← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

استحالة تعارض العقل الصريح والنقل الصحيح القاعدة الرابعة: أنه لا يمكن ولا يتصور عقلاً ولا شرعاً أن تأتي دلالة العقل مصادمة لدلالة الشرع، فهذا مستحيل، وقد يرد إشكال عند كثير من الناس، وهو الإشكال الذي أورده الفلاسفة لقصور فهمهم للشرع ولقضايا البدهيات الشرعية، بل حتى العقلية، وهذا الإشكال هو أن يقال: إذاً: ما معنى أن ترد بعض النصوص التي لا يعقلها بعض الناس؟! فنقول: هذا يرد بالنسبة لأفراد الناس، فأفراد الناس قد يرد عند أحدهم نص من نصوص الكتاب والسنة فلا يعقله، أو يشتبه عليه، أو يظنه لا يمكن عقلاً، لكن إذا تأملنا وجدنا أنه ليس العيب في النص، ولا يمكن أن يكون العيب في الوحي، ولا يمكن أن يكون العيب في كلام الله تعالى ولا كلام رسوله ﷺ ، بل يجب ويتعين أن نرجع إلى العقل نفسه؛ لأن العقل هو تفكير هذا الإنسان العاقل، وليس العقل شخصية مستقلة مجردة مقدسة أو منزهة عن الخطأ، بل العقل ما هو إلا نتاج التفكير عند هذا الإنسان، والتفكير راجع إلى المفكر نفسه، والمفكر إنسان ضعيف محدود الطاقة، محدود العلم، محدود التصور، محدود الخيال، يعتريه الخطأ والسهو والنسيان والخلل والهوى والوسواس وشبهات الشيطان ونزعات النفس الأمارة بالسوء، كل هذه تعتري العقل. إذاً: فكيف يقال: إنه عارض النص أو: إنه لا يعقل النص؟! فمسألة تقديس العقل وإعطائه اعتباراً فوق الشرع مغالطة؛ لأنه ليس هناك عقل مجرد بين السماء والأرض يرجع إليه ويقال: إنه معصوم، فالعقل هو نتيجة تفكير العاقل، والعاقل هو هذا الإنسان المحدود الفاني الضعيف المحكوم بعوارض الحياة وعوارض الموت. إذاً: فلا يتأتى عقلاً ولا شرعاً أن نتوهم أن يعارض العقل الشرع معارضة حقيقية، فلا يصح أن يقال: العقل يشهد بصحة ما دل عليه النقل، فهو الحاكم، كما ذكر عن الرازي وأمثاله.

стр. 422

الشرع هو الأصل والعقل تابع له القاعدة الخامسة: أن الشرع هو الأصل وأن العقل تابع، وهذا رد على عبارتهم: العقل أصل النقل. وهذه عبارة باطلة، وسبب ذلك أيضاً انتكاس المفاهيم، فـ الرازي والفلاسفة والمتكلمون من قبله يقولون: العقل أصل النقل، يعني: العقل هو الأصل في فهم الشرع، فقيل لهم: لماذا؟ قالوا: لأننا لا نفهم أوامر الله ولا نواهيه ولا نفهم أمور الغيب الواردة في الكتاب والسنة إلا من خلال العقل، إذاً: فما دام العقل هو الوسيلة فهو أصل النقل! وهذه مغالطة انطلت على كثير من صغار المتكلمين وأتباع هؤلاء الفلاسفة، والإنسان قد يغتر بهذه المقولة ويقول: نحن لا ندرك كثيراً من خطاب الله وخطاب النبي ﷺ بالأمر والنهي والخبر إلا بعقولنا، إذاً: العقل هو الأصل. وهذه مغالطة بمقدمة خاطئة بنيت عليها نتائج خاطئة، فالعقل ليس أصلاً، إنما هو وسيلة، والوسيلة لا يمكن أن تكون أكبر من الغاية، هذه ناحية. الناحية الأخرى: أن العقل مرشد إلى ما هو أعظم منه، أو دليل على مدلول أعظم، ولا يمكن أن يكون الدليل أكبر من المدلول، فدليل المبصر على طلوع الشمس عينه وبصره، فالعين دلت على طلوع الشمس، فهل هي أكبر من الشمس؟! وهل هي أعظم من الشمس؟! بل لا يمكنها أن تتصدى للشمس دقائق معدودات، فإذا كانت العين دلت على الشمس فصارت دليلاً؛ فهذا لا يدل على أنها أكبر من الشمس، فكذلك إذا كان العقل قد دلنا على صحة الشرع؛ فلا يعني ذلك أنه أكبر من الشرع؛ لأن الشرع كلام الله ووحيه، فلا يمكن أن يكون العقل المخلوق الضعيف أكبر من كلام الله وأعظم، أو حاكماً على كلام الله وكلام رسوله. وهناك مثل واضح ضربه شيخ الإسلام ابن تيمية وأورده ابن القيم وأورده الشارح في مقام آخر، وهو مثال على أن العقل إن دلنا على معاني الشرع فلا يعني هذا أنه أكبر، وذلك أن الشرع بمثابة العالم المرجع للأمة، والعقل بمثابة العامي الذي يعرف مكان هذا العالم، فلو افترضنا أن إنساناً سأل هذا العامي فقال له: من أسأل في أمر ديني؟ فعندي مسألة في الدين. فمن البديهي أن العاقل يقول: اسأل العالم وأنا أدلك عليه، فذهب هذا العامي بهذا السائل إلى العالم، فتبين لنا أن هناك دليلاً ومدلولاً عليه، فالدليل هو العامي الذي يعرف بيت العالم ومسكنه، والمدلول عليه هو العالم، فالسائل عندما وصل إلى العالم سأله عن أمر دينه فأخذ العالم يفتي، فلو افترضنا أن العامي قال للسائل: لماذا تسأل العالم، اسألني أنا، فقال: لماذا أسألك؟ فقال: لأني أنا الذي دللتك عليه. فهل يصح هذا؟! و الجواب لا. إذاً: فكون العقل دل على النقل لا يعني أنه أعظم منه، بل هو وسيلة جعلها الله لمعرفة الشرع. إذاً: فلا يتأتى أبداً أن يكون العقل أعلم، والمتكلمون قالوا: إذا عارض النقل العقل قدمنا العقل. فينبني على هذا القاعدة السادسة، وهي أنه إذا توهم أحد من الناس التعارض بين العقل والنقل؛ فإنا نقدم النقل بالضرورة، وكذلك إذا لم نفهم نص الشرع، وبعض الناس يقول: كيف نقدم الشرع في مسألة احتار فيها العقل ولم يصل إلى نتيجة؟! ونقول: إذا احتار العقل في فهم الشرع؛ فالشرع هو المقدم من باب التسليم، بمعنى أن نقول: آمنا بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ وأنه حق وصدق ولو ما فهمناه، ولا ننكص -نسأل الله السلامة- كما نكصوا، فنقول: نأخذ بالعقل وندع الشرع.

стр. 423

توهم التعارض ناشئ عن خلل في العقل أو ضعف في النقل القاعدة السابعة: أنه إذا توهم التعارض بين النقل والشرع؛ فهذا يعني بالضرورة أن في فهم العقل وإدراكه خللاً أو ضعفاً. فالشارح يقول: [لكن إذا جاء ما يوهم من ذلك] أي: ما يوهم التعارض بين الشرع والعقل؛ [فإن كان النقل صحيحاً فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول]. وهنا مسألة ما تطرقت لها، وهي أننا حينما نقول: الشرع نقصد الشرع الثابت، ولا نقصد الأحاديث الضعيفة أو الأحاديث الموضوعة أو نحوها مما لا يعتقد، لكن الشارح هنا احترز، فهو يقول: [فإن كان النقل صحيحاً] أي: إن كان آية أو حديثاً صحيحاً [فذلك الذي يدعى أنه معقول] أي: يدعي أنه معارضة من العقل، [إنما هو مجهول] أي: أنه جهل من العقل وعدم إدراك [ولو حقق النظر لظهر ذلك، وإن كان النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة]، وهذا كلام سليم، فإذا كان الحديث ضعيفاً أو موضوعاً فلا يصلح أن نأتي به في هذه القضية ونقول هو يعارض العقل، فهنا ستكون دلالة العقل السليم هي الصحيحة. فلا يتصور أن يتعارض عقل سليم ونقل صحيح أبداً، وليس هناك عقل في الدنيا سليم من العوارض؛ فلا يوجد العقل إلا مربوطاً بالبشر، والبشر ضعيف مهما كان. إذاً: الفلاسفة الذين قالوا بتقديم العقل كانوا يتصورون للعقل وجوداً مطلقاً، وأحياناً يعبرون به عن الله ، ويعتبرون الشرائع من فعل الكهنة، فإذا حصل عندهم تعارض بين العقل وشرائع الكهنة قالوا بتقديم العقل؛ لأنهم يقصدون به شيئاً مقدساً لا يأتيه الباطل، وكأنهم يعبرون بذلك عن قدرة الله ، لكنهم أخطئوا الطريق، فالفلاسفة الذين جاءوا في الإسلام قلدوهم بدون بصيرة ولا روية، وأولئك أبخر منهم، فالذين قعدوا هذه القواعد لا يقصدون عقل الإنسان المحدود في هذا البشر، إنما يقصدون عقلاً مجرداً ليس له وجود إلا في أذهانهم ويفترضونه افتراضاً، وأحياناً يعبرون عن الملائكة بالعقول، وأحياناً يعبرون عن قدرة الله بالعقول، ففرق بين فهم العقل عند الفلاسفة وبين ما يجب أن يفهم في الإسلام، وبين فهم المتكلمين الذين قلدوا الفلاسفة.

