر من لوازم القاعدة الأولى، وهي: أنه إذا اشتبه على المسلم شيء مما جاء عن الله تعالى، أو عن رسوله ﷺ -سواءٌ كان من باب الأخبار كالعقيدة، أو من باب الأوامر كالشريعة- فإنه يرده إلى عالمه، يرده إلى الله .
وبالنسبة لما يتعلق بنصوص العقيدة هذه القاعدة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل، فبمجرد أن يشتبه عليه الأمر ولا يجد جواباً، أو لا يجد في ذهنه ولا عند أهل العلم ما يجيب على إشكاله؛ فليسلم بأن خبر الله صدق وحق، وخبر الرسول ﷺ صدق وحق، ثم يقف عند هذا الحد ويقول: آمنا بالله.
وإذا كان الإشكال يتعلق بالأوامر والنواهي فعلى المسلم أن يرجع إلى أهل العلم، فإن أجابوه وإلا فليبق أيضاً على نفس القاعدة، فيسلم بالأمر، وبأنه حق من الله ، سواءٌ فقهه أو لم يفقهه.
стр. 417
تحريم إثارة الشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة في أمور الدين
القاعدة الثالثة: أنه يحرم -بل يتنافى مع الدين- إثارة الشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة لأي أمر من أمور الدين.
فالأصل في الدين: التسليم والقناعة التامة والتصديق، وهذا هو معنى الإيمان، ومن سلم بأمر فلا يجوز له أن يثير الشك فيه حتى بمجرد الترف العلمي، فهذا أمر محرم، خاصة في قضايا العقيدة، فلا يجوز للمسلم أن يستبيح أن يثير الإشكال أو التساؤل في أمر عقدي، إلا إذا كان الإشكال ينبني عليه فهم أصل من أصول العقيدة، وليس مجرد الإثارة أو الترف العلمي، بمعنى: أن إثارة الشكوك أحياناً تأتي للإنسان من قبل وساوس ترد إليه في ذهنه، فإذا استطاع أن يدفع هذه الوساوس بأن يسلم لله ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فهذا هو المطلوب شرعاً، ولا يعرضه هذه الوساوس والشكوك لمجرد انقداحها في الذهن، بل يحاول دفعها بكل وسيلة من الوسائل الشرعية، فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويستغفر الله ويتوب إليه ويتلو القرآن، ويكثر من ذكر الله، ويشغل ذهنه عن هذا الشك أو الشبهة، فإذا استقرت الشبهة ولم يستطع دفعها فلا مانع من أن يثيرها بشرط ألا يثير الشك عند عامة الناس، بل يفضي بسره إلى أحد أهل العلم الذين يثق بهم.
أما إثارة الشكوك والشبه بمجرد الترف العلمي، أو لمجرد الاستعراض الذهني، أو لمجرد إثبات القدرة العقلية كما يفعل بعض الناس، أو لمجرد أن يسمع الشبهة، ويتكلف في هذا؛ فهذا أمر محرم قطعاً، بل ربما يؤدي بالإنسان إلى الكفر وهو لا يشعر، ومثل الشكوك والشبه: التأويلات الفاسدة التي عليها أهل التأويل.
стр. 418
الأسئلة
стр. 419
بيان حقيقة تأويل أهل السنة لنصوص المعية
السؤال
جرى مرة كلام بين الصابوني المعاصر وبين بعض طلاب العلم، فقال له طالب العلم: إن الصفات تمر كما جاءت، والقول في السبع الصفات كالقول في سائر الصفات، فرد عليه: أنتم تؤولون المعية ولا تمرونها كما جاءت، بل تفسرونها وتؤولونها، فمن الذي يحل لكم تأويل هذه الصفة ويحرم عليكم تأويل السبع الصفات؟! فحار الشاب ولم يجد جواباً، فما الرد عليه؟
الجواب
هذه مشكلة إذا كان الشباب من طلبة العلم تصدوا للحوار، ثم يحارون في هذه المسألة اليسيرة، فمعنى هذا: أنهم أخطئوا حينما دخلوا في حوار يعرفون أنهم قد يصلون فيه إلى طريق مسدود، وهذه الشبهة تذكرني بشبه ظاهرة الآن بدأت تكثر في الحوار، خاصة مع الرافضة، فترى شاباً يأخذه الحماس فيدخل في الحوار مع صاحب هوى بدون استعداد علمي، أو بدون رجوع إلى أهل الاختصاص، وهذا خطأ، فهذا سيترتب عليه إضرار بالسنة وأهلها.
فلا ينبغي لأحد أن يحاور أحداً من أهل الأهواء إلا بعد الاستعداد العلمي الكامل، أو يحيل على المتخصصين، أو يترك، أو يشير إلى الأمور إجمالاً بدون دخول في التفاصيل، أما الدخول في التفاصيل فهو خطر.
أما هذه المسألة فالرد عليها واضح، وقد أثيرت الشبهة من قديم الزمان، وليس الصابوني هو الذي أثارها، وهذا دليل على أن هؤلاء لم يقفوا على أقوال أهل العلم، فأهل العلم قالوا: إن مسألة المعية لا تقاس بالصفات؛ لأمور كثيرة نلخصها في أمرين: الأمر الأول: أننا حينما قلنا بأن معية الله لخلقه معية بعلمه، وهي المعية العامة، أو معية برعايته وحفظه، وهي المعية الخاصة؛ فهذا لا يعني أننا عدلنا عن ظاهر اللفظ إلى معنى آخر لمجرد عقولنا أو بقرائن، بل عدلنا عن ظاهر اللفظ بمقتضى نصوص أخرى، وهي نصوص الفوقية، كقوله : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وقوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وغير ذلك من نصوص الفوقية والعلو والاستواء.
فهذه النصوص تدل على أن الله ليس مخالطاً لعباده، ولا مماساً لهم، فكان تفسير النص بناءً على نص آخر، أما الذين أولوا فما أولوا نصاً بنص، بل أولوا النص بعقولهم.
الأمر الثاني: أن المعية ليست صفة مستقلة بذاتها، فالمعية لا تتعلق بذات الله مباشرة، وإنما تتعلق بما يمكن أن نسميه الحال بين الخالق والمخلوق، فمعنى أن الله مع خلقه أنه معهم بتدبيره وعلمه، وليس هذا من باب التكلف في تفسير النص كما يفعلون هم، إنما من باب تفسير النص بالنص؛ لأنه لو تركت نصوص المعية بدون ردها إلى نصوص أخرى لأدت إلى القول بالحلول والممازجة، وأدت إلى ما يقول به الصوفية من أنهم يجلسون مع الله ، أو يجالسونه، أو أنهم يكلمونه! أو ما يقوله اليهود من أنهم يعاملون ربهم كما يُعامَل الواحد منهم! فهذا خطأ ينبني عليه انحراف -بل كفر- في الاعتقاد.
ثم إن نصوص المعية عندما فسرها السلف لم يخرجوا عن مقتضى ظاهر النص في إثبات المعية؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٥] ونحوه من ألفاظ المعية فسروها بما لا يؤدي إلى المعنى الذي أدى إلى القول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود.
ثم إن مسألة إثبات معية الله لخلقه لولا أن الناس تكلموا فيها وجاءوا بمعانٍ باطلة في معنى المعية فقالوا بالممازجة والمخالطة؛ لما تكلم أهل السنة بردها إلى نصوص العلو على النحو الذي صار الآن؛ لأن الناس كانوا مسلمين بمعنى المعية على ما يليق بجلال الله ، وأنها معية حقيقية.
فأهل السنة ما قالوا في المعية على نحو ما قالوا وردوها إلى نصوص العلو إلا عندما ظهرت شبهات أهل الأهواء، وإلا فالأصل أن تبقى على ظاهرها دون ردها إلى النصوص الأخرى، وذلك أن المعية ما دامت متعلقة بذات الله وبعلمه وإحاطته وتدبيره؛ فلابد من أن يفهم العاقل أنها معية حقيقية على ما يليق بجلال الله، وأن الله مع خلقه حقيقة ولو لم يكن بذاته.
وذلك أن عظمة الله لا تقاس بالمخلوقات حتى يتصور بعض المتوهمين مسألة المسافات أو القرب الزمني أو القرب المكاني في المعية بين الله وخلقه، فالله أعظم من كل شيء، والمخلوقات أمام عظمة الله لا تكاد تساوي شيئاً، فالحقير أمام العظيم لا يمكن أن يقارن بالمسافات ولا بتقديرات المخلوقين.
ولكي نقرب مفهوم السلف القديم للمعية نضرب مثلاً بالمخلوقات، ولله المثل الأعلى، وليس كمثله شيء، فالمخلوقات نفسها تتفاوت المعية بينها تفاوتاً عظيماً، فلو تصورنا أصغر الشيء من المخلوقات التي يشاهدها المخلوق، كذرات من التراب جعل الإنسان أمامه ذرة منها في أقصى طاولة من جهة، وذرة أخرى في أقصى الطاولة من الجهة الأخرى؛ فنجد أن بينهما بعداً شاسعاً، لكن بالنسبة لك أنت لا يعتبر البعد شاسعاً؛ فبإمكانك أن تمد يدك إلى هذه وهذه وتجمع بينهما.