стр. 424

تقديم العقل على النقل قدح في دلالة العقل قال رحمه الله تعالى: [فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونص صحيح أبداً، ويعارض كلام من يقول ذلك بنظيره، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل]، وهذه هي القاعدة الصحيحة، فقلب القاعدة عليهم فقال: [إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع]، وهذا الكلام مبني على مصطلحات الفلاسفة، وبعضها قد يكون مصطلحاً عقلياً صحيحاً يقول به الفلاسفة وغيرهم، يعني: من الأمور المنطقية التي يقول بها كل عاقل، فالجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، وقصده أنا إذا جاءنا خبر يثبت وخبر ينفي في قضية معينة، مثلاً: جاء واحد فقال: فلان مات وآخر قال: فلان لا يزال حياً، فعندنا خبران لهما مدلولان، خبر يفيد الحياة وخبر يفيد الموت، والمدلولان متناقضان؛ إذ الموت ضد الحياة. فإذا جاء خبر بهذا وخبر بهذا؛ فلابد من الخروج من أحدهما إلى الآخر، ولا يمكن الجمع بينهما؛ إذ لا يمكن الجمع بين الموت والحياة، فنقول: هذا الرجل إما ميت وإما حي، إذاً: اجتمع عندنا مدلولان هما نقيضان، فهذان المدلولان لا يمكن أن نجمع بينهما ولا يمكن أن ننفيهما، فلا نقول: لا يمكن أن يكون حياً ولا ميتاً في وقت واحد، فرفعهما أيضاً مستحيل، وجمعهما مستحيل، إذاً: لابد من أن نرجح الحياة أو الموت، وهذا بتحقيق الخبر. ومثال ذلك: مسألة شرعية واضحة، فالله أخبرنا في كتابه وأخبرنا رسوله ﷺ في السنة الصحيحة أن الله رفع عيسى إليه، فقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] فرفع عيسى ﵇ ثابت قطعاً بالكتاب والسنة، فهذا الخبر كثير من الناس يعرضه على عقله فيقول: لا يمكن أن يبقى إنسان حياً منذ آلاف السنين، فهنا اجتمع عندنا مدلولان: مدلول عقول هؤلاء البشر المنكرة الملحدة التي تقول: لا يمكن أن يكون عيسى حياً بزعمهم، ومدلول الخبر الذي جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ بأن عيسى حي يرزق في السماء وسينزل في آخر الزمان، فهل يمكن الجمع بين المدلولين؟ إنه -بناء على ما سبق- لا يمكن أن يكون حياً وميتاً في وقت واحد، وهل يمكن أن يقال: لا حي ولا ميت؟! لا يمكن، إذاً: لابد من أحدهما، فجاء الخبر عن الله تعالى عن طريق السمع والنقل يقول بأنه حي في السماء رفعه الله إليه، وعقول هؤلاء التافهة تقول بأنه لا يمكن أن يبقى حياً، فنأخذ بدلالة الشرع، وتقديم العقل هنا ممتنع؛ لأن العقل دل على صحة السمع، وإذا كانت عقول الناس المهتدية السليمة المستقيمة أثبتت أن ما جاء عن الله تعالى حق وصدق؛ فقد سلمت ابتداء، وهذه أيضاً مسألة مهمة كان المفروض أن نضعها قاعدة، ولا مانع من أن نضعها قاعدة، وهي أن العقل السليم هو الذي دلنا على صحة السمع، أي: صحة دلالة الكتاب والسنة، وإذا كان العقل السليم هو الذي دل على صحة الكتاب والسنة؛ فهذا يعني: أنه لابد من أن يسلم لهما بالبداهة، لاسيما أن العقل السليم يثبت عصمة الكتاب وعصمة ما صح من السمع، وإذا أثبت العصمة وجب عليه ألا يناقض هذا، ولذلك قد نأتي إلى بعض المتكلمين، ونقول له: أنت الآن استعملت عقلك في تأمل كتاب الله . فيقول: نعم، فنقول: ألم تدرك بعقلك أن كتاب الله حق؟ فيقول: بلى والله، أدركت هذا. كما يقول الرازي وأمثاله، يقول: أدركت أن كلام الله حق وصدق لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إذاً: ما دمت تقول: كلام الله حق وصدق، فكيف تقول: إذا تعارضا قدمت العقل؟! فإنك تكون بذلك قد نقضت قاعدتك وتسليمك، فالعقل السليم الذي سلم بأن الحق هو ما جاء عن الله وعن الرسول لو اعترض في جزئية من جزئيات الدين اعتراضاً عقلياً على الشرع يكون بذلك قد انتقض تسليمه كله على طول الخط؛ لأنه أولاً سلم ثم نقض تسليمه، فكذلك المتكلمون الذين قالوا بأن القرآن وما صح عن النبي ﷺ حق، ثم جاءوا يقولون: ما تعارض مع العقل من الكتاب والسنة ندفعه أو نؤوله! فهؤلاء تناقضوا ونقضوا قاعدتهم؛ لأن العقل قد دل على صحة السمع، أي: قبول ما أخبر به النبي ﷺ ، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل. فالشارح قلب الدليل عليهم، فنقول لهم: عقولكم التي سلمت بصحة دلالة النص ثم عارضت صارت مجروحة؛ لأنها شهدت بصحة الكتاب والسنة ثم بعد ذلك قدحت في دلالتهما، فرجع الجرح عليها، إذاً: فالعقل الذي تزعمون أنه معصوم أصبح مجروحاً بعملكم هذا، ولا يصلح أن يكون معارضاً للنص؛ فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، أي: فكان تقديم العقل على الشرع في الاعتبار موجباً عدم تقديم العقل على الشرع في الدلالة، وكان تقديم العقل على الشرع في الدلالة موجباً عدم تقديمه في الاعتبار. يقول: إذا أردت أن تكرم العقل وتضع له منزلة فيجب ألا تقدمه على الشرع، فقوله: [فكان تقديم العقل] أي: تكريم العقل [موجباً عدم تقديمه]، أي: عدم تفضيل

стр. 425

شرح العقيدة الطحاوية [٣٥] من أصول الدين وأساسياته التسليم بكل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، وعدم معارضة شيء من ذلك بعقل أو رأي أو خيال أو شبهة، كما يجب الاعتقاد بأن ما جاء به الرسول هو الحق والصدق المطلق، وما عداه مما يعارضه فهو باطل، فيجب قبوله والتسليم له، وما جهل منه أو أشكل فهمه رد علمه إلى الله تعالى وحرم الخوض فيه، والتقول على الله تعالى بغير علم؛ فإن ذلك هو الهلاك بعينه، وهو ما وقعت فيه الفرق الضالة التي سلكت مسالك أهل الكلام، فلم تفلح ولم تنجح.

стр. 426

توحيد المرسل ومتابعة الرسول أصلان لا نجاة بدونهما قال رحمه الله تعالى: [فالواجب كمال التسليم للرسول ﷺ ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يعارضه بخيال باطل يسميه معقولاً، أو يحمله شبهة أو شكاً، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول]. تسمية هذين الأصلين بأنهما توحيدان فيها نوع غموض أو لبس، مع أن المقصود واضح، فهو يقصد وجوب توحيد الله بالعبادة، كما أنه لا يطاع غير الرسول ﷺ في الدين، لكن تسميتهما بالتوحيدين فيها لبس، فالأولى أن يقال: هما أصلان: توحيد المرسل، يعني: توحيد الله الذي أرسل الرسل وأرسل الرسول ﷺ ، وهذا التوحيد هو الأصل، أما الثاني فهو توحيد المتابعة، بمعنى توحيد مصدر الدين، فلا يؤخذ الدين إلا عن الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ هو المبلغ عن الله. إذاً: فالأولى أن نسميهما أصلين، ولا نقول: توحيدان.

стр. 427

خطر الانحراف في التلقي لأمور الدين قال رحمه الله تعالى: [فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً، فقال: نؤوله ونحمله]. هذا الانحراف في التلقي نجده واضحاً في كثير من الأمة، والانحراف في التلقي هو أخذ الدين عن غير الرسول ﷺ والتسليم لغيره ﵊، أو الرجوع عند التنازع إلى غير الرسول ﷺ ، وهذا نجده واضحاً في عدة طوائف من الأمة، أولها: الفرق عموماً ابتداء من الخوارج والرافضة الشيعة، والشيعة الأوائل انقرضوا، وما بقي إلا الرافضة ومن تفرع عنهم، وكذلك القدرية والمرجئة والمعتزلة والجهمية والمشبهة والجبرية وأهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية ثم الفلاسفة والباطنية، كل هؤلاء وإن سلم بعضهم بالمبدأ بأن الرسول ﷺ هو المبلغ عن الله إلا أنهم عند التنفيذ وعند تلقي الدين أو الأخذ به أو العمل به نجدهم يتلقونه ممن هو دون الرسول ﷺ بغير هدى ولا بصيرة، وفي الآونة الأخيرة ظهرت نزعات جديدة تميل إلى هذا الاتجاه، وهي رجوع أصحاب الشعارات إلى شيوخهم وإلى رءوسهم وقاداتهم. وأقصد بالشعارات الشعارات التي ينضوي تحت لوائها جماعة من الناس، تضع لنفسها مناهج وتضع لنفسها أصولاً تعقد عليها الولاء والبراء وتحكمها عند الخلاف وترجع إليها في بعض أمور دينها أو في أمور الدعوة ونحو ذلك، فهذه الشعارات واللواءات أيضاً وقعت فيما وقع فيه الأولون، فإذا جاء الخبر عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ أرجعوه إلى أصولهم، فإن وافق أصولهم أخذوا به وإن خالف أصولهم سوغوا لمخالفته بتأول أو بتفسير شاذ أو باحتجاج بواقع أو بقول شيخ أو نحو ذلك. كما أن هناك طائفة ثالثة وقعت، لكنها أخف من غيرها، وهي متعصبة المذاهب، فمتعصبة المذاهب وقعوا في التلقي عمن دون الرسول ﷺ والتحاكم إليه مع تسليمهم للمبدأ، فمتعصبة المذاهب أحياناً يأتيهم الدليل الذي يخالف مذهبهم ويثبت أنه صحيح وأنه غير منسوخ إلى آخر ذلك من القواعد المعروفة في ثبوت الدليل وثبوت دلالته، ثم يعرضون عنه، ويقولون: هذا لا يمشي مع القاعدة التي قال بها فلان، وأحياناً ينسبون القاعدة إلى إمام من أئمة الدين الذين لا يرضون هذا الأسلوب، كالإمام أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد. ولذلك وجد في شواذ المذاهب ما يخالف الإسلام أصلاً، وسبب ذلك أن طائفة من متأخري أتباع المذاهب حكموا القواعد ولم يحكموا النصوص أحياناً، وعلى سبيل المثال وليس على سبيل القدح أذكر مثالاً لطائفة وهو مثال واضح من أوضح الأمثلة، وقد يوجد نحوه في كل مذهب، لكن أجده في أحد المذاهب واضحاً جداً، خاصة من بعض المنتسبين إلى هذا المذهب المتعصبين له، وهو مذهب الأحناف، والمذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة وفي أتباعه وفي شيوخه خير كثير، وكثير منهم من أئمة الإسلام، لكن وجد عند المتأخرين تعصب شديد، فالمثال هو وجود طائفة منهم الآن نراهم في الحرم وفي غيره لا يتمون الركوع أبداً، بل ركوعهم كبعض الرافضة إذا رفع رأسه من الركوع لا يكاد يتم الرفع، مجرد إشارة إلى فوق ثم يهوي ويسجد، فلا يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يستكمل الدعاء ولا يعتدل كما أمر النبي ﷺ ، وإذا رجعنا إلى أصل هذا العمل وجدناه يرجع إلى قواعد في المذهب الحنفي، ولا يرجع إلى نص شرعي صحيح؛ والصلاة من أعظم شعائر الدين التي تواتر نقلها عن النبي ﷺ بحيث لا يمكن لأحد أن يخفى عليه شيء من واجباتها وأركانها، فالصلاة من أعظم شعائر الإسلام التي بقيت كما كانت في المسلمين إلى اليوم إلا من حرف وبدل، فهذا مثال لمتعصبي المذاهب.