فمسألة المعية بين العظيم والحقير لا يتكلم فيها، ولا ينبغي للناس أن يخوضوا فيها، ولذلك ينبغي أن نقول: معي
стр. 420
شرح العقيدة الطحاوية [٣٤]
من أصول المتكلمين التي ردوا بها النصوص الشرعية: أنهم قدموا العقل على النقل، بعد أن تخيلوا وجود تعارض بينهما، ومن القواعد التي يرد عليهم بها: أنه يستحيل أن يتعارض العقل الصريح مع النقل الصحيح، وأن الشرع هو الأصل والعقل تابع له، فليس العقل حاكماً وقاضياً على النقل والنص، وأنه لا يتوهم التعارض إلا لمن كان عنده خلل في عقله، أو كان النص المنقول ضعيفاً لا يصح، وبذلك تبطل حجته ومعارضته.
стр. 421
استحالة تعارض العقل الصريح والنقل الصحيح
القاعدة الرابعة: أنه لا يمكن ولا يتصور عقلاً ولا شرعاً أن تأتي دلالة العقل مصادمة لدلالة الشرع، فهذا مستحيل، وقد يرد إشكال عند كثير من الناس، وهو الإشكال الذي أورده الفلاسفة لقصور فهمهم للشرع ولقضايا البدهيات الشرعية، بل حتى العقلية، وهذا الإشكال هو أن يقال: إذاً: ما معنى أن ترد بعض النصوص التي لا يعقلها بعض الناس؟! فنقول: هذا يرد بالنسبة لأفراد الناس، فأفراد الناس قد يرد عند أحدهم نص من نصوص الكتاب والسنة فلا يعقله، أو يشتبه عليه، أو يظنه لا يمكن عقلاً، لكن إذا تأملنا وجدنا أنه ليس العيب في النص، ولا يمكن أن يكون العيب في الوحي، ولا يمكن أن يكون العيب في كلام الله تعالى ولا كلام رسوله ﷺ ، بل يجب ويتعين أن نرجع إلى العقل نفسه؛ لأن العقل هو تفكير هذا الإنسان العاقل، وليس العقل شخصية مستقلة مجردة مقدسة أو منزهة عن الخطأ، بل العقل ما هو إلا نتاج التفكير عند هذا الإنسان، والتفكير راجع إلى المفكر نفسه، والمفكر إنسان ضعيف محدود الطاقة، محدود العلم، محدود التصور، محدود الخيال، يعتريه الخطأ والسهو والنسيان والخلل والهوى والوسواس وشبهات الشيطان ونزعات النفس الأمارة بالسوء، كل هذه تعتري العقل.
إذاً: فكيف يقال: إنه عارض النص أو: إنه لا يعقل النص؟! فمسألة تقديس العقل وإعطائه اعتباراً فوق الشرع مغالطة؛ لأنه ليس هناك عقل مجرد بين السماء والأرض يرجع إليه ويقال: إنه معصوم، فالعقل هو نتيجة تفكير العاقل، والعاقل هو هذا الإنسان المحدود الفاني الضعيف المحكوم بعوارض الحياة وعوارض الموت.
إذاً: فلا يتأتى عقلاً ولا شرعاً أن نتوهم أن يعارض العقل الشرع معارضة حقيقية، فلا يصح أن يقال: العقل يشهد بصحة ما دل عليه النقل، فهو الحاكم، كما ذكر عن الرازي وأمثاله.
стр. 422
الشرع هو الأصل والعقل تابع له
القاعدة الخامسة: أن الشرع هو الأصل وأن العقل تابع، وهذا رد على عبارتهم: العقل أصل النقل.
وهذه عبارة باطلة، وسبب ذلك أيضاً انتكاس المفاهيم، فـ الرازي والفلاسفة والمتكلمون من قبله يقولون: العقل أصل النقل، يعني: العقل هو الأصل في فهم الشرع، فقيل لهم: لماذا؟ قالوا: لأننا لا نفهم أوامر الله ولا نواهيه ولا نفهم أمور الغيب الواردة في الكتاب والسنة إلا من خلال العقل، إذاً: فما دام العقل هو الوسيلة فهو أصل النقل! وهذه مغالطة انطلت على كثير من صغار المتكلمين وأتباع هؤلاء الفلاسفة، والإنسان قد يغتر بهذه المقولة ويقول: نحن لا ندرك كثيراً من خطاب الله وخطاب النبي ﷺ بالأمر والنهي والخبر إلا بعقولنا، إذاً: العقل هو الأصل.
وهذه مغالطة بمقدمة خاطئة بنيت عليها نتائج خاطئة، فالعقل ليس أصلاً، إنما هو وسيلة، والوسيلة لا يمكن أن تكون أكبر من الغاية، هذه ناحية.
الناحية الأخرى: أن العقل مرشد إلى ما هو أعظم منه، أو دليل على مدلول أعظم، ولا يمكن أن يكون الدليل أكبر من المدلول، فدليل المبصر على طلوع الشمس عينه وبصره، فالعين دلت على طلوع الشمس، فهل هي أكبر من الشمس؟! وهل هي أعظم من الشمس؟! بل لا يمكنها أن تتصدى للشمس دقائق معدودات، فإذا كانت العين دلت على الشمس فصارت دليلاً؛ فهذا لا يدل على أنها أكبر من الشمس، فكذلك إذا كان العقل قد دلنا على صحة الشرع؛ فلا يعني ذلك أنه أكبر من الشرع؛ لأن الشرع كلام الله ووحيه، فلا يمكن أن يكون العقل المخلوق الضعيف أكبر من كلام الله وأعظم، أو حاكماً على كلام الله وكلام رسوله.
وهناك مثل واضح ضربه شيخ الإسلام ابن تيمية وأورده ابن القيم وأورده الشارح في مقام آخر، وهو مثال على أن العقل إن دلنا على معاني الشرع فلا يعني هذا أنه أكبر، وذلك أن الشرع بمثابة العالم المرجع للأمة، والعقل بمثابة العامي الذي يعرف مكان هذا العالم، فلو افترضنا أن إنساناً سأل هذا العامي فقال له: من أسأل في أمر ديني؟ فعندي مسألة في الدين.
فمن البديهي أن العاقل يقول: اسأل العالم وأنا أدلك عليه، فذهب هذا العامي بهذا السائل إلى العالم، فتبين لنا أن هناك دليلاً ومدلولاً عليه، فالدليل هو العامي الذي يعرف بيت العالم ومسكنه، والمدلول عليه هو العالم، فالسائل عندما وصل إلى العالم سأله عن أمر دينه فأخذ العالم يفتي، فلو افترضنا أن العامي قال للسائل: لماذا تسأل العالم، اسألني أنا، فقال: لماذا أسألك؟ فقال: لأني أنا الذي دللتك عليه.
فهل يصح هذا؟!
و
الجواب
لا.
إذاً: فكون العقل دل على النقل لا يعني أنه أعظم منه، بل هو وسيلة جعلها الله لمعرفة الشرع.
إذاً: فلا يتأتى أبداً أن يكون العقل أعلم، والمتكلمون قالوا: إذا عارض النقل العقل قدمنا العقل.
فينبني على هذا القاعدة السادسة، وهي أنه إذا توهم أحد من الناس التعارض بين العقل والنقل؛ فإنا نقدم النقل بالضرورة، وكذلك إذا لم نفهم نص الشرع، وبعض الناس يقول: كيف نقدم الشرع في مسألة احتار فيها العقل ولم يصل إلى نتيجة؟! ونقول: إذا احتار العقل في فهم الشرع؛ فالشرع هو المقدم من باب التسليم، بمعنى أن نقول: آمنا بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ وأنه حق وصدق ولو ما فهمناه، ولا ننكص -نسأل الله السلامة- كما نكصوا، فنقول: نأخذ بالعقل وندع الشرع.
стр. 423
توهم التعارض ناشئ عن خلل في العقل أو ضعف في النقل
القاعدة السابعة: أنه إذا توهم التعارض بين النقل والشرع؛ فهذا يعني بالضرورة أن في فهم العقل وإدراكه خللاً أو ضعفاً.
فالشارح يقول: [لكن إذا جاء ما يوهم من ذلك] أي: ما يوهم التعارض بين الشرع والعقل؛ [فإن كان النقل صحيحاً فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول].