стр. 428

وجوب المبادرة بقبول خبر رسول الله والعمل به واجتناب الخوض فيما جهل علمه قال رحمه الله تعالى: [فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب -ما خلا الإشراك بالله- خير له من أن يلقاه بهذه الحال، بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فهل يسوغ له أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه؟! بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله من غير التفات إلى سواه، ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلغى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول قوله على موافقة فلان دون فلان كائناً من كان. قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حَجْرة، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضباً قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: مهلاً يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، وإنما يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)]. هذا فيه إشارة إلى قاعدة في التعامل مع النصوص أرى كثيراً من الناس -بل حتى بعض طلاب العلم في هذا الزمان- لا يتأدبون بأدبها، وهي في المراء والخوض في المسائل العلمية غير البينة أو التي تحتاج إلى الاجتهاد بشروطه والكلام فيها بغير علم مع ضرب النصوص بعضها ببعض، أقول: كثير من الناس اليوم يتساهل، فقد تذكر أحياناً أحاديث أو مسائل علمية في بعض المجالس فتجد كل واحد من الحاضرين ينتزع دليلاً من القرآن أو دليلاً من السنة ويضربون الأدلة بعضها ببعض بدون أدب مع كتاب الله تعالى ومع سنة الرسول ﷺ ، وبدون اعتبار لأصول الاجتهاد وأصول الأخذ بالنصوص، ودون تورع عن القول على الله بغير علم، مع أن مثل هذه المسائل كثيراً ما تؤدي إلى الخصومات والمراء والجدل والنزاع، وأحياناً تؤدي إلى التشاحن، فابتداء الأمر بهذه الصورة خطأ فضلاً عن أن نهايته تؤدي إلى الإثم، فعلى هذا ينبغي أن يناصح الناس وتثار هذه المسألة كثيراً بين طلاب العلم، فيتواصون بعدم التساهل في أخذ المسائل العلمية بغير نهج سليم وفي ضرب الأدلة بعضها ببعض، فتجد أن كثيراً من الناس من السهولة عنده بمكان أن يأخذ آية ويستدل بها على أمر يراه هو مجرد رأي دون أن يعرف هل وجه الاستدلال صحيح وهل الآية تدل على المراد أم لا، وهل هي ناسخة أو منسوخة، ثم هل هو ممن يملك الاجتهاد ويعرف المسائل والأدلة وكيف يجمع بينها إلى آخره، كل ذلك لا يراعى في كثير من أحاديث الناس اليوم. فينبغي أن تتواصوا بهذا الأمر؛ لأنه بدأ يستفحل ويكثر في الناس، حتى إنه تجرأ على ذلك العوام والشباب الصغار والنساء؛ لكثرة تعلم الناس وكثرة القراء فيهم وقلة الفهم، فأخذوا يضربون الآيات بعضهما ببعض والنصوص بعضها ببعض، وكل يأتي وينتزع الدليل على هواه، وأحياناً يستدلون بطرق غريبة جداً لا تتناسب مع فهم العربية فضلاً عن أصول الاستدلال. وتجدهم يفسرون الآيات على أهوائهم، وينقلون الحديث ثم يفسرونه على أهوائهم، وهذا مشهور وواقع، تتبناه بعض الصحف وتنشره علانية، وهذا نوع من انتشار هذه الظاهرة عند الصحافة والصحفيين، حيث ظهرت الجرأة على أحكام الله تعالى وعلى أحكام الشرع، وعلى قضايا الأمة الخطيرة وما هو من أمور العلم الشرعي، وما الصحافة إلا مظهر من مظاهر ما يحدث في المجتمع، وإن كانت الصحافة في الغالب مجروحة العدالة أصلاً وابتداء، لكن الناس الأصل فيهم العدالة، ونحن ننصح الناس، وأما الصحافة فينبغي أن تردع الصحافة ينبغي أن تردع من قبل الولاة عن الجرأة على دين الله تعالى وعلى أحكامه.

стр. 429

قواعد من الفقه في الدين

стр. 430

تحريم القول على الله بغير علم قال رحمه الله تعالى: [ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم هل خالفه أو وافقه لكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه؛ فإنه يمسك عنه، ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول. وقد يكون علم عن غير الرسول، لكن في الأمور الدنيوية، مثل الطب والحساب والفلاحة، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية؛ فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول لا غير]. في هذا المقطع قرر قاعدة من قواعد الفقه في الدين، وهي قاعدة عظيمة، وتشمل عدة مسائل: المسألة الأولى: تحريم القول على الله بغير علم، وهذا يعني: أن من تكلم في أصول الدين وفي مسائل الحلال والحرام وفي الأمور الشرعية فإنه قائل على الله، فإن كان كلامه عن علم وعن دليل وافق الحق وأصاب، وإن كان كلامه عن غير علم ولا دليل فقد أخطأ في قوله وإن أصاب أو وافق الحق، فحينما يوافق الحق تخرصاً لا ينفعه ذلك، فهو قول على الله بغير علم، ولا يجوز القول على الله بغير في مسائل الدين ولا في غيرها، لكن مسائل الدين هي مقصوده هنا، فلا يجوز القول بأن هذا حق أو باطل، أو بأن هذا حلال أو حرام، أو بأن هذه هي العقيدة أو بأن هذا مراد الله إلا بعلم. ومن وسائل العلم بالنسبة للمسلم: أن يعرف الدليل ووجه الاستدلال. ومن ذلك: أن يكون الأمر مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كتحريم الكذب مثلاً وتحريم الزنا وتحريم الربا ونحو ذلك، فهذا كله معلوم من الدين بالضرورة، حتى لو لم يستحضر الإنسان الدليل؛ لأنه نقل بالإجماع والتواتر. ومن ذلك نقله عن إمام هدى وعالم يقتدى به، فلا مانع من أن يقول: قال العالم أو قال الشيخ، فمن هنا تبرأ الذمة ويسلم الإنسان من القول على الله بغير علم. أما بغير هذا فإنه إذا قال في مسألة من الأمور الشرعية: إن الله أراد كذا أو حرم كذا أو أحل كذا، أو هذا هو الحق دون أن يكون صادراً عن الدليل مع فهم الدليل، أو عما هو معلوم بالضرورة، أو عن قدوة؛ فإنه بذلك يخطئ.

стр. 431

وجوب اعتقاد أن ما جاء به الرسول هو الحق والصدق المطلق المسألة الثانية: أنَّه يجب على الإنسان المسلم أن يعتقد أن ما جاء به النبي ﷺ هو الحق والصدق مطلقاً، وما عداه من سائر كلام الناس يعرض على هذا الحق والصدق، فإن وافقه فهو كذلك حق وإن لم يوافقه فليس بحق.

стр. 432

وجوب التوقف فيما لم يتبين الحق فيه من الباطل المسألة الثالثة: أن المسلم إذا أشكلت عليه مسألة من المسائل فلم يعرف هل هي حق وتوافق الحق أم هي باطل؛ وبذل وسعه وتكلف في البحث عن الدليل وسأل أهل العلم، فلم يتبين له وجه الحق؛ فإنه يتوقف، ويسعه التوقف والإمساك، فلا يثبت ولا ينفي ولا يحلل ولا يحرم، ولا يقول: هذا حق ولا باطل؛ بل يقول: الله أعلم، أو: لم يتبين لي وجه الحق. وهذا منهج السلامة الذي عليه أهل الحق، إذاً: لا يتكلم إلا بعلم، والعلم لا يكون علماً إلا إذا قام على الدليل، وهذه قاعدة عامة.

стр. 433

علم الرسول هو العلم النافع الذي تضبط به علوم الدنيا المسألة الرابعة: أن النافع من العلوم الشرعية هو ما جاء به النبي ﷺ ، أما العلوم الدنيوية فإنها تضبط في عموماتها بالشرع في كونها غايات أو وسائل، وكونها -مثلاً- تفيد أو لا تفيد إلى آخره، فهذه تضبط بضوابط الشرع، لكنها أمور علمية مبنية على عالم الشهادة، وليست من الأمور التي وردت فيها نصوص الشرع تفصيلاً، وإنما وردت فيها نصوص الشرع على وجه الإجمال، فالعلوم الطبيعية والعلوم المادية ليست محكومة بنصوص جزئية، إنما تحكم بغايات الشرع وقواعد الشرع ونصوص الشرع العامة. ثم إن هناك من العلوم الدنيوية ما يكون فيه نوع اشتباه بالعلوم الشرعية، تختلط مسائله وأصوله وقواعده وجزئياته بالعلوم الشرعية، وهذا لابد أن يكون للشرع فيه رأي حتى في بعض تفصيلاته، وهو ما يسمى بالعلوم الإنسانية، وبعض المفكرين أو بعض المثقفين حتى من المسلمين يزعم أن العلوم الإنسانية لا دخل للشرع فيها، كعلوم الاجتماع وعلوم السياسة وعلوم الاقتصاد وعلوم التاريخ والحضارة وسائر العلوم الإنسانية، وأنها إنما تحكم بقواعدها عند المتخصصين، وهذا خطأ فادح انبنى عليه في العصر الحاضر أخطاء كثيرة في مفاهيم المسلمين وأعمالهم دولاً وشعوباً وترتب عليه أخطاء قد يصعب علاجها إلا بعد سنين، وسبب ذلك عزل العلوم الإنسانية عن علوم الشرع، فالعلوم الإنسانية ليست كالعلوم الطبيعية والمادية، بل لابد من أن تحكم بالشرع جملة وتفصيلاً، ولابد من أن تنطلق من منطلقاته الأساسية في قواعدها وفي أصولها وفي أهدافها وفي مسائلها الجزئية وفي أحكامها وفي تطبيقاتها، لابد أن تنظم بأصول الشرع والفقه الإسلامي، والفقه ثري بهذه الأمور، بل أغلب الفقه الإسلامي -إذا استثنينا منه العبادات- وجله في العلوم الإنسانية، كعلوم الاجتماع وأحكام الأسرة وعلوم الاقتصاد والبيع وعلوم السياسة، والأحكام السلطانية وغيرها، فالعلوم الاجتماعية في عصرنا الآن مفصولة عن أحكام الشرع التفصيلية، وعزلها عن الفقه يعتبر كارثة أوقعت المسلمين في كثير من الأخطاء والمفاهيم الخطيرة التي أدت إلى الوقوع في انحرافات يصعب علاجها إلا بعد حين.

стр. 434

موقف العقل من الشرع هو التسليم والاستسلام قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام): هذا من باب الاستعارة؛ إذ القدم الحسي لا تثبت إلا على ظهر شيء. أي: لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه. روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀ أنه قال: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وهذا كلام جامع نافع. وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير؛ فإن العامي يمكنه أن يصير عالماً، ولا يمكن للعالم أن يصير نبياً رسولاً، فإذا عرف العامي المقلد عالماً فدل عليه عامياً آخر، ثم اختلف المفتي والدال؛ فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون الدال، فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفت، فلزم القدح في فرعه! فيقول له المستفتي: أنت لما شهدت له بأنه مفت ودللت عليه؛ شهدت له بوجوب تقليده دونك، فموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، هذا مع علمه أن ذلك المفتي قد يخطئ]. أظن أن المثل -إن شاء الله- واضح، وخلاصته: أن العقل مع الشرع كالعامي مع العالم، وذلك أمر في نظري أنه بدهي، فإن الشرع هو الذي يسمى علماً، والعقل لا يعدو أن يكون وسيلة للعلم، وليس هناك إنسان يشتمل على العلم دون تعلم ودون تعقل. إذاً: فالعقل لا يتصور إلا أن يكون وسيلة للعلم، بدليل أن غير العاقل لا يعلم شيئاً، وأن الناس علومهم بقدر عقولهم، ثم إن العقل ليس بذاته يشتمل على العلم، إنما هو -كما قلت- وسيلة إلى العلم، وهذا أمر يدركه كل عاقل، فالعقل نفسه يقول ذلك، فالعاقل لا يولد عالماً، إنما يولد بعقله مستعداً للعلم، وهذا الاستعداد يعتبر وسيلة، فإذا وجد علماً حصله، وإذا لم يجد علماً فلا يمكن لعقله أن يكون عالماً، فالعقل لو لم يجد معلومات ما صار عالماً، ولو لم يجد أيضاً وسائل تعينه -من تفكير وبصر وسمع ولمس وغير ذلك من أنواع الإدراكات- ما استطاع أن يعلم شيئاً. فالله جعل العقل آلة ووسيلة، فإذا كان العقل وسيلة، والشرع والوحي من كلام الله وكلام رسوله ﷺ فلا يتأتى أن يجهل أحد من الناس هذا الأمر، وهو أن الشرع هو العلم وأن العقل وسيلة، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يتأتى أن تكون الوسيلة أقوى وأقدم وأهم من الأصل نفسه، فتقديم العقل على الشرع عند المتكلمين إنما هو انتكاس في الفطرة ووهم جرهم إليه الفلاسفة، والفلاسفة دائماً إنما يعيشون أوهاماً، فالفلاسفة لا يعيشون عالم الواقع، فالكلام في الواقع لا يعد فلسفة، وإن تجاوز بعض الناس وسماه فلسفة، بل الفلسفة أوهام وخيالات، فلذلك لما خضعوا لهذه الأوهام والخيالات خالفوا البدهيات وقالوا: إن العقل مقدم على الشرع، فلما قيل لهم: لماذا؟ قالوا: لأنا لا نعرف الشرع إلا بالعقل. فيقال لهم: الشرع شرع، وهو علم، سواء وجد العقل أم لم يوجد، لكن العقل لا يستطيع أن يدرك بدون الشرع علماً حقيقياً يتوصل به إلى عالم الغيب وإلى أصول الدين وإلى الحق الذي يريده الله ويرضاه، فالعقل قد يدرك المدركات في أمور الدنيا ومع ذلك يخطئ فيها ويقع في أخطاء شنيعة قد تهلك البشر، فكيف بأمور الغيب والدين؟! إذاً: فتقديم العقل على الشرع في أمور الدين أمر يعد مناقضاً للعقل السليم ولمقتضي الفطرة، وما هو إلا من خبالات وخيالات الفلاسفة التي تأثر بها المتكلمون. قال رحمه الله تعالى: [والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره]. يقصد هنا العقل السليم، وإلا فهناك عقول منكوسة قد لا تسلم بالوحي، لكن العقل السليم إذا رزقه الإنسان أدرك بالضرورة أنه يجب التسليم لخبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ .

стр. 435

مثال لمقدمي دلالة العقل على ما جاء به الرسول ﷺ قال رحمه الله تعالى: [وقد علمنا بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول]. هنا سيضرب مثالاً بحال المتكلمين الذين زعموا أنهم يسلمون للوحي وللقرآن، ثم بعد ذلك وضعوا قواعد يردون بها القرآن ومعاني الوحي. قال رحمه الله تعالى: [وقد علمنا بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول ﷺ : هذا القرآن الذي تلقيه علينا، والحكمة التي جئتنا بها، قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك لكان ذلك قدحاً فيما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هدى ولا علماً، لم يكن مثل هذا الرجل مؤمناً بما جاء به الرسول ﷺ ، ولم يرض منه الرسول بهذا، بل يعلم أن هذا لو ساغ لأمكن كل أحد ألا يؤمن بشيء مما جاء به الرسول ﷺ ، إذ العقول متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشياطين لا تزال تلقي الوساوس في النفوس، فيمكن كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما أخبر به الرسول وما أمر به، وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، وقال: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٤]، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥]، ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:١ - ٢]، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١]، ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١]، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩]، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن. فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر: إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق أم لا؟ والثاني باطل، وإن كان قد تكلم على الحق بألفاظ مجملة محتملة؛ فما بلغ البلاغ المبين! وقد شهد له خير القرون بالبلاغ، وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم، فمن يدعي أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ المبين؛ فقد افترى عليه ﷺ ].

стр. 436

الاتجاهات العقلية الحديثة وريث للاتجاه الكلامي هذا إلزام واضح لأصحاب الاتجاهات الكلامية التي نسميها الآن في العصر الحديث الاتجاهات العقلانية، فالاتجاهات العقلية على مذهب المتكلمين تماماً في موقفهم الإجمالي من الدين، ولا أقصد بهم أولئك الذين تزندقوا وخرجوا عن الإسلام إلى تيارات وأفكار لا تنتسب للإسلام، إنما أقصد كثيراً ممن يسمون بالمفكرين الذين يحسبون على المفكرين الإسلاميين، وربما كان بعضهم من رواد الحركات الإسلامية الحديثة، فأصحاب هذا الاتجاه العقلاني هم على مذهب المتكلمين الذين يرد عليهم الشيخ هنا، ورد عليهم أهل السنة في مسألة الموقف من الدين ثم تحكيم العقل والتسليم له حينما يظهر عندهم التعارض بينه وبين الشرع، فهناك الآن مواقف واضحة من أمثال هؤلاء تجاه كثير من قضايا الدين، سواء النصوص أو الأصول الشرعية أو مناهج السلف في العقيدة والولاء والبراء وغير ذلك، فأكثرهم إذا جاء ما يصادم تفكيره أو معلوماته من أمور الشرع -سواء كان في الآيات أو الأحاديث- قال: هذا لا يعقل، ومن ثم يذهب بعضهم إلى التأويل المتكلف، وبعضهم ربما يرد النص ولا يبالي، ومن هنا نادى بعض الذين يسمون بالمفكرين الإسلاميين المعاصرين بوضع موازين جديدة للنظر إلى النصوص الشرعية غير الموازين التي عمل بها السلف، خاصة في الأحاديث، وقالوا: ينبغي أن نعيد النظر في تصحيح الأحاديث وتقويمها، ومن الضوابط التي يقترحونها لتقويم الأحاديث أنهم قالوا: إن ما لا يوافق العقل ولا يستقيم عند أهل الفكر من الأحاديث يرد، وضربوا لذلك أمثلة من الأحاديث الصحيحة المقطوع بها في البخاري ومسلم وغيرهما. فجعلوا العقل هو المحكم، ولربما كان المتكلمون الأوائل أتقى وأورع وأكثر أدباً مع النصوص الشرعية من المعاصرين؛ لأن الأوائل تكلموا في معارضة العقل فيما يخفى على بعض من تنطمس فطرهم أو يتأثرون بالفلسفة، ولم يخوضوا في معارضة الواضح الجلي من نصوص الشرع. أما المعاصرون فقد عارضوا الواضح الجلي من نصوص الشرع، واخترعوا أساليب ووسائل للأخذ بالدين غير الأساليب والوسائل التي ارتضاها النبي ﷺ لصحابته ثم نقلت عن الصحابة جيلاً بعد جيل إلى يومنا هذا. إذاً: فالعقلانيون الذين رفعوا لواء تقديم العقل في العصر الحاضر هم امتداد للمتكلمة التي تقدم العقل على الشرع، لكن وسعوا الهوة وجروا هذه الاعتراضات حتى على الأحكام، أما الأوائل فلم يكن عندهم اعتراض على الأحكام، وإنما تكثر مسائلهم في الأمور العقلية. أما هؤلاء الذين يعيشون الآن بين ظهراني المسلمين فقد ردوا كثيراً من الأحكام المتعلقة، خاصة ما يتعلق بالمرأة وما يتعلق بالولاء والبراء مع الكفار والفساق وأهل البدع وما يتعلق ببعض الأخلاقيات، فاعترضوا على ذلك بدعوى أن هذا لا يستقيم مع أحوال البشرية اليوم، أو لا يساير المدنية الحديثة أو نحو ذلك، وكل ذلك اعتراض عقلي على نصوص الشرع وأمور الدين. والخلاصة: أن هذا الاتجاه لا يزال في الأمة، إلا أنه الآن أكثر ضرراً وأوسع في تخطيه لأصول الدين من المذاهب القديمة، وربما تأتي المناسبة -إن شاء الله- للحديث عن بعض هذه الاتجاهات في مقام آخر.

стр. 437

شرح العقيدة الطحاوية [٣٦] الكلام في دين الله تعالى بغير علم خطره عظيم، وقد جاء التحذير من ذلك في آيات وأحاديث كثيرة، تدل بمجموعها على تحريم هذا الأمر، وبيان شناعته وعظيم خطره على الدين، ومما ينتج عن ذلك معارضة الشريعة بالأهواء الفاسدة والسياسات الجائرة، والأذواق والأقيسة الباطلة، وكلها تصب في قالب رد النصوص اتباعاً للهوى والضلالة.

стр. 438

خطر التكلم في الدين بغير علم قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه؛ حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان): هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين -بل وفي غيرها- بغير علم، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٣ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف:٥٨]) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)، خرجاه في الصحيحين].

стр. 439

حصول الفساد بمعارضة الشريعة بالسياسات والأذواق والأقيسة الفاسدة قال رحمه الله تعالى: [ولا شك أن من لم يسلم للرسول ﷺ نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، أو يقلد ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول، فإنه قد اتخذ في ذلك إلهاً غير الله، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] أي: عبد ما تهواه نفسه، وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، كما قال عبد الله بن المبارك رحمة الله تعالى عليه: رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله. وأحبار السوء -وهم العلماء الخارجون عن الشريعة- بآرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده وتقييد ما أطلقه ونحو ذلك. والرهبان -وهم جهال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع- بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه ﷺ ، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس]. هذا الكلام تفسير لقوله: إنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، وهذا لا يعني أن الفساد لا يحدث إلا من هذه الثلاث، لكن ابتداء الفساد في الأمم في الغالب أنه يبدأ من هذه الأصناف الثلاثة.

стр. 440

الفساد الحاصل من معارضة الملوك للشريعة بسياساتهم الجائرة الصنف الأول: الملوك والسلاطين أصحاب الجور والظلم، فهؤلاء يشرعون ما لم يشرعه الله، فيفتنون الناس عن دينهم ويحدث منهم ما يحدث من السياسات الجائرة كما ذكر.

стр. 441

الفساد الحاصل من أحبار السوء والصنف الثاني: أحبار السوء الذين هم علماء السوء، العلماء الذين يسيرون في علمهم على أهواء السلاطين وغيرهم، أو يسيرون على أصول فاسدة كأصول الكلام وأصول الفلسفة وغيرها، فأحبار السوء هم علماء السوء، ولفظ (علماء السوء) يشمل أصنافاً: الصنف الأول: العلماء الذين يفتون بغير علم أو يفتون عن هوى، فإما أن يتابعوا الظلمة في ظلمهم أو يسايروا الناس فيما يريدونه من الشهوات والملذات، أو يطاوعوا أنفسهم، فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون. والصنف الثاني: الذين يتلقون العلم من غير مصادره الشرعية، ويزعمون أن ذلك علماً شرعياً وينسبونه للإسلام، وهؤلاء في هذه الأمة طوائف: أولها: الذين أخذوا علم الفلاسفة وزعموا أنه علم يفوق علم الكتاب والسنة، أو يحكم فيما يرد من الكتاب والسنة، وأحياناً يجعلونه هو العلم الفاضل الذي يتطلع إليه العقلاء، ومن هذا الصنف من يضعون القواعد العقلية من عند أنفسهم أو ما يسمى بالرأي أو المعقولات ويجعلونها أصولاً يُرجِعون إليها نصوص الكتاب والسنة ويجعلونها هي المحكمة فيهم.