وهنا مسألة ما تطرقت لها، وهي أننا حينما نقول: الشرع نقصد الشرع الثابت، ولا نقصد الأحاديث الضعيفة أو الأحاديث الموضوعة أو نحوها مما لا يعتقد، لكن الشارح هنا احترز، فهو يقول: [فإن كان النقل صحيحاً] أي: إن كان آية أو حديثاً صحيحاً [فذلك الذي يدعى أنه معقول] أي: يدعي أنه معارضة من العقل، [إنما هو مجهول] أي: أنه جهل من العقل وعدم إدراك [ولو حقق النظر لظهر ذلك، وإن كان النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة]، وهذا كلام سليم، فإذا كان الحديث ضعيفاً أو موضوعاً فلا يصلح أن نأتي به في هذه القضية ونقول هو يعارض العقل، فهنا ستكون دلالة العقل السليم هي الصحيحة.
فلا يتصور أن يتعارض عقل سليم ونقل صحيح أبداً، وليس هناك عقل في الدنيا سليم من العوارض؛ فلا يوجد العقل إلا مربوطاً بالبشر، والبشر ضعيف مهما كان.
إذاً: الفلاسفة الذين قالوا بتقديم العقل كانوا يتصورون للعقل وجوداً مطلقاً، وأحياناً يعبرون به عن الله ، ويعتبرون الشرائع من فعل الكهنة، فإذا حصل عندهم تعارض بين العقل وشرائع الكهنة قالوا بتقديم العقل؛ لأنهم يقصدون به شيئاً مقدساً لا يأتيه الباطل، وكأنهم يعبرون بذلك عن قدرة الله ، لكنهم أخطئوا الطريق، فالفلاسفة الذين جاءوا في الإسلام قلدوهم بدون بصيرة ولا روية، وأولئك أبخر منهم، فالذين قعدوا هذه القواعد لا يقصدون عقل الإنسان المحدود في هذا البشر، إنما يقصدون عقلاً مجرداً ليس له وجود إلا في أذهانهم ويفترضونه افتراضاً، وأحياناً يعبرون عن الملائكة بالعقول، وأحياناً يعبرون عن قدرة الله بالعقول، ففرق بين فهم العقل عند الفلاسفة وبين ما يجب أن يفهم في الإسلام، وبين فهم المتكلمين الذين قلدوا الفلاسفة.
стр. 424
تقديم العقل على النقل قدح في دلالة العقل
قال رحمه الله تعالى: [فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونص صحيح أبداً، ويعارض كلام من يقول ذلك بنظيره، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل]، وهذه هي القاعدة الصحيحة، فقلب القاعدة عليهم فقال: [إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع]، وهذا الكلام مبني على مصطلحات الفلاسفة، وبعضها قد يكون مصطلحاً عقلياً صحيحاً يقول به الفلاسفة وغيرهم، يعني: من الأمور المنطقية التي يقول بها كل عاقل، فالجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، وقصده أنا إذا جاءنا خبر يثبت وخبر ينفي في قضية معينة، مثلاً: جاء واحد فقال: فلان مات وآخر قال: فلان لا يزال حياً، فعندنا خبران لهما مدلولان، خبر يفيد الحياة وخبر يفيد الموت، والمدلولان متناقضان؛ إذ الموت ضد الحياة.
فإذا جاء خبر بهذا وخبر بهذا؛ فلابد من الخروج من أحدهما إلى الآخر، ولا يمكن الجمع بينهما؛ إذ لا يمكن الجمع بين الموت والحياة، فنقول: هذا الرجل إما ميت وإما حي، إذاً: اجتمع عندنا مدلولان هما نقيضان، فهذان المدلولان لا يمكن أن نجمع بينهما ولا يمكن أن ننفيهما، فلا نقول: لا يمكن أن يكون حياً ولا ميتاً في وقت واحد، فرفعهما أيضاً مستحيل، وجمعهما مستحيل، إذاً: لابد من أن نرجح الحياة أو الموت، وهذا بتحقيق الخبر.