стр. 442

الفساد الحاصل من جهة العباد الجهلة والصنف الثالث: الرهبان، والمقصود بهم العباد الجهلة، وإنما عبر بالرهبان؛ لأن أفسد العباد الذين ظهروا في الأمم هم عباد النصارى، فقد أفسدوا الدين والدنيا، كما أنه عبر عن الفرقة الثانية بالأحبار؛ لأن أحبار اليهود هم أفسد من ينتسب للعلم من أتباع الأنبياء. فالرهبان المقصود بهم العباد المتنسكة الذين يعبدون الله على غير هدى، يعبدونه بشرائع وضعوها لأنفسهم وتعبدوا بما لم يتعبدهم الله به، بترك أشياء لم يأمر الله بتركها، أو بفعل أشياء لم يأمر الله بفعلها، فلذلك تركوا ما لا يستقيم بدونه دين الناس ولا دنياهم، سواء رهبان النصارى وغيرهم من رهبان الهندوس والمجوس وغيرهم، وكذلك عباد هذه الأمة الأوائل الذين انبثق منهم المتصوفة، فإن هؤلاء وضعوا لأنفسهم من العبادات ما لم يشرعه الله من الصيام والصلاة والأذكار وغيرها، ثم إنهم أيضاً تركوا ما شرع الله فحرموا على أنفسهم وعلى غيرهم الحلال، بل تركوا ما لا تستقيم الحياة إلا به، وأعرضوا عن العلم الشرعي، بل عن العلوم كلها، وتعبدوا الله بالجهل، وظنوا أن هذا هو الصراط المستقيم، فبذلك ضلوا وأضلوا، فتعبدوا الله بترك الزواج مثلاً، وهذا مما تفسد به الحياة، ولو أن الناس كلهم تركوا الزواج لانقطعت الحياة، وتركوا مخالطة الناس بدعوى الانفراد لعبادة الله ؛ مع أن مخالطة الناس وجهادهم ودعوتهم إلى الله والصبر على الأذى في هذه الدعوة هو الحق الذي أراده الله، فاعتزلوا الناس بدعوى أن ذلك للعبادة، فكان في اعتزالهم شر عليهم وعلى الأمة، فتركوا الجهاد وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتركوا تعليم الناس والتعلم من الناس، وغير ذلك من الأمور التي أدخلها الرهبان والتي أوجدتها الطرق الصوفية التي هيمنت اليوم على أكثر الأمة الإسلامية وأوقعتها في الذل والهوان والانتكاس والجهل والبدع والخرافات، والمتصوفة قرينة الرافضة، تجتمعان على أصول كثيرة من الجهل والحمق والتعبد بغير ما شرعه الله وترك ما شرعه الله وغير ذلك مما هو معروف. إذاً: هذه الأصناف الثلاثة تشمل جميع فرق الأهواء، وهي الأسباب الرئيسة الأولى في انحراف الأمم عموماً وانحراف هذه الأمة على وجه الخصوص، سياسات جائرة من السلاطين، ثم أحبار السوء الذين يزينون الشر للسلاطين وللناس ويصدون عن الخير باسم الشرع، ثم المتعبدة الرهبان الذين لبسوا على عوام المسلمين وعلى كثير من أبنائهم بما يظهرونه من زهد وتورع، وهو زهد كاذب وتورع كاذب.

стр. 443

وجه الإفساد الكائن من ملوك الجور وأحبار السوء وأصحاب الذوق والوجد قال رحمه الله تعالى: [فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة! وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل! وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف]. هذه قواعد لهؤلاء تعتبر فعلاً خلاصة مناهجهم، وقد ذكر الشارح ﵀ هنا بأسلوب بين جلي وفي إيجاز بالغ مناهج هذه الأصناف الثلاثة، فالأولون أصحاب السياسات الجائرة قد يدعون أنهم يحكمون بشرع الله ، لكن إذا تعارضت السياسة مع الشرع قدموا السياسة، وهذا أمر واقع فيه أكثر السلاطين الجورة قديماً وحديثاً، خاصة في عصرنا، فإن أغلب الأمة الإسلامية تحكمها أنظمة وتحكمها سياسات تأخذ بهذا المبدأ، وإن اعترف بعضها بالإسلام فإنما يأخذ بهذا المبدأ، وهو مبدأ تقديم السياسة وما يسمونه بمصالح البلد والوطن، وما يسمونه بمصالح الدولة أو بمسايرة الأمم أو بمسايرة أحوال الناس إلى آخره ويقدمونه على الدين وعلى الشرع. فهذه قاعدة عند الساسة الجورة الذين لا يأخذون بدين الله ولا يحكمون شرع الله إلى اليوم، بل هي اليوم قاعدة واسعة أكثر من ذي قبل، فإذا كان هذا الكلام كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام ابن القيم ثم أخذه ابن أبي العز في ذلك الوقت؛ فكيف بوقتنا هذا. والصنف الآخر: الذين يقوم منهجهم على اعتماد العقل مصدراً من مصادر التلقي، فإذا تعارض مع الشرع أخذوا بالعقل وجعلوا الشرع محكوماً عليه بأحكام العقل الناقص المحدود. والفئة الثالثة: أصحاب الذوق الذين هم المتصوفة ومن نحا نحوهم كما ذكرنا، فإنهم أدخلوا في مصادر الدين ما لم يشرع، فأفسدوا الدين بهذه المصادر، وهذه المصادر هي الذوق والكشف ونحو ذلك من المصادر التي زعموا أنها تكون هي المرجع عندما تأتيهم النصوص أو الآثار عن السلف، بل إنهم قد لا يعملون بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ويعملون بما يقول به شيوخهم وما يقول به سادتهم ومن يسمونهم بالأولياء حينما يهذون بهذيان قد يفسد الدين والدنيا، والعجيب أن المتصوفة حتى اليوم لا يناقشون ما يصدر عن شيوخهم، سواء كان حقاً أو باطلاً، بل ينفذونه مهما كان، حتى لو كان يتضمن الأمر بالفواحش فعلوه وتأولوا، وإذا جاءتهم الآيات لووا أعناقها وصرفوها إما برد وإما بتأول وإما بدعوى أن لها مفهوماً يرجعون فيه إلى شيوخهم. وكذلك إذا جاءتهم الأحاديث وآثار السلف وقفوا منها هذا الموقف، فإما أن يردوا الأحاديث والآثار، وإما أن يؤولوها، وإما أن يرجعوها إلى شيوخهم ويقولون: لا نعمل بهذا الحديث أو الآية حتى نرجع إلى الشيوخ، فيكون المعول عندهم على الذوق والكشف، والذوق يتضمن أشياء كثيرة، والكشف يتضمن أشياء كثيرة، منها: الرؤى والأحلام، ومنها الهذيان عند الرقص وما يسمونه بالسماع، حتى إن بعضهم يأخذ بهذيان المخبولين، فبعض الناس يكون عندهم شيء من ضعف العقول، وهم عقلاء المجانيين أو مجانيين العقلاء، الذين عندهم نوع من الهلوسة، فهؤلاء عند الصوفية لهم خصيصة، ويزعمون أنهم لا يتكلمون إلا بحق ولا يقولون إلا حقاً، وفي مصر وفي بعض مناطق السودان يسمونهم المجاذيب، وهم أناس فيهم نوع من الجنون أو نوع من خفة العقل، فهؤلاء يتعلقون بهم ويقدسونهم فالمهم أن هؤلاء يعطون الرجال من القدر والاعتبار أكثر مما يعطون الشرع.

стр. 444

شرح العقيدة الطحاوية [٣٧] اختلف الناس في علم الكلام، ومذهب السلف الصالح ﵏ والأئمة أنه بدعة وحرام لا يجوز تعلمه ولا تعليمه، وذلك لأن الصحابة تركوه ولم يأخذوا به مع قيام الحاجة إليه في عهدهم، ولكثرة شره ومفاسده، وإضاعة الوقت فيه بلا فائدة، وإثارته للشكوك والشبهات في عقائد المسلمين، ولهذا فإن أساطين علم الكلام والذين خبروه قد حذروا منه ومن تعلمه، بعدما تبين لهم فساده وبطلانه، كالإمام الغزالي ﵀ وغيره.

стр. 445

ما قاله الغزالي في حكم تعلم علم الكلام قال رحمه الله تعالى: [ومن كلام أبي حامد الغزالي ﵀ في كتابه الذي سماه إحياء علوم الدين، وهو من أجل كتبه -أو أجلها-: فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف]. قبل أن يفصل الغزالي أحب أن أنبه إلى أنه ﵀ اضطرب اضطراباً شديداً كعادة المتكلمين الذين لا يستقرون في عقائدهم على شيء، وإن كان أنصف في كلامه هنا، لكنه اضطرب، فكلامه يشعر بوصف مذهب السلف بأنهم غلوا في رد علم الكلام أو أنهم أسرفوا في رده، ثم بعد ذلك رجح قول السلف في رد علم الكلام، ثم يرجع عن ذلك مرة أخرى في بعض عباراته، وكأنه لا يريد أن يستقر على رأي، وإن كان في الجملة -خاصة في آخر حياته، وكما هو ظاهر من غالب كلامه الذي سنقرؤه الآن- قد رجع عن علم الكلام، ورأى أن مذهب السلف هو الصحيح وهو الأسلم والأعلم والأحكم، لكن مع ذلك بقيت عنده لوثات كلامية جعلت نفسه تتعلق بعلم الكلام بعض التعلق. قال رحمه الله تعالى: [فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل: إنه فرض إما على الكفاية، وإما على الأعيان، وإنه أفضل الأعمال وأعلى القربات؛ فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله. قال: وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف. وساق ألفاظاً عن هؤلاء. قال: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، قالوا: ما سكت عنه الصحابة -مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم- إلا لما يتولد منه من الشر، ولذلك قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون)، أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء. واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله ﷺ ، ويعلم طريقه ويثني على أربابه. ثم ذكر بقية استدلالهم، ثم ذكر استدلال الفريق الآخر، إلى أن قال: فإن قلت: فما المختار عندك؟ فأجاب بالتفصيل، فقال: فيه منفعة، وفيه مضرة: فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال، أو مندوب أو واجب، كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام. قال: فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد المبتدعة، وتثبيتها في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل]. قبل أن نعرض كلامه في منفعة علم الكلام نحب هنا أن نستجلي أدلة السلف على تحريم علم الكلام من خلال ما ذكره الغزالي وغيره بإيجاز. ويظهر أن الغزالي رجح أن قول السلف هو الصحيح، لكنه استثنى استثناءً كما سيأتي، بمعنى أنه يرى أن علم الكلام مضرته أكثر من منفعته، والاستثناء الذي سيورده منقوض بكلامه هو.

стр. 446

موقف السلف من علم الكلام وبيان مجمل ما استخدموه في مناظراتهم من ألفاظ كلامية نرجع إلى قول السلف وأصل هذا القول وأدلته؛ فالسلف ﵏ كلهم يحرمون علم الكلام، فلا يظن أحد من الناس أن هناك من أهل السنة من سلف الأمة أئمة الدين وأهل الحديث من يبيح علم الكلام أبداً بإطلاق. وقد نجد من أقوال أئمة أهل السنة ما يشعر أحياناً باستخدام علم الكلام عند الضرورة، وهذا لا يعد دليلاً على إباحة علم الكلام، بل يعد من اللجوء للضرورة، كاستباحة الميتة عند الضرورة. وهذا أمر لا يتعلق به واجب أو مندوب، بمعنى أننا لا نستصدر له حكم، بل ولا ينبغي أن نستثنيه بقاعدة فنقول مثلاً: علم الكلام محرم إلا عند الضرورة؛ لأن الضرورة يتفاوت الناس في تقديرها، وقد يتذرع طالب علم أو متعلم بأنه وجد ضرورة لعلم الكلام، كأن يدافع عن العقيدة، ويرد شبهات المبطلين، ثم يدخل في علم الكلام فلا يخرج إلا كما خرج أساطينه بشبهات وشكوك ومرض قلوب وفساد اعتقاد. إذاً: فلا نُعرِّض المسلمين لما يسمى بالضرورة، وإنما ترد الضرورة في أمر يلجأ إليه العالم دون تبييت مسبق؛ كما حدث لكثير من الأئمة، فـ الشافعي ناظر بعض المتكلمين واضطر إلى أن يستعمل عبارات كلامية في موقف لم يبيته من قبل. والإمام أحمد ﵀ استعمل بعض الحجج الكلامية وإن كانت قليلة جداً ونادرة، فقد كان وقافاً على النص، لكن استعملها من باب ضرورة الدفع لشبهة يخشى أن تنطلي على العامة، أو على الناس، أو على الحاضرين أثناء المناظرة. فكان يدفع شبهتهم بأسلوب كلامي لضرورة طارئة ما بيتها الإمام أحمد من قبل، فقاعدته سالمة وباقية لم ينقضها إلا لضرورة طرأت. كذلك من جاء بعدهم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أكثر من استعمال الأساليب الكلامية ورد علم الكلام بأصول أهله، ورد قواعد المتكلمين بعضها ببعض، وهذا أيضاً ضرورة لم تلجئ الإمام ابن تيمية ولا غيره إلى أن يجعلها فتوى، إنما اضطر إليها حينما احتسب وقته وجهده وعلمه في هذا السبيل، ولم يبح ذلك للناس أو يفتحه كقاعدة أو فتوى. إذاً: فيبقى الأصل عند السلف وأئمة أهل السنة قديماً وحديثاً إلى يومنا هذا أن علم الكلام حرام، والاطلاع على كتبه حرام، ولا يلجأ إليه بدعوى الضرورة إلا من متخصص في موقف يعرض له، فيستعمل أساليب كلامية، أو يطلع على كتب أهل الكلام للرد عليها، فهذا أمر يقدره العالم المتمكن، ولا يكون بمثابة الفتوى أو المنهج الذي يقرر كما يميل إلى ذلك بعض طلاب العلم عن جهل في عصرنا الحاضر.

стр. 447

أدلة السلف على تحريم علم الكلام

стр. 448

سكوت الصحابة وإعراضهم عن علم الكلام مع قيام داعي الحاجة إليه نرجع إلى أدلة تحريم السلف لعلم الكلام، ونبدأ بما ذكره الغزالي: أولاً: قالوا: لأن هذا الأمر سكت عنه الصحابة، مع أنهم كانوا بحاجة إليه، ولا يظن ظان أن الصحابة لم يحتاجوا إلى علم الكلام، بل احتاجوا إليه إبان الفتوح، واحتاجوا إليه قبل ذلك في جدال اليهود والنصارى والمنافقين، يعني: حدثت أمور تقتضي استعمال علم الكلام فلم يستعملوه، فأقوال النصارى في القدر كانت حتى في عهد النبي ﷺ ، وتكلموا بها، وكان القرآن يتنزل في الرد عليها دون استخدام أساليب كلامية، وكذلك ما فعله النبي ﷺ مع المنافقين ومع اليهود ومع النصارى من المحاجة كان يلتزم فيه أصول الشرع والوحي، ثم ما فعله الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين، وكذلك في آخر عهد الخلفاء الراشدين واجه المسلمون أمماً كلها عندها فلسفات، وعندها قواعد كلامية، وكان من مقتضى الواقع أن يفتحوا لأنفسهم باب علم الكلام فيجادلوا اليهود بأصولهم الكلامية والنصارى بأصولهم الكلامية، والمجوس بأصولهم الكلامية، والصابئة بأصولهم الكلامية، لكن لم يفعلوا ذلك، إنما كانوا يقيمون الحجة الشرعية، ولا يجادلون إلا بحدود تلتزم بالضوابط الشرعية، ولا يتعمقون في رد أقوال الخصم، بل يردون أقوال الخصم بالأدلة الشرعية والأدلة العقلية المبنية على الأدلة الشرعية؛ لأن الأدلة الشرعية جاءت بالأدلة العقلية كما ذكر أهل العلم، وليست الأدلة الشرعية خالية من الأدلة العقلية، فما من شبهة رئيسة في الأمم قديماً وحديثاً إلا ونجد في القرآن رداً عقلياً عليها، وفي سنة النبي ﷺ وأقوال الصحابة. إذاً: فلا يقال: إن الصحابة لم يواجهوا الفلسفات فيستعملوا علم الكلام، بل واجهوا الفلسفات، لكنهم سدوا باب الكلام والمراء والجدل إلا بالتي هي أحسن وبالأصول الشرعية. إذاً: فما سكت عنه الصحابة يلزم المسلمين السكوت عنه إلى قيام الساعة، خاصة في الأمور الغيبية العقدية، وقبل ذلك ما سكت عنه الشارع، ما سكت عنه القرآن والسنة، مع أن الصحابة أعرف بالحقائق، يعني: حقائق الوحي، سواء ألفاظه ومعانيه، فالصحابة ليسوا كما يظن كثير من الناس أنهم إنما انشغلوا بالفتوح وليس عندهم تعمق في العلميات، ولا عندهم تعمق في المعارف، هذا ليس بصحيح، بل عندهم من القدرة العقلية والقدرة على التعمق ما ليس عند غيرهم، لكنهم وقفوا حيث أمروا أن يقفوا، والله أمرهم ألا يسألوا عن أشياء، وأمرهم النبي ﷺ ألا يسألوا عن أشياء من ضمنها هذه الفلسفات وهذه الكلاميات، فهم أعرف بالحقائق -أي حقائق كلام الله وحقائق الوحي- وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم.

стр. 449

جناية الشرور والمفاسد من علم الكلام الدليل الثاني: ما يتولد عن علم الكلام من الشر، كالشكوك والشبهات والاستهانة بكلام الله ، وتعريض الوحي لكثرة الخوض فيه ممن ليسوا من أهل العلم من المجادلين المماحلين والمرائين، ثم ما ينتج عن ذلك من تلويث قلوب الناس بالشكوك والشبهات والريب في دين الله ، ولذلك قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون). وهذا أمر ثابت، وهو أن التنطع في الدين لا يجوز، ومن التنطع البحث والاستقصاء في أمور الغيب، وأمور الدين وعلل الشرع، ونحو ذلك مما لا يدركه أحد أو لا يدركه إلا الراسخون في العلم.

стр. 450

انقطاع صلة علم الكلام بالدين لترك الأمر به الدليل الثالث: أن بحث المسائل الشرعية بقواعد عقلية وفلسفية لو كان من الدين لأمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون من لوازم الدين، ثم لا يبين لنا ولا نؤمر بالأخذ به، فكيف وقد نهينا عن الأخذ به أشد النهي؟!

стр. 451

إضاعة أوقات المسلمين وفتح أبواب الشبهات وأخيراً: ثبت بالاستقراء التاريخي -وهذا أمر قاطع-: أن علم الكلام لم يأت بخير، فمنذ أن بدأ أهل الأهواء يشتغلون بعلم الكلام فتحوا على المسلمين أبواباً من الشر: أولاً: من حيث إدخال الشبهات والشكوك على طوائف المسلمين، فضلوا وخرجوا عن السنة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ثانياً: أشغلوا أهل العلم بما هو أولى، فكم من الطاقات والجهود -جهود أهل العلم- قد بذل! بل إن مما بذلوه أموالهم وأرواحهم في سبيل حماية العقيدة، والتصدي لأهل الكلام وأهل الباطل وأهل الهوى؛ الأمر الذي صرف المسلمين عما هو أهم من تأصيل العقيدة ونشرها، والاهتمام بتربية المسلمين وإعدادهم، والاهتمام بالجهاد، وغير ذلك. فالطاقات التي أهدرت في سبيل دفع هذه الشرور من علم الكلام وغيره من السلف وأئمة المسلمين لا تكاد تتصور، فبعض العلماء قد يكون أفنى عمره إلا القليل في سبيل التصدي لهذه الآفات، وهذه المصائب التي جرها علم الكلام على المسلمين. ولنستعرض على سبيل المثال أنموذج الإمام أحمد في أعظم محنة امتحن بها في حياته، وهي أعظم محنة في تاريخ الإسلام بعد محنة الصحابة، وهي المحنة في قضية خلق القرآن، فهي قضية باطلة من منشئها، وابتليت الأمة بها بلوى عظيمة، فأشغلتهم عن الجهاد، وأشغلتهم عن العلم الشرعي، وأشغلتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشغلتهم عن تحقيق أمر الله ووعده، ووقع بذلك من الشر العظيم ما بقي جراحاً في الأمة إلى يومنا هذا. ومثال آخر لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على ما أعطاه الله من طاقات ومواهب، فقد قضى تسعين في المائة من عمره وحياته في الرد على أهل الأهواء، وقد جاهد الجهاد العملي بعض الوقت، لكن شغله جدال أهل الكلام والتأليف فيهم، والتصدي لأهوائهم، وشغل أكثر وقته، حتى نسي نفسه ونسي شيئاً من الأمور الضرورية، ولو انشغل بتأصيل العلم الشرعي -مع أن الله نفع به في التأصيل نفعاً عظيماً- لأثمر ثمرة عظيمة، مع أنه بذل خيراً، لكن أقصد أن هذا الخير الذي بذله كان في سبيل صد تيارات الشر التي ملأت الدنيا في ذلك الوقت.