ومثال ذلك: مسألة شرعية واضحة، فالله أخبرنا في كتابه وأخبرنا رسوله ﷺ في السنة الصحيحة أن الله رفع عيسى إليه، فقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] فرفع عيسى ﵇ ثابت قطعاً بالكتاب والسنة، فهذا الخبر كثير من الناس يعرضه على عقله فيقول: لا يمكن أن يبقى إنسان حياً منذ آلاف السنين، فهنا اجتمع عندنا مدلولان: مدلول عقول هؤلاء البشر المنكرة الملحدة التي تقول: لا يمكن أن يكون عيسى حياً بزعمهم، ومدلول الخبر الذي جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ بأن عيسى حي يرزق في السماء وسينزل في آخر الزمان، فهل يمكن الجمع بين المدلولين؟ إنه -بناء على ما سبق- لا يمكن أن يكون حياً وميتاً في وقت واحد، وهل يمكن أن يقال: لا حي ولا ميت؟! لا يمكن، إذاً: لابد من أحدهما، فجاء الخبر عن الله تعالى عن طريق السمع والنقل يقول بأنه حي في السماء رفعه الله إليه، وعقول هؤلاء التافهة تقول بأنه لا يمكن أن يبقى حياً، فنأخذ بدلالة الشرع، وتقديم العقل هنا ممتنع؛ لأن العقل دل على صحة السمع، وإذا كانت عقول الناس المهتدية السليمة المستقيمة أثبتت أن ما جاء عن الله تعالى حق وصدق؛ فقد سلمت ابتداء، وهذه أيضاً مسألة مهمة كان المفروض أن نضعها قاعدة، ولا مانع من أن نضعها قاعدة، وهي أن العقل السليم هو الذي دلنا على صحة السمع، أي: صحة دلالة الكتاب والسنة، وإذا كان العقل السليم هو الذي دل على صحة الكتاب والسنة؛ فهذا يعني: أنه لابد من أن يسلم لهما بالبداهة، لاسيما أن العقل السليم يثبت عصمة الكتاب وعصمة ما صح من السمع، وإذا أثبت العصمة وجب عليه ألا يناقض هذا، ولذلك قد نأتي إلى بعض المتكلمين، ونقول له: أنت الآن استعملت عقلك في تأمل كتاب الله .
فيقول: نعم، فنقول: ألم تدرك بعقلك أن كتاب الله حق؟ فيقول: بلى والله، أدركت هذا.
كما يقول الرازي وأمثاله، يقول: أدركت أن كلام الله حق وصدق لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إذاً: ما دمت تقول: كلام الله حق وصدق، فكيف تقول: إذا تعارضا قدمت العقل؟! فإنك تكون بذلك قد نقضت قاعدتك وتسليمك، فالعقل السليم الذي سلم بأن الحق هو ما جاء عن الله وعن الرسول لو اعترض في جزئية من جزئيات الدين اعتراضاً عقلياً على الشرع يكون بذلك قد انتقض تسليمه كله على طول الخط؛ لأنه أولاً سلم ثم نقض تسليمه، فكذلك المتكلمون الذين قالوا بأن القرآن وما صح عن النبي ﷺ حق، ثم جاءوا يقولون: ما تعارض مع العقل من الكتاب والسنة ندفعه أو نؤوله! فهؤلاء تناقضوا ونقضوا قاعدتهم؛ لأن العقل قد دل على صحة السمع، أي: قبول ما أخبر به النبي ﷺ ، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل.
فالشارح قلب الدليل عليهم، فنقول لهم: عقولكم التي سلمت بصحة دلالة النص ثم عارضت صارت مجروحة؛ لأنها شهدت بصحة الكتاب والسنة ثم بعد ذلك قدحت في دلالتهما، فرجع الجرح عليها، إذاً: فالعقل الذي تزعمون أنه معصوم أصبح مجروحاً بعملكم هذا، ولا يصلح أن يكون معارضاً للنص؛ فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، أي: فكان تقديم العقل على الشرع في الاعتبار موجباً عدم تقديم العقل على الشرع في الدلالة، وكان تقديم العقل على الشرع في الدلالة موجباً عدم تقديمه في الاعتبار.
يقول: إذا أردت أن تكرم العقل وتضع له منزلة فيجب ألا تقدمه على الشرع، فقوله: [فكان تقديم العقل] أي: تكريم العقل [موجباً عدم تقديمه]، أي: عدم تفضيل
стр. 425
شرح العقيدة الطحاوية [٣٥]
من أصول الدين وأساسياته التسليم بكل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، وعدم معارضة شيء من ذلك بعقل أو رأي أو خيال أو شبهة، كما يجب الاعتقاد بأن ما جاء به الرسول هو الحق والصدق المطلق، وما عداه مما يعارضه فهو باطل، فيجب قبوله والتسليم له، وما جهل منه أو أشكل فهمه رد علمه إلى الله تعالى وحرم الخوض فيه، والتقول على الله تعالى بغير علم؛ فإن ذلك هو الهلاك بعينه، وهو ما وقعت فيه الفرق الضالة التي سلكت مسالك أهل الكلام، فلم تفلح ولم تنجح.
следующие страницы →