стр. 452

بيان الغزالي أن علم الكلام عديم النفع طريق إلى الضلال قال رحمه الله تعالى: [قال: وأما منفعته؛ فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات؛ فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف. قال: وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا]. وبهذا تعلم أن عدداً كبيراً ممن تلوثوا بشيء من علم الكلام في حياتهم بقيت هذه اللوثة في عباراتهم وفي أحكامهم، فـ الغزالي ﵀ مع أنه رجع عن علم الكلام والفلسفة والتصوف، وسلم بمذهب السلف في آخر حياته، إلا أنه بقيت عند هذه اللوثة. ويلحظ هنا الاضطراب في هذه العبارات، فهو حينما قال: (وأما منفعته)، يظن أنه سيأتي بمنفعة لعلم الكلام، ولم يأت بمنفعة، بل رد هذه المنفعة وأبطلها. ثم إنه ذكرها بصيغة التمريض، أو صيغة التضعيف، فقال: (فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها)، وهذا مما يدل على أنه جازم في قرارة نفسه بأنه ليس في علم الكلام منفعة، لكن نظراً لأنه قضى أكثر عمره في علم الكلام بقي عنده شيء من الاضطراب. ثم إن قوله هنا: (وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي) من لمز المتكلمين لأهل السنة، وكنا نظن مثل الغزالي حينما تراجع عن قوله في الكلام، وسلم لمذهب السلف ألا يستعمل هذه العبارة التي يستعملها خصوم السلف. فكلمة حشوي تطلق من قبل خصوم السلف على أهل الحديث أهل السنة والجماعة، ويقصد بها الذين أطلقوها أولاً أن أهل الحديث أهل حشو، ليسوا أهل تعمق ولا تفكير، إنما يهمهم حشو الآثار وحشو الحديث، وحشو الكلام! وهذا ظلم واعتداء وخلل في التصور، فأهل السنة أهل العلم وأهل الحديث ليس فيهم حشوي ليس عنده تعمق في العلم والمعرفة، بل هم أعمق الناس معرفة، لكنهم يتحاشون الفلسفات والمراء والجدل، فلذلك ظن خصومهم أن هذا ناتج عن قصور أو عن تقصير، أو عن غفلة، والأمر ليس كذلك، إنما هو عن تورع ووقوف عند أمر الله وأمر رسوله ﷺ .

стр. 453

تحذير من خبير بعلم الكلام قال رحمه الله تعالى: [فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق]. فناقض نفسه هنا. قال رحمه الله تعالى: [وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور. انتهى ما نقلته عن الغزالي ﵀]. في الحقيقة هذا كلام عظيم، والرائد لا يكذب أهله، وكنا نتمنى أن يعي هذه النصيحة أهل الكلام الآن من إمام من أئمتهم ممن رجع عن الكلام وتاب منه، وهذا الكلام حقيقة يكتب بماء الذهب، أعني كلام الغزالي، وليت الذين يتمسكون الآن بعلم الكلام ويمدحون أهله، ويستحسنون سبيله كبعض الكتاب المتأخرين الذين ينتصرون للمؤولة وأهل الكلام؛ ليتهم يعون مثل هذا الحكم الذي حكم به الغزالي بعد تجربة طويلة، عاش فيها غمار الكلام وخاض بحاره، بل أسهم في تأسيسه وتأييده، وبذل من الجهود والأوقات الشيء العظيم في الانتصار لعلم الكلام، ثم ينتهي بهذه النتيجة المؤلمة بالنسبة له. فقوله: (فاسمع هذا ممن خبر الكلام) يقصد به نفسه (ثم قلاه) يعني: اختبره أتم الاختبار (بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل) في علم الكلام (إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك أيضاً إلى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام)، وهو التصوف وما يتفرع عنه، ثم الفلسفة أيضاً، فقد تعمق في الفلسفة، وجمع كل الوسائل التي تفيد في تأسيس علم الكلام، (وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود)، فليتهم يعون. وليس هذا كلام الغزالي فقط، بل قاله -كما قلت سابقاً- أكابر المتكلمين الذين أسسوا علم الكلام الذي يعيش عليه المتكلمون الآن من الأشاعرة والماتريدية، كلهم قالوا بهذا النتيجة. والعجيب أن أسلوبهم يكون في الغالب أسلوباً مؤلماً ومؤثراً ومحزناً، أسلوب الذي أضاع عمره وأشفق على الأمة أن تضيع عمرها في مثل ما فعل، كما سيأتي بعد قليل من كلام الجويني ومن كلام الرازي وكلام الشهرستاني وغيرهم، كلهم يتكلمون بحرقة وحسرة، وبكلام الناصح المشفق. ولو تأملنا كلامه لوجدنا فعلاً أنه كلام الذي أراد النصيحة لقومه في وقته وبعد وقته، ولكن هل يعون؟! قال رحمه الله تعالى: [وكلام مثله في ذلك حجة بالغة، والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ لعلوم صحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق. ومن ذلك: مخالفتها للكتاب والسنة، وما فيه من علوم صحيحة فقد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح تقريراً، وأحسن تفسيراً، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل: لولا التنافس في الدنيا لما وضعت كتب التناظر لا المغني ولا العمد يحللون بزعم منهمو عقداً وبالذي وضعوه زادت العقد فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك].

стр. 454

من أحسن ما رد به على أهل الكلام أحسن ما قرأت في الرد على المتكلمين بعد كتاب الله وبعد ما عليه السلف من ردود عامة الناس الذين ليس عندهم تعمق، وهو رد فطري يمكن أن يستعمل دائماً في الرد على المتكلمين؛ هو رد تلك العجوز التي رأت الرازي وهو يمشي مع تلاميذه من المغترين به الذين يكتبون ما يقوله من هذيان الفلاسفة، فلما رأته وكانت جالسة بباب بيتها عجبت، وقالت: من هذا؟ قالوا: ألا تعرفينه؟! قالت: أهو السلطان؟! قالوا: لا، قالت: أهو الوزير؟! إلى آخره، تصورته من أصحاب الوجاهة الذين يكون معهم مواكب، فقالوا: هذا الذي يملك على وجود الله ألف دليل! فقالت: تعس وخسر، والله إن كان ذلك فعنده ألف شبهة أو ألف شك، أفي الله شك؟! فالمسألة معناها: أنه تكلف في الشكوك ثم تكلف الرد عليها، وقد قال بنفسه في كتابه (التفسير الكبير)، بأن أكثر معضلات أهل الكلام لا يمكن الرد عليها، وإن ردوا عليها فيستطيع الراد أن ينقض رده. ولذلك كثيراً ما يورد بنفسه شبهة ثم يرد عليها ثم ينقض ردها، ويقول: ويرد على هذا كذا وكذا، ويشكل على قولنا هذا كذا وكذا، فيقف ولا يرد، مع أن أكثر الشبهات لا يرد عليها ابتداء، لكن إن رد أوقع القارئ في مشكلة أو معضلة، وشك في رده، ثم انتهى إلى الحيرة، وأخيراً اعترف بما سيأتي.

стр. 455

شرح العقيدة الطحاوية [٣٨] علم الكلام علم لا فائدة منه؛ مؤداه إلى الحيرة والاضطراب والتذبذب، وينتهي أمره إلى الإفلاس والضلال في دين الله تعالى، وقد عرف هذا الأمر أساطينه الكبار، ولذلك رجع بعضهم في آخر أمرهم إلى منهج السلف لما انتهوا إلى الحيرة والاضطراب، وعليه فمن المحال أن يحصل بهذا العلم هدى وعلم ويقين، ومن رام ذلك فلن يجده إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .

стр. 456

وجوب اعتماد كلام الله ورسوله وترك آراء أهل الكلام وأصولهم قال رحمه الله تعالى: [ومن المحال ألا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله ﷺ ، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين]. يقصد بهم أهل الكلام؛ لأنه لا يزال الحديث عن المتكلمين، والمتكلمون هم الذي يخوضون في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي ذاته ، وفي مسائل العقيدة وسائر أمور الغيب والأخبار ونحوها، يتكلمون عنها بمجرد الظنون والأوهام والفلسفات والعقليات، ولا يلتزمون ما ورد في النصوص الشرعية. قال رحمه الله تعالى: [بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول ﷺ قُبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد. وهذا مثل لفظ المركب والجسم والمتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح، بل ولا في اللغة، بل هم يختصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أُخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل. مثال ذلك في التركيب، فقد صار له معان: أحدها: التركيب من متباينين فأكثر، ويسمى: تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك]. الطبائع الأربع في عرف المتقدمين هي الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة. قال رحمه الله تعالى: [وهذا المعنى منفي عن الله ، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات الكمال أن يكون مركباً بهذا المعنى المذكور. الثاني: تركيب الجوار، كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضاً من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب. الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى: الجواهر المفردة. الرابع: التركيب من الهولي والصورة، كالخاتم مثلاً، هيولاه الفضة وصورته معروفة]. الهيولى هنا المقصود بها المادة الأساسية الأولية للشيء في عرف الأولين، أو ما يسمى بالمادة الخام في عرفنا. قال رحمه الله تعالى: [وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه، وهو أنه: هل يمكن التركيب من جزئين، أو من أربعة، أو من ستة، أو من ثمانية، أو ستة عشر؟ وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه. والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه. الخامس: التركيب من الذات والصفات، هذا سموه تركيباً لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة. ولئن سموا إثبات الصفات تركيباً؛ فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، فلا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً؛ لم يحرم بهذه التسمية. السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما في الخارج هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها؟! هذا محال. فترى أهل الكلام يقولون: هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟! ولهم في ذلك خبط كثير، وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك، وكم زال بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل. وسبب الضلال الإعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، والاشتغال بكلام اليونان والآراء المختلفة. وإنما سمي هؤلاء أهل الكلام؛ لأنهم لم يفيدوا علماً لم يكن معروفاً، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما يضربونه من القياس لإيضاح ما علم بالحس، وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر، ومع من ينكر الحس. وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول؛ فقد ضاهى إبليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليماً].

стр. 457

قياس أهل الكلام ما يتعلق بالله على عالم الشهادة من أسباب خوضهم المذموم خلاصة هذا المقطع: أن أهل الكلام الذين خاضوا في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي ذاته وخاضوا في أمور الغيب؛ كان من أهم أسباب خوضهم في هذه الأمور أنهم قاسوا أفعال الله وصفاته وذاته على ما يعرفونه من عالم الشهادة، أي: من المخلوقات، فلذلك جاءوا بمسألة التركيب والجسمية والتحيز والجوهر والجهة. ويقصد بذلك أن الذين عطلوا أسماء الله وصفاته، أو الذين عطلوها وأولوها لهذه العلل؛ فزعموا أن بعض ألفاظ أسماء الله أو صفاته تدل على التركيب فنفوها أو أولوها. وبعضهم زعم أنها تدل على الجسمية، فبعض أسماء الله وصفاته قالوا فيها: هذه تدل على الجسمية، أو تشعر أو توهم -بتعبيرات مختلفة منهم- فنظراً لذلك تنفى عن الله أو تؤول، وكذلك التحيز والجوهر والجهة والعرض وغيرها من الألفاظ. فالمقصود: أن الذين عطلوا أسماء الله وصفاته -كالجهمية- أو الذين أولوها -كالمعتزلة- ثم الذين ورثوا التأويل عنهم -وهم الأشاعرة والماتريدية- إنما نفوا أسماء الله وصفاته وعطلوها وأولوها بدعوى أنها تنطبق على هذه المصطلحات، وهذا كله رجم بالغيب، بل هو قول على الله بغير علم، فإذا جاز أن تنطبق هذه الأمور على ألفاظ صفات المخلوقات؛ فلا يجوز ذلك في حق الله ؛ لأن الله ليس كمثله شيء. فأسماء الله وصفاته وأفعاله تثبت له تعالى على ما يليق بجلاله، ولا يمكن أبداً بحال من الأحوال أن توهم المشابهة؛ لأن حقائقها تختلف، بل تغاير كل المغايرة حقائق خلق المخلوقات. والطبائع الأربع التي ذكرها هنا هي الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة، ويقصدون بذلك أن هذه الصفات يتكون منها الحيوان، سواء الإنسان والحيوانات الأخرى ذات الأرواح. وزعموا أن كل صفة تدل على عضو أو توجد في المخلوق فإنها صفة مركب، فمن هنا نفوها عن الله بدعوى أنها تفيد التركيب، كاليد والعين إلى آخره.

стр. 458

موقف الغزالي وابن رشد من الفلسفة وعلم الكلام قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شاكاً زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً): (يتذبذب): يضطرب ويتردد. وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله تعالى حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيئول أمره إلى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد -وهو من أعلم الناس بمذهب الفلاسفة ومقالاتهم- في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟!]. (تهافت التهافت) رد به ابن رشد على الغزالي، فـ الغزالي الملقب بحجة الإسلام عاش في أول نشأته مع الفلسفة والفلاسفة وأعجب بهم، ثم ترك الفلسفة واعتنى بعلم الكلام على مذهب المتكلمين، وفي هذه الأثناء رد على الفلاسفة بكتاب اسمه (تهافت الفلاسفة)، فرد عليه ابن رشد الحفيد بكتاب سماه (تهافت التهافت)، انتصاراً لمذهب الفلاسفة، وكل من الرجلين ترك الفلسفة وأعرض عنها، بل ترك حتى علم الكلام وأعرض عنه، فـ ابن رشد الذي كان ينتصر للفلاسفة ترك الفلسفة، وأعرض عنها وحذر منها، والغزالي الذي كان فيلسوفاً ترك الفلسفة، وبعد أن انتقل إلى علم الكلام وعاش فيه فترة من عمره تركه ونزع إلى التصوف، ثم لما تعمق في التصوف وجد فيه زلات كباراً، وأدرك أن فيه ما قد يوصل إلى الكفر، فأعرض عن هذه المذاهب كلها، وسلم تسليم العجائز، ومات على هذا المذهب. أما ابن رشد الحفيد فقد أكب على الفقه والعلوم الشرعية، وترك الفلسفة، ولم يكن يوماً من الأيام متكلماً، بل كان يرد على المتكلمين في حياته الأولى الفلسفية، وفي حياته الثانية عندما كان فقيهاً ينزع إلى الفقه، لكن مع ذلك يقول ببعض مذاهب المتكلمين في الصفات وغيرها، بما يخالف أصول المتكلمين التي قننوها وأصلوا فيها بدعهم في التأويل والتعطيل. وله في ذلك رد عظيم جداً وجيد لا يكاد يوجد عند غيره، حتى كان شيخ الإسلام ابن تيمية ومن جاء بعده كثيراً ما ينقلون عن ابن رشد في رده على أهل الكلام، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه ما رئي أقوى في رد علم الكلام والرد على أهله من كلام ابن رشد. والكلام هنا ممتد، وبعضه مرتبط ببعض، لكن سنستعرض بعض المسائل، ولعلنا نعيد الدرس مرة أخرى، فأرجو ألا ننسى؛ لأنه مترابط يحتاج إلى وقت طويل. والكلام على المتكلمين أمر يحتاج إلى الرجوع إلى أصول أهل السنة والجماعة، وما خالفها من أصول المتكلمين؛ لإثبات التذبذب والشك والحيرة والوسواس والتكذيب والجحود الذي وقع فيه المتكلمون وأشار إليه الشارح هنا. ومن أراد أن يستفيد ويستعجل الفائدة فليرجع إلى درء التعارض لشيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الأول صفحة (١٥٩) وما بعدها، فسيجد العجب العجاب، فما هذا إلا خلاصة موجزة جداً مما وجد في ذلك الكتاب.

стр. 459

تذبذب أهل الكلام وانتهاء أمرهم إلى الإفلاس قوله: (يتذبذب بين الكفر والإيمان) هذا أحسن وصف لحال المتكلمين كما ذكر الشارح؛ لأن المتكلمين يزعمون أنهم على السنة، وهم يختلفون عن الفلاسفة الخلص كـ ابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم ممن لا يتورعون عن إظهار احتقار الشريعة، واحتقار الأنبياء، فهم كالمستشرقين، فالفيلسوف يعترف بجوانب العظمة في الرسالة النبوية، وبما يبهر ظاهراً، ويقوله ويعتز به، لكنه لا يخضع للوحي ولا يسلم له، ويحصر الشرائع في أنها ظواهر تصلح لعامة الناس، وليست على مستوى العباقرة والمفكرين والعباد الكبار، هذا فهم الفلاسفة للإسلام وللدين والوحي. فهم يعتبرون الوحي مفيداً، والشرائع مفيدة وهامة، لكنها لعامة الناس؛ لأن الأذكياء أمثالهم -كما زعموا- والعباقرة وكبار العباد وكبار الصوفية يستغنون عن الشرائع، وهؤلاء أرقى عند الفلاسفة من الأنبياء، ومذاهبهم أرقى من النبوة، وسلوكهم أرقى من الشريعة، ويصرحون بذلك، وليس عندهم في ذلك أي تحفظ، كـ ابن سينا وابن رشد وابن الفارض والفارابي والسهروردي وكذلك ابن عربي، وابن عربي من أفصحهم في هذه المسألة في كتبه التي كتبها في هذه الأمور. أما أهل الكلام -وهم محل الحديث هنا- فإن عندهم شيئاً من اللبس، فهم يقدسون الشرع ويقدسون الوحي ويقدسون الدين، ويعتبرون للأنبياء منزلتهم، ويعترفون بمبدأ الخضوع للشرع وللدين، لكنهم يزعمون أن الشرع لابد أن يأتي بما يوافق العقل، أي: يضعون للعقل الاعتبار الأول، فمن هنا إذا جاءت بعض المسائل أو النصوص أو القضايا التي يرون أن العقل لا يستوعبها وقفوا فيها حائرين، فلا يثبتونها كما أثبتها الوحي، ولا يستطيعون أن ينفوها نفي التكذيب والجحود كما فعلت الجهمية وغلاة الفلاسفة، فيقفون حائرين؛ إذ لا يعترفون بالنص لأنه يخالف قواعدهم العقلية؛ ولا يستطيعون رده لأنه يخالف عقائدهم في الشرع من حيث إنه عندهم حق وصدق، فمن هنا وقعوا في الاضطراب. وما من متكلم من المتكلمين الكبار هذا مبدؤه إلا وينتهي أمره بالحيرة وإعلان الإفلاس، والخضوع للشرع الخضوع المطلق، لكن بعد فوات الأوان؛ لأنهم تشبعت أفكارهم وعقولهم بعلوم وافدة طارئة محدثة، فلما أرادوا تصحيحها لم يتمكنوا، فسلموا تسليم العجائز كلهم، الرازي، والغزالي، والجويني، والشهرستاني، والخسروشاهي وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم، كلهم ينتهون بالتسليم الفطري، أو تسليم العجائز الذي ليس فيه قدرة على إدراك التفاصيل.

стр. 460

ضرر التشبع بما يخالف الكتاب والسنة من العلوم وقد يقول قائل: كيف وهم أذكياء وعباقرة، وأخذوا علوماً منها العلوم الشرعية وتبحروا فيها، كيف لا يدركون تفاصيل العقيدة ويستوعبون ما جاء عن السلف؟ و الجواب أن المتأمل لحالهم يجد أنهم هم وأمثالهم ممن تشبع بعلم يخالف الكتاب والسنة قبل أن يستوعب العقيدة السلمية ويستوعب نصوص الشرع على نهج سليم، وتشبع بأفكار تخالف الكتاب والسنة أياً كانت، سواء كانت فلسفية أو أدبية أو تاريخية أو فكرية أو ثقافية أو غير هذا، يجد أنهم لابد من أن تؤثر تلك العلوم في أفكارهم وسلوكهم، حتى ولو استقاموا وتابوا، وأن تبقى آثارها فيهم إلى أن يموتوا، إلا النادر، والنادر لا حكم له، مع أن النادر استثناء؛ لأن الله على كل شيء قدير. أما التاريخ فلم يثبت لنا أن أحداً ممن تشبع بعلم غير الكتاب والسنة، ثم رجع الكتاب والسنة بقي سليماً أبداً، ولنأخذ مثالاً واحداً: فمن أصدق من رجعوا عن مذاهبهم الباطلة إلى الكتاب والسنة وأبلوا في ذلك بلاء حسناً أبو الحسن الأشعري ﵀، من أصدق من قرأنا له، وسمعنا عنه وعرفناه في التاريخ، واعترف له السلف بصدق رجعته، فقد كان معتزلياً تشبع بالاعتزال حتى الثمالة، وفجأة تاب من الاعتزال وتصدى للمعتزلة وأفحمهم، ويعتبر هو الرجل الثاني بعد الإمام أحمد ﵀ في قمع الجهمية والمعتزلة. ومع ذلك بقيت عنده آثار كلام المعتزلة إلى أن مات، بقيت في مذهبه حتى إنها صارت تكأة للأشاعرة، فدخلوا من سم الإبرة ووسعوه حتى كان أوسع من الباب، وظهر ذلك في نزعته في أفعال الله ، وكلام الله موافقاً في ذلك ابن كلاب، وكذلك نزعته في علم الكلام، حيث قال: إن علم الكلام قد يفيد في رد شبهات المبطلين فقط. فهو يرفض أن يقرر الدين بعلم الكلام رفضاً قاطعاً في كتاب (الإبانة) و (الرسالة إلى أهل الثغر) وغيرهما، فإنه كان يرفض علم الكتاب رفضاً قاطعاً، لكن يقول: إنه قد يفيد في رد شبهات المبطلين. وقد خالفه السلف حتى في هذه، فقالوا: لا يجوز تعلم علم الكلام وإن كان قد يفيد، لا يجوز أن نضع قاعدة أو فتوى في تعلم علم الكلام، أو أنه مشروع تعلمه. وهو خالف في هذه المسألة، ورأى أنه يمكن أن يتعلم علم الكلام من أجل الرد على المتكلمين، وحصل له في ذلك موقف مشهور حينما عارضه في ذلك إمام السنة في ذلك الوقت البربهاري مع ضعف القصة المشهورة، فضيق عليه وطرد من بغداد بسبب إصراره على أن علم الكلام قد يفيد، مع أنه يرى من حيث الاعتقاد أن علم الكلام كله باطل. أقول: هذا شاهد على أنه لا يعرف أن أحداً تشبع بعلم غير الكتاب والسنة ثم رجع إلى الكتاب والسنة، وتاب من ذلك وسلم من أثر وغوائل العلم الذي تشبع به. وهذا هو السبب الذي جعل هؤلاء الكبار من المضطربين، مع أن بعضهم من البحور في العلوم الشرعية الأخرى، تجد الواحد منهم في الفقه وأصول الفقه والتفسير إماماً، بل بعضهم أئمة في الحديث، ومع ذلك تجد فيه نزعة الكلام، فإذا رجع عن علم الكلام لا يهتدي إلى مذهب أهل السنة، لنقاوته وصفاوته ووضوحه وبيانه؛ لأنه قد يكون ذلك -والله أعلم- نوعاً من العقوبة على البدعة، وإن تاب وصلحت حاله.
следующие страницы